القيرواني (١) من أهل أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، واختار منه ما استجاده، وكتب شرحًا على مختاره سماه: "الرائق بأزهار الحدائق"، وهو الذي نشره العلامة محمد بدر الدين العلوي من جامعة عليكرة بالهند (٢)، ثم ها هي ذي إفريقية اليوم تختص بالقطعة الوحيدة من ديوان بشار، وهي التي بخزانتي، وها أنا ذا الآن بصدد إبرازها لعصابة الأدب (٣).
أعلام شعر بشار:
أعلام الناس الواردة في شعر بشار ثلاثة أقسام:
قسم هو أعلام حقيقية معروفة، مثل أعلام الممدوحين من الخلفاء والوزراء ومن شملهم حوادثهم من قواد وثوار، وكذلك أعلام معاصريه ممن هاجاه أو عرّض به أو نحو ذلك، وأعلام حبائبه المعروفات عبدة وخاتم الملك.
стр. 1647
القسم الثاني: أعلام شعرية تضمنها النسيب في بعض قصائده، فمنها ما قد يكون له مسمّى في نفس الأمر، ومنها ما ليس كذلك.
القسم الثالث: أعلامٌ مشكوك في أن لها مسميات أو لا، مثل أسماء رجال يذكرهم في شعره من مساعدين وعذال ونحوهم، والظاهر أنه أراد التعمية في أسمائهم، لأنهم من أهل مجالس سره. ومن هؤلاء مَنْ سماه بأبِي مجلز في قوله:
بَعَثْتُ إِلَيْها أَبَا مِجْلَزٍ ... وَأَيُّ فَتًى إِنْ أَصَابَ اعْتزَمْ
فقال رجل لبشار: "مَنْ أبو مجلز يا أبا معاذ؟ فقال له: وما حاجتُك إليه! ألك عليه دَيْنٌ أو تطالبه بطائلة؟ هو رجلٌ يتردّد بيني وبين معارفي في رسائل". (١)
وأنشد بشار يومًا: "غَنِّنِي للغَريضِ يَابْنَ قُنانِ"، فقال له بعضُ الحاضرين: "لسنا نعرفه (أي ابن قنان) من مغنِّي البصرة! فقال: وما عليكم منه! ألكم قِبَلَه دَيْنٌ فتطالبوه به، أو ثَأْرٌ تُريدون أن تدرِكوه، أو كفَلْتُ لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره؟ قالوا: ليس بيننا وبينه شيءٌ من هذا، وإنما أردنا أن نعرفَه، فقال: هو رجلٌ يغنِّي لِي ولا يخرج من بيتي، فقالوا: إلى متى؟ قال: مذ يومَ وُلِد إلى يوم يموت". (٢)
ومن الأعلام المرادُ بها التعمية أسماءٌ وكنى لبعض حبائبه، يُعَمِّي بها المقصود، وقد ذكر ذلك في قوله:
стр. 1648
يَتَغَنَّى إِذَا خَلَا بِاسْمِكِ الحَقِّ ... وَيَكْنِيكِ فِي العِدَى "أمَّ وَهْبِ" (١)
وهذه سنةٌ غرامية سلكها كثيرٌ من الشعراء المحبين.
ديوان بشار:
إن طرائقَ الرواة في جمع الدواوين مختلفة: فمنهم من يبعثه ولعُه بالشاعر أو بانتقاده إلى مصاحبته في حياته ورواية شعره عنه، فيجمع كلَّ ما يصدرُ عنه من الشعر. وهذه الطريقة أَدْعَى وأثبتُ للصحة، وهي التي نشاهدها كثيرًا في دواوين الشعر المكللة طوالعها بسلسلة رواتها. وبمثل هذه الطريقة جُمع شعر كثير من الشعراء الذين لا يكتبون، مثل العجّاج وجرير وذي الرمة، وبها أيضًا جمع ديوان أبي الطيب المتنبي بما رواه ابن جني والصاحب بن عباد والحاتمي والثعالبي وخلق كثير.
ومنهم من يجمع الديوان من أوراق الشاعر وتقييداته، وهذه طريقة يختلف حالها في استقصاء الجمع على حسب اختلاف أحوال شعرائها في الاهتمام بتقييد آثارهم الشعرية بالانتخاب في التقييد أو بالتعميم، وتفاوتهم في حسن الضبط وانتظامه ووجود أعوان لهم على الكتابة. وبمثل هذه الطريقة جُمعتْ دواوين المتأخرين، وبمثلها جُمع ديوان المعرِّي المسمى بسِقْط الزَّنْد ولزومياته. وقد كان شعر المتنبي مجموعًا عنده، فلما قتلتْه الأعراب تلاشت أوراقه في جملة ما في رحاله، وقد رام ابنُه التقاطها من مصرعه بعد أيام من قتله، فكانت محاولته هذه سببًا في اعتداء أعداء أبيه عليه في موضع مصرع أبيه، على أن الواحدي في آخر شرحه لشعر المتنبي قال: "هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي جمعه بنفسه". (٢)
стр. 1649
ومنهم مَنْ تخطر له العناية بجمع شعر أحد الشعراء بعد انقراض عصر ذلك الشاعر، فيذهب يستخلص ما يجده من شعره من أفواه الرواة وأوراق التقاييد والمختارات، ومن كتب اللغة وشواهد النحو والبلاغة. وبمثلها جُمعت دواوينُ شعراء الجاهلية وما قاربها من صدر الإسلام، مثل امرئ القيس وزهير والأعشى وحسّان والشَّمَّاخ. وبمثلها جمع أبو تمام ديوان الحماسة، وأبو الفرج الأصفهاني فيما تضمنه كتاب الأغاني. وهذه الطريقةُ أبعدُ الطرق عن الاستيعاب، وعن المحافظة على ترتيب أبيات القصائد، وعن (١) تحقيق اتحاد الأبيات الكائنة من بحر واحد وقافية واحدة في أنها من قصيدة واحدة.
وطريقةُ جمع شعر بشار كانت مزيجًا من الطريقتين الأولى والثانية؛ فإن عناية الناس بشعر بشار في حياته كانت تغريهم على الاستكثار من حفظه وتقييده. وقد كان له رواةٌ يروون شعره كما أسلفته في المقدمة، وكان مع ذلك فقْدُ بصره مانعًا له من التقييد، فكان يعتمد على حافظته أو على مَنْ يكتب له، كما أن ما في طبعه من الانغماس في اللهو والاستهتار بمحاسن النساء والشراب يصرفه عن شدة اليقظة لحفظِ أوراقه وقماطيره. فلا ريب في أن ذلك كان سببًا قويًّا لتلاشي معظمها، ولكن المحقق أن كثيرًا منها كان محفوظًا في أوراق الناس ومحفوظاتهم. وقد حدثنا الرواةُ لأخباره أنه لمَّا قُتل فُتِّشتْ أوراقُه وتقاييده، ووُجد بها شعرٌ له، ووجد منها بيتان في هجو آل سليمان لم يعرفهما الناسُ في حياته (٢).
стр. 1650
وإن عُقْبَى هذه الطريقة في الجمع باديةٌ على الموجود من ديوانه؛ فإنك ترى قصائده موعبة طويلة دالة على تمكن جامعها من وسائل جمعها. ونجد من جهة أخرى كثيرًا منها غير واضح الترتيب، ولا تام الأغراض، ولا جامعًا لكل ما يرويه الرواة من تلك القصائد؛ إذ نجد أبياتًا من قصائد منثورةً في كتب الأدب، وقد عرى عنها ديوانُ شعره، ونجد ما يرويه أئمة الأدب أنه من قصيدة واحدة تارة موزَّعًا بين قصيدتين، كما في القصيدة التي أولها: "طَرِبتَ إلى حوضَى وأنت طروب" في الورقة ٣٠، فإن أبياتًا منها ذُكرت مفردةً في آخر الورقة ٢٨.
وقد اتفق الرواة على أن لبشار ديوانًا عظيمًا، وأنه أكثرُ الشعراء شعرًا، قال الحُصري في زهر الآداب: "قال بشار: أنا أشعر الناس؛ لأن لي اثنيْ عشر ألفَ قصيدة، فلو اختِيرَ من كل قصيدة بيتٌ لاستُنْدر، ومَنْ نَدرت له اثنا عشر ألفَ بيتٍ فهو أشعر الناس". (١) وقد كان شعرُ بشار مجتمعًا عقب موت بشار، ففي الموشح للمرزباني عن عمر بن شَبَّة (٢) أنه قرأ شعر بشار على محمد بن بشار بن برد (٣).
ومع شهرة بشار ورغبة الناس في شعره في كل عصر، فقد كان ديوانُه عزيزَ الوجود يُنزَّل منزلة المفقود، ويوصف بأنه مفقود منذ العصور القديمة. فقد قال عنه ابن النديم في الفهرست: "ولم يجتمع شعره لأحد، ولا احتوى عليه ديوان. فقد رأيتُ منه نحو ألف ورقة منقطع، وقد اختار شعره جماعة" (٤).
لكنا نجزم بأن ديوانه، وإن كان عزيزَ الوجود، لم يكن مفقودًا، فقد ذكر أبو هلال العسكري في ديوان المعاني أن محمد بن حبيب - وهو من أهل القرن الثالث -
стр. 1651
له روايةٌ في شعر بشار (١). وذكر الشهاب الخفاجي - وهو من أهل القرن الحادي عشر - في شرحه على "درة الغواص" للحريري - عند الكلام على لفظ المشورة - أنه نقل أبياتَ بشار في المشورة من ديوانه، إذ قال ما نصُّه بعد أن ذكر قولَه:
إِذَا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشورَةَ فَاسْتَعِنْ ... بِرَأْيِ لَبِيبٍ أَوْ نَصِيحَةِ حَازِمِ
"هذا بيتٌ من نتفة له، كما طالعتُه في ديوانه وهي برمتها. . . . إلخ" (٢).
وقال بعضُ المطلعين من علماء العصر (٣): "إن ديوان بشار لا يُعرف أنَّ أحدًا ذكره بعد القرن السابع للهجرة". وقال الأستاذ زيدان في كتاب تاريخ آداب اللغة العربية: "وليس منها (أي قصائد بشار) الآن إلا نتفٌ متفرقة في كتب الأدب، وليس لبشار ديوانُ شعر مجموع" (٤).
стр. 1652
وإن أكبرَ دليل على عزة وجود ديوانه هو قلةُ المطلعين على عينه، وذلك سببُ ما نراه في كتب المحاضرات والمختارات والمعاني والبديع من قلة التعرض لأبيات بشار، وندرة الزيادة على بيت مفرد أو بيتين، مع التكثر من إنشاد أشعار الشعراء، ومع التنافس في الظفر بشيء من شعر بشار في الأغراض المختلفة، ومع ما لبشار من الشعر في كل غرض.
وإن أكثرَ دواوين الأدب جمعًا لشعر بشار هو كتاب الأغاني، فإنه جمع له في الأجزاء الثالث والخامس والسادس والسابع والثالث عشر ما يبلغ ستمائة بيت. وكذلك كتاب المختار من مختار شعر بشار للخالديين الذي انتقاه وشرحه أبو الطاهر إسماعيل بن أحمد التجيبي القيرواني من أهل القرن الخامس في منتصفه. وقد كان كتابُه مجهولًا، فنشره الشيخ السيد محمد بدر الدين العلوي من أهل عليكرة بالهند، فإنه جمع من مختار شعر بشار نحو ثلاثمائة وثلاثين بيتًا. وقد لاحظتَ أن ديوانه كان أروجَ في بيت مفرد أو بيتين منه، ثم ترى ذلك أخذ يقِلُّ من كتبهم بمقدار تزايد العصور (١)، وتراه بين أهل المشرق أشيعَ منه في بلاد المغرب.
وإن تلاشي ديوانه أو عزة وجوده لَمِمَّا يدعو إلى العجب، وكيف أضاعه المولَعون بأفانين الأدب مع تنافسهم في تحلية مختاراتهم ومحاضراتهم بمختارات منه؟
ولقد يتطلب المتفكر في هذا سببًا لتلاشى الديوان من أيدي أهل الأدب، فيخال أن ما رُمي به من الزندقة هو الذي صرف الناسَ عن الاهتمام بشعره. وهذا خيال باطل؛ إذ لم ينصرف الناس عن رواية شعره والعناية به في أقوى العصور نفورًا من الزندقة، وهو عصر المهدي العباسي وما يليه كما تقدم، على أنهم لم ينصرفوا عن العناية بشعر أبي نواس والأخطل وصالح بن عبد القدوس.
стр. 1653
ورُبَّما تخيل متخيِّلٌ أن ما لصق ببشار من وشاياتٍ عند أهل الدولة في خلافة المهدي هو الذي أحجم بالناسِ عن إظهار العناية بشعره. وهذا التخيل مثل التخيل السابق؛ لأنا نرى أشدَّ العصور في العناية بشعره هو ذلك العصر بعينه. على أنهم لم يُحجموا عن رواية شعر أبي عطاء السندي في الدولة العباسية، وهو من شيعة بني أمية، ولا عن شعر السيد الحميري وهو من شيعة العلويين، ولا عن شعر الفرزدق في الدولة الأموية وهو من شيعة العلويين.
أما أنا فأعلل تلاشيَ ديوان بشار بسبب أنه أولُ المُولَّدين الذين كانوا على طريقة العرب المتقدمين في العناية بفصاحة الكلام وحسن التعبير عن المعاني بأسلوب عربي، حسبما قدمته في ذكر حديثه مع أبي عمرو بن العلاء (١) وخلف الأحمر في قصيدته التي طالعها: "بكّرَا صاحبيّ قبل الهجير". فزها شعره، وتناقلته الرواة وأعجبوا به أيام كان الذوق العربي لم يزل ماؤه يترقرق في النفوس، وأيام كان القرب من أساليب العرب موضع إعجاب المتأدبين. وقد وجد فيه كلُّ ذي نزعة من الشعر رغبتَه وطِلبته: فمِنْ علماء البلاغة وأئمة المعاني وأساطين المفسرين، إلى الشعراء وأهل المجون والخلاعة والدعارة. وذلك ما لم يدانِه فيه أحدٌ من الشعراء عدا الحسن بن هانئ أبا نواس الحَكَمي. فلذلك وجدوا في شعر بشار غُنية عمن سبقه، فعكف الناسُ عليه، وصرفوا كلَّ همهم إليه.
فلما ضعفت الملكةُ العربية في أذواق المتأدبين في أواخر الدولة العباسية، وأولع الأدباءُ بالمحسنات اللفظية واللطائف المعنوية، ثقل عليهم الشعر الفحل والمذهب الجَزْل، فأنساهم إياه ولعُهم بالمذهب الأدبي الجديد، كما أنساهم شعرَ مثل طَرَفَة وزُهير ولَبيد. فتوزع الشعراء معانِيَ بشارٍ بالسرقة والتصرف، وصوغه في
стр. 1654
قوالب لفظية تناسب أذواقَ عصورهم، وأقبل الناسُ على شعر أبي تمام والبحتري زمانًا. وقد ذكروا أن أبا الطيب كان يحفظ ديوانَيْ أبي تمام والبحتري ويجحدهما (١).
على أن ظهورَ ديوان أبي الطيب المتنبي وإقبالَ أهل الأدب عليه من نواح كثيرة قد كانت له يدٌ قوية في التعفية على دواوين الشعراء الذين قبله، مثل بشار وابن الرومي ومهيار وأبي العتاهية وأبي تمام وغيرهم من المكثرين. وقد قال الواحدي في ديباجة شرحه لديوان أبي الطيب: "وإن الناس منذ عصر قديم قد ولّوا جميعَ الأشعار صفحة الإعراض، مقتصرين على شعر أبي الطيب المتنبي، نائين عما يُرْوى لسواه، وإن فاته وجاوز في الإحسان مداه". (٢) وقال في خاتمة الشرح: "إن ما دعانِي إلى تصنيف هذا الكتاب هو اجتماعُ أهل العصر قاطبة على هذا الديوان، وشغفُهم بحفظه وروايته، وانقطاعُهم عن جميع أشعار العرب جاهليًّا وإسلاميًّا إلى هذا الشعر، واقتصارهم عليه في تمثلهم، ومحاضراتهم، وخطبهم، ومقاماتهم، حتى كأنّ الأشعارَ كلها فُقدت". (٣)
стр. 1655
وهذا السبب هو الذي لأجله أعرض معظمُ المتأدبين عن شعر شعراء الجاهلية، ولولا الحاجة إليه من ناحية الاحتجاج للغة العربية والنحو والبلاغة لمُني شعر الجاهلية بمثل ما مُني به شعر بشار من الإعراض عنه والزهادة فيه. فتلاشي شعرِ بشار قد توارد عليه من هذه العلة سببان للتلاشى هما: زهد المتأدبين وهو مفضٍ إلى التلاشى غير مقصود به، وكثرةُ السارقين وهو نشأ عن قلة تداوله بين الناس.
والسرقةُ مما يتعمّد معها الإتلاف، فإن السرقة تُحدث ضراوةً في نفس صاحبها بتعمد إخفاء سرقته بكل وسيلة، فإذا علم قلةَ أصول ما أخذ منه سرقاتِه عمد إلى اضمحلالها، فقد يصادف أن يضمحل كلُّه بمصادفة آخر نسخة منه، وقد تنجو نسخةٌ ضئيلة أو أوراقٌ قليلة.
ذكر أبو الفرج الأصفهاني في ترجمة سَلْم الخاسر أنه أنشد الرشيدَ قصيدتَه التي أولها: "حضر الرحيلُ وشُدّتْ الأحداجُ"، فلما انتهى إلى قوله:
نَزَلَتْ نُجُومُ اللَّيْلِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ ... وَلِكُلِّ قَوْمٍ كَوْكَبٌ وَهَّاجُ
قال جعفر بن يحيى البرمكي - وكان يكره سَلْمًا -: "أمن قلةٍ حتى تمدح أمير المؤمنين بشعر قيل في غيره؟ هذا البيت لبشار في فلان التميمي، فقال الرشيد: ما تقول يا سلم؟ فقال: صدق يا سيدي، وهل أنا إلا جزءٌ من محاسن بشار، وهل أَنْطِق إلا بفضل منطقه! وحياتك يا سيدي إني لأروِي له تسعةَ آلاف بيت ما يعرف أحدٌ غيري منها شيئًا، فضحك الرشيد وقال: ما أحسن الصدق! " (١)
стр. 1656
وذكر أبو الطاهر التجيبي في شرح مختار المختار (١) أن سلمًا وأبا نواس وداود بن رزين وغيرهم كانوا يصبون على قوالب معاني بشار، وربما نبه بعضُهم على بعض في الأخذ منه واتباع طريقته، قال أبو نواس في داود بن رزين:
إِذَا أَنْشَدَ دَاوُدُ ... فَقُلْ أَحْسَنَ بَشَّارُ
لَهُ مِنْ شِعْرِهِ الجَمِّ ... إِذَا مَا شَاءَ أَشْعَارُ
وَمَا مِنْهَا لَهُ شَيْءٌ ... أَلَا هَذَا هُوَ العَارُ (٢)
وذكر يوسف البديعي في كتاب "الصبح المنبِي" عن علي الجرجاني أن البحتري أحرق خمسمائة ديوان للشعراء حسدًا لئلا تشتهر أشعارُهم (٣). وغيرُ بعيدٍ عندي أن يكون ديوانُ بشار في جملة ما أحرق البحتري؛ لأن شعر البحتري يشبه لهجةَ شعر بشار في طريقة انسجامه وفصاحته.
وقد عز ديوان بشار في أنحاء العالم فيما علمنا وعلمه النقابون عن المآثر الأدبية العربية من علماء الشرق والغرب، فلا يُلفَى من شعره إلا قصائدُ قليلة
стр. 1657
مبتورة منثورة في مجاميع الأدب، أو مقاطيع، أو مفردات. وأكثرها هو ما في الأغاني للأصفهاني: في الأجزاء الثالث والخامس والسابع والثالث عشر، وبعضها في أمالي الشريف المرتضى الموسوي. وما عدا ذلك فهو أوزاعٌ في كتب الأدب، ولم يزل المتأدبون عالة عليها وهم المتعطشون إلى ما يشفي الغلة ويملأ العين زائدًا على جمع القلة، ولذلك لقبوا ديوانَ بشار بحلقة الأدب المفقودة.
وقد انتدب الأديب الفاضل الورّاق السيد أحمد حسنين القرني المصري - صاحب المكتبة العربية بالقاهرة - إلى التقاط ما هو متناثر من شعر بشار، وضمه قي كتيّب في زهاء مائة صفحة، سماه: "بشار بن برد: شعره وأخباره". ورتب ما انتهى إليه جمعه على حروف المعجم، وحلّى طوالعَه بالرمز إلى الأغراض التي قيلت فيها أشعاره بيانًا لطيفًا، اعتماده في جمعه على ما هو في الجزئين الثالث والثالث عشر من كتاب الأغاني، على أنه لم يبين مستنداته فيما جمعه، وطبع الكتاب بمطبعة الشباب بمصر سنة ١٣٤٣ هـ.
ثم قفاه الأديب الأستاذ حسين منصور المصري بتأليف سماه "بشار بن برد بين الجد والمجون"، بسط فيه أخبارَ بشار ونوادرَه، ورصَّعها بما قاله في مناسباتها من الشعر، وما قاله معاصروه في مساجلاته أو هجائه، فجاء جامعًا لمعظم ما هو منشور من شعر بشار في أوراق الأدب. ولم يبين مستنداتِه في منقولاته، وكان حقًّا عليه أن يبين مراجعه. وطبع بالمطبعة الرحمانية بمصر سنة ١٣٤٨ بدون فهارس. ثم هو خلَّط تخليطًا كثيرًا في ضم بعض الأبيات إلى غيرها، اغترارًا بكونها من بحرٍ واحد وقافية واحدة، وربما اعتمد على مجرد كونها من قافية واحدة فقط. على أن معاني بعضها كثيرًا ما تجدها تبرأ من معاني ما ضُم إليه، وما كان ينبغي له الاجتراء على هذا الصنيع بدون سند.
وهذا مثلُ تخليطه الأبياتِ التي على قافية الراء المضمومة من بحر الطويل في صفحة ٣٩ وصفحة ٤٠، وضمه بيتًا على قافية النون المكسورة إلى أبيات من قافية النون المضمومة على ما بين غرضيهما من منافاة واضحة في صفحة ٣٨، وأبيات على
стр. 1658
القاف المكسورة إلى أبيات على القاف المضمومة في صفحة ٢١٥. وربما تجاوز إلى خلط أبيات من بحور مختلفة، كما خلط في صفحة ٢٥٢ قوله:
وَالآنَ أَقْصَرَ عَنْ سُمَيَّةَ بَاطِلي ... وَأَشَارَ بِالوَجَلَى عَلَيَّ مُشِيرُ (١)
وهو من بحر الكامل بأبيات هي من بحر الطويل أولها:
وَمُرْتَجَّةِ الأَرْدَافِ مَهْضُومَةِ الحَشَا ... تَمُورُ بِسِحْرٍ عَيْنُهَا وَتَدَورُ (٢)
стр. 1659
وكما خلط في صفحة ٢٥٣ قوله:
وَإِذَا قُلْتُ لَهَا جُودِي لَنَا ... خَرَجَتْ بِالصَّمْتِ عَنْ لَا وَنَعَمْ (١)
وهو من بحر الرمل بأبيات من بحر المتقارب أولها:
وَبَيْضَاءَ يَضْحَكُ مَاءُ الشَّبَا ... بِ فِي وَجْهِهَا لَكَ إِذْ تَبْتَسِمْ (٢)
وكما ضم في صفحة ٧٣ بيتًا من البسيط وهو قوله:
أَنَا المُرَعَّثُ لَا أَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... ذرَّتْ بِيَ الشَّمْسُ لِلْقَاصِي وَلِلدَّانِي (٣)
إلى أبيات من بحر الكامل أولها:
إنْ أُمْسِ مُنْقَبِضَ اليَدَيْنِ عَنِ النَّدَى ... وَعِن العَدُوِّ مُخَيَّسَ الشَّيْطَانِ (٤)
стр. 1660
وهو مع ذلك قد استوعب ما يتعلق بحوادث بشار، وذكر شعرًا كثيرًا منه.
وفي أواخر عام ١٣٥٣ ظهر كتاب اسمه: "مختار المختار من شعر بشار"، اختاره الأديب أبو الطاهر إسماعيل التجيبي القيرواني مما اختاره الأديبان الأخوان أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد الخالديان الموصليان، وشرح له لأبي الطاهر إسماعيل التجيبي القيرواني. نشره وعلق عليه العلامة السيد محمد بدر الدين العلوي الهندي - معلم العربية في جامعة عليكرة - بإعانة المستشرق الأستاذ كرونكو والعلامة الشيخ عبد العزيز الميمني (١)، وذلك في أواسط سنة ١٣٥٣، وقد طبع بمطبعة الاعتماد بمصر.
стр. 1661
إلا أن ناشرَ الكتاب يظنه كتابَ المختار للخالديين، ويظن أن التجيبي شرح ذلك الكتاب. وليس الأمرُ كما ظن؛ فإن الكتاب الذي نشره هو مختار المختار، وهو ما اختاره إسماعيل التجيبي من مختار الخالديين وشرحه، وضم إليه ما عثر عليه من شعره، حسبما يُفصح عن ذلك كلامُه في أواخر الشرح صفحة ٣٤١ وكلامُه في صفحة ٢٠١ (١).
وقد كان من منن الله تعالى أن اشتملتْ خزانةُ كتبي على جزء عظيم من ديوان بشار، ويظهر أنه نصفُ الديوان، يبتدئ من أوله وينتهي أثناء حرف الراء، قال في آخره: "تم الجزء الأول من ديوان شار، ويتلوه الجزء الثاني منه "ذكرت والشوق لمن تذكرا"، يشتمل على قوافي: الهمزة، والألف، والباء، والتاء، والثاء، والجيم، والحاء، والدال، ومعظم الراء، وقصائده ومقاطيعه مائتان وخمس وخمسون، وفيه من الأبيات ستة آلاف وستمائة وثمانية وعشرون بيتًا، باعتبار أبيات الرجز مشطورةً بناءً على المشهور عند العرب، وأوراقه مائتان وخمس وسبعون ورقة بصفحات ٥٥٠. ويوجد في
стр. 1662
الورقة الأخيرة منه رقم حروف مقطعة فرق مطة وتحتها رقم ٢٧٩، والمظنون أنه عدد أوراقه، وأنه قد تلاشى من أوراقه ٤ أوراق، فلعلها من أثناء حرف الباء.
وهو بخط مصري عتيق لم يؤرخه ناسخُه، وصورةُ كتابته ترجع إلى أسلوب أواخر القرن السادس. وكتب على الورقة الأُولَى منه بخط كوفي بالمداد الأسود: "ديوان بشار بن برد". وأُدير حول هذا العنوان تزويقٌ بالذهب واللَّازَوَرْد، وتحته كتابة بالذهب بالخط المسمى بقلم الرِّقَاع نصها: "خدمة المملوك القوي المصري الكتبي". وهو مكتوبٌ على ورق عتيق فاختي اللون، والمظنون أن عبد القوي هذا هو ناسخه.
وكان هذا الجزء من كتب الحاج مصطفى صدقي من أهل المشرق في سنة ١١٢٩، وعلامةُ كتبه توجد على كثير من الكتب النفيسة: منها عدد ٤٨٩٩ وعدد ٤٥٣٤ وعدد ٤٥٤٣ من كتب خزانة جامع الزيتونة. وهذه العلامة هي ختم شكله إهليجي في حجم ظُفر الإبهام الكبيرة، مكتوب فيه: "من متملكات الفقير الحاج مصطفى صدقي غفر له سنة ١١٢٩". وختم آخر صغير مستدير في حجم العدسة الكبيرة، مكتوب فيه ما نصه: "من متملكات الفقير"، مكتوب فيه بالخط الكوفي: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، يضع هذا أعلى الختم الذي فيه اسمه. والختم الكبير في هذا الديوان مطموس، استدللتُ عليه بالختم الصغير. وقد وجدت بخط العلامة الأديب الشيخ عمر المحجوب قاضي حضرة تونس ما يدل على أنه اشترى كتبًا سماها في عام ١٢١٤. وقد وقع بيدي بعضُ تلك الكتب، فإذا عليه ختم الحاج مصطفى صدقي (١).
стр. 1663
والديوان يظهر أن أصلَ جمعه وقع بقرب زمان المهدي العباسي؛ لأن جامع الديوان يذكر في أوائل القصائد التي مدحه بشار بها ثناءً ودعاء لأمير المؤمنين المهدي من نوع ما تحلّى به الخلفاء في حياتهم، كقوله: "وقال الإمام المهدي القائم بأمر الله أمير المؤمنين ﵁"، انظر ورقة ٢٦٥. ولم يذكر الأغراض التي فيها القصائد إلا نادرًا.
والظاهر أنه مجموع من رواية يحيى بن الجَون العبدي المعدود من رواة بشار، إذ قد وقع في الورقة ١٠٧ من الديوان ما نصه: "وقال أيضًا، ويقال لأبي همام الباهلي، زعم يحيى بن الجون".
وهذه النسخة يظهر أنها نُقلت عن أصل صحيح، إلا أن خطه غير واضح تمام الوضوح. ويظهر أن ناسخَها تثبَّت غايةَ جهده ومبلغَ علمه، إلا أنه لم يكن له حظٌّ قويٌّ في اللغة والأدب العربي، فلذلك كان يوقع تحريفًا ولحنًا في غريب الألفاظ، فيكتبها على مبلغ علمه وما يسبق إلى فهمه من صور الألفاظ الغريبة. وقد أخطأ في ضبط الكلمات خطأ يدل على ضعفه في النحو، وفي كثير من الأخطاء ما يوقع حيرة للناظر، فالله يسامحه ويرحمه.
ولولا ممارستي لأدب العرب والشعور بمآخذ بشار ومراميه في شعره لعسر عليَّ إصلاحُ كثير من تلك الأغلاط. وقد يترك في البيت موضعُ كلمة أو أكثر بياضًا، وهو ملازم لوضع نقطتين تحت الإمالة، وكثيرًا ما يكتب بالألف ما حقُّه أن يُكتب إمالة والعكس. وهذا الجزء يشتمل على ستة آلاف وستمائة وثمانية وعشرين بيتًا، باعتبار عد أشطار الرجز، منها نيفٌ وعشرون بيتًا مكررة متفرقة.
وقد كنتُ منذ سنين طويلة عزمت على نشر هذا المقدار من الديوان، ورأيت أن ألحق به ما وجدتُه فيما طالعته من كتب الأدب مما نُسب إلى بشار، فجمعت ذلك، فتحصل لي من ملحقات الديوان ما يقارب ألف بيت، وأفردت تلك الملحقات بجزء، وأشرت إلى مستندي في نسبة تلك الملحقات إلى بشار.
стр. 1664
النسخة المستخرجة من هذا الجزء من الديوان:
ولما رأيتُ جزء الديوان على تحريف وأخطاء وصح عزمي على نشره، أبيت أن أنشره على علاته، فاستخرجت منه نسخة أعددتها ليقع الطبع عليها، وقد بذلت الجهد في تصحيحها وإصلاح أخطاء أصلها على نحو ما بينته في الشرح من التصحيح والتصويب. فإن كان الخطأ والتحريف في الأصل واضحًا، كان إصلاحه متبادرًا، مثل أخطاء الرسم وأخطاء الضبط وأخطاء السهو بقلب الحروف إلا نادرًا. وإن كان الإصلاح راجحًا، جعلتُ النسخة أيضًا على الوجه الراجح، ونبهتُ على ما في الأصل في الشرح. وإن كان الإصلاح محتملًا، جعلت النسخة على نحو أصلها، ونبهت على الاحتمال في الشرح، وقد توليت مقابلةَ هذه النسخة وضبطها.
[خاتمة: منهج المصنف في تحقيق الديوان]:
ومما ينبغي التنبيه عليه أن بعضًا من أهل الأدب في عصرنا هذا قد استحسنوا أن يتصرفوا فيما ينشرونه في الكتب بحذف ما يلوح لهم من الألفاظ التي قد يُسْتَحْيَى من ذكرها في المحادثات الموقرة، وفي ديوان بشار من هذا النوع شيء ليس بقليل.
ولمَّا عزمتُ على نشر هذا الديوان، فرضتُ في نفسي الترددَ بين طريقة إثبات الشاعر على ما هو عليه وبين طريقة حذف ما قد يُسْتَحْيَى منه. ثم جزمتُ بسلوك الطريقة الأولى؛ لأن فيها أداءَ أمانة النقل على ما هي عليه، إذ لا ينبغي أن يُصَوَّر الشاعرُ أو الكاتبُ على حسب ما يشتهيه الناقلُ أو القارئ، بل ينبغي أن يُظهرَه كما هو بأخلاقه وألفاظه وأخلاق أهل عصره وعاداتهم، كما قيل: "صحيفةُ لبِّ المرء أن يتكلما".
ولسنا بالذين نُصلح من الشاعر ما أفسده طبعُه، ولا نشعب (١) ما تشقق به نبعُه. على أن أهل الأدب قد اغتفروا الممازحةَ في مثل هذا الباب، وقد سلك الحريري
стр. 1665
ذلك في المقامة العشرين (١). ثم القارئ والمنتخب والمدرس أمراء أنفسهم في الاختيار.
ولو ذهبنا ننتخب من خلق الشاعر ما لا يروق لدينا من صورة حاله وعقله، لكثرت للشاعر الواحد صورٌ بكثرة الناحتين واختلاف أذواق الناشرين، فإن هذا لا يُضبط بحد، فيوشك أن نعمد إلى الشعر فنحذف منه غزله، إذ معظمه لا يخلو من عروض الاستحياء بقارئه بمحضر مختلفي الصنف والسن.
فلو نفرض أن وَلدَ ابن الوردي (٢) حين قال له أبوه في لاميته: "اعتزِلْ ذِكْرَ الأغاني والغزل"، أراد أن ينشر ديوانَ بشار أو ديوانَ عمر بن أبي ربيعة على طريقة
стр. 1666
وصية والده، لحذف من شعرهما شيئًا كثيرًا ولمَا أبقى منه إلا أبياتًا قليلة (١). وأيضًا الهجاء معظمُه مِمَّا يُكره أن يباشر به الناسُ بعضهم بعضًا، فلو أراد أحد من هؤلاء نشر ديوان الفرزدق أو جرير أو الأخطل لمَا بقي من شعر هؤلاء إلا قصائد قليلة. وقد رأينا من بعض المتأدبين العصريين مَنْ يكره المديح، وفي الناس من يرى الفخر ذميمًا، وميادينُ النفوس شتَّى، وكلُّ حزب بما لديهم فرحون.
وأمانةُ العلم والنشر تُوجِبُ إثباتَ ما تركه القائلون كما هو، وتَعدُّ الإقدام على إماتة كثير من بنات الأفكار ضربًا من الوأد، وإن الاعتذارَ له بمثل تلك الأعذار هو كانتحال أهل الجاهلية لأنفسهم معاذيرَ لوأد بناتهم. وربما اعتذر بعضُ الناس لحذف ما يحذفونه بأنه مما لا يحسن أن يدرس في المدارس للصغار، وهو عذر واهٍ؛ إذ ليس من الواجب تدريسُ الكتاب كله، وإنما المدرس ينتخب ما يراه حسنًا ويترك ما يراه قبيحًا، وكم من عائب قولًا صحيحًا.
من أجل ذلك كله، أثبتُّ ديوانَه على ما هو عليه، وألحقت ملحقاتِه كلها، كما نُسبت إليه.
стр. 1667
قراطيس من نقد الشعر (١)
القرطاس الأول:
قال أبو الطيب المتنبي في القصيدة التي مدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي:
وَقَدْ صَارَتِ الأَجْفَانُ قَرْحَى مِنْ البُكَا ... وَصَارَتْ بَهارًا فِي الخُدُودِ الشَّقَائقُ (٢)
وقال أبو الحسين علي الواحدي في شرحه: "قرحى بغير تنوين: جمع قريح، مثل جرحى ومرضى، وروى ابن جني [أن المتنبي كان يقول: ] قرحًا بالتنوين على أنه جمع قَرحة، كما أن بهارًا جمع بهارة وهو الورد الأصفر. والمعنى أن الأجفان تقرحت من كثرة البكاء، وصارت حُمرةُ الخدود صُفرةً لأجل البين" (٣).
وقد أشار إلى ما نُقل عن أبي الفتح ابن جني - وكان من أصحاب أبي الطيب والآخذين عنه - قال: "سألته (أي أبا الطيب) عن معنى هذا البيت، فقلتُ له: أتقول قَرْحَى أو قرحًا (منوّن)؟ فقال: قرحًا منونٌ، فقلتُ: ولم ذلك؟ قال: ألا ترى أن بعده بهارًا في الخدود الشقائق؟ فكذلك قرحًا جمع قرحة، وهو اسم لا وصف. فعلمت بهذا أنه متأنقٌ في صنعة الشعر متأمِّلٌ لأعطافه، غيرُ معتمد على طبعه مجردًا
стр. 1668
من التنقيح والتهذيب. (قال ابن جني: ) ومعناه: إن الأجفان قد قَرِحت، وصار مكانَ حمرة الخدود صفرة". (١)
وحاصلُ كلامهم مع توجيهه أن قرحى يرجح أن يكون مُنَوَّنَ الآخر، اسم جمع قرحة بفتح القاف، وهي مؤنث القرح وهو الجرح، فهو جمع لاسم جامد ليوافق مقابله وهو "بهارًا"، الذي هو جمع بهارة. فتحصل المزاوجةُ في البيت بين الكلمتين المتقابلتين مزاوجةً في المعنى؛ إذ تكون كلتاهما اسم جمع لاسم جامد، ومزاوجةً في اللفظ؛ إذ تكون كلتاهما منوّنة. ولا يكون قرحى ممالًا؛ لأنه حينئذ يكون جمع قريح مثل جرحى، فيفوت التزاوج من الجهتين.
قال أبو العلاء المعري في شرحه لديوان المتنبي الذي سماه معجز أحمد: "وروي قُرحًا منونًا على الاسم، وقَرْحى غير منونة، صفةُ الأجفان، والمعنى واحد" (٢). فصرح المعري بما لمح إليه كلام ابن جني والواحدي في كون المعنى واحدًا على وجهي التنوين والإمالة، فيكون اختيار المتنبي للتنوين لمجرد إيفاء حق الصناعة اللفظية.
والذي جرّأ المتنبي على هذا أن مزاوجة الألفاظ المتقاربة أو المتقابلة هي من أفانين الفصاحة العربية، ولذلك نرى العرب يعمدون إلى الكلمة فيغيرونها عن لفظها الأصلي إلى حالة أخرى لأجل وقوعها مع كلمة أخرى، كما جاء في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾ [الإنسان: ٤]، فنوَّن "سلاسلًا"
стр. 1669
مع أن حقه عدم التنوين لوجود علة المنع من الصرف، وما تنوينه إلا لوقوعه مع "أغلالًا وسعيرًا" (١).
وقد جاء في حديث وفد عبد القيس أن رسول الله ﷺ قال لهم: "مرحبًا بالوفد، غير خزايَا ولا ندامى" (٢)، أراد ولا نادمين على قدومكم، والمشهور في جمع
стр. 1670
نادم أن يكون جمع سلامة فغُير جمعه هنا ندامى، وهو جمع تكسير، وقد اشتهر جمعًا لندمان؛ وهو صاحب المنادمة، أي: المجالسة على الشراب، ولا موجب لهذا التغيير إلا قصد مزاوجته لخزايا، وكذلك قال ابن مقبل:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ، وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ ... يُخَالِطُ البِرُّ مِنْهُ الجِدَّ وَاللِّينَا (١)
فجمع بابًا على أبوبة، والمعروف أن يُجمع على أبواب، وإنما جمعه على أبوبة لمزاوجته لقوله: "أخبية".
أما أنا فأقول: إن أبا الطيب ما اختار أن يكون قرحًا منونًا إلا لشيء زائد على ما ذكره شرّاح ديوانه الثلاثة (٢)، وهو شيء راجعٌ إلى المعنى الشعري. وذلك أن إثبات مصير الأجفان أنفسها قروحًا أبلغ من وصفها بالتقرح الذي يدل عليه قرحى بدون تنوين؛ لأن في إثبات صيرورتها قروحًا تخيلًا لتبدل ذاتها بذات أخرى، فكان مناسبًا للتخيل الذي يستدعيه الشعر. فوافق إثبات مصير الشقائق بهارًا في تخيل تغير الذات بذات أخرى، فيكون وزانه وزان قول أبي تمام في مليح أصابته حمى:
لَمْ تَشِنْ وَجْهَهُ المَلِيحَ وَلَكِنْ ... بَدَّلَتْ وَرْدَ وَجْنَتَيْهِ بَهَارَا (٣)
أو قول ابن المعتزّ:
стр. 1671
لَمْ تَشِنْ شَيْئًا وَلَكِنَّهَا ... بَدَّلَتِ التُّفَّاحَ بِاليَاسَمِينِ (١)
بخلاف الإخبار عن الأجفان بأنها صارت متقرحة، فذلك أمرٌ شائع في الكلام غير الشعر، يقولون: بكى فلان حتى تقرحت جفونه. فكأنه أخبر عن الخدود بمصيرها صفراء بعد الاحمرار، وذلك يوازن قولَ عبد الصمد بن المعذَّل (٢) في مليح أصابته الحمى:
لَمْ تَشِنْهُ لمَّا أَلَحَّتْ وَلَكِنْ ... بَدَّلَتْهُ بِالاحْمِرَارِ اصْفِرَارَا (٣)
فإذا جمعتَ هذا الوجهَ إلى الوجهين اللذين أخذناهما من كلام شرّاحه، صارت رواية قَرحًا بفتح القاف وبالتنوين متعينة وليست راجحة فقط، لما اشتملت عليه من اللطائف. ولذلك لم يسمح المتنبي برواية لفظ قرحى من بيته بلا تنوين، ولا جعله قُرحًا بضم القاف مع التنوين؛ لأن في كلام هذين الأخيرين فواتَ نكتة لا يرضى المتنبي بفواتها.
وفي بيت المتنبي من حسن التشبيه معنى رقيق؛ إذ قد أنبأ بأن محاسنَ الخدود لم تتغير بتغير لونها، ولكنها كانت زهرة حمراء فصارت زهرة صفراء فلم يفارقها حسن الزهور. واعلم أن المناسب لمعاني الغرام أن يكون عنَى بالأجفان أجفانه، وبالخدود الحبيب، بشهادة قوله قبله:
стр. 1672
وَقَفْنَا وَمِمَّا زَادَ شَوْقًا وُقُوفُنَا ... فَرِيقَيْ هَوًى مِنَّا مَشُوقٌ وَشَائِقُ (١)
فالمشوق هو المحب، والشائق المحبوب، والبكاء من شأن المحب دون المحبوب، واللوعة من البعد ومن مشاهدة حال المحب هي من شأن المحبوب، ولهذا لم يسلك في وصف الأجفان مسلك تحسينها بخلاف مسلكه في وصف الخدود.
القرطاس الثاني:
وقع في ترجمة ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي الأديب من كتاب الوفيات لابن خلكان قال: "وأنشدني له بعضُ الفضلاء بمدينة حلب أبياتًا، منها قوله:
أَلَسْتَ مِنَ الوِلْدَانِ أَحْلَى شَمَائِلًا ... فَكَيْفَ سَكَنْتَ القَلْبَ وَهوَ جَهَنَّمُ
ثم قال: انتقدوا في بغداد في هذا البيت، فأفكرت فيه ثم قلت: لعل الانتقاد من جهة أنه لا يلزم من كونه أحلى شمائلًا من الولدان أن لا يكون في جهنم. . . فقال: نعم هذا الذي أخذوا عليه" (٢)؛ يعني أن قوله: "فكيف سكنت القلب"، استفهامُ تعجب وتحيّر: أي كيف أمكن أن يسكن قلبي إذ هو جحيم بنار المحبة وأنت أحسن من الولدان، فشأنك أن تكون معهم في الجنة.
стр. 1673
وأنا أقول: يحتمل أن يكون انتقاد أدباء بغداد البيت من جهة معناه أو من جهة لفظه، فإن كان الانتقاد من جهة معناه، فبيانه أن مراد الشاعر بالولدان، الولدان المعهودون وهم المذكورون في القرآن: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩]، وهؤلاء الولدان مقرهم الجنة، فأراد الشاعر أن يثبت كون المتغزل فيه منهم، ويتعجب كيف كان مقره في قلبه الذي هو جحيم، ولكنه لم يُثبت كون المتغزل فيه من الولدان، بل غاية ما أثبته أنه أحسن من الولدان في الطبائع والمحاسن، وإذا كان أحسن فلا يتم له التعجب إذ قد يكون من جنس آخر غير جنس الولدان. هذا حاصل انتقادهم مع توجيهه وتبيينه. وهو عندي انتقاد زائف؛ لأن الشاعر بنى معنى بيته على أن المتغزّل فيه قد فاق الولدان في محاسنه، وذلك يوجب أن يكون أولى بسكنى الجنة من بقية الولدان، لأن الجنة جديرة بمنتهى الحسن إذ فيها ما لا عين رأت، ولذلك استقام له التعجب من حلوله في جهنم القلب.
وذلك كله إغراق في التخيل من ثلاثة جهات: كون الموصوف أحلى شمائل من الولدان، وكون ذلك موجبًا سكناه الجنة، وهذان معنيان عزيزان، وكون قلب المحبّ جهنم، وهذا معنى قديم شائع، ولكنه أخرجه إلى العزّة ما اقترن به من التعجب، كما أخرجه في نظيره قول بعض الشعراء فيمن اسمه إبراهيم على طريقة التلميح:
فَيَا نِيرَانَهُ كُونِي سَلَامًا ... وَبَرْدًا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ فِيهِ (١)
стр. 1674
وأما الانتقاد من جهة لفظ البيت، فهو أنه قدم المفضَّلَ عليه على اسم التفضيل، وذلك لا يقع في كلام العرب إلا إذا كان المفضَّلُ عليه مستفهمًا عنه: نحو من أيهم أنت أكرم؟
وقد يوجّه البيت بتوجيه يدفع عنه كلا الانتقادين، وهو أن نجعل قولَه "ألست من الولدان" جملة مستقلة، ويكون الاستفهام إنكاريًّا داخلًا على نفي، وتكون "من" تبعيضية غير تفضيلية، أي: ما أنت إلا من الولدان. ونجعل قوله: "أحلى شمائلًا" جملة مستأنَفة مسوقةً مساقَ تغليط نفس القائل على سبيل الترقي، فكأنه يقول: بل أنت أحلى من الولدان شمائل. فتكون هذه الجملة في موقع بدل الغلط من الجملة التي قبلها التي اقتضت كونَه من الولدان بدون تفرق عليهم، فيندفع الانتقادان المعنوي واللفظي، ويكون التخيل في البيت من جهتين: جهة التغليط في التسوية، وجهة التعجب من سكنى القلب الذي هو الجحيم نفسه.
القرطاس الثالث:
قال أبو الطيب المتنبي من القصيدة البائية في مدح كافور الإخشيدي:
أَزُورُهُمْ وَسَوَادُ اللَّيْلِ يَشْفَعُ لِي ... وَأَنْثَنِي وَبَيَاضُ الصُّبْحِ يُغْرِي بِي (١)
فعُدّ هذا البيت أميرَ شعر المتنبي، لما احتوى عليه من المعنى الرشيق المبتكر، ولحسن المقابلة بين جميع معاني ألفاظ المصراع الأول ومعاني ألفاظ المصراع الثاني، وهو ما يسمى في البديع بالمطابقة. فجمع في هذا البيت خمس مطابقات، وهو أعجب ما جمع من المطابقة: فالزيارة يقابلها الانثناء، والسواد يقابله البياض، والليل يقابله الصبح، والشفاعة يقابلها الإغراء، ومعنى اللام يقابله معنى الباء.
стр. 1675
وقد حصلت المضادةُ بين معنى الحرفين تبعًا للمضادة الحاصلة بين متعلَّقيهما؛ لأن معنى الباء لا يضاد معنى اللام في نفسه، فالمضادة بين الحرفين هنا أضعف من المضادة التي في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فذُكر هذا البيت في مجلس المعتمد محمد بن عبّاد ملك إشبيلية وقرطبة من ملوك طوائف الأندلس، فقال: إن فيه نقدًا خفيًّا، ففكر أصحابُ المجلس في نقده، فلم يهتدوا إليه، فقال المعتمد: الليل لا يقابل إلا بالنهار ولا يقابل بالصبح؛ لأن الليل كلّي والصبح جزئي، فتعجب الحاضرون وأثنوا على تدقيق انتقاده. قال الصفدي: "ليس هذا بنقد صحيح، والصواب مع أبي الطيب؛ لأنه قال: أزورهم وسواد الليل يشفع لي، فهذا محبّ يزور أحبابه في سواد الليل خوفًا ممن يشي به، فإذا لاح الصبح أغرى به الوشاة ودلّ عليه أهل النميمة، والصبح أول ما يُغرَى به قبل النهار، وعادةُ الزائر المريب، أن يزور ليلًا وينصرف عند انفجار الصبح خوفًا من الرقباء، ولم تجر العادة أن الخائف يلبث إلى أن يتوضح النهار ويمتلئ الأفق نورًا، فذكر الصبح هنا أولى من ذكر النهار". (١) وكتب البدر (٢) البشتكي الدمشقي: هو (أي ابن عباد) ما انتقد عليه المعنى، إنما انتقد عليه مطابقة الليل بالصبح، فإن ذلك فاسد" (٣).
وأقول: نظر المعتمد إلى نقد صحة المضادة بين الليل والنهار بأنها غير مستقيمة في مقابلة الليل بالصبح؛ إذ الليل إنما يقابله النهار، وليس يريد انتقاده إذ لم يعبر بالنهار عوض الصبح؛ لأن المتنبي لو جاء بلفظ النهار لما استقام له إضافة البياض إليه؛ لأن ضوء النهار لا يسمى بياضًا، ولكن يسمى نورًا، بخلاف الصبح،
стр. 1676
قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فلذاك كان جواب الصفدي غير وجيه؛ لأن غايته أن المتنبي كان مضطرًّا إلى ذكر لفظ الصبح دون النهار؛ لأنه أرشق في المعنى. ولم يعرج الصفدي على محاولة تصحيح الطباق بين لفظي الليل والصبح في بيت المتنبي، ولذلك كان بحثُ البدر البشتكي مع الصفدي بحثًا متمكنًا.
والذي يدفع عن المتنبي انتقاد المعتمد ابن عباد أن المضادة حاصلة بين الليل والصبح إذ الصبح جزئي من جزئيات النهار الذي هو ضد الليل والجزئي قائم به معنى الكلي، إذ لا وجود للكلي في نفس الأمر إلا في ضمن جزئياته، كما تقرر في علم المنطق. على أن الأدباء يجتزئون في محسِّن المضادة المسمى بالطباق، بحصول التضاد ولو على وجه الإجمال، فقد عدوا من الطباق قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، مع أن الشدة إنما يقابلها اللين، واعتبرت مقابلتها بالرحمة؛ لأن الرحمة مسببة عن الرقة واللين في المعاملة. وقد أخذ المتنبي بعض معنى هذا البيت من قول عبد الله بن المعتزّ.
لا تَلْقَ إلا بليل منْ تواصلُه ... فالشمسُ نمامة والليل قَوَّاد (١)
وتصرف فيه تصرفًا بديعًا بما أراح من بشاعة كلمة قواد، فلله درّ المتنبي، ويرحم الله ابن عباد.
القرطاس الرابع:
يحوي قرطاسنا هذا حديثًا بديعًا غريبًا من أحسن ما ورد في أخبار نقد الشعر والمراجعة فيه بين ناقديه وشاعريه، وهو ما ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجاني في
стр. 1677
كتاب "دلائل الإعجاز" أن عنبسة الفيل (١) قال: قدم ذو الرمة (٢) الكوفة فوقف بالكُناسة وهو على ناقته، فجعل ينشد الناس قصيدته التي أولُها:
أَمَنْزِلَتِي مَيٍّ سَلَامٌ عَلَيْكُمَا ... عَلَى النَّأْيِ وَالنَّائِي يَودُّ وَيَنْصَحُ
حتى بلغ قوله:
إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
وكان عبد الله بن شبرمة (٣) حاضرًا فناداه: "يا غيلان أراه قد برح (يريد أن رسيس الهوى قد زال بعد ذلك لقوله: لم يكد يبرح). قال عنبسة: فشنق (٤) ذو الرمة ناقته، وجعل يتأخر بها ويتفكر، ثم أعاد البيت هكذا:
стр. 1678
إذا غَيَّر النأيُ المُحِبِّينَ لَمْ أَجِدْ ... رَسِيسَ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
وفي رواية: لم تجد. قال عنبسة: فلما انصرفت حدثت أبي (١) بما كان، فقال لي: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، وإنما هو لم يرها ولم يكد" (٢).
هذا ما نقل من هذا المشهد الأدبي الرائع. فوجه ما انتقده ابن شبرمة على ذي الرمة أنه شاع في كلامهم أن يقال: ما كاد فلان يفعل ولم يكد يفعل، في أمر هو قد وقع إلا أنه ما وقع إلا بعد لأيٍ وعناء، وقد كان بعيدًا في الظن أن يفعله، كقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]، قال في الكشاف: "قوله ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [استثقال لاستقصائهم] واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط [وكثرة استكشافهم] ما كادوا يذبحونها و [ما كادت] تنتهي سؤالاتهم" (٣)، أي ثم انتهت، فلما قال ذو الرمة: "لم يكد رسيس الهوى من حب مية
стр. 1679
يبرح"، حمله ابن شبرمة على هذا المحمل، فقال له: أراه قد برح، أي: لأن مثل قوله: لم يكد يبرح يقتضي أنه قد برح بعد ذلك.
وأما وجه رد معدان (١) نقد ابن شبرمة، فإن كلام ذي الرمة جرى على دلالة ذلك التركيب بحسب الوضع، فان نفي فعل المقاربة يدل بأصله على انتفاء مدلول الفعل وهو المقاربة، فتنتفي مقاربةُ وقوع الفعل بالصراحة، بطريق اللزوم على نفي وقوع الفعل بالأولى. وذلك كقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، فإنه مبالغة في انتفاء رؤية الرائي يدَه في تلك الظلمات، ولهذا الاعتبار فسّر الكشاف قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، فقال: "مبالغة في لم يرها، أي لم يقرب أن يراها فضلًا عن أن يراها، ومثله قول ذي الرمة:
إذا غَيَّر النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
أي لم يقرب من إبراح فما باله يبرح".
فرأيُ صاحب الكشاف موافقٌ لرأي معدان الفيل، ورأي عبد القاهر أن الوضعَ وبعضَ الاستعمال شاهدان لبديهة ذي الرمة ولمعدان الفيل، وأن الاستعمالَ العرفي قد جرى أيضًا بأن يقال ما كاد يفعل ولم يكد يفعل في فعل قد حصل، يشيرون بذلك إلى أنه ما حصل إلا بعد جهد وبعد أن كان بعيدًا في الظن حصولُه، كقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]، وأن ذلك هو الذي أوهم ابن شبرمة، وأوقع ذا الرمة في مثل ذلك الوهم فغيّر بيته بعد التفكر.
أما أنا فأرى أن عربية ذي الرمة ما كانت لتحيد به عن كلامه الأول إلى إصلاحه، لولا أنه رأى نقدَ ابن شبرمة متجهًا وحقًّا، لا سيما وهو قد غيّر بيته بعد أن
стр. 1680
خلا بنفسه وفكّر مليًّا، ولم يزل ذلك البيت مثبتًا في ديوانه عندنا على الوجه الذي أصلحه به، فما هو إلا أن ذا الرمة بعد تفكره وقع بين رأيين:
أحدهما: أن يكون رأى دلالة نفي كاد على انتفاء مقاربة الفعل بحسب أصل الوضع دلالة غير صريحة في الاستعمال لورودها في ذلك النفي في الاستعمال بوجهين كما في آية: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] وآية: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] بحسب ظاهرها على تفسير الزمخشري، فأراد أن يتجنب تركيبًا محتمل الدلالة مطروقًا للنقد، فغيّر ذلك بما هو دونه في الجزالة، إذ لا يخفى ضعفُ قوله لم أجد أو لم تجد. وهذا ما ظنه به العلامة ابن مالك في شرح التسهيل (١).
الرأي الثاني: أن يكون رأى أن نفيَ كاد نُقل في الاستعمال من دلالته الوضعية إلى دلالة أخرى، فصار قولُهم: ما كاد يفعل، بمنزلة كاد أن لا يفعل، كقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]، حيث جمع بين إثبات وقوع الفعل وبين نفي المقاربة، بحيث صار بيتُ ذي الرمة خطأ في المراد، إذ اقتضى أن رسيس الهوى كاد أن لا يبرح أي وقد برح. ويكون قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] ليس المقصود منه أنه لا يرى يده ولا يقارب، بل المقصود منه أنه يكاد أن لا يراها أي بحيث يراها بجهد وعناء على غير ما فسر به صاحب الكشاف، فيكون ذو الرمة قد أخطأ في عربيته في بيته الأول فأصلح بيته لذلك بالإصلاح الثاني.
وهذا الاحتمال يدخل مغمزًا في الاحتجاج بعربية ذي الرمة. وأنا أرجّح هذا الاحتمال الثاني، وأرى أن نفي كاد في كلام العرب صار من طرق القلب، فهو قلب مطّرد نقل به ذلك التركيب من ظاهره إلى خلاف مقتضى الظاهر، ولا أحسب أن العرب ينفون كاد ويريدون نفي المقاربة، ليدلوا على تعين وقوع الفعل بطريق
стр. 1681
اللزوم؛ لأن هذا ليس من طرق بلاغتهم فيما تحققناه من استعمالهم، وأن قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] جاء على ذلك الاعتبار، أي يكاد لا يراها؛ لأن الذي يسير في البحر في ظلمات يرى يده إذا أخرجها بعناء. وبذلك يدخل الشك في سلامة ذوق ذي الرمة في بديهته حين رمى بيته الأول على عواهنه، ويجعلنا نعدّه في صف أهل العلم باللغة؛ لأنه ما أصلح بيته إلا عن تأمل وتفكر.
стр. 1682
طريقة من شعر العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة (١)
أرى من أحقِّ المباحث التي تُرْسَمُ في طلائع مباحثِ العربية البحثَ عن أساليب لبلغاءِ العرب وشعرائهم قد التزموها، وحاكُوا نِيرَ أدبِهم على اعتبارها، فأصبحت بكثرة الاستعمال لا يلاحظون فيها خصوصيةً من خصائص علم المعاني والبيان، بل يعاملونها معاملةَ الأساليب التركيبية في فصيح الكلام، وبخاصة ما كان من ذلك مغفولًا عن التنبيه إليه في دواوين اللغة والأدب العربي، ليكون الشعورُ به فاتِحًا أعينَ الواقفين على استعمالِ العرب في أدبهم، وحافزًا للمعتنين بمتابعة فحول الشعراء في أساليب الشعر العربي، كَيْ تظهرَ مزيةُ اللاحقين كما ظهرت مزايا السابقين.
نجدُ لشعراءِ العرب في كلامهم سُننًا لا يكادون يحيدون عنها، يتبع فيها المتأخرُ خطواتِ المتقدِّم، بحيث يُعَدُّ الإخلالُ بها حيدةً عن الطريقة المألوفة. فكانت لغةً من لغة الأدب، ولكلِّ فريقٍ من الناطقين بالعربية أساليبُ تمتاز عن أساليبِ غيره، وقد لا يهتدي الشادي في الأدب لرعي ذلك في فهمه وإنشائه.
وقد عد أئمةُ الأدب أشياء من ذلك، وأغفلوا أشياء. فمما عده أئمةُ الأدب من سنن شعراء العرب في أدبهم افتتاحُ كثيرٍ من أغراضهم في الشعر بالنسيب قبل الدخول في المقصود من القصيد، وهو الأسلوبُ الذي بُنيت عليه المعلَّقاتُ ذات الأغراض، مثل معلقات زهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم والحارث بن حِلِّزة، وبخاصة ما كان الغرضُ منها المديح، مثل قصيد علقمة في مدح الحارث
стр. 1683
الغساني: "طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَابِ طَرُوبُ" (١)، وقصيد كعب بن زهير "بانت سعاد"، ومشوبة القطامي "إِنَّا مُحَيُّوكَ فَاسْلَمْ أَيُّهَا الطَّلَلُ" (٢) وغيرها. فعدَّ أبو الطيب ذلك من عادة الفصحاء، حيث قال:
إِذَا كَانَ مَدْحٌ فَالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ ... أَكُلُّ فَصِيحٍ قَالَ شِعْرًا مُتَيَّمُ؟ (٣)
ومما عَدُّوه أيضًا من سنن الشعراء خطاب المتنبي بنحو "يا صاحبي" و"يا خليلي" و"يا فتيان". ومن أقدم ما قيل في ذلك قولُ امرئ القيس: "قفا نبك من ذكى حبيب ومنزل"، وقول سُليك: "يَا صَاحِبَيَّ أَلَا لَا حَيَّ بِالوَادِي" (٤)، وقولها:
стр. 1684
فَإِنْ تَسْأَلَانِي عَنْ هَوَايَ فَإِنَّهُ ... مُقِيمٌ بِهَذَا القَبْرِ يَا فَتَيَانِ (١)
وعلَّلُوه بأنه بناء على عادتهم في أسفارهم أن يكون المسافرُ مرافقًا لمسافرين معه، وفي استقراء ذلك كثرة.
إنما المهِمّ لنا أنَّ مما وقع أمام نظري في مطالعاتِ الأدب العربي أني وجدتُ شعراءَهم كثيرًا ما يُوَجِّهون الكلامَ إلى المرأة بطريق الخطاب أو بالاسم أو الضمير، أو يحكون عن المرأة، مع أن المقامَ نابٍ أن تكون امرأة معينة مقصودة بذلك، أو مقصودًا إبلاغ الكلام إليها. فربما طلبوا من المرأة أن تسألَ عن الخبر، وأن تتعرف حادثًا، وأكثرُ ما لاح لي ذلك في السؤالِ المفروض؛ لأن الأصلَ فيه أن يُبْنَى على فرضِ سؤالِ سائلٍ أو سائلين، فيكون مبنيًا على التذكير، كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ [بِعَذَابٍ وَاقِعٍ] (١)﴾ [المعارج: ١]، وقوله: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧].
فلما لاح لي ذلك وتتبعتُه، تَبَيَّنَ لي أن توجيهَ السؤال إلى المرأة بُنِيَ على ملاحظة الغرض الذي من شأن المرأة أن تُسأل عنه. ثم انتقلتُ إلى البحث عن كلِّ مقامٍ فيه
стр. 1685
ملاحظةُ الأغراض التي من شأن المرأة أن يكون لها الحظُّ الأوفرُ فيها من الاعتبار، أي من الشؤون التي يغلب على النساء الاهتمامُ بها أكثرَ من اهتمام الرجال، فكلُّ ذلك مما يقيمون كلامَهم فيه على منوال التأنيث. ثم وجدتُ توجيهَ الخطاب إلى المرأة في مواقع أخرى غيرِ طلب السؤال عن خبر، فاتسع لي بابٌ طَرَقْتُه، فإذا وراءه كُوًى تُطِلُّ على أفنانٍ لا يعتريها ذبولٌ ولا ذُوِيّ. وقبل الخوض [في الموضوع] يتعين أن أتعرَّف ما الذي دعاهم إلى ذلك، فوجدته لا يعدو خمسةَ أغراض.
الغرض الأول: أنه كان من عادةِ نسائهم العنايةُ بالأخبار والحوادث يَعْمُرْنَ بالحديث عنها آناء اجتماعهن في الأسمار، فمن أجل ذلك يتناقَلْنها وتشيعها المرأة والأخرى، وينبسطن بالحديث فيها إلى رجالِ بيوتهن في أسمارهم. وأوضحُ مثالٍ لنا في ذلك وأجْمَلُه حديثُ أُمِّ زرعٍ الواقع في كتب السنة (١). فلما عُرف ذلك من عادتهن،