هـ - وذكر الأستاذ النجار ردَّ التفتازاني (١) على الكتاب المسمّى بالفصوص المنسوب إلى الشيخ محيي الدين بن عربي، وتردد في صحة ما ذكره كاتبُ الدائرة من نسبته إلى التفتازاني. وأقول: إن كتاب الرد المنسوب إلى التفتازاني موجودٌ بالمكتبة الصادقية بتونس منسوبًا إلى التفتازاني، وأوله: "الحمد لله المتعالي عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا". فعلينا أن نحقق: أهذا هو الموجود في مكتبة برلين أم هو غيره. أما فاضحة الملحدين، فقد نسبه في كشف الظنون إلى علاء الدين.
و- ونختم هذا التذييل بأن سعد الدين يلقب بين علماء العصور المتأخرة بالعلامة الثاني، ويعنون أنه ثانٍ لمن اشتهر تلقيبه بالعلّامة وهو الزمخشري. وكفى بهذا اللقب تنويهًا بمكانته بين علوم العربية.
стр. 1857
الفَرْعُ الثَّالِث
مُقَدِّمات كُتُب
стр. 1858
النابغة الذبياني وشعره (١)
بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد،
فلئن كان شعرُ النابغة محطًّا لهمم أئمة اللغة والأدب، لقد كان جمعُه بمنأى عن متعارَف جهودهم. إن شعره بالمنزلة العليا فصاحةَ لفظ، وبلاغةَ تركيب، وشرفَ معنى، وتباعدًا عن الضرورات وعن ضعف التأليف. وإنَّ فيه لَوصفَ أحوالٍ كثيرة من أحوال العرب، وعاداتهم، وديارهم، وأيامهم، وحياة عامتهم وملوكهم، مما خلا عنه شعرُ غيره مِمَّنْ سبقه وعاصره. فشعرُ النابغة مَوْلَجٌ للذين يهمهم الاطلاعُ على شؤون العرب في آخر عصر الجاهلية؛ إذ كان النابغةُ مرجعَ فصاحتهم، وموئلَ ذوي الحاجات منهم، لما له من الوهاجة لدى ملوك العرب وسادتهم؛ لأنه كان صاحبَ الرأي فيهم. فكان واسطةً لديهم في شؤون خطيرة لقومه وجيرتهم، وقد تغلغل في منازل ملوك غسان بالشام، وملوك اللخميين بالحيرة.
وكان الشأنُ أن يتوفَّر اهتمامُ أئمةِ الأدب الأقدمين بجمع ما يُروَى من شعر النابغة، كدأبهم في شعر نظرائه، ولا سيما وهو أقربُ عصرًا إليهم من كثيرٍ من شعراء الجاهلية الذين جُمعت دواوينُهم.
стр. 1859
ورد ذكرُ ديوان النابغة من رواية الأصمعي في فهرست ابن النديم، وورد في "الفهرست" أيضًا أن أبا سعيد السكري (الحسن بن الحسين المتوفى سنة ٢٧٥ هـ) عمل شعر النابغة (١). غير أن هذين الجمعين خفتَ ذكرُهما، فلا نعرف ديوانَ النابغة مجموعًا إلا في ضمن ديوان الشعراء الستة: امرئ القيس، وعلقمة بن عبدة، وزهير، والنابغة، وطرفة، وعنترة، منسوبًا ما فيه من شعر النابغة إلى رواية الأصمعي، وفي آخره سبع قصائدُ ألحقت به، قال مَنْ ألحقها: إنها من غير رواية الأصمعي (٢). وهذا الديوانُ يوجد في مجموعٍ بالمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس، عدد ٤٦٠٩، ومجموع عدد ٤١٩٤.
ويوجد شرحٌ لشعر النابغة يشرح غريبَ لغته، وأكثر روايته في تفسير مفرداته عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي عمرو. قال في بعض المواضع: "حدثنا أبو عبيدة". وتكرر في هذا الشرح أن يقول: "قال أبو جعفر"، فيظهر أن ذلك قولُ الشارح، وأن كنية الشارح أبو جعفر. ورأيتُ في "خزانة الأدب" للبغدادي في شرح الشاهد ٢٢٥
стр. 1860
(ص ٢٣٥ جزء ٣) كلامًا منسوبًا إلى شارح ديوان النابغة بدون تسمية الشارح (١)، فتتبعته فوجدته مماثلًا لما يوجد في نسخة هذا الشرح التي بتونس. وتركُ البغدادي تسميةَ شارح الديوان يحتمل أن يكون لشهرة الشرح عندهم، بحيث إذا أُطلق عرف الشارح، ويحتمل أن يكون لعدم تعين الشارح.
وقد كنتُ عهدتُ إلى بعض الخبراء من أساتذة تونس حين سفره إلى القاهرة بأن يراجع في دار الكتب بالقاهرة شروحَ ديوان النابغة، فأخبرني أنه وجد نسخةً مماثلة للتي بالمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة غير معزوة إلى مؤلِّف. لذلك يغلب على الظن أن هذا الشرح لأبي جعفر أحمد بن محمد بن النحاس؛ إذ قد ذكر ابن خلكان أن ابن النحاس فسر عشرة دواوين وأملاها. كما ذكر عاصم البطليوسي في شرحه لديوان النابغة أن لأبي جعفر النحاس شرحًا على شعر النابغة (٢)، فغلب على الظنِّ
стр. 1861
أن هذا الشرحَ الذي لم يُنسب في النسختين بتونس وبالقاهرة هو شرح أبي جعفر ابن النحاس (١).
أما أنا فلم أقف على ديوان النابغة إلا ما اشتمل عليه شرحٌ عليه لعاصم بن أيوب البطليوسي بطبع المطبعة الوهبية بمصر سنة ١٢٩٣ هـ. في ضمن مجموع عُنون بعنوان "خمسة دواوين من أشعار العرب" نُسبَتْ على التوزيع إلى النابغة، وعروة بن الورد، وحاتم الطائي، وعلقمة الفحل، والفرزدق. ولم يذكر طابعُه مرجعَه فيما طبع، ولم يذكر الشارحُ البطليوسي الروايةَ التي اعتمد عليها. ويظهر أنه اعتمد روايةَ الأصمعي مما جمعه من شرح الشعراء الستة.
ووقفتُ على ما جمعه الراهبُ لويس شيخو في كتابه الذي سماه "شعراء النصرانية"، وطبع في بيروت سنة ١٨٩٠ م الموافق لعام ١٣٥٧ هـ. ويظهر أنه جرد ما في شرح عاصم بن أيوب البطليوسي، وزاد عليه أبياتًا مما في كتب الأدب، إلا أنه خلط ذلك بما هو من شعر النابغة الجعدي أو من شعر غيره دون تثبت. على أنه أَعْرَى ما جمعه عن بيان مراجعه بالتفصيل، ولكنه أجملَ فعد مراجعَه عدًّا في آخر
стр. 1862
ترجمة النابغة، ورأيتُ أنه أخذ أبياتًا كثيرةً من "معجم البلدان" لياقوت وأبياتًا من كتاب "لسان العرب".
وقد أصدرت المكتبةُ الأهلية في بيروت سنة ١٣١٥ هـ ديوان النابغة مقتضبًا من المجموع الذي طُبع بالمطبعة الوهبية بمصر سنة ١٢٩٣ هـ, مقتصرًا على ما شرحه عاصم البطليوسي دون ما جاء في ذلك الشرح من قصائد للنابغة غير مشروحة، مذيلةً صفحاته بتعاليق مقتضبة من شرح عاصم بن أيوب البطليوسي.
ثم إن المكتبةَ الأهلية ببيروت نشرت أيضًا سنة ١٣٤٧ هـ/ ١٩٢٩ م ديوان النابغة بأن أعادت ما نشرته في المرةَ الأولى، مع زيادةِ قصائدَ ومقاطيع نُسبت إلى النابغة، بعضُها معروفُ النسبة إليه، وبعضُها لا نعرفه، وبعضُها من شعر غير النابغة. ولولا هذا الخلط، لكانت هذه الطبعةُ أجدى من الطبعة الأولى.
وقد علق عليها بعضُ أهل الأدب حُلِّيَ بوصف الأستاذ، وسُمِّيَ عبد الرحمن سلام، ولم نقف على ترجمته، أكثرُها من التعاليق التي في طبعة الأولى. ويظهر من لهجة الكلمة التي قدمها الأستاذ المذكور في صدر هذه الطبعة أن له حظًّا موفورًا من الأدب، غير أنه تبرأ من عهدة صحة النسخة التي طُلب منه التعليقُ عليها.
ولا توجد لديوان النابغة طبعةٌ على رواية منسوبة، عدا ما طُبع من شرح عاصم بن أيوب البطليوسي (١). وفي معجم المطبوعات لسركيس ذكر كتاب "العقد الثمين في دواوين الشعراء الستة الجاهليين"، منهم النابغة وأنه طبع في ليدن سنة ١٨٧٠ م، وكتب في كتاب "شعراء النصرانية" لندن عوض ليدن (انظر ص ٧٣٢ جزء ١)، وأنه طبع في بيروت سنة ١٨٨٦ م، وأنه طبع في مصر سنة ١٩١٠ م.
стр. 1863
وغالبُ ظني أنه هو ديوان الشعراء الستة الموجودة منه نسختان في الخزانة الأحمدية بجامع الزيتونة.
فعمدتُ إلى ما اتفق على إثباته عاصم بن أيوب البطليوسي في شرحه، وأبو جعفر في شرحه، وجمعتُ منهما هذا الديوان، مبتدئًا بما اتفقا على إثباته، ومعبرًا عنه بقولي: "قال النابغة" أو نحوه دون عزو إلى أحد الشرحين لاتفاقهما عليه. ثم أذكرُ ما انفرد به أبو جعفر في شرحه معزوًّا إليه، مع التنبيه في جميع ذلك على اختلاف الروايات في الألفاظ وفي ترتيب الأبيات.
وأثبتُّ ما يوجد من شعر النابغة في "ديوان الشعراء الستة" الموجود بجامع الزيتونة المذكور فيما تقدم، وهو الذي أعنيه إذا قلت: "في نسخة الديوان". وضممتُ إلى ذلك ما خلا عنه كلا الشرحين، فألحقت بكل حرف من حروف القوافي ما حصل لدي من شعر النابغة، وعبرت عنه بملحقات، منبهًا على ذكر من نسبه إلى النابغة الذبياني، مع بيان مرجعي في ذلك.
وعلقتُ على ما يحتاج إلى التعليق من الأبيات: بتفسير غريب المفردات، وبيان المعاني الخفية دول تطويل، مما لم يعرج عليه في شرح عاصم بن أيوب الذي هو المطبوع الوحيد. ورأيتُ ذلك كافيًا لإقبال الذين لهم تأهلٌ لمطالعة الديوان حتى تقع لديهم طبعةٌ علمية منه.
ويُوجد بين الذين روَوْا شعرَ النابغة اختلافٌ في إثبات أبيات القصائد وفي كلمات من الأبيات. وأشهر الرواة لشعر النابغة: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو عمرو، وابن الأعرابي. وأشهر رواية الأصعمي ما يوجد في "ديوان الشعراء الستة" للأصعمي. على أن للأصعمي رواياتٍ ليست مما في "ديوان الشعراء الستة"، وهي مروياتٌ على عهد أئمة الأدب، وقد نسبها أبو جعفر في شرح ديوان النابغة لرجلٍ يُعرف بابن الجصاص. ورواية في ديوان النابغة ذكرها أبو جعفر في شرحه في قصيدة "ودع أمامة إن أردت رواحا".
стр. 1864
نسبه:
اسمُه زياد، وهو ابن معاوية بن ضباب من ذبيان، وذبيان من غطفان، وغطفان من جذم قيس عيلان بن مضر (١). وفي شرح أبي جعفر أنه زياد بن عمرو بن معاوية. وفي ديوانه الذي مع دواوين الشعراء الستة أنه ابن عمرو بن معاوية بن جابر (٢). ولقب النابغة قيل لقوله: "فقد نبغت لنا منهم شؤون" (٣)، وقبله: "وحلت في بني القين بن جسر".
وفي "نهاية الأرب" للنويري: "غلب عليه [اسمُ] النابغة؛ لأنه عبرَ برهةً لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله". (٤) وكنيتُه أبو أمامة (٥)، قال ابن قتيبة: "ويقال: أبو تمامة" (ورسم بمثناة فوقية، وأحسب أنه تحريفُ ثمامة بمثلثة) (٦). وفي خزانة الأدب للبغدادي: "وكنيته أبو أمامة وأبو عقرب، بابنتين كانتا له". (٧) وهو أحد الشعراء الذين لُقِّبوا بقول في شعرهم.
وكانت حياته في أوائل القرن الأول قبل الهجرة، فقد أدرك النعمان بن المنذر، وأخاه قبله عمرو بن هند، وأباهما، وجدهما، وأخذ عطاياهم. وأدرك النعمان بن الحارث الغساني، وهو صبِيٌّ في حياة أبيه الحارث. قال أبو جعفر في شرحه: "وبُعث
стр. 1865
النبي ﷺ في مدة الحارث، ثم وليهم جبلة بن الأيهم". اهـ. وفُتحت الشام في زمنه وأسلم (١).
وكان النابغةُ قد أسنَّ جدًّا، وترك قولَ الشعر، فمات وهو لا يقوله (٢). وتوفي النابغةُ قبل البعثة وقد أسن (٣). وانظرْ قولَه:
المَرْءُ يَأْمُلَ أَنْ يَعِيشَ ... وَطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضُرُّهْ (٤)
مكانته في الشعر
قال عمر بن الخطاب: "النابغة أشعر غطفان"، وقال أيضًا: "النابغةُ أشعر العرب". (٥) وقال ابن عباس وأبو الأسود مثلَه (٦). وهو من الطبقة الأولى من المقدَّمين على سائر الشعراء (٧). قال ابن قتيبة: "نبغ النابغة في الشعر بعد ما احتنك" (٨) (أي اكتهل، وكانوا يديرون شيئًا من العمامة تحت الحنك، فيقال للرجل حينئذ محنك). وتقدم قولُ النويري أن ذلك سبب تلقيبه بالنابغة. وفي جمهرة أشعار العرب: "كان النابغة قد أسنَّ جدًّا فترك قول الشعر فمات وهو لا يقوله". (٩)
стр. 1866
ما عيب به شعره:
قال أبو عبيدة: "كان فحلان من الشعراء يُقويان: النابغة وبشر ابن أبي خازم"، وذكر قصة في إقواء النابغة (١). قال الأصمعي: "سمعت أبا عمرو يقول: ما كان ينبغي للنابغة إلا أن يكون زهير أجيرًا له". (٢) وقد عُدَّتْ قصيدةٌ من شعره في عداد المعلقات، وهي التي أولها: "عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار" (٣).
وسئل يونس (بن حبيب) عن أشعر الناس، فقال: "لا أرمي إلى رجلٍ بعينه، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب (أي ذكر الخيل)، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب". (٤) وقال أبو عبيدة: "طرفةُ أجودُهم شعرًا، وأجِدُه لا يلحق بالبحور، يعني امرؤ القيس وزهيرًا والنابغة". (٥)
تحكيمه بين الشعراء:
كان يضرب للنابغة قبةٌ من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. فأول من أنشده الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم غيرهما من الشعراء، ثم أنشدته خنساء بنت عمرو بن الشريد، فقال لها: "والله لولا أبا بصير - يعني الأعشى - أنشدني آنفًا لقلت: إنكِ أشعرُ الجن والإنس". (٦)
اتصاله بالنعمان بن المنذر:
كان النابغة منقطِعًا إلى ملوك الحيرة: النعمان بن المنذر، وأخيه، وأبيه، وجده، وكانوا يعطونه الذهبَ والفضة وعصافيرَ الإبل (٧). وكان كبيرًا عند النعمان بن
стр. 1867
المنذر، خاصًّا به، وكان من ندمائه وأهل أُنسه، فرأى زوجتَه المتجرِّدةَ يومًا وغشيها فجأةً فسقط نصيفُها واستترت بيدها وذراعها، فقال قصيدتَه التي أولها: "أمن آل مَيَّة رائحٌ أو مغتد" (١)، وصف فيها تلك الحالة، ووصف محاسنَ المتجردة، فأنشدها النابغةُ مرةَ بن سعد القريعي، فأنشدها مُرَّةُ النعمانَ فامتلأ غضبًا، وأوعد النابغةَ وتهدده. وأنذره عصامُ بن شهبر الجرمي - صاحب النعمان - بوعيد النعمان، فهرب النابغة، فأتى بلادَ قومه، ثم شخص إلى ملوك غسان بالشام.
وقيل: إن مُرة القُريعي وعبد القيس بن خفاف التميمي عملَا هجاءً في النعمان على لسان النابغة، وأنشداه النعمانَ لغيظٍ كان في نفس مُرة على النابغة (في قصة سيفٍ أغرى النعمانَ بأخذه من مرة القريعي). وقيل: كان سببُ غضب النعمان على النابغة أنه كان والمنخل ابن عبيد اليشكري جالسين عند النعمان، وكان المنخِّلُ يُرمَى بالمتجردة زوجة النعمان. فلما قال النابغةُ تلك القصيدةَ في المتجردة، ووصف محاسنَها وبطنها، وروادفَها وغير ذلك، لحقتْ المنخِّلَ غيرة، فقال للنعمان: "ما يستطيع أن يقول هذا الشعرَ إلا مَنْ جربه، فوقر ذلك في نفس النعمان، وبلغ النابغةَ [فخافه] فهرب". (٢)
ويظهرُ أن النابغةَ عاد إلى الاتصال بالنعمان بعد هربه هذا، لما رواه أبو الفرج عن أبي بكر الهذلي عن حسان بن ثابت أن النابغة جاء مع فزاريَّيْن بينهما وبين النعمان خاصة، وقد استجار النابغة بهما. وهذان الفزاريان هما خارجة بن سنان ومنظور بن زياد، كما في "معاهد التنصيص" (٣). فضرب النعمانُ لهما قبة من أدم ولم يشعره بأن النابغة معهما، وأنه خرج فعارضه الفزاريان والنابغة بينهما قد خضب لحيته بحناء،
стр. 1868
فقال له النعمان: "هي بدم كانت أحرى أن تخضب"، فقال الفزاريان: أبيت اللعن لا تثريب، قد أجرناه والعفو أجمل، فأمنه". (١)
لحاق النابغة بملوك غسان بعد هربه من النعمان بن المنذر:
قال الرواة: لما هرب النابغةُ من النعمان بن المنذر صار في غسان، فنزل بعمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر، فمدحه النابغة. وكان أخوه النعمان بن الحارث يومئذٍ غلامًا، فمدحه النابغة. وأقام عند عمرو بن الحارث حتى مات، وملك أخوه النعمان بن الحارث فصار النابغةُ من خاصته (٢).
انقطاع أخريين النابغة والنعمان، ورجوعه إلى النعمان لما بلغه مرضه:
اقتضى ما رواه أبو الفرج عن حسان بن ثابت في قصة الرجز الذي أوله: "أصم أم يسمع رب القبهْ"، أن النابغة رجع إلى صحبة النعمان كما تقدم. ولا شك أن رجوعه ذلك كان بعد أن صارت له صلةٌ مع ملوك غسان، وأنه رغب في مراجعة النعمان لمحبته له، ومراعاة عهده وعهد أبيه وجده، كما تقدم. قال أبو عبيدة: "قيل لأبي عمرو: أفمن مخافة النعمان امتدحه النابغةُ بعد هربه أم لغير ذلك؟ فقال: لا لعمر الله! ما لمخافته فعل، إن كان لآمنًا من أن يوجه النعمانُ له جيشًا، وما كانت عشيرتُه لتُسْلمه لأول وهلة، ولكنه رغب في عطاياه وعصافيره". (٣)
قال أبو جعفر (ص ٢٣) عن أبي عمرو وابن الأعرابي: "وعرف النعمانُ أن الذي بلغه عن النابغة كذب، فبعث إليه: إنك لم تعتذر من سخطة إن كانت بلغتك، ولكنا تغيرنا لك عن شيء مما كنا لك عليه. ولقد كان في قومك ممنعٌ وحصنٌ فتركته ثم انطلقت إلى قوم قتلوا جدي، وبيني وبينهم ما قد علمت".
стр. 1869
ولما بلغ النابغةَ أن النعمان بن المنذر عليلٌ لا يُرْجى (١)، لم يملك الصبرَ على البعد عنه مع علته، وما أشفق عليه من حدوثه به، فصار إليه، وألفاه محمومًا يحمل على سرير، ينقل ما بين الفخر وقصور الحيرة، يحمله الرجال على الأكتاف، يتعاقبونه، فقال النابغة لعصام بن شهير حاجب النعمان الأبيات التي أولها:
أَلَمْ أُقْسِمْ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي ... أَمَحْمُولٌ عَلَى النَّعْشِ الْهُمَامِ (٢)
فهذه عودة كانت في آخر حياة النعمان، وكانت في حال انقطاع عنه كما يدل عليه السياق.
شرف النابغة ورفاهية عيشه
كان النابغةُ يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة من عطايا النعمان وأبيه وجده، لا يستعمل غيرَ ذلك. أعطاه النعمان بن المنذر يومًا مائةَ بعير من النَّعم السود معها رعاتُها ومظالُّها (كالخيمات تستظل فيها الرعاة) وكلابُها (كلاب حراستها) (٣). [و] كان النابغةُ معدودًا من أشراف قومه، وهو أحد الأشراف الذين غضَّ منهم الشعر (٤). كان يجعل شَعَرَ رأسه ضفيرتين (٥). وكانت له وجاهةٌ عند الملوك وشفاعة، كما دل عليه قوله:
وَلَا أَعْرِفَنَّي بَعْدَ مَا قَدْ نَهَيْتكمْ ... أُجَادِلُ يَوْمًا فِي شَوِيٍّ وَجَامِلِ (٦)
قال أبو جعفر في شرحه: "أوقع عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مُرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، فلما جاؤوا بالسبي طلب فيهم النابغة إلى عمرو بن
стр. 1870
الحارث فوهبهم له. وقد أطلق النعمان بن جبلة الكلبي سبيَ بني مرة قوم النابغة وفيهم عقرب ابنة النابغة، وسبي غطفان إكرامًا للنابغة؛ إذ كانت ابنته فيهم، ولم يكن النابغة حاضرًا". (ص ١٦٠ شرح أبي جعفر). وفي ذلك قال قصيدتَه التي أولها: "أهاجك من سعداك مغنى المعاهد".
وكان ملجأً لقومه وجيرتهم في مُهِمَّاتِ أمورهم وحروبهم.
دين النابغة:
توهَّم الراهبُ لويس شيخو اللبناني في كتابه الذي سماه "شعراء النصرانية" أن النابغةَ الذبياني كان نصرانيًّا، فعده في شعراء نجد والحجاز والعراق الذين كانوا يدينون بالنصرانية (١). وهو معذورٌ في وهمه هذا، غرته عبارةٌ وقعت في "تاج العروس"، فقال لويس شيخو: "وما لا ينكر أن شاعرَها (قبيلة ذبيان) النابغة الذبياني كان نصرانيًّا بشهادة تاج العروس (ص ٣٣٧ جزء ١) نقلًا عن الصغاني (كذا، وليس في تاج العروس نقلُ ذلك عن الصغاني) والأصمعي قال في بيان معاني الصليب: والصليب العلم، قال النابغة:
ظَلَّتْ أَقَاطِيعُ أَنْعَامٍ مُؤَبَّلَةً ... لَدَى صَلِيبٍ عَلَى الزَّوْرَاءِ مَنْصُوبِ
وقيل سَمَّى النابغةُ العلم صليبًا؛ لأنه كأنه على صليب، لأنه كان نصرانيا". (٢)
وهذا الكلامُ الذي في "تاج العروس" وقع فيه اختصارٌ بإجحاف من صاحب "تاج العروس". وهذه عبارة الأصمعي بنصها من شرح أبي جعفر على ديوان النابغة (٣): "قال الأصمعي: الزَّوراء هي الرُّصافة، وهي رصافة هشام وكانت
стр. 1871
للنعمان، وفيها كان يكون، وإليها كانت تنتهي غنائمُه، وكان عليها صليب؛ لأنه كان نصرانيًّا". فتعين أن ضمير "لأنه" عائدٌ إلى النعمان بن الحارث، وقد صرح عاصم بن أيوب البطليوسي في شرحه لهذا البيت إذ قال: "والصليبُ صليب النصارى، وكان النعمان نصرانيا". (١)
وأقول: إن النصرانيةَ ما دخلت بلادَ العرب إلا مُبَقَّعَةً في أفراد من قبائل، وغلبت في بعض قبائل مثل تغلب وغسان وكلب. وليست قبيلةُ النابغة من القبائل التي تفشت فيها النصرانية، ولا كان النابغةُ معدودًا فيمن تنصر بمفرده مثل ورقة بن نوفل. وكانت ديارُ ذبيان تحت حكم ملوك الحيرة، وهم أتباعٌ لملوك فارس، ودينُهم الشرك أو المجوسية دون النصرانية. وليس في شعر النابغة ما يُستروَح منه أنه كان نصرانيًّا، بل بعكس ذلك فيه دلائلُ على أنه كان على دين الجاهلية كقوله في القسم:
فَلَا لَعَمْرُ الَّذِي يَمَّمْتُ كَعْبَتَهُ ... وَمَا هُرِيقَ عَلَى الأَنْصَابِ مِنْ جَسَدِ (٢)
وقوله:
فَلَا عَمْرُ الَّذِي أَثْنَى عَلَيْهِ ... وَمَا حَجَّ الْحَجِيجُ إِلَى إِلَالِ (٣)
إلال: اسم الموقف من عرفة.
وقوله في الدعاء:
حَيَّاكِ وُدٌّ فَإِنَّا لَا يَحِلُّ لَنَا ... لَهْوُ النِّسَاءِ وَإِنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَمَا
مُشَمِّرِينَ عَلَى خُوصٍ مُزَمَّمَةٍ ... نَرْجُو الإِلَهَ وَنَرْجُو الْبِرَّ وَالطُّعَمَا
стр. 1872
وود: اسم صنم. وما في قصيدته الميمة من وصف سيره للحج من قوله يصف إجفال راحلته من صوت بائعة الأدم:
كَادَتْ تُسَاقِطُنِي رَحْلِي وَمِيَثرَتِي ... بِذِي المَجَازِ وَلَمْ تُحْسِسْ بِهِ نَعَمَا
مِنْ صَوْتِ حُرْمِيَّةٍ قَالَتْ وَقَدْ ظَعَنُوا ... هَلْ فِي مُخِفِّيكُمْ مَنْ يِشْتَرِي أَدَمَا
قُلْتُ لَهَا وَهيَ تَسْعَى تَحْتَ لَبَّتِهَا ... لَا تَحْطِمَنَّكِ أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ زَرِمَا (١)
زرم: حرم؛ لأن البيع عند أهل الجاهلية ممنوع في حالة الإحرام بالحج، ولم يكن الحج من دين النصرانية.
من لقب بالنابغة من الشعراء بعد النابغة الذبياني:
لُقب بالنابغة بعد النابغة الذبياني شاعران: أحدُهما النابغةُ الجعدي، وثانيهما نابغةُ بني شيبان، وتلقيبُهما بهذا اللقب من قبيل التشبيه بالنابغة الذبياني.
أما أولُهما - وهو النابغة الجعدي - فهو حسان بن قيس بن عبد الله من بني جعدة (بفتح الجيم وسكون العين وفتح الدال المهملة) من هوازن، وكنيتُه أبو ليلى، شاعرٌ مخضرم، قال الشعرَ في الجاهلية ثم أَجْبَل، أي صعب عليه الشعر، يقال: أجبل الشاعر إذا صعب عليه القول. قيل: بقي كذلك ثلاثين سنة، ثم نبغ في الشعر. قيل: كان أسنَّ من نابغة ذبيان. قيل: عمر مائة وثمانين سنة، [و] قيل مائة وعشرين. وأسلم، وأنشد النبيَّ ﷺ ، وكان مِمَّنْ حرَّم على نفسه الخمرَ في الجاهلية. وأدرك مدةَ ابن الزبير بمكة. قال ابن قتيبة: "مات بأصبهان وعمره مائة وعشرون سنة". (٢)
وثانيهما نابغةُ بني شيبان، وهو عبد الله بن المُخارِق بن سُلَيْم الشيباني من بني بكر وائل، وهو من شعراء الدولة الأموية. كان منقطعًا إلى عبد الملك بن مروان،
стр. 1873
وأدرك مدةَ الوليد بن يزيد. قال صاحب كتاب الأغاني: كان النابغة الشيباني نصرانيا (١).
تنبيه لتكملة ديوان النابغة:
يقول محققُ الديوان والمعلق عليه محمد الطاهر ابن عاشور: هذه أبيات منسوبة إلى النابغة الذبياني بعضها أثبته لويس شيخو في كتابه "شعراء النصرانية"، وبعضها موجود في ديوانه المطبوع بالمطبعة الأهلية في بيروت بدون تاريخ (وهو قبل سنة ١٩١٦). والأكثرُ موجود في ديوانه المطبوع بمطبعة المكتبة الأهلية أيضًا سنة ١٣٤٧ هـ وسنة ١٩٢٩ م. وكلها لم أره منسوبًا إليه في نسخة ديوانه التي شرحها
стр. 1874
عاصم بن أيوب المطبوع، ولا في نسخة ديوانه التي شرحها أبو جعفر المخطوط وجملة ذلك تسعة وأربعون بيتا.
وأنا أذكرها مرتبةً على القوافي، وأنبه على ما هو من شعر غيره، وما هو غيرُ منسوب إليه في كتاب "شعراء النصرانية"، وفي طبعة ديوانه الأولى، وطبعة ديوانه الثانية، مرتبةً على القوافي، وأعلق عليها، حتى إذا تحققت نسبتُها إلى النابغة لم يكن ما جمعتُه منقوصا (١).
стр. 1875
الواضح في مشكلات شعر المتنبي (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا الكتابُ - الذي سماه مؤلفُه "الواضح في مشكلات شعر المتنبي" - كتابٌ مغفول عنه أزمنةً طوالًا بين أهل الآداب والنقد، وفي تراجم الأدباء والتصانيف. لم يذكره الشيخُ كاتب جلبي في "كشف الظنون"، ولا الذين ذيَّلوا كتابَه، وقلَّ مَنْ تعرَّضَ لاسمه من الذين اعتنَوْا بشعر المتنبي شرحًا وتعليقًا ونقدا. وجدتُ هذا الكتاب في خزنة كتب جامع الزيتونة بتونس، فأُعجبتُ به، واستنسختُ مَنْ أخرج لي نسخة.
وليس في كلام مؤلِّفِه في ديباجته سوى أن كنيتَه أبو القاسم، وأنه كان من أهل النصف الأخير من القرن الرابع والربع الأول من القرن الخامس. ولم أعثر على أكثر من ذلك، سوى أني وجدتُ جريدةً بخط العلامة الشيخ محمد الطيب ابن العلامة الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي (٢) ذكر فيها أسماءَ كتب اشتراها، فكان
стр. 1876
منها "الأصفهاني على مشكل المتنبي". وقد كانت النسخةُ التي عثرتُ عليها ملكًا للشيخ الطيب المذكور، وعليها خطه في مواضع، فتحصل لنا أن المؤلف أبو القاسم الأصفهاني. فإذا ضُمَّ ذلك إلى قول صاحب "الصبح المنبي" في عد أسماء الذين اعتنوا بشرح شعر المتنبي: "وكتاب أبي القاسم عبد الله عبد الرحمن الأصفهاني" (١)، حصل الظنُّ بأنه يعني هذا الكتاب، وحصل الظنُّ بمعرفة اسم المؤلف وكنيته ونسبته.
ثم وقفتُ في كتاب "خزانة الأدب" للبغدادي - في شرحه لبيت للمتنبي ساقه الرضيُّ شارح الكافية - على ما فيه مقنعٌ من التعريف بهذا الكتاب لمَّا ترجم للمتنبي، قال: "وهذه ترجمةُ المتنبي نقلتُها من كتاب إيضاح المشكل لشعر المتنبي، من تصانيف أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني"، وساق ما في ديباجة هذا الكتاب من التعريف بالمتنبي، مبتدئًا بقولِ صاحب الكتاب: "وقد بدأتُ بذكر المتنبي ومنشئه [ومُغتربَه] "، إلى آخر ما في الديباجة (٢).
فتتبعتُ ما ساقه البغداديُّ، فإذا هو نصُّ ما ذكره صاحبُ هذا الكتاب في ديباجته (٣)، عدا كلماتٍ قليلة محذوفة. ومن العجب أن البغداديَّ سماه "الإيضاح"،
стр. 1877
فخالف تسميتَه المصرَّح بها في الديباجة (١)، وهي نصب عينه، فلا أدري أكان ذلك سبقَ قلم أم متابعةً لنسخة أخرى من الكتاب. فحدا بي ذلك إلى مراجعة كتاب "الصبح المنبي" (٢) للشيخ يوسف البديعي (٣)، فإذا هو يقول: "وأما من تكلم على أبيات منه مشكلة أو صنف فيه مآخذ. . ." إلخ، وعد أسماء كتب إلى أن قال: "وكتاب أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني". (٤)
فيظهرُ أنه وجد اسمَ صاحب هذا الكتاب فقط، وأنه لم يطلع على الكتاب، ولا عرفَ مرماه؛ لأنه لم يذكر أنه ردٌّ على ابن جني، مع أنه وصف بذلك غيرَه مِمَّنْ ردُّوا على ابن جني، مثل ابن فورَّجه (٥)، والربعي (٦)، وسعد الأزدي المعروف بالوحيد (٧)، ولا ذكرَ مرجعَه فيه فإنه قال في آخر مبحثه: "سوى الشروح التي لم نسمع بذكرها" (٨)، فأشار إلى أن مرجعَه إلى المسموع سواء كان مرئيًّا أم لم يكن
стр. 1878
مرئيا. ولعل ابن سيده إذ ألف مشكل المتنبي (١) لم يطلع على هذا الكتاب؛ لأنه يورد أقوالًا لابن جني وينقدها، ولا يذكر أن غيره نقدها.
الغرض من هذا الكتاب
قال في أول كتاب الواضح: "وكان بعضُ أنشاء (٢) خدمته (بهاءِ الدولة)، وأغذياء نعمته، التمس من عثمان ابن جني استخلاصَ أبياتِ المعاني (٣) من ديوان المتنبي وتجريدَها، ووضع اليد عليها وتحديدَها، ليقرب تناولُها، فأجابه إلى ما طلب وفعل بقدر إمكانه واتجاهه له. ثم قرأه عليَّ أحدُ مَنْ تصرَّفَ في جلائل الأمور وسياسة الجمهور، فوقعتُ منه على صواب وخطأ، فأمللتُ فيه كتابًا ترجمتُه بالواضح في مشكلات شعر المتنبي". (٤) وذكر في مواضع من كتابه أن شرح ابن جني الذي أملى عليه هذا النقدَ هو الذي سماه ابنُ جني "الفَسْر الصغير"، ولكنه ذكر في آخر كتابه أنه اطلع بعد ذلك في بلاد العجم على الشرح الذي سماه ابنُ جني "الفَسْر الكبير" (٥)، يعني الذي لم يقتصر فيه ابنُ جني على شرح مشكل الأبيات،
стр. 1879
فتجاوز ذلك إلى شرح ما رآه محتاجًا إلى البيان. فجاء صاحبُ الواضح، فعقب على تسعة عشر بيتًا مما فسره ابن جني في "الفسر الكبير"، وزاد فشرح بيتًا بعدها خفِيَ معناه، ولم يأت فيه بكلامٍ لابن جني.
طريقة هذا الكتاب:
هذا الكتابُ - على صغر حجمه - وفيرُ الفائدة، مصادِفٌ الصوابَ في معظمه، على ما مزج به نقدَ كلام ابن جني من لذعٍ في مواضع كثيرة. وقدم في أوله إلمامةً بحال أبي الطيب المتنبي من نشأته في الشعر. وقد تلقَّى أخبارَه عمن شاهدوا المتنبي من البغداديين والشاميين والشيرازيين، وجاء بكلمةٍ جامعة في وصف شعره وصفًا جامعًا في بضعة سطور (١).
ترتيب الأبيات التي فسرها في هذا الكتاب:
من استقرى هذا الكتاب يتبين له أن المؤلفَ التزم ترتيبَ الأبيات على ترتيب القوافي بحروف المعجم؛ لأن ذلك صنيعُ ابن جني في "الفسر الصغير"، حسبما قاله أبو البقاء العكبرى في شرح أول بيت من الديوان (٢). ولم يشذَّ عن ذلك إلا في شرح
стр. 1880
بيتين: أحدهما على قافية الزاي، وثانيهما على قافية الدال، أقحمهما بين الأبيات التي من قافية الميم، ولعل ذلك نشأ عن خلطٍ في أوراق الأصل الذي نسخ منه ناسخُ هذا الشرح. ولما أفضى إلى الكلام على ما وقع لابن جني في "الفسر الكبير" (١)، جاء ترتيبُ الأبيات مشوَّشًا غيرَ جار على شيء من طريقتي نسخ الديوان.
ونُسَخُ ديوان المتنبي مختلفةُ الترتيب؛ فمنها ما هو مرتَّبٌ على أزمان القصائد وبحسب من قيلت فيهم، وهو أصلُ الترتيب الذي رتب عليه أبو الطيب ديوانه، قال الواحدي في شرحه المرتب على الأغراض في آخر شرحه: "هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانُه الذي رتبه بنفسه". (٢) وتلك الطريقةُ التي اقتفاها جمعٌ من الشارحين، مثل المعري في شرحه الذي سماه "معجز أحمد"، والواحدي، وابن سيده. ومن نسخ الديوان ما رُتِّبَ على حروف المعجم بحسب قوافي القصائد، وعلى ذلك بنى المعريُّ شرحَه المسمى "اللامع العزيزي"، وأبو البقاء العكبري، والخطيب التبريزي.
стр. 1881
ترجمة مؤلف كتاب الواضح:
قد علمتَ أنه قد تحصل من مجموع ما تقدم أن مؤلفَ هذا الكتاب هو أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، وأنه يؤخذ من ديباجة الكتاب وأواخره أنه كان موجودًا في سنة ٣٣٦ هـ؛ لأنه حدَّث عن الحلبي عبد الواحد اللغوي المتوفَّى سنة ٣٥١ هـ، ولا يكون مُتأهِّلًا للرواية عنه إلا وهو لا يقل سنُّه عن خمس عشرة سنة، والبغدادي قال في خزانة الأدب: "وهذه ترجمة المتنبي نقلتُها من كتاب إيضاح المشكل من شعر المتنبي من تصانيف أبي القاسم عبد الله بن الرحمن الأصفهاني، وهو مِمَّنْ عاصر ابنَ جني". (١) وقد صرح المؤلفُ في أثناء هذا الكتاب بأنه روى عن أبي الفتح بن جني، وعن ابن النجار (محمد بن جعفر التميمي المتوفى سنة ٤٠٢ هـ)، وأنه ألحق ما ألحقه من الأبيات بعد تمام سنة ٤١٠ هـ. فيكون قد عمر أزيد من خمس وسبعين سنة، ولا يُعرف عامُ وفاته بعد استقصاء البحث في مظان ذلك.
وأبو القاسم مكينٌ في الأدب والبلاغة، تُنْبِئُ عن ذلك منازعُه في معاني الشعر، وتنظيراتُه من أبيات الشعراء ومعانيهم. وشاهدُنا على ذلك كلماته في فضيلة النظم وتشريفه في شرح قول المتنبي:
كَأَنَّ شُعَاعَ عَيْنِ الشَّمْسِ فِيهِ ... فَفي أَبْصَارِنَا عَنْهُ انْكِسَارُ (٢)
فكلامُه هنالك (٣) سابقٌ على كلام عبد القاهر في الفصل الأول من فصول
стр. 1882
شَتَّى في النظم من كتاب "دلائل الإعجاز" (١)، وبنى عليه ابنُ رشيق قولَه في العمدة: "سمعت بعض الحذاق يقول: قال العلماء: اللفظُ أغلى ثمنًا، وأعظم قيمة، وأعز مطلبًا؛ فإن المعاني موجودةٌ في طباع الناس، يستوي فيها الجاهلُ والعالم". (٢)
اسم الكتاب:
اسم هذا الكتاب "الواضح في مشكلات شعر المتنبي"، بذلك سماه صاحبُه في ديباجته. وتوهم البغداديُّ في كتاب "خزانة الأدب" إذ دعاه "إيضاح المشكل من شعر المتنبي" (٣)، وقد يكون أراد وصفَ الكتاب لا تسميتَه. وطريقتُه فيه أن يذكر البيت من شعر المتنبي ويعقبه بكلام ابن جني في فسره، ويتعقبه بنقده، وربما توسع في بعض الأبيات بجلب نظائر معناه أو ألفاظه من كلام الشعراء.
نسخة الكتاب:
هذه النسخةُ التي عثرنا عليها لم يكن لها ذكرٌ بين من علمناه، سوى ذكر كلمة تشير إلى مؤلِّفه فقط، ولا فيما قرأنا من كتبهم. وهي في ضمن سِفْر يحتوي على ثلاثة كتب: أولُها هذه النسخة، وثانيهما منتخباتٌ أدبية من الشعر والنثر بخط ناسخ هذه النسخة، وثالثُها كتابُ "سر الصناعة في الإنشاء" لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (الشافعي الفقيه الأصولي الأديب النحوي، صاحب التصانيف، المتوفَّى سنة ٤٢٩ هـ) بخط مخالف، وهو كتابٌ لا نعرف منه غيرَ هذه النسخة، ولم يذكره صاحبُ "كشف الظنون" (٤).
стр. 1883
وكان هذا السِّفرُ من كتب العلامة الشيخ محمد الطيب ابن العلامة الجليل الشيخ إبراهيم الرياحي، وآثار خطه على بعض هوامشه تدل على عنايته بمطالعته. وصارت النسخةُ إلى خزانة كتب جامع الزيتونة في طائفة الكتب التي وقفها الأميرُ أحمد باشا الحسيني سنة ١٣٦٨ هـ، لَمَّا ابتاع كتبَ الشيخين إبراهيم الرياحي وابنه محمد الطيب من ورثتهما، ووقفها على خزانة الكتب التي وقفها من قبل على أهل العلم، وجعل خزائنَها بجامع الزيتونة.
وأكبرُ ظني أنها النسخةُ الوحيدة من كتاب "الواضح"؛ إذ لا ذكرَ لهذا الكتاب فيما عرفه الناسُ من المكتبات المشهورة في العالم. وهذه النسخةُ مخطوطةٌ بخط حسن واضح، غالبةٌ عليه الصحةُ إلا مواضع قليلة.
стр. 1884
سرقات المتنبي ومشكل معانيه (١)
هذا كتابٌ عزيزُ النزعة، غريبُ الوقع: فنزعتُه أنه ينزع إلى غرضٍ مُهِمٍّ كان شغل أقلامَ أهلِ العلم والأدب والشعر، وهو ما تناولوا به شعرَ أبي الطيب المتنبي من توجيهٍ ونقد، وإعلالٍ ورد، وما أخذه في شعره من شعرِ غيره. فذلك كان شُغلَ أمثال أبي الفتح ابن جني (٢)، والحاتمي (٣)، والأصفهاني (٤)، والصاحب ابن عباد (٥)، وابن سيده (٦)، والمعري (٧)،
стр. 1885
والواحدي (١)، والثعالبي (٢)، والعُكبري (٣)، وابن هشام الأنصاري (٤)، والبديعي (٥).
وأما غرابةُ وقعه ففي أن جميع الذين اشتغلوا بديوان أبي الطيب وشعره هم من أعلام المشرق. ولم ينتدب لذلك من علماء المغرب سوى ابن سيده؛ ألف كتابًا في شرح مشكل شعر المتنبي. فهذا الكتاب بنسبته إلى ابن بسام صاحب الذخيرة لم يسبقه من جمع في كتابه بين الغرضين.
أما مصنفُ هذا الكتاب فنتوسم وتوسم بعضُ الأفاضل قبلنا أنه ابنُ بسام، صاحب كتاب "الذخيرة في تراجم أعيان الجزيرة"، كما سنذكره. فعلينا أن نعرفَ مَنِ ابن بسام هذا؛ إذ لا نجد في نسخةِ هذا الكتاب التي بين أيدينا إلا الاقتصارَ على هذه العبارة: "تأليف الشيخ ابن بسام النحوي". وقفَّى ذلك كاتبٌ كتبَ على أول ورقة من النسخة هذه العبارة: "وهو ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة في شعراء الجزيرة". وليس في أثناء هذا الكتاب ما يُتَعَرَّفُ منه عصرُ صاحبِه، ولا تعيينُ بلده، أكثر من أنه ابن بسام النحوي.
وقد عُرِف بابن بسام فيمن مضى مِن العلماء فيما انتهى إليه علمُنا أربعة: أحدهم علي بن محمد بسام البغدادي الشاعر، وثانيهم علي بن بسام التغلبي
стр. 1886
الأندلسي، وثالثهم محمد بن أيوب بن بسام من أهل مقالة، ورابعهم أبو الحسن بن بسام المالقي.
فأما الأولُ فهو علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام المعروف بالبسامي، ترجمه ياقوت في "معجم الأدباء"، وابن خلكان في "وفيات الأعيان"، وذكره ابنُ الأثير في "اللباب" في (البسامي) (١). ولا يجوز أن يكون هو صاحب هذا الكتاب؛ لأن ابنَ بسام البغدادي توفي قبل أن يولد أبو الطيب المتنبي. وقد عرض وَهْمٌ لصاحب "كشف الظنون" لما ذكر كتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" فقال: "لأبي الحسن المعروف بابن بسام البسامي الشاعر المتوفى سنة ٣٠٢ هـ" (٢)، فجعل سنةَ وفاة البغدادي هي سنة وفاة الأندلسي. وذلك وهم؛ فإن صاحب الذخيرة توفي سنة ٥٤٠ هـ كما في نفح الطيب. ولا يُعرف سببُ الاتفاق بين اسم ابن بسام البغدادي واسم ابن بسام الأندلسي، وقد قال هذا: "اتفق أن يكون هذا سَميي". (٣)
стр. 1887
وأما الثاني، فسأذكرُ ما انتهى إلَيَّ من ترجمته. وأما الثالثُ فهو محمد بن أيوب، كبير فقهاء مالقة، ولي قضاءها. ترجمه عياض في المدارك في أهل الطبقة العاشرة. وأما الرابع، فهو جابر بن بسام أبو الحسن من أهل بيت الثالث. كان مفتيًا بمالقة، وتوفي بعد العشرين وخمسمائة، ذكره في "المدارك" في ترجمة الثالث (١).
من هو ابن بسام صاحب الذخيرة ؟
إن ابنَ بسام صاحب "الذخيرة" خاملُ الترجمة، بعكس ما لكتابه الذخيرة من الشهرة بين أهل الأدب في الشرق والغرب. فلم يترجمه صاحبُ "الصلة" ابنُ بشكوال، مع كونه من أهل عصره وبلاده، وسبقت وفاتُه وفاةَ صاحب الصلة بنيفٍ وثلاثين عامًا، ولم يُترجم في دائرة المعارف الإسلامية. وترجمه صاحبُ "المغرب في حُلى المغرب" بقوله: "أبو الحسن علي بن بسام التغلبي (٢) الشَّنْتَريني"، وذكر كتابه "الذخيرة" ولم يزد على ذلك (٣).
وقال الأستاذ الزركلي في كتابه الأعلام: إنه من الكتاب والوزراء، وإنه توفي سنة ٥٤٢ هـ (٤). ولعل مستندَه في سنة وفاته ما قاله صاحبُ "نفح الطيب"، فذكره
стр. 1888
ولم يصفه بالتغلبي، وقال: إنه تأخرت وفاته إلى سنة ٥٤٢ هـ (١)، وليس ذلك صريحًا في أنه توفي فيها، وإنما يقتضي أنه كان حيًّا سنتئذ.
وقد وُصِف في أول نسخة كتاب "سرقات المتنبي ومشكل معانيه" بالنحوي، فاحتمل أنه نسبةٌ إلى علم النحو وهو الأظهر، واحتمل أنه نسبةٌ إلى جد. وفي القاموس وتاج العروس: "بنو نحو بطن من الأزد، وهم بنو نحو بن [شمس بن] عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن عبد الله بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد". (٢) وفي اللباب لابن الأثير: "النحوي نسبة إلى معرفة النحو، وهو هذا العلم، وإلى قبيلة. [فأما العلم فيُنسب إليه جماعة، منهم أبو عمرو بن العلاء]. . . وأما القبيلةُ فهي وُلْد نحو بن شمس [بن عمرو بن عيمان بن غالب بن عيمان بن نصر بن زهران] من الأزد". (٣) فإذا فرضنا أن يكون وصفُه بالنحويِّ نسبةً إلى هذا البطن، تعين أن لا يكون تغلبيًّا (بمثناة فوقية وعين معجمة)؛ إذ لا صلةَ بين تغلب والأزد، فإن تغلب من قبائل قضاعة والأزد من قبائل سبأ. وقد يكون لفظُ التغلبي تحريف الثعلبي (بمثلثة في أوله بعدها عين مهملة)؛ فإن في بطون الأزد بطنًا يُعرفون ببني ثعلبة.
стр. 1889
غرض هذا الكتاب وطريقته
اقتصر مؤلفه في فاتحته على قوله: "هذا كتاب في ذكر سرقات أبي الطيب ومشكل معانيه المرتبة على القوافي". وطريقته أنه يأتي بأبيات أبي الطيب مرتِّبًا لها على حسب ترتيب حروف القوافي، فيعنون بحرف القافية التي منها الأبيات، ثم يذكر الأبيات المحتاجة إلى الشرح عنده، ثم يعقب بذكر مآخذ (١) المتنبي لبعض أبيات في القافية، فيقول: "فصل في سرقاته". وقد يأتي بكلام أبي الفتح ابن جني وينتقده أو يقره. وجعل ترتيب حروف المعجم فيه على الاصطلاح المشرقي، دون المغربي الذي هو اصطلاح أهل بلد ابن بسام الشنتريني. وهذا محل نظر: فيحتمل أنه تابع فيه ترتيبَ أبي الفتح ابن جني. وقد جمع فيه بين طريقَتَيْ ابن جني التي خص إحداهما بكتاب "الفسر الكبير"، والأخرى بكتاب "الفسر الصغير"، وزاد عليه بذكر السرقات الشعرية.
واعلم أن الأدباءَ يُطلقون اسمَ السرقات الشعرية على أن يأخذَ الشاعرُ معْنًى سابقًا في شعر مَنْ قَبْلَهُ فيُودِعُه في شعره قصدًا، ويُعلم القصدُ بقرينة الإحاطة بذلك المعنى. فكلٌّ من الأخذ والسرقة نوعان: ظاهرٌ وغيرُ ظاهر. الظاهر أن يُؤخذ المعنى كلُّه إما مع اللفظ كله أو بعضه، فإن أخذ اللفظَ كله من غير تغيير فهو مذموم، ويلحق به أن يبدل بعضَ الكلمات بما يراد فيها. وإن كان مع تغيير لنظمه؛ فإن كان شعرُ الشاعرِ الآخذ أحسنَ من شعرِ سابقه فممدوح، وإن كان أقلَّ منه فهو مذموم. وإن أخذ اللاحقُ من السابق المعنى وحده، سُمي إلمامًا وسلخًا، وهو أقسام. ويُغتفر من الأخذ ما فيه حسنُ تصرفٍ من الآخذ في المعنى المأخوذ منه.
стр. 1890
مؤلف هذا الكتاب
وقد يُتساءل عن سببِ إغفال السابقين ذكرَ هذا الكتاب، وسبب نضوبِ ترجمة ابن بسام مع شهرة كتابه الذخيرة. ولعل سببَ ذلك هو أن ابنَ بسام قضى حياته في بلده شنترين، فلم يشتهر اسمُه إلا بظهور كتابه "الذخيرة"، ولم يلاق العلماءَ والرحالين، فلم يروِ عنه الراوون شيئا.
وقد يُشعِر بهذا السببِ ما قاله ابنُ سعيد في كتاب "المغرب في حُلَى المغرب" نقلًا عن كتاب "نجوم السماء في حُلَى العلماء" إذ قال: "الأديب أبو الحسن علي بن بسام التغلبي الشنتريني، العجبُ أنه لم يكن في حساب الآداب الأندلسية أنه سيُبعث من شنترين قاصيةِ الغرب (غرب الأندلس) ومحلِّ الطعن والضرب (الجهاد) مَنْ ينظمها قلائدَ في جيد الدهر، ويطلعها ضرائرَ للأنجم الزهر. ولم ينشأ بحضرة قرطبة ولا بحضرة إشبيلية ولا غيرهما من الحواضر العظام مَنْ يمتعضُ امتعاضَه لأعلام عصره ويجهَد في جميع حسنات نَظْمه ونَثْره. وسَلِ الذخيرة، فإنها تُعَنْوِنُ عن محاسنه الغزيرة". (١)
فقوله: "قاضية الغرب" إشارة إلى أنها ثغر مهدَّدٌ بغزوات الأعداء الجلالقة. فهذا سببُ إحجام الناس عن طلب العلم فيها. فإغفالُ الباحثين عن أبي الطيب المتنبي - مثل العكبري والبديعي - ذكرَ هذا الكتاب لأن كثرةَ التصانيف في ذلك الغرض في المشرق أذهلت الأدباءَ عن تطلب مثله في المغرب، حتى إن النسخة التي بقيت من هذا الكتاب هي منسوخةٌ بالمشرق بخط مشرقي (سنة ٦١٥ هـ).
وظَنِّي أن العُكبريَّ اطلع على هذا الكتاب، فإنه اتبع طريقتَه في الجمع بين الشرح وبيان المأخذ حيث يكون معنى البيت مأخوذًا من شعر سابق. ويكثر أن يوافقَ العكبريُّ ما في كتاب ابن بسام في عزو الشعر المأخوذ منه إلى غير معين. مثل
стр. 1891
قول ابن بسام: "من قول بعض المحدثين"، ثم قال: "أو قول خالد الكاتب". (١) فقال العكبري: من قول الشاعر. ثم قال: وفيه نظر إلى قول خالد الكاتب (٢). وقال وقال ابن بسام: "من قول النيديلجي" (٣)، بنقط الحرفين اللذين بعد لام التعريف ونقط ياء النسب لا غير. فقال العكبري: "وهذا منقول من قول الآخر". (٤) وقال ابن بسام: "من قول السديلحي" (٥)، دون نقط للحروف، فقال العكبري: "وهو من من قول الآخر. . ." إلخ (٦).
وأسلوبُ هذا الكتاب وطريقتُه توافق تمامَ الموافقة طريقةَ ابن بسام في كتابه "الذخيرة" من نسبة المعاني الشعرية إلى مَنْ سبق قائلَها، ومن التنظير بينها وبين ما يشبهها، ومن النقد لها بالثناء إن استحقته أو ضده إن اقتحمته، ومن الدلالة على شدة ملابسته لشعر أبي تمام وشعر أبي الطيب، بحيث يقوى الظنُّ بأن هذا التأليف لابن بسام صاحب كتاب "الذخيرة". وإليك مثلًا من ذلك قولَه في أثناء فصول في ذكر ترجمة عبد المجيد بن عبدون، وساق بيتًا له في وصف الذباب وهو:
عَلَى رُبًى لَمْ يَزَلْ شَادِي الذُّبَابِ بِهَا ... يَلْهَى بِآنَقِ مَلْفُوظٍ وَمَضْرُوبِ (٧)
"وصفُ (٨) ابن عبدون للذباب أجاد فيه ما أراد. وقد تناول هذا المعنى أبو بكر بن سعيد البطليوسي، فقال من قصيدة:
стр. 1892
كَأَنَّ أَهَازِيجَ الذُّبَابِ أَسَاقِفٌ ... لَهَا مِنْ أَزَاهِيرِ الرِّيَاضِ مَحَارِيبُ
وأخذه ابن عبدون من قول ابن الرومي يصف روضًا:
وَغَرَّدَ رِبْعِيُّ الذُّبَابِ خِلَالَهُ ... كَمَا حَثْحَثَ النَّشْوَانُ صَنْجًا مُشَرَّعَا
وَكَانَتْ أَهَازِيجُ الذُّبَابِ هُنَاكُمُ ... عَلَى شَدَوَاتِ الطَّيْرِ ضَرْبًا مُوَقَّعَا
وإنما اخترعه أولًا عنترة بقوله:
وَخَلَا الذُّبَابُ بِهَا يُغَنِّي وَحْدَهُ ... هَزِجًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنِّمِ
غَرِدًا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ ... فِعْلَ المُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأَجْذَمِ
وهذا من التشبيه الذي ما له شبيه، ولم يجسر عليه أحد، غير أن ذا الرمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال:
كَأَنَّ رِجْلَيْهِ رِجْلَا مُقْطِفٍ عَجِلٍ ... إِذَا تجَاذَبَ مِنْ بُرْدَيْهِ تَرْنِيمُ
والمقطف راكب الدابة القطوف، فنقل صفة يدي الذباب إلى رِجل الجندب، فأحسن الأخذ، وكأنه لم يعرض لعنترة في معناه.
وقال السلامي في صفة زنبور:
إِذَا حَكَّ أَعْلَى رَأْسِهِ فكَأَنَّمَا ... بِسَالِفَتَيْهِ مِنْ يَدَيْهِ جَوَامِعُ
فباعَدَ عنترةَ في الصفة وإن قاربه في الموصوف، وتعلق في اللفظ بصريع الغواني إذ يقول في النساء:
فَغَطَّت بِأَيْدِيهَا ثِمَارَ نُحُورِهَا ... كَأَيْدِي الأُسَارَى أَثْقَلَتْهَا الْجَوَامِعُ
وقد قال بعضُ أهل أفقنا، وهو يوسف بن هارون الرمادي (١):
стр. 1893
وَكَأْسٍ كَرِيقِ الإِلْفِ شَعْشَعَتْهَا بِهِ ... وَعَيْشِيَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ المُشَعْشعِ
عَلَى رَوْضَةٍ قَامَتْ لَنَا بِدران (١) ... وَقَامَ لَنَا فِيهَا الذُّبَابُ بِمَسْمَعِ" (٢)
ومما يحقق أن مؤلف هذا الكتاب أندلسي قوله هنا: "وقد قال بعضُ أهل أفقنا، وهو يوسف بن هارون الرمادي؛ فإن يوسف هذا من أهل رمادة التي هي من غرب الأندلس، كما أن شنترين من غرب الأندلس.
صفة نسخة كتاب "سرقات المتنبي ومشكل معانيه" لابن بسام النحوي:
هذه النسخةُ التي بين أيدينا من كتاب ابن بسام نُسخت بخط مشرقي، فهي مكتوبة في المشرق لا محالة، وذلك في رجب سنة خمس عشرة وستمائة (٦١٥ هـ). وكُتِبَ في أعلاها بعد البسملة: "قال الشيخ الإمام العالم الفاضل العلامة ابن بسام النحوي ﵁: هذا كتاب في ذكر سرقات أبي الطيب ومشكل معانيه المرتبة على القوافي". وكُتب بخطِّ ناسخها على الورقة الأولى بالمداد الأحمر والأسود: "كتاب سرقات المتنبي ومشكل معانيه تأليف الشيخ ابن بسام النحوي ﵀، آمين".
وكُتب بإثر ذلك بالمداد الأحمر بخط مشرقي أيضًا هذه العبارة: "وهو ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة في شعراء الجزيرة". وكُتب عقبه بخط مغربي: "هذا الكتاب في حل مشكل معاني أبي الطيب وبيان ما وافق فيه كلامُه كلامَ غيره ممن تقدمه من الشعراء، ألفه الفاضل العلامة ابن بسام النحوي اللغوي صاحب كتاب
стр. 1894
الذخيرة في شعراء الجزيرة، وقد شاهدتُ جزءًا منه (١) ببلاد المغرب، قاله عبدُ الله تعالى أبو عبد الله الكاتب".
وهذه النسخةُ في سفرٍ ضمَّها مع رسالة للحاتمي في مناظرةٍ بينه وبين المتنبي، ورسالة له في مآخذ المتنبي معانيَ عدة أبيات من كلام الحكيم أرسطاطاليس (٢). وهما بخط من سمى نفسه أنه "أبو عبد الله الكاتب"، وذكر أنه نسخ تينك الرسالتين بالقاهرة في رجب سنة ٦٦٢ (بأرقام الزمام المغربية)، وكتب على ظهر الورقة الأولى من هاتين الرسالتين ما نصُّه: "الحمد لله أبو عبد الله الكاتب قال الإمام الحافظ يحيى بن شرف بن. . ." (٣) ابن حسن بن حسين بن محمد النووي في كتاب الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات في فصل أحرف أشير بها إلى أسماء جماعة من المشهورين بأنسابهم بعد كلام ما نصه: "ومنهم المتنبي الشاعر المشهور أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي. اهـ. من خط مؤلفه لفظًا ومباشرة". فأبو عبد الله الكاتب هذا لقي النووي وشافهه.
وفي هذه النسخة تحريفٌ كثير، وضبطٌ غيرُ صحيح، لكن أكثره واضحُ التصحيح. وبقيت هذه النسخةُ من كتاب ابن بسام بالمشرق إلى أواسط القرن الحادي عشر، فقد تملكها عبد المنعم بن محمد الصديقي الشافعي سنة ١٠٥٢ هـ. وانتقلت إلى المغرب بعد ذلك، فصارت إلى ملك الشيخ محمد الأصرم رئيس ديوان الإنشاء بباردو من تونس. وهو وهبها إلى حفيده أحمد ابن ابنه الحاج محمد حمدة الأصرم سنة ١٢٧٢ هـ.
стр. 1895
وبهذه النسخة نقصٌ في موضعين: أحدُهما يقدر بورقة بعد ورقة ١٩، والثاني بمقدار ورقتين بعد ورقة ٢٦. وقد بحثتُ فيما دخلت من المكتبات وما راجعتُ من الفهارس عن نسخة من هذا الكتاب، فلم أجد نسخةً أخرى. ولذلك غلب على ظني أنها النسخةُ الوحيدة.