نقد علمي لكتاب "الإسلام وأصول الحكم " (١)
[تقديم]
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
أتحفني بعضُ الأبناء الأعزاء في خلال الراحة الصيفية بكتاب عنوانه "الإسلام وأصول الحكم"، ألفه الشيخ علي عبد الرازق المصري من علماء الأزهر وقضاة المحاكم الشرعية. فسرني إفرادُ هذا البحث بالتأليف، وقلت هذا بلبل المصيف، قد استقر على فنن مورق وحصيف. وصادف مني فراغًا من الشواغل، أعانني على استقصاء مطالعته في ليال قلائل. فلم أعتم (٢) حين عجمتُ عودَه وتوسمت تحليقَ طائره في أوج المعارف وصعوده أن تبينتُ في الأمرين لينًا واضطرابًا، حتى خشيت أن يبدل الفنن خمطةً وبلبلُه غرابًا. وكنت في أثناء تلك المطالعة تعرض لي خواطرُ نقدٍ فأطلقها على التقييد وأرجئ ذلك لفرصة من بعد، إلى أن طويته على غرة، واختلاط حلوه بمره.
ثم بدا لي بعد ذلك أن أنبه على ما لاح من النقود، خيفةَ أن تتلقفه طلبةُ العلم كدأب الناس في تلقف الجديد، فتقع من أذهانهم موقعَ الصدأ من خالص الحديد. وكنت أود أن أبسط القول في تحقيق ما وقع فيه من مسألة مختلطة أو شبهة متبعة، ولكن لما أصبح الوقت بالمهم مشغولًا، فقد اكتفيتُ بالإلمام بما عنَّ من الملاحظات وأوجز قولًا.
تونس: ربيع الأنور سنة ١٣٤٤ هـ
стр. 1718
الكتاب الأول: الخلافة والإسلام
الباب الأول: الخلافة وطبيعتها:
ذكر في صحيفة ٧ أنهم لم يبينوا مصدر القوة للخليفة، وأنه استقر من عبارات القوم أن للمسلمين في ذلك مذهبين: منهم مَنْ يرى أن الخليفة يستمد قوته من قوة الله تعالى، ومنهم من يرى أن مصدر قوته هي الأمة.
وهذا الكلام الذي أطال به هنا بعيد عن التحقيق، اشتبهت فيه الحقيقة بالمجاز والحقائق العلمية بالمعاني الشعرية والمبالغات في المدح والغلو فيه، فجعل مُستَنَده في إثبات المذهب الأول نحو قولهم للخليفة: "ظل الله في الأرض"، ونحوه من الأبيات التي ذكرها وديباجات التآليف التي سردها (١).
هذا ولم يقل أحدٌ من علماء الإسلام إن الخليفة يستمد قوتَه من الله تعالى، إنما أطبقت كلمتُهم على أن الخلافة لا تنعقد إلا بأحد أمرين: إما البيعة من أهل الحل والعقد من الأمة، وإما بالعهد مِمَّن بايعته الأمة لمن تراه صالحًا. ولا يخفى أن كلا الطريقين راجعٌ للأمة؛ لأن وكيل الوكيل وكيل، فإذا بويع فقد وجب له ما جعله الله من الحقوق التي هي القوة المبينة في شرع الله تعالى؛ لأن الله حدد قوةَ الخليفة وجعلها لخدمة مصلحة الأمة، وجعل اختيارَ ولي أمرها بيد الأمة. ولم يقل أحدٌ: إنه يستمد من الله تعالى بوحي ولا باتصال روحاني ولا بعصمة (٢). ولا خلافَ أن حكم
стр. 1719
الخليفة حكمُ الوكيل إلا في امتناع العزل بدون سبب من الأسباب المبينة في مواضعها من كتب الفقه وأصول الدين (١). ثم نظّر في صحيفة ١١ بين اختلاف المسلمين (الموهوم) وبين اختلاف الأورباويين، وهو تنظير ليس بمستقيم.
الباب الثاني: في حكم الخلافة:
أطال المؤلف في هذا الباب الترديد والتشكيك في أن الكتاب والسنة لا دليلَ فيهما على وجوب نصب الخليفة، ثم أفصح عن ذلك في صحائف ١٣ - ١٤ - ١٥. فإن كان ينحو بذلك إلى مذهب الخوارج من إنكار وجوب نصب الأمراء، فليذكر أن الأدلة الشرعية غير منحصرة في الكتاب والسنة؛ فإن الإجماع والتواتر وتظاهر الظواهر الشرعية هي دلائل قاطعة تربو على دلالة الكتاب والسنة إذا كانت ظنية.
وقد تواتر بعثُ النبي ﷺ الأمراءَ والقضاة للبلدان النائية، وأمر بالسمع والطاعة بل وأمر القرآن بذلك أيضًا، فحصل من مجموع ذلك ما أوجب إجماعَ الأمة من عهد الصحابة ﵃ على إقامة الخليفة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فبايعوا أبا بكر ﵁ وأطاعه المسلمون في سائر الأقطار ولم ينكر بيعته أحد. وإنما خرج مَنْ خرج إما
стр. 1720
للارتداد عن الدين، وإما لمنع دفع الزكاة، ولم يغفل علماء الإسلام عن هاته الأدلة. وإنما الغفلة لمن غفل عن خطة السعد في المقاصد، فإنه كغيره من علماء الكلام بصدد إثبات الأدلة القطعية المقنعة في الردّ على الخوارج وأضرابهم (١).
والأحاديث الواردة في هذا الشأن لا دلالة في آحادها على ذلك، لأن كلّ دليل منها فيه احتمال قد يمنع الخصمُ بسببه الاستدلالَ به عند المناظرة، ولهذا أدرج علماء الكلام مسألة الخلافة في المسائل الاعتقادية تسامحًا، لمشابهتها بمسائل الاعتقاد في قطعية الأدلة وفي ترتب الضرر على الغلط فيها كما بينوه في كتبهم.
وقد أفصح عن ذلك إمام الحرمين ﵀ إذ قال في كتاب الإرشاد: "الكلام في هذا الباب (الإمامة) ليس من أصول الدين، والخطر على من يزل فيه يربي على الخطر من يجهل أصلًا من أصول الدين، ويعتوره نوعان محظوران عند ذوي الحجاج: أحدهما ميلُ كل فئة إلى التعصب وتعدي حدّ الحق، والثاني عدّ المحتملات التي لا مجال للقطع فيها من القطعيات". (٢) فلما تطلبوا الأدلة القطعية وجدوها في الإجماع، والمراد من الإجماع أعلى مراتبه وهو إجماع الأمة من العصر الأول استنادًا للأدلة القاطعة القائمة مقامَ التواتر، وهو في الحقيقة مظهر من مظاهر التواتر المعنوي. وأيُّ دليل على اعتبارهم الخلافة من قواعد الدين أعظمُ من اتفاق الصحابة عليه وهرعهم يوم وفاة النبي ﷺ إلى ذلك من غير مخالف؟
على أن القرآن قد شرع أحكامًا كثيرة ليست من الأفعال التي يقوم بها الواحد، فتعين أن المخاطبَ بها ولاةُ الأمور، نحو قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]، ونحو
стр. 1721
قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، إلخ.
وهذا النوع من الإجماع هو الذي تثبتُ به قواطعُ الشريعة المعبَّرُ عنها بالمعلومات ضرورة. ولو اقتصرنا على مفردات آيات القرآن والسنة لما ثبتت المعلوماتُ الضرورية من الدين إلا نادرًا؛ لأن معظمَ تلك الأدلة لا تعدو الظنية كما هو مقرر في الأصول عند الكلام على الفرق بين كون المتن قطعيًّا وكون الدلالة قطعية.
فقول المؤلف في صحيفة ١٦: "ولو وجدوا لهم في الحديث دليلًا لقدموه في الاستدلال على الإجماع"، كلامٌ يُتعجَّب من صدوره عن ممارس لعلوم الشريعة حتى يعتقد أن دلالةَ أخبار الآحاد أقوى من دلالة الإجماع، على أنهم كيف يحتاجون للاستدلال مع عدم الاختلاف؟ ولم يُعرفْ خلافُ أحدٍ من المسلمين في وجوب نصب الإمام إلا ما رمز إليه الحرورية يوم التحكيم بعد وقعة صفين، إذ قالوا لما سمعوا التحكيم: "لا حكم إلا لله" كلمة مموهة مجملة، فقال الإمام علي ﵁ حين سمعها: "كلمة حق أريد بها باطل" (١).
ولهذا اقتصر إمام الحرمين في الإرشاد على دلالة الإجماع في أمر الإمامة فقال: "ومما تترتب عليه الإمامة القطعُ بصحة الإجماع، وهذا لا مطمعَ في تقريره ها هنا، [وقد ذكرنا في كتاب التلخيص في أصول الفقه ما يدل على صحة الإجماع (٢)]. ولكنا
стр. 1722
نعضد هذا المعتقد بقاطع في صحة الإجماع، [جريًا على ما التزمناه من إيراد القواطع]، فنقول: إذا أجمع علماء الأمصار على حكم شرعي وقطعوا به، فلا يخلو ذلك الحكم إما أن يكون مظنونًا لا يُتوصل إلى العلم به، وإما أن يكون مقطوعًا به على حسب اتفاقهم. فإن كان مقطوعًا به [على حسب اتفاقهم]، فهو المقصود. وإن كان مظنونًا [لا سبيلَ إلى العلم به]، فيستحيل في مستقِرِّ العادة أن يحسب العلماء بطرق الظنون والعلوم الظنَّ علمًا مطبقين عليه، من غير أن يختلج لطائفة شكٌّ أو يخامرهم ريب. وتقرير ذلك خرق للعادة". (١)
وأعجب من هذا أن المؤلف حاول في صحائف ١٧ - ١٨ - ١٩ أن يجيب عن الأحاديث التي استدل بها العلماء على وجوب نصب الإمام بما حاصله بعد نخله: أن ذكر القرآن لطاعة أولياء الأمور وذكر الأحاديث للخلافة أو الإمامة أو السمع والطاعة - وقال بعد أن شك في صحة ما هو معلوم الصحة منها: "إن معنى ذلك أنه إن وقع ذلك وقدره الله فإننا نقابله بما أمرنا به لا على معنى أنا ملزمون بإيجاد ذلك"، ثم نظره لما حكته الأناجيل أن "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فما دل ذلك على أن حكومة قيصر من شريعة الله. قال: "على أننا أمرنا بطاعة البغاة والعصاة، فما كان ذلك دليلًا على مشروعية البغي" إلخ.
وهذا الكلام ضغث من أغلاط، وكان للناظر اللبيب غنى عن التوقيف على ما فيه. وملاك ذلك أن الأوامر النبوية دلائلُ على مشروعية الخلافة؛ إذ النبي لا يأمر بالمنكر ولا يؤيد أمرًا غير معتبر شرعًا. وقد احتج الفقهاء في الإسلام بدلالات الألفاظ النبوية حتى بدلالة الإشارة وحتى بما يضرب فيها من الأمثال، وتنظيره بما في الإنجيل خروج عن جادة القيل. وقوله: إنا أمرنا بطاعة البغاة كلامٌ باطل، بل قد
стр. 1723
أمرنا بأن لا نطيع العصاة إذا كان عصيانهم متلبسًا بذواتهم لا بأوامرهم. على أن في هذا خلافًا قديمًا بين علماء الأمة، فلا يمكن جعله أصلًا يستنبط منه.
الباب الثالث: في الخلافة من الوجهة الاجتماعية:
قال في صحيفة ٢٢: "نسلم أن الإجماع حجةٌ شرعية، ولا نثير خلافًا مع المخالفين" إلخ، وعلق عليه في الحاشية أنه ينظر إلى مخالفة الروافض والنَّظَّامِ وأضرابهم. وهذا توهم بَيِّن؛ لأن الإجماع المختلف فيه هو إجماع المجتهدين على أمر اجتهادي. على أن المخالفين فيه لا يُعتدُّ بخلافهم؛ لأنهم طائفةٌ قليلة ضعيفة العلم من بين طوائف الإسلام. غير أننا لا حاجةَ بنا إلى الخوض في هذا الغرض؛ لأن الإجماع الذي ثبتت به مشروعيةُ الإمامة العظمى هو الإجماع المنعقد عن دليل ضروري من الشرع، وهو الذي يُعبَّر عنه تارة بالإجماع وتارة بالتواتر المعنوي. وقد تقدم من كلام إمام الحرمين ما يرشد لذلك إذ قال: "إذا أجمع علماء العصر على حكم شرعي وقطعوا به" إلى آخر ما تقدم.
وقال المؤلف في صحيفة ٢٣: "إن مقام الخلافة كان، منذ الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁ إلى يومنا هذا، عرضةً للخارجين عليه المنكرين له. . ." إلخ (١)، وهو كلام يزيفه التاريخ والحديث والفقه، فإن بيعة أبي بكر لم ينكرها أحدٌ من المسلمين ولا دعا داعٍ لمنازعته، ولكن خرجت طوائفُ من العرب منهم مَنْ خرج من جامعة الإسلام وهذا لا حجة فيه، ومنهم مَنْ منع حقّ الزكاة ورأى أن ذلك من حقوق النبي ﷺ فقط، فما خرجوا لمنازعته في الولاية. وحسبك ما ثبت في الصحيح أن عمر قال لأبي بكر ﵄ لما عزم على قتالهم: "كيف نقاتلهم وقد قالوا لا إله إلا
стр. 1724
الله محمد رسول الله؟ فقال أبو بكر: والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه". (١)
стр. 1725
وبعد فهل في فعل الجفاة من الأعراب حجةٌ دينية وإثباتُ حال مسألة اجتماعية؟
دام خضوع المسلمين للخليفة مدة الخلفاء الثلاثة حتى خرج أهلُ مصر على عثمان ﵁، وليس ذلك الخروج إنكارًا للخلافة ولكنه خروج عن شخص الخليفة، على أن ذلك ليس من فعل مَنْ يعتد بفعله من أهل العلم وذوي الحلّ والعقد. فإن كان المؤلف يحوم بهذا التحليق حول الوقوع على مذهب طوائف الخوارج كما أرسى عليه في صحيفة ٢٣ فقد ظهر مطارُه وعُلِم مقدارُه.
وقال في صحيفة ٢٥: "غير أننا إذا رجعنا إلى الواقع ونفس الأمر وجدنا الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة" إلخ، وقد اشتبه عليه هنا حياطةُ الخلافة بالقوة العامة لتنفيذ الشريعة على مَنْ يأباها بأخذ الخلافة بواسطة القوة، وقد كان الرسول نفسه يؤيد الدين ويذب عنه من يريد مناوأته بواسطة القوة. نعم، نحن لا ننكر أن مِنَ الأمراء مَنِ استعمل القوةَ لنوال الإمارة، إلا أن ذلك لا يقدح في ماهية الخلافة لأن العوارض التي تعرض للشيء في بعض الأوقات لا تقضي على الأصل بالبطلان.
ثم أفاض القول من صحيفة ٢٧ إلى صحيفة ٣١ في بيان سبب إباية المسلمين من إقامة الخليفة إلا إذا قهرهم وغلبهم، وأن ذلك ناشئ عما عودتهم به تعاليمُ
стр. 1726
الإسلام من فكرة الإخاء والمساواة وترك الخضوع لغير الله، وأيَّد ذلك بما حدث من التغالب على الإمارة في بعض وقائع التاريخ الإسلامي، فكأنه ينزع بذلك إلى أن دين الإسلام بثّ في متابعيه مبادئ الفوضى وأنه لا تُعقل خلافةٌ عادلة (في نظره) إلا إذا كان صاحبُها مغلولَ اليدين يمتثل لكل خارج ويغضّ النظر عن كل متشبّه، ولا يذب عن الجامعة من يعتدي عليها. ثم عاد في صحيفة ٣١ وصحيفة ٣٢ إلى إبطال انعقاد الإجماع في الإسلام على الخلافة بما يؤول إلى أن سكوتهم إنما كان عن تقية وخوف، وهي قولةٌ لبعض الروافض في اعتذارهم عن سكوت علي ﵁ وأمثاله للخلفاء الثلاثة قبله، وسخافته ظاهرة.
هذا حاصلُ ما يتعلق بالرد على مواضع الزلل من كلام مؤلف "الإسلام وأصول الحكم" في الكتاب الأول منه. وقد تعين أن نذكر الآن خلاصةً تجمع فصلَ المقال في هاته الردود، وننبه إلى ما وقع من الأغلاط في صحائف ٣٣ - ٣٥ - ٣٦ - ٣٧ - ٣٨ فنقول:
إن الخلافة الإسلامية التي مسماها ما حددها به الإمامُ الرازي في النهاية بقوله: "هي خلافة شخص للرسول ﷺ في إقامة الشرع وحفظ الملة على وجه يوجب اتباعه على كافة الناس" (١)، هي عبارةٌ عن حكومة الأمة الإسلامية، وهي ولايةٌ ضرورية لحفظ الجامعة وإقامة دولة الإسلام على أصلها. ومما يجب علمُه هنا أن الإسلام دينٌ مُعَضَّدٌ بالدولة وأن دولته في ضمنه؛ لأن امتزاج الدين بالدولة وكون مرجعهما واحدًا هو ملاكُ قوام الدين ودوامه، ومنتهى سعادة
стр. 1727
البشر في اتباعه حتى لا يحتاج الدين - الذي هو مصلح البشر - في تأييده إلى الوقوف بأبواب غير بابه.
والخلافة بهذا المعنى الحقيقي ليست لقبًا يُعطَى لكبير ولا طريقًا روحانيًّا يوصل الروحَ إلى عالم الملكوت، أو يربط النفوس في الدين بأسلاك نورانية، بل هي خطةٌ حقيقية تجمع الأمةَ الإسلامية تحت وقايتها بتدبير مصالحها والذب عن حوزتها. وإن الخلافة بهذا المعنى ظهرت في صدر الإسلام في أجلى مظاهرها ثم أخذت تتضاءل من عهد الخليفة الرابع، فلم تزل في تضاؤل وتراجع ومرض وسلامة إلى أواسط الدولة العباسية؛ إذ استمر خروج الخارجين حتى بلغت إلى حدّ صارت به بقية اسم يورث وليس لصاحبها من الحظّ كما يقول ابن الخطيب في "رقم الحلل":
إِلَّا الدُّعَاءُ فَوْقَ عُودِ المِنْبَرِ ... مِنْ كُلِّ مَحْجُوبٍ عَنِ الأَمْرِ بَرِي (١)
فصار اللقبُ يومئذ مجازًا لا حقيقة، إلا أنه مجاز سوغته علاقةُ اعتبار ما كان. ولو أريد إعطاؤه من أول الأمر على تلك الحالة لما كان؛ إذ كيف يمنح هذا اللقب لمن يكون حاله بعد منحه كحاله قبله، وماذا يستطيع أن يفعل إذا كان أعزل عن كل قوة؟ وهل يستطيع بالألقاب اللفظية أن يُسَابَ من الهوة؟ وكيف يطمع في ذلك مَنْ
стр. 1728
لا يدفع عن نفسه ولا يكون غدُه أفضل من أمسه؟ فليس إيجاد هذا المنصب السامي من باب إيجاد الموهوم، كما تحاوله جمعياتُ الخلافة اليوم (١)، ولا أحسب هذا يشتبه على من له حظّ من العلوم.
стр. 1729
الكتاب الثاني: الحكومة والإسلام
الباب الثاني: الرسالة والحكم:
تكلم في صحائف ٤٨ - ٤٩ - ٥٠ - ٥١ - ٥٢ على أن النبي ﷺ هل ثبت له وصفُ الملك مع الرسالة؟ وهل في هذا البحث حرج؟ وهل وصف النبي ﷺ بالملك أو عدم وصفه به يمس جوهر الإسلام أو يمس بالباحث في ذلك؟ وفرق بين مفهوم الرياسة ومفهوم الملك، وأثبت أن بعض الرسل لم يكونوا ملوكًا، إلخ.
وكل ذلك مُسَلَّمٌ لا نزاعَ فيه. وإننا إن نظرنا إلى المسميات فلا منافاةَ بين مُسمَّى الملك ومسمى الرسالة؛ إذ الملك عبارة عن تقلد أحد لأمر أمة يتولى شؤونها وسياستها وتنفيذ شريعتها بالرغبة والرهبة، وذلك مما ينفذ مقاصدَ الرسالة ويكمل خطتَها كما أشرنا إليه سابقًا من أن تعاضد الدين والدولة واجتماعهما في جهة واحدة أجلى مظاهر الدين وأنسبُ بشرفه الإلهي، فلا مانعَ من ثبوت مسمى الملكية لرسول أو نبي. وقد حكى القرآن عن سليمان ﵇ قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥].
غير أن لفظ الملك لما علق به منذ الأزمنة القديمة من عوارض الجبروت والترف واللهو عن الحقيقة والشغل بالسفاسف واستخدام القوة في الظلم والفساد في الأرض، صارت هاته الأوصافُ وتوابعها تسبق للأذهان عند سماع لفظ مُلْك ومَلِك، فلأجل ذلك تحاشى الناسُ عن وصفِ النبي ﷺ بالملك أو بكونه ملكًا.
ويشهد لهذا ما وقع لأبي سفيان مع العباس بن عبد المطلب يوم أسلم قبيل يوم فتح مكة، ثم وقف مع العباس يشاهد كتائبَ جيش الفتح المبارك تمرّ بين يديه
стр. 1730
وهو يسأل العباس عن كل كتيبة، والعباس يعرفه بقبائلها، فلما بهره ذلك المشهد قال للعباس: "قد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا"، فأنكر عليه العباس قوله "ملك"، وقال له: "إنما هي رسالة لا ملك". (١)
وقد كنتُ أسمع من رجل عظيم من أهل العلم والسياسة قدس الله روحه ينكر على ابن خلدون تحويمه في مواضع حول أن يعد عصر النبوة عصرًا ملكيًّا، ويعلل إنكارَه بأن وصف النبوة أعظمُ وأشمل من وصف رسخت له في نفوس الناس عوارضُ غيرُ محمودة صارت كاللوازم له.
ثم قال في صحائف ٥٢ - ٥٣ - ٥٤: "إن دعوة الدين إلى الله بتحريك القلوب بوسائل الإقناع، فأما القوة والإكراه فلا يناسبان دعوةً غرضها هداية القلوب وما عرفنا في تاريخ الرسل رجلًا حمل الناس على الإيمان بحدّ السيف". ثم تلا آية الإكراه في الدين وغيرها، وقال: "وإذا كان ﷺ قد لجأ إلى القوة، فذلك لا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين، وما نفهم منه إلا أنه كان في سبيل الملك، ولتكوين الحكومة الإسلامية، [ولا تقوم حكومة إلا على السيف وبحكم القهر والغلبة] , فذلك هو سّر الجهاد"، ومثله الزكاة والجزية والغنائم، فذلك "خارجٌ عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل"، وكذلك توجيه الأمراء، إلخ.
وههنا قد ارتكب المؤلف ضروبًا من الخطأ: فأما زعمه أن الدعوة إلى الدين تنافي استعمالَ القوة والإكراه فمردود؛ لأن الدعوة للدين يُقصد منها حملُ الناس على صلاح أمرهم. فالابتداء بالدعوة ظاهر، ثم إنْ هم عاندوا وجحدوا ولم تقنعهم الدعوة والأدلة فلا جرم أن يكون استصلاحُهم هو القوة، كما يُحمل الصبي على
стр. 1731
صلاحه بالتأديب، وكما يحمل أفراد الناس على الامتثال للشريعة بالرغبة والرهبة. وهذا لا يشك فيه عالم متشرع بل ولا عالم قانوني.
وإذا كان يدعي أن استعمال القوة ليس من توابع الرسالة وجعله تصرّفًا من النبي ﷺ بصفة الملك، فهل يدعي أيضًا أن تعرض القرآن لذلك في نحو آية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] هو أيضًا تصرف بالسياسة ولا يسعه إلا التزامُ ذلك، فإذًا يصير القرآن مع كونه كتابَ دين هو أيضًا دستورَ سياسة، وكفى بهذا خبطًا. فإن أصاب فأجاب بأن الشريعة والسياسة أخوان، وأنه لا يتم شرعٌ بدون امتزاج بالحكومة، فقد تالب إلى الحق، وعلم أن لا بدّ من الأمرين لصلاح الخلق.
لا جرم أن الله تعالى ذكر الجهاد في كتابه وسماه الجهاد في سبيل الله، فكيف يعده المؤلف من أمثلة الشؤون الملكية بعد أن أثبت الفرق بينها وبين أحوال الرسالة؟ ولقد تجاوز هذا الحد في صحيفة ٥٤ فجعل أخذ الزكاة والجزية والغنائم من شؤون الحكومات خارجًا عن وظيفة الرسالة وبعيدًا عن أعمال الرسل باعتبار أنهم رسل فحسب.
وهذا كلام إن أراد به التفرقةَ بين مفهوم الرسالة المجردة والرسالة المقترنة بالسلطان فهو صحيح، لكنه لا فائدة فيه هنا. وإن أراد إثبات أنه غير الرسالة وأنه عمل حكومة وأنه قد اتفق في الوجود أن صار الملك رسولًا وصار الرسول ملكًا مع تنافي الصفتين، فسخافة ذلك لا تخفى لاقتضائها أن يكون الرسول قد يشتغل بالرسالة في أوقات ثمّ يتفرغ عنها إلى الاشتغال في أوقات أخرى بصناعة الملك. كيف والله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ثم أنَّى يكون صحيحًا وهذا القرآن قد قرن الصلاة بالزكاة في كثير من آياته؟
ثم ذكر المؤلف في صحيفة ٥٩ بحثًا في أن تأسيس النبي للمملكة الإسلامية هل يكون خارجًا عن حدود رسالته، وجوز أن يكون ذلك خارجًا عن حدود
стр. 1732
الرسالة وأن القول به لا يكون كفرًا ولا إلحادًا، وتأوله بأنه مرادُ قول بعض الفرق بإنكار الخلافة في الإسلام، إلخ. ولقد أفصح هنا عن مقاربته اختيارَ قول غلاة الخوارج بعدم نصب الإمامة بين الناس؛ لأنه لا يلتئم مع ما قدمه من أن تأسيس الحكومة الإسلامية غيرُ داخل في مفهوم الدين الذي أُرسل لأجله النبي، حتى لا يلزم اقتفاءُ النبي فيما منع منه.
إلا أن الاستدلال ينقلب عليه بأن ما استدل به لنفسه وللخوارج هو عليهم لا لهم؛ لأنه إذا كان ذلك عملًا زائدًا على الرسالة فقد فعله النبي ﷺ فإذا سلمنا أنه لكونه خارجًا عن حقيقة الرسالة لا يجب اتباعه شرعًا في كل زمان، فهل نمنع أن أحد الحالين هو الاقتفاء بالنبي فيما فعله؟ فإنه ما فعل إلا ما كان فيه الصلاح، فيكون تأسيسُ الحكومة من مقاصد الشارع. ثم إنه قال في صحيفة ٥٥ إن هذا الرأي يراه بعيدًا.
ثم تعرض من صحيفة ٥٦ إلى صحيفة ٦٢ لكلام فرضه على وجه الاحتمال، فصرح بأن رأي الجمهور أن إقامة المملكة الإسلامية عملٌ متمم للرسالة وداخل فيها، غير أن العلماء أغفلوا اعتبارَ شرط التنفيذ في حقيقة الرسالة إلا ابن خلدون، وساق كلامه (١) بعد أن قدم في صحيفة ٥٠ أن اعتبار النبي ﷺ رسولًا وملكًا معًا هو رأي المسلم العامي، وهنا جعله رأيَ العلماء ولا سيما ابن خلدون.
стр. 1733
ثم تعجّب من خلوِّ دولة الرسالة عن كثير من أركان الدول وعن الخوض في نظام الملك، إلا إذا كان ذلك لم يبلغ إلينا. على أن كثيرًا من الأنظمة المتبعَة في الدول إنما هو مصطلحاتٌ ليست ضرورية لنظام الدولة، ولا تناسب أخلاقَ النبي ﷺ من ترك التكلف وترك الرياء والسمعة، فلذلك كان نظامُ الحكم في زمانه ﷺ بعيدًا عن التكلفات، إلخ.
وما أجدرَ هذا الكلام بأن يكون فصلَ المقال، لولا أنه صرح في صحيفة ٦٢ و ٦٣ بعدم ارتضائه، فتطلب لحل الإشكال وجهًا آخر من ورائه.
وخلاصةُ الحق في هذا المبحث أن الملك العادل الحق لا ينافي الرسالة، بل هو تنفيذٌ لها، وأن من الأنبياء من اجتمع له الملك والنبوة مثل داود ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
الباب الثالث: رسالة لا حكم، دين لا دولة:
ذكر من صحيفة ٦٤ إلى صحيفة ٧٠ ما خلاصته: أن النبي ﷺ لم يكن له ملك ولا حكومة، ولا قام بتأسيس مملكة. نعم إن الرسالة تستلزم للرسول نوعَ زعامة في قومه وما هي كزعامة الملوك على رعيتهم، فإن زعامة موسى وعيسى لم تكن زعامةً ملوكية، كما أن الرسالة تستلزم لصاحبها نوعًا من القوة ليطاع وتستلزم له سلطانًا أوسعَ مما يكون بين الحاكم والمحكومين وبين الأب وأبنائه. وقد يسوس الرسول الأمة سياسة الملوك، وله وظيفةٌ زائدة وهي اتصاله بأرواح الأمة لا سيما ورسول الله ﷺ جاء بدعوة عامة؛ فهي توجب له من تأييد الله ما يناسبُ تلك
стр. 1734
الدعوة. فلذلك كان سلطانُه سلطانًا عامًّا له أقصى ما يمكن من درجات نفوذ القول، وهو سلطانٌ ترسله السماء، وهي ولاية روحية لا ولاية تدبير مصالح الحياة وعمارة الأرض، إلخ.
سقنا خلاصةَ كلامه ليظهر هنا مقدارُ اضطرابه، فإن أوله ينكر أن تكون للرسول حكومة، ثم أثبت زعامته، ثم حكم بأنها أقوى من زعامة صاحب الحكومة، ثم أثبت أنها قد تكون مثلَ سياسة الملوك، ثم أثبت له سلطانًا عامًّا، ثم جعل سلطانَه مرسلًا من السماء، ثم حكم بأن ولايته روحية لا ولاية تدبير مصالح، إلخ.
ولا يعزب عن ذي مسكة ما في هذا الكلام من الاضطراب وفساد الوضع بالنسبة لإثبات الدعوى التي عقد لها الباب، وهي قوله: "رسالة لا حكم ودين لا دولة"، وقوله في طالعها: إن "الرسول ﷺ لم يكن له ملك ولا قام بتأسيس مملكة". ثم نحن نسائله: هل كانت الأمة في زمن النبوة ذاتَ نظامٍ وحكومة أم كانت فوضى؟ فإن اختار الأول: فإما أن تكون حكومةُ الأمة يومئذ بيد النبي أو بيد غيره، فإن كانت بيد النبي، فقد ثبتت الحكومةُ المقارِنة للرسالة وبطل ما أسسه المؤلف وأعلاه، ورجعنا إلى اعتبار المسميات دون الأسماء، وهو الصوابُ والرشد. وإن فُرضت بيد غير النبي، فالتاريخُ ينافي إثباتَها، والعقل يقتضي أن وجودَ الرسالة معها يصير عبثًا. وإن اختار أن الأمة يومئذ باقيةٌ على الفوضى، فما تنفع الرسالة؟
هذه قيمةُ كلامه في هاته الصحائف.
فإن قال: إنها زعامة وقتية لا تثبت لأحد بعد الرسول، فقد رجع لقول بعض عرب الردة وبعض الخوارج، وقد أبطلناه. وأما تنظيره بزعامة موسى وعيسى ﵉، فبعضه صحيح وبعضه باطل؛ فإن موسى أسس جامعةً وحكومة، وجاهد وفتح البلد المقدس، وأما عيسى فجاء داعيًا فقط. ونحن لا نقول بأن كل رسول له حكومة، بل نقول: إن بعض الرسل أُرسِل بالدين وعُضد بالحكومة. وهذا - كما شرحناه أولًا - هو أكملُ مظاهر الرسالة.
стр. 1735
ثم قال في صحيفة ٧٠ إلى نهاية صحيفة ٧٥ إن الإسلام وحدة دينية دعا لها النبي وأتمها، وقد كان هو مدبرَها ومنفذها، وإن من أراد أن يسمي تلك الوحدة دولة وملكًا فهو في حل، فما هي إلا أسماء والمهم هو المعنى، وقد حددناه لك تحديدًا. وإنما المهم أن نعرف هل كان ﷺ رسولًا فقط؟ وإن ظواهر القرآن تؤيد أنه لم يكن له شأن في الملك السياسي، وساق آيات كثيرة تخيلها شاهدة لمدعاه تنفي أن يكون الرسول حفيظًا أو وكيلًا، أو جبارًا أو مسيطرًا، وأنه لم يكن من عمله غير إبلاغ الرسالة.
وأقول: الإسلام وحدة دينية، وجامعة، وشريعة، وسلطان. ولا معنى للحكومة إلا مجموع هذه الأمور، وأي شيء يميزه عن الحكومة وقد جمع الأمةَ في دعوته وسن لها قوانين معاملاتها الفردية والاجتماعية، وتولى بنفسه الانتصاف من الظالم للمظلوم، فقضى وغرم، وأقام الحدود من العقوبات، وأبطل كلَّ سلطة ورئاسة مدنية ليست جاريةً على أصول الإسلام، كما يشهد له حديثُ إسلام بني حنيفة وما عرضه مسيلمة الكذاب حين شرط لقبوله دين الإسلام أن يجعل النبي ﷺ -الأمر بينه وبينه. وتولى الدفاعَ عن حوزة الإسلام، وقاتل أعداءها ومَنْ يريد تفريق جامعتها، ثم قاتل لتوسيع سلطانها وتأمين بلادها، وشرع لها مواردَ مالية لإقامة مصالحها.
أفتقوم الدولة والحكومة بغير هذه الأعمال؟ دَعْ عنك ما يعرض لها من الألقاب الفارغة والرسوم المعتادة والمواكب العريضة.
أما ما احتج به من الآيات في صحيفة ٧١ وصحيفة ٧٢ فهو احتجاج مَنْ لم يفهم دلالةَ ألفاظها؛ فإنها نفت أن يكون وكيلًا أو مسيطرًا على الذين أبوا قبولَ دعوته من المشركين لا على من آمن به من المسلمين، والمؤلف ساقها في الاحتجاج على نفي سلطانه في دائرة الجامعة الإسلامية فأخطأ فيه.
أما بقية الآيات في صحائف ٧٣ - ٧٤ - ٧٥، فمنها ما ساقه في تفويض الحول والقوة لله تعالى، ومنها ما فيه صيغة حصر حاله ﷺ في النبوة. أما النِّذارة أو البشارة
стр. 1736
أو البلاغ واستدلاله بها فيدل على أنه لا يُحْسِن بابَ القصر من علم المعاني، ولا يفرق بين الحقيقي والإضافي، ولا يفرق بين مفاد القصر الإضافي من قلب أو تعيين أو إفراد. فما عليه إلا إتقانُه ليعلم ما أفاد برهانُه.
ثم استدل في صحيفة ٧٦ بقوله ﷺ للذي تلجلج بين يديه: "هون عليك فإني لست بملك" (١) وبقوله: "فاخترت أن أكون نبيًّا عبدًا" (٢) إلخ. وهذا استدلال سفسطائي مبني على اختلاف معاني اللفظ الواحد، فقد أوضحنا غير مرة أن الملك والقهر للضعفاء ومشاركة الخالق في صفة الكبرياء.
وأعجبُ من هذا كله استدلاله في صحيفة ٧٨ على نفي أن يكون النبي له حكم في الأغراض الدنيوية بقوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (٣) بعد أن حذف منه جذره وسببه. وهذا أيضًا من السفسطة؛ لأن الدنيا تُطلق على هذا العالم بأسره، وهي بهذا المعنى موضوعُ الشرائع والتي مراد الله نظامُها ونظامُ أهلها. وهي مزرعة الآخرة ومطية الجنة والنار، وتطلق على ما عدا الأمور الدينية والمعاني العلمية.
стр. 1737
فيقال: إن هذا الإطلاق بالدين وبالحق، وإطلاق الحديث من هذا الثاني؛ لأنه راجع إلى إصلاح النخل بالتأبير. وليس من يطلق على ما عرض لمسماه من مظاهر الجبروت شرط الرسول ولا الملك (١) أن يكون عالمًا بما يتجاوز رسالتَه وحكمَه من أحوال الصنائع والحرف.
ثم احتجّ في صحيفة ٧٩ بكلمات صدرت عن المنعَّم الأستاذ الشيخ محمد عبده في "رسالة التوحيد" في شأن الجهاد الواقع في عصر النبوة بأنه جهادٌ لإقامة الحق، وبأبيات في المعنى للشاعر أحمد شوقي. وكلُّ ذلك إنما ينفع لإثبات أن جهاده ﷺ لم يكن لقصد الاستكثار من الدنيا ولا لإفزاع القوم الآمنين، ولكنه كان لتأييد الحق وإيصال النفع. فماذا يغني عنه هذا الكلام في إثبات أن الحكومة ليست من شعار الإسلام؟
стр. 1738
الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ
الباب الأول: الوحدة الدينية والعرب:
قدم مقدمة في أن الإسلام دعوة لخير البشر كله، ورابطة لهم في أقطار الأرض، وأن الله اختار ظهورَه بين العرب لحكمة، وأن أول من اجتمع حوله هم العرب على تخالف شعوبهم. وهي مقدمة صحيحة مسلمة، إلا أنه استنتج منها ما لا يلاقيها فقال في صحائف ٨٣ إلى صحيفة ٨٩: "إن هاته الوحدة العربية لم تكن سياسية، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة فإن النبي ﷺ لم يغير شيئًا من أساليب الحكم عندهم ولا مما كان لكل قبيلة من نظام إداري وقضائي، ولا عزل واليًا ولا عين قاضيًا، بل ترك لهم كلَّ الشؤون وقال: "أنتم أعلم بها"، وإن ما اشتملت عليه الشريعةُ من أنظمة العقوبات والجيش والبيع والرهن ليس في الحقيقة من أساليب الحكم السياسي ولا من أنظمة الدولة، وهو إذا جمعته لم يبلغ جزءًا يسيرًا من لوازم دولة، وإنما هو شرع ديني خالص لله ولمصلحة البشر، وإن العرب مع دخولهم تحت جامعة الإسلام بقوا دولًا شتى بحسب ما اقتضته حياتُهم بخضوع العرب للنبي خضوعَ عقيدة لا خضوع حكومة. فلما توفي النبي ﷺ أوشكت أن تنقض تلك الوحدة العربية وارتد أكثر العرب إلا أهل المدينة ومكة والطائف. وقد توفي النبي ﷺ من غير أن يشير إلى شيء يسميه دولة ومن غير أن يسمي أحدًا يخلفه".
وأقول ليس الحق ما ذكره، فإن النبي ﷺ أقام للناس أمر دنياهم، إذ المقصود من الدين صلاحُ العاجل والآجل، ولا يتم صلاحُ العاجل إلا بإقامة مَنْ يحمل الناسَ على الصلاح بالرغبة والرهبة. وقد نص القرآن على ولاية الأمر فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 1739
ولا جَرَم أن دين الإسلام قد شرعه الله شرعًا تدريجيًّا، فابتدأ يدعو الناسَ لأصول الصلاح بتطهير النفس، وذلك بإعلان التوحيد وآداب النفس من العبادات والأمر بالعدل. فلما تهيأت النفوسُ لقبول الشريعة، أخذ التشريعُ ينمو حتى بلغ أوسعَ تفاريعه، فكان في هذا التدرج حكمةٌ إلهية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢].
وإذا علمنا أن الإسلام شرع أوجب على الناس التعامل بأحكامه فغير عوائدَهم، وقمع المعاندين من رؤسائهم، وتركهم مسلوبي السلطة، وعوضهم برؤساء وأمراء وقضاة من متابعيه، وهذا مما لا يرتاب فيه مَنْ له اطلاعٌ على الحديث والسيرة والتاريخ، فقد وجه النبي ﷺ أمراءه إلى الجهات التي أسلم أهلها من بلاد العرب، وقرر من قرر من أقيال (١) اليمن على ما بأيديهم حين أسلموا، على أنهم قائمون مقام أمرائه كما فعل مع وائل بن حجر قَيْل حضرموت وجعله رئيس أقيال بلاد اليمن.
وقد قدمنا فيما تقدم من المباحث أن مظاهر الدولة كلها متوفرةٌ في نظام الشريعة الإسلامية، وأعظمُها الحرب والصلح والعهد والأسر وبيت المال والإمارة والقضاء، وسن القوانين والعقوبات إلى أقصاها وهو الإعدام، بحيث لم يغادر شيئًا مما يلزم لإقامة نظام أمة بحسب العصر والقوم، وما ترك من التفاصيل التي لم يدع إليها داعٍ يومئذ إلا وقد أسَّس له أصولًا يمكن استخراجُ تفاصيله منها، كما هو معلوم من علم أصول الفقه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، على ما بينه الشاطبي في الموافقات (٢).
стр. 1740
علمنا بلا ريب أن النبي ﷺ قد أسس بيده أصولَ الدولة الإسلامية، وأعلن ذلك بنص القرآن وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠].
وكيف يستقيم أن يكون الإسلام شريعةً ثم لا تكون له حكومةٌ تنفذ تلك الشريعةَ وتحمل الراعيَ والرعيةَ على العمل بها؟
فإنه لو وكّل الأمرُ لاختيار الناس لأوشك أن لا يعمل به أحد، وليست الدولةُ إلا سلطانًا تحيا به الشريعة، كما قال أرسطو (١).
стр. 1741
لأجل هذا كله لم يتردد أهلُ الحل والعقد في مصر الإسلام - وهو المدينة عند وفاة النبي ﷺ في وجوب المبادرة بإقامة الخليفة عن النبي في تدبير أمر الأمة، مع القطع بأنه لا يخلفه في غير ذلك من التشريع وتبليغ الرسالة. وهذا الخليفة وإن جارينا صاحب الكتاب في أنه لم يعينه النبي ﷺ ، فقد كانت تسميتُه بإجماع أهل العلم والدين من أصحاب النبي المهاجرين والأنصار، وذلك الإجماع حجةٌ أعظم من خبر أو خبرين. على أنه ثبت أن النبي ﷺ صرح بإقامة الخليفة من بعده، فقد ورد في صحيح البخاري وغيره عن جبير بن مطعم أن امرأة أتت النبي ﷺ فأمرها بأمر فقالت: "أرأيت يا رسولَ الله إن لم أجدك؟ كأنها تعني الموت، فقال لها: إن لم تجديني فائْتِي أبا بكر". (١) وروي في حديث آخر أنه ﷺ قال: "يأبى الله والمسلمون غير أبي بكر". (٢)
стр. 1742
الباب الثاني: الدولة العربية:
أتى في هذا الكتاب (١) على بيان أن النبي ﷺ زعامته دينية محضة، وأنه بعد وفاته يتعين أن يكون لأتباعه زعامة بعده لكنها زعامة غير دينية بل سياسية. ولما كانت العرب يومئذ في حال نهوض فقد كان من المتعين أنهم يفكرون في إقامة مملكة، فأقاموا دولة عربية على أساس دعوة دينية، ولذلك اتفقوا على إقامة زعيم واختلفوا في الرضا بأبي بكر، فليست إمارة المسلمين مقامًا دينيًّا، ولكن أبا بكر له مقام ديني لأسباب كثيرة.
هذا حاصلُ كلامه (في صحيفة ٩٠ إلى ٩٤)، وقد بناه على ما توهمه من أن الدين شيء يختص بالنفوذ الروحي، ولذلك قال: "إن زعامة النبي ﷺ دينية فقط". وقال: إن زعامة مَنْ بعده ليست دينية؛ لأن الزعامة الدينية انقضت بوفاة النبي، وكل هذا خطأ قد بيناه فيما تقدم. وقد ادعى أن اتفاق الصحابة على إقامة زعيم للأمة هو رأي سياسي، ومن علم شدة تعلق الصحابة بالدين ورفضهم كلَّ ما لا تعلقَ له بالدين علم أنهم ما أجمعوا على إقامة الخليفة إلا لعلمهم أنه أمرٌ مرتبط بإقامة الدين أتمّ ارتباط، إذ لا انفكاك بين الدين والحكومة في الإسلام كما قدمناه.
وأما اختلافهم في تعيين الخليفة من هو فذلك أمر من لوازم كل انتخاب، ولكن المهم هو أنهم لما عينوا أبا بكر لم يخالف فيه أحد، وأجمع عليه المسلمون إلا الذين خرجوا من ربقة الإسلام. ولقد ظهر سداد رأيهم بما قمع به أبو بكر أهلَ الردة وأرجعهم إلى الإسلام بعد أن كادت الجامعةُ أن تنتقض. ولم يكن سببُ الردة نزوعًا من العرب إلى عهدهم القديم؛ فإنه لو كان كذلك لكان أولى الناس به رؤساؤهم وأعيانهم مثل أبي سفيان. وإنما كان سببُ الردة أن كثيرًا من العرب الذين أسلموا بعد فتح مكة كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يتمكن الإيمانُ من قلوبهم ولم
стр. 1743
يفقهوا حقيقته، فظنوه طاعةً لشخص الرسول، وأنه لما توفي فقد انحلّت ربقةُ الإيمان عنهم. ومثلُ هؤلاء وإن كثروا فلا تعجبك كثرتهم لجفائهم وجهلهم، ولذلك لما فهموا من تصدي المسلمين لقتالهم أن أمر الدين ليس باللعب كانوا سريعي الرجوع إلى الدين في أمدٍ وجيز.
الباب الثالث: الخلافة الإسلامية:
قال: "لم نعرف مَن اخترع لأبي بكر لقب خليفة رسول الله، ولكنا عرفنا أن أبا بكر قد أجازه وارتضاه، ولا شك أن رسول الله كان زعيمًا للعرب ومناط وحدتهم، فإذا قام أبو بكر بعده ملكًا على العرب ساغ في اللغة أن يقال له خليفة رسول الله، فلا معنى لخلافته غير ذلك. ولهذا اللقب روعة، فلا غروَ أن يختاره الصديق وهو ناهضٌ بدولة حادثة بين قوم حديثي عهد بجاهلية، فهذا اللقب جدير بأن يكبح من جماحهم. وقد حمل هذا اللقبُ جماعةً على الانقياد لأبي بكر انقيادًا دينيًّا، لذلك سموا الخروجَ على أبي بكر خروجًا على الدين، ولذلك سموا الذين رفضوا طاعة أبي بكر مرتدين، ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين. وقد رفض بيعةَ أبي بكر علي بن أبي طالب وسعد بن عبادة، فلم يوصفوا بأنهم مرتدون"، هذا كلامه في صحائف ٩٥ - ٩٦ - ٩٧.
أقول: إن الذي اخترع لأبي بكر لقب خليفة هو اللغة والقرآن؛ فإنه قد أقيم خلفًا عن رسول الله ﷺ في تدبير أمر الأمة فهو خليفة، فلا يحتاج إطلاقُ هذا الوصف إلى اختراع أو وضع؛ إذ كلُّ مَنْ قام مقام غيره في علمه فهو خليفته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤] على أن القرآن قد علمهم أن يصفوا مَنْ أقامه الله لتدبير الخلق بوصف خليفة إذ قال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].
وأما قوله: إن أبا بكر كان خليفةً؛ لأنه قام بعد رسول الله بزعامة العرب على وجه ملكي، فهو اضطرابٌ مع ما تقدم وما يأتي. فإنه قد منع سابقًا أن يكون للنبي ﷺ زعامة سياسية، ومنع هنا وفيما يأتي أن تكون لأبي بكر زعامةٌ دينية، وأثبت فيما
стр. 1744
بين ذلك أن أبا بكر سُمي خليفة؛ لأنه قام بعد النبي بزعامة العرب. وكأنه بهذا ينحو إلى أن إطلاق اسم الخليفة على أبي بكر ضربٌ من المجاز، وإن شئت من التمويه يُقصد به إخضاعُ المسلمين، كما صرح بذلك قوله: "ولهذا اللقب روعة، فلا غرو أن يختاره الصديق وهو الناهض بدولة حديثة" إلخ.
ثم استنتج أن تسمية الخارجين على أبي بكر بالمرتدين قريبٌ من هذا التهويل، وأغمض عينيه عما ملئ به التاريخُ والحديث من انقسام المسلمين بعد وفاة رسول الله ﷺ إلى ثلاث طوائف:
١ - طائفة ثابتة على الدين وعلى الجامعة الإسلامية وهم أفاضل المسلمين وعلماؤهم وأعيانهم والسابقون منهم.
٢ - وطائفة ثبتت على الدين وخرجت عن الجامعة وهم الذين منعوا الزكاة، وهؤلاء هم جفاة العرب ومن أجرأهم من رؤسائهم الذين لم يفهموا من الدين إلا ظاهرًا، وكانوا يسرون لكيده حسوًا في ارتغاء (١)، مثل مالك بن نويرة. ومن هؤلاء هوازن وبنو سليم وبنو عامر وعبس وذبيان، وبعض بني أسد وبني كنانة.
٣ - وطائفة كفروا بالله ورسوله، مثل غَطَفان وطيِّئ وأسد وتغلب واليمامة. وقد ظهر فيهم مَنِ ادعى النبوةَ، مثل طُليحة الأسدي في بني أسد، وسجاح التغلبية ومسيلمة الكذاب.
وقد سمى المسلمون يومئذ الطائفةَ الأولى باهل الجماعة، وهو معنى قول العلماء بعد ذلك فلان من أهل السنة والجماعة، أو ممن لا يرى الخروج على أئمة الإسلام. وقد قاتل أبو بكر الفريقين بسيوف الصحابة وأفاضل المسلمين، إلا أن قتاله لما نعي الزكاة قتالُ تأديب وقتاله للمرتدين قتال ارتداد. وسموا تلك الحروب
стр. 1745
حروب الردة تغليبًا؛ لأن غالب العرب قد كفروا. وحاشا أبا بكر والصحابة أن يجعلوا الخروجَ عن بيعة أبي بكر كفرًا لقصد التهويل.
وأما قوله: إن عليًّا وسعدًا رفضا بيعة أبي بكر، فهو افتراء على صحابيين جليلين. فأما عليٌّ فقد شغله ما أصابه من وفاة رسول الله ﷺ ثم من مرض زوجه فاطمة ﵂، كما اعتذر به هو نفسه عن تخلفه. وقد ذكر ابن عبد البر عن الحسن البصري عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "إن رسول الله ﷺ مرض ليالِيَ وأيامًا ينادَى بالصلاة، فيقول: مروا أبا بكر يصلي بالناس. فلما قُبِض رسول الله ﷺ نظرتُ فإذا الصلاة عَلَمُ الإسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فبايعنا أبا بكر". (١)
وقد قيل في تأخر علي ﵁ عن البيعة مدة: إنه لما توفي النبي ﷺ حلف أن لا يخرج إلى الصلاة حتى يجمع القرآن. فقد اتضح من هذا كله أن عليًّا ﵁ كان معترفًا بصحة بيعة أبي بكر ﵄ غير رافض لها، وأن تأخره مدة قليلة كان لشواغل مهمة. والتخلف غير الرفض؛ فإن معنى الرفض أن يُطلب من أحد شيء فيأباه.
وأما تخلفُ سعد بن عبادة ﵁ عن بيعة أبي بكر إلى أن توفي فهو الصحابي الوحيد الذي لم يبايع لأبي بكر، فلا بد من تأويل فعله بما يليق بصحابي جليل مثل سعد بن عبادة. ولعله لما رأى الأنصار قد أعدته للخلافة يوم السقيفة ثم رأى إجماع الصحابة على أبي بكر وانصرافهم عن بيعة سعد استوحش نفسَه بين الناس، وكان سعد رجلًا عزيز النفس فخرج من المدينة ولم يرجع إليها حتى مات بحوران من أرض الشام في خلافة عمر وقيل في خلافة أبي بكر، ولم يُنقَلْ عنه طعنٌ في بيعة الصديق ولا نواء بخروج.
стр. 1746
فتخلفُه عن البيعة لا يقتضي رفضَه لها، ولا مخالفته فيها، حتى يكونَ تخلفُه قادحًا في انعقاد الإجماع؛ إذ "لا يُنسب لساكت قول"، كما قال الشافعي (١)، لا سيما وقد قال جماعةٌ: إن مخالفة الواحد لا تضر انعقادَ الإجماع، كما تقرر في الأصول. ولم ينقل أحدٌ أن الصحابةَ طلبوا منه بيعة، ولا تحرجوا من تخلفه. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن أبي عزة الجمحي (٢) حين قال بعد السقيفة:
стр. 1747
حَمْدًا لِمَنْ هُوَ بِالثَّنَاءِ حَقِيقُ ... ذَهَبَ اللَّجَاجُ وَبُويِعَ الصِّدِّيقُ
مِنْ بَعْدِ مَا ركَضَتْ بِسَعْدٍ نَعْلُهُ ... وَرَجا رَجَاءً دُونَهُ العَيُّوقُ
جَاءَتْ بِهِ الأَنْصَارُ عَاصِبَ رَأْسِهِ ... فَأَتَاهُمُ الصِّدِّيقُ وَالفَارُوقُ
وَأَبُو عُبَيْدَةَ والَّذِينَ إِلَيْهُمُ ... نَفْسُ المُؤَمِّلِ لِلْبَقَاءِ تَتُوقُ
فَدَعَتْ قُرَيْشٌ بِاسْمِهِ فَأَجَابَهَا ... إِنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ (١)
هذا كنه ما يروى عن صحابيين جليلين، هما من أعلم الناس بالمصلحة الإسلامية وحفظ جامعتها. ولو أرخينا العنان وتنازلنا في الجدال وسلمنا تسليمًا جدليًّا بأن عليًّا وسعدًا قد رفضا صراحةً أن يبايعا لأبي بكر - وهو ما لا راويَ له - فلا نجد للمؤلف في ذلك كله دليلًا على ما يريد من إنكار كون الخلافة منصبًا دينيًّا عظيمًا هو من أركان الإسلام حتى كان على معناها الحقيقي الذي شرحناه في أول مقالاتنا.
وهل يكون امتناعُهما حينئذ إلا رأيًا في الدين واجتهادًا في تحقيق أولوية أبي بكر بالخلافة؟ ! وذلك لا ينقض الإجماعَ على أصل مشروعية الخلافة أو الإمامة للمسلمين؛ لأنهما إذا امتنعا عن بيعة أبي بكر فقد كان سعد راضيًّا بأن يبايعه الأنصار، فهو قابل بوجوب نصب الإمام، وكون الإمام علي ﵁ قائلًا بوجوب ذلك أظهر لأنه كان ممن ولي تلك الخلافة.
ثم ذكر في صحائف ٩٨ - ٩٩ - ١٠٠ ما وقع من مالك بن نويرة من امتناعه من إعطاء الزكاة لأبي بكر، وأن خالد بن الوليد قتله وأن أبا بكر أنكر قتله، وأن شاعرًا من شعرائهم قال:
стр. 1748
أَطَعْنَا رَسُولَ الله إِذْ كَانَ بَيْنَنَا ... فَيَا لَعِبَادِ الله مَا لأَبِي بَكْرِ؟ (١)
وذكر معارضةَ عمر لأبي بكر حين قال له: "كيف تقاتل الناسَ وقد قالوا لا إله إلا الله؟ " (٢)، ثم تحير المؤلف في سبب حروب الردة وغمز هنالك مغامز سيئة ترمي إلى أن أسبابها التنافس، ثم ذكر أنه أصفح عن البحث في أن أبا بكر هل كانت له صفةٌ دينية تجعله مسؤولًا عن أمر مَنْ يرتد عن الإسلام أو هل لها أسباب غير دينية؟
ولا فائدةَ في إطالة الخوض معه هنا؛ لأن تلك الحروب سواء كانت دينية أم سياسية، وسواء كان سببها الارتداد أو الخروج عن الطاعة، فلا دليلَ في صفتها على شيء يتعلق بانتساب الخلافة إلى الدين؛ لأن الخلافة إن كانت خطة دينية كما وضحناه فحرب الخارجين عن الدين من شؤونها، وكذلك حرب الخارجين عن الجامعة الإسلامية؛ إذ الدين والجامعة متلازمان كما قدمنا بيانه. وإن كانت الخلافة زعامةً سياسية فقط كما يراه المؤلف، فحريٌّ بصاحبها قتالُ من يخرج عن الطاعة سواء اقترن خروجُه برفض الدين أم كان مجرد عصيان؛ لأن الحالتين يتحقق فيهما الخروج عن الطاعة
стр. 1749
فإذا تأملتَ هذا، علمت أنه ما كان من حقِّ المؤلف أن يخوض في تعليق حرب الردة بهذا الموضع، إلا إذا كان يريد حملَ تبعته على أبي بكر؛ إذ لا صفةَ له تسوِّغ له قتالَ قوم لم يكن مسؤولًا عن كفرهم. لكنه ناقض نفسَه من حيث لا يدري؛ لأنه إذا كان يدعي أن أبا بكر زعيمٌ سياسي، فيجب أن يعترف له بالحق في قتال الخارجين من أهل مملكته.
أما محاورة مالك بن نويرة لخالد بن الوليد، فهي نفسُ ما قام به الفريق الثاني من أهل حروب الردة، وكان مالك بن نويرة من زعمائهم، ولعل ذلك سبب قتل خالد بن الوليد له؛ لأنه رآه مثوِّرًا للعامة ومغريًا لهم، كما هو الشأنُ في حمل التبعات على القادة والرؤساء؛ إذ العامة أتباع كل ناعق.
وأما مراجعة عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄، فقد أبدى مؤلفُ الكتاب بعضَها وأخفى كثيرًا؛ فإن في آخر الخبر أن عمر بن الخطاب قال: "فعلمت أن ما شرح الله له صدرَ أبي بكر هو الحق"، فتكون معارضة عمر له معارضة من لم يظهر له دليل الحكم، وذلك أنه قال لأبي بكر: "كيف تقاتلهم وقد قالوا لا إله إلا الله"، فقال أبو بكر: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه"، قال عمر: "فعلمتُ أن ما شرح الله له صدرَ أبي بكر هو الحق". (١) وليس معنى ذلك أنه قال تقليدًا لأبي بكر، ولكن معناه أن حُجَّةَ أبي بكر قد نهضت في نظر عمر فصار موافقًا له في اجتهاده.
стр. 1750
ذلك أن أبا بكر بَيَّن لعمر أن مجرد النطق بالشهادتين مانعٌ من القتل لأجل الكفر، وبقي القتل لأجل حقوق الإسلام، وقد ثبت القتل على الصلاة، وثبتت مقارنة الزكاة للصلاة في آيات القرآن، مع أن الزكاة حق المال. وفيه منزع جليل؛ فإن الله تعالى خاطب بني إسرائيل حين خاطبهم بالدعوة للإسلام في سورة البقرة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، فخص هذين العملين من بين أعمال الإسلام تنبيهًا على أنهما الدليلُ على صدق إسلام من أسلم؛ لأن كلمة الشهادة قد يسهل النطق بها؛ لأنه لو لم يكن صادقًا لمَا تجشم كلفة الصلاة ولمَا هان عليه بذلُ ماله. فلما قرن الله الصلاةَ بالزكاة فذلك تنبيهٌ على اتحاد حكمهما، فكما يعد تارك الصلاة - إبايةً لا جحودًا - كافرًا عند بعض العلماء يستوجب القتلَ عند بعض والتعزيرَ الذي قد يبلغ القتلَ عند آخرين، فكذلك شأنُ الزكاة.
ثم قال: ربما كانت هناك ظروفٌ ساعدت على أن تُشرب إمارةُ أبي بكر معنًى دينيًّا؛ لأنه كانت له منزلةٌ رفيعة عند الرسول، وكان يحذو حذوَه في خاصته وعامة أموره. فذلك من أسباب تسرب الخطأ إلى عامة المسلمين، ففشا بينهم أن الخلافة مقامٌ ديني، ثم روج ذلك السلاطينُ حتى صارت مسألةُ الخلافة من عقائد التوحيد (ص ١٠١ - ١٠٣).
[خاتمة]
ونحن نكتفي بما قدمناه في تضاعيف ردودنا مما أراك أيها المطالع أن الخلافة بمعناها الحقيقي هي ركن ديني، بل هو الحافظ الأركان الدين كلها. ولا يخفى عن فطنتك أن الحكم في مثل هذه المهمات لم يكن يومئذ من شؤون العامة، بل إن الذين سموا أبا بكر خليفة ولقبوا إمارته بخلافة هم أعيان الصحابة وجميع أهل الحلّ والعقد، وإن مثلهم ممن لا تختلط عليه الأحوال.
وختم كلامَه بأن الحق أن الدين بريء من الخلافة، وليست هي بخطة دينية، لا هي ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم. فتلك خططٌ سياسية كتدبير
стр. 1751
الجيوش وعمارة المدن. وكلها لم يعرفها الدين ولم ينكرها، وإنما تركها لنا لنرجع إلى إحكام العقل وقواعد السياسة إلخ.
وفي هاته الجمل كشفَ القناعَ عن مراده، وترك التوريةَ والتوجيه، ونفى عن الخلافة وعن القضاء الارتباطَ بالدين، وجعل ذلك خططًا سياسية، وجزم بأن ربطهما بالدين غلطٌ وتمويه، وبذلك سفّه كلَّ خليفة وفقيه.
فإن مَنْ يطلع على كتب الحديث والسيرة والتاريخ يرى أن علماء المسلمين وقواد جيوشهم وأفاضلَ كل عصر، كانوا إذا بايعوا الخليفة من عهد أبي بكر فما بعد بايعوه على كتاب الله وسنة رسوله. فإذا كانت الخلافةُ خطةً سياسية فما وجهُ ربطها بالكتاب والسنة؟ وقد جعلوا خروجَ الخليفة عن أصول الدين في مواضع معينة موجبًا لخلعه، كما جعلوا خروجَ القاضي عن الشروط المعروفة في الفقه أو عن القضاء بالطريق الشرعي موجبًا لعزله لعدم انعقاد حكمه. فإذا كان يرى جميع ذلك من التهويل والتمويه، ولا يرى أن سلف الأمة وعلماءها عن هاته المقاصد في مقام التنزيه، فحسبك بهذا دليلًا على قيمة كتاب أصول الحكم وما فيه.
ولعل فيما أتينا به من مجمل القول وتفصيله ما يكون لتعطش المطلع خيرَ شاف، ولا حاجةَ إلى زيادة الإطناب، فليس الرأي عن المتشاف.
стр. 1752
نظرة في الكتاب المعنون " مقدمة في النحو" المنسوب إلى الإمام خلَف الأحمر (١)
[مقدمة]
أهدتني وزارةُ الثقافة والإرشاد بالجمهورية السورية ثلةً من منشوراتها المفيدة، فشكرًا جزيلًا لها. وكان من بين هذه الطائفة من المنشورات نسخةٌ من كتاب عنوانه "مقدمة في النحو"، منسوبةٌ إلى خلف الأحمر (٢)، نشره وعلّق عليه الأستاذ
стр. 1753
المحقق عز الدين التنوخي (١) - عضو المجمع العلمي العربي بدمشق - ذو المباحث الجمة القيمة. وإنه كتابٌ نادر في عصره، ومثالٌ لطور من أطوار التآليف النحوية.
стр. 1754
فشكرًا للأستاذ التنوخي على ما أحيا، وعلى ما غذّى وأنمي، كدأبه المشهور، في كل عمله المشكور.
وقد كان فيما حققه وعلّقه كفايةٌ لباحث، وكفاءةٌ لما أصَّله من المباحث. سوى أن مثل هذا العِلق يدعو الهمّةَ إلى زيادة الإمعان، وقد لاحت لي عند مطالعته معان، هي مخيم للذِّهن ومعان، وقديمًا قيل: "منهومان لا يشبعان" (١). لذلك رأيت أن
стр. 1755
أعززَهما بما لا يلوح لي، حتى إذا ضُمَّ ذلك إلى فوائد الناشر كان مضربَ "كم ترك الأول للآخر" (١).
مؤلف هذه المقدمة:
مرت قرون لم يجر فيها ذكر لمؤلفات خلف الأحمر، ولم يُذكر له في كتب التراجم إلا كتابه في جبال العرب وما قيل فيها من الشعر الذي لا نعرف شيئًا عن وجوده اليوم، فكان ظهورُ هذه المقدمة حدثًا جديدًا في تاريخ تطور دراسة النحو ولا سندَ يُستند إليه في صحة نسبة هذه المقدمة إلى خلف الأحمر إلا ما رقمه ناسخُ النسخة، ولعلّ فيه كفايةً تُغلِّب الظنَّ بصحة نسبة الكتاب إليه؛ لانتفاء دواعي التدليس والإلحاق، ولتوفر قرائن الصدق، وليس لنسبة كثير من الكتب الوحيدة إلى أربابها أكثر من وجود اسم المؤلف على الكتاب. ولا يريبنا في ذلك ما وقع في أثنائه من جملة: "قال خلف الأحمر ﵀"؛ فإن مثلَ ذلك يكثر وُرودُه وأكثرَ منه تحليةً وترحمًا، وهو مما يُقحِمه الرّواةُ عن المؤلفين.
إن الذين ترجموا لخلف الأحمر - مثل أبي البركات الأنباري وابن النديم وياقوت (٢) - لم يذكروا هذه المقدمة، ولعل عدمَ تعرضهم لها لأنهم لم يعثروا عليها لقلة تداولها. ولعلها لم تشع في التعليم، أو لم تلبث إلا قليلًا؛ إذا استغنى المعلمون عنها بما عُمل بعدها من المقدمات، مثل مقدمة أبي العباس المبرد، ذكرها في كشف