← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ص ٢٤٩ س ٩: كتب "بن عصية ومالك ذو التاج" وهذا نقص، والصواب "بن عصية وخفاف بن نَدْبة وهي أمه واسم أبيه عمير بن الحارث بن الشريد، وهو عمرو بن يقظة بن عُصية" كذا في مخرج مصحح في النسخة التونسية، يلاحظ تصحيح عمرو بن يقظة بأنه عمرو بن رياح بن يقظة، كما تقدم أيضًا. ص ٢٦٢ س ٩: ضبط "هزم" بضم ففتح، والصواب أنه بضم فسكون كما في السير. ص ٢٦٦ س ١١ - ١٣: ضبط مرجع (ثلاث مرات) بفتح الميم، والصواب أنه بكسر الميم كما في القاموس. ص ٢٦٩ س ٢: كتب "أخاه منقاد"، والصواب "أخوه منقادا" والضمير عايد إلي ربيعة في السطرين ١ - ٢. وأما اسم منقاد فكذلك وقع تصحيحه في النسخة التونسية بخط مصححها، وكان مرسومًا منقد بدال مهملة. وكلا الاسمين غير معروف، ورأيتُ في ذكر أيام العرب أنه منقذ بذال معجمة، ومنقذ علم من الأعلام العربية، كما في القاموس. ص ٢٧٤ س ١: "فلا ضيفن" صوابه "فلا خيفن" بخاء عوض الضاد كما في النسخة التونسية. ص ٢٧٦ س ١ - ٣ - ٦ - ٨: كتب "بن جُلَيٍّ" في أربعة مواضع. والتحقيق أنه "بن جلى" بضم الجيم واللام المشددة المفتوحة، كذا ضبطه ابن ماكولا. ص ٢٧٧ س ٤ - ٦ - ٧: ضبط "هِزان" بكسرة على الهاء، وكذلك ضبط في ديوان الأعشى نشر جيبر. وذكره في تاج العروس، فلم يتعرض لضبطه. وهذا يقتضي أنه بفتح الهاء، كما هو اصطلاحه. ص ٢٧٧ س ٤: "بن صُباح" هو وزن غراب.

стр. 1822

ص ٢٧٨ س ٢: كتب "أسد وحاتم طي"، وهو تحريف صوابه "أسروا حاتم طيّئ". ص ٢٨٠ س ١٧: ضبط "الحطم والحطمية" بضم الحاء وفتح الطاء فيهما، والصواب أنه حطمة بدون حرف تعريف وبها تأنيث في آخره، وأنه بفتح الحاء وسكون الطاء، وكذلك ضبط الحطيمة في القاموس. ص ٢٨٢ س ٤٠٢: ضبط "الممزق" بكسر الزاي، والصواب أنه بفتحها. ص ٢٨٣ س ٥: كتب "عقيلة" بعين مهملة مفتوحة وبقاف، والصواب أنه "غفيلة" بغين معجمة مضمومة وبفاء مفتوحة، كما في القاموس. ص ٢٨٨ س ٢: كتب "عمرو" وضبط "شييم" بكسر الشين، والصواب "عُمَيْر". وضبط الشيخ مصحح لسان العرب شييم بضم الشين، وكذلك ضبط في نسخ صحيحة من القاموس، وهو المناسب لصيغته. ص ٢٩٧ س ١٤ - ١٧ - ١٨ - ١٩: كتب "خوط" في أربع مرات بخاء معجمة، والصواب أنه حوط بحاء مهملة. ص ٢٩٩ س ٢٢: ضبط "دغفل" بكسر الدال وكسر الفاء، والصواب أنه بفتح فيهما. ص ٣١٠ س ٤: كتب "الحطيم"، والصواب أنه "الحطم" بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة، كما في تاج العروس. ص ٣١٠ س ٥: كتب "الأقيون" بقاف وتشديد التحتية. والذي في النسخة التونسية مصححة بفاء ومضبوطة بضم الهمزة وسكون الفاء وضمة على التحتية، وفي نسخ تاريخ خلدون المخطوطة والمطبوعة "لا سور" ولم أقف على مستند أحد هذه الوجوه الثلاثة.

стр. 1823

ص ٣١٠ س ٦: كتب " بني"، والصواب "نبيء". ص ٣١١ س ٥: "وعبد الله ووفدان"، والصواب "وعبد الله والهنو ووفدان". ص ٣٢٦ س ١٩: "تيم الله"، والصواب "تيم اللات". ص ٣٣٣ س ١١: "بن منقد"، والصواب "بن منقذ" بذال معجمة. ص ٣٣٥ س ١٠: "بنو قوقل بن عوف بن الخزرج"، والصواب "بنو قوقل بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج"، كما في النسخة التونسية. ص ٣٤٢ س ٧: "كان سكن"، والصواب "كان مسكن". ص ٣٥٤ س ١٠ - ١١: ضبط "الهنو" بفتح الهاء في ثلاثة مواضع، والصواب أنه بكسر الهاء كما في القاموس. ص ٣٥٨ س ١١: ضبط "سلم" بفتح اللام، والصواب أنه بسكون اللام. ص ٣٦٠ س ٣: ضبط "الشري" بسكون الراء، والصواب بفتحها مقصورًا. ص ٣٦٢ س ١٨ - ٢٠ - ٢١: ضبط "الجلندي" بفتح الجيم واللام وبالقصر في المواضع الثلاثة، والصواب أنه بضم الجيم وضم اللام مع القصر، كما في القاموس، فإذا فتحت اللام صار ممدودًا، وهو مما وهم فيه الجوهري. ص ٣٦٨ س ٣: "بنو معاوية" صوابه "بنو مغوية" بغين معجمة بوزن معصية، كما القاموس. ص ٣٧٤ س ١٠: كتب "هصار" بهاء فصاد مهملة، والصواب "حضار" بحاء وضاد معجمة، كما في تاج العروس. وأما ضبطه فهو بفتح الحاء وتشديد الضاد، كما في خلاصة تهذيب التهذيب للذهبي. ص ٣٧٥ س ١٨: كتب "حيش"، وفي النسخة التونسية "حبيش"، فليحقق.

стр. 1824

ص ٣٧٥ س ١٨: كتب "حَلوا"، والصواب "رحّلوا". ص ٣٧٧ س ٤: ضبط "نبهان" بضمة على النون وهو سهو، والصواب فتح النون. ص ٣٧٧ س ١٥ - ١٧ - ١٨: ضبط "عتود" بفتح العين والصواب أنه بضمها كما في تاج العروس. ص ٣٧٨ س ٢٢: "لامه والمحدث" هنا نقص، والصواب "لامه، وفقئت عين عدي بن حاتم ﵁ يوم الجمل، فقأها عبد الله بن حكيم بن حزاء والمحدث"، كذا في النسخة التونسية. ص ٣٧٩ س ١٦ - ١٧: كتب "وبوث"، وكذلك هو في النسخة التونسية. ولا يُعرف بوث في الأسماء فيما ذكره كتب اللغة. ووقع في الإصابة "ثوب" بتقديم المثلثة، ولعله هو الصواب؛ لأن العرب سموا بثوب. ووقع في نسخة الأغاني "ثور" فليحقق. ص ٣٧٩ س ١٧: كتب "بن رضى"، والصواب "بن عبد راضي" كما هو في النسخة التونسية وهو المعروف. ص ٣٨٢ س ١: ضبط "يحصب" بكسر الصاد، والصواب بضم الصاد. ص ٣٨٣ س ١: "الصنابح"، صوابه "والصنابح" بواو عطف. ص ٣٨٧ س ١٩: "وحرب بن علة بن جلد" هنا نقص، صوابه هكذا: "وحرب بن علة فولد بن علة منبه، ويزيد فولد منبه بن حرب بن علة رهاء، بطن، وهؤلاء بنو رهاء بن منيه بن حرب بن علة بن جلد إلخ"، كما في النسخة التونسية. ص ٣٨٧ س ١٩ - ٢٠ وص ٣٨٨ س ٢ - ٣: ضبط "الرهاوي" بضم الراء في أربعة مواضع، والصواب أنه بفتح الراء كما في القاموس. ص ٣٨٨ س ٦ - ١٧: كتب "وسيحان"، والصواب "سنحان" بنون بعد السين المكسورة، وهو اسم كما في القاموس، ولم يذكروا سيحان في الأسماء.

стр. 1825

ص ٣٩٦ س ٤: كتب "مجربة"، والصواب "محرمة" بفتح الميمين وفتح الراء بوزن مرحلة. ص ٤٠٢ س ٦: "من ولد حجر"، صوابه "ومن ولده حجر" كما في النسخة التونسية. ص ٤٠٢ س ٤ - ١٤ - ١٦: كتب "القود" في ثلاثة مواضع، والصواب "الفرد" براء عوض الواو، كذا في تاج العروس، ولم أقف على ضبطه. ص ٤٠٢ س ١٤: "ومشرح" هو بوزن منبر كما في تاج العروس. ص ٤٠٢ س ١٥: قوله "كلهم بالإسكان"، يعني بإسكان أواخرها على لغة حمير، فهي مبنية على السكون. ص ٤٠٦ س ١٣ - ١٧: كتب "خيران" في موضعين بخاء معجمة ومثناة تحتية، والصواب "حبران" بحاء مهملة وباء موحدة، وهو بضم الحاء، كما في القاموس. ص ٤٠٧ س ١٤: كتب "اسميقع" بقاف والصواب أنه بفاء عوض القاف، وفي القاموس "سميفع" بدون ألف في أوله وضبطه كسميذع، والمشهور أنه بألف في أوله وسكون السين وفتح الميم وسكون الياء وفتح الفاء (١). ص ٤٠٨ س ٤: كتب "الفقيه النبيه الأوزاعي، وهو ابن عمرو"، وهو تحريف، والصواب "الفقيه الأوزاعي وهو ابن عمرو". ص ٤٠٨ س ٢: وضبط "السحول" بضم السين، والصواب "السجول" بفتح السين، كما في القاموس. ص ٤٠٩ س ٥: "تميم" الصواب "تيم".

стр. 1826

ص ٤١١ س ٣: كتب "تيان" ولم يضبط والصواب "تبان" بموحدة بعد المثناة الفوقية ويضبط بضمها ويجوز تخفيف الموحدة وتشديدها. ص ٤١٢ س ٦: كتب "ويزيد" بمثناة تحتية والصواب أنها فوقية. ص ٤١٥ س ٨ - ٩ - ١١ وص ٤١٨ س ٢: ضبط "أسلم" بفتحة على اللام، والصواب أنه بضمة على اللام، كما في تاج العروس ص ٤١٥ س ٩ وص ٤٢٠ س ٣: ضبط "حوتكه" بفتح الحاء، والصواب بضمها. ص ٤١٨ س ٣: كتب "وخزيمة" معجمة، والصواب بحاء مهملة مفتوحة وبكسر الزاي كما في القاموس. ص ٣٢١ س ٩ - ١١ - ١٣ - ١٥: كتب "سليم" بميم في آخره وضبط بضم فتح، والصواب أنه "سليح" بحاء مهملة في آخره وبفتح فكسر، كما في القاموس والتاج. ص ٤٢٢ س ١٨ وص ٤٢٣ س ١ - ٣ - ٥: ضبط "والبَرْك" بفتح الباء، والصواب أنه بضمها بوزن قفل. ص ٤٢٥ س ١٠: كتب "ذو الشكوة" وهو تحريف، والصواب ذو الشوكة كما في النسخة التونسية. ص ٤٢٥ س ٧ - ٨: كتب "مرة" في موضعين، والصواب "مر" كما في النسخة التونسية. ص ٤٣١ س ٧ - ١٢: ضبط "العِتْق" بكسر العين في ثلاثة مواضع، والصواب ضبطه بضم العين، كما في القاموس ويجوز في التاء السكون والفتح. ص ٤٣٤ س ٣١: ضبط "بنو شجع" بفتح الشين، والصواب بكسر الشين كما في القاموس.

стр. 1827

ص ٤٤٨ س ٦: ضبط "إحاظة" بكسر الهمزة، والصواب ضمها كما في القاموس. تنبيه: قد تكرر كثيرٌ من الأسماء في الملخص الذي لخصه المؤلف لأسماء القبائل والبطون المبدوء بصحيفة ٤٣٣ من الجمهرة، فما يكون في بعضها من تحريف أو تصحيف إنما لم نعاود التصحيحَ عليه اكتفاءً بما سبق، فالناظر لا يعسر عليه إصلاحه.

стр. 1828

الفَرْعُ الثَّانِي مُتَابعَات

стр. 1829

أخطاء الكتاب في العربية: رد على نقد (١) قرأت في جريدة "البصائر" التي تصدر في قسنطينة في صفحة ٦ من عدد ٨٤ مقالًا للشيخ أبي يعلى الزواوي (٢) عنوانه "إصلاح اللسان"، قصد منه التنبيه على أغلاط لغوية تقع في استعمال بعض الكتاب من أهل العصر.

стр. 1830

وهذا موضوع مهم، كان المتقدمون من الأدباء وضعوا له عنوان "لحن الخواص"، وكان الخائضون فيه قديمًا من نقاد الشعر ومن النحاة. وقد تضمن كثيرًا منه كتابُ "الموشح" للمرزباني، وكتاب "أدب الكتاب" لابن قتيبة، وكتاب "درة الغواص" للحريري، وبعض مسائل من كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام. وطالمَا كان محلُّ الجدال في نوادي المتأدبين مثل مجلس الصاحب ابن عباد والأستاذ ابن العميد (١). بل ربما نبعت به قرائحُ أهل النقد في المجامع العامة، مثلما وقع لابن شبرمة مع ذي الرمة في رحبة الكناسة بالكوفة حين أنشد ذو الرمة قوله: إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ (٢) فأنكر عليه قولَه: "لم يكد"، وقال له: "يا غيلان، أراه قد برح"، أبهته إبهاتًا ألجأه إلى أن غير قوله: "لم يكد" بأن قال: "لم أجد" (٣).

стр. 1831

وعُنِي به المتأخرون من الأدباء المصريين، فألف الشيخ إبراهيم اليازجي (١) كتابه المسمى "لغة الجرائد" في هذا الغرض، وعني الأستاذ العلامة محمد محمود الشنقيطي بالتنبيه على أغلاط لكتاب عصره. على أن الكلفين بهذا الموضوع لم يسلموا من التعجل في كثير مما خطّؤوا فيه، فقد أنكر معدان الفيل (٢) على ابن شبرمة تخطئته ذا الرمة، وأنكر على ذي الرمة تغيير بيته، وقال إن أصله عربي صحيح (٣). وانتقد الأئمة على الحريري بعضَ ما خطأ فيه الخاصة. وأنا أرى فيما خطأ فيه الشيخ إبراهيم اليازحي كتابَ الجرائد كثيرًا من المجازفة، فكذلك كان شأن الشيخ أبي يعلى الزواوي في حكمه في مقاله هذا. فقد اشتمل ذلك المقالُ على ذكر أخطاء للكتاب في ثمانية ألفاظ هو محق في أربعة منها، ولطالب الوقوف على تفصيلها أن يطالع جريدة البصائر. ثم موارد انتقاد كلامه فيها:

стр. 1832

أولها: إطلاقهم اسم السجادة على الزربية، فعده خطأ ومنكرًا، وتعجب من إهمالهم لفظ الزربية مع أنه الوارد في القرآن العظيم، وختم كلامه بأن جعل لفظ السجادة أعجميًّا فارسيًّا. وكلامه في الحكم على استعمالهم لفظ السجادة كله خطأ؛ فإن لفظ السجادة عربية فصيحة، وقد وردت في كتب اللغة المعتبرة، ففي اللسان: "والسجادة الخُمْرَةُ المسجودُ عليها" (١)، وفي الأساس: "وسمعت بعضَ العرب يضمون السين" (٢). وورود الزربية في القرآن لا يقتضي إلا أن يكون لفظُ الزربية أفصح، وذلك لا ينافي فصاحةَ لفظ السجادة. كما أن ورود لفظ السكين في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١]، لا يمنع أن يكون لفظُ المدية عربيًّا فصيحًا. وقد ورد في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: ما سمعت السكين إلا من قوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ وما كنا نقول إلا المدية (٣). وأعجب ما في كلام أبي يعلى الزواوي حكمه على لفظ السجادة بأنه أعجمي، ذاهلًا عن اشتقاقها من السجود، وأن مجيئها بوزن اسم الفاعل مجازٌ عقلي، أي: المسجود عليها كقولهم عيشة راضية.

стр. 1833

ثانيًا: أن الكتاب يستعملون فعل أشعل في موضع أوقد، قال أبو يعلى: "وقد ورد في القرآن أشعل في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] , وليس ذلك بمعنى أوقد، ولم يرد في الشعر اشتعل بل ورد أوقد. وهذا تضييقُ واسع من أبي يعلى؛ فإن فعل "أشعل" وما تصرف من مادته كله عربي فصيح، وقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] استعارةٌ بديعة في تشبيه انتشار البياض في سواد شعر الرأس بالتهاب النار في الفحم، ولولا ذلك لما كان هذا اللفظُ في الآية واقعًا موقعَه البديع من البلاغة، كما بينه علماء البيان، قال في اللسان لما ذكر قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: "وأصله من اشتعال النار". وكذلك إنكاره ورودَ الاشتعال بمعنى الوقود في شعر العرب قصور واضح، فقد قال لبيد في معلقته: فَتَنَازَعَا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلَالُهُ ... كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا (١) فالمشعلة هي النار وهو اسم مفعول من أشعل النار بمعنى أوقدها، وقد أشار إلى استعمالي الاشتعال في الحقيقة والمجاز قول أبي بكر بن دريد في مقصورته اللغوية: وَاشْتَعَلَ المُبْيَضُّ فِي مُسْوَدِّهِ ... مِثْلَ اشْتِعَالِ النَّارِ فِي جَزْلِ الغَضَا (٢) ثالثها: أنهم يستعملون لفظ الصدفة بمعنى الاتفاق، وقد التمس لهم عذرًا إذا كان بمعنى المصادفة؛ يعني إذا كان وزن الفعلة هنا جائيًا من صادف. وكلامه في هذا متجه من جهة القياس؛ لأن استعمالَ ما هو مشتقٌّ من الثلاثي في غير الثلاثي يتوقف على السماع، فالظاهر أن استعمال الصدفة توسع.

стр. 1834

وانتقاده على الألفاظ الرابع والخامس، وهي استعمالهم نوايا جمعًا لنية، واستعمالهم البؤساء جمعًا لبائس، واستعمالهم جملة "لحد الآن"، كلام متجه صحيح. سابعها: أنهم يخطئون في نفي ماضي زال بلا النافية، والصوابُ أن يُنفَى بما النافية. قال: لأن فتئ وانفك وبرح وزال تُقرن بما نفيًا، وبلا دعاء، وبالهمزة استفهامًا، واستدل بقول الألفية: "فتئ وانفك وهذي الأربعة لشِبْهِ نفي أو لنفي متبعه" إلخ (١). وكلامه في هذا اللفظ مختلط وغير محرر؛ فأما حكمه بالخطأ في نفي ماضي زال بلا النافية فهو حكم صحيح، ولكنه لم يحرر تعليله إذ علله بأن زال وأخواته تقرن بلا نفيًا إلخ، وإنما ذلك يصلح تعليلًا لعمل زال وأخواته عمل كان وليس بيت الألفية مَسُوقًا إلا لبيان شرط إعمال زال وأخواته عمل كان. وكان الحق أن يعلل ذلك بوجوب اتباع استعمال العرب؛ فإن العربَ لا يستعملون الماضي كله منفيًّا بلا النافية إذا لم يتكرر النفيُ إلا والمراد من النفي الدعاء، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١]. وكذلك إذا تكرر النفي في المعنى كقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد: ١١] فإن الاقتحام الذي دل عليه الماضي المنفي بلا يشتمل على عدة أمور قد فسرها قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٣ - ١٧] , فآل معنى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ إلى معنى فلا فك رقبة ولا أطعم ولا آمن. وفيما عدا ذلك لا يستعمل الماضي منفيًّا بلا إلا إذا كان المراد الدعاء دون الخبر، ولذلك كان تخصيص أبي يعلى حكمه بالأفعال الأربعة (زال وأخواته)

стр. 1835

إجحافًا بحكم الاستعمال، وبخاصة إذا كان خطأ الكتاب في هذا الباب واردًا في جميع الأفعال الماضية. وكلامه في انتقاد قولهم أفت مرادًا به للفت صحيح وجيه. هذا ما عن لي في مراجعة الشيخ أبي يعلى لقصد تحرير كلامه، وأنا أقدر قدر عنايته بالعربية واهتمامه.

стр. 1836

تحقيق ترجمة عالم كبير وإصلاح وهْم في تسميته (١) يقع في كتب التفسير وأصول الفقه - عندما يتكلمون على النسخ في أحكام الشريعة - أن أئمةَ المسلمين اتفقوا على أن النسخ واقع، إلا أبا مسلم الأصفهاني؛ فإنه أنكر أن يكون ما ادعوه نسخًا، وقال هو من قبيل التخصيص. قال تاج الدين السبكي في جمع الجوامع: "مسألة: النسخ واقعٌ عند كل المسلمين، وسمّاه أبو مسلم تخصيصًا، فقيل خالف، فالخلف لفظي" (٢). هكذا نجد اسم هذا العالم في معظم التآليف: "أبو مسلم الأصفهاني". وكذلك يمر به المدرسون والطلبة غير سائلين عن تعيينه، وربما زاد بعضُهم فوصفه بأنه من أئمة المعتزلة. والفخر في التفسير عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، سماه بأبي مسلم بن بحر (٣). ووقع في بعض الكتب في الأصول تعيينُه بأنه المعروف بالجاحظ. وكذلك قال بعضُ شراح المنهاج، وابن عبد الهادي الحنبلي في شرح المختصر الحاجبي.

стр. 1837

واهتم بذلك الشهابُ القرافي المالكي في شرحه على تنقيح الفصول، فقال: "فائدة: أبو مسلم كنيته، واسمه عمرو بن يحيى، قاله أبو إسحاق في اللمع". (١) وقال أبو العباس المالكي في شرح تنقيح القرافي: "تنبيه: أبو مسلم هذا من المعتزلة، واسمه عمرو. وفي اللمع لأبي إسحاق أنه ابن يحيى، وفي بعض نسخ المحصول أنه ابن بحر، قال المصنف - يعني القرافي في شرح المحصول - فيحتمل أن يكون له اسمان وهو بعيد، أو يكون أشخاص كلهم يسمّى أبا مسلم". (٢) وأنا حين كنتُ أقرأتُ كتاب تنقيح القرافي وشرحته، جزمتُ بأنه عمرو بن بحر، إذ ليس عمرو بن يحيى بمعروف. واستخلصتُ مما رأيته من كلامهم أنه الجاحظ؛ لأن اسم الجاحظ عمرو بن بحر، وهو من المعتزلة. إلا أني أشرتُ إلى مثار إشكال في كون الجاحظ يكنّى أبا مسلم، فقلت: "وأشهر كنيته أبو عثمان"، وإشكال في كونه أصفهانيًّا، فقلت "البصري". (٣) فلذلك لم أزل غيرَ ثلِجِ الصدر لما قالوه وقلت. ومما زادني حيرةً أن الفخر يذكر في تفسيره: عن أبي مسلم في تفسيره، ولم نعرف أن للجاحظ تفسيرًا، فلم أزل أرصد ما يكشف عني هذا الإشكالَ حتى رأيتُ في طبقات المفسرين ما نصُّه: "محمد

стр. 1838

ابن بحر الأصفهاني أبو مسلم، صاحب التفسير، وذكره ابن مانويه في تاريخ الري، وقال: كان على مذهب المعتزلة ووجيهًا عندهم، وصنف لهم التفسير على مذهبهم، ومات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وهو ابن سبعين سنة". (١) ووجدتُ في "معجم الأدباء" لياقوت ترجمته مستوفاة. قال ياقوت ص ٤٢٠ جزء ٦: "محمد بن بحر الأصفهاني الكاتب، يكنى أبا مسلم، كان كاتبًا مترسلًا بليغًا متكلمًا جدِلًا، مات - فيما ذكره حمزة في تاريخه - في آخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، ومولده سنة أربع وخمسين ومائتين. وكان الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح يشتاقه ويصفه. وقال أبو علي التنوخي: وقد ذكر محمد بن زيد الداعي قال: وهو الذي كان أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني الكاتب المعتزلي العالم بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، مذ صار عامل أصبهان وعامل فارس للمقتدر، يكتب له ويتولَّى أمره. وذكره محمد بن إسحاق (يعني ابن النديم)، وقال: له من الكتب جامع التأويل لمحكم التنزيل على مذهب المعتزلة أربعة عشر مجلدًا، كتاب جامع رسائله (٢)، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب في النحو. وسمّى حمزة كتابه في القرآن شرح التأويل. وكان ابن أبي البغل ولي في سنة ثلاثمائة ديوان الخراج والضياع بأصبهان وهو ببغداد، فورد كتابُه على أبي مسلم ابن بحر بأن يخلفه على ديوان الضياع بها، ثم ورد ابن أبي البغل إلى أصبهان فأقره على خلافته. ثم مات أبو علي محمد بن أحمد بن رستم سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فرتب مكانه أبو مسلم

стр. 1839

ابن بحر وذلك في شوال، ثم ورد علي ابن بويه في خمسمائة فارس فهزم المظفر بن ياقوت [في خمسة آلاف فارس]، ودخل ابن بويه أصبهان فعُزل أبو مسلم". وذكر له ياقوت شعرًا، وذكر أن له أخًا اسمه أحمد. قال: "ولما مات أبو مسلم، رثاه علي بن حمزة بن عمارة الأصفهاني بأبيات". (١) هذا خلاصةُ ما ذكره ياقوت، فتبين أن الوهمَ دخل على بعض نقلة اسمه قديمًا، فلما وجدوا أباه يسمّى بحرًا توهموا أنه الجاحظ، فأصلحوا اسمه محمدًا بعمرو. والتحريفُ في محمد وعمرو متقارب. وبعضُهم لما اعتمد أن اسمه محمد حرف اسم أبيه بحر بيحيى، ظنًّا أن بَحْرًا ليس إلا أبا الجاحظ. ولفخر الدين الرازي في تفسيره الكبير عنايةٌ بنقل شيء من كلام أبي مسلم الأصفهاني في تفسيره. وإن ما ينقله عنه لدليلٌ على ضلاعة أبي مسلم هذا في التفسير علمًا وذوقًا وغوصًا، ولكن تفسيره لا نعرفه، ولعله مما فقد من تليد تراث الإسلام (٢). هذا وفي المفسرين عالم آخر بأبي مسلم الأصفهاني المعتزلي، رأيتُ أن أذكره هنا، إكمالًا للفائدة، ودفعًا لما عسى أن يعرض من غلط. وهو محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن مهرابزاد الأصفهاني النحوي الأديب، ولد سنة ٣٦٦ هـ وتوفي سنة ٤٥٩ هـ، وصنف تفسيرًا كبيرًا في عشرين مجلدا. وكان الغالب عليه الاعتزال، ذكره السيوطي في بغية الوعاة (٣). وهو غير الذي ينقل عنه الفخر في تفسيره، لتصريحه في

стр. 1840

بعض مواضع النقل عنه بأنه أبو مسلم بن بحر. وهو أيضًا غير صاحب القول بإنكار النسخ؛ لأن الذي أنكر النسخ هو ابن بحر لا محالة. فقد حصل لنا بهذا ثلاثةُ أسماء من قبيل المؤتلف والمختلف، وهي: عمرو بن بحر المحبوبي البصري الملقب بالجاحظ المعتزلي، كنيته أبو عثمان، ومحمد بن بحر الأصفهاني المعتزلي أبو مسلم صاحب التفسير، والكاتب الأديب، وصاحب القول بإنكار النسخ. ومحمد بن علي الأصفهاني المعتزلي، أبو مسلم صاحب التفسير النحوي. وقد دعاني إلى تحقيق صاحب هذه الكنية وضبط ترجمته، إزالة اللبس الذي عرض، وتغيير ما وقع في كتابي "التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح" في صفحة ٧٦ من الجزء الثاني منه. وقد أذِنْتُ لكل مَنْ يقف عليه أن ينقل عني هذا الإصلاحَ في طرّة نسخته، وفوق كلِّ ذي علم عليم.

стр. 1841

نظرات على ترجمة السكاكي (١) طالعتُ بإعجابٍ وتقدير الدراسةَ القيمة التي صاغها قلمُ فضيلة الأستاذ الشيخ محمد علي النجار (٢) المدرس بكلية اللغة العربية، ونشرت في الجزأين التاسع والعاشر من مجلة "الهداية الإسلامية" (٣) الغراء. فلقد صرف همته إلَى إبراز التعريف بإمام عظيم من أئمة الأدب العربي، ربما لا يعرف أكثرُ الأدباء عنه أكثرَ من اسمه ولقبه وسنة وفاته ووصفه بالإمامة، ولا يعرف غيرُ القليل منهم عينَ كتابه. ولقد أتى الأستاذ النجار على المهمّ من التعريف بهذا العلامة، وبكتابه المفتاح، وآراء بعض العلماء فيه، مما سيفتح أعينَ أبناء الأدب العربي إلى ذلك الكتاب بعد أن استسرَّ رسمُه، وكاد أن لا يُعرف عند بعضهم إلا اسمُه. وها أنا ذا أقفّي على أثره، وأضمُّ إلى عِقْدِ تعريفه بعضَ درره، سالكًا سبيلَ ترتيبه، لأكون كالحبيب المساير لحبيبه.

стр. 1842

نسبه: ذكر الأستاذ النجار عن السيوطي أن أبا حيان يسميه في "الارتشاف" ابن السكّاكي (١)، إلخ، وأنا لم أر من العلماء مَنْ سماه بذلك (٢). وهذا ياقوت الحموي - وهو من معاصريه - لا يذكره في معجم الأدباء إلا بوصف السكاكي (٣). وهؤلاء علماء بلاده وما قاربها والعاكفون على كتابه لا يذكرونه إلا بوصف السكاكي. نعم، إن الجمعَ بين صيغة فعّال الدالة على النسبة للصناعة وبين ياء النسب تُؤْذِن بأنه منسوبٌ إلى صانع السكّة، فيكون السكّاك أباه أو جدّه، وأنه لم يكن صنعُ السكّة من صناعته، فلعل هذا ما خوّل لأبي حيان التعبيرَ عنه بابن السكّاك. وكان يُلقَّبُ بـ "سراج الملة والدين"، كما لقبه بذلك القطبُ الشيرازي في "شرح المفتاح" والتفتازاني في "المطول" (٤). ويُلقب بسراج المعالي، كما لقبه التفتازاني في "شرح المفتاح" (٥)، وبعضُ الشعراء الذي مدح كتابه، كما سيأتي. ولم يلقبه ياقوت في معجم الأدباء بشيء.

стр. 1843

اهتمام العلماء بكتاب المفتاح أورد الأستاذ النجار شاهدًا على ذلك خطبةَ السيد الشريف في شرحه للقسم الثالث من المفتاح (١). وهنالك شاهدٌ أعظم، وهو كلامُ العلامة قطب الدين الشيرازي في شرحه الذي سماه "مفتاح المفتاح"، فإنه أبعدُ عهدًا، وأقربُ بالمؤلف عصرًا؛ لأنه أتمَّ شرحَه سنة إحدى وسبعمائة (٧٠١ هـ). قال: "وقد ألف الناسُ فيهما (أي علمي المعاني والبيان) وجلبوا ذهبًا، أو حطبوا حطبًا، وما من تأليفٍ إلا وقد تصَفَّحتُ سينَه وشينَه، وعلمتُ غثَّه وسَمِينَه، فلم أجد ما يُنتفع به (٢) في ذلك حقَّ الانتفاع إلا كتاب "المفتاح" للإمام البارع، سراج الملة والدين، أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر بن علي (كذا) السكّاكي الخوارزمي، برَّد الله مضجعَه، ونوّر مُهجته. وذلك أنه لمَّا كان إمامَ أئمة البلاغة ببيانه، ومالكَ أزمة الفصاحة ببنانه، وناظمَ درر الفوائد في منظوم فرائده، وناثرَ غُرَرِ الفوائد في منثور فوائده، استقادت له البراعةُ بأرسانها، واستفادت منه البراعةُ بفرسانها. فسوابقُ فصاحته لا تُجارَى حلباتُها، ولواحقُ بلاغته لا تُبارَى غلباتُها، ونفائسُ فرائده لا تُنَافَس. . . ومقائس فوائده لا تقاس في أحكامها، جرى طِرْفُ فضله المجلى في حلبة الرهان فجلّى، وسما طَرْفُ شرفه إلى معارج الطُّرَف وتعلّى، فارتقى من أفنان فنونه إلى مرقَى الفرائد، وعُدَّ من أماجد الأفراد وأفراد الأماجد. فهو الذي أصبح به بحرُ هذين العلمين عذبًا فراتًا

стр. 1844

بعد ما كان ملحًا أُجاجًا، وأبدع فيهما غرائبَ أوضح بها لمن بعده طُرقًا فجاجًا، حتى أصبحت روضةُ العلمين مفتحة الأزهار متسلسلةَ الأنهار"، إلى أن قال: "ولله درُّ القائل فيه: سِرَاجُ المَعَالِي يُوسُفُ بنُ مُحَمَّدٍ ... بِمِفْتَاحِهِ قَدْ حَلَّ كُلَّ مُعَقَّدِ وَأَعْجَزَ بِالإِيجَازِ فِي سِحْرِ لَفْظِهِ ... فَكَادَ بِهِ يسْبِي النُّهَى وَكَأَنْ قَدِ فَلَمْ نَرَ فِي كُتبِ الأَوَائِلِ مِثْلَهُ ... وَإِنْ لَمْ تُصَدِّقْنِي بِهِ فَتَفَقَّدِ" إلى آخر كلامه (١). وقد جرى أسلوبُ تأليف "المفتاح" على طريقة الضبط، والتقسيم، والتحديد، والتدرج في توليد المسائل اللاحقة عن مسائل السابقة، والحوالة على قواعد العلوم الأخرى، وتعليل وجوهِ انحصار العلوم والأبواب فيما حوته من المسائل، وتلك هي الطريقةُ المتبعةُ في العلوم العقلية والمنطقية. فالسكاكي يُعنى بتلك الطريقة في تنظيم كتابه وتسويته، وتفريغ (٢) مباحثه ومسائله، كما أفصح عن ذلك في ديباجته، من ذلك قوله: "وأنت تعلم أن المفرد متقدِّمٌ على أن يؤلف (أي يُرَكَّب) وطِباق المؤلَّف (أي المركب) للمعنى متأخر عن نفس التأليف، لا جرم أنّا قدمنا البعض على هذا الوجه وضعًا، لنؤثر تقدمًا استحقه طبعا" (٣). وقال في صدر

стр. 1845

علم المعاني: "ولما كان علمُ البيان شعبةً من علم المعاني لا تنفصل عنه إلا بزيادة اعتبار، جرى منه مجرى المركّبِ من المفرد، لا جرم آثرنا تأخيرَه" (١). وربما سلك في مسائله وأمثلته مسالكَ العلوم العقلية كقوله: "وأما الحالة التي تقتضي وصفَ المعرف فهي إذا كان الوصف مبينا له كاشفًا عنه، كما إذا قلت: الجسم الطويل العريض العميق محتاجٌ إلى فراغ يشغله". (٢) وكذلك كلامه في مبحث تعريف المسند إليه بلام التعريف، حيث بناه على قواعد الكلي الطبيعي وأفراده المقررة في علم المنطق (٣). وكذلك كلامُه في الجمع بين مدلول الجملتين في الذهن من باب الفصل والوصل (٤)، وفي تقسيم وجه الشبه من باب التشبيه، حيث بناه على قواعد الحس المشترك من مسائل علم الحكمة (٥).

стр. 1846

وقد قال العلامةُ التفتازاني هنالك بعد أن فرغ من التقسيم: "واعلم أن أمثالَ هذه التقسيمات التي لا تتفرع على أقسامها أحكامٌ متفارقة، قليلةُ الجدوى. وكأن هذا ابتهاجٌ من السكاكي باطلاعه على اصطلاحات المتكلمين. فلله درُّ الإمام عبد القاهر وإحاطته بأسرار كلام العرب وخواص تراكيب البلغاء؛ فإنه لم يزد في هذا المقام على التكثر من أمثلة أنواع التشبيهات، وتحقيق اللطائف المودَعة فيها". (١) وأسلوبُ نظم كلامه في "المفتاح" وإن كان مملوءًا بالنكت الأدبية الدالة على ضلاعته في العلوم الأدبية، فهو غير خَليٍّ من النزوع إلى اللهجة الحكمية التي نرى عليها كتبَ أمثال ابن سينا مع فصاحته المشهود بها. وربما أطال الجملَ وأكثر المعترضات منها، فألجأ الناظرَ أن يعود بنظره من آخر الكلام إلى أوله ليلتئم المعنى المقصود في فهمه. ولذلك لم يختلف العلماء في صعوبة فهم كتابه على غير المتضلعين في العلم، بخلاف أسلوب الشيخ عبد القاهر في "دلائل الإعجاز"، فإن نسج كلامه يكسب مطالعه ملكة إنشائية متينة. وأنا وإن كنتُ لا أنصح الأدباء باتباع أسلوب نظم كلامه، أرى لهم في الإقبال عليه اكتسابَ ثروة من الألفاظ المفردة الفصيحة. ومما اختصَّ به السكاكيُّ أنه غيّر كثيرًا من ألفاظ المصطلحات العلمية، خصوصًا المصطلحات المنطقية؛ لأنه حاولَ ابتزازَ (٢) علم النظر إلى العلوم العربية، واخترع ألفاظًا اصطلاحية لم تكن من عناوين المسائل. ومن أهم ما اشتمل عليه المفتاح خاتمته، وهي فذلكةٌ في رد المطاعن عن القرآن من أحسن ما كتب في هذا الغرض وفاءً به وإيجازا (٣).

стр. 1847

ومع مكانة كتاب "المفتاح" وصعوبته، لم يحظ بنسخة مخطوطة صحيحة إلا نادرًا، ولم يحظ بطبعة علمية تناسبه، إنما طُبع طبعة واحدة بمطبعة التقدم بالقاهرة سنة ١٣٤٨ لا تكاد تغني المطالع، فليت همةَ رجال الأدب بمصر تتوجه إلى طبعه طبعة علمية (١). نشأة السكاكي الجثمانية والعلمية: ذكر ياقوت في "معجم الأدباء" أنه ولد سنة ٥٥٤ هـ (أربع وخمسين وخمسمائة)، وأنه من أهل خوارزم، قال: "وهو اليوم حيٌّ ببلده" (٢). ولما كانت وفاته ٦٢٦ هـ (ست وعشرين وستمائة) يكون قد عُمِّر اثنين وسبعين سنة أو ما يقاربها. وقد نوّه السكاكيُّ في مواضع كثيرة من كتابه بشيخه الحاتمي تنويهًا دلّ على أن تعويلَه في تلقي العربية كان على الحاتمي، فمن هو هذا الحاتمي؟ ذلك ما أعيانا البحثُ عنه بمراجعة مظانِّ من كتب تراجم الأدباء وبخاصة معجم ياقوت، وكتاب ابن الأنباري، والبغية، والوافي للصفدي، ومن كتب النحو المظنون بها التعرض إلى ذكر آراء في النحو انفرد بها، وبمراجعة شروح المفتاح الموجودة لدينا، وهي شروح الشيرازي، والتفتازاني، والسيد الشريف، والكاشي، والكاتبي، وابن كمال باشا، فلم نظفر فيه بأكثر مما سأذكره:

стр. 1848

الحاتمي هذا يُلقب شرف الدين، حسبما قاله العلامةُ سعد الدين التفتازاني في شرحه للقسم الثالث من المفتاح قبيل الفن الأول من القانون الأول. ويظهرُ أنه من تلامذة عبد القاهر الجرجاني من قول سعد الدين في ذلك الموضع: "أورد على دعواه شاهديْ عدلٍ من كلام شيخه شرف الدين الحاتمي، وشيخ الكل عبد القاهر الجرجاني" (١). وقد كان الحاتمي من أصحاب الرأي في النحو والصرف، وأذكر أني رأيتُ في مواضع من المفتاح إسنادَ آراء له في العربية، منها - فيما أذكره - أنه كان يرى أن اللام الداخلة على فاعل أفعال المدح هي لتعريف العهد لا للجنس، فليراجع (٢). وذكر أنه زاد في تقسيم الاشتقاق إلى صغيرٍ وكبيرٍ قسمًا ثالثًا سماه الاشتقاقَ الأكبر، فقال: "وههنا نوعٌ ثالثٌ من الاشتقاق كان يسميه شيخُنا الحاتميُّ رحمة الله عليه الاشتقاق الأكبر، وهو أن يتجاوزَ على ما احتملته أخواتُ تلك الطائفة من الحروف نوعًا ومخرجًا، وقد عرفت الأنواع والمخارج [على ما نبهناك]، وأنه نوع لم أر أحدًا من سحرة هذا الفن - وقليلٌ ما هم - حام حوله على وجهه إلا هو". (٣) كما كان الحاتميُّ من أئمة فنون البلاغة وأصحاب الذوق فيها، قال في المفتاح: "وكان شيخُنا الحاتمي - ذلك الإمام الذي لن تسمح بمثله الأدوار، ما دار الفلك الدوّار، [تغمده الله برضوانه]- يحيلنا بحسن كثير من محسنات الكلام إذا راجعناه

стр. 1849

فيها على الذوق (١)، ونحن حينئذ ممن نبغ في عدة شعب من علم الأدب، وصبغ بها يده، وعانى فيها وَكْدَهُ (٢) وكدَّه" (٣). نحلته ومذهبه (٤): أما نحلتُه في أصول الدين، فلا شك في أنه كان معتزليًّا من المعتزلة العدلية، وهم الذين يرجعون إلى واصل بن عطاء الغزال، ثم أبي علي الجبائي، وهم أعدل المعتزلة وأقربهم إلى الأشاعرة. وكلامُه في كتاب المفتاح في مواضع لا يترك ريبةً في ذلك. من ذلك قولُه في الحالة المقتضية ذكرَ المسند إليه: "ويصلح لشمول هذه الاعتبارات قولُك عند المخالف: الله إلهنا، ومحمد نبينا، والإسلام ديننا، والتوحيد والعدل مذهبنا". (٥) ومن ذلك قولُه في اعتبارات الفصل والوصل: "بخلافه (أي العطف) في نحو الشمس، ومرارة الأرنب، وسورة الإخلاص، والرجل اليسرى من الضفدع، ودين المجوس، وألف باذنجانة، كلها محدثة" (٦)، فلا شك أن الإعلان بكون القرآن محدثًا من عادة المعتزلة. ومن ذلك قولُه في قسم الاستدلال: "اللهم إلا إذا جعلتَ الوجودَ غيرَ زائد على الماهية، كما هو الراجحُ عندنا" (٧)، ومن المقرَّر أن المعتزلة قائلون إن الوجود عند الأشعري هو عينُ الموجود، وإن كان جماعةٌ من الأشاعرة وافقوا المعتزلةَ في هذه

стр. 1850

المسألة (١). وقولُه في مبحث الإيجاز في تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]: "أي تارة أطاعوا وأحبطوا الطاعةَ بكبيرة، وأخرى عصوا وتداركوا المعصيةَ بالتوبة" (٢)، فجعل الكبيرةَ محبطةً للطاعة. وتأوَّل قولَه تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] بأن ذلك إذا كان آخرَ أحوالهم التوبة (٣). وشواهدُ كونه من المعتزلة كثيرةٌ في كلامه. وممن صرَّح بكونه معتزليًّا العلامةُ الشيرازيُّ في شرح القسم الثالث من المفتاح عند قول السكاكي: "وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقفَ على تمام مراد الحكيم - تعالى وتقدس - في كلامه مفتقرٌ إلى هذين العلمين كلَّ الافتقار" (٤)، قال العلامة الشيرازي: "واعلم أن مذهب المشائخيّ من المعتزلة، أنا نعرف تمامَ مراده تعالى من كلامه، ومذهب غير المشايخي منهم - ومنهم المصنف - أنه لا يمكن. . ." إلخ (٥)، فلا ينبغي جزمُ الأستاذ النجار بأنه كان سُنيا.

стр. 1851

وأما مذهبُه في الفروع، فقد تردد الشيخُ النجار في كونه من أتباع المذهب الحنفي أو من أتباع المذهب الشافعي، وقد كان كلا المذهبين فاشيًا في جهات خوارزم. وإن أمثالَ السكاكي من العلماء الذين ليس لهم حظٌّ معتبرٌ في إتقان علوم الفقه ولا تأليف. ولقد يكثرُ أن يتجاذَبَهم أتباعُ المذاهب الفقهية إلى حظائر مذاهبهم: يكون ذلك لمجرد التردُّدِ في تقليدهم، ويكون لأخذِهم العلمَ عن علماء من المذهبين. على أنَّ من أساطينِ العربية مَنْ لا يُعرف مذهبُه، فهذا سيبويه إمام النحاة لا يُدرى أكان مالكيًّا أم شافعيًّا أم حنفيًّا؛ لأن المذاهب الثلاثة في زمانه كانت فاشية في العراق. وهذا الإمام الأشعري قد تجاذبه المالكيةُ والشافعية، وترجم له في طبقات المذهبين، والتحقيق أنه كان مالكيا. ومثلُه الإمام أبو بكر الباقلاني، فقد ذُكر في طبقات علماء المالكية، وفي طبقات علماء الشافعية، والتحقيقُ أنه كان مالكيا. وقد كان السكاكيُّ معدودًا من فطاحل علماء الكلام، ومواضعُ من كتابه شاهدةٌ بذلك، وطريقتُه في العربية هي الطريقةُ البصرية، أعني طريقةَ سيبويه وأتباعه، وهم الذين يعنيهم في كتاب "المفتاح" بقوله أصحابنا. العصر الذي ألف فيه "المفتاح " كان ذلك في خلافة الخليفة الناصر لدين الله، وقد قال في أمثلة الحالة المقتضية ذكر المسند إليه: "والناصر لدين الله خليفتنا، والدعاء والثناء عليه وظيفتنا" (١) وقد دام الناصر لدين الله في الخلافة سبعًا وأربعين سنة من سنة ٥٧٥ هـ إلى سنة ٦٢٣ هـ.

стр. 1852

على أن السكاكيَّ قد عزم على إملاء حواشٍ على كتابه لبسط ما أجمله في مواضع قصدًا للاختصار، ولذلك قال في أوله: "وها أنا مملٍ حواشيَ جاريةً مجرى الشرح للمواضع المشكلة، مستكشفةً عن لطائف المباحث المهملة، مطلعة على مزيد تفاصيل في أماكن تمس الحاجة إليها". (١) وقال في آخر الكتاب: "فلنؤثر ختْمَ الكلام حامدين الله تعالى ومصلين على الأخيار، ونشمِّر الذيلَ لإملاء حواشٍ عَرِيَ عن بعض فوائدها المتنُ لقصد الاختصار". (٢) وأحال في أثناء الكتاب غيرَ مرة على هذه الحواشي، إلا أنه لا يوجد في كلامِ شُرَّاحِ كتابه ما هو مأخوذٌ من حواشيه، فالظاهرُ أن هذه الحواشيَ لم يقع الشُّروعُ فيها، وذلك يدلنا على أنه أتمَّ كتاب "المفتاح" في أواخر عمره، وأواخر خلافة الناصر.

стр. 1853

تذييل لترجمة سعد الدين التفتازاني (١) لَمَّا مررت على القاهرة في مرجعي من الحج، ذلك المرور الذي كان مثله كمثل قول ابن الخطيب: لَمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إِلَّا حُلُمَا ... فِي الكَرَى أَوْ خلْسَةَ المُخْتَلِسِ (٢) كان من أهم ما بادرت باقتنائه أجزاء مجلة "الهداية الإسلامية" التي انحبست عني جراء الانقطاع البريدي بين تونس ومصر في أيام هذه الحروب، وحين استقر بي النوى، ونشرت من حقيبتي ما انطوَى، وراجعت المطالعة التي كان ذهني عنها انزوَى، طالعت فيما طالعته منها ترجمة لسعد الدين التفتازاني من تحرير العلّامة المحقق محمد علي النجار المدرس بكلية اللغة العربية، المنشورة في الجزءين من المجلد ١٣، فألفيت ترجمة وافية بتحليل نواحي ذلك الرجل العظيم النادر المثيل في علماء الإسلام. ورغبة في استيفاء ما يمكن استيفاؤه، أردت التعليق والتذييل لذلك المقال الممتع. أ - قول الأستاذ النجار "لكنه (أي التفتازاني) فيما يظهر لا يوقر الصحابي الجليل سيدنا معاوية" إلخ. وقد رأيت أن استظهار الأستاذ لا يتم، فإن قول سعد الدين: "وبالجملة لم ينقل عن السلف المجتهدين والعلماء الصالحين جوازَ اللعن على

стр. 1854

معاوية وأعوانه؛ لأن غاية أمرهم البغي والخروج عن طاعة الإمام وهو لا يوجب اللعن" (١)، يتعين حملُه على أنه قصد الردَّ على الشيعة الذين يجوِّزون ويأتون ذلك البذاء الشنيع. فأراد إلجاءهم إلى الاعتراف بانتفاء إجازة ذلك من سلف الأمة المقتدى بهم، إذ لا يستطيع المخالف إثبات هذه الإجازة المنفية. وقرينةُ مراده أنه ذكر كلماته تلك بعد أن أورد الأحاديثَ النبوية الدالّة على وجوب توقير أصحاب رسول الله ﷺ ، وبعد قوله: "وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات، فله محامل وتأويلات. فسبُّهم والطعنُ فيهم إن كان مما يخالف الأدلة القطعية، فكفر، وإلا بدعة وفسق" (٢). ب - ويقول الأستاذ حاكيًا عن النسائي أنه قال: "أما يرضى معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتى يُفضّل؟ " (٣) وهذه الكلمة وإن كانت منقولةً في ابن خلكان، فأنا أحسبها تقولًا على النسائي أو سوءَ نقل لكلامه. وذلك الكلام وإن كان المقصود منه أن معاوية ليس أفضل من علي، وهذا معتقدُنا ومعتقد أهل السنة قاطبة، ولكن صيغته لا تخلو من عجرفة وجلافة؛ لأن كلمة "أما يرضى" فيها معنى الإنكار على عدم الرضا. ولعل أصل عبارة النسائي إن كان لها أصل: "أما ترضون أن يخرج معاوية رأسًا برأس"، أي أن يكون من جملة أهل الفضل، أي في الصحبة؛ لأنها مقولة لمن يعتقدون أفضليةَ معاوية على عليّ ﵄. فإن كلمة "أما يرضى" إنما تقال لمن يُظَنُّ به عدم الرضا، وليس لمعاوية ﵁ ادعاء أنه أفضل من علي. والذي ينبغي

стр. 1855

اعتماده في هذا الشأن هو ما ذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية أن النسائي سئل عن التفضيل بين عليٍّ ومعاوية ففضل عليًّا، فخاض في ذلك بعضُ الخوارج وألف كتابًا في فضل علي، فسئل عن سبب تأليفه فقال: "دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت هذا الكتاب رجاء أن يهديهم الله". (١) جـ - ثم تعرض الأستاذ لتعيين المذهب الذي كان سعد الدين يتقلده، فلم يأت بما يدل على انفصاله في ذلك. وقد يلوح أنه انتقل من مذهب إلى مذهب، ولكني رأيتُ العلامة الفناري قد جزم أنه كان شافعيَّ المذهب (٢). د - وذكر الأستاذ النجار أن لسعد الدين ولدًا، وأنه يقال: إنه ألّف شرح تصريف الزنجاني (٣) لأجله. وأقول: قد ألف لولده هذا متن تهذيب الكلام في المنطق والكلام، وقال في أوله: "وتبصرة لمن أراد أن يتبصر من أولي الأفهام، لا سيما الولد الأعز الحري الحفي بالإكرام، سمي حبيب الله عليه التحية والسلام".

стр. 1856

هـ - وذكر الأستاذ النجار ردَّ التفتازاني (١) على الكتاب المسمّى بالفصوص المنسوب إلى الشيخ محيي الدين بن عربي، وتردد في صحة ما ذكره كاتبُ الدائرة من نسبته إلى التفتازاني. وأقول: إن كتاب الرد المنسوب إلى التفتازاني موجودٌ بالمكتبة الصادقية بتونس منسوبًا إلى التفتازاني، وأوله: "الحمد لله المتعالي عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا". فعلينا أن نحقق: أهذا هو الموجود في مكتبة برلين أم هو غيره. أما فاضحة الملحدين، فقد نسبه في كشف الظنون إلى علاء الدين. و- ونختم هذا التذييل بأن سعد الدين يلقب بين علماء العصور المتأخرة بالعلامة الثاني، ويعنون أنه ثانٍ لمن اشتهر تلقيبه بالعلّامة وهو الزمخشري. وكفى بهذا اللقب تنويهًا بمكانته بين علوم العربية.

стр. 1857

الفَرْعُ الثَّالِث مُقَدِّمات كُتُب

стр. 1858

النابغة الذبياني وشعره (١) بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد، فلئن كان شعرُ النابغة محطًّا لهمم أئمة اللغة والأدب، لقد كان جمعُه بمنأى عن متعارَف جهودهم. إن شعره بالمنزلة العليا فصاحةَ لفظ، وبلاغةَ تركيب، وشرفَ معنى، وتباعدًا عن الضرورات وعن ضعف التأليف. وإنَّ فيه لَوصفَ أحوالٍ كثيرة من أحوال العرب، وعاداتهم، وديارهم، وأيامهم، وحياة عامتهم وملوكهم، مما خلا عنه شعرُ غيره مِمَّنْ سبقه وعاصره. فشعرُ النابغة مَوْلَجٌ للذين يهمهم الاطلاعُ على شؤون العرب في آخر عصر الجاهلية؛ إذ كان النابغةُ مرجعَ فصاحتهم، وموئلَ ذوي الحاجات منهم، لما له من الوهاجة لدى ملوك العرب وسادتهم؛ لأنه كان صاحبَ الرأي فيهم. فكان واسطةً لديهم في شؤون خطيرة لقومه وجيرتهم، وقد تغلغل في منازل ملوك غسان بالشام، وملوك اللخميين بالحيرة. وكان الشأنُ أن يتوفَّر اهتمامُ أئمةِ الأدب الأقدمين بجمع ما يُروَى من شعر النابغة، كدأبهم في شعر نظرائه، ولا سيما وهو أقربُ عصرًا إليهم من كثيرٍ من شعراء الجاهلية الذين جُمعت دواوينُهم.

стр. 1859

ورد ذكرُ ديوان النابغة من رواية الأصمعي في فهرست ابن النديم، وورد في "الفهرست" أيضًا أن أبا سعيد السكري (الحسن بن الحسين المتوفى سنة ٢٧٥ هـ) عمل شعر النابغة (١). غير أن هذين الجمعين خفتَ ذكرُهما، فلا نعرف ديوانَ النابغة مجموعًا إلا في ضمن ديوان الشعراء الستة: امرئ القيس، وعلقمة بن عبدة، وزهير، والنابغة، وطرفة، وعنترة، منسوبًا ما فيه من شعر النابغة إلى رواية الأصمعي، وفي آخره سبع قصائدُ ألحقت به، قال مَنْ ألحقها: إنها من غير رواية الأصمعي (٢). وهذا الديوانُ يوجد في مجموعٍ بالمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس، عدد ٤٦٠٩، ومجموع عدد ٤١٩٤. ويوجد شرحٌ لشعر النابغة يشرح غريبَ لغته، وأكثر روايته في تفسير مفرداته عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي عمرو. قال في بعض المواضع: "حدثنا أبو عبيدة". وتكرر في هذا الشرح أن يقول: "قال أبو جعفر"، فيظهر أن ذلك قولُ الشارح، وأن كنية الشارح أبو جعفر. ورأيتُ في "خزانة الأدب" للبغدادي في شرح الشاهد ٢٢٥

стр. 1860

(ص ٢٣٥ جزء ٣) كلامًا منسوبًا إلى شارح ديوان النابغة بدون تسمية الشارح (١)، فتتبعته فوجدته مماثلًا لما يوجد في نسخة هذا الشرح التي بتونس. وتركُ البغدادي تسميةَ شارح الديوان يحتمل أن يكون لشهرة الشرح عندهم، بحيث إذا أُطلق عرف الشارح، ويحتمل أن يكون لعدم تعين الشارح. وقد كنتُ عهدتُ إلى بعض الخبراء من أساتذة تونس حين سفره إلى القاهرة بأن يراجع في دار الكتب بالقاهرة شروحَ ديوان النابغة، فأخبرني أنه وجد نسخةً مماثلة للتي بالمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة غير معزوة إلى مؤلِّف. لذلك يغلب على الظن أن هذا الشرح لأبي جعفر أحمد بن محمد بن النحاس؛ إذ قد ذكر ابن خلكان أن ابن النحاس فسر عشرة دواوين وأملاها. كما ذكر عاصم البطليوسي في شرحه لديوان النابغة أن لأبي جعفر النحاس شرحًا على شعر النابغة (٢)، فغلب على الظنِّ
следующие страницы →