← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في أحد إذ شج ﷺ فقال: "كيف يُفلح قومٌ خضبوا وجهَ نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ " فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فلبس في قلبه لباس الاصطبار، ورجع بعد الاضطراب إلى القرار. فلما توزعت الآياتُ بحسب الأوقات، صفت الأخلاقُ النبوية بالقرآن". انتهى كلامه النفيس. (١) فأخلاقُه ﷺ ربانيةٌ بالتأديب الرباني والعناية الأحدية، لا برياضة نفسانية وتكسُّب طبيعي كما يكون لغيره. ولذلك لا يُدْرَكُ شَأْوُ خُلُقِهِ ﷺ ، فافْهَمْه. وفي المفهم: "الخلق المحمود إجمالًا أن تكونَ مع غيرك على نفسك فتنصف منها ولا تنتصف لها، وتفصيلًا العفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، ولين الجانب، وتحمل الأذى". (٢) وجماع ذلك في قوله جل اسمه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤].

стр. 212

والْخُلُقُ الحْسنُ محمودٌ في كل أمة، يشهد لذلك قولُه ﷺ : "إنما بُعثتُ لأتمم مكارمَ الأخلاق"، (١) إنه صريحٌ في سبقيتها في الأمم السابقة، غير أن الشريعة المطهرة جمعت ما تفرق منها وأحكمته على وجهٍ لا مطمعَ فيه من غيرها. ولقد كانت الأمةُ الأمية من العرب يتسابقون إلى نيل تلك الصفات، ويناضلون عنها، وكفى أحدَهم شرفًا أن يُعَدَّ من أصحاب تلك الخلال، حتى قال السموأل بن عاديا (٢) حكيم شعرائهم:

стр. 213

إِذَا المَرْءُ لَم يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ ... فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ وَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضَيْمَهَا ... فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبيلُ (١) ومن كلام حكماء اليونان قولُ سقراط الحكيم: " [رأس] الحكمة حسن الخلق". (٢) وقال أرسطو: "بلين الكلام تدوم المودةُ في الصدور، وبخفض الجناح

стр. 214

تتم الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيشُ ويكمل السرور". (١) وكتب إلى الإسكندر: "الأراذل ينقادون بالخوف، والأخيار بالحياء، فاستعمل في الأولَى البطشَ وفي الثانية الإحسان. ولْيكنْ غضبُك لا شديدًا ولا ضعيفًا؛ فإن ذلك من أخلاق السباع، وهذا من أخلاق الصبيان. وإذا أعطاك الله ما تُحبه من الظَّفَر، فافعلْ ما أحب الله من العفو". (٢) واعلمْ أن مدارَ اعتبار تمام الصفات أن تكون منبعثةً من صفاء الباطن وإخلاص الطوية، كما يقتضيه اعتبارُ الملكة فيها. أما إذا كانت بحسب الظاهر فقط، فهو التخلق المذموم، وإياه يعني من يقول: يَا أَيُّهَا المُتَحَلِّي غَيْرَ شيمَتِهِ ... إِنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ (٣)

стр. 215

وقال محمد بن هانئ مادحًا: غَنِيٌّ بِمَا فِي الطَّبْعِ عَنْ مُسْتَفَادِهِ ... لَهُ كَرَمُ الأَخْلَاقِ دُونَ التَّكَرُّمِ (١) وعنوانُ الحقيقة ظهورُ السرور والبشر عند التلبس بتلك الصفات؛ فإن الظواهرَ عنوانُ البواطن. ومن هنا لمَّا سئل سَلّام بن أبي مطيع (٢) عن حسن الخلق أنشأ يقول: تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا ... كَأَنَّك تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ (٣) فلم يعتبر الإحسانَ من حسن الخلق إلا مع التهلل والبشرى الدالين على طيب الباطن. وقد أجاد ابنُ الرومي مفصِحًا بطريقة سَلّام (٤) مع بيان الدليل، فقال:

стр. 216

وَقَلَّ مَنْ ضَمِنَتْ خَيْرًا طَوِيَّتُهُ ... إِلَّا وَفِي وجْهِهِ لِلْبِشْرِ عُنْوَانُ تَلْقاه وهْوَ مَعَ الإحْسَانِ مُعْتَذِرٌ ... وقَدْ يُسِيءُ مُسيءٌ وهوَ منَّانُ إِذَا تَيَمَّمَكَ العَافِي فكَوْكَبُهُ ... سَعْدٌ وَمَرْعَاهُ فِي وَادِيكَ سَعْدَانُ أحْيَى بِكَ اللهُ هَذَا الخْلْقَ كلَّهُمُ ... فَأَنْتَ رُوحٌ وَهَذَا الْخَلْقُ جثمانُ (١) والله أعلم.

стр. 217

شرف الكعبة (١) قال الله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾: [آل عمران: ٩٦]. الغرض من هذه الآية بيانُ شرف الكعبة لوقوع هذه الآية عَقِب قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥]، وقبل قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فعلمنا أنها مسوقةٌ مساقَ الدليل لِمَا قبلها؛ لأن شأنَ الدليل أن يقعَ عقب المطلوب ومساقَ المقدمة لِمَا بعدها، وكلاهما مؤذِنٌ بالتعليل، والعلةُ أوضحُ دلالةً من المعلول، فكان ذلك مؤذنًا بتقرر شرف الكعبة. وكلٌّ من الدليل والمقدمة طريقٌ في صناعة الخطابة لإثبات مقصود الخطيب. والاستدلالُ يكون بطريق التدليل والتعقيب، والمقدمة بطريق التصدير والتقديم، فالجمع في موقع هذه الآية بين الطريقتين من بلاغة القرآن وإعجازه الذي لَمْ أرَ مَنْ نَبَّه عليه. وتصديرُ الآية بحرف التأكيد من دون تقدم إنكارٍ منكِرٍ ولا تردُّدِ متردِّد، تأكيدٌ مقصودٌ منه الاهتمامُ بالخبر. ومن شأن "إن" إذا جاءت لمجرد الاهتمام أن تُغنِيَ غناءَ فاء العطف وتفيدَ من التعليل والربط شيئًا عجيبًا، فيكون الكلامُ بها مستأنَفًا غير مستأنف، مقطوعًا موصولًا معًا، كما فصله الشيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز"، ومثَّله بقول بشار بن برد: بَكِّرَا صاحِبَيَّ قَبْلَ الْهَجِيرِ ... إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ

стр. 218

وذكر قصة خلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء مع بشار في شأن هذا البيت. (١) وإيقاعُ "إن" في أول هذه الآية أدخلُ في الإعجاز، بحيث نجد وقوعَها متعيِّنًا في بلوغ الكلام حدَّ الإعجاز؛ لأنها مفيدةٌ لتعليل ما قبلها، إذ هي بمنزلة فاء التفريع كما تقدم. وهي أيضًا مفيدةٌ مفادَ أداة الاستفتاح لِمَا فيها من معنى الاهتمام الذي يناسب صدر الكلام، ولذلك قال الشيخ عبد القاهر: "فأنت ترى الكلامَ بِها مستأنفًا غير مستانف، ومقطوعًا موصولًا معًا". (٢) ولو وقعت الفاءُ في أول الآية لمَا صلُحت إلا أن تكونَ تفريعًا عما قبلها، فتفيدَ التعليلَ ولا تفيد الاهتمام، ولا تصلح الجملةُ حينئذ لأن تكون مقدمةً لِمَا بعدها. هذا وجهُ إفادة شرف الكعبة على وجه الإجمال، وسنجيئك بتفصيله من بعد بيان معنى الآية.

стр. 219

قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾: "الأول" اسم يدل على السابق في حال من الأحوال، فإذا أُطلق فهو الأولُ المطلق، وذلك كما في اسمه تعالى "الأول". (١) وإذا أُضيف إلى اسمِ جنسٍ ظاهر أو مقدَّر فهو الأول في ذلك الجنس، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، (٢) وقول الفرزدق: "ومُهَلْهِل الشُّعراء ذاك الأول"؛ (٣) أي أول الشعراء. وقد يُطلق الأول ويُراد به السابقُ في الفضل والكمال في أحوال ما أضيف إليه، كقوله ﷺ : "نحن الأولون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا". (٤) والأولية عند العرب من شعار التفضيل فيما يتنافس فيه المتنافسون، كما

стр. 220

قال حسان في رثاء أبي بكر الصديق: "وَأَوَّلَ النَّاسِ حَقًّا صَدَّقَ الرُّسُلَا". (١) ومن ذلك إطلاقُ العتيق عندهم على الشريف؛ إذ العتيقُ عندهم في الحقيقة هو القديم، والقديم شيءٌ أول. وقد فُسِّر به قولُه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والبيت محتجر من الأرض بحجارة أو بنسيج من ثياب الشعر يُتَّخَذُ للإيواء والسكنى، فإن كان من أدم فهو القبة. وقد يُطلق البيتُ على المسجد، بتقدير أنه بيت الله أو بيت الصلاة، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وقال حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وسموا المسجد الأقصى بيت المقدس. ومعنى ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ أقيم واتخذ. وأصلُ الوضع في كلام العرب ضدُّ الرفع؛ يقولون: وضعتُ لك الشيءَ في محل كذا، أي قربته لك وهيأته، ثم استُعمِل بمعنى مطلق الجعل والإقامة. والناس: اسم جمع لطائفة من البشر، لا واحدَ له من لفظه في كلام العرب، فإذا دخل عليه حرفُ التعريف دلَّ غالبًا على الاستغراق الحقيقي نحو: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١]. ويكون التعريف فيه للعهد أيضًا، نحو قول الخطيب: "أيها الناس"، يعني سامعيه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني قريشًا.

стр. 221

وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾، جاء بالموصولية دون أن يقول الكعبة - الذي هو عَلَم البيت الحرام - لزيادة الإيضاح؛ إذ قد اتخذت الحبشُ الكعبةَ اليمانية في صنعاء، فحجت إليها خثعمُ وبعضُ قبائل العرب. و"بكة" اسم البلد الذي به الكعبة، وهو مكة، فهو بالباء وبالميم في أوله. وقد ورد الاستعمالان معًا في القرآن، قال تعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]. (١) والعرب يُبْدِلون الباء ميمًا وعكسه إبدالًا غير قياسي، ولا سيما مازن، يقولون: بَاسمك؟ أي: ما اسمك؟ وقد نبه على هذا الإبدال أبو علي القالي في أماليه، كقولهم: لازب ولازم، وقولهم أربد وأرمد. (٢) وفي سماع ابن القاسم من العُتْبِيَّةِ أن مالكًا رحمه الله تعالى قال: "بكة بالباء اسمُ موضع الكعبة، وبالميم بقية البلاد". (٣) وقد اقتضت الآيةُ أن الكعبةَ أولُ بيت وضع للناس، وظاهِرُ هذا التركيب أنَّها أولُ بيت بُنِيَ للبشر. وقد تناولت أفهامُ المفسرين هذه الآية بتفاسير مختلفة، ونحن نشير إلى مجمل أقوالهم ثم نُتْبِعُها بما نختاره في تفسيرها. حمل قتادة ومجاهد والسدي وقليلٌ من المفسرين الآيةَ عَلى ظاهرها بجعل الأوليةِ حقيقية، والناس على عمومه. فأما مجاهد وغيره فقد أحسوا بأن في بني آدم مباني سابقةً الكعبة، فقالوا: إن أول مَنْ بنى الكعبةَ آدم، وكانت تُسمَّى الضُّرح (بضم الضاد المعجمة)، وأنه رُفع إلى السماء في وقت الطوفان فصارت الملائكةُ تطوف به وتسكنه في السماء، ثم بنى إبراهيمُ الكعبة في موضعه. (٤)

стр. 222

ولهم في ذلك أحاديث وقصص، قال الشيخ ابن عطية في تفسيره: "وقد رُويت في ذلك أقاصيص ضعيفةُ الإسناد تركتُ ذكرَها"، (١) وقال الفخر: "أنكر ذلك الباقلاني". (٢) وعلى هذه القصص بنَى المعري قولَه: وَقَدْ بَلَغَ الضُّرَاحَ وَسَاكِنِيهِ ... نَثَاكَ، وزَارَ مَنْ سَكَنَ الضَّرِيحَا (٣) أما السدي فقال: كانت الكعبةُ "أولَ بيت وُضع في الأرض"، (٤) ولم يلتفت إلى ما كان قبل ذلك من البنيان. وهذا القول غير مستقيم، فقد كانت قبل إبراهيم مبانٍ كثيرة، منها صرحُ بابل بني بعد الطوفان، ومنها بيتُ الأصنام في بلد الكلدان وهو البيت الذي دخله إبراهيم وكسر الأصنام التي فيه، كما أشار إليه القرآن وورد بيانُه في الحديث الصحيح. (٥)

стр. 223

ورُوي عن علي ﵁ أنه سُئل عن هذه الآية: أكانت الكعبةُ أولَ بيت؟ قال: "لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركًا وهدى للعالمين ومن دخله كان آمنًا"، (١) فجعل الأوليةَ المقصودة هي المقيدة بالحالين "مباركًا وهدى". وأنا أستبعدُ صحةَ هذه الرواية عنه؛ إذ هو عربِيٌّ بليغ، وهذه الأحوال من خبر "إن"، ولا يجوز جعلُها أحوالًا من المضاف إليه؛ لأنه يقتضي الفصلَ بين الحال وصاحبه. وذلك يوجب اللبسَ بجعل "مباركًا" حالًا من "بيت"، تقييدًا للعامل وهو "أول". وفي رواية عنه أنه أولُ بيت وضع لعبادة الله، وهذا أحسن. (٢) ومن المفسِّرين مَنْ يجعل "أول" هنا بمعنى الشرف، (٣) أي كقوله: "البيت العتيق". ومنهم مَنْ حمل "الناسَ" على خصوص العرب. وعن مجاهد ما يقتضي جعلَه أولَ بالنسبة إلى خصوص بيت المقدس. (٤)

стр. 224

وهذه الأقوال راجعةٌ إلى التأويل: إما بتأويل لفظ "أول"، أو بتأويل معنى البيت، أو بتأويل معنى الوضع، أو بتأويل المراد بالناس، أو بتأويل نظم الآية. ولا حاجةَ بنا إلى استيعابها استدلالًا وردًّا، إذ ليس ذلك من غرضنا. والذي أراه وأجزم به - في معنى الآية - أن القرآن كتابُ شريعة وهدى، وليس من أغراضه تأريخُ المباني ولا تأريخُ أطوار مساكن البشر، فلا يَعبأ بذكر المباني غير الدينية، ولا بذكر الهياكل الدينية الضالة، وأن الآية مسوقةٌ - كما بيَّنَّاه آنفًا - للاستدلال على وجوب اتباع ملة إبراهيم، معنيًّا بها الإسلامُ ووجوب الحج. فتعين أن يكون المرادُ من الأولِ الأولَ في النوع، وبالبيوت بيوتَ العبادة الحقة والهدى إلى الحق. وذلك أن الله تعالى بعث الرسلَ قبل إبراهيم فدعوا إلى عبادة الله وتوحيده، وكانت الأممُ في ضلالتهم إذا أشركوا بالله أقاموا لِمعبوداتهم ولشركائهم تماثيلَ وهياكل، كما فعل قومُ نوح وقومُ إبراهيم الكلدانيون. وقامت الرسلُ تدعو إلى التوحيد بالقول، ولكنهم لم يُؤمر أحدٌ منهم بأن يقيم هيكلًا ينادي فيه لعبادة الله ولتوحيده، ويناغي بذلك تماثيل المشركين، ويردد ذلك على مسامع الناس. (١) فلما بعث الله إبراهيم، أمره بإقامة هيكل لعبادة الرب الحق الواحد ليدافع بذلك تظاهر المشركين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٦, ٢٧]. فكان بناء الكعبة رمزًا للتوحيد، ولذلك قال [تعالى]: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦]، ثم قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٦]؛ أي بالحج لله. فاتخذ إبراهيم الكعبة ودعا الناس إلى الحج لعبادة الله الصادقة، فكان الحجُّ مجمعًا لأهل التوحيد يجددون ذكراهم ويدعون إليه من عداهم. وأقام ولده فيها

стр. 225

داعيًا بعده، وجعل من ذريته سدنةً لذلك البيت، وأوصاهم بكلمة التوحيد وبثها، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٨]. وبهذا المعنى يظهر وجهُ وصف البيت بأنه "هدى للعالمين"، كما سيأتي. فالكعبةُ أولُ بيتِ توحيدٍ وُضع للناس، أي البشر؛ لأن واضع معابد الوحدانية هو إبراهيم ﵇، والكعبة أول مسجد وضعه إبراهيم. ففي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ ، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة". (١) ولا شك أن مراد رسول الله بالمسجد الأقصى المسجدُ الذي بناه إبراهيم هنالك، لا المسجد المعروف الذي بناه سليمان بن داود، ويكون مسجد سليمان مبنيًّا على موضع مسجد إبراهيم، فيندفع الإشكالُ عن الحديث. إذ قد ثبت في التوراة أن إبراهيم بنى مذابِحَ - أي مساجد - في كثير من البلاد التي مر عليها، وهذا ما تقتضيه الفقرة السادسة من الإصحاح ١٢ من سفر التكوين: "إن إبراهيم لمَّا مرّ بأرض كنعان بنى مذبَحًا لله في بلوطة مورة في مكان شكيم ومذبَحًا غربي بيت إيل". (٢)

стр. 226

وحقيقٌ من بينها بذلك البلدُ الذي أراه الله، ووعده أن يعطيه ذريتَه بني إسرائيل. وإذ قد كان إسماعيل بِكرَ أولاد إبراهيم، كان الوعدُ بإعطاء ذريته بلادَ العرب سابقًا على الوعد بإعطاء بني إسرائيل بلادَ الشام، فظهر معنى الحديث أتَمَّ الظهور. وهذا الوجهُ فيه بقاءُ الأولية على ظاهرها، وبقاءُ لفظ "الناس" على ظاهر عمومه، وإبقاء نظم القرآن على ظاهره، دون صرف الأولية إلى أولية مقيَّدة بالحال أو بالنسبة إلى بيت المقدس، وليس فيه إلا تأويلُ البيت بأنه بيت العبادة الحق. وذلك تأويلٌ قريبٌ لشيوع إطلاق البيت على بيت العبادة، ولأن قرينةَ السياق تقرِّب هذا التأويل. ويكون مناطُ التشريف والثناء هو الخبر بأن الكعبة أولُ بيت؛ إذ الخبر هو محطُّ الفائدة، ويكون الحالان في قوله: ﴿مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ زيادةً في تمجيده وتشريفه، وليس هما غرض المخبر؛ إذ ليس الحال عمدةَ الكلام، وكذلك ما بعدها من الصفات. فكانت الكعبةُ بهذا أفضلَ المساجد، وإنما كانت أولية السبق مقتضية التفضيل؛ لأن هذا المسجد كان أصلًا للبقية، فكلُّ فضلٍ لغيره بعده يكون له منه حظّ، فلا يزال فضلُه يتزايد، ولأن مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة وقوع العبادة فيها، إذ هي في ذلك سواء، وإنما تتفاضل بما يحف بها من طول الزمان في عمرانها بالأنوار الملكية وبإخلاص مؤسسيها في تأسيسها. وأيُّ إخلاص أعظم من إخلاص تأسيس أصل معابد التوحيد الذي كانت المعابد بعده تقليدًا له ومحاكاةً لغرضه! وإذ قد تَبَيَّنْتَ أن مساقَ الآية مساقُ الاستدلال على علة الأمر باتباع ملة إبراهيم، فكأنك قد استشرفتَ إلى بيان وجه هذا الدليل وكيف تمام التقريب فيه. (١) ووجهه أن الكعبة لَمّا كانت أولَ هيكل أقيم لإعلان توحيد الله وهو مبدأ الحنيفية، فقد ثبت

стр. 227

لهذا البيت أفضليةٌ على كل مسجد تقام فيه دلائلُ التوحيد. وهذا الأثر أقامه إبراهيم ﵇ كما دل عليه آخِرُ الآية، وإبراهيم هو رسول الحنيفية الأول. فإذا استقرت فضيلةُ هذا الأثر على بقية الآثار الدينية الحقة، ثبتت الفضيلةُ لا محالة للملة التي أُقيم هذا الأثر دليلًا عليها ومناديًا بها على ممر الأحقاب لكونه دليلَها وفيه ظهرت، فتكون أشرف الملل. وهذا الاستدلال جارٍ على طريق دلالة الالتزام، فهو استدلالٌ بطريقة الكناية بشرف المحلّ على شرف الحالّ فيه، كقول زياد الأعجم (شاعر أموي): (١) إنَّ السَّمَاحَةَ وَالمُرُوءَةَ وَالنَّدَى ... فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الحْشْرَجِ (٢) وهذه الطريقةُ في صناعة البلاغة كإثبات الشيء بحجة ولها تأثير في المخاطبين، فكانت الحنيفيةُ بذلك أفضلَ الملل؛ لأنها أقامت للتوحيد أولَ معبد ومسجد، ولأنها جمعت للدعوة للحق بالقول الدعوةَ له بالمشاهدة، ولأن الملل التي تقدمتها كانت تُنْسَى بوفاة رسلها وانقطاع أقوالهم، والحنيفية بقي أثرُها ناطقًا. فإذا كان أول مسجد بناه إبراهيم للتوحيد هو الكعبة، تكون الملةُ التي نبعت منه وظهرت فيه أفضلَ الملل بحكم إعطاء شرف القرين لقرينه. وقوله تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ حال من اسم الموصول الصادق على البيت، أي مجعولًا ذا بركة، والبركةُ كثرةُ الخير ونماؤه من جانب الله تعالى دون سبب عادي. ووُصِف البيتُ بذلك باعتبار ذاته؛ إذ كان قد باشر بناءه رسولُ الله إبراهيم وابنُه إسماعيل رسول الله، فلامست أيديهما حجارتَه وطينه، ثم أعان فيه محمد ﷺ حين بنته قريش، ثم كان هو الواضع للحجر الأسود منه بيده لَمّا اختلفت بطونُ قريشٍ

стр. 228

في الذي يتولَّى وضعَه في موضعه. فقد توالَى على بنائه ثلاثَةُ رسل، وذلك لم يكن لبناءٍ غيره. وذلك الحجر الأسود الذي وضعته أيدي ثلاثة رسل هو هو، لم يزل قائمًا ماثلًا للناس. وقوله ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ حالٌ ثانية من الموصول، ويجيء الحال مصدرًا كالوصف بالمصدر، وكالإخبار بالمصدر لقصد المبالغة، أي هاديًا للعالمين، فجعل كأنه نفس الهدى. ووصف البيت بذلك؛ لأن وضعه كان للدلالة على توحيد الله كما علمت. فكلُّ مَنْ يراه يسأل عنه، وعن سبب وضعه، وعن واضعه، فيُخْبَرُ بذلك، فينظر فيهتدي إلى التوحيد، ولأن سدنته وحفظته - وهم ذرية واضعه - قد وُكلت إليهم الدعوةُ إلى ذلك الهدى الذي أراده جدُّهم. وفي هذا تعريضٌ بالمشركين؛ إذ جعلوا مصدرَ الهدي إشراكًا، ولذلك لَمَّا أزال النبيُّ ﷺ الأصنامَ من الكعبة يوم الفتح قرأ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]. ولم يأمر بذلك في إزالة الأصنام الأخرى؛ لأن وضع الأصنام في هيكل التوحيد من أعظم الباطل والاعتداء، زيادةً على كون مجرد اتخاذ الأصنام هو من الباطل. وقولُه تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧]، يجوز أن يكون استئنافَ كلام، ويجوز أن يكون حالًا ثالثة. وكيفما كان، فهو من تفصيل التفضيل. والآيات جمع آية، وهي العلامةُ المصدِّقة للدعوى. فالمُرادُ هنا آياتٌ على كونه مباركًا وهدى، سواء اشترك في الاهتداء بها سائرُ الناس أم اختص بها البعض، على تفاوتهم في الاختصاص بها حسب ما يفتح الله لهم من أبواب الإرشاد الإلهي والفتح النوراني. وقد اقتضى الكلامُ أن الآيات كائنةٌ في البيت. فإن كانت الظرفية المستفادة من "في" ظرفية حقيقية، فالمراد من الآيات آياتٌ ظاهرة كائنة في المسجد الحرام، وهي عدة، منها: ١ - الحجر الأسود، فالمتواتر أنه نزل من السماء، رآه إبراهيم حين نزل على جبل أبي قبيس، فأخذه وجعله في ركن الكعبة، زيادةً في تشريفها إذ كان من حجارة جدرانها حجارة نزلت من السماء. ومعنى ذلك أن يكون الحجرُ الأسود من الحجارة

стр. 229

التي ترمي بها النجومُ فتصادف ظهرَ الأرض تارات، وتكون هذه خصوصيةً له لثبوت نزوله برؤية الرسول إبراهيم إياه حين نزوله، ولتواتر ذلك عن خبره في العرب. ٢ - والآية الثانية: أثر قدم إبراهيم في الحجر الذي كان يقف عليه، وذلك متواتر عند الناس إلى اليوم. ومن المأثور عند العرب قولُ أبي طالب من قصيدته: وَمَوْطِئُ إبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ قَائِمًا ... عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ (١) ٣ - ومنها بئر زمزم الذي تواتر عند العرب أن الله فجره لهاجر لما ظمئت وظمئ ولدُها إسماعيل. ٤ - ومنها أن البيت هو الأثر الوحيد المقطوع بأن إبراهيم أقامه هنالك؛ لأنه لمَّا أقامه أقام له أهلَه شهداء عليه، وتناقلته الأجيال بالتواتر. وهذا لا يوجد في أثرٍ آخر من آثار إبراهيم ﵇، بل كلُّها قد اندثرت، وما تعين موضعُ بيت المقدس إلا بوحيٍ وخبر. وإن كانت الظرفيةُ مجازية، فالمعنى أنه اشتمل على دلائل الوحدانية والرسالة بالدلائل المحسوسة التي ذكرناها، وبما علمناه مما حدث فيه من المعجزات لإبراهيم وإسماعيل ﵉، ومعجزات محمد ﷺ مثل شق صدره والإسراء به، ونزول الوحي عليه، وعصمة الله تعالى إياه من أعدائه - كلُّ ذلك كائنٌ فيه وحواليه. وبما لم نعلمه من المعجزات والأسرار الواقعة فيه بين الله ورسله، مما لا يعلمه إلا الله ومَنْ أطلعه من خاصة عباده.

стр. 230

٥ - ومن آياته ما جُعِل له من الحرمة في نفوس الخلق من العرب وغيرهم من سائر الملل، فقد حجته الجبابرةُ من الملوك والأكاسرة، وكسته التبابعة، (١) وقدسته سائرُ العرب، واحترموا قريشًا؛ لأنهم سدنته وذرية مؤسسه. وقد قال أبو طالب في خطبته: "وجَعلنا حَضَنَةَ بيته، وسُوَّاسَ حرمه، وجعلنا الحكامَ على الناس". (٢) ٦ - ومنها ما يسر الله لسكانه من الأرزاق بسببه، وذلك بمجيء الناس للحج من كل فج عميق، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧]، وأن من أكبر الآيات فيه للمهتدي أنه مصدرُ التوحيد والحنيفية. ثم انشقت منه جداولُ الشرائع والهدى اشتقاقَ الجداول من النهر، ثم اجتمعت وآوت إليه في شريعة الإسلام، فعاد النهرُ إلى مجراه. وفي ذلك رمزٌ إلهي إلى أن الدين عند الله هو الإسلام، وأنه ابتدأ على يد إبراهيم في مكة كالحبة المزروعة إلى أن آن أوانُ جَناه، فظهر من حيث بدئ، ليدل على أن الزرع قد نضج، وأن الغرس قد أثمر.

стр. 231

وقوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾، المقام اسم على وزن المفعل، مشتق من القيام، مُرادٌ به مكانُ القيام. والقيام يُطلق أيضًا على الوقوف للدعاء والعبادة كالصلاة، فمقام إبراهيم يصح أن يكون المرادُ منه مسجدَ إبراهيم مصلاه ومحلَّ وقوفه بين يدي ربه، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: (١) عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمْ ... مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَهوَ قَائِمْ (٢) وعليه فمقامُ إبراهيم هو البيت، فيكون قولُه: "مقام إبراهيم" مرفوعًا على الاستئناف كالنعت المقطوع، أي هو مسجد إبراهيم. فالغرضُ من الإضافة لهذا الاسم هو التنويهُ بالمضاف إليه لزيادة تشريف المضاف. ويصح أن يكون المقام مشتقًّا من مطلق القيام، أي محل قيام إبراهيم لبناء الكعبة، كقول أبي طالب المتقدم: "وموطئ إبراهيم في الصخر قائما". فيكونُ المرادُ بالمقام الحجرَ الذي فيه أثرُ قدمَيْ إبراهيم ﵇، وهو مِمَّا أُطلق عليه المقامُ من عهد

стр. 232

الجاهلية وفي الإسلام. وقد قيل إنه المرادُ في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقال الفرزدق: أَلَمْ تَرَنِي عَاهَدْتُ ربِّي، وَإِنَّنِي ... لَبَيْنَ رِتَاجٍ قَائِمٌ وَمَقَامِ (١) فيكون رفعُه على أنه من "آيات" بدل من مجمل، غير أن المبدل منه جمع والبدل مفرد فلم يذكر بقية المفصل اكتفاءً بالمهم من الآيات. وعلى هذا المعنى فسر الزجاج وتبعه الزمخشري. وزاد فجعل مقامَ إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة لقوة دلالته، أو لأنه يشتمل على آيات؛ لأن بقاء أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، لفظُه لفظُ الخبر. والظاهر أن معناه كذلك، فيكون من جملة صفاتِ البيت. ويكون هذا من دلائل عناية الله بما سخر الأممَ وألهمهم لاحترامه، وتأمين داخله. فقد كان العربُ مع شدة حنقهم على أعدائهم يلقَى الرجلُ في المسجد الحرام قاتلَ ابنه أو أبيه فلا يتعرض له. (٢) ويكون هذا المعنى آيةً ثانية، فيكون البدلُ من الجمع قد وقع باثنين وسكت عن الثالث. ونظره في الكشاف بقول جرير:

стр. 233

كَانَتْ حَنِيفَةُ أثلاثًا فَثُلْثُهُمُو ... مِنَ العَبِيدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا (١) ولم يذكر الثلث الثالث. ثم يبقى على هذا الوجه أن بقية الآيات ترك ذكرها اكتفاءً بهاتين الآيتين العظيمتين، أو بما يتضمنه قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ من آيات كثيرة، منها تيسير الأرزاق. ولذلك جمع إبراهيم في دعوته للبلد الحرام ملاكَ الخيرات؛ إذ قال فيما حكى الله عنه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. ويجوز أن تكون الآية الثالثة هي مضمون قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] إلخ، لِمَا يقتضيه الحجُّ من الخيرات لأهل مكة. وقيل إن معنى هذا الخبر الأمر، أي آمنوا من دخله، كقوله ﷺ يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، (٢) أي: فأمنوه. وهو لا يفيد المقصودَ من التشريف، ولكنه يدل على تشريفٍ مقررٍ قديم، والحمل على الأول أَوْلَى. ولا يَرِدُ عليه أنه قد انتُهِكَتْ حُرمةُ أمنه في بعض الأزمنة، مثل ما فعله القرامطة؛ لأن الآيات هي أمنُه فيما مضى يسره الله لهم ليكون ملجأً قائمًا مقامَ العدل، ثم أغنى الله بعد ذلك بالإسلام، ولأن القضايا النادرة لا تقدح في الشرف الأثيل. على أن أَمْنَ مَنْ دخل البيت لا يقتضي أمنَ كل من كان بالمسجد الحرام أو ببلد مكة. واعلم أن مغزى هذه الآية مع سابقتها هو التنويهُ بملة الإسلام، وبيانُ أنها هي الحنيفيةُ التي فضلها الله تعالى، والتي بعث إبراهيمَ بأصولها، أو أنها دعوةُ إبراهيم فيما حكى الله عنه من قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. فكانت ملةُ الإسلام هي كمالَ الحنيفية وتفصيلها. وقد نصب الله على ذلك آيةً خفية تظهر للمهتدي، وهي أن إبراهيم أظهر الحنيفيةَ في مكة، وأقام لذلك عَلَمًا وهو المسجد الحرام، وأقام ابنه إسماعيل داعيًا لها هنالك.

стр. 234

ثم لم يبعث الله رسولًا بعد إبراهيم وابنه في ذلك البلد، فتطوَّحت الشرائعُ في بلاد الله، حتى جاء الدينُ الذي أراده الله لإظهار الشريعة الجامعة. وفي بقاء هذا الأثر المبارك من آثار إبراهيم واندثار غيره معجزةٌ خفية، وإشارةٌ إلهية إلَى أن جميعَ الشرائع التي تفرَّعت عن ملة إبراهيم من شريعة موسى وغيره شرائعُ زائلة، وأن الشريعة الخالدة هي الشريعةُ التي تظهر مرةً أخرى من جانب هذا الأثر. فبعث الله من مكة رسولًا يَلمُّ بدعوته أشتاتَ الأمم، يزجي بهم إلى الانضواء تحت ذلك العلَم، وبذلك حقَّ مرادُ الله تعالَى وتم. (١)

стр. 235

اللذة مع الحكمة (١) سبرنا أغراضَ الإنسان، فوجدناه ظَمِئًا إلى ملائِمات نفسه كيفما اتفق، ومتى اتفق، وأين اتفق، غيرَ باحثٍ عما يتبع ذلك من المضار، فأردنا أن نبين هنا حقيقة اللذة، ثم نبحث عن مواقعها، وننظر فيما إذا كانت لذةً دائمة في هذا الكون الجثماني. اضطربت آراءُ الناس - حتى الفلاسفة - في تشخيص معنى اللذة، وكلَّت أقلامُ الكتاب والشعراء دون ذلك. والذي نختار من بين كثرتها رأيان: أولهما يرى أن اللذة هي إدراكُ النفس ما يلائمها وتراه حسنًا، وثانيهما أنها التخلُّصُ من آلام طبيعية أو عارضة. ونحن إن نقدنا الأقوال، ولم نذهب مع تَشَعُّبها، لا يعترضنا شكٌّ في الحق أن اللذة إدراكُ النفس ما يلائمها على ما رأى أهلُ الرأي الأول، وأن مَنْ حصر اللذةَ في التخلص من الألَم لَمْ يستقرئ في حدها استقراء تامًّا، كما يجب أن يكون التحديد للموجودات، إنما نظر إلى نحو النوم والأكل والشراب من كل لذة دعا إليها احتياج فطري، وضيق في دائرتها حتى كاد أن يخرج المعارف كلها عن اللذة. نحن لا ننكر أن أكثر اللذات لا يفارقه الشعورُ بمبدأ ألَم، ولو بالأقل ألَم الشوق إلى نيل ما يلائم النفس، حتى ننكرَ على هذا القائل قولَه كله. ولكنَّا نعلم أن من اللذات ما ينساق إلى المرء بدون فكر سابق، وربما وقع منه موقعًا لا يقعه لو كان مترقَّبًا من قبل؛ فماذا ترون في هذا الإحساس؟

стр. 236

انقسمت اللذاتُ بحكم الطبيعة إلى ثلاثة أقسام: حسية وعقلية ومركبة منهما. والنظر في التقسيم إلى الداعي والحاصل جميعًا: فإن كان الداعي الحس وهو الذي تحصل به، فهي الحسية. وإن كان العقل، فهي العقلية. وإن كان الداعي العقل وتحصل بالحس، فهي المركبة. (١) أما الحسية فأمرها خطير، ومطالبها محدودة، يسهل استيفاء ما تقتضيه في الإمكان. (٢) ومتى قضى الحسُّ منها شيئًا، كان الزائدُ عليه عنده ألمًا. وأما العقلية، فهي حركة الفكر في المعقولات التي تطمح إليها النفس، وشعوره بالحقائق التي يجد عند الشعور بها مسرةً لا يعدلها عنده شيء، وهذه يجدها العقل طوعه، متى بالغ في البحث وجدها منطاعة لا تقف به عند حد. أما إن أردتم التعبَ الشديد والمشقةَ في السرور، فاطلبوا قسمَنا الثالث من أقسام اللذة، أعني ما تطلبه النفس ويقتضيه البدن، تجدوا خرطَ القتاد دونه سهلًا، ويفرضه في المحبة الحبُّ العشقي؛ فإن الروح إن تعلقت به لقيت في سيرها من المكدِّرات ما يمرر حلاوة منالها منه، إذا كانت مطالبُ الروح غيرَ واقفة عند مدى، فإن سلطان وهم المحبة يتسلط عليها فيناجيها أن تطمع باتحاد الروحين، وأن تروم المقارنة الدائمة، والرِّضا الأبدي. وهكذا يغادرها تستهتر بأماني لا يتناهى غرامُها، ولا يبرد أُوارُها، ولكنها تجد طريقَ الاقتضاء هذا البدنَ القادر في مبدئه، العاجز في غايته، الذي تسئمه المداومة، وتعوقه الموانع؛ فماذا عساه حقق من مطالب هاته الروح؟ وكم ذا يمكنها أن تقضي من استخدامه؟ لا شك أنها سيكون لها مثلًا في هذه الحال قولُ أبي الطيب:

стр. 237

وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا ... تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ (١) فإذا نظرنا بعد هذا إلى المقدار الذي يمكن الإنسان تناوله من غير القسم الثاني، نجد أن لا شيء من الملاذ الحسية بلذَّة حقيقية، وإن تموه على عقول جمهور الناس؛ فإن هاته الملاذَّ - على ما فيها من توقفٍ على تسويغاتِ الدين والصحة والعادة والاحتياج إلى مكنة الفرض - هي واقفة عند غاية. ثم ماذا ترى عند البلوغ إلى غايتها؟ ترى الهيضةَ (٢) إن أَكَلتْ، والامتلاء إن شَرِبتْ، والندامة إن داعبتْ، والعجز إن استزادت. غير أن الذي يريد أن يغض عن هذا كله، ولا يعتبر من حال اللذات إلا أوقاتَ اقتضائها، ويقول ما الإنسان إلَّا ابنُ ساعته، وما هو بمفكر في التي تليها؛ نقول له: انظر إليك وأنت تزعم أنك في لذاتك الحالية، (٣) وجرِّدْ عقلَك مما تسلط عليه من الوهم، تَجِدْ نفسك في لذاتك كلها محتاجًا إلى معونة غيرك. وإن كنت عاجزًا عن تحضير أسباب لذاتك، فليتك تشعر أنك تفقد واحدًا أو ينقبض لك آخر! وفي الأقل تفكر في انتهاء اللذَّة ومفارقتها، وكيف تجدك في حالك هاته؟ ألا تجدك كما قال الشاعر: فَأَبْكِي إِنْ نَأَوْا شَوْقًا إِلَيْهِمْ ... وَأَبْكِي إِنْ دَنَوْا خَوْفَ الْفِرَاقِ؟ (٤)

стр. 238

حُكِيَ أن الناصر لدين الله - ملك قرطبة - كتب بخطه أنه لم يَصْفُ له من زمان حكمه على ذلك البلد الطيب في ذلك السلطان القاهر الذي دام خمسين سنة إلا ساعات، تلفق من جميعها مقدارُ أربعة عشر يومًا. لذلك قال الأسطوانيون (١) من الفلاسفة: "إن الدنيا دارُ شقاء وبلاء". دعْ عنك هذا، ووَلِّ وجهَك شطرَ اللذات الروحية والكمالات العقلية تجدِ المرء متى التذَّ بشيء منها لا يقف عند منتهى، فهو كلَّ الزمان مبتهجٌ بما يعلمه من العلوم ويستفيده من الآداب. تذكرة، وتُزوَى له. وهذا حال الحكيم: فهو دائمًا ينظر نفسه فيستفيد علومًا، ويلمح العالم فيزداد الدنيا فلا تهزه، وهو مسرور بإقبالها، وتدبر عنه وهو مسرور بما يعلم من إخلافها. ربما نام ليلةً وهو يرصد طلوعَ الصباح للرجوع إلى لذة التفكير التي قطعها عنه النوم، فإن حاول أمرًا، أو تم له، فلا تسلْ عن لذته منه، وإن لم يتم فقد حَصَّل - في الأقل - معرفةَ طريقٍ لا يهدي إليه. ومتى أَلَمَّ به ضرر من مصاب، استهون به في فائدة التجربة، كما يرى العالِمَ النحرير فيسره مرآه لما ينال من علمه، كذلك يرى الأحمقَ الجاهل فيعلمه، وبالأقل يأخذ الحكمةَ من حاله بطريق الحضارة، فرب خطأ جرَّ إلى صواب. إذن فالحكيم لا يتنكد أبدًا، وهو مسرورٌ في كل وقت. وسببُ ذلك علمُه بحقيقة كل شيء؛ لأنَّ هاته الدنيا وإن كانت خضرة حلوة، فإنها تعقب تفاهةً أو

стр. 239

مرارة في فم مجتنيها، ومن ثَمَّ لا يوجد فيها سرورٌ متساوي الأطراف، وقد كادت مصالِحُها أن لا تسلم من ضرر تخلفه. وينبغي أن يكون هذا سبيلَ طائفة الأبيكوريين (١) من الفلاسفة الذين يرون الدنيا كلَّها لذَّات؛ فإن رئيسَهم لا يذهب عنه أن متاعبها كثيرةٌ لغير الحكيم، ولكنه أراد اقتضاءَ لذاتها بقدار الاستطاعة. جاءت شريعةُ الإسلام في آدابها على الحكمة الفطرية، فلذلك يكون حالُ المؤمن أشبهَ بحال الحكيم، ذلك أن الدين يأمره أن يأخذ من الدنيا ما يريد من الحلال، وأن لا يكون جازعًا عند فقدها. وبهاته التربية التي أصلُها التسليمُ للقدر فيما لا حيلةَ فيه، فُقدت المفاسدُ التي تنشأ عن آلالام في الأمم الأخرى من انتحار وجنون ونحوهما، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]. إذا كانت النفسُ ميَّالةً إلى لذاتها في كل حال، فالعاقلُ لا يسمح لنفسه باقتضاء لذتها الحسية. وربما وصل العقلُ إلى التفكر في حال اللذة ومآلها، فرأى أن لا بدَّ من انقطاعها، فقطعها قبل أن تقطعه. وهو مبدأ عظيم من الحكمة، قال فيه فيلسوفُ الشعراء أبو العلاء المعري: ضَحِكْنَا وكَانَ الضَّحكُ منَّا سَفَاهَةً ... وَحُقَّ لِسُكَّانِ البَسِيطَةِ أَنْ يَبْكُوا (٢)

стр. 240

وكما ترى من نفسك استنكافًا عن بعض اللذات، وترى غيرَك يرغب فيها، بل ترى من نفسك الفرقَ في لذاتك بين حالتي الصبا والفتوة مثلًا. كذلك لا تشك أنَّ الحكمة إنْ أشرقت على قوم، ربما نزعت كلَّ هوس من قلوبهم، فرأوا الدنيا كلَّها سفاسفَ وغرورًا، كما ترى أنت اليوم الرقصَ مع الصبيان وتلقفَ الكرة جنونًا بعد أنْ كانا شغلَك الوحيد. أُولئك هم السعداء الذين استوى عندهم الكدر والطرب، فعاشوا وقلوبُهم مُمتَّعةٌ بإدراك الحقائق الذي وراءه للعاقل مطلب، وهذا قسمٌ شريف فات أبي الطيب إذ يقول: تَصفُو الْحَيَاةُ لِجَاهِلٍ أَوْ غَافِلٍ ... عَمَّا مَضَى فِيهَا وَمَا يُتَوَقَّعُ وَلِمَنْ يُغَالِطُ فِي الْحَقَائِقِ نَفْسَه ... وَيَسُومُهَا طَلَبَ المُحَالِ فَتَطْمَعُ (١) وذكَّرني تشَكِّي الناس من سوء معاملة الزمان عادةً من عوائده، وهي انزواؤه لِمَنْ لا يقدره قدره أو مَنْ لا ينتفع به، وتزلُّفه لمن عَدِم العقل والفضيلة، وأنه لا وصولَ إلى مقاصده وأمانيه من الحكيم بما سهلت الدنيا بين يديه لولا أن يخونه الطريق، فيضله عن كنه مقاصده. وكما ترى الجمادات تنال بدون ارتقاب ما تشيب دون نيله رؤوسُ الشباب، وترى الزُّجاجَ ينال من الثغور ما تتلظى دونه أربابُ الأساورة والقصور، (٢) فلا تتعجبْ ممن قرب إلى الجمادية أن تكون الدنيا أسْوَقَ إليه، وأنها لا تدين لِمَنْ يسخر منها، وإنما تقرب مَنْ تضحك عليه.

стр. 241

احترام الأفكار (١) يقول المبتدئون والمتوسِّطون من الكتَّاب "بنات الأفكار"، إذا أرادوا أن يُملِّحوا العبارة، (٢) ويدلوا على منزلهم في علم الاستعارة، وهم لا يشعرون - عند لفظ هاته الكلمة من أفواههم - إلا بتلك الاستعارة المطروقة المبذولة، (٣) ولا يدركون حدوث ذلك الشيء الذي ذكروه عن ازدواج المقدمات وتمخض الفكر.

стр. 242

وربما كان البعض ذاهلًا أو عاجزًا عن هذا المقدار، فلا عجب أنهم ذهلوا عن شيء أكبر منه أفادته العبارة وما أراده قائلها، وهو تمام التشابه بين الأفكار وبين انتساب البُنُوة من جميع أطرافه، حتى تجد مُبْتَكَرَ فكرك منك بمنزلة ابنك أو بنتك، وكأنهم اختاروا الثاني قصدًا للمبالغة في الحرمة والغيرة. واحترام النسب يقع على وجهين: ١ - احترامه قبل قوامه، أي أن يُتَوَخَّى كلُّ ما يدفع اختلاطًا أو فسادًا في النسب، وهو الذي سماه علماء الشريعة حفظ الأنساب، وناطوه مع الكليات التي كانت أساسَ قانون الشرع التفصيلي. ٢ - احترامه من الاعتداء عليه بعد وجوده أن لا يُسَبَّ أو يُنْبَذ، أو يقابل بالطعن. فإذا كانت الأفكار أنسابًا أدبية، فبغير شك يكون الاجتراءُ عليها بواحد من هذين الجرمين (اللذين احترما بالاحترامين) جنايةً عظيمةً في باب الأدب لو سنَّ له أهلُه حدودًا يُخزى بها المعتدون، ويخسأ بها المتكالبون. وإن وضع شيء في غير ما وضعته يد الزمان، (١) وإن تَفَصَّى عن كُلفة التصنع، لا يفارق مفسدةَ الاجتراء على بعثرة نواميس الكون، والاعتداء على نظامه، وإيهام غير الواقع فيه واقعًا. وفي ذلك من قلب الحقيقة ما أوجب تحريمَ الكذب، وتكريرَ لعن صاحبه، فإذا كان الكذب الذي يذكرونه التمويه اللساني، فهذا التمويه الفعلي الذي يكون أشد متى كان الفعل أوقع من القول: لو عمدت إلى رجل من سوقة الناس، فأسندت إليه مسائل حققتها أو رسائل نَمَّقتها، لكنت توحي إلى الأمة أن تسند إلى هذا الرجل منصب الرئاسة قي علومها، أو أن تكل إليه قلمها الذي به تدافع عن نفسها، وفي هذا ما يجر الفساد لنفسك ولصاحبك وللأمة، أما الثالثة فقد ضرب فيها الفساد منذ صارت بيد مَنْ لا يعرف كيف يدير، وحسبك من هاته الكلمة تشخيصًا لحالها.

стр. 243

وأما صاحبك فرجلٌ أُلقي إلى الأمة بذلك الوصف العظيم، فكيف تراه والمشاكل تتقاطر عليه، وعيون الحيرة تعشو إلى ضوء اهتدائه وتنظر إليه؟ ثم لا يبوء لهم أمرهم إلا بضلال مبين، أو سكوت إن كان المسؤول من خلص الجاهلين! وأما نفسك فأنت إذن بها أعرف، قد قضت سنة الله في الناس أن تخضع نفوسُهم إلى الحق والواقع والثابت. ترى الرجل تُسند إليه الهِنةُ وهو بريء منها، فتصعد إلى دماغه دماء الغضب، ويدافع عن نفسه دفاع البريء المخلص، بلسان فصيح وقلب صحيح. ثم تراه تُسند إليه تلك السيئة إن كان قد اقترفها، فيطأطئ لها رأسًا، ولا يجد منها مناصًا، مهما سترها بأطمار الجحود والمكابرة، حتى تفتضح حالُه عند الفراسة الصادقة، أو يزلق لسانُه عند البحث الشديد. أليس ذلك آيةً على أن النفس تخضع إلى الحق وإن لم يكن مشتهاها وتبرأ من الباطل وإن كان هواها؟ كذلك الرجل يبلوه الله تعالى بنبات ذرية سوء، فيستسلم إلى ما قدر عليه، فلو كان ذلك الولد دعيَّه لقرع السنَّ من ندم، ورضي أن لو باء من سعيه بالعدم. هكذا حالُ الأفكار ومنشآتها، متى أُسندت إلى غير أصلها قارنتها ندامةٌ واغتباط، وفضيحةٌ تلوح على أخواتها مِنْ تَخالُفِ شكلٍ وانحلال رباط. لعل في هذا المقدار مقنعًا من إيصال هذا الإحساس الحكمي إلى نفوسكم أيها النقاد، وتعريفًا بوجوب دعائنا الأفكار إلى آبائها لنقوم بالقسط، فلن نكون كذي ذهن عاقر يشوه فضيلته بانتحال أفكار ما كان لينال أمثالها. قد تُغتفر الأمورُ الضرورية والإحساساتُ الفطرية العامة التي تشترك فيها أفراد الأمة متى تقاربت في الشعور، فلا يجب إسنادُها، وربما استحال في البعض ذلك، وإن الذي قالها بالأمس لم يصدر كلامُه حتى قال مثلها أو قاربها اليوم آخر. أما احترامُ الفكر بالمعنى الثاني، فحق على كل صاحب فكرٍ أن يقابل فكرَ غيره بالاحترام دون السخرية والهزء؛ فإن الاسترسالَ على ذلك يجبن الذين تخلقت

стр. 244

فيهم مبادئُ العقل النظري عن الإعلان بما وُهِبوه، خشيةَ الاستهزاء والاستسخار. ولو كانت قد وصلت إلى التمكن والرسوخ لأمنا عليها، حتى إن تتستر كشمس تحت السحاب، أو كإدبار المتحرف للقتال. أترون ذلك يرزونا المنفعة المقصودة؟ ولكننا لا نخشى عليها إلا أن تموتَ تحت أقفال الأسر في صباها، وما بلغت أَشُدًّا تستطيع به مقاومةَ الزمان، ولَيَّ أيدي المضطهدين. نحن نوقن أن أفكارًا ساقطة تنشأ في الأمة قد يجب الضغطُ أن لا تشيع؛ فتستهوي أقوامًا غافلين بسطاء، فتصبح وباءً في الأفكار المهزولة. ولكنا لما وازنا بين هاته المصلحة النادرة والمفسدة الكبرى التي كانت ولا زالت تتضاءل من اضطهاد الأفكار السامية، باسم التحقيق آونة وباسم [النقد] (١) أخرى؛ لأنها لا توافق الرغبات، ولا تجاري الشهوات، حَكَمْنا للأفكار باحترامها، وجعلنا البحثَ والنقد معيارًا يُمَيَّزُ به خبيثُها من طيبها، ولا يلبث الحقُّ أن يهزم الباطل. لو كنا نضطهد الأفكارَ لاشتبه الباطل منها بالحق، فيصرخ يستنصر لاهتضامه كما يستصرخ الحق شيعته، وربما وجد من السامعين قلوبًا ترق للمضعوف وإن جار، فيصبح فتنة أشدَّ من أن لو تُرك يتمارض بالنقد الصحيح والحجة الدامغة، حتى يموت حتف أنفه، ثم لا يثأر له أحد. ليس يحول هذا دون الواجب من تقويم المخطئ، إنا نعني باحترام الفكر أن لا يُتَعرَّض لصاحبه الشخصي بالطعن والاستخفاف. ولكن التقويم يكون بصفة كلية وتعريض بسيط بين سقوط الرأي بوجه برهاني أو خطابي ينفر الغافلين. وليس احترام الأفكار يأبى مناقشتَها والحكم بضعفها، لكن تجب الأناةُ في الحكم على الفكر أن لا يتعرض له بالنقد، ما دام فيه احتمال الصواب.

стр. 245

أليس في ارتياء مقاصد المتكلمين قبل التسارع إلى تغليطهم ببوادر الظنون أو بشهوات نفس تخب خبب البازل الأمون (١) ما نقتصد به زمانَ المراجعة إلى استئناف شيء جديد ونحفظ به كرامة الاتحاد، وسلامة الضمير، ونسلم به من افتضاح حب التشفِّي والانتقام لإطفاء ثوائر الحسد والغل؟ ما كان التقرير على الخطأ إلا خطأ وتضليلًا، ولكن نظيره في التضليل وأعظم منه فسادًا التسارعُ إلى تغليط الصائبين، لا سيما إن قارنه ما يقارن سفاهةَ الرأي وضيق الصدر، وبالثاني (٢) غليل الجهل من تفويق (٣) سهام نقد تخطئ الرمية، والأخذ بسلاح العاجزين من الغيبة والشتيمة التي تترجم عن قصد صاحبها من غير غرض ترشقه. اللهم إلا رأي رجل اعتدت منه المكابرة والمسارعة إلى الزج بنفسه فيما لا يدبر منه مخرجًا ولا يجد لمثله فيه مولَجًا، ثم قومته المرة والمرتين، فما زاده تقويمك إلا عنادًا، ولا أكسبه اقتصادُك إلَّا إسرافًا وازديادًا؛ فإنك إن رأيت منه ما يقتضي أن تسلك معه مسلك الخطابة من تقبيح انتحاله، وتشخيص مشوه حاله، فلا ملامَ عليك إن كنت قد صادفت البلاغةَ في فعلك أو قاربت. قد ترى قومًا أغرقوا في احترام أفكار الناس - وما كل الناس - إلى غور عميق، فغشيهم ظلامٌ طمس على أعينهم حتى تلقَّوْا كلَّ قولٍ بالتأييد، وحكموا في كلا المتناقضَيْنِ بأنه سديد، واتسموا - أكرمك الله - بِسمَةِ البليد. ثم ترى رجلًا يخترق قلوبهم بنصائح تفتح لهم أعينًا عميًا، وقلوبًا غلفًا، وهم في صمم عن تلقيها، أفتعذره إن رأيته يسلك معهم ذلك المسلك؟ أم تعذله إن خالف ما تأصَّل من احترام الأفكار؟ لعلك تشعر ساعتئذٍ بأن أصول التهذيب دواليب تدور، وأنه

стр. 246

"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"؟ (١) سيظن البسطاءُ من الناس أن احترام الأفكار وحريتها يخولها حقَّ الاجتراء بنحو الشتيمة، ولكنه ظنٌّ سريعُ التقشع متى وجدوا لسانًا حكيمًا يبيِّن لهم أن الحرية والاحترام شيءٌ وأن الاجتراء شيء آخر؛ لأن الحرية إنما ينالها المرء بعد شعوره بوجوب مساواته مع غيره فيها، وإلا كانت الاستعباد الذي نفر منه. فإن طلبت أنفسُهم زيادة البيان، فإنا نحيلهم على كلام طويل في معنى الحرية، لو بسطناه لفُصم عنا سلكُ الكلام في مرادنا من هذا المقال. فإذا كانت الأفكار محترمةً كما قلنا، فالاجتراء عليها بما ذكرنا يستأهل عقوبةً على خرق سياج هذا الاحترام حقًّا؛ لأن ذلك يثير العصبيات ويجفي عن الحقيقة التي ما احترمت الأفكار إلا لأجل الوصول إليها. من أكبر الأسباب في تقدم الأمة بعلومها وقبولها لرتبة التنوير وأهليتها للاختراع في معلوماتها، أن تشب على احترام الآراء على الوجه الذي وصفنا من قبل وعسى أن نصف من بعد. وقد كان للمسلمين من ذلك الحظُّ الذي لم يكن لغيرهم يومئذٍ من التسامح مع الأفكار، شهد بذلك التاريخ وأهله إلا المتعصبين منهم، مع ما كان بين أصناف أهل الآراء من التناظر والجدل. ولكنك لا تجد ذلك محفوفًا بتعصب ولا اضطهاد: كنتَ ترى الأشعري بين يدي المعتزلي لا يستنكف عن تلقِّي فوائده والاعتراف له بحق التعليم، وترى السني يتعلم عن القدري وعن الفيلسوف الشاكّ. قد كان عمرو بن عبيد (٢) - الزاهد الشهير - من خاصة تلاميذ الحسن

стр. 247

البصري (١) رحمهما الله، وهو الذي كان مكلَّفًا بكتابة ما يميله الحسن من التفسير الذي يرد به على القدرية والمعتزلة. وما كان يمنعه ذلك من المجاهرة باتباعه مذهبَ المعتزلة، ومن التحاقه بدروس واصل بن عطاء الغزال (٢) الذي قال له الحسن لما كثرت مناقشته: اعتزل مجلسنا. فكان عمرو بن عبيد يختلف إلى الدرسين جميعًا، وما كان ذلك يمنع الحسن من تكليفه بإملاء تفسيره. (٣) حتى استُخدِم اختلافُ الآراء آلةً للتشيع السياسي، حين آذنت الدولةُ العربية والجامعةُ الإسلامية بالانحلال والافتراق اللذين تركا من الآثار ما نحن نتخبط في مصائبه ولأوائه حتى اليوم. وكذلك الْحَجْرُ على الرأي يكون منذِرًا بسوء مصير الأمة، ودليلًا على أنها قد أوجست في نفسها خيفةً من خلاف المخالفين وجدل المجادلين. وذلك يكون قرينَ أحد أمرين: إما ضعف في الأفكار وقصور عن إقامة الحق، وإما قيد الاستعباد الذي إذا خالط نفوسَ أمة كان سقوطُها أسرعَ من هُويِّ الحجر الصلد. حكى الجاحظ أنَّ النظَّام دخل على شيخه أبي هذيل العلَّاف، (٤) فقال: يا أبا الهذيل لم قررْتُم أن يكون

стр. 248

الله تعالى جوهرًا خشيةَ أن يكون جسمًا؟ فهلَّا قرَّرْتُم أن لا يكون جوهرًا مخافةَ أن يكون عرضًا، والجوهرُ أضعف من العرض؟ فبصق أبو الهذيل في وجهه، فقال النظَّام: قبَّحك الله من شيخ! فما أضعفَ حجتك! (١) وكان الخليفةُ المأمون يقول لأهل ناديه إذا جاروه على كلام: هلَّا سألتمونِي لِماذا؟ فإنَّ العلم على المناظرة أثبتُ منه على المهابة. (٢) دامت على ذلك الأمةُ الإسلامية متمتعةً باحترام الأفكار، جريءٌ كلُّ واحد على أن يبوح برأيه، وجريءٌ كلُّ مستمِعٍ على تقويمه بالحق. وإن وقع في خلال ذلك حادثة خلق القرآن، وحادثةٌ صغيرة وقعت بالقدس بين الباطنية وأهل السنة، إلا أنها لأسباب عالية (٣) وغلط فاحش لا يسع ذكرُه اليوم. ولَمَّا استُخدِمتِ الآراءُ للسياسة، وشاعت المداهنةُ بين الناس، وضعفت الكبراء عن الحجة، يومئذٍ ساد اضطهادُ الأفكار والضغطُ عليها، كي لا تسود على مخالفيها القاصرين الظاهرين في مظاهر العلماء المحققين. نعني بالسياسة ما يقرن سياسة الدول في تصرفاتها وأغراضها بسياسة الأشخاص المسيطرين في هواهم،

стр. 249

وربما كان القسمُ الثاني أشدَّ على الأفكار لكثرة دواعيه ووفرة منتحليه. وأنواع وجهتهم في هذا الغرض [أربعة]: (١) ١ - منهم من يفعل ذلك إبقاءً على منصبه، واستحفاظًا على وجاهته؛ لأنه يخال أن كلَّ مخالفة له في الرأي تُنذِر بثَلِّ عرشه وزلزال أركانِه، والمريضُ كثيرُ الأوهام. ٢ - ومنهم الذي يسخط من مخالفة المعتاد، ويرى العادةَ دينًا أو شبهَ دين، يجب أن لا يتلاعب به الشخص. ٣ - ومنهم الذي يتوهم أن الدينَ يخالف احترام الآراء، وهذا إن شئت أن تجعله فرعًا من سابقه وجدته لك أطوعَ من نعلك. ٤ - ومنهم الحاسدُ العاجز الذي يحب أن يظهر في مظاهر الكمال بكلمات يلفقها، ويحس في ذكر ذلك لذة ما دام منفردًا بها، فإن شاع ذلك بين الناس تميز من الغيظ. كنتُ أعرف رجلًا ينادي بين الناس باسم النقد للحالة والطعن في الأوضاعِ المعتادة، وربما ترقَّى إلى بعض الشتيمة زمانَ كان يقول ذلك وحده، يحب الشهرة وما يلقاها، ويترصد طريقَها وما يقع بمرآها. كان يومئذٍ مستأثرًا بورقات ينقل منها ما يلغط به، فلما امتدت الأيدي، وانبرت العيونُ إليها، واستوى مع غيره في معرفتها، انصاع يُقبِّح ذلك الحال، ويرى خلَفَه ودعاءهم في ضلال. مِمَّا يُخَصُّ بالوصاية والاحترام أفكارُ المتقدمين الذين وصلوا بنا إلى حيث ابتدأنا من العلم والمدنية، عوضًا أن نكون في متحرَّكِهم الأول نبتدئ سيرًا بطيئًا. وكما يقال: إن الإنسان ابنُ يومه لا ابنُ أمسه، فهو أيضًا ليس بابنٍ لغده، فمقدارُ فضيلة الرجل ومكان شهرته لا يُنظر فيه إلى غير يومه الذي كان فيه.

стр. 250

فلا يغلط لنا كثيرٌ من الناس ينتقصون الأقدمين بمستدرَكاتِ المتأخِّرين، فإنما تُعرف مقاديرُ الرجال بما أوجدوه، لا بما تركوه. (١) ولكن طرق الشهرة لا تختلف، وهي قوة الفكر، ومرتبة العلم، والعمل على تنوير آراء المتعلمين والقارئين، في عقل صحيح، ونية قويمة، ونصح جهير. وقد استهوى هذا الغلطُ الشيخَ أبا علي ابن سينا ﵀ حين بالغ في ثنائه على أرسطو حتى قال: "أما أفلاطون الإلهي، فإن كانت بضاعتُه من الحكمة ما وصلنا من كتبه وكلامه، فلقد كانت بضاعتُه من العلم مزجاة". (٢) وكأنه نسيَ أنه
следующие страницы →