اللزوم؛ لأن هذا ليس من طرق بلاغتهم فيما تحققناه من استعمالهم، وأن قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] جاء على ذلك الاعتبار، أي يكاد لا يراها؛ لأن الذي يسير في البحر في ظلمات يرى يده إذا أخرجها بعناء. وبذلك يدخل الشك في سلامة ذوق ذي الرمة في بديهته حين رمى بيته الأول على عواهنه، ويجعلنا نعدّه في صف أهل العلم باللغة؛ لأنه ما أصلح بيته إلا عن تأمل وتفكر.
стр. 1682
طريقة من شعر العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة (١)
أرى من أحقِّ المباحث التي تُرْسَمُ في طلائع مباحثِ العربية البحثَ عن أساليب لبلغاءِ العرب وشعرائهم قد التزموها، وحاكُوا نِيرَ أدبِهم على اعتبارها، فأصبحت بكثرة الاستعمال لا يلاحظون فيها خصوصيةً من خصائص علم المعاني والبيان، بل يعاملونها معاملةَ الأساليب التركيبية في فصيح الكلام، وبخاصة ما كان من ذلك مغفولًا عن التنبيه إليه في دواوين اللغة والأدب العربي، ليكون الشعورُ به فاتِحًا أعينَ الواقفين على استعمالِ العرب في أدبهم، وحافزًا للمعتنين بمتابعة فحول الشعراء في أساليب الشعر العربي، كَيْ تظهرَ مزيةُ اللاحقين كما ظهرت مزايا السابقين.
نجدُ لشعراءِ العرب في كلامهم سُننًا لا يكادون يحيدون عنها، يتبع فيها المتأخرُ خطواتِ المتقدِّم، بحيث يُعَدُّ الإخلالُ بها حيدةً عن الطريقة المألوفة. فكانت لغةً من لغة الأدب، ولكلِّ فريقٍ من الناطقين بالعربية أساليبُ تمتاز عن أساليبِ غيره، وقد لا يهتدي الشادي في الأدب لرعي ذلك في فهمه وإنشائه.
وقد عد أئمةُ الأدب أشياء من ذلك، وأغفلوا أشياء. فمما عده أئمةُ الأدب من سنن شعراء العرب في أدبهم افتتاحُ كثيرٍ من أغراضهم في الشعر بالنسيب قبل الدخول في المقصود من القصيد، وهو الأسلوبُ الذي بُنيت عليه المعلَّقاتُ ذات الأغراض، مثل معلقات زهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم والحارث بن حِلِّزة، وبخاصة ما كان الغرضُ منها المديح، مثل قصيد علقمة في مدح الحارث
стр. 1683
الغساني: "طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَابِ طَرُوبُ" (١)، وقصيد كعب بن زهير "بانت سعاد"، ومشوبة القطامي "إِنَّا مُحَيُّوكَ فَاسْلَمْ أَيُّهَا الطَّلَلُ" (٢) وغيرها. فعدَّ أبو الطيب ذلك من عادة الفصحاء، حيث قال:
إِذَا كَانَ مَدْحٌ فَالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ ... أَكُلُّ فَصِيحٍ قَالَ شِعْرًا مُتَيَّمُ؟ (٣)
ومما عَدُّوه أيضًا من سنن الشعراء خطاب المتنبي بنحو "يا صاحبي" و"يا خليلي" و"يا فتيان". ومن أقدم ما قيل في ذلك قولُ امرئ القيس: "قفا نبك من ذكى حبيب ومنزل"، وقول سُليك: "يَا صَاحِبَيَّ أَلَا لَا حَيَّ بِالوَادِي" (٤)، وقولها:
стр. 1684
فَإِنْ تَسْأَلَانِي عَنْ هَوَايَ فَإِنَّهُ ... مُقِيمٌ بِهَذَا القَبْرِ يَا فَتَيَانِ (١)
وعلَّلُوه بأنه بناء على عادتهم في أسفارهم أن يكون المسافرُ مرافقًا لمسافرين معه، وفي استقراء ذلك كثرة.
إنما المهِمّ لنا أنَّ مما وقع أمام نظري في مطالعاتِ الأدب العربي أني وجدتُ شعراءَهم كثيرًا ما يُوَجِّهون الكلامَ إلى المرأة بطريق الخطاب أو بالاسم أو الضمير، أو يحكون عن المرأة، مع أن المقامَ نابٍ أن تكون امرأة معينة مقصودة بذلك، أو مقصودًا إبلاغ الكلام إليها. فربما طلبوا من المرأة أن تسألَ عن الخبر، وأن تتعرف حادثًا، وأكثرُ ما لاح لي ذلك في السؤالِ المفروض؛ لأن الأصلَ فيه أن يُبْنَى على فرضِ سؤالِ سائلٍ أو سائلين، فيكون مبنيًا على التذكير، كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ [بِعَذَابٍ وَاقِعٍ] (١)﴾ [المعارج: ١]، وقوله: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧].
فلما لاح لي ذلك وتتبعتُه، تَبَيَّنَ لي أن توجيهَ السؤال إلى المرأة بُنِيَ على ملاحظة الغرض الذي من شأن المرأة أن تُسأل عنه. ثم انتقلتُ إلى البحث عن كلِّ مقامٍ فيه
стр. 1685
ملاحظةُ الأغراض التي من شأن المرأة أن يكون لها الحظُّ الأوفرُ فيها من الاعتبار، أي من الشؤون التي يغلب على النساء الاهتمامُ بها أكثرَ من اهتمام الرجال، فكلُّ ذلك مما يقيمون كلامَهم فيه على منوال التأنيث. ثم وجدتُ توجيهَ الخطاب إلى المرأة في مواقع أخرى غيرِ طلب السؤال عن خبر، فاتسع لي بابٌ طَرَقْتُه، فإذا وراءه كُوًى تُطِلُّ على أفنانٍ لا يعتريها ذبولٌ ولا ذُوِيّ. وقبل الخوض [في الموضوع] يتعين أن أتعرَّف ما الذي دعاهم إلى ذلك، فوجدته لا يعدو خمسةَ أغراض.
الغرض الأول: أنه كان من عادةِ نسائهم العنايةُ بالأخبار والحوادث يَعْمُرْنَ بالحديث عنها آناء اجتماعهن في الأسمار، فمن أجل ذلك يتناقَلْنها وتشيعها المرأة والأخرى، وينبسطن بالحديث فيها إلى رجالِ بيوتهن في أسمارهم. وأوضحُ مثالٍ لنا في ذلك وأجْمَلُه حديثُ أُمِّ زرعٍ الواقع في كتب السنة (١). فلما عُرف ذلك من عادتهن،
стр. 1686
صار توجيهُ الخطاب إلى المرأة بالحثِّ على السؤال عن حادث مشيرًا إلى أهميته وبلوغه الغايةَ في نظائره، وأنه جديرٌ بالإشاعة، فإذا أرادوا ذلك وجَّهُوا الخطابَ إلى ضميرِ الأنثى أو حدَّثوا عنها بطريقِ الغيبة.
وذلك ليس من قبيل انتزاع ذاتٍ من ذات أخرى فيها صفةٌ، المعروفِ بالتجريد؛ لأن التجريدَ معدودٌ في المحسِّنات البديعية لما فيه من اللطافة بادعائه شخصًا ثانيًّا، فكان بذلك محسِّنًا في الكلام. ولا هو من قبيل توجيهِ الخطاب إلى غيرِ مُعَيَّن، وهو كثيرٌ في القرآن؛ لأنه مبنِيٌّ على التعميم لكلِّ مخاطَب، فيُفرض مخاطَبٌ غيرُ معيَّن، مع أن ذلك جارٍ على الأصل الغالب في الكلام، وهو التذكير. وهذا أعمُّ من الخطاب، فيكونُ بصيغةِ مخاطَبَةٍ وغائبة، وأيضًا هو في الغالب مفروضٌ في امرأة معيَّنة كزوجةٍ أو بنتٍ أو حبيبة، ولكنها لم تكن حاضرة.
فتعين أن يلحق غرضُنا بالأساليب المتبعة في الاستعمال، ولا يحق أن يُعدَّ في مبحث وجوه تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر من مباحث علم المعاني، كما عُد توجيهُ الخطاب إلى غير معين؛ لأن بحثنا في الاستعمال جرى على معتاد اللسان في الخطاب في أمثال الغرض الذي هو فيه، بعد أن تكرر ذلك في أمثاله. فهو بناءٌ على
стр. 1687
حقيقةٍ مزعومة، وهو أشبه بالمبالغة، وقد يتجاذبه علمُ المعاني بناءً على ادعاء وجود امرأة يخاطبها، لكن ذلك خفي. وأيضًا فهم لم يبحثوا عن نظيره، وهو خطابُ المثنى في نحو "قفا نبك". فكما قصدوا عدمَ التعرض لنظيره مع شهرته بين أهل الأدب، فكذلك لا يحق أن نُلحِقَ بهم هذا النظيرَ الذي لم يهتد إليه المتقدمون. وليس مما يُعَدُّ في هذا الغرض من بحثنا كلُّ خطابٍ قُصدت فيه امرأةٌ معينة أو أكثر، كقول الأعشى:
تَقُولُ بنْتي وَقَدْ يَمَّمْتُ مُرْتحلًا: ... يَا رَبُّ جَنّبْ أَبي الأَوْصَابَ وَالوَجَعَا (١)
وقول لبيد:
تَمَنَّى ابْنَتَايَ أَنْ يَعِيشَ أَبُوهُمَا ... وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرْ (٢)
الأبيات. وقول عبيد بن الأبرص:
تِلْكَ عَرْسِي غَضْبَى تُرِيدُ زِيَالِي ... أَلِبَيْنٍ تُرِيدُ أَمِ لِدَلَالِ (٣)
وقول ذهلول بن كعب العنبري - وهو من شعراء ديوان الحماسة - ونزل به ضيف وكانت امرأته غائبة، فقام إلى الرحى ليطحن لهم دقيقًا، فجاءت امرأتُه وهو كذلك، فتعجبت من ذلك:
تَقُولُ وَصَكَّتْ صَدْرَهَا بِيَمِينِهَا ... أَبَعْلِي هَذَا بِالرَّحَا المُتَقَاعِسُ
فَقُلْتُ لَهَا: لَا تَعْجَلِي وَتَبَيَّنِي ... بَلَائِي إِذَا التَقَتْ عَلَيَّ الفَوَارِسُ
стр. 1688
لَعَمْرُ أَبِيكِ الخَيْرِ إِنِّي لَخَادِمٌ ... لِضَيْفِي وَإِنِّي إِنْ رَكِبْتُ لَفَارِسُ (١)
ولا قول الراجز مما أنشده الجاحظ:
لَوْ صَخِبَتْ شَهْرَيْنِ دَأَبًا لَمْ تُمَلْ ... وَجَعَلَتْ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلٍ لَا وَبَلْ
حُبُّكَ لِلْبَاطِلِ قِدْمًا قَدْ شَغَلْ ... كَسْبَكَ عَنْ عِيَالِنَا، قُلْتُ: أَجَلْ
تَضَجُّرًا مِنِّي وَعِيًّا بِالحِيَلْ (٢)
الثاني: أن المرأة شديدةُ الإعجابِ ببطولةِ الرَّجُلِ، لقصور قدرتها عما يستطيعُه الرجال، ولأنها ترى في بطولةِ الزَّوجِ والقرابة ما يُطمئِنُ بالَها من شر العداة والغارات، فهم يدفعون عن حريتها وكرامتها وأبنائها، وتسلم من الأسر فيهنأ عيشُها. قال النابغة:
حِذَارًا عَلَى أَلَّا تُنَالَ مَقَادَتِي ... وَلَا نِسْوَتِي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرَا (٣)
وكثيرًا ما كانت خصالُ البطولةِ سببًا في ميلِ المرأة إليه ومحبتها. وبعكس ذلك ضدُّه، فتخشى أن يُعَيِّرَها نساءُ الحي بِجُبْن زوجها، قال عمرو بن كثوم في معلقته:
يَقُتْنَ جِيَادَنَا وَيَقُلْنَ لَسْتُمْ ... بُعُولَتَنَا إِذَا لَمْ تَمْنَعُونَا (٤)
стр. 1689
الثالث: أنهم يريدون إظهارَ ثباتِهم على خصالهم ومحامدهم، وأنهم لا يُغَيِّرُهم عنها مُغَيِّر، ولا يصدُّهم لومُ أزواجهم وحبائبهم، قال:
وَتَرَانَا يَوْمَ الكَرِيهَة أَحْرَا ... رًا وَفِي السِّلْمِ لِلْغَوَانِي عَبِيدَا (١)
الرابع: أن يُبْنَى الشعرُ على خطاب المرأة في الشؤون التي يليها النساء، فيكونَ بناءُ ذلك الخطابِ إخراجًا للكلام على الغالب.
الخامس: تذَكُّرُ الخليلةِ عند الوقوع في مآزق الشدة؛ لأن ذلك من تَذَكُّرِ النَّعيم عند حُلول البؤس؛ إذ الشيءُ يُذكَرُ بضَدِّه، أو في حالة المسرة والانبساط، فالسِّيُّ بالسِّيِّ يذكر. فأما ما يرجع إلى الأمر الأول الجاري على أن يُطلبَ من المرأة أن تسأل وتستقري - وهو عمودُ هذا المقال - فأشهرُ وأقدمُ ما فيه قولُ السموأل بن عاديا، وهو عصريُّ امرئ القيس:
سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمُ ... فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ (٢)
والمعروفُ عند الرواة أنها للسموأل، وقد تردَّدَ في ذلك أبو تمام في "ديوان الحماسة"، فنسب القصيدةَ إلى عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، وهو شاعرٌ إسلامي (٣)، فخاطب امرأةً بأن تَسأل عن قومه وعن أقوامٍ دونهم، ولم يتقدم ذكرٌ
стр. 1690
لامرأة ولا توجيهُ خطابٍ إليها من قبل، جريًا على ما مَهَّدْناه من تهمُّمِ النساء بتطلع الأخبار، وإعجابهن بجلائل الفعال. ومثلُه قولُ عنترة:
هَلَّا سَأَلْتِ الخَيْلَ يَابْنَةَ مَالِكٍ ... إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِي ... أَغْشَى الوَغَى وَأَعفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ (١)
وقال النابغة:
هَلَّا سَالتِ بَنِي ذُبْيَانَ مَا حَسَبِي ... إذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ البَرَمَا
يُخْبِرْكِ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وَعَالِمُهُمْ ... وَلَيْسَ جَاهِلٌ شَيْئًا مِثْلَ مَنْ عَلِمَا (٢)
فهذا سَنَنٌ قديم في الأدب العربي.
وأما عامرُ بن الطفيل العامري الكلابي فأغرب وأغرق؛ إذ هدد امرأتَه بالطلاق إن زهدت في المسألة عن بلائه، فقال:
طُلِّقْتِ إِنْ لَمْ تَسْأَلِي أَيُّ فَارِسٍ ... حَلِيلُكِ إِذْ لَاقَى صُدَاءً وَخَثْعَمَا (٣)
стр. 1691
وقد يجيءُ لمجرَّدِ الخبرِ بمواقع فخرِهم دون سؤال، كقولِ الأشهب بن رُمَيلة أو حريث بن مخفض من شعراء الحماسة:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلَجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (١)
وقولِ سيَّار بن قَصِيرٍ الطائي من شُعراء صدر الإسلام، وقد شهد فتح أرمينية:
لَوْ شَهِدَتْ أُمُّ القُدَيْدِ طِعَانَنَا ... بِمَرْعَشَ خَيْل الأَرْمَنِيِّ أَرَنَّتِ (٢)
وأما ما يرجع إلى الأمر الثاني، ففيه قال عنترة:
إِنْ تُغْدِفِي دُونِي القِنَاعَ فَإِنَّنِي ... طَبٌّ بِأَخْذِ الفَارِسِ المُسْتَلْئِمِ (٣)
وقتال أُنَيْفُ بن زبَّان الطائي:
فَلَمَّا التَقَيْنَا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنَا ... لِسَائِلَةٍ عَنَّا حَفِيٌّ سُؤَالُهَا (٤)
وقال لبيد:
стр. 1692
أَوَلَمْ تَكُنْ تَدْرِي نَوَارُ بِأَنَّنِي ... وَصَّالُ عَقْدِ حَبَائِلٍ جَذَّامُهَا
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا (١)
ومما ينتظمُ في هذا السِّلك مواجهةُ المرأة بأن تَسأل عن كرمه، كما قال مضرَّس العبدي:
فَلَا تَسْأَلِينِي وَاسْأَلِي عَنْ خَلِيقَتِي ... إِذَا رَدَّ عَافِي القِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُهَا (٢)
وأما الأمر الثالث فقد تعددت فيه الأغراض، على حسب تعدُّدِ الأحوال التي تتطرق فيها النساءُ إلى محاولةِ صَرْفِ الرجلِ عَنْ عزمه أو خُلُقِه، لرِفْقٍ به أو نحو ذلك. فمن ذلك لومُ المرأة زوجَها على السَّخاء إبقاءً على ماله، كقول ضمرة بن ضمرة النهشلي - وهو شاعرٌ جاهليٌّ - أنشده له أبو زيد في كتاب "النوادر":
بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ فِي النَّدَى ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلَامَتِي وَعِتَابِي (٣)
وقولِ النَّمِر بن تَوْلَب:
стр. 1693
لَا تَجْزَعِي إِن مُنْفسًا أَهْلَكْتُهُ ... فَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزَعِي (١)
وقول تأبط شرًّا مما أنشده في المفضليات:
بَلْ مَنْ لِعَذَّالَةٍ خَذَّالَةٍ أَشِبٍ ... حَرَّقَ بِاللَّوْمِ جِلْدِي أَيَّ تَحْرَاقِ (٢)
يَقُولُ أَهْلَكْتَ مَالًا لَوْ قَنِعْتَ بِهِ ... مِنْ ثَوْبِ صِدْقٍ وَمِشَنِّ بَزٍّ وَإِعْلَاقِ
ثم قال لها:
لَتَقْرَعَنَّ عَلَيَّ السِّنَّ مِنْ نَدَمٍ ... إِذَا تَذَكَّرْتِ يَوْمًا بَعْضَ أَخْلَاقِي (٣)
ومنه أن لا يعبأ بمراجعةِ حليلةٍ، أو حبيبةٍ أن تعوقه عن مغامرته، قال كُثَيِّر يَمْدَحُ عبدَ الملك بنَ مروان:
إِذَا مَا أَرَادَ الغَزْوَ لَمْ يَثْنِ هَمَّهُ ... حَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرٍّ يَزِينُهَا
نَهَتْهُ فَلَمَّا لَمْ تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُ ... بَكَتْ فَبَكَى مِمَّا شَجَاهَا قَطِينُهَا (٤)
стр. 1694
وقد قالَ ذلك من قبل أن يكونَ ما تخيله في شعره واقعًا، كما هو اللائق بحرمة الخليفة. ومنه أيضًا أن يصف ما هو من خواطر النساء ولم تصرح به المرأة، كقول سُلْمَى بن ربيعة:
زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي
تَرِبَتْ يَدَاكِ وَهَلْ رَأَيْتِ لِقَوْمِهِ ... مِثْلِي عَلَى يُسْرِي وَحِينَ تَعَلَّتِي
قال ذلك وهي بعيدةٌ عنه، لقوله في أول القصيدة:
حَلَّتْ تُمَاضِرُ غَرْبَةً فَاحْتَلَّتِ ... فَلْجَأْ وَأَهْلُكَ بِاللِّوَى فَالحِلَّةِ (١)
وأما ما يرجع إلى الأمر الرابع، فنحوُ قولِ حاتم:
يَا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صَاغِرَةٍ ... ضُمِّي إِلَيْكِ رِجَالَ الحَيِّ وَالغُرَبَا (٢)
وقولُ الشاعر الذي لم يُعرف، وهو من شواهد كتاب المفتاح:
أَتَتْ تَشْتَكِي مِنِّي مُزَاوَلَةَ القِرَى ... وَقَدْ رَأَتْ الضِّيفَانَ يَنْحُونَ مَنْزِلِي
فَقُلْتُ لَها لمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهَا: ... هُمُ الضَّيْفُ جِدِّي فِي قِرَاهُمْ وَعَجِّلِي (٣)
стр. 1695
وأما الأمر الخامس، فأقدمُ ما فيه قولُ عنترة:
وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ ... مِنِّي وَبِيضُ الهِنْدِ تَفَطَّرُ مِنْ دَمِي
فَوَدَدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُوفِ لأَنَّهَا ... لمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المُتَبَسِّمِ (١)
وقال أبو عطاء السِّنْديُّ:
ذَكَرْتُكِ وَالخَطِيُّ يَذْكُرُ بَيْنَنَا ... وَقَدْ نَهِلَتْ مِنِّي المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ (٢)
وقال ابن رشيق في قتال البحر:
وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ فِي السَّفِينَةِ وَالرَّدَى ... مُتَوَقَّعٌ بِتَلَاطُمِ الأَمْوَاجِ
وَعَلَى السَّوَاحِلِ لِلأَعَادِي غَارَةٌ ... وَأَنَا وَذِكْرُكِ فِي أَلَذِّ تَنَاجِ (٣)
وقال ابنُ زيدون في التذكُّر عند ساعات السرور:
стр. 1696
إِنِّي ذَكَرْتُكِ بِالزَّهْرَاءِ مُشْتَاقًا ... وَالأُفْقُ طَلْقٌ وَوَجْهُ الأَرْضِ قَدْ رَاقَا (١)
وهذا البيتُ من أجمل ما قيل في الذكر؛ لأنه ذكر الحبيبةَ بِمُشَابِهها، وبالمكانِ الذي يليقُ أن تكونَ حاضرةً فيه، وبحصةِ الزمان التي تُعَدُّ من نفائس العمر.
стр. 1697
ملحق
المِحْوَر الرَّابع
стр. 1698
السند التونسي في علم متن اللغة (١)
محمد الفاضل ابن عاشور
كان علمُ متن اللغة - الباحث عن ضبط المباني، وتحقيق المعاني، لمفردات اللغة العربية - قد برز بروزَه الكامل من البصرة، إذ صُنِّف فيها أولُ كتاب جامع للغة، مرتَّب على ضبط اختلاف تركب الحروف المؤلفة منها الألفاظ، وهو كتاب "العين". وبغض النظر عما حول كتاب "العين" من احتمالات: أنه للخليل بن أحمد، أو لليث بن نصر أو لهما معًا (٢)، فلا شك في أنه وضعٌ بصريٌّ في أصله ومادته، وأن للخليل فيه يدًا، وهي اليد الأولى، إن لم يكن له فيه اليدان كلتاهما.
وسار علمُ متن اللغة، يتبع سير إخوته بقية علوم العربية: القراءات، والأدب، والنحو، والتصريف، والعروض. فأقام بين البصرة والكوفة، يتجاذبانه كما يتجاذبان سائر علوم العربية، حتى شبت علومُ العربية كلها عن ضيق النطاق الحاصر لها بين البصرة والكوفة، وسمت عن نزعة العصبية المفرِّقة بين المصرين، فآوت إلى بغداد في القرن الثالث.
стр. 1699
وهناك تكاملت الفنون، وتقاربت المذاهب، وتحاكت الأنظار بين المبرد وثعلب (١)، واجتمع العلمان - علم البصرة وعلم الكوفة - في أردان ابن كيسان (٢) والأخفش الصغير (٣)، وأمثالهما. وهنالك - في بغداد - انفصل علمُ متن اللغة عن سائر علوم العربية، فاستقل به رجالٌ امتازوا فيه، واختصوا به: المفضل بن سلمة (٤)، وابن السكيت (٥)، وأبو بكر ابن دريد (٦)، وابن خالويه (٧)، وأبو منصور الأزهري (٨)، ووضعوا المصنفات اللغوية السابقة - وخاصة كتاب "العين" - موضع النقد والتمحيص، والإثبات والإسقاط.
وكان القرن الرابع قرنَ انتشار علم متن اللغة - بعد نضجه ببغداد - إلى المشرق وإلى المغرب. اضطلع به رجالٌ بثوه في المشرق، وكانوا مرجعَ الأسانيد المشرقية فيه، مثل الإمام أحمد بن فارس، والصاحب ابن عباد، وآخرون طاروا به إلى المغرب، فكانوا مرجعَ الأسانيد المغربية، وأعظمهم ومقدمهم أبو علي القالي (٩).
стр. 1700
أقام أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون القالي ببغداد خمسًا وعشرين سنة في صدر القرن الرابع، وتخرج في علوم العربية بأبي بكر ابن دريد، وابن السراج، ونفطويه، والمطرز (غلام ثعلب)، والزجاج، والأخفش، وابن دُرستويه، وأبي بكر ابن الأنباري. وكان تخرجه في خصوص علم اللغة عن أبي بكر ابن دريد، وهو إمامُها وأهلُ الاختصاص بها، وقد علا صيتُه بتآليفه العظيمة، وأعظمها كتاب "الجمهرة".
وفي أوائل الربع الثاني من القرن الرابع سنة ٣٢٥ هـ خرج أبو علي القالي من بغداد قاصدًا المغرب، فدخل قرطبة عاصمة الدولة الأموية بالأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر، لا المنتصر كما توهم ياقوت (١). وأقام هنالك في ظل عناية الناصر ثم ابنه المستنصر وإكرامهما، إلى أن توُفِّيَ بقرطبة سنة ٣٥٦ هـ.
كانت الخمس والعشرون سنة - أو تزيد - التي قضاها أبو علي في قرطبة مصدرَ علم غزير في اللغة: بما صنف القالي من كتب، وما عقد من المجالس؛ يباهي بعلم ابن دريد وأدبه، ويحدث عن الأخفش والمطرز وابن الأنباري وغيرهم. فكانت كتبُه كلها بغداديةَ الروح، أندلسية الوضع. وأصبحت الرواية في العربية راجعةً إليه، ومعظم التعويل فيها عليه، وغالب الاحتجاج به، وتسلسلت أسانيدُ علم اللغة ورواية الأشعار - في القرون التي تلاحقت بعده - متصلةً به.
وكان الآخذون عن أبي علي أندلسيين كلهم؛ إذ لم يؤخذ عنه ببغداد قبل سفره إلى المغرب، وقد أورد ياقوت أسماء بعض الآخذين عنه. ولكن اثنين اختصَّا بصحبته أولَ مقدمه اختصَاصًا زائدًا، فارتفع بهما قدرُه؛ إذ كان كلٌّ منهما - عند مقدم القالي - في الذروة من العلم.
стр. 1701
١ - أحدهما القاضي منذر بن سعيد البلوطي (١)، كان قد رحل إلى المشرق، وروى كتاب العين عن ابن ولَّاد (٢)، وشارك أبا علي القالي في بعض شيوخه وتساجل معه الآداب، وتطارح وإياه العلوم، وكانت له معه، أولَ مقدمه، القصة المشهورة في موقف الخطبة بين يدي الملك الناصر بقرطبة، عند قبوله وفود الروم، وقد لخصها المقري في نفح الطيب (٣)، عن ابن حيان وابن سعيد وابن خلدون.
٢ - والثاني هو أبو بكر الزبيدي، "وكان حينئذ إمامًا في الأدب، ولكن عرف فضل أبي علي فمال إليه، واختص به، واستفاد منه، وأقر له" (٤)، حتى أصبح القيِّمَ على علمه، والمرجعَ في الرواية عنه. وسنعود إلى ذكره في قرن الرواة المسندة عنهم كتبُ أبي علي القالي.
وكانت في الأندلس وإفريقية، في ذلك العصر، طبقةٌ من كبار اللغويين والرواة، تكونت كما تكونت طبقةُ اللغويين البغداديين، فيهم من القيروانيين عصابة
стр. 1702
زكية، أشهرها أبو عبد الله محمد بن جعفر القزاز، وفيهم من الأندلسيين، - زيادة على الذين ذكرناهما آنفًا - أبو بكر ابن القوطية.
أما القزاز (١) الذي قال عنه ابن رشيق: "إنه فضح المتقدمين، وقطع ألسنةَ المتأخرين" (٢)، فله الكتبُ الجليلة، وأعظمها كتاب "الجامع" في اللغة، الذي يقارن بكتاب "التهذيب" للأزهري. ولكن الرواية عنه انقطعت، وكتبه لم تبق طويلًا بعده، وإن ذكر السيوطي (٣) أن الاعتناء قد توفر عليها حقبةً من الزمن.
وأما أبو بكر ابن القوطية (٤) فقد اشتهر علمه وثقته، وألف الكتب المهمة (٥)، سمع الناسُ منه طبقة بعد طبقة. وأعظم ما اشتهر به كتابه "تصاريف الأفعال"،
стр. 1703
المشهور بلقب "أفعال ابن القوطية" (١). وقد أدركه أبو علي القالي في قرطبة واجتمع به، وشاركه في التلاميذ والرواة والآخذين. واستمرت منزلةُ ابن القوطية تضارع - على نسبة ما - منزلةَ أبي علي القالي في اشتهار الرواية بكتاب "الأفعال" الذي لم تنقطع روايتُه، وبقيت الأسانيد تتصل به، مثبَتَةً في الفهارس والبرامج. وعندنا من أسماء الذين رووا عن ابن الفوطية كتاب الأفعال اسمان:
١ - أحدهما ذكر في "كشف الظنون"، هو "أبو عثمان سعيد بن محمد السرقسطي" الملقب "الحمار". ألف كتابًا هذَّب فيه كتابَ ابن القوطية، بإصلاحه، والزيادة عليه، وتغيير ترتيبه. وذكر أنه روى الأصلَ عن مؤلفه، وقد أثبت صاحبُ "كشف الظنون" أولَ الكتاب، مما يقتضي أنه وقف عليه، فلا يبعد أن يكون موجودًا في خزائن إسطنبول.
وعندنا توقفٌ في صحة الاسم الذي ذكره صاحب "كشف الظنون": فقد ترجم ابن بشكوال، في الصلة، لسعيد بن محمد المعافري القرطبي، تلميذ ابن القوطية، وقال: "وبسط (الأفعال) وزاد فيه". (٢) فلعل الاسم اشتبه على صاحب "كشف الظنون"؛ لأن الملقب "الحمار" ليس سعيد بن محمد، وإنما هو سعيد بن فتحون (٣)، وهو حكيم ليس معدودًا في علماء اللغة، ولذلك لم يترجمه السيوطي في "بغية الوعاة".
٢ - وثاني الاسمين هو القاضي يونس بن مغيث (٤)، أخذ عن ابن القوطية، وروى عنه كتاب "الأفعال". ومن طريقه تتصل بابن القوطية الأسانيدُ التي
стр. 1704
تضمنتها الفهارس المغربية، مثل برنامج ابن أبي الأحوص (١)، فهو يروي كتابَ "الأفعال" عن ابن بقي، عن أبي عبد الله بن عبد الله، عن محمد بن الفرج، عن القاضي يونس بن مغيث، عن ابن القوطية. ومنذ القرن السادس بدأ الناسُ ينصرفون عن كتاب ابن القوطية إلى كتاب "الأفعال" لابن القطاع الصقلي المصري.
وبهذا يتبين أن السند اللغوي بالمغرب، بعد أن انقطع عن السلاسل المغربية الصرفة: قيروانية وأندلسية، ابتدأ مزدوج الأصل: بين مغربي أصيل، هو ابن القوطية، ومشرقي وافد، هو أبو علي القالي، ثم انحدر مغربيًّا صرفًا من الطريقين: طريق ابن القوطية، الذي ذكرنا أسانيده، وهو ضيق الانتشار مقصورٌ على كتاب "الأفعال"، وطريق أبي علي القالي - الذي هو الأوسع والأجمع - ويقوم على أربعة: هم أبو بكر الزبيدي، وابن القزاز (٢)، وابن أبي الحباب (٣) وابن أبان (٤).
فأبو بكر الزبيدي - وهو محمد بن الحسن بن عبد الله الزبيدي (٥) - من الأئمة في اللغة العربية، ألف في اللغة وفي النحو. قال ياقوت: "بلغني أن أهل المغرب يتنافسون في كتبه". (٦) روى عن أبي علي القالي، واختص به، وعنه أخذ كتاب "العين" للخليل، وكتاب "الجمهرة" لابن دريد. واعتنى بفحص كتاب "العين"
стр. 1705
وتمحيصه، وألف في ذلك كتاب "مختصر العين" (١)، وكتاب "استدراك الغلط الواقع في كتاب العين". وقد أورد الإمام السيوطي في "المزهر" (٢) خطبة كتاب "الاستدراك"، وأورد - نقلًا عن كتاب الزبيدي - غالبَ ما ذكر أنه صَحَّف فيه صاحبُ كتاب "العين" (٣).
وأصبحت كتب الزبيدي عند أهل المغرب بالمنزلة التي قال ياقوت إنها بلغته عنهم من الاعتناء والإقبال، فاجتمعت عنده أسانيدُ اللغة في القرن الخامس وما بعده، وانحدرت عنه تفاريعها، فاتصلت بها الروايات، واتصلت من طريقها بأبي علي القالي بواسطة ابن الإفليلي. وهو الوزير أبو القاسم إبراهيم بن محمد الإفليلي القرطبي المتوفَّى سنة ٤٤١ (٤)، روى عن أبي بكر الزبيدي كتاب الأمالي لأبي علي القالي، وروى كتب الزبيدي كلها عنه. وعنه تروى في الفهارس عن أبي القاسم ابن بقي، عن شريح بن محمد، عن أبي مروان ابن سراج، وعن أبي علي عمر بن محمد عن أبي بكر ابن الجد، عن ابن أبي الأحوص عن الأعلم: عن ابن الإفليلي.
وروى ابن الإفليلي عن أبي علي القالي من الطرق الأخرى غير طريق أبي بكر الزبيدي، رواياتٍ متصلة بالأسانيد: ذكرها ابن بشكوال، ووردت في الفهارس والبرامج، وهي روايته عن أحمد بن أبان (٥) وعن أبي عمر أحمد بن عبد العزيز بن أبي الحباب. وكذلك ثبتت في فهرس ابن أبي الأحوص روايةُ ابن الإفليلي كتابَ ألفاظ ابن السكيت عن ابن أبان عن أبي علي القالي عن المطرز عن ثعلب عن ابن السكيت.
стр. 1706
وثبتت كذلك في مشيخة ابن حبيش مع رواياتٍ أخرى: حسبما يحدث ابن جابر الوادياشي، عن القاضي ابن الغماز التونسي، عن الحافظ الكلاعي، عن ابن حبيش، عن ابن مكي، عن أبي مروان ابن سراج، عن ابن الإفليلي (١). وثبتت في فهرس ابن أبي الأحوص أيضًا روايةُ ابن أبي الحباب عن أبي علي شعر أبي تمام، لكنها ليست من طريق ابن الإفليلي (٢).
وفي فهرس ابن بشكوال - نقلًا عن القطعة منه التي بخطه بمكتبتنا العاشورية - سوق سند موصول بالقراءة، متقن السياق، عن ابن أبي الحباب، عن أبي علي من غير طريق ابن الإفليلي: "قرأت عليه (عبد الرحيم بن قاسم الحجاري) كتاب الألفاظ ليعقوب، وحدثني به عن الأستاذ اللغوي أبي الوليد مالك بن عبد الله العتبي، قراءة منه عليه، قال حدثني به أبو مروان حيان بن خلف بن حيان صاحب الأدب والتاريخ، قراءة مني عليه، قال حدثني أبو عمر أحمد بن عبد العزيز بن أبي الحباب، قراءة مني عليه، عن أبي علي البغدادي: قال بدأنا بقراءة هذا الكتاب على أبي بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وحدثنا به عن أبيه، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن رستم مستملي يعقوب عن يعقوب".
واستمر سندُ ابن الإفليلي في علم متن اللغة غالبًا متسلسلًا في الأندلس، والمرجعَ في الرواية بالمغرب كله إليه، إلى آخر القرن الخامس. وأغلب الرواية عن ابن الإفليلي إنما هي روايةُ عبد الملك بن سراج الذي قال فيه ابن بشكوال: "وكانت الرحلة في وقته إليه، ومدارُ أصحاب الآداب واللغات عليه". (٣) ومن طريق
стр. 1707
عبد الملك بن سراج اتصلت أسانيدُ ابن الإفليلي بمشيخة ابن حبيش التي قام عليها السندُ التونسي.
ابن سيده:
استمرت العصبية الأندلسية للغويين المغاربة - أبي علي القالي، وأبي بكر الزبيدي، ومنذر بن سعيد، وابن القوطية، وابن القزاز وأمثالهم - تسد الطريقَ على كل وافد بجديد من علم اللغة والتآليف التي طفحت بها البلاد المشرقية في القرن الرابع، وناهيك بما لقي صاعد ابن الحسين البغدادي من تسفيه وازدراء استفاضت بهما الأخبار (١). حتى نبغ في أوائل القرن الخامس شابٌّ ضرير ظهر بمدينة مرسية، من شرقي الأندلس، تكوَّن بنفسه وبأبيه، ثم بالتخرج على صاعد البغدادي، ذلك هو أبو الحسن علي بن إسماعيل ابن سيده (٢). فكان له من الإعجاب بنفسه، والاعتداد بسعة علمه، ما سما به عن منهج العصبية، ونزع به إلى استصغار ما كان يستكبره معاصروه ببلاد الأندلس، فأقدم بذلك على تصنيف اللغة تصنيفًا جديدًا، سنَّ منهجه على إتقان الترتيب، واستيعاب المواد، وتوجيه اللغة بالنحو والتصريف، من كل ما أُخذ على المتقدمين خلوُّ تصانيفهم عنه. فأخرج على ذلك المنهج كتابيه العظيمين: المرتب أحدهما على الألفاظ وهو كتاب "المحكم"، والآخر على المعاني وهو كتاب "المخصص". ونوه في مقدمة كل منهما بنفسه وعلمه وامتياز طريقته (٣)، ولم يكترث في واحد منهما بأحد من سابقيه إلى صناعة اللغة في الأندلس، إلا أبا علي القالي. وقد جلى ابن سيده في هذا البيان، ولا سيما بكتاب "المحكم" الذي بقي عمدةَ العمد للمعاجم اللغوية على مر القرون (٤).
стр. 1708
اتصال السند الأندلسي بتونس:
كانت أقرب البلاد إلى الأندلس، في اتساق الصلات العلمية، واطرادها وانعكاسها، البلاد التونسية، منذ افتتح موسى بن نصير الأندلس من تونس. وازداد هذا التقارب بقيام الدولة المرابطية، وجمعها القطرين - مع سائر الأقطار المغربية - في حكم سلطنة واحدة، وانبناء الدولة الموحدية - بعد - على ذلك الأساس، ثم بما تكون عند تشتت الدولة الموحدية من صلاتٍ خاصة مقرِّبة بين القطرين الأندلسي والتونسي، في أول القرن السابع، عند ازدهار الدولة الحفصية بتونس، صلاتٍ طمَّ بها سيلُ علماء اللغة الأندلسيين على البلاد التونسية الأعلام الذين اشتمل عليهم برنامجُ ابن جابر ورحلة ابن رشيد (١)، ورحلة العبدري (٢)؛ إذ توطنها ابن الأبار، وابن الغماز، وحازم القرطاجني، وابن عصفور، واللبلي، وآل ابن سعيد، وهم - في موضوعنا - بيتُ القصيد: فقد آوى إلى تونس - منتصفَ القرن السابع - ثلاثةٌ من نبلاء هذا البيت المجيد، هم موسى بن سعيد العنسي، وابنه الكاتب الرحالة علي بن موسى، وصاحب كتاب المغرب، وقريبُهما محمد بن الحسين بن سعيد بن الحسين بن سعيد العنسي، وعقد لذكرهم جميعًا المقري في نفح الطيب فصلًا مسهبًا، بمناسبة ترجمة علي بن سعيد، في الباب الخامس "في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق" (٣).
والمقصود من بينهم - هنا - هو ثالثهم: أبو عبد الله محمد بن الحسين، فقد ذكره ابن خلدون في فصل علم اللغة من المقدمة، عقب الكلام على ابن سيده وكتابه المحكم، فقال: "ولخصه (المحكم) محمد بن أبي الحسين، صاحب المستنصر من
стр. 1709
ملوك الدولة الحفصية بتونس، وقلبَ ترتيبَه إلى ترتيب كتاب "الصحاح" في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها، فكانا توأمَيْ رحم، وسليلَيْ أبوة". (١) وإجمال عبارة ابن خلدون هذه ربما يفيد أنهما كتاب واحد، مبني على تلخيص وقلب وترتيب، ولكن المحقق أنهما كتابان.
وورد في "تاريخ آداب اللغة العربية" لجرجي زيدان أن لكتاب "المحكم" اختصارًا موجودًا في المتحف البريطاني بخط مغربي قديم، نسبه لمحمد الأنسي المتوفَّى سنة ٦٨٠ (٢). والأظهر أنه لم يهتد إلى تمام الاسم، وأن "الأنسي" هي تصحيف "العنسي"، وأن هذا الكتاب هو الذي أشار إليه ابن خلدون، وهو المفصَّل وصفُه في فهرس المتحف البريطاني (الملحق الثالث ٢٢٨، ٢٢٩). وهي نسخةٌ بخط المؤلف في جزءين غير تامة، يستفاد من خطبتها صريحًا أنها "خلاصة المحكم"، وأن للمؤلف كتابًا آخر هو "ترتيب النسخة الكبرى من المحكم" (٣).
ولما غلبت الهجرة على أعلام اللغة من الأندلسيين في القرن السابع - وكانت أكثرُ رحلتِهم إلى تونس كما أسلفنا - تأتَّى لعلماء اللغة وأهل الرواية والوافدين على تونس من الاتصال في الاستفادة والإفادة بالأندلسيين والفاسيين، والمراكشيين، والتلمسانيين، والبيجائيين، والقسنطبيين، بله التونسيين، ومن الرحلة إلى المشرق، والاتصال بالوافدين من المشرق عليهم، ما صاروا به المستودَع والمرجع في أصالة الملكة العربية، وصحة الإسناد فيها، وضبط اللغة، ورواية كتبها، والقيام على شواهدها، وما جعل تصانيفَهم وأسانيدهم التي تضمنتها فهارسهم وبرامجهم ومشايخهم، مدارَ رواية اللغة في البلاد المغربية قاطبة.
стр. 1710
وقد أشار ابن خلدون إلى أن ملكة العربية صحت في إفريقية بجلاء أهل شرقي الأندلس إليها (١)، فأصبحت البلاد التونسية مقصدًا تُشد لها الرحال للأخذ عن هؤلاء الأئمة والتخرج بهم. وشاعت دراسةُ كتب اللغة بتونس على علمائها وحملة روايتها عن أهل الإسناد فيها، بما تضمنته الفهارسُ والبرامج والمشيخات، والرحلات الممتعة المبنية على ذكر الشيوخ والكتب والقراءة والرواية ووصل الأسانيد.
وظهرت في تونس نخبةٌ من المهتمين بعلوم اللغة، من الإفريقيين أصالةً، الآخذين عن الأندلسيين المهاجرين، المتصلين من طريقهم بالأسانيد الأندلسية الأولى. فصارت فهارسُ الرواة الأندلسيين مندرجةً في الفهارس التونسية، وأصبحت أصول الكتب المقروءة المصححة المسندة، آتية إلى تونس من الأندلس أو متكونة فيها. فنجد من عمد الأسانيد اللغوية، الذين انتقلوا من الأندلس إلى تونس: القاضي أحمد بن الغماز البلنسي (٢)، والشيخ محمد بن هارون القرطبي (٣)، والأستاذ أبا جعفر أحمد اللبلي (٤)، والأستاذ أبا عبد الله ابن الأبار البلنسي (٥)، والإمام أبا الحسن حازمًا القرطاجني (٦). وقد سبق أن أخذوا في الأندلس عن أبي القاسم ابن بقي (٧)، وأبي علي الشلوبين (٨)، وأبي الربيع سليمان الكلاعي (٩). فقرئت عليهم أصولُ كتب اللغة بتونس، مرويةً بأسانيدها الأندلسية المثبتة في المشيخات والفهارس، مثل مشيخة ابن حبيش، يرويها ابن الغماز عن الكلاعي عنه، وقد وضع فيه تأليفًا
стр. 1711
خاصًّا (١) ووضع ابن الغماز فهرسًا تضمن ذلك المعجم رواه عنه ابن جابر الوادياشي في فهرسه، ومثل برنامج ابن بشكوال يرويه ابن الأبار عنه، ومثل برنامج ابن أبي الأحوص يرويه أبو إسحاق بن حبي كما في رحلة ابن رشيد، ويرويه أبو الحسن القيجاطي التونسي وعنه يروى في الأسانيد المتأخرة.
ونجد من كتب اللغة التي قرئت بتونس على أولئك الأساتيذ مثل كتاب "الألفاظ" لابن السكيت؛ قرأه ابن جابر على ابن الغماز (٢)، وكتاب "الفصيح" لثعلب قرأه ابن جابر أيضًا على اللبلي، وقد قرأه اللبلي على أبي علي الشلوبين وغيره، كما يثبت اللبلي في فهرسته التي رواها عنه ابن رشيد، أنه قرأ من خصوص كتب اللغة، فضلًا عن عامة علوم العربية: كتاب "إصلاح المنطق" لابن السكيت، وكتاب "أدب الكتاب"، وكتاب "كفاية المتحفظ" لابن الأجدابي و"مثلث قطرب"، و"صحاح الجوهري"، و"أفعال ابن القطاع"، و"مقصورة ابن دريد"، و"الكامل للمبرد"، و"مقامات الحريري". ونجد من النسخ المروية المقابلة المقروءة، نسخة "المحكم" التي كتبها بخطه أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي الإشبيلي عن أصل أبي عبد الله محمد بن خلصة، الذي قرأه على مؤلفه ابن سيده سنة ٤٥٥ هـ، وهي نسخة تقدر في ثلاثين مجلدًا، يوجد منها اليوم ثمان مجلدات في خزائن جامع الزيتونة (٣)، وعليها مقابلاتٌ متتابعة وتوقيفات لا يبعد أن تكون من عمل الرئيس أبي عبد الله ابن الحسين عند اختصاره كتاب المحكم؛ لأنها في الغالب تحقيقاتٌ مقارنة لما في المحكم بما في تهذيب الأزهري وصحاح الجوهري. والمقدر أن تكون هذه النسخة قد آوت إلى تونس مع الذين آووا إليها عند سقوط بلنسية سنة ٦٤٥ هـ.
стр. 1712
واستمرت هذه الحركة في خدمة اللغة رائجة، والهمم في الاعتناء بها صاعدة، طيلة القرن السابع والقرن الثامن. وامتدت إلى مصر، واتصلت بأئمة اللغة فيها بواسطة الراحلين المجتازين أمثال ابن رشيد، أو المنقطعين المهاجرين أمثال التيفاشي (١)، فكان ذلك سبب اتصالها بابن منظور صاحب "لسان العرب"، زيادة على أصالته الإفريقية.
ثم أخذت الهمم في التقاصر، والإقبال في التراجع، من أواخر القرن الثامن، بما توالى على البلاد التونسية من أحدث الفتن والقلاقل والأوبئة، مما قطع الأمل، وقتل العزائم، وشتت الألباب. وإن كان ابن خلدون قد يعزو ذلك إلى شيء صرح به بالنسبة إلى الملكة اللسانية؛ إذ علل انقراضها وانقطاع سند تعليمها في العدوة (المغرب الأقصى وتونس) بـ "عسر قبول [أهل] العدوة لها، وصعوبتها عليهم بعوج ألسنتهم ورسوخهم في العجمة البربرية، وهي منافية لما قلناه". (٢) ولنا في تنويهه بمقام شيخيه محمد بن بحر، ومحمد بن جابر الوادياشي، في علوم العربية واللسان، وما أخذ عنهما من علم مسند بالرواية (٣)، ما يُبعد التعليلَ الذي أورده عن أن يكون له في موضوعنا مجال.
وأيًّا ما كان السبب، فإن سند تعليم اللغة في البلاد التونسية قد انقطع بعد اتصاله، وأصبحت الأسانيدُ المتصلة بكتب اللغة مندرجةً اندراجًا تبعيًّا في الإجازات والأثبات، تحكي ما كان لها من الشأن السامي والمقام المكين. فتكفل بإبلاغ الأمانة رجالُ الفهارس والأثبات والرحلات العلمية، مثل القيجاطي، وابن جابر، وابن رشيد، والحفيد ابن مرزوق، وخالد البلوي، والعبدري. فتلقاها عنهم أصحابُ الأسانيد العامة والأثبات الجامعة من أهل المشرق وأهل المغرب، وإن لم
стр. 1713
يكونوا من أهل الاختصاص بعلم اللغة. وصارت روايةُ كتب اللغة بطريق الإجازة فقط، مجردةً عن القراءة والتحقيق والدرس، التي كانت تعتمد عليها الروايةُ كما رأينا عند ابن بشكوال وابن الغماز واللبلي.
فاتسع مجال التلقي بالإجازة وحدها بين المشرق والمغرب من أوائل القرن التاسع، وآوت طرقُه كلها إلى مصر. واجتمع منها لشيخ الإسلام ابن حجر ما لا يكاد يشذ عنه شيء من مختلف طرق الرواية في عامة الأقطار الإسلامية. فقد انتهت إليه الأسانيد التونسية من طريقيْ ابن عرفة وابن خلدون عن شيخهما محمد بن جابر الوادياشي، ومن طريق الحفيد ابن مرزوق عن القيجاطي (١). وهي طرق تجتمع فيها جميعُ الأسانيد اللغوية التي قدمنا ذكرَها. كما انتهت إليه الأسانيد المشرقية، وأهمها - وخاصة في علم اللغة - سند الإمام مجد الدين الفيروزآبادي - صاحب "القاموس" - الذي روى عنه ابن حجر مباشرة، وقد روى الفيروزآبادي عن ابن مرزوق.
وعن ابن حجر وتلاميذه - أمثال السيوطي، وشيخ الإسلام زكريا [الأنصاري]، والشيخ إبراهيم اللقاني - انتشرت هذه الأسانيد مجتمعة، واندرجت الأسانيد المتصلة بالإجازة العامة المطلقة في الفهارس والأثبات التي مدارها كتب السنة، والمستندة روايتها في الأكثر إلى القراءة والدرس والمناولة على ما ينبغي لرواية السنة من التثبت والتحري.
ويدخل في أقطار دائرة تلك الأسانيد جميعُ فنون الثقافة الإسلامية، متساهلًا في روايتها بالإجازة المجردة ومنها كتب اللغة. فأصبح الناس عالة على جوامع الأسانيد المصرية المصنفة في القرن التاسع، وخاصة فهرس الحافظ ابن حجر وفهرس السيوطي المسمى "نشاب الكتب في أنساب الكتب".
стр. 1714
فصارت الطرق متشابكة، متداخلة، في المراجع الحديثة، التي عليها اعتماد الناس في القرون الثلاثة الأخيرة، كما يتمثل ذلك في الأسانيد التي أوردها الشيخ مرتضى الزبيدي في روايته القاموس، والأسانيد التي تضمنتها إجازةُ الشيخ عبد القادر الفاسي المتوفى سنة ١٠٩١ هـ، أو كتاب "الأمداد في علو الإسناد" لعبد الله بن سالم البصري المتوفى سنة ١١٣٤ هـ، مما لا يعدو كله أن يكون تسجيلًا لرواية حقيقية متصلة تسلسلت حقبةً من الزمن ثم انقطعت، وأصبح الحديث عنها متسلسلًا ذكره في ما يعتز به الخلف من آثار السلف.
نقد علمي لكتاب "الإسلام وأصول الحكم " (١)
[تقديم]
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
أتحفني بعضُ الأبناء الأعزاء في خلال الراحة الصيفية بكتاب عنوانه "الإسلام وأصول الحكم"، ألفه الشيخ علي عبد الرازق المصري من علماء الأزهر وقضاة المحاكم الشرعية. فسرني إفرادُ هذا البحث بالتأليف، وقلت هذا بلبل المصيف، قد استقر على فنن مورق وحصيف. وصادف مني فراغًا من الشواغل، أعانني على استقصاء مطالعته في ليال قلائل. فلم أعتم (٢) حين عجمتُ عودَه وتوسمت تحليقَ طائره في أوج المعارف وصعوده أن تبينتُ في الأمرين لينًا واضطرابًا، حتى خشيت أن يبدل الفنن خمطةً وبلبلُه غرابًا. وكنت في أثناء تلك المطالعة تعرض لي خواطرُ نقدٍ فأطلقها على التقييد وأرجئ ذلك لفرصة من بعد، إلى أن طويته على غرة، واختلاط حلوه بمره.
ثم بدا لي بعد ذلك أن أنبه على ما لاح من النقود، خيفةَ أن تتلقفه طلبةُ العلم كدأب الناس في تلقف الجديد، فتقع من أذهانهم موقعَ الصدأ من خالص الحديد. وكنت أود أن أبسط القول في تحقيق ما وقع فيه من مسألة مختلطة أو شبهة متبعة، ولكن لما أصبح الوقت بالمهم مشغولًا، فقد اكتفيتُ بالإلمام بما عنَّ من الملاحظات وأوجز قولًا.
تونس: ربيع الأنور سنة ١٣٤٤ هـ
стр. 1718
الكتاب الأول: الخلافة والإسلام
الباب الأول: الخلافة وطبيعتها:
ذكر في صحيفة ٧ أنهم لم يبينوا مصدر القوة للخليفة، وأنه استقر من عبارات القوم أن للمسلمين في ذلك مذهبين: منهم مَنْ يرى أن الخليفة يستمد قوته من قوة الله تعالى، ومنهم من يرى أن مصدر قوته هي الأمة.
وهذا الكلام الذي أطال به هنا بعيد عن التحقيق، اشتبهت فيه الحقيقة بالمجاز والحقائق العلمية بالمعاني الشعرية والمبالغات في المدح والغلو فيه، فجعل مُستَنَده في إثبات المذهب الأول نحو قولهم للخليفة: "ظل الله في الأرض"، ونحوه من الأبيات التي ذكرها وديباجات التآليف التي سردها (١).
هذا ولم يقل أحدٌ من علماء الإسلام إن الخليفة يستمد قوتَه من الله تعالى، إنما أطبقت كلمتُهم على أن الخلافة لا تنعقد إلا بأحد أمرين: إما البيعة من أهل الحل والعقد من الأمة، وإما بالعهد مِمَّن بايعته الأمة لمن تراه صالحًا. ولا يخفى أن كلا الطريقين راجعٌ للأمة؛ لأن وكيل الوكيل وكيل، فإذا بويع فقد وجب له ما جعله الله من الحقوق التي هي القوة المبينة في شرع الله تعالى؛ لأن الله حدد قوةَ الخليفة وجعلها لخدمة مصلحة الأمة، وجعل اختيارَ ولي أمرها بيد الأمة. ولم يقل أحدٌ: إنه يستمد من الله تعالى بوحي ولا باتصال روحاني ولا بعصمة (٢). ولا خلافَ أن حكم
стр. 1719
الخليفة حكمُ الوكيل إلا في امتناع العزل بدون سبب من الأسباب المبينة في مواضعها من كتب الفقه وأصول الدين (١). ثم نظّر في صحيفة ١١ بين اختلاف المسلمين (الموهوم) وبين اختلاف الأورباويين، وهو تنظير ليس بمستقيم.
الباب الثاني: في حكم الخلافة:
أطال المؤلف في هذا الباب الترديد والتشكيك في أن الكتاب والسنة لا دليلَ فيهما على وجوب نصب الخليفة، ثم أفصح عن ذلك في صحائف ١٣ - ١٤ - ١٥. فإن كان ينحو بذلك إلى مذهب الخوارج من إنكار وجوب نصب الأمراء، فليذكر أن الأدلة الشرعية غير منحصرة في الكتاب والسنة؛ فإن الإجماع والتواتر وتظاهر الظواهر الشرعية هي دلائل قاطعة تربو على دلالة الكتاب والسنة إذا كانت ظنية.
وقد تواتر بعثُ النبي ﷺ الأمراءَ والقضاة للبلدان النائية، وأمر بالسمع والطاعة بل وأمر القرآن بذلك أيضًا، فحصل من مجموع ذلك ما أوجب إجماعَ الأمة من عهد الصحابة ﵃ على إقامة الخليفة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فبايعوا أبا بكر ﵁ وأطاعه المسلمون في سائر الأقطار ولم ينكر بيعته أحد. وإنما خرج مَنْ خرج إما
стр. 1720
للارتداد عن الدين، وإما لمنع دفع الزكاة، ولم يغفل علماء الإسلام عن هاته الأدلة. وإنما الغفلة لمن غفل عن خطة السعد في المقاصد، فإنه كغيره من علماء الكلام بصدد إثبات الأدلة القطعية المقنعة في الردّ على الخوارج وأضرابهم (١).
والأحاديث الواردة في هذا الشأن لا دلالة في آحادها على ذلك، لأن كلّ دليل منها فيه احتمال قد يمنع الخصمُ بسببه الاستدلالَ به عند المناظرة، ولهذا أدرج علماء الكلام مسألة الخلافة في المسائل الاعتقادية تسامحًا، لمشابهتها بمسائل الاعتقاد في قطعية الأدلة وفي ترتب الضرر على الغلط فيها كما بينوه في كتبهم.
وقد أفصح عن ذلك إمام الحرمين ﵀ إذ قال في كتاب الإرشاد: "الكلام في هذا الباب (الإمامة) ليس من أصول الدين، والخطر على من يزل فيه يربي على الخطر من يجهل أصلًا من أصول الدين، ويعتوره نوعان محظوران عند ذوي الحجاج: أحدهما ميلُ كل فئة إلى التعصب وتعدي حدّ الحق، والثاني عدّ المحتملات التي لا مجال للقطع فيها من القطعيات". (٢) فلما تطلبوا الأدلة القطعية وجدوها في الإجماع، والمراد من الإجماع أعلى مراتبه وهو إجماع الأمة من العصر الأول استنادًا للأدلة القاطعة القائمة مقامَ التواتر، وهو في الحقيقة مظهر من مظاهر التواتر المعنوي. وأيُّ دليل على اعتبارهم الخلافة من قواعد الدين أعظمُ من اتفاق الصحابة عليه وهرعهم يوم وفاة النبي ﷺ إلى ذلك من غير مخالف؟
على أن القرآن قد شرع أحكامًا كثيرة ليست من الأفعال التي يقوم بها الواحد، فتعين أن المخاطبَ بها ولاةُ الأمور، نحو قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]، ونحو