الجيوش وعمارة المدن. وكلها لم يعرفها الدين ولم ينكرها، وإنما تركها لنا لنرجع إلى إحكام العقل وقواعد السياسة إلخ.
وفي هاته الجمل كشفَ القناعَ عن مراده، وترك التوريةَ والتوجيه، ونفى عن الخلافة وعن القضاء الارتباطَ بالدين، وجعل ذلك خططًا سياسية، وجزم بأن ربطهما بالدين غلطٌ وتمويه، وبذلك سفّه كلَّ خليفة وفقيه.
فإن مَنْ يطلع على كتب الحديث والسيرة والتاريخ يرى أن علماء المسلمين وقواد جيوشهم وأفاضلَ كل عصر، كانوا إذا بايعوا الخليفة من عهد أبي بكر فما بعد بايعوه على كتاب الله وسنة رسوله. فإذا كانت الخلافةُ خطةً سياسية فما وجهُ ربطها بالكتاب والسنة؟ وقد جعلوا خروجَ الخليفة عن أصول الدين في مواضع معينة موجبًا لخلعه، كما جعلوا خروجَ القاضي عن الشروط المعروفة في الفقه أو عن القضاء بالطريق الشرعي موجبًا لعزله لعدم انعقاد حكمه. فإذا كان يرى جميع ذلك من التهويل والتمويه، ولا يرى أن سلف الأمة وعلماءها عن هاته المقاصد في مقام التنزيه، فحسبك بهذا دليلًا على قيمة كتاب أصول الحكم وما فيه.
ولعل فيما أتينا به من مجمل القول وتفصيله ما يكون لتعطش المطلع خيرَ شاف، ولا حاجةَ إلى زيادة الإطناب، فليس الرأي عن المتشاف.
стр. 1752
نظرة في الكتاب المعنون " مقدمة في النحو" المنسوب إلى الإمام خلَف الأحمر (١)
[مقدمة]
أهدتني وزارةُ الثقافة والإرشاد بالجمهورية السورية ثلةً من منشوراتها المفيدة، فشكرًا جزيلًا لها. وكان من بين هذه الطائفة من المنشورات نسخةٌ من كتاب عنوانه "مقدمة في النحو"، منسوبةٌ إلى خلف الأحمر (٢)، نشره وعلّق عليه الأستاذ
стр. 1753
المحقق عز الدين التنوخي (١) - عضو المجمع العلمي العربي بدمشق - ذو المباحث الجمة القيمة. وإنه كتابٌ نادر في عصره، ومثالٌ لطور من أطوار التآليف النحوية.
стр. 1754
فشكرًا للأستاذ التنوخي على ما أحيا، وعلى ما غذّى وأنمي، كدأبه المشهور، في كل عمله المشكور.
وقد كان فيما حققه وعلّقه كفايةٌ لباحث، وكفاءةٌ لما أصَّله من المباحث. سوى أن مثل هذا العِلق يدعو الهمّةَ إلى زيادة الإمعان، وقد لاحت لي عند مطالعته معان، هي مخيم للذِّهن ومعان، وقديمًا قيل: "منهومان لا يشبعان" (١). لذلك رأيت أن
стр. 1755
أعززَهما بما لا يلوح لي، حتى إذا ضُمَّ ذلك إلى فوائد الناشر كان مضربَ "كم ترك الأول للآخر" (١).
مؤلف هذه المقدمة:
مرت قرون لم يجر فيها ذكر لمؤلفات خلف الأحمر، ولم يُذكر له في كتب التراجم إلا كتابه في جبال العرب وما قيل فيها من الشعر الذي لا نعرف شيئًا عن وجوده اليوم، فكان ظهورُ هذه المقدمة حدثًا جديدًا في تاريخ تطور دراسة النحو ولا سندَ يُستند إليه في صحة نسبة هذه المقدمة إلى خلف الأحمر إلا ما رقمه ناسخُ النسخة، ولعلّ فيه كفايةً تُغلِّب الظنَّ بصحة نسبة الكتاب إليه؛ لانتفاء دواعي التدليس والإلحاق، ولتوفر قرائن الصدق، وليس لنسبة كثير من الكتب الوحيدة إلى أربابها أكثر من وجود اسم المؤلف على الكتاب. ولا يريبنا في ذلك ما وقع في أثنائه من جملة: "قال خلف الأحمر ﵀"؛ فإن مثلَ ذلك يكثر وُرودُه وأكثرَ منه تحليةً وترحمًا، وهو مما يُقحِمه الرّواةُ عن المؤلفين.
إن الذين ترجموا لخلف الأحمر - مثل أبي البركات الأنباري وابن النديم وياقوت (٢) - لم يذكروا هذه المقدمة، ولعل عدمَ تعرضهم لها لأنهم لم يعثروا عليها لقلة تداولها. ولعلها لم تشع في التعليم، أو لم تلبث إلا قليلًا؛ إذا استغنى المعلمون عنها بما عُمل بعدها من المقدمات، مثل مقدمة أبي العباس المبرد، ذكرها في كشف
стр. 1756
الظنون ولم نقف عليها، ولا ندري أهي موجودة؟ ومثل عوامل (١) الشيخ عبد القاهر المتوَفَّى سنة ٤٧١ هـ, وأنموذج الزمخشري المتوفَّى سنة ٥٣٨ هـ, مقدمة ابن آجروم المتوفَّى سنة ٧٢٣ هـ، ومقدمات ابن هشام المتوفَّى سنة ٧٦١ هـ.
وليس في الكلمة التي رُقمت في أول النسخة: "رب يسر وأعن بلطفك" ما يكسب الظن قوة؛ إذ الافتتاح بأمثال هذه الكلمة في نسخ الكتب مستمرٌّ في سائر العصور غير مقصور على العصور الأولى، فلا يغلِّب ظنَّ نسبةِ التأليف إلى أحد الأقدمين، وذلك صنيع الناسخين والوراقين. وقد تختلف نسخُ الكتب في تلك الفواتح، والأكثر أن تعرُوَ عنها. وإنما يقصد الناسخون بمثلها الاستعانةَ على إتمام العمل، ولذلك لا تجد في "كشف الظنون" تعريف فواتح التآليف بمثل تلك الكلمات.
وما الكلمةُ الواقعة في مطبوعة كتاب سيبويه ببولاق إلا من عمل ناسخ النسخة المطبوع عليها، أو من عمل مخطط لوحة الفاتحة المطبوعة، ولا توجد تلك الكلمة في مطبوعة كتاب سيبويه بباريس سنة ١٨٨١ م (٢) التي هي طبعةٌ علمية مقابلة بعدة نسخ عتيقة منسوبة. ولا توجد أيضًا في مخطوطة كتاب سيبويه العتيقة، وهي بجامع الزيتونة؛ قال في كشف الظنون: "أول كتاب سيبويه: هذا باب علم ما الكلم من العربية" (٣).
стр. 1757
هل يعد خلف الأحمر من أئمة النحو؟ وهل يعد من نحاة المذهب البصري أو من نحاة المذهب الكوفي ؟
إن تفوق خلف الأحمر وشهرته بين أهل العربية كانت أكثر ما يكون في الناحية الأدبية وما يتفرع عليها من النقد والموازنة وإثبات اللغة، فقد كان فذًّا في رواية أشعار العرب رجالًا وقبائل، ونشأت عنده من ممارسة ذلك ملكة الذوق بأساليب بلغاء العرب وفصيح الاستعمال؛ وحسبك من ذلك ما رواه الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز عن الأصمعي قال: جاء أبو عمرو بن العلاء وخلف الأحمر يومًا إلى بشار بن برد فأنشدهما قصيدته في سَلْم بن قتيبة (١):
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ... إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ
فقال له خلف: لو قلتَ يا أبا معاذ مكان "إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ"، "بَكِّرَا فالنَّجَاحُ في التبكير"، لكان أحسن! فقال بشار: إنما بنيتُها أعرابيةً وحشية، فقلت: "إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ"، [كما يقول الأعراب البدويون]، ولو قلتُ: "بَكِّرَا فالنَّجَاحُ في التبكير"، كان هذا من كلام المولَّدين، [ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: ] فقام خلفٌ فقبَّله بين عينيه". (٢)
стр. 1758
فكان خلف في هذا الشأن إمامًا غير مدافَع؛ والأخبار عنه في هذا كثيرة في كثرة محفوظاته وفي تهمته بوضع القصائد من نظمه ونسبتها إلى بعض مشاهير الشعراء، فتشتبه على النقاد بأشعار من تنسب إليهم. وقد تطرق الشكُّ بعضَ مروياته، وكثر الجدالُ في تصحيح ذلك. فأما في جانب علم النحو، فلا شبهةَ في أنه معدودٌ من أئمة النحاة، لذلك ترى النحاة قد عزَوا إليه آراء خاصة به في مسائل من النحو ليست قليلة.
إن علمَ النحو ظهر في الكوفة فيما دوّنه أبو الأسود الدؤلي في خلافة الخليفة الرابع، ولكن الكوفة والبصرة كانتا مدينتين نزلت قبائلُ العرب حولهما من نجْديين ويمنيين أهل الفصاحة. فنزلت مثلُ عُقيل وهُذيل وبني عامر حول البصرة، ومثلُ أسد وتميم حول الكوفة. فكان لأهل المدينتين حظٌّ من مخالطة الفصحاء واستعمال العربية الفصحى، وربما كان أهلُ البصرة أكثر تفرغًا لذلك؛ لأن الكوفة كانت معدودةً دارَ الجند؛ وعُرفت بذلك في قول عَبدة بن الطّيب:
إِنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهَاجِرَةً ... بِكُوفَةِ الجُنْدِ غَالَتْ وُدَّهَا غُولُ (١)
وكان النحاة فيهما متقابسين (٢) مسائلَهم، ولم يقع تمايزٌ بين طريقة البصريين وطريقة الكوفيين إلا بعد انحياز سيبويه وشيعته بالبصرة، وانحياز الكسائي وشيعته
стр. 1759
بالكوفة. وكان ظهورُ خلف الأحمر قبيل ذلك، فكان في عصر التقابس، ولكنه غلب عليه اتباعُ النحاة الكوفيين، ووافقهم في مسائل كثيرة من مسائل الخلاف، فنُسب إليهم.
وطريقةُ نحاة الكوفة أسعدُ بمنهج خلف؛ إذ كانت تغلب عليه روايةُ أشعار العرب. وفيها من نوادر الاستعمال توسعاتٌ تُلجئهم إليها الضرورة، ثم يتابع بعضُهم بعضًا فيها، فكان نحاةُ الكوفة يوسعون القواعدَ النحوية بمراعاة أن يسوِّغوا للمولَّدين استعمالَ ما يرد في شعر العرب، خلافًا لنحاة البصرة الذين لا يجيزون القياسَ على كثير من ذلك. فكثيرٌ مما يجعله نحاةُ البصرة مستثنًى من القاعدة ويصفونه بالندور، يجعله نحاةُ الكوفة من تمام القاعدة، فنحاةُ البصرة أشدُّ تثبتًا، وأضيقُ اشتراطًا.
ولذلك كان الكوفيون يأخذون عن البصريين، وكان البصريون لا يرضون بالأخذ عن الكوفيين، كما في "المزهر" (١). ومعنى هذا أن ذلك بعد أن افترق المذهبان بتحيز أتباع الكسائي، لا فيما قبل ذلك. ويظهر أن نحاة البصرة أرادوا لزَّ المولدين إلى اتّباع الاستعمال الشائع في العربية حفاظًا على سلامة اللغة من أخطاء المولدين كيلا تلتبس بتوسعات العرب الصرحاء حفظًا لقرار اللغة قرارًا مكينًا.
فأما الذين وصفوا خلفًا الأحمر بالبصري، فإنهم أرادوا نسبتَه إلى البلد الذي نشأ فيه وعُرف به، وهو محملُ كلام أبي الطيب الحلبي في كتابه "مراتب النحويين"، والسيوطي في ترجمته من "بغية الوعاة (٢). ومن أجل ذلك لم يترجم له السيرافي في
стр. 1760
كتاب "أخبار النحويين البصريين". وهذا أبو البركات الأنباري في كتاب "الإنصاف" قال صراحة في المسألة الحادية عشرة: "وذهب خلفٌ الأحمر - من الكوفيين - إلى أن العامل في المفعول معنى المفعولية" (١)، وتبعه الرضيُّ في شرح الكافية في باب المفعول به. وآثار كونه من أصحاب الطريقة الكوفية تظهر في مواضع من هذه المقدمة إذ يقدِّم ذكر الكوفيين على البصريين كقوله: "وهو الذي يسميه الكوفيون الاستيتاء (كذا)، ويسميه البصريون القطع" (٢)، وقوله: "والتحقيق يسميه الكوفيون الإيجاب" (٣)، ونحو ذلك. فلم يبق مجالٌ للشك في أن خلفًا كان في عداد نحاة الكوفة، وعلى هذا سنبني النظرَ في توضيح مسائل هذه المقدمة.
والأصل في نسبة الناس أن يُنسبوا إلى قبائلهم وأجدادهم، ثم إلى مواطنهم وبلادهم، ومن القليل أن ينسبوا إلى النِّحل والأديان والمذاهب. فإذا كان الاسم المنسوب إليه بين الدلالة على النسبة فذاك، وإلا وجب التمحيص. لذلك تراهم كثيرًا ما يقولون في النسبة إلى القبائل إذا كان المنسوب من موالي القبيلة أن يتبعوا النسب بقولهم مولاهم. وقالوا في ترجمة أبي مسعود البدري عقبةَ بن عمرو الأنصاري البدري إنه نسب إلى بدر؛ لأنه كان يسكن ببدر، وليس هو ممن شهد بدرًا على أصح الأقوال.
стр. 1761
ومثلُ ذلك أن أبا منصور الأزهري اللغوي هو منسوبٌ إلى جد جده أزهر (١)، فلا يُتوهم أنه منسوبٌ إلى الجامع الأزهر، فإنه عُرف بهذا قبل أن يصطلح الناس على نسبة خريج الجامع الأزهر إليه. وكذلك نسبة القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي بالمالكي (٢)؛ فإنها نسبة إلى جدّ جدِّ جدّه مالك ابن طَوْق صاحب الرحبة، وليس نسبةً إلى مذهب مالك الذي كان من جلة فقهائه؛ ولقد أشار المعري إلى الأمرين بقوله فيه حين نزل بمعرة النعمان:
وَالمَالِكِيُّ ابْنُ نَصْرٍ زَارَ فِي سَفَرٍ ... بِلَادَنَا فَحَمَدْنَا النَّأيَ وَالسَّفَرَا
إِذَا تَفَقَّهَ أَحْيَا مَالِكًا جَدَلًا ... وَيَنْشُرُ المَلِكَ الضِّلِّيلَ إِنْ شَعَرَا (٣)
стр. 1762
فوصف خلف بالبصري؛ لأنه سكن البصرة طويلًا تبعًا لمولاه بلال بن أبي بردة الذي ولي شرطة البصرة سنة ١٠٩ هـ، وُلي عاملًا بها قاضيًا إلى أن عُزل سنة ١٢٠ هـ, وإن كان أصل مواليه من أهل الكوفة من أصحاب الخليفة الرابع. قال ابن حزم في الجمهرة: "كان عقب أبي بردة منتشرًا بين الكوفة والبصرة" (١).
فبحق ينقشع الترددُ في مذهب خلف في النحو أنه كوفي المذهب، وينهار ما بني على عدّه بصريَّ المذهب في النحو من استبعاد أن يخطّئ سيبويه وهو من أهل طريقته، ثم إبطال أن يكون خلف هو الذي ألقى المسائل على سيبويه في مجلس المناظرة. على أنه لو فُرض انتسابُ خلف إلى المذهب البصري، لم يكن ذلك مثارًا لاستبعاد وقوع خلاف بينه وبين سيبويه في مسائل، فطالما اختلف علماء أهل المذهب الواحد في مسائل من علمهم.
وليس فيما رواه أكثرُ الرواة لخبر مجلس المناظرة تعيينُ أيِّ الأحمرين حضر ذلك المجلس، ولا ما يمنع أن يكون كلاهما حاضرَه، فأيُّ دليل يدفع أن خلفًا مع الحاضرين؟ وقد أثبت ذلك ابنُ الأنباري في كتاب "الإنصاف" فقال: "حضر سيبويه في مجلس يحيى بن خالد وعنده ولداه ومَنْ حضر بحضورهم من الأكابر، فأقبل خلفٌ الأحمر على سيبويه قبل حضور الكسائي، فسأله عن مسألة" إلخ (٢)،
стр. 1763
وكذلك عَيَّنَ خلفًا الأحمر ابنُ هشام (١). ولا ينفي ذلك أن يكون عليُّ بن المبارك الأحمر حاضرًا كما حكاه القفطي (٢)، ولا يتعارض الخبران لإمكان أن يحضر كلاهما.
وأما الذي ألقى المسائلَ على سيبويه فهو خلف الأحمر لا محالة؛ لأنه بالمكانة التي تؤهله لذلك يومئذ، وهو أعظم شهرةً يومئذ من علي بن المبارك الأحمر وأسنُّ منه. فهذا وجهُ الجمع بين القولين. فإن اتّبعنا طريقةَ الترجيح، فترجيحُ ما قاله ابنُ الأنباري وابن هشام أولَى من ترجيح ما قاله القفطي؛ لأن ابن هشام من أئمة الطائفة النحوية، فهو أثبتُ فيما يرويه من أخبارهم وآرائهم، وأهل الدار أدرى بما فيها.
ولا يُعرف تَعيينُ الذي ألقى المسائلَ على سيبويه بأنه علي بن المبارك لغير القفطي، وفيه نظر. فالذي أثبته غيرُه بالأسانيد الصحيحة الاقتصارُ على ذكر الملقب بالأحمر، كما في الأشباه والنظائر بسند الزجاجي (٣). وإذا جاز الوهم على ابن هشام في تعيين الأحمر بأنه خلف، فجوازُ الوهم على القفطي مثلُه، فلا موجِب لترجيح أحد الكلامين على الآخر. على أن القفطي قد صرح في ترجمة علي بن المبارك الأحمر بأنه لم يكن له ذكرٌ قبل أن يستخلفه الكسائي لتأديب أولاد الرشيد لمّا أصاب الكسائيَّ الوضَحُ في وجهه، حتى إنه لما سماه لأولاد الرشيد قالوا: "لم تأت لنا بأحد متقدم في العلم". وذكر أيضًا أن الأحمر "لم يكن له قبل ذلك ذكر، ولا يُعرف" (٤).
وهذا يُغلِّب الظنَّ بأنه لم يكن يوم المناظرة بالرتبة التي تخوله حضور ذلك المجلس مع أول من حضر. وقد يكون عليٌّ الأحمر حضر في رفقة الكسائي لأنه من
стр. 1764
أبرز تلامذته، فأما خلف فقد ذكروه فيمن حضروا قبل حضور الكسائي. ويظهر أن هذه المناظرة وقعت في حدود سنة ثمان وسبعين ومائة، لأن الكسائي وُصف بأنه معلم أبناء الرشيد؛ فأول أبناء الرشيد محمد الأمين ولد سنة سبعين ومائة، فيكون ابتداء تعليمه في حدود سنة سبع وسبعين ومائة.
وصف هذه المقدمة:
قال مؤلف المقدمة: إنه رأى النحويين استعملوا التطويل وكثرة العلل وأغفلوا ما يحتاج إليه المتعلم من الاختصار الذي يخف على المبتدئ حفظه (ولعلّه عرّض في كلامه هذا بسيبويه في كتابه؛ إذ لم يشتهر كتاب في النحو قبله إلا ما يُذكر عن كتاب "الجامع" وكتاب "الإكمال" و"المكمل" لعيسى بن عمر الثقفي (١) شيخ الخليل). قال: "فرأى أن يؤلف كتابًا يجمع الأصول والأدوات والعوامل، يستغني به المتعلم عن التطويل فيما يصلح لسانه أو ما يكتبه أو شعر ينشده"، يريد ما يخفف عليهم استحضارَه في إقامة إعراب الكلام، بحيث تعتاد ألسنتُهم إعرابَ الكلمة إذا وقعت بعد كلمة أخرى مما يكثر دورانُه على الألسنة لفهم مواقع الكلام التي هي مفتاح فهم معناه وإفهامه. فما تشتمل عليه هذه المقدمة أكثره ضوابط وعلامات
стр. 1765
وليس المسائلَ والقواعد؛ إذ جمع فيها نظائر من الكلم يكثر اقترانُ بعض الكلم بها، ويتحد إعراب الكلم الواقعة بأثرها، فجعل هذه المقدمة مفتاحًا للنحو، إذا أتقنها المبتدئ استطاع أن ينتقل إلى تعلم القواعد والمسائل. وإن ما تشتمل عليه هذه المقدمة مما يليق بالمتعلم الذي حذق القرآن وقارب أو تهيأ لمغادرة الكتّاب إلى حلَق العلم. وما أشد شبهها بضوابط آي القرآن المتشابهة الألفاظ المختلفة الإعراب التي يلقنها السادة المؤدبون لحفاظ القرآن لئلَّا يخطئوا في الرفع ونحوه، مثل قول بعضهم:
خفضُ الحياةِ بالمتاعِ والمثَل ... وزهرة وزينة وفي وعرَضٍ نقل
ورفعها من بعد غرّتكم وما ... إلخ. . . . . . . . . . . . . (١)
ومسائلها لا تسلم من نقض، ولا تخلو من نقص. فهي قليلة الجدوى اليوم في تلقين علم النحو للمبتدئين، ولأن ما جاء بعدها من المقدمات أوفَى وأوضح، مثل المقدمة الآجرومية، ولكنها مجدية في تصوير طور من أطوار تعليم النحو للمبتدئين. وقد تضمنت مع ذلك تنبيهات على فصيح الاستعمال ونكته. ومن مزاياها إكثار الأمثلة، وتوخي الأمثلة من القرآن. وقد ذكر من المسائل ما لا يليق بالمبتدئ مثل مسألة قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ [الكهف: ٥] في ص ٦٠ - ٦١، ومثل باب الحكاية في ص ٧٣، ومسألة تأويل آية: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] في باب المذكر والمؤنث في ص ٩٥.
ويظهر أنه توخّى ما اتفق البصريون والكوفيون على صحة استعماله، كما قال في مبحث منذ (٢): "تخفض بها كل شيء مما أنت فيه (وهذا خفضه واجب)، وما قد مضى؟ (والخفض في هذا راجح وليس بواجب). وقال في مبحث مذ: "تخفض بها ما
стр. 1766
أنت فيه (وهذا واجب)، وترفع بها ما مضى" (١) (والرفع راجح وليس بواجب)، وهذا الحكم متفق عليه بين النحاة، وإنما اختلافهم في علته.
ولا يراعي في اقتران الكلمتين أن تكون الأولى عاملة في الثانية لقلة جدوى ذلك للمبتدئ، ولذلك تراه عدَّ "هل" في الكلمات التي يُرفع الاسم بعدها وليس لـ "هل" عمل فيما بعدها، وعد معها "بل" وهو حرف عامل بالعطف.
ونراه قال: "باب حروف الإشارات وهي حروف الرفع" (ص ٦٥)، يعني بها أسماء الإشارة إذا وقعت في أول الجملة، فهي مبتدأ، والمبتدأ رافع للخبر باتفاق النحاة.
إيضاح ما يحتاج إليه في المقدمة:
١ - قال المؤلف في صفحة ٣٥: "وحرفٌ جاء لمعنىً، وهذا الحرف هو الأداة التي بها ترفع وتنصب وتخفض الاسم وتجزم الفعل"، فالباء في قوله "بها ترفع" باء الملابسة أي المصاحبة مثل التي في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وليست باء السببية؛ لأن كثيرًا مما عده المؤلف من الأدوات ليس عاملًا للإعراب، فليس بسبب في حصول علامات الإعراب.
ويتعين أن يكون اسم الموصول في قوله "التي بها ترفع" صادقًا على جمع أي لفظ ثلاثة من قوله: "العربية على ثلاثة"، والتقدير الثلاثة التي بها ترفع إلخ، وليس صادقًا على الأداة؛ لأنه جعلها هنا تفسيرًا لحرف جاء لمعنى، إذ ليس في نوع الحرف الذي جاء لمعنى ما يرفع الاسم، وتكون جملة "وهذا الحرف هو الأداة" جملة معترضة.
ووقع في المطبوعة "التي ترفع"، والذي في صورة المخطوطة "التي بها تَرفع" وهو أظهر؛ لأن كثيرًا من تلك الأدوات غير عامل فلزم أن تكون تاء المضارعة في
стр. 1767
قوله "ترفع" تاء الخطاب خطابًا لناظر كتابه، وكذلك نظائر هذه العبارة في المقدمة. ألا ترى أنه محمد من هذه الأدوات حبذا ونِعْم والاسم بعدهما مرفوع على أنه فاعل، ورأيُ المؤلف أن العامل في الفاعل الرفع هو معنى الفاعلية لا الفعل الذي قبله، كما هو محكي عنه في علم النحو. وأيضًا محمد في باب الحروف التي ينصب ما بعدها أفعالًا منصوباتها مفاعيل، والمؤلف يرى أن ناصب المفعول به هو معنى المفعولية لا الفعل.
٢ - وقال في صفحة ٣٦: "وبل" وهو تسامح مع المبتدئ لئلا تزدحم القواعد في ذهنه الضعيف؛ لأن بل قد لا يكون ما بعدها مرفوعًا، فإنها إذا عطفت المفرد كان تابعًا لإعراب ما قبله بالعطف، فيكون تارة مجرورًا، وتارة منصوبًا، وتارة مرفوعًا.
٣ - وقال في صفحة ٣٩: "وكم"، ومراده إذا وقع بعدها اسم المسؤول عن كميته نحو: كم مالُك، وليس يريد بذلك تمييز "كم". وكذلك قوله عقبه "وبكم" يريد به إذا قلت بكم هذا، وقد راعى المؤلف غالب ما ينطق به الناس.
٤ - ووقع في صفحة ٤١: كلمة "ولبثت" وهو خطأ لا محالة؛ لأن فعل لبث لا يقتضي مفعولًا به، والمظنون أنه تحريف "كتبتُ".
٥ - وقال في صفحة ٤١: "باب الحروف التي تنصب كل شيء أتى بعدها"، أراد كل اسم ظاهر يقع بعد هذه الأفعال المتصلة بضمير المتكلم هو مفعول للفعل. وقد أتى بها متصلة بضمائر بارزة ومستترة؛ لأن الضمير بمنزلة جزء من الكلمة لكونه على حرف واحد، تقريبًا للمبتدئ لمعرفة الأسماء المنصوبة في غالب ما يجري من الكلام.
وقد ذكر أفعالًا متنوعة بعضُها أفعالُ القلوب، ولم يجعلها مما ينصب مفعولين، جريًا منه على قول الكوفيين إن أفعال القلوب لا تنصب إلا مفعولًا واحدًا، وإن المنصوب الثاني بعده حال لازمة غالبًا. وهو قول وجيه، ويا ليتهم جروا عليه في باب "كان". وكرر المنصوبات في أمثلته للتدريب على معرفة الفرق بين المفعول وبين ما هو حال منه أو نعت له.
стр. 1768
٦ - وقال في صفحة ٤١: "وأخبارها مرفوعة"، أراد بأخبارها ما به تمامُ الخبر إذا ضُم إلى هذه الحروف، وهو المبتدأ الذي يُخبر عنه بحروف الجر أو بالظروف أو بالأوصاف الملازمة للإضافة غالبًا، أي إذا كان هنالك ما يُخبر عنه، وكذلك ليستثنى منه حرفُ الاستثناء ولا يندرج في هذا الحكم، نحو معاذَ وسبحانَ وأي (في صفحة ٤٦).
٧ - وقال في صفحة ٤٥: "وحاشا"، فعدها مع الحروف التي يُخفض الاسمُ بعدها، وهذا واضح في أنه يجعلها حرفَ جر. وهذا موافقٌ لنحاة البصرة، وقد وافقهم القراء من الكوفيين (١). وأما جمهور الكوفيين فيجعلون "حاشا" فعلًا ماضيًا فيُنصب الاسمُ بعده، كما نسبه إليهم ابن مالك في "التسهيل" والسيوطي في "الأشباه والنظائر" (٢). ولهذا لم يذكر المؤلف حاشا في باب الاستثناء؛ لأن الذين يجعلون حاشا حرف جرّ لا يجيزون نصب الاسم بعدها. وما وقع في الألفية يوهم جوازَ الوجهين، وذلك من اختياراته جمعًا بين المذهنين.
٨ - وقال في صفحة ٤٦: "والكاف واللام والباء إذا كن زوائد"، أراد بالزوائد أنها ليست من الحروف الأصلية في الكلمة. والقصد من هذا زيادة التوضيح للمبتدئ؛ لأن هذه الحروف الثلاثة لمَّا كان كلٌّ منها موضوعًا على حرف واحد كانت معرضةً لأَنْ تُشبَّه بالحروف الأصلية في الكلمات، مثل كاف كلام، ولام ليصَاب (اسم مكان) وباء بيات.
٩ - وقال في صفحة ٤٩: "وقال في باب الأمر: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] "، المثال من قبيل النهي، وعبر عنه المؤلف بالأمر تسامحًا لأصول
стр. 1769
التربية والتعليم؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، فقوله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ المقصود منه: اذكر نصيبك من الدنيا، والاستعمال العربي في ذلك واسع. وقد جاء عكسه، أي إطلاقُ النهي عن شيء وإرادة فعل ضد النهي عنه في قول أبي حية النميري:
وَقُلْنَ لَهَا سِرًّا فَدَيْناكِ لَا يَرُحْ ... صَحِيحًا وَإِنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألمِمِي (١)
فقابل قولهن: "لا يرح صحيحًا" بقولهن: "وإن لم تقتليه فألممي".
١٠ - وقال في صفحة ٥٢: "والنصب يأتي من اثني عشر وجهًا"، ثم قال: "والمدحُ والذمُّ". الظاهر أنه جعل المدح والذم وجهًا واحدًا، وهو المسمى القطع في الاصطلاح المعروف. وبذلك تصير الوجوه المذكورة في التفصيل أحد عشر، فيكون قد سقط من النسخة الوجهُ الثاني عشر وهو الحال، وذلك ما يقتضيه قولُه في باب تفسير النصب (صفحة ٥٩): "والحال قول الله : ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، نُصبت (خالصةً) على الحال، وهو التمكن"، فإنه مثَّل للحال بعد أن مثَّل لخبر المعرفة في ص ٥٧، فعلمنا أنهما عنده متغايران.
١١ - ثم قال في صفحة ٥٢: "وخبر المعرفة"، وهذا لقبٌ غريبٌ قلق أطلقه المؤلف على نوع من أنواع المنصوبات، ولا نعرف هذا اللقب في غير هذا الكتاب، ولعله مما وضعه مؤلفُه قبل أن يستقر الاصطلاحُ على العناوين النحوية وتقسيماتها. وقد أومأ المؤلف إلى مراده من خبر المعرفة [في] "باب تفسير النصب" (صفحة ٥٦) بأمثلة ثلاثة وقع فيها المنصوبُ - الذي سماه خبرَ المعرفة - منصوبًا على معنى الحال في الاصطلاح المعروف عندنا في علم النحو. فتبين أنه أراد بلفظ "خبر" معنى الخبر
стр. 1770
اللغوي، أي ما هو إخبارٌ وحكم في المعنى، أي ما يفيد الإعلامَ بأن ذلك الوصف اتصفت به ذات. ولا يريد المؤلفُ بلفظ خبر ما اصطلح عليه النحاة، والمؤلفُ من جملتهم - أعني خبر المبتدأ الذي ذكره المؤلف في عد المرفوعات بقوله: "والابتداء وخبره" (صفحة ٥١ وصفحة ٥٤)، وقوله: "وترفع الأخبار" (صفحة ٦٢)، وقوله: "وتنصب الأخبار" (صفحة ٦٤).
وليس في تقييد لفظ خبر بإضافته إلى المعرفة بقوله: "وخبر المعرفة" ما يُخرج خبرَ المبتدأ؛ لأن خبر المبتدأ لا يكون إلا خبرًا عن معرفة؛ لأن تعريف المبتدأ متعيِّنٌ لفظًا أو تأويلًا.
فتعين أن المؤلف أراد بقوله خبر المعرفة الخبر الذي ليس خبرَ مبتدأ ووقع إخبارًا عن معرفة؛ لأن خبر المبتدأ اشتهر عندهم بلقب خبر المبتدأ. فخرج عن مفاد قوله خبر المعرفة؛ لأن له لقبًا آخر معروفًا شائعًا.
وخرج أيضًا الخبرُ الذي أصلُه خبر مبتدأ وأدخلت عليه النواسخ كان وأخواتها وإن أخواتها، فلا جرم أنه أراد بخبر المعرفة ضربًا من ضروب الحال صالِحًا لأَنْ يُلَقَّب بهذا اللقب الإضافي - خبر المعرفة. فإن الحال خبرٌ في المعنى، قال عبد القاهر: "الحال خبرٌ في الحقيقة من حيث إنك تُثبِتُ بها المعنى لذي الحال [كما تُثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ] " (١)؛ أي وصاحب الحال لا يكون إلا معرفة.
فيَتَحصَّلُ أن مرادَ المؤلف بخبر المعرفة الوصفُ المنكَّر الواقع بعد معرفة، فهو متعينٌ لأن يكون حالًا؛ إذ المعرفة لا تحتاج إلى الوصف. فالوصفُ بعد المعرفة جارٍ مجرى الخبر، وإن لم يكن موصوفُه صالِحًا لمجيء خبر مبتدأ بعده؛ لأن ذلك الموصوف لم يكن مبتدأ. فهو غير قابل لأن يكون نعتًا ولا لأن يكون خبر مبتدأ، فتعين أن يكون منصوبًا على الحال. فلذلك قال المؤلف: "وخبر المعرفة منصوب أبدًا، وأما
стр. 1771
خبر النكرة فإنه تبع لها" (صفحة ٦٦). وعلى هذا الوضع جعل المؤلف الحالَ قسيمًا لخبر المعرفة؛ إذ قال: "والحال قوله : ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، نُصبت (خالصةً) على الحال" (صفحة ٥٩).
فتبَيَّن من مجموع كلامه أنه عَنَى بخبر المعرفة نوعًا من الحال غيرَ النوع الذي عناه باسم الحال ومثّله بالآية، أي أن خبر المعرفة هو وصفٌ جرى على معرفة. وليس المقصود به الإخبارَ عنها وحدثانَه لها، بل المقصود به وصفُها، وليس موصوفُه بصالح لإجراء النعت؛ لأن الموصوف معرفة، فأُجرِيَ عليه على أنه حال ونُصب، ولذلك قال: "وخبر المعرفة منصوب أبدًا" (صفحة ٦٦).
وهذا قد يكون جاريًا على معرفة هي خبر عن مبتدأ، مثل "هذا عبد الله مقبلًا". وقد يكون جاريًا على معرفة هي فاعل، نحو "قام فلان خاطبًا"، أو على معرفة هي مفعول، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]. وهذا النوع يشمل الحال المنتقلة كما في مثال "هذا عبد الله مقبلًا"، والحال اللازمة كما في آية: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢].
والمراد بالحال الوصفُ الذي قُصد به الإخبارُ والحدثَان، فكان المتكلم به مخيَّرًا بين أن يعتبره وصفًا جَرى على معرفة فينصبَه، وبين أن يعتبره إخبارًا فيرفعه إذا كان فيما قبله من الكلام ما يصلح لأن يكون مبتدأ وأن يكون الوصفُ خبرًا عنه ثانيًّا، مثل (خالصةً) في الآية فإنه منصوبٌ في قراءة كثير من القراء ومرفوع في قراءة نافع. ولا شك أن المؤلف يراعي ذلك. وهذا النوع غالب استعماله في الحال المتنقلة، ولا مانعَ من أن يكون حالًا لازمة؛ لأن الحال اللازمة لا تنافي إفادةَ المتجدد، إذ حقيقة المتجدد تخالف الانتقالَ بالعموم والخصوص الوجهي.
فإذا أراد به المتكلم الحالَ فنصبه كان مفيدًا أنه وصف متمكن، ولذلك قال المؤلف: "نُصبت (خالصةً) على الحال وهو التمكن"، فإن أراد الإخبارَ فرفعه كان
стр. 1772
مفيدًا التجدد والحديث. وهذا فرقٌ ينبغي أن يُعَدَّ من فروق الخبر؛ إذ هو بعلم المعاني أعلق، وقد تضيق عنه عمومُ الأفهام، وفهم المبتدئ عنه أضيق.
١٢ - وقال في صفحة ٥٣: "والواحد الخارج من الجماعة"، أراد به تمييزَ المقادير، كما سيوضحه بالمثال (في صفحة ٥٨) بقوله: "اضربه عشرين سوطًا"، وهذه تسمية غريبة لا نعرفها لأحد من النحاة. ومعنى كون تمييز المقدار - واحدًا خارجًا من الجماعة - أنه فردٌ بارز للسامع من جماعةٍ مبهمة، فالخارج بمعنى المتجلّي البارز، كما في قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [مريم: ١١؛ القصص: ٧٩]، و"من" ابتدائية.
١٣ - ووقع في صفحة ٥٣ قوله: "وهو الذي يسميه الكوفيون الاستيتاء (١) (كذا)، ويسميه البصريون القطع، ويسميه بعض أهل العربية التمام".
إذا كانت لفظة الاستيتاء غير محرفة، فهذا لقب لا يظهر من ماذا هو منقول. والظاهر أنها محرفة، وأن صوابها الاستيفاء. وحينئذ تكون الأسماء الثلاثة متقاربة المعاني، ولكن لا يظهر تلقيب الإغراء بواحد منها. فالذي يظهر أن هذه الأسطر منعزلة عن أماكنها، وأنها كانت متصلة بقوله: "والمدح والذم"؛ فإن المراد بالمدح والذم النعتُ المقطوع. فتسميته بالقطع جائيةٌ من قولهم: نعت مقطوع، وتسميته الاستيفاء؛ لأنه لا يقطع إلا بعد استيفاء المنعوت ما يُعرف به من وصف مذكورٍ قبلَ المقطوع أو معلومٍ اشتهاره به. وكذلك تسميته التمام؛ لأنه يؤتى به غير تابع؛ لأن المنعوت تمت أوصافه.
стр. 1773
١٤ - ووقع في صفحة ٥٥ بين حاصرتين أربعةُ أسطر في أول الصفحة من قوله: "وتقول للرجل الواحد: [من أنت؟ والرجلان: من أنتما؟ وممن أنتما؟ وللجماعة: منون أنتم؟ قال الشاعر:
أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ: مَنُونَ أَنْتُمْ؟ ... فَقَالُوا: الجِنُّ، قُلْتُ: ] عِمُوا ظَلَامًا" (١)
وقال الأستاذ الناشر في تعليقه: إن ما بين الحاصرتين جاء في آخر المقدمة، فوضعه مع مسائل المبتدأ (٢). وأقول: لم أدر كيفيةَ وضع هذه الأسطر في آخر المقدمة حتى أتوسَّمَ فيها أنها من المقدمة زُحزحت عن مكانها، أو أنها مُدرجَةٌ في النسخة كفائدة قيّدها كاتبُها، ولم تكن من المقدمة. على أن حقَّها أن تُوضع في باب الحكاية لإفادة التفرقة بين استفهام الحكاية المسمَّى باستفهام الاستثبات، وبين الاستفهام الأُنف، وهو استفهام الاستعلام.
على أن قوله: "وللجماعة مَنُون أنتم" إلخ، تخليطٌ في الأمثلة بين أمثلة الاستفهام الاستعلامي، وهي الأمثلة التي قبل البيت، وبين أمثلة استفهام الحكاية الذي سبق البيت شاهدًا فيه على بعض لغات العرب عند يونس، وقال سيبويه: هو شاذ (٣).
١٥ - وقال في صفحة ٥٧: "وما طرح الخافض كقولك ليس خارجًا زيد"، جعل ما هو خبرٌ ليس منصوبًا على نزع الخافض، وهذا يدل على أن خلفًا يعتبر ليس
стр. 1774
حرفًا لا فعلًا جامدًا، فإذا كان ليس حرفًا كان حق الجملة الاسمية بعده أن يكون جزءاها مرفوعين على أنهما مبتدأ وخبر. فلما وجدنا الجزء الثاني منصوبًا علمنا أن لا سبب لنصبه إلا اعتبار نزع الخافض، وهو الباء الذي يؤكد بها النفي.
ولا يُعرف القول بأن "ليس" حرف إلا لأبي علي الفارسي وأحمد بن شُقَيْر البغدادي (١)، وقد علمنا الآن أن خلفًا سبقهما إلى ذلك. فينبغي أن يُعزى إليه هذا القول.
١٦ - وقال في صفحة ٥٨: "لا يَبعَدَنْ قومي الأبيات الثلاثة" (٢)، إنما ذكر الأبيات الثلاثة لأنها تشمل على ما نصب بالمدح وهو قولها "النازلين والطاعنين"، وعلى ما رفع بالعطف على الصفة المرفوعة وهو "الطيبون والضاربون" في رواية المؤلف هنا؛ وفي تلك الصفات كلها روايات بنصب البعض ورفع البعض.
والمقصود وضوح الفرق للمبتدئ بين الإعرابين، وتنبيهه إلى أن تعدد الأوصاف يسوِّغ عدمَ اتباع بعضها لما قبله ونصبه على القطع المسمى بالمدح.
стр. 1775
١٧ - ووقع في صفحة ٥٩: "وقولك والإغراء"، والظاهر أنه سقط كلام بعد "وقولك": والظاهر أنه مثال للتحذير، فيمكن أن يكون الساقط هكذا: "وقولك الأسدَ تربد احذَرْ"، كما يقتضيه كلامه في باب التحذير. (ص ٨٢).
١٨ - وقال في ص ٦٠: "والجواب" لم يظهر موقع هذه الكلمة فتأمل.
١٩ - وقال في ص ٦٠ - ٦١: "وفي كتاب الله في آيات التعجب مسألة فسل عنها أهل العربية" إلخ، وهو كلام لا مناسبة له في موقعه ولعله أُدخل هنالك بسبب خلط في أوراق أصل النسخة، وحقه أن يقع عقب قوله "والتعجّب: ما أحسنَ زيدًا" (في ص ٥٧)، وقوله في آيات التعجب، أي آيات القرآن التي فيها تعجب.
٢٠ - وقوله [في ص ٦٠]: "فسل عنها أهل العربية"، يحتمل أن يكون فَسَل بصيغة فعل الأمر خطابًا لمزاول هذه المقدمة، أي فسَلهم وانظر ماذا يجيبون. فيكون هذا تعجبًا منه على أهل العربية إذ لم ينتهبوا لها، فلعل التفطن لها من مبتكراته. وحقًّا، فأنا لم أر من تعرض لما فيها من معنى التعجيب قبل صاحب الكشاف. ويحتمل أن يضبط قوله فُسِلَ بضم الفاء وكسر السين وفتح اللام على البناء للنائب من قولهم فَسَلَت الصبيَّ إذ فطمته، وهو هنا مجاز، أي: فطمهم فاطم عن تذوق معناه. والمعنى حال بينهم وبين هذه المسألة حائل، فلا يكون في كلامه تبجحٌ على أهل العربية.
٢١ - وقوله [في ص ٦١]: "فنصب (كلمةً) على التعجب"، أي نصبها على التمييز لنسبة الكِبَر - بمعنى الفظاعة - إلى قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ٤]، ليدل بالتمييز على إرادة التعجيب من قولهم الفظيع، وإلا لما كانت حاجةٌ إلى التمييز لعدم انبهام الخبر، فإن ما سبقه من قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ٤] دالٌّ على أن ذلك فظيع، وذلك أن من مواقع التمييز أن يرد بعد الخبر المسوق لإرادة التعجب، كقولهم "لله دره فارسًا"، و"حسبك بفلان صاحبَا". وهذه المسألة من غرر هذه المقدمة.
стр. 1776
٢٢ - وقال في ص ٦٧: "باب الحروف التي تقتضي الفاعل"، أي الكلمات التي تقتضي بمعانيها أن يكون الفاعل مواليًا لها، أي لا يقدَّم مفعولها على فاعلها، وأراد بذلك أن معاني تلك الأفعال قوية التلبس بفاعليها، فلا ينبغي أن تذكر مفاعيلها قبل فاعليها اعتمادًا على ظهور المعنى بالرفع والنصب، ووجهُ أن ذلك لا ينبغي أَن الاستعمال الفصيح أن تكون فاعلوها مقدَّمة للاهتمام بها مع كون التقديم هو الأصل فهذا تقديم لمجرد الاهتمام بالفاعل.
وعكْسَ هذا يقرِّر في قوله: "باب الأفعال التي تقتضي المفعول" (١)، فتقديم المفعول فيها لمجرد الاهتمام. قال في تلخيص المفتاح: "وتقديمُ بعض معمولاته (أي الفعل) على بعض؛ لأن أصله التقديم، ولا مقتضِيَ للعدول عنه، كالفاعل في نحو: ضرب زيدٌ عمرًا". (٢) قال في المطول: "قولك: قتل زيدٌ رجلًا، إذا كان زيد ممن لا يقدر فيه أن يقتل، فالغرض الأهم الإخبار بأنه صدر منه القتل". (٣) فالمثال الذي أشار إليه في "المطول" مندرجٌ فيما قرره خلَف هنا، قال في التلخيص: "أو لأن ذكره أهم، كقولك: قتل الخارجيَّ فلان" (٤). وهذه المسألة من غرر مسائل هذه المقدمة التي سبق إلى ملاحظتها قبل علماء المعاني.
٢٣ - قال في ص ٧٢: "وكذلك تميَّز الأفعال المستقبلة بأخواتها"، أي يعرف كون الفعل مستقبلًا إذا دخل عليه أحد هذه الحروف؛ لأن جميعها خاصٌّ بالمستقبل.
стр. 1777
وقوله: "وتسقط النونان" إلخ، أفاد به كيفية إعراب الفعل المنصوب إذا اقترن بنون تثنية أو نون جمع.
٢٤ - وقال في ص ٧٥: "وهو نصب كله"، أي كلا جُزْءَيْهِ الاسم المنادى والمركب الدال على نسب المنادى، فأما نصب المنادى في مثله فهو المختار ويجوز ضمه باتفاق النحاة، والمؤلف اقتصر عليه تسهيلًا على المبتدئ. وأما المركب الدال على نسَب المنادى فنصبه واجب.
٢٥ - قال في ص ٧٦: "وإذا ناديت ما بُدئ بالألف واللام"، هذه المسألة غير مندرجة في عنوان الباب، وإنما ذكرها لمشابهة المعطوف على المنادى بالمنادى في أنه اتصل بالمنادى بالعطف فأشبه المضاف إليه؛ لأن النحاة يتوسعون في إطلاق المضاف على المنادى الذي اتصل به شيء من تمام معناه، ولعل من اصطلاحهم في القديم إلحاق المنادى المعطوف بأقسام ما يدعونه بالمضاف.
٢٦ - قال في ص ٧٧: "قال الله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، جعل المؤلف نصب الطير في القراءات المتواترة كلها حجة قاطعة على أن الأفصح نصب المعطوف المقترن بالألف واللام على المنادى. وأعرض عن تأويل الذين تأولوا النصب بتقديرات دعاهم إليها قول سيبويه: "فأما العرب فأكثر ما رأيناهم يقولون: يا زيد والنضر. [وقرأ الأعرج: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾، فرفع (١)].
стр. 1778
ويقولون: يا عمرو والحارثُ. وقال الخليل ﵀: هو القياس [كأنه قال: ويا حارثُ] " (١).
وقد اتفق البصريون والكوفيون على جواز نصب هذا المعطوف وضمه. وإنما اختلفوا في ترجيح أحد الوجهين، فالخليل وسيبويه والمازني من البصريين رجحوا ضمه، وتبعهم ابن مالك. وأبو عمرو ويونس وعيسى بن عمر والجرمي منهم رجحوا نصبه. وأحسب أن الكوفيين يرجحون نصبه، ولم ينقل لنا عنهم فيه شيء، وجرى كلامُ خلف على هذا، فلذلك قال: "فانصب به الألف واللام"؛ أي بدخولهما أي فانصبه اختيارًا وليس يريد وجوب نصبه إذ لا قائل بوجوبه.
والمؤلف كثيرًا ما يجري كلامه في هذه المقدمة بالاقتصار على الوجه الراجح تيسيرًا على المبتدئ.
٢٧ - قال في ص ٧٧: "قال خلف: واللغة فيه والنصب أنك إذا قلت يا زيد والفضل لم يجز ويا أبا الفضل وإنما يجوز يا أيها الفضل"، صدّر كلامه بذكر اسمه للتنبيه على الاعتناء بهذا الكلام؛ لأنه مجال تخالف بين النحويين، وتصريحًا بالفرق بين نصب المعطوف المعرف على المنادى وبين عدم نصبه إذا ولي حرف النداء.
فقوله: "واللغة فيه والنصب أنك إذا قلت" إلخ، اللغة مبتدأ والتعريف في اللغة للدلالة على معنى الكمال أي اللغة الفصحى فيه. وفيه حال من المبتدأ، والنصب عطف على اللغة عطف تفسير، و"أنك إذا قلت" إلخ خبر المبتدأ بتأويل مصدر منسبك من أن المفتوحة واسمها وخبرها جملة "إذا قلت"، فـ "إذا" ظرف متضمن معنى الشرط وجوابه محذوف دل عليه المبتدأ، وتقديره فاللغة فيه النصب، أي إنما تنصب المعرف المعطوف على المنادى إذا نطقتَ بمثل ما مثَّلتُ لك فقلت يا زيد والفضل بدون إعادة حرف النداء فلامَ والفضلَ هنا مفتوحة.
стр. 1779
وعبارة المؤلف إثْرَ هذا مغلقة، ففي النسخة اختلال. وذلك قوله: "لم يجز ويا أبا الفضل" ولا معنى لكلمة "يا" هنا، فلعل صواب العبارة هكذا: "ولم يجز يا أبا الفضل"، أي لم يجز النصب إذا أعيد حرف النداء بعد واو العطف، فيتعين أيضًا أن يُضبط لام الفضل (الثاني) بفتحة. "وإنما يجوز يا أيها الفضل"، أي إنما يجوز حينئذ ضمه؛ لأنه منادى مستقل ويجب وصله بـ "أي" المجعول صلةً لنداء المعرف باللام وصلًا واجبًا عند البصريين، وراجحًا عند الكوفيين الذين أجازوا نداءَ المعرف باللام دون وصل بأيّ (١).
وقوله: "قال الشاعر: أَلَا يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سيرَا" البيت، عطف على قوله: قال الله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، وما بينهما اعتراض. وظاهرُ كلام المؤلف وكلام ابن هشام في شرح القطر وكلام الآلوسي في تفسير آية ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي﴾ أن الروايةَ في هذا البيت بنصب والضحاكَ (٢). ووقع للمكودي في شرح الألفية أنه رُوي بالضم، ولم أره لغيره (٣).
٢٨ - وقال في ص ٨٠: "باب التحقيق"، أراد الاستثناء المفرغ لما دلّ عليه المثالان وذكره عقب الاستثناء. ولا يُعرف هذا الاسم في شيء من كتب النحو، وإنما يعبرون عنه بالتفريغ أو الاستثناء المفرغ. ولعل تسميته التحقيق كانت معروفةً ثم
стр. 1780
تنوسيت، ولعلها كانت مشتهرة بين الكوفيين والبصريين، وأن الكوفيين سموه الإيجاب أيضًا، وكلتا التسميتين غير معروفة في غير هذه المقدمة.
٢٩ - قوله في ص ٩١: "وكذلك كل ما بنته العرب" إلخ، هذا تخلص إلى حكم الأسماء المبنية. وجرت عادةُ النحويين أن يذكروا حكمَ أسماء البقاع المبنية في أثناء الكلام على ما ينصرف كما فعل سيبويه (١).
٣٠ - وقال في ص ٩٢: "فتقول"، هو تفريعٌ على قوله قبله: "فإنه مخفوض أبدًا"، وما بينهما اعتراض.
٣١ - وقال في ص ٩٣: "وكذلك أسماء المواضع فإنها لا تتغير ولا تخفض"، لعله يعني أن أسماء الأماكن نوعان: نوع ممنوع من الإعراب أصلًا وهو المبنيات منها، مثل سَفَارِ (بوزن حذام بئر لبني مازِن بن مالك) ونَطَاعِ (بوزن حذام أيضًا قرية باليمامة وماء لبني تميم) ومثله المؤلف "بالبطال"، ولا يعرف لغيره، ولم أقف على هذا لأحد من أهل اللغة، وهذا كلام يحتاج إلى مزيد تمحيص. ونوع لا يخفض أي ممنوع من الصرف، وهو غالب أسماء البقاع مثل جِلق اسم مدينة دمشق.
٣٢ - وقال في ص ٩٥: "المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كان المخاطب للمذكر"، كذا في النسخة، ولعل صوابه كان الخطاب أي التعبير للمذكر، أي من خصائصه، أي إذا اجتمعت إرادةُ مذكر ومؤنث بشيء يجمعهما من ضمير أو اسم إشارة يُغلَّب جانبُ التذكير. وهذا ما يسمى بالتغليب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢]، وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ [النساء: ١١]، أي لأبيه وأمه.
٣٣ - وقوله في ص ٩٦: "أراد بذلك الآيات" إلخ، أي ليس هذا الاستعمال الذي في الآية من قبيل التغليب؛ لأن التغليب يكون بمراعاة الأقوى. بل الآية من قبيل تأويل الاسمين المذكورين بأنهما آيتان، فلذلك أجري الضمير على التأنيث، أي
стр. 1781
الذي خلق الآيات. والظاهر أن الكلمات التي حجبها خاتم الوقف هي "فردّ على"، كما يدل عليه كلامُ المؤلف بعد ذلك.
٣٤ - وقال في ص ٩٩: "وإذا أردت بكم أن تأتي بمعنى من نصبت" إلخ، هذا الكلام اعتراض بين قوله - قال الشاعر -، وقوله - بمعنى كم ورب - قصد به التنبيه على استعمال كم في الاستفهام، فلا يكون فيها معنى رب الذي عقد له الباب، فقوله: "بمعنى كم ورب" حال من قوله: "قال الشاعر"، وقوله: "هما يتعاقبن"، أي يرد أحدهما في موضع الآخر للتكثير والتقليل. فأما رب فهي موضوعة للتكثير والتقليل، فهي من حروف الأضداد. وأما كم فالخبرية موضوعة للتكثير، وإذا استُعملت للتكثير، كان ذلك مجازًا في مقام التهكم مثلًا، وأما كم الاستفهامية فلا يتصور فيها قصد التكثير أو التقليل.
تفسير الشواهد الشعرية الواردة في هذه المقدمة وهي غير معروفة في شواهد النحو
الشاهد الأول: في ص ٧٥: "قال الشاعر في معناه:
يَا فَارِسَ المِيرَةِ بِاسْمِهِ ... وَيَا حَيْوَةَ بْنِ عَقِيلِ (١)
يحتمل أنه شاهد واحد ساقه المؤلف على أنه بيت كامل، ولكن دخله اختلال في النسخة من سقوط بعضه من قلم الناسخ. وحينئذ فالشاهد في الجزء الأخير. ويحتمل - وهو الأظهرُ - أن المؤلف أتى بمصراع مفرد مقتصرًا عليه، ويكون قوله "ويا حيوة بن عقيل" عطفًا على جملة "قال الشاعر"، أي: وقولك يا حيوة بن عقيل. ويكون المصراع الأول سقطت منه كلمة ابن المغيرة. ولعل قوله: "باسمه" تحريف بأسه.
стр. 1782
الشاهد الثاني: قوله في ص ٩٢: "قال الشاعر:
رَأَيْتُكَ أَمْسِ أَحْسَنَ مَنْ يُمَشِّي ... وَأَنْتَ اليَوْمَ خَيْرُ بَنِي مَعَدِّ" (١)
وهذا الشاهد لا يُعرف في كتب النحو واللغة، ولا يعرف قائلُه. وكنَّى بمن يُمَشِّي عن الناس، كقول الحارث بن حلزة:
مَلِكٌ مُقْسِطٌ وَأَفْضَلُ مَنْ يَمْشِـ ... ـي وَمِنْ دُونِ مَا لَدَيْهِ القَضَاءُ (٢)
ومعنى البيت المدح بأنه قد نشأ أحسن الناس، وهو الآن سيد العرب. وهذا المعنى قريب من قول أبي تمام:
إِنَّ الهِلَالَ إِذَا رَأَيْتَ نُمُوَّهُ ... أَيْقَنْتَ أَنْ سَيَكُونُ بَدْرًا كَامِلَا (٣)
стр. 1783
ولعل قائلَ هذا الشاهد أخذه من ست زياد الأعجم الذي ذكره الأستاذ الناشر أو العكس، أو هو من توارد الخواطر، أو هو لزياد الأعجم من قصيدةٍ غير التي منها البيت الذي على قافية السين (١). وتشابهُ الأبيات في الشعر غير عزيز.
الشاهد الثالث: في ص ٩٣: "وقال الشاعر:
إِذَا هَتَفَتْ حَمَامَتُهُمْ بِشَجْوٍ ... جَرَى الدَّمَيَانَ وَاسْوَدَّ البِطَالَا"
وهذا البيت لا نعرفه، ولا نعرف قائلَه. والإهتاف الصوت، ويطلقونه كثيرًا على صوت الحمام، قال نصيب:
لَقَدْ هَتَفَتْ فِي جُنْحِ لَيْلٍ حَمَامَةٌ ... عَلَى فَنَنٍ وَهْنًا وَإِنِّي لَنَائِمُ (٢)
والشَّجْوُ يقال على الحزن وعلى الطرب، والعربُ يجعلون صوتَ الحمام مرةً غناءً ومرة نواحًا، قال أبو العلاء:
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامَةُ أَمْ غَنَّـ ... ـتْ عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَا المَيَّادِ (٣)
وقال النابغة:
دُعَاءَ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا ... مُطَوَّقَةً عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي (٤)
стр. 1784
وقال أبو فراس:
أَقُولُ، وَقَدْ نَاحَتْ بِقُرْبِى حَمَامَةٌ، ... أَيَا جَارَتَا هَلْ تَشْعُرِينَ بِحَالِي (١)
ثم يحتمل البيت معنيين: أحدهما أن يريد بالحمامة الكنايةَ عن المرأة، كما كنوا عنها بالسرحة، والنخلة، والشاة. فالمعنى إذا تكلمت امرأة منهم بالحب، اقتتل الحيان - حي المرأة وحي حبيبها. قال امرؤ القيس:
تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا إِلَيْهَا وَمَعْشَرًا ... عَلَيَّ حِراصًا يُسِرُّونَ مَقْتَلِي (٢)
الاحتمال الثاني: أن تكون الحمامةُ حقيقة، والمعنى إذا هتف حمام الحي، أي أصبح الصباح حين تلغو الطيرُ بأصواتها. فيكون الكلام كنايةً عن ترقب حصول غارة بين حيين؛ لأنهم كانوا يغيرون عند الصباح. ولذلك كانت كلمة الإنذار بالعدوان أن يصرخ نذيرُ القوم قائلًا "يا صباحاه"، وعليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ [الصافات: ١٧٧]، وقال عمرو بن كلثوم في تعجيل الغارة قبيل الصباح:
قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونَا (٣)
والدَّمَيان دماء القبيلتين على كلا الاحتمالين.
стр. 1785
ومعنى اسودّ أنه أسود من قتام القتال الذي تثيره سنابك الخيل وأرجل الناس، فهو لكثرته يصير به الجوُّ قريبًا من الأسود، فعبر عنه بالسواد تشبيها بليغًا، قال بشار:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ... وَأَسْيَافِنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ (١)
"والبطال": قال المؤلف إنه اسم موضع، وقال الأستاذ التنوخي إنه لم يجده ووجد البطان؛ أي بنون في آخره. قلت: فلعل الذي باللام لغةٌ في الذي بالنون؛ لأن النونَ واللام قد يتبادلان، كما ذكر أبو علي القالي في أماليه (٢). فمن ذلك إسرائين وإسماعين وجبرين وسجين في قول. إلا أن الذين ذكروا البطان من أهل اللغة لم يذكروا أنه مبني.
وهذا أشكلُ مسألةٍ في هذه المقدمة وأغربُها، فإذا اطمأننا أن هذه المقدمة لخلف الأحمر، كان حقًّا أن نضم هذا إلى المعجم الكبير الذي يعده المجمع اللغوي بالقاهرة، وأن نزيده في النحو أمثلة المبنيات على الفتح مثل أينَ، وأحدَ عشر، وبعلبكَّ.
وأما البيت الذي نقله الأستاذ المعلق في ورقة "استدراك وتصويب" في آخر هذه المقدمة عن كتاب الإبدال لأبي الطيب وهو:
إِذَا نَاحَتْ حَمَامَةُ آلِ بَدْرٍ ... جَرَى الدَّمَوَانِ وَابْتَلَّتْ نِعَالُ (٣)
стр. 1786
فإن كان بيتًا من شعرٍ آخر، فذلك من تقارب البيتين. وإن كان روايةً في البيت الذي رواه المؤلف، فهو عرِيٌّ عن الشاهد في هذه الرواية. وأيًّا ما كان، فلا ينطبق على مسألة هذه المقدمة.
الشاهد الرابع: قوله في ص ٩٨: "قال الشاعر: كم ليلة بتُّ فيها مغتبطًا"، لا يُعرف قائلُه (١). وهو من بحر المنسرح، دخله زحاف الطي مرتين؛ وهو حذف الساكن الثاني في كلمة "بتُّ" وكلمة "مغتبطًا"، ودخلته علةُ التسبيغ وهو زيادة ساكن في جزء مفعولات فصار مفعولاتن. ولعل كلمة "فيها" محرفة عن "بها"، فيصير المصراع رجزًا من الزحاف ومن العلة (٢).
стр. 1787
نظرة في كتاب "الجامع الكبير" لابن الأثير (١)
كنتُ في مدة خلت مُعْجَبًا بكتابَيْ ضياء الدين (٢) ابن الأثير: كتاب "المثل السائر"، وكتاب "الجامع الكبير" الذي توجد منه نسخةٌ وحيدةٌ احتوت عليها مكتبتُنا، ثم طويتُها ووليتُ وجهي شطرَ غيرها، وما كنتُ أحسب أنه طيٌّ كطيِّ صحائف يزيد بن الطثرية (٣) الذي يقول:
صَحَائِفُ عِنْدِي لِلْعِتَابِ طَوَيْتُهَا ... وَسَتُنْشَرُ يَوْمًا وَالْعِتَابُ يَطُولُ (٤)
стр. 1788
ومضت السِّنُون حتى وردت إِليَّ منذ أشهر نسخةٌ من "الجامع الكبير" بمطبعة المجمع العلمي العراقي في سنة ١٣٧٥ هـ؛ بتحقيق وتعليق الأستاذين الدكتورين مصطفى جواد وحميد سعيد (١). فقدرتُ قدرَ الأستاذين في حسن اختيارهما، وشكرتُ صنيعَهما من إبراز هذا العِلْقِ النفيس، مع التصدير البديع، والتعاليق القيمة، وما تبعها من الفهارس. فما أخذتُ في المطالعة حتى فاجأتني أخطاءٌ وتحريفات، وسقوطُ كلمات أو سطور، وطمعتُ أن أُحصيَها وأقابلها على النسخة المخطوطة، وأبعث بذلك إلى الأستاذين الناشرين لينشراه تبعًا لفهرست الخطأ والصواب التي في المطبوعة.
ولكن اعترض دون ذلك ضيقُ الوقت وتعددُ الأشغال إلى أن طلعت علينا "مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق" في ربيع الآخر المنصرم (٢)، فإذا بها مقالٌ قَيِّمٌ للأستاذ عز الدين التنوخي - عضو المجمع العلمي العربي - لنقد النسخة التي أخرجها الأستاذان، خَتَمه باقتراح طبع الكتاب طبعة ثانية. وأنا أشاطره على ما أبداه من التصويب والاقتراح، وأشاركه بوجوب إعادة طبع الكتاب بعد التحصيل
стр. 1789
على ما يمكن من النسخ الموجودة منه، مثل مصورة "خدابخش" التي نعتها الأستاذ التنوخي والنسخة التي في مكتبتنا.
فهاتان نسختان في الكف، ويمكن أن نعثر على نسخة أخرى أو اثنتين بعد البحث. وأنا على استعدادٍ للتمكين من إعطاء صورة من نسختنا أو إخراج نسخة منها بواسطة مَنْ يُكَلَّف بنسخِها بتعيين الأستاذين الناشرين، فعسى أن تخرج من الكتاب طبعةٌ علمية مستوفاة. ومن الجدير بالعناية في الطبعة المرجوة التعليقُ على أبيات محتاجة إلى بيان مغلقها وذكر بحورها.
مقارنة وتحليل بين كتاب "المثل السائر" وكتاب "الجامع الكبير "
وإذ قد جرى خوضُ الأستاذين الناشرين والأستاذ الناقد في أي كتابي ابن الأثير أسبقُ تأليفًا وفي طريقة كل من الكتابين، وجرى تنبيهُ الأستاذ الناقد على إقامة بعض الأبيات، فقد رأيتُ أن أُبديَ ما أراه في المقارنة بينهما وانتسابِ مباحثِ أحدِهما من مباحثِ الآخر.
فالكتابان متحدا الغرض، متماثلانِ في غالب الأبواب، إلا أن بينهما فرقًا في الأسلوب يظهر منه الفرقُ بينهما في غرض المؤلِّف من كليهما. وينجلي من ذلك إبداءُ الرأي في أيُّهما أسبقُ صدورًا عن مؤلفه، وفي سبب رواج "المثل السائر" وخمول "الجامع الكبير"، وأُتْبِعُه بنموذج من إقامة بعض الأبيات.
فأما اتحادُ الغرضِ من الكتابين فيُعلم من تسميتهما؛ فـ "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، و"الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور". فالغرضُ واحد، والموضوعُ واحد. ولكنه سلك في كتاب "المثل" إلى تربيةِ الذوق، والتمرُّسِ بالصناعة، وتطبيقِ القواعد والمسائل الأدبية على مُثُلها وشواهدِها، حتى يكتسب مزاولُه أدبَ الكتابة والشعر ويرتاضَ به. ولذلك جعله في أدب الكاتب والشاعر؛ فإن اسم الأدب مؤذِنٌ بكمالِ صاحِبِه فيما يُراد منه، كما سلك عبد القاهر الجرجاني في كتاب "دلائل الإعجاز" وكتاب "أسرار البلاغة". وقصدَ في كتاب
стр. 1790
"الجامع الكبير" إلى سلوك طريقةِ ضبطِ القواعد، وتزويدِ عقول مزاولي هذه الصناعة، مثلما سلك أبو يعقوب السكاكي في القسم الثالث من كتابه "مفتاح العلوم" (١). فـ "المثل السائر" يُفيدُ الصناعةَ العملية، و"الجامع الكبير" يُفيد الصناعةَ النظرية. وهما متفقان في المباحث والعناوين، إلا في قليلٍ من المباحِثِ انفرد بها أحدُهما عن الآخر: يظهرُ ذلك لك من الفرق بين أسلوبِ كلامِه على آلات البيان وأدواته في "المثل السائر" (صفحة ٤، مطبعة بولاق)، وكلامه على أدواته في "الجامع الكبير" (صفحة ٢١ مطبعة المجمع العراقي) (٢).
وكأنه لم يُرد في أحد الكتابين ذكرَ الكتاب الآخر؛ لأنه قصد غَرَضَيْن، وإن اتحدت الرمايةُ، واختلف المجرى في بلوغ الغاية.
وأما سببُ رواج "المثل السائر" وخمول "الجامع الكبير"، فقد تبين أن هذا الرواج والخمول أمر قديم؛ إذ قل أن يخلوَ كتابٌ مؤلَّف في صناعة الأدب والبيان بعد ابن الأثير عن ذكر كتاب "المثل السائر"، بخلاف ذكر كتاب "الجامع الكبير". وهذا البغدادي في كتابه "خزانة الأدب" قد ذكر مصادر كتابه، فعد منها "المثل السائر" ولم يذكر "الجامع الكبير"، مع اعتنائه بالنظائر والمؤلفات، وخاصة إذا كانت لمؤلِّفٍ واحد. وهذه نسخ "المثل السائر" مسير الأمثال، وقل أن تجد نسخةً من "الجامع الكبير" في أشهر المكتبات.
١ - ولعل أولَ أسبابِ رواجِ "المثل السائر" أنه ألفه أول من "الجامع الكبير"، فسار بين الناس، فلما ظهر "الجامع الكبير" كان الناسُ قد ملأوا أيديَهم منه فلم