فَلَا بُدَّ أَنْ تَغْشَاكَ - حِينَ غَشِيتَهَا ... هَوَاجِدُ أَبْكارٍ عَلَيْكَ وَثِيبُ (١)
وأما في اشتقاق الأفعال فتوسعه كثير، ولا عجب في ذلك لأنه أخف من القياس على الأسماء إلا أن بشارًا يعمد إلى ضربٍ من اشتقاق الأفعال، وهو عدم اكتراثه بالتعدية واللزوم، فربما استعمل القاصرَ متعديًا كقوله:
وَحَاسِدُ قُبَّةٍ بُنِيَتْ لِرَوْحٍ ... أَطَالَ عِمَادَهَا سَلَفٌ وَآدُوا (٢)
فاستعمل آد بمعنى قوّى متعدّيًا من الأيْد، والمعروف في كلام العرب أنه قاصر، يقال: آدَ فلان، إذا اشتدّ وقوِي (٣).
وأما توسُّعه في مخالفة قواعد الإعراب، فله شذوذاتٌ غير مسموع نظيرها، ولعلها من التنادر الذي أهمله أئمّة العربية لشدة ندوره، كقوله:
كَلَا المَيْتِ وَإِيَّانَا ... كَمَا لَاقَى وَلَاقَيْتُ (٤)
فأضاف "كَلَا" إلى اسم ظاهر، وهو وارد في الضرورة بالعطف، كقول الشاعر:
كَلَا أَخِي وَخَلِيلي وَاجِدِي عَضُدًا ... فِي النَّائِبَاتِ وَإلمَامِ المُلِمَّاتِ (٥)
стр. 1612
وأغرب من ذلك أنه لم يأت بالاسم الثاني معطوفًا على المضاف إليه، بل جاء به مفعولًا معه. وهذا لا نَظير له، وإن كان صحيحًا من جهة المعنى؛ لأن فيه قضاء حقِّ معنى كلا فهو مساوٍ للعطف.
توسعه في العروض وفي الضرورة:
على أن بشارًا لم يقتصر شعرُه على التوسع في اللغة والاشتقاق فحسب، بل كان يتوسع في العروض أيضًا، فلم يقتصر على قوانين الخليل بن أحمد عَصري بشار، فهو في ذلك مثل أبي العتاهية عصريّه، فإنه نظم قصيدة يقول فيها:
عُتْبَ ما للخيال ... خبِّرْني ومالي
عتْبَ مالي أراه ... طَارِقًا من ليالي (١)
فقيل له: خالفْتَ العروض، فقال: "سبقتُ العروض".
فقصيدة بشار التي أولها:
تَحَمَّلَ الظَّاعِنُونَ فَادَّلَجُوا ... وَالقَلْبُ مِنِّي الغَدَاةَ مُخْتَلَجُ (٢)
من بحر المنسرح، والمعروف في المنسرح أن تكون عروضُه صحيحة وضَرْبُه مطْوِيًّا:
مستفعلن مفعولات مستفعلن ... مستفعلن مفعولات مفتعلن
وبشارٌ استعملها بعروض مَطْوِيّة وضرْبٍ مطوِيّ، فعروضها مفتعلن وضربها مفتعلن في جميع أبياتها، ولو اقتصر على ذلك في البيت الأول لاغْتُفر؛ لأن القصيدة إذا وقع فيها التصريح، وهو مجيءُ مصراعها الأول مقفَّى كالمصراع الثاني
стр. 1613
يكون المصراع الأول على وزن الثاني عَروضًا وضرْبًا، ولكنه عمّم ذلك في جميع القصيدة. وقد تكرر ذلك منه في قصائده التي من بحر المنسرح، كقوله:
لَا فَجْعَ إِلَّا كَمَا فُجِعْتُ بِهِ ... مِنْ فَارِسٍ كَانَ دُونَنا حَدِبَا (١)
وكذلك قصيدته التي أولها:
يَا مَالِكَ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمُ ... وَفِي المُقَامِ المُطِيرِ مِنْ رَهَبِهْ (٢)
فهي من بحر المُجْتَثّ، وقد استعمله تامًّا كما رسمه الخليل في الدائرة الرابعة: مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن مرتين، غير أنه لم يُسمع عن العرب تامًّا، وإنما سمع مَجْزُوًّا: مستفعلن فاعلاتن مرتين، وشذ استعماله عند المولدين تامًّا، ومن ذلك قولُ بعضهم:
يَا ذَا الَّذِي فِي الحُبِّ يَلْحَى مُسْتَهَامَا ... لَا تَلْحَنِي إِنَّ مِثْلِي لَنْ يُلَامَا (٣)
والتزم بشار في قصيدته هذه زِحَافَين ليخفّفَ ثقلَ الميزان، وهما زِحاف الكفّ في فاعلاتن الأول فصيّره [فاعلاتُ، والقبض في فاعلاتن الثاني فصيّره] (٤) فاعلتن، ولقد أجمل فيما صنع.
وقد ذكر أبو هلال العسكري في ديوان المعاني أن بشارًا فتح الدال الأولى من لفظ صِنْدَد ورِمْدَد وهما مكسوران، إذ ليس في العربية فِعْلَل بفتح اللام إلا دِرْهم وهِجْرَع وهو الطويل الأحمق، وهِبْلَع وهو الكثير البَلع، وقِلْعَم وهو الكثير القَلع للأشياء. قال: وكان بنى قصيدته على فتح الرِّدْف ولم يلزمه ذلك وكابر على فتح صِنْدَد
стр. 1614
ورِمْدَد وهما مكسوران، فزعم محمد بن حبيب أنه رواهما بالفتح، وكابر أيضًا على فتح الراء من دَرَم في قصيدته التي أولها: "أفيضَا دَمًا إنّ الرَّزايا لها قِيَم" وإنما هو دَرِم (١).
مكانة شعر بشار من حفظ فصيح اللغة ومستعملها:
إن لديوان الشعر والنثر الصحيح مكانةً عظيمةً في تمييز مستعْمَلِ الكلام من مهجوره، وجَدْوَى على الذين يتطلبون أن ينطقوا الكلام فصيحًا، وأن يتعلموا من اللغة ما الاحتياجُ إليه أشدُّ، ومعرفته أنفع وأوفر. فإن كتب اللغة المعبّر عنها بالقواميس أثبتت جميعَ ما سُمع عن العرب دُوْنَ تمييزٍ بين ما هو مشهور فيهم وبين ما هو نادر الاستعمال. ومتطلِّب معرفة اللغة قد يضيع عليه زمان طويل من أنفس العمر في حفظ اللغة، فإذا جاءه الاحتياج إلى استعمال ما وعته حافظته وجد نفسه قد حملتْ كثيرًا من اللغة هي في غنية عن استعماله من نادر ومرادف ومجاز يحسبه حقيقة، فكانت نفوس المتطلبين للغة مستشرفةً لو تجد ما يُبقي عليها زمانها ويُنَفِّسُ عنها من جَهْدها وجُهْدها ويُدْني إليها جَنَى اللغة ناضجًا بيّنًا على الوصف الذي نوّه به أبو عُبادة البُحتري في قوله:
حُزْنَ مُسْتَعْمَلَ الكلام اختيارًا ... وتجنَّبْنَ كُلْفَةَ التعقيدِ (٢)
من أجل ذلك حاول بعض أئمةُ اللغة تمييزَ المستعمل من غيره، فألف أبو العباس أحمد بن يحيى المعروفُ بثعلب كتابَ "الفصيح"، إلا أنه كان كتابًا صغيرًا مختصرًا، وألف أبو القاسم الزمخشري كتاب "الأساس"، عُني فيه بتمييز الحقيقة من المجاز. وجاء علماء المعاني وأهلُ صناعة الإنشاء ونقد الشعر يُحَدِّدون ضوابطَ
стр. 1615
لفصيح الكلام ومتنافره، وهي وإن كانت مجدية معرفة المتنافر الكريه في السمع فلا غناء فيها من تمييز المستعمل المقبول.
ولكن الذين وفَّوا بهذا العزم في سكوتٍ أغفلَ الشاذينَ في اللغة عن إدراك مغزاهم هم الأئمة الذين عُنوا بجمع ما تكلمتْ به فصحاء العرب، كما فعل أبو تمام في ديوان الحماسة، والجاحظ في كتاب البيان والتبيين، وجميعُ الذين جمعوا دواوين العرب ومختاراتهم. وثم فائدة أخرى لهذه المجموعات، وهي أنها توعي حوافظ مزاوليها بالألفاظ التي استدعتْها المعاني الجائشة بالنفوس، فتنبئك بما يحقُّ لك أن تأخذَه من الألفاظ لتعبّر به عما يخطر لك من المعاني؛ لأن خواطر أهل اللسان متتابعة متشابهة.
وأَوْلَى الدواوين بهذا المقصد المهم دواوينُ الشعراء الذين مزجوا بين كثرة المعاني وفصاحة التعبير عنها، والذين كان عصرُهم عصرَ وفرة المعاني، والتنافس في الفصاحة. وأفضلُ العصور في ذلك هو القرن الأول من عهد الإسلام، فإن حسن أذواق شعرائه قد نفى عن الكلام الألفاظَ الغليظة، وله ذوقُ السهولة في أداء المعاني باختيار الألفاظ الصريحة الدلالة الفصيحة النطق، مع السلامة مما تطرّق إلى الطبقة التي بعدهم من الاختلاط الذي نشأ عنه ضُعف النظمِ ثم اللحن والخطأ فيه.
وشعراء هذا العصر صنفان: صنفٌ من أهل البادية، له مزية حفظ اللغة كيفما اتفق له، بحيث يُعدّ شعرهم أَجْدَى على حفظ اللسان منه على حسن الاستعمال، فوِزانُه وِزانُ القواميس، وهؤلاء مثل العجّاج وابنِه رؤبة ومثلُ ذي الرمّة وأبي النجْم والرَّاعي. وصنف من أهل الحضَر، مُزجت سعةُ علمهم في العربية بجودة ذوقهم في الاختيار والاستعمال، فجاء من ذلك المَزيج مركب هو كخمر بابلَ (١) مزجت بصفوة الثلج، وهؤلاء مثل عُمر بن أبي ربيعة وجَميل بن معمَر وكُثَيّر وبشار.
стр. 1616
وقد بذل أبو تمام جهدَه في اللحاق بهم، فاختار من شعر العرب أفصحه وأدلّه على المعاني فيما اختار من كتابه المسمى بديوان الحماسة، واجتهد أن يأتي في شعره بمثل ذلك، فأصاب الاختيارَ وأخطأ الابتكار، حتى قيل: إن أبا تمام في اختياره أجودُ منه في شِعْرِه.
وأفضل أهل هذه الطبقة بشارُ بن برد، إذ كان قد نشأ في بادية الفصاحة من مواطن عقيل، ثم في مصر تهذيب الفصاحة وهو البصرَة، ثم في عصر شبوب الحضارة وبلوغ الذوق العربي نهاية مُرتقاه قبل التدلِّي إلى ما تدلَّى إليه الذوق العربي بعد ذلك بسبب الاختلاط.
ومن أجل هذا عُدَّ بشارٌ آخرَ المتقدمين وأولَ المتأخرين، ذلك الوصف الذي حلَّاه به أئمة الأدب. وتفسيرُه أن بشارًا قد جمع في شعره أفضلَ معاني الشعر العربي القديم ومعاني القرآن وكلامِ الفصحاء والذين جاؤوا عقب ظهور الإسلام وأجودَ ألفاظ العربية الفصيحة، وتطرق إلى وصف الحضارة الجديدة في أجلَى مظاهرها، فلم يفُتْه المتقدمون ولم يَفضُله المتأخرون، على أنك تجد في شعره صورًا من حالة العرب في الجاهلية، ومن حالة الحضارة الإسلامية الأولى، ومن حضارة الأمويين العربية الإسلامية المتهذبة، ومن حضارة الدولة العباسية العربية الإسلامية الفارسية. وفي العلم ما يحتويه شعره على ذلك من الألفاظ الصالحة للدلالة على المعاني التي تخطر في نفوس أصحاب هذه الحضارات الكبيرة، وما كان لأهلها من الأفكار والخواطر الكثيرة. وفي سعة علم بشار بالعربية ومستعمَلها عونٌ لمطالع شعره على التملِّي من فصيح اللغة.
стр. 1617
قال ابن منظور في كتابه "لسان العرب": "برئ المريض (بفتح الباء وكسر الراء) وبَرَأَ (بفتح الراء) يَبْرَأُ وَيبْرُؤُ (بفتح الراء وضمها)، وأهل الحجاز وأهل العالية يقولون: بَرَأْتُ (بفتح الراء في الماضي، أي وبضمها في المضارع) [أبرَأُ برْءًا وبُروءًا]. [وأهل الحجاز يقولون: برَأْتُ من المرض برْءًا، بالفتح]. وسائر العرب يقولون: بَرِئْتُ (بكسر الراء في الماضي وفتحها في المضارع). . . قال ابن بَرِّي: لم يذكر الجوهري بَرَأْتُ أَبْرُؤ (بفتح الماضي وضم المضارع)، وقد ذكره سيبويه وأبو عثمان المازني وغيرهما من البصريين، قال: وإنما ذكرتُ هذا لأن بعضَهم لَحَّن بشار بن برد في قوله:
نَفَرَ الحيُّ مِنْ مَكَانِي فَقَالُوا ... فُزْ بِصَبْرٍ لَعَلَّ عَيْنَكَ تَبْرُو" (١)
فأنتَ ترى كيف اقتصر بشار على الفصيح، وكيف تناساه الناسُ حتى أهمله الجوهري، وحتّى اجترأ على تلحين بشار في حين استعمل الأفصح، وسيجيء ذكرُ هذا البيت في جزء الملحقات (٢).
стр. 1618
مكان شعر بشار من حفظ التاريخ في الجاهلية والإسلام:
لقد عرفتُ شعرًا كثيرًا لشعراء العرب في الجاهلية والإسلام، وعُنيت بتتبع ما في خلاله من أحوال العرب وتاريخهم، فما رأيت شاعرًا أوفَى ذِكرًا لها وإشارة إليها مثل بشار. ذلك أن شعراء الجاهلية ما كانوا يحتفُون بذكر أحوال حياتهم ومعتقداتهم عدا أحوال الغرام والضيافة والحرب؛ لأن تمَثل تلك الأحوال نُصْبَ أعينهم يجعلهم يستسمحون الحديث عنها لرواة أشعارهم، إذ يرونه من الإخبار بالمعلوم، وقد قفى على أثرهم في ذلك شعراء العصر الأول الإسلامي، أمثال ذي الرمة والعجاج والفرزدق، وجرير، لقربهم من بداوة شعراء الجاهلية ولاشتغالهم بأبواب الهجاء من الشعر.
وقد كانت نشأةُ بشار عقب ذلك في عصر طُوِيَ فيه بساطُ الحياة الجاهلية، وشبّ في النفوس الوَلَعُ بأخبار العرب وحال حياتهم، ليكون ذلك عَونًا لهم على فهم أدبهم. وكان بشار أولَ مَنْ نشأ على معرفة أحوال العرب، وأدرك بقيةً من حياتهم في مواليه بني عُقيل حول البصرة، وملأ وِطابَه من محض أدبهم كما قدمناه. وقد خوّله تغلغلُه بينهم معرفةَ خَفِيِّ أحوالهم ومشهورها وتلقن أخبارهم المحفوظة على ألسُن بقيتهم، فكان في ذلك مثل ابن القِرِّيَّة وفوق الأصمعي، فبعثه وَلَعُه بهم
стр. 1619
على التمثل بها والحديث عنها والتشبيه بها في شعره، إذ كان هو شاعرًا، ولم يكن ابن القِرِّيَّة ولا الأصمعي بشاعرَيْن.
ومن بعد بشار أخذ ذلك الوَلَعُ يتضاءل، والبعدُ عن مخالطة العرب يتسع عند شعراء الحضر، فلم يُتح لأحد من معاصري بشار - بلْه من جاء بعده - مثلُ ما أتيح لبشار. ثم إن مطالع شعر بشار يجده مماسًّا للحوادث التاريخية من أواخر الدولة الأموية إلى أواخر عصر المهدي بالله العباسي. ولقد وَسَم بعضُ المؤرخين حوادثَ من تاريخ العصر العباسي بأبيات من شعر بشار، مثلما يقولون في سبب تنكر المهدي على وزيره يعقوب بن داود بأن أوّله قولُ بشار فيه:
بَنِي أُمَيَّةَ هُبُّوا طَالَ نَوْمُكُمُ ... إِنَّ الخَلِيفَةَ يَعْقُوبُ بنُ دَاودِ
ضَاعَتْ خِلَافَتُكُمْ يا قوم فالتَمِسُوا ... خَلِيفَةَ الله بَيْنِ الزِّقِّ والعُودِ (١)
وإذا ذكروا عمر بنَ العلاء قائدَ المنصور، عرّفوه بأنه الذي قال فيه بشار:
إذا أيقَظَتْكَ حُرُوبُ العِدَا ... فنَبِّهْ لَهَا عُمرًا ثُمَّ نَمْ (٢)
ودون ما ذكروه قد اشتمل شعره على وصف حوادث مهمة، وربما وُجد فيه من الإشارة إلى حوادث أو بقاعٍ أو رجال ما أهمل التاريخ بعضه. وكان شعر بشار فريدًا بحوز الخصلتين في تقييد كثير من تاريخهم.
شهادة الأئمة لبشر بجزالة الشعر وسلامة الذوق:
ذكر أبو الفرج الأصبهاني في ترجمة أبي العتاهية أن بشارًا قال لأبي العتاهية: "أنا والله أستحسن اعتذارَك من دمْعِكَ حيث تقول:
стр. 1620
كمْ مِنْ صَدِيقٍ لي أُسَـ ... ـارِقُهُ البُكَاءَ مِنَ الحَيَاءِ
فَإِذَا تَأَمَّلَ لَامَنِي ... فَأَقُولُ مَا بِي مِن بُكَاءِ
لَكِنْ ذَهَبْتُ لأَرْتَدِي ... فَطَرَفْتُ عَيْنِي بِالرِّدَاءِ
فقال له أبو العتاهية: لا والله يا أبا معاذ، ما لُذْتُ إلا بمعناك، ولا اجتنيت إلا من غَرسِك، حيث تقول:
شَكَوتُ إِلَى الغَوَانِي مَا أُلَاقِي ... وَقُلْتُ لَهُنَّ مَا يَوْمِي بَعِيدُ
فَقُلْنَ: بَكَيْتَ؟ قُلْتُ لَهُنَّ كَلَّا ... وَقَدْ يَبْكِي مِنَ الشَّوْقِ الجَلِيدُ
وَلَكِنِّي أَصَابَ سَوَادَ عَيْنِي ... عُوَيْدُ قَذًى لَهُ طَرَفٌ حَدِيدُ
فَقُلْنَ: فَمَا لِدَمْعِهِمَا سَواءً ... أَكِلْتَا مُقْلَتَيْكَ أَصَابَ عُودُ؟ (١)
وذكر أبو الفرج الأصبهاني والشيخ عبد القاهر في فصل من فصول نظم الكلام من كتابه دلائل الإعجاز: "رُوي عن الأصمعي أنه قال: كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلفٍ الأحمر، وكانا يأتيان بشارًا فيسلّمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثتَ؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه، ويكتبان عنه متواضعَين له، حتى يأتي وقتُ الزوال، ثم ينصرفان. وأتياه يومًا فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتَها في سَلْم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتْكم؛ قالوا: بلغنا أنك
стр. 1621
أكثرتَ فيها من الغريب، قال: نعم، بلغني أن سَلْم بن قتيبة يَتَباصر بالغريب، فأحببتُ أن أوردَ عليه ما لا يعرف، قالا: فأَنشِدْناها يا أبا معاذ، فأنشدهما:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ... إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلتَ يا أبا معاذ مكان "إن ذلك النجاحَ في التبكيرِ"، "بكِّرا فالنجاح في التبكير" كان أحسن، قال بشار: إنما بنيتُها أعرابيةً وحشيةً، فقلت: "إن ذاك النجاحَ في التبكير"، كما تقول الأعراب البدَويون، ولو قلتُ: "بكِّرا فالنجاح في التبكير"، كان هذا من كلام المُوَلَّدين ولا يشبه ذلك الكلامَ، ولا يدخلُ في معنى القصيدة. قال: فقام خلفٌ فقبل بين عينيه".
قال عبد القاهر: "فهل كان هذا القول من خَلَف والنقدُ على بشار إلا للُطفِ المعنى وخفائه؟ " ثم شرح الشيخُ ما أومأ إليه بشار، وعلّله بطريقة علمية فقال: "واعلمْ أن من شأن "إن" إذا جاءت على هذا الوجه أن تُغْنِيَ غناءَ الفاء العاطفة، وأن تفيدَ من ربط الجملة بما قبلها أمرًا عجيبًا، فأنت ترى الكلامَ بها مستأنفًا غيرَ مُستَأْنَف، مقطوعًا موصولًا معًا. أفلا ترى أنّك لو أسقطتَ "إنَّ" من قوله: "إنّ ذاك النجاحَ في التبكير" لم تر الكلام يلتئم، ولرأيتَ الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل، حتى تجيء بالفاء فتقول: "فذاك النجاح في التبكير". ومثلُه قولُ بعض العرب:
فغَنِّها وَهْيَ لَكَ الفِدَاءُ ... إنّ غِنَاءَ الإبِلِ الحُدَاءُ" (١)
стр. 1622
وفي أمالي الشريف المرتضى الموسوي عن علي بن هارون قال: "وما في الدنيا شيءٌ لقديم ولا محدَث من منثور ولا منظوم في صفة الغناء واستحسانه مثل هذه الأبيات (لبشار):
وَرَائِحَةٍ لِلْعَيْنِ فِيهَا مَخْيَلَةٌ ... إِذَا بَرَقَتْ لَمْ تَسْقِ بَطْنَ صَعِيدِ"
فذكر أبياتًا عشرة هي من القصيدة التي في ورقة ١٣٩ (١).
وذكر الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" عن علي بن يحيى بن أبي منصور أحد أصحاب إسحاق المَوْصلي قال: "ما عُرف بشار بسرقة شعر جاهلي، ولا إسلامي". (٢) وقال الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين": "المطبوعون على الشعر من المولدين بشارٌ العُقيلي، والسيّد الحِمْيري، وأبو العتاهية، وابن أبي عيينة. وقد ذكر الناسُ في هذا الباب يحيى بن نوفلَ، وسلْمًا الخاسِر، وخلف بن خليفة". قال الجاحظ: "وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أوْلَى بالطبع من هؤلاء، وبشارٌ أطبُعهم كلِّهم". (٣) وفي المجموعة الأدبية العتيقة: "قال المازني: سألتُ الأصمعي عن بشار، فقال: غوّاصٌ نظّار، يصفُ الشيءَ لم يرَه وكأنَّه رآه، ويجمع في البيت الواحد ما فرّقتْه الشعراءُ في عدّة. فقلت له: مثلَ أيش؟ فقال: مثل قوله:
كَأنَّهَا رَوْضَةٌ مُنَوَّرَةٌ ... تَجْمعُ طيبًا ومنظرًا حَسَنَا (٤)
стр. 1623
وقوله:
أَنا وَالله أَشْتَهِي سِحْرَ عَيْنَيْـ ... ـكِ وَأَخْشَى مَصَارِعَ العُشَّاقِ" (١)
وقال أبو العيناء عن الأصمعي: دخلْتُ على الرشيد فقال: أنشدني أفْخَر بيتٍ قالتْه العرب (٢)، فقلت: بيت جرير:
إذا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو تَمِيمٍ ... وَجَدْتَ النَّاسَ كُلَّهُمْ غِضَابَا (٣)
فقال الرشيد: بشار أفخرُ منه حيث يقول:
إِذَا مَا غَضبْنَا غَضْبَةً مُضَريَّةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ نُقْطِرَ (٤) [الدَّمَا] [*]
ثم قال: أنشدني أمدحَ بيت قالته العرب، فأنشدتُه قول جرير:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا ... وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ (٥)
فقال: بشار أمدحُ، حيث يقول:
لَيْسَ يُعْطِيكَ لِلرَّجَاءِ وَلَا الخَوْ ... فِ وَلَكِنْ يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ
يَسْقُطُ الطَّيْرُ حَيْثُ يَنْتَثِرُ الحَبُّ ... وَتُغْشَى مَنَازِلُ الكُرَمَاءِ (٦)
стр. 1624
ثم قال: أنشدني أهجى بيت قالته العرب، فأنشدته:
قَوْمٌ إِذَا اسْتَنْبَحَ الأَضْيَافُ كَلْبَهُمُ ... قَالُوا لأُمِّهِمُ: بُولِي عَلَى النَّارِ (١)
فقال: بشار أهجى منه حيث يقول:
إِذَا أَنْكَرْتَ نِسْبَةَ بَاهِلِيٍّ ... فكَشِّفْ عَنْهُ حَاشِيَةَ الإِزَار
عَلَى اسْتَاهِ سَادَتِهمْ كِتَابٌ ... مَوَالِي عَامِرٍ وَسْمًا بِنَارِ (٢)
وفي أمالي المرتضى: "قيل لأبي حاتم: من أشعرُ الناس؟ قال: الذي يقول (يعني بشارًا):
وَلَهَا مَبْسِمٌ كَثَغْرِ الأَقَاحِي ... وَحَدِيثٌ كَالوَشْي وَشْيِ البُرُودِ
نَزَلَتْ فِي السَّوَادِ مِنْ حَبَّةِ القَلْـ ... ـبِ وَنَالَتْ زِيَادَةَ المُسْتَزِيدِ
عِنْدَها الصّبْرُ عِنْ لِقَائِي وَعِنْدِي ... زَفَراتٌ يَأْكُلْنَ صَبْرَ الجَلِيدِ" (٣)
وقال الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين": "ولم يكن في المولدين أصوَبُ بديعًا من بشار وابن هَرْمَةَ"، "والعتَّابِيُّ (٤) يحتذي حذْوَ بشارٍ في البديع". قال: "والمطبوعون
стр. 1625
على الشعر من المولَّدين بشارٌ العُقيلي، والسيّد الحميري، وأبو العتاهية، وابن أبي عُيينة (١). وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل، وسلْمًا الخاسر، وخلف بن خليفة. وأبانُ بن عبد الحميد اللاحقي أولَى بالطبع من هؤلاء، وبشارٌ أطبعُهم كلِّهم". (٢) [وقال الأصبهاني: ] "وهو من المطبوعين أصحابِ الإبداع والاختراع المُفْتَنِّين في الشعر، القائلين في أكثر أجناسه وضروبه". (٣)
وسئل الأصمعيُّ عن بشار ومروان بن أبي حفْصة (٤): "أيهما أشعر؟ فقال: بشار. فسئل عن السبب في ذلك، قال: لأن مروان سلك طريقًا كثُر من يسلكه، فلم يلحق بِمَنْ تقدمه، وشَرِكه فيه مَنْ كان في عصره، وبشارٌ سلك طريقًا لم يُسلَكْ، وأحسنَ فيه وتفرّد به. وهو أكثرُ تصرّفًا وفنونَ شعرٍ، وأغزرُ وأوسعُ بديعًا، ومروان لَم يتجاوز مذاهبَ الأوائل". وقال: "وجدتُ أهلَ بغداد قد ختموا الشعراء بمروانَ، وبشارٌ أحقُّ بأن يختموهم به من مروان. فقيل له: لِمَ؟ فقال: وكيف لا يكون كذلك وما كان مروانُ في حياة بشار يقول شعرًا حتى يصْلحه له بشارٌ ويقوّمه! . . . كان
стр. 1626
بشارٌ مطبوعًا لا يكلِّف طَبْعَه شيئًا متعذرًا، لَا كَمَنْ يقول البيتَ ويحككه أيامًا". (١) "وكان الأصمعي يشبه بشارًا بالأعشَى والنابغة، ويشبه مروان بزُهير والحطيئة، ويقول: هو متكلِّف". (٢) وكان أبو عبيدة يفضل بشارًا على مروانَ أيضًا (٣).
وقال الجاحظ في كتاب الحيوان قُبيل القول في النيران: "وما كان ينبغي لبشر أن يناظر حمادًا من جهة الشعر وما يتعلق بالشعر؛ لأن حمادًا في الحضيض، وبشارًا مع العَيُّوق. وليس في الأرض مُوَلَّدٌ قروِيٌّ يُعدُّ شعرُه في المحدَث إلا وبشار أشعرُ منه". (٤) ثم قال: "ومع هذا، فإنا لا نعرف بعد بشارٍ أشعرَ منه" (٥).
ولَمْ يشُذَّ عن الأئمة الشاهدين بسموِّ مرتبة بشار سوى إسحاق الموصلي، فكان يغُضّ من بشار، ويقول: "هو كثيرُ التخليط في شعره، وأشعاره مختلفة، لا يُشبه بعضُها بعضًا، أليس هو القائل:
إِنَّمَا عَظْمُ سُلَيْمَى خُلَّتي ... قَصَبُ السُّكَّرِ لَا عَظْمُ الجَمَلْ
стр. 1627
وَإِذَا أَدْنَيْتَ مِنْهَا بَصَلًا ... غَلَبَ المِسْكُ عَلَى رِيحِ البَصَلْ؟
فلو قال كل شيء جيد، ثم أضيف إلى هذا لزَيَّفَه". وكان يقدّم عليه مروان بن أبي حفصَة، ويقول: "هذا هو أشدُّ استواءَ شعرٍ منه، وكلامُه ومذهبُه أشبهُ بكلام العرب ومذهبها". (١) وسيأتي الجوابُ عن هذا ونحوه.
وفي "رسالة الغفران" للمعرِّي أن أصحاب بشار يروُون بيتًا لبشار وهو:
وَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ ... وَلَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ
وقد استشهد سيبويه في كتابه بالنصف الآخر من هذا البيت في باب الإدغام، وقيل إن البيت لأبي الأسود الدؤَلي (٢). قالوا: وكان سيبويه إذا سُئل عن شيء فوجد له شاهدًا من كلام بشار احتجّ به، فزعموا أن ذلك استكفافٌ لشر بشار. وأنا أحسب سيبويه أرفعَ من أن يفعلَ ذلك لمصانعة بشار، إذ قد كان بشار راضيًا بأن
стр. 1628
يسلَمَ من نقدِ سيبويه ومن انتصاره (١). وقد احتجّ علماء النحو وعلماء المعاني على جواز تجريد الجملة الحالية عن الواو، إذا كانت جملةً اسمية وكان مبتدؤها ضميرًا ولم يكن ضمير صاحب الحال، بقول بشار: "خرجتُ مع البازي عليَّ سوادُ"، قاله الرضي في شرح الكافية وصاحب المفتاح (٢).
اهتمام أهل الصناعة بشعر بشار:
احتوت دواوين المختارات وكتبُ المحاضرات على اختيار كثير من شعر بشار كانَ هو الوحيد في أغراضه. وقد اختار أبو تمام في ديوان الحماسة من شعر بشار في مواضع. ومن العجب أنه لا يصرح باسمه، فهو يُعَنْوِن ما يأتي به من شعر بقوله: "وقال آخر"، كقوله في باب الأدب: "وقال آخر:
إِنْ يَحْسُدُونِي فَإِنِّي غَيْرُ لَائِمِهِمْ ... قَبْلي مِنَ النَّاسِ أَهْلُ الفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا
. . . الأبيات الثلاثة (٣). وقال في باب الأدب أيضًا: "وقال آخر:
стр. 1629
تَثَاقَلْتُ إِلَّا عَنْ يَدٍ أَسْتَفِيدُهَا ... وخُلّةِ ذِي وُدٍّ أَشُدُّ بِهَا أَزْرِي (١)
وهو بيتٌ مفرد من جملة القصيدة المثبتة في الديوان التي أولها: "تجاللتُ عن فهر وعن جارتَي فهر" (٢)، إلا أنه برواية مخالفة كما سنذكره. وقال في باب الأضياف والمديح: "وقال آخر:
لمَسْتُ بكفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الغِنَى ... ولَمْ أدْرِ أَنَّ الجُوَد مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
. . . البيتين (٣). ولَم أعرف وجهَ التزامه هذا العنون، ولعله كان قد عَلِق بحفظه من شعر بشار ما اختار إثباتَه، ولم يتحقق نسبته إلى بشار، إذ كان ديوانُه غيرَ مجموع، أو لم يتصل بروايته. ألا تراه يُعَنْون بقوله: "وقال آخر" في مواضع كثيرة لغير شعر بشار. وفي "زهر الآداب" أن أبا تَمَّام روى لبشار قولَه:
أَنَا وَالله أَشْتَهِي سِحْرَ عَيْنَيْـ ... ـكِ وَأَخْشَى مَصَارِعَ العُشَّاقِ (٤)
стр. 1630
وقال: "ما رأيت شعرًا أغزل من هذا". (١)
وصنّف الأديب هارون بن علي بن يحيى المنجم البغدادي (المتوفّى سنة ٢٨٨) كتابَ "البارع في أخبار الشعراء المولّدين"، وجمع فيه مائة وواحدًا وستين شاعرًا، وافتتحه بذكر بشار بن برد. واختار فيه من شعر كل واحد عيونَه. قال ابن خلكان: " [وبالجملة فإنه] من الكتب النفيسة، [فإنه] يُغني عن دواوين [الجماعة] الذين ذكرهم، فإنه [مخض] أشعارَهم وأثبت منها زُبْدتَها وترك [زَبَدَها]، وإن كتاب الخريدة (للعماد الكاتب) وكتاب الحظِيري والبَاخَرْزِي [والثعالبي] فروعٌ عليه، وهو الأصل الذي نسجوا على منواله". (٢)
وعُني أبو الفرج الأصبهاني بشعر بشار وأخباره، فخصه بترجمة ذكر فيها معظمَ ما يرويه أهلُ الأدب والفكاهة عن بشار، ثم خصه بترجمة في أخباره مع عبدة خاصة، وتعرّض في ترجمة حمّاد عجرد لكثر من أخبار بشار (٣).
ولم يزل أصحابُ كتب المحاضرات والمختارات والأمالي يزينون كتبَهم بمختارات بشار، مثل الراغب الأصفهاني والحُصَري والشريف المرتضى وغيرهم. ثم جاء الأديبان الفاضلان الأخوان الخالديان فاختارا من شعره كثيرًا، وسنذكر ذلك عند الكلام على ديوانه.
من نقد بشارا ومن أجاب عنه:
في شرح المعري على ديوان المتنبي (٤): "قال خلّاد بن مَهْرُويَه لبشار: إنك تجيء بالشيء الهجين المتفاوت؛ بينما تقول شعرًا يثير النَّقْع ويخلع القلوب، مثل قولك:
стр. 1631
إِذَا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَريَّةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ نُقْطِر الدَّمَا
إذا بك تقول:
رَبَابَةُ رَبَّةُ البَيْتِ ... تَصُبُّ الخَلَّ فِي الزَّيْتِ
لَهَا عَشْرُ دَجَاجَاتٍ ... وَدِيكٌ حَسَنُ الصَّوْتِ
فقال له بشار: لكل وجهٍ موضعٌ، فالقول الأول جدٌّ، وهذا قلته في جاريتي ربابة، وأنا لا آكل البيضَ من السوق، وربابة تجمع لي البيضَ، فإذا أنشدتها هذا حَرَصت على جمع البيض، فهذا عندها أحسنُ من "قفا نبكِ"، ولو أنشدتُها من النمط الأول ما فهمتْه". (١)
فقال: إنما الشاعرُ المطبوعُ كالبحر، مرةً يقذف صَدَفَه، ومرة يقذف جِيَفَه". (١) فكأنه اعترف بسخافة ذلك، وذلك لا يقدح في حصافة شعره، إذ قد تَعْرِضُ للشاعر مقاماتٌ يرتكب فيها السخيفَ لمناسبة المقام.
وبعد، فكفَى المرءَ نبلًا أن تعدُّ معايبه. على أن لبشار في بعض شعره معاني سخيفة وضعفًا في بعض أبياته، وذلك لا يقدح في فحولته، مثل قوله:
هِيَ الرُّوحُ مِنْ نِفْسِي وَلِلْعَيْنِ قُرَّةٌ ... فِدَاءٌ لَهَا نَفْسِي وَعَيْنِي وَحَاجِبِي (٢)
فقوله "وحاجبي" زيادةٌ ركيكة ما أتى بها إلا لتكلف القافية، وذلك من العِي.
وأما انتقادُ بعض شعر بشار من جهة ما فيه من المفاحشة في الهجاء، فذلك انتقادٌ راجع إلى الأخلاق لا إلى الصناعة. وقد كانوا في عصرهم ذلك يستبيحون مثلَه في الإقذاع بالهجاء، ولكن بشارًا أفرطَ فيه وجاء بشيء ركيك. وأما انتقادهم من جهة السيرة الشعرية، ففي "البيان والتبيين" للجاحظ أن قول بشار:
وَصَاحِبٍ كَالدُّمَّلِ المُمِدِّ ... حَمَلْتُهُ فِي رُقْعَةٍ مِنْ جِلْدِي (٣)
ذهب إلى قول الشاعر:
يَوَدُّونَ لَوْ خَاطُوا عَلَيْكَ جُلُودَهُمْ ... وَلَا تدْفَعُ المَوْتَ النُّفُوسُ الشَّحَائِحُ (٤)
стр. 1634
وأنت خبيرٌ بأن بين المعنيين بونًا يُعدُّ ادعاءُ سرقة بشار منه ظلمًا لبشار، فإن كان لمجرد ذكر لفظ الجِلْد فيجب أن يكون من قال لفظًا في شعره يُعدّ على مَنْ يستعمل مثله سرقة. وقال الإمام المرزوقي في "شرح الحماسة" قولُ الأحوَص الأنصاري:
إِنِّي إِذَا خَفِيَ الرِّجَالُ وَجَدْتَنِي ... كَالشَّمْسِ لَا تَخْفَى بِكُلِّ مَكَانِ
إن بشارًا أخذه في قوله:
أَنَا المُرَعَّثُ لَا أَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... ذرَّتْ بِيَ الشَّمْسُ لِلْقَاصِي وَلِلدَّانِي (١)
ومثلُ هذا المعنى مِمَّا تتوجه إليه قرائحُ الشعراء كثيرًا، فلا حظَّ لواحد منهم دون آخر إلا بمقدار حسن تصرفه في التعبير عنه. والأديب اللبيب لا يمتري في حسن تصرف بشار فيه لعدوله عن تشبيهه بالشمس إلى جعل الشمس تطلع به، فسلك طريقةً التجريد المتضمنة للتشبيه، وهي أدقّ، لا سيما إذا كان التشبيه مطروقا.
والتحقيق أنه لا يخلو شاعرٌ عن أن يُلِمَّ في شعره ببعض معاني الشعراء وبعض تراكيبهم، ولا يُعدّ ذلك سرقة. وقد صدر ذلك من العرب ومَن بعدهم،
стр. 1635
حتى قال عنترة: "هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَرَدَّمِ" (١). ذلك أن بعض التراكيب قد تصير مشتهرةً في الاستعمال، فيتناقلها الناسُ، وتسير مَسيرَ الأمثال. وبعضُها قد يصير معروفًا بين الشعراء، فيصير كلغة خاصة بهم، وبعضها قد يبتكره بعضُ الشعراء، فيستجاد منه ويشتهر فيأخذه مَنْ يجيء بعده، ولا يعدّ ذلك سرقة لشهرته. وقد وقع الافتتاح بجملة "بانت سعادُ" لعدّة من شعراء العرب، ذكرهم ابن هشام في شرح قصيدة كَعْب. وقد قال بشار:
مِنْ كُلِّ لَذَّاتِ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُ نَائِلةً وَعُرْفَا (٢)
فألَمَّ بقول [زهير بن جناب الكلبي]:
مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَهْ (٣)
وقال بشار:
هَيْفَاءُ مُقْبِلَةً عَجْزَاءُ مُدْبِرَةً ... لَمْ تُجْفَ طُولًا وَلَا أَزْرَى بِهَا القِصَرُ (١)
أخذه من قول كعب بن زهير:
هَيْفَاءُ مُقْبِلَةً عَجْزَاءُ مُدْبِرَةً ... لَا يُشتَكَى قِصَرٌ مِنْهَا وَلَا طُولُ (٢)
وفي محاضرات الراغب الأصفهاني: "قال أبو عمرو بن العلاء: شعر بشار سُباطَةُ الملوك فيها قطعةُ ذهب وما شئت من رماد، والسباطة الكُسَاحَة". (٣) وأبو عمرو بن العلاء ممن يشهدون لبشار كما تقدم، فتعين أن مرادَه بهذا الكلام إنما ينظر إلى ما في كلامه من المفاحشات لا إلى صناعة شعره.
وأما سرقةُ بيت أو أبيات باللفظ ووضعها في شعره، ففي الأغاني: "أخبرني يحيى بن علي قال: حدثني أبي قال: كان إسحاقُ الموصليُّ يَطعَنُ على شعر بشار، ويضع منه، ويذكر أن كلامَه مختلفٌ لا يُشبه بعضُه بعضًا، فقلنا: أتقول هذا القولَ لمن يقول:
إِذَا كُنْتَ فِي كُلِّ الأُمُورِ مُعَاتِبًا ... صَدِيقَكَ لَمْ تَلْقَ الَّذِي لَا تُعَاتبُهْ
стр. 1638
فَعِشْ وَاحِدًا أَوْ صِلْ أخَاكَ فَإِنَّهُ ... مقَارِفُ ذَنْبٍ مَرَّةً وَمُجَانِبُهْ
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَشْرَبْ مِرَارًا عَلَى القَذَى ... ظَمِئْتَ، وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَاربُهْ
[قال علي بن يحيى: ] وهذا الكلام الذي ليس فوقه كلامٌ من الشّعر ولا حشوَ فيه، فقال لي إسحاق: أخبرني أبو عبيدة [معمر بن المثنى] أن شُبَيْلَ بن عَزْرَةَ الضُّبْعِيَّ أنشده هذا الأبيات للمتلمس، وكان عالِمًا بشعره؛ لأنهما جميعًا من ضُبَيْعة، فقلتُ له: أفليس قد ذكر أبو عبيدة أنه قال لبشار: إن شبيلًا أخبره أنها للمتلمس؟ فقال (بشار): كذبَ والله شبيلٌ، هذا شعري، ولقد مدحْتُ به ابنَ هُبيرَةَ فأعطاني أربعين ألفا (١). . . ثم قلت لإسحاق: أخبرْنِي عن قول بشار في هذه القصيدة:
فَلَمَّا تَوَلَّى الحَرُّ وَاعْتَصَرَ الثَّرَى ... لَظَى الصَّيْفِ مِنْ نَجْمٍ تَوَقَّدَ لَاهِبُهْ
وَطَارَتْ عَصَافِيرُ الشَّقَائِقِ وَاكْتَسَى ... مِنَ الآلِ أَمْثَالَ المَجَرَّةِ ناضِبُهْ
غَدَتْ عَانَةٌ تَشْكُو بِأَبْصَارِهَا الصّدَى ... إِلَى الجَأْبِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُخَاطِبُهْ (٢)
وهذا من أحسن ما وُصف به الحمار والأُتنُ، أفهذا للمتلمس أيضًا؟ قال: لا، فقلت: أفما هو في غاية الجودة وشبيهٌ بسائر الشعر؟ فكيف قصد بشار لسرقة تلك الأبيات خاصة؟ وكيف خصَّه [يعني المتلمسَ] بالسرقة منه وحده من بين الشعراء وهو قبله بعصرٍ طويل؟ وقد روى الرواةُ شعره، وعلم بشارٌ أن ذلك لا يخفَى، ولَم يُعثر على بشار أنه سرق شعرًا قط جاهليًّا ولا إسلاميًّا، [وأخرى فإن شعر المتلمس يُعرف في بعض شعر بشار]، فلم يردّ ذلك بشيء". (٣)
стр. 1639
نقده للشعر والشعراء:
تكلم بشار في نقد الشعر كلامَ مَنْ يُعَدّ من أئمة النقد والبلاغة، ولا يقتصر على قول الشعر بالسجية. ذكر أبو الفرج الأصبهاني في ترجمة أبي العتاهية أن المهديّ جلس للشعراء، وفيهم بشارٌ وأشْجَع وأبو العتاهية، فأنشد أبو العتاهية قصيدتَه التي أولها:
أَلَا مَا لِسَيِّدَتِي مَا لَهَا ... تُدِلُّ فَأَحْمِلُ إذْلَالَهَا
[وَإلَّا فَفِيمَ تَجَنَّتْ وَمَا ... جَنَيْتُ سَقَى الله أَطْلَالَها]
أَلَا إِنَّ جَارِيَةً لِلإمَا ... مِ قَدْ أسْكَنَ الحبُّ سِرْبالَها
فقال بشار لأشجع: "ما أدري من أي أمرَيْه أعجب! أمن ضعْف شعره، أم من تشبيبه بجارية الخليفة؟ "، حتى أتى أبو العتاهية على قوله:
أَتَتْهُ الخِلَافَةُ مُنْقادَةً ... إِلَيْهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا
فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ ... وَلَا يَكُ يَصْلُحُ إِلَّا لَهَا
قال بشار لأشجع: " [ويْحك أخا سليم: ] أترى الخليفةَ لم يَطِرْ فِراشُه طربًا لِمَا يأتي به هذا الكوفي! " (١)
стр. 1640
وفي "زهر الآداب" للحُصري: "قال بشار: ما زال فَتًى من بني حنيفة (يعني العباس بن الأحنف) يُدخِلُ نفسَه فينا (يعني الشعراء)، ويُخرجها (١) منا (يريد أنه يتكلف فيأتِي بشعر مختلط الجيد بالرديء) حتى قال:
نَزَفَ البُكَاءُ دُمُوعَ عَيْنِكَ فَاسْتَعِرْ ... عَينًا لِغَيْرِكَ دَمْعُهَا مِدْرَارُ
مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا ... أَرَأَيْتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟ " (٢)
يعني أنه لما قال هذا صار يقول الشعر المطبوع المتين.
وقال أبو عبيدة: "سمعتُ بشارًا يقول وقد أُنشِدَ في شعر الأعشى:
وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ والصَّلَعَا (٣)
فأنكره بشار، وقال: هذا بيت مصنوعٌ ما يشبه كلامَ الأعشى، فعجبتُ لذلك. فلما كان بعد هذا بعشر سنين كنتُ جالسًا عند يونس، فقال: حدثنا أبو عمرو بنُ
стр. 1641
العلاء أنه صنع هذا البيت وأدْخلَه في شعر الأعشى [وذكر أبو عبيدة البيت]، فجعلْت حينئذ أزدادُ عجبًا من فطنة بشار، وصحة قريحته، وجودة نقده للشعر". (١)
وقال الرياشي: "أُنْشِد بشارٌ قولَ كُثيِّر عزَّةَ (أو هو قول المجنون، كما قال الراغب في المحاضرات):
وَقَدْ جَعَلَ الأَعْدَاءُ يَنْتَقِصُونَهَا ... وَتَطْمَعُ فِيهَا أَلسُنٌ وَعُيُونُ (٢)
أَلَا إِنَّمَا لَيْلَى عَصَا خَيْزُرَانةٍ ... إِذَا غَمَزُوهَا بِالأَكُفِّ تَلِينُ
فقال بشار: قاتل الله أبا صخر، يزعم أنها عصًا، ويعتذرُ بأنها خَيْزُرانة، والله لو جعلها عصًا زُبْدٍ أو عصا مُخٍّ لقد كان جعلها جافيةً خشنةً بعد أن جعلها عصًا، فكان قد هجن كلامه بذكر العصا، ألا قال كما قلْتُ:
وَدَعْجَاء المَحَاجِرِ مِنْ مَعَدٍّ ... كَأَنَّ حَدِيثَهَا ثَمَرُ الجِنَانِ
إِذَا قَامَتْ لِمَشْيَتَهَا تَثَنَّتْ ... كَأَنَّ عِظَامَهَا مِنْ خَيْزُرانِ" (٣)
стр. 1642
وقال بشار: "ما قالت امرأة قطُّ شعرًا إلا وظهر الضعفُ فيه، قيل له: والخنساء؟ قال: تلك التي غلبت الفحول". (١) ورأيتُ في مجموعة عتيقة - يظهر أنها من منتخبات أبي القاسم الأصفهاني صاحب كتاب "الواضح في شرح مشكل المتنبي" (٢) - أن بشارًا سئل عن الفرزدق وجرير والأخطل، فقال: "لم يكن الأخطل مثل جرير والفرزدق، ولكنّ ربيعةَ تعصّبتْ له وأفرطتْ فيه، وكان جرير يُحسِن ضُروبًا من الشعر لا يحسنها الفرزدق، فجرير خيرٌ منه".
مكانة بشار من النثر:
لم يكن انقطاع بشار إلى الشعر وإجادته فيه بالذي يقصر به عن سمو المنزلة في الترسل والخطابة. قال الجاحظ في البيان: "ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم بشار"، "وكان شاعرًا راجزًا، وسَجَّاعًا خطيبًا، وصاحبَ منثور ومزدوج، وله رسائل معروفة"، وهو من المطبوعين (٣). ومن فقراته الفائقة ما ذكره
стр. 1643
صاحب "معاهد التنصيص" في ترجمة ابن الرومي: أن بشارًا مدح المهدي بقصيدة، فحرمه الجائزة، فقيل لبشار: "فقيل له: حَرَمك أميرُ المؤمنين، فقال: والله لقد مدحتُه بشعر لو مُدح به الدهرُ ما خُشي صَرفُه على أحد، ولكنني كذَبْتُ في العمل فكُذِبتُ في الأمل" (١).
وقال الأصمعي: " [قلتُ لبشار: يا أبا معاذ]، إن الناس يعجَبون من أبياتك في المشورة، فقال لي: يا أبا سعيد، إن المُشاوِرَ بين صوابٍ يفوز بثمرته، أو خطأ يُشَارَكُ في مكروهه، فقلتُ له: أنت والله في قولك هذا أشعرُ منك في شعرك". (٢)
стр. 1644
وفي تاريخ بغداد للحافظ البغدادي في ترجمة بشار أنه دخل على المهدي يعزيه على البانوقة، فقال له: "يا ابنَ مَعدِنِ الملك، وثمرة العلم، إنما الخلقُ للخالق، وإنما الشكرُ للمنعم، ولا بُدَّ مما هو كائن، كتابُ الله عِظتُنا، ورسول الله أُسوتنا، فأية عِظَةٍ بعد كتاب الله، وأية أسوة بعد رسول الله ﷺ ، مات فما أحسن الموت بعده". (١)
ومن سجعه في كتاب غرر الخصائص الواضحة: "وقال بشار: لقد عشتُ في زمانٍ وأدركتُ أقوامًا لو اختفلتِ الدنيا ما تجمَّلْتُ إلا بهم، وأنا الآن فِي زمانٍ ما أرى فيه عاقلًا حصيفًا، ولا فاتكًا ظريفًا (٢)، ولا ناسكًا عفيفًا، ولا جوادًا شريفًا، ولا خادمًا نظيفًا، ولا جليسًا خفيفًا، ولا مَنْ يساوي على الخبرة رغيفًا، وأنشد:
فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ ... وَلَا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كُنْتُ أَعْرِفُ" (٣)
وحسبك من مكانته في النثر أنه مع كونه أعمى لم يستغن الأمراء عن جعله في زمرة الكتاب، ذكر ابن رشيق في كتاب العمدة في الباب الأول أن بشارًا كان من كتاب الأزِمَّة (٤)، وقد تقدم ذلك في ذكرِ مكانته لدى الأمراء.
стр. 1645
علاقة بشار بإفريقية:
إن ولاية يزيد بن حاتم وابنيه داود وروح أمراء على القيروان - وهم من أشهر ممدوحي بشار بالقصائد الغرّ - لَهِيَ أوثقُ سبب يصل شعرَ بشار بأرض إفريقية، إذ يكون شعره قد أنشد بالقيروان: إما مرسلًا من الشاعر إليهم أو إلى بعضهم، وإما مَرْويًّا في جملة ما يفخر هؤلاء الأمراء الثلاثة به على أقرانهم ورعاياهم.
ثم كانت لشعر بشار صلةٌ أخرى بإفريقية، وذلك حين ورد إليها ما اختاره الأخوان محمد وسعيد الخالديان (١)، فأُولِع به إسماعيل بن أحمد التُّجِيبي
стр. 1646
القيرواني (١) من أهل أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، واختار منه ما استجاده، وكتب شرحًا على مختاره سماه: "الرائق بأزهار الحدائق"، وهو الذي نشره العلامة محمد بدر الدين العلوي من جامعة عليكرة بالهند (٢)، ثم ها هي ذي إفريقية اليوم تختص بالقطعة الوحيدة من ديوان بشار، وهي التي بخزانتي، وها أنا ذا الآن بصدد إبرازها لعصابة الأدب (٣).
أعلام شعر بشار:
أعلام الناس الواردة في شعر بشار ثلاثة أقسام:
قسم هو أعلام حقيقية معروفة، مثل أعلام الممدوحين من الخلفاء والوزراء ومن شملهم حوادثهم من قواد وثوار، وكذلك أعلام معاصريه ممن هاجاه أو عرّض به أو نحو ذلك، وأعلام حبائبه المعروفات عبدة وخاتم الملك.
стр. 1647
القسم الثاني: أعلام شعرية تضمنها النسيب في بعض قصائده، فمنها ما قد يكون له مسمّى في نفس الأمر، ومنها ما ليس كذلك.
القسم الثالث: أعلامٌ مشكوك في أن لها مسميات أو لا، مثل أسماء رجال يذكرهم في شعره من مساعدين وعذال ونحوهم، والظاهر أنه أراد التعمية في أسمائهم، لأنهم من أهل مجالس سره. ومن هؤلاء مَنْ سماه بأبِي مجلز في قوله:
بَعَثْتُ إِلَيْها أَبَا مِجْلَزٍ ... وَأَيُّ فَتًى إِنْ أَصَابَ اعْتزَمْ
فقال رجل لبشار: "مَنْ أبو مجلز يا أبا معاذ؟ فقال له: وما حاجتُك إليه! ألك عليه دَيْنٌ أو تطالبه بطائلة؟ هو رجلٌ يتردّد بيني وبين معارفي في رسائل". (١)
وأنشد بشار يومًا: "غَنِّنِي للغَريضِ يَابْنَ قُنانِ"، فقال له بعضُ الحاضرين: "لسنا نعرفه (أي ابن قنان) من مغنِّي البصرة! فقال: وما عليكم منه! ألكم قِبَلَه دَيْنٌ فتطالبوه به، أو ثَأْرٌ تُريدون أن تدرِكوه، أو كفَلْتُ لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره؟ قالوا: ليس بيننا وبينه شيءٌ من هذا، وإنما أردنا أن نعرفَه، فقال: هو رجلٌ يغنِّي لِي ولا يخرج من بيتي، فقالوا: إلى متى؟ قال: مذ يومَ وُلِد إلى يوم يموت". (٢)
ومن الأعلام المرادُ بها التعمية أسماءٌ وكنى لبعض حبائبه، يُعَمِّي بها المقصود، وقد ذكر ذلك في قوله:
стр. 1648
يَتَغَنَّى إِذَا خَلَا بِاسْمِكِ الحَقِّ ... وَيَكْنِيكِ فِي العِدَى "أمَّ وَهْبِ" (١)
وهذه سنةٌ غرامية سلكها كثيرٌ من الشعراء المحبين.
ديوان بشار:
إن طرائقَ الرواة في جمع الدواوين مختلفة: فمنهم من يبعثه ولعُه بالشاعر أو بانتقاده إلى مصاحبته في حياته ورواية شعره عنه، فيجمع كلَّ ما يصدرُ عنه من الشعر. وهذه الطريقة أَدْعَى وأثبتُ للصحة، وهي التي نشاهدها كثيرًا في دواوين الشعر المكللة طوالعها بسلسلة رواتها. وبمثل هذه الطريقة جُمع شعر كثير من الشعراء الذين لا يكتبون، مثل العجّاج وجرير وذي الرمة، وبها أيضًا جمع ديوان أبي الطيب المتنبي بما رواه ابن جني والصاحب بن عباد والحاتمي والثعالبي وخلق كثير.
ومنهم من يجمع الديوان من أوراق الشاعر وتقييداته، وهذه طريقة يختلف حالها في استقصاء الجمع على حسب اختلاف أحوال شعرائها في الاهتمام بتقييد آثارهم الشعرية بالانتخاب في التقييد أو بالتعميم، وتفاوتهم في حسن الضبط وانتظامه ووجود أعوان لهم على الكتابة. وبمثل هذه الطريقة جُمعتْ دواوين المتأخرين، وبمثلها جُمع ديوان المعرِّي المسمى بسِقْط الزَّنْد ولزومياته. وقد كان شعر المتنبي مجموعًا عنده، فلما قتلتْه الأعراب تلاشت أوراقه في جملة ما في رحاله، وقد رام ابنُه التقاطها من مصرعه بعد أيام من قتله، فكانت محاولته هذه سببًا في اعتداء أعداء أبيه عليه في موضع مصرع أبيه، على أن الواحدي في آخر شرحه لشعر المتنبي قال: "هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي جمعه بنفسه". (٢)
стр. 1649
ومنهم مَنْ تخطر له العناية بجمع شعر أحد الشعراء بعد انقراض عصر ذلك الشاعر، فيذهب يستخلص ما يجده من شعره من أفواه الرواة وأوراق التقاييد والمختارات، ومن كتب اللغة وشواهد النحو والبلاغة. وبمثلها جُمعت دواوينُ شعراء الجاهلية وما قاربها من صدر الإسلام، مثل امرئ القيس وزهير والأعشى وحسّان والشَّمَّاخ. وبمثلها جمع أبو تمام ديوان الحماسة، وأبو الفرج الأصفهاني فيما تضمنه كتاب الأغاني. وهذه الطريقةُ أبعدُ الطرق عن الاستيعاب، وعن المحافظة على ترتيب أبيات القصائد، وعن (١) تحقيق اتحاد الأبيات الكائنة من بحر واحد وقافية واحدة في أنها من قصيدة واحدة.
وطريقةُ جمع شعر بشار كانت مزيجًا من الطريقتين الأولى والثانية؛ فإن عناية الناس بشعر بشار في حياته كانت تغريهم على الاستكثار من حفظه وتقييده. وقد كان له رواةٌ يروون شعره كما أسلفته في المقدمة، وكان مع ذلك فقْدُ بصره مانعًا له من التقييد، فكان يعتمد على حافظته أو على مَنْ يكتب له، كما أن ما في طبعه من الانغماس في اللهو والاستهتار بمحاسن النساء والشراب يصرفه عن شدة اليقظة لحفظِ أوراقه وقماطيره. فلا ريب في أن ذلك كان سببًا قويًّا لتلاشي معظمها، ولكن المحقق أن كثيرًا منها كان محفوظًا في أوراق الناس ومحفوظاتهم. وقد حدثنا الرواةُ لأخباره أنه لمَّا قُتل فُتِّشتْ أوراقُه وتقاييده، ووُجد بها شعرٌ له، ووجد منها بيتان في هجو آل سليمان لم يعرفهما الناسُ في حياته (٢).
стр. 1650
وإن عُقْبَى هذه الطريقة في الجمع باديةٌ على الموجود من ديوانه؛ فإنك ترى قصائده موعبة طويلة دالة على تمكن جامعها من وسائل جمعها. ونجد من جهة أخرى كثيرًا منها غير واضح الترتيب، ولا تام الأغراض، ولا جامعًا لكل ما يرويه الرواة من تلك القصائد؛ إذ نجد أبياتًا من قصائد منثورةً في كتب الأدب، وقد عرى عنها ديوانُ شعره، ونجد ما يرويه أئمة الأدب أنه من قصيدة واحدة تارة موزَّعًا بين قصيدتين، كما في القصيدة التي أولها: "طَرِبتَ إلى حوضَى وأنت طروب" في الورقة ٣٠، فإن أبياتًا منها ذُكرت مفردةً في آخر الورقة ٢٨.
وقد اتفق الرواة على أن لبشار ديوانًا عظيمًا، وأنه أكثرُ الشعراء شعرًا، قال الحُصري في زهر الآداب: "قال بشار: أنا أشعر الناس؛ لأن لي اثنيْ عشر ألفَ قصيدة، فلو اختِيرَ من كل قصيدة بيتٌ لاستُنْدر، ومَنْ نَدرت له اثنا عشر ألفَ بيتٍ فهو أشعر الناس". (١) وقد كان شعرُ بشار مجتمعًا عقب موت بشار، ففي الموشح للمرزباني عن عمر بن شَبَّة (٢) أنه قرأ شعر بشار على محمد بن بشار بن برد (٣).
ومع شهرة بشار ورغبة الناس في شعره في كل عصر، فقد كان ديوانُه عزيزَ الوجود يُنزَّل منزلة المفقود، ويوصف بأنه مفقود منذ العصور القديمة. فقد قال عنه ابن النديم في الفهرست: "ولم يجتمع شعره لأحد، ولا احتوى عليه ديوان. فقد رأيتُ منه نحو ألف ورقة منقطع، وقد اختار شعره جماعة" (٤).
لكنا نجزم بأن ديوانه، وإن كان عزيزَ الوجود، لم يكن مفقودًا، فقد ذكر أبو هلال العسكري في ديوان المعاني أن محمد بن حبيب - وهو من أهل القرن الثالث -