قول ابن بسام: "من قول بعض المحدثين"، ثم قال: "أو قول خالد الكاتب". (١) فقال العكبري: من قول الشاعر. ثم قال: وفيه نظر إلى قول خالد الكاتب (٢). وقال وقال ابن بسام: "من قول النيديلجي" (٣)، بنقط الحرفين اللذين بعد لام التعريف ونقط ياء النسب لا غير. فقال العكبري: "وهذا منقول من قول الآخر". (٤) وقال ابن بسام: "من قول السديلحي" (٥)، دون نقط للحروف، فقال العكبري: "وهو من من قول الآخر. . ." إلخ (٦).
وأسلوبُ هذا الكتاب وطريقتُه توافق تمامَ الموافقة طريقةَ ابن بسام في كتابه "الذخيرة" من نسبة المعاني الشعرية إلى مَنْ سبق قائلَها، ومن التنظير بينها وبين ما يشبهها، ومن النقد لها بالثناء إن استحقته أو ضده إن اقتحمته، ومن الدلالة على شدة ملابسته لشعر أبي تمام وشعر أبي الطيب، بحيث يقوى الظنُّ بأن هذا التأليف لابن بسام صاحب كتاب "الذخيرة". وإليك مثلًا من ذلك قولَه في أثناء فصول في ذكر ترجمة عبد المجيد بن عبدون، وساق بيتًا له في وصف الذباب وهو:
عَلَى رُبًى لَمْ يَزَلْ شَادِي الذُّبَابِ بِهَا ... يَلْهَى بِآنَقِ مَلْفُوظٍ وَمَضْرُوبِ (٧)
"وصفُ (٨) ابن عبدون للذباب أجاد فيه ما أراد. وقد تناول هذا المعنى أبو بكر بن سعيد البطليوسي، فقال من قصيدة:
стр. 1892
كَأَنَّ أَهَازِيجَ الذُّبَابِ أَسَاقِفٌ ... لَهَا مِنْ أَزَاهِيرِ الرِّيَاضِ مَحَارِيبُ
وأخذه ابن عبدون من قول ابن الرومي يصف روضًا:
وَغَرَّدَ رِبْعِيُّ الذُّبَابِ خِلَالَهُ ... كَمَا حَثْحَثَ النَّشْوَانُ صَنْجًا مُشَرَّعَا
وَكَانَتْ أَهَازِيجُ الذُّبَابِ هُنَاكُمُ ... عَلَى شَدَوَاتِ الطَّيْرِ ضَرْبًا مُوَقَّعَا
وإنما اخترعه أولًا عنترة بقوله:
وَخَلَا الذُّبَابُ بِهَا يُغَنِّي وَحْدَهُ ... هَزِجًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنِّمِ
غَرِدًا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ ... فِعْلَ المُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأَجْذَمِ
وهذا من التشبيه الذي ما له شبيه، ولم يجسر عليه أحد، غير أن ذا الرمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال:
كَأَنَّ رِجْلَيْهِ رِجْلَا مُقْطِفٍ عَجِلٍ ... إِذَا تجَاذَبَ مِنْ بُرْدَيْهِ تَرْنِيمُ
والمقطف راكب الدابة القطوف، فنقل صفة يدي الذباب إلى رِجل الجندب، فأحسن الأخذ، وكأنه لم يعرض لعنترة في معناه.
وقال السلامي في صفة زنبور:
إِذَا حَكَّ أَعْلَى رَأْسِهِ فكَأَنَّمَا ... بِسَالِفَتَيْهِ مِنْ يَدَيْهِ جَوَامِعُ
فباعَدَ عنترةَ في الصفة وإن قاربه في الموصوف، وتعلق في اللفظ بصريع الغواني إذ يقول في النساء:
فَغَطَّت بِأَيْدِيهَا ثِمَارَ نُحُورِهَا ... كَأَيْدِي الأُسَارَى أَثْقَلَتْهَا الْجَوَامِعُ
وقد قال بعضُ أهل أفقنا، وهو يوسف بن هارون الرمادي (١):
стр. 1893
وَكَأْسٍ كَرِيقِ الإِلْفِ شَعْشَعَتْهَا بِهِ ... وَعَيْشِيَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ المُشَعْشعِ
عَلَى رَوْضَةٍ قَامَتْ لَنَا بِدران (١) ... وَقَامَ لَنَا فِيهَا الذُّبَابُ بِمَسْمَعِ" (٢)
ومما يحقق أن مؤلف هذا الكتاب أندلسي قوله هنا: "وقد قال بعضُ أهل أفقنا، وهو يوسف بن هارون الرمادي؛ فإن يوسف هذا من أهل رمادة التي هي من غرب الأندلس، كما أن شنترين من غرب الأندلس.
صفة نسخة كتاب "سرقات المتنبي ومشكل معانيه" لابن بسام النحوي:
هذه النسخةُ التي بين أيدينا من كتاب ابن بسام نُسخت بخط مشرقي، فهي مكتوبة في المشرق لا محالة، وذلك في رجب سنة خمس عشرة وستمائة (٦١٥ هـ). وكُتِبَ في أعلاها بعد البسملة: "قال الشيخ الإمام العالم الفاضل العلامة ابن بسام النحوي ﵁: هذا كتاب في ذكر سرقات أبي الطيب ومشكل معانيه المرتبة على القوافي". وكُتب بخطِّ ناسخها على الورقة الأولى بالمداد الأحمر والأسود: "كتاب سرقات المتنبي ومشكل معانيه تأليف الشيخ ابن بسام النحوي ﵀، آمين".
وكُتب بإثر ذلك بالمداد الأحمر بخط مشرقي أيضًا هذه العبارة: "وهو ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة في شعراء الجزيرة". وكُتب عقبه بخط مغربي: "هذا الكتاب في حل مشكل معاني أبي الطيب وبيان ما وافق فيه كلامُه كلامَ غيره ممن تقدمه من الشعراء، ألفه الفاضل العلامة ابن بسام النحوي اللغوي صاحب كتاب
стр. 1894
الذخيرة في شعراء الجزيرة، وقد شاهدتُ جزءًا منه (١) ببلاد المغرب، قاله عبدُ الله تعالى أبو عبد الله الكاتب".
وهذه النسخةُ في سفرٍ ضمَّها مع رسالة للحاتمي في مناظرةٍ بينه وبين المتنبي، ورسالة له في مآخذ المتنبي معانيَ عدة أبيات من كلام الحكيم أرسطاطاليس (٢). وهما بخط من سمى نفسه أنه "أبو عبد الله الكاتب"، وذكر أنه نسخ تينك الرسالتين بالقاهرة في رجب سنة ٦٦٢ (بأرقام الزمام المغربية)، وكتب على ظهر الورقة الأولى من هاتين الرسالتين ما نصُّه: "الحمد لله أبو عبد الله الكاتب قال الإمام الحافظ يحيى بن شرف بن. . ." (٣) ابن حسن بن حسين بن محمد النووي في كتاب الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات في فصل أحرف أشير بها إلى أسماء جماعة من المشهورين بأنسابهم بعد كلام ما نصه: "ومنهم المتنبي الشاعر المشهور أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي. اهـ. من خط مؤلفه لفظًا ومباشرة". فأبو عبد الله الكاتب هذا لقي النووي وشافهه.
وفي هذه النسخة تحريفٌ كثير، وضبطٌ غيرُ صحيح، لكن أكثره واضحُ التصحيح. وبقيت هذه النسخةُ من كتاب ابن بسام بالمشرق إلى أواسط القرن الحادي عشر، فقد تملكها عبد المنعم بن محمد الصديقي الشافعي سنة ١٠٥٢ هـ. وانتقلت إلى المغرب بعد ذلك، فصارت إلى ملك الشيخ محمد الأصرم رئيس ديوان الإنشاء بباردو من تونس. وهو وهبها إلى حفيده أحمد ابن ابنه الحاج محمد حمدة الأصرم سنة ١٢٧٢ هـ.
стр. 1895
وبهذه النسخة نقصٌ في موضعين: أحدُهما يقدر بورقة بعد ورقة ١٩، والثاني بمقدار ورقتين بعد ورقة ٢٦. وقد بحثتُ فيما دخلت من المكتبات وما راجعتُ من الفهارس عن نسخة من هذا الكتاب، فلم أجد نسخةً أخرى. ولذلك غلب على ظني أنها النسخةُ الوحيدة.
стр. 1896
الفتح ابن خاقان وكتابه "قلائد العقيان " (١)
ترجمة مؤلف "قلائد العقيان ":
" هذَا الكِتَابُ خَلَّفَ للأَنْدَلُسِ ذِكْرًا مِعْطَارَا ... وَأَقَامَ لَهَا فِي كُلِّ مَسْلَكٍ مَنَارَا" (٢)
مؤلِّف هذا الكتاب الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي، أبو نصر الإشبيلي، شهر بابن خاقان (بتخفيف القاف). وأصلُه من قريةٍ تُعرف بقرية الواد من قرى قلعة يحصب، وقلعة يحصب من كورة إلبيرة، وهو معدودٌ في أهل إشبيلية (ولا ندري من الذي انتقل من أهله إلى مدينة إشبيلية).
ووصف "ابن خاقان" الذي اشتهر به بين أهل الأدب يوهم أن خاقان اسمٌ لأحد أجداده، كما يشعر به كلامُ ابن خلكان في ترجمته وكلامُ ياقوت في "معجم الأدباء" (٣). لكن ذلك إيهامٌ صرح الحِجَاري وأبو الحجاج البيَّاسي بنقل صاحب "نفح الطيب" بأن الفتح لُقِّب بابن خاقان نبزًا له لما اتسم به، ممَّا لا يليق (٤). وأحسب
стр. 1897
أنه أُلصق به هذا اللقب؛ لأن اسمه "الفتح"، فهو سَمِيُّ الوزير الفتح ابن خاقان، كاتب الخليفة المتوكل العباسي (من سنة ٢٣٦ هـ)؛ إذ تشابها في الاسم والنِّحلة الأدبية والوزارة (١). ولذلك فالوجهُ أن تُكتب كلمة ابن من "ابن خاقان" بألف قبل الباء للدلالة على أن الاسم الذي بعدها ليس اسمَ والد صاحب الاسم الذي قبلها.
وُلد الفتح سنة ثمانين وأربعمائة (٤٨٠ هـ)، وتوفي قتيلًا في مراكش ليلة عيد الفطر، وقيل في الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة (٥٢٨ هـ)، وقيل: تسع وعشرين. وجد ذبيحًا في البيت الذي يقيم به في مراكش في فندق أبيت أو لبيت، وقد مثل به تمثيلًا قبيحًا، قالوا: ذبحه عبد أسود كان اختلى به في تلك الليلة (ولعله لم يعرف بعينه). وما شعر الناسُ بموته إلا بعد ثلاث ليال (٢). وقد قيل إن قتله كان بإغراء من علي بن يوسف بن تاشفين ملك اللمتونيين بالمغرب والأندلس، وهو أخو إبراهيم بن يوسف ابن تاشفين الذي ألف الفتح كتاب القلائد برسمه. ودُفن بباب الدباغين من مدينة مراكش (٣).
стр. 1898
مشيخته:
أخذ الأدبَ عن أبي بكر بن القصيرة، وابن اللبانة، وابن عبدون، وأبي عبد الرحمن بن طاهر (وهؤلاء مترجمون في القلائد) (١)، وعن أبي جعفر بن سعدون الكاتب، وأبي خالد بن بشتغيرن وأبي الطيب ابن زرقون، وابن خلصة الكاتب. وسمع الحديثَ من أبي علي الصدفي، والعلم من ابن السيد البطليوسي، وأبي بكر ابن العربي. وحدث عن أبي الحسين ابن السراج (المترجم في القلائد) (٢)، قال ابن الأبار في المعجم: "وحدث عن أبي الحسين بن سراج بحكايات"، يريد ما حكاه عنه غير مرة في القلائد (٣).
مكانته من الإنشاء والشعر:
قال ابن الخطيب في الإحاطة في ترجمته: "وشعره وسط، وكتابته فائقة". (٤) وقال صاحب المغرب: "هو فخر أدباء إشبيلية" (٥)، وقال الحجاري: "هو مجلي كتاب
стр. 1899
الحضرة المرابطية". (١) ووردت في القلائد أبياتٌ ستة من شعره خاطب بها أبا يحيى ابن الحاج في ترجمة ابن أبي الخصال (٢). وجمع له ابن زاكور في شرحه ثلاثة عشر بيتًا ذكرها في ترجمة ابن أبي الخصال (٣). كان الفتح وزيرًا في الدولة المرابطية، ولقب ذا الوزارتين، وخاطبه القاضي عياض بمثنى الوزارة (٤).
تآليفه:
له كتاب "قلائد العقيان"، و"مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس"، قال ياقوت: "وصله بقلائد العقيان" (٥)، لعله يعني أنه جعل "قلائد
стр. 1900
العقيان" صلة له، أي تكملة. وقال في الإحاطة: "مطمح الأنفس نسختان: صغرى وكبرى" (١) , وقال ابن خلكان: " [وله أيضًا كتابُ مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، وهو] ثلاث نسخ: كبرى، ووسطى، وصغرى". (٢) وله كتابٌ في ترجمة أبي محمد بن السيد البَطَلْيُوسي نحو الثلاثة كراريس" (٣)، وهذا الكتاب أثبته في "أزهار الرياض" بكماله في الروضة الثالثة (٤). وله كتاب "رواية المحاسن، وغاية المحاسن، ومجموع رسائله". (٥)
أخلاقه وحاله:
قال ياقوت: كان "بذيء اللسان". (٦) وفي نفح الطيب: "قال ابن عبد الملك: قصد (أي الفتح ابن خاقان) يومًا إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمَّرًا، فتنسم بعضُ حاضري المجلس رائحة الخمر فأُعلم القاضي بذلك، فاستثبت وحدَّه حدًّا تاما. فقال الفتح حينئذٍ لبعض أصحابه: "عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي: قلائد العقيان، قال: فقلت: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك؟ فقلت له: قصتُك معه من الجائز أن تنسى، وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك، يجدك قد ذكرتَ فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، يسأل
стр. 1901
عن ذلك فيقال له، فيتوارث العلمَ (بذلك) (١) عن الأكابر الأصاغرُ، قال: فتبين ذلك، وعلم صحتَه، وأقر اسمه". (٢)
وقال المقري في نفح الطيب: "كان مقدورًا عليه في الرزق، حتى هان قدره، وابتذلت نفسه". (٣) أقول: وكان بمحل التقدير بين الأدباء والعلماء، كما تُفصح عن ذلك مراسلاتُهم إياه، مثل ابن السيد البطليوسي، والقاضي عياض، ومَنْ راسله من الوزراء نثرًا ونظمًا مما تضمنه كتابُ القلائد.
قال الصفدي في الوافي بالوفيات في ترجمة الفتح صاحب هذا التأليف: "إنه كان يكتب إلى أعيان المغاربة يُعرِّف كلًّا على انفراده أنه قد عزم على عمل كتاب القلائد، وأن يبعث إليه بشيء من شعره ونثره ليضعه في كتابه. وكانوا يخافون شرَّه وينفذون ذلك إليه مع صرر الدنانير، وكلُّ من أرضاه أثنى عليه، وكل من قصَّر هجاه وثلبه. وكان ممن تصدى له، وأرسل إليه أبو بكر ابن باجَّة المعروف بابن الصائغ (. . .)، فلما وصلته رسالتُه تهاون بها، ولم يعرها طَرْفَه، فذكره ابن خاقان بسوء [ورماه بداهية] ". (٤)
стр. 1902
وقال في الإحاطة: "كان مجازفًا مقدورًا عليه، لا يملُّ من المعاقرةَ والقصب، حتى هان قدرُه، وابتُذِلَتْ نفسُه، وساء ذكرُه. ولم يدَعْ بلدًا من بلاد الأندلس إلا دخله، مسترفدًا أميرَه، وواغِلًا على عليته (١) (. . .) وحدثني بعضُ الشيوخ أن سبَبَ حقده على ابن باجَّة (. . .) كان من إزرائه به، وتكذيبه إياه في مجلس إقرائه؛ إذ جعل يكثر ذكرَ ما وصله به أمراءُ الأندلس (. . .)، ووصف حُليًّا، وكانت تبدو من أنفه فضلة خضراء اللون، فقال له: فمن تلك الجواهر إذًا الزُّمُرُّدة التي على شاربك؟ فثلبه بما هو معروف في الكتاب". (٢) قال في نفح الطيب: وقد حلاه الفتح في بعض كتبه بقوله: "نور فهمٍ ساطح. . ." إلخ (٣). أقول: لم أقف على هذه التحلية (٤).
كتاب "قلائد العقيان ":
هو الكتاب الذي طار صيته في الأزمان، فخلد للأندلس بين أهل الأدب ذكرًا معطارًا، وأقام لها في كل مسلك من مسالك المعرفة منارًا، كتاب لم يخل ناشئ
стр. 1903
في الأدب عن الشوق إليه، ولا مبرز عن أن يكون بين يديه. وهذا الكتاب ديوانُ أدب في جواهره وأعراضه، وجامع لأفانين الإنشاء وأغراضه. ولكنه مني منذ أزمان بإعراضٍ من أهل البيان، فخلص للإقبال عليه بطالةُ الشبان، ولعًا بما وصفه من مجالس الخمر والقيان، وما أنشده من غزل في الحسان، فاعتاضوا عن لبه بقشوره، واقتنعوا بالسبح على شواطئه دون خوض بحوره، وأقبلوا على منظومه دون منثوره. على أنه جم الفوائد لغة وأدبًا، ومدار النيرات سيارًا وشهبا، وهو لا محالة محتاج في بيان مراميه لذي إحاطة بالأدب العربي. ولعل عسر كفاءة المشتغلين به هو الذي صرف أهلَ الكفاءة لشرحه عن الاشتغال به، لاستدعائه كفاءتين: علمية وأدبية.
وفي هذا الكتاب دلالةٌ على نهوض علم الأدب في عصره في بلاد الأندلس، فإنك تجد في مراسلاتهم وفي النظم والنثر تلميحات كثيرة إلى أخبار أدباء العرب وقصصهم وأشعارهم، ما يدلك على تساوي المتكلمين والمخاطبين في الشعور بتلك المعاني والأخبار، وإلا لكان تخاطبُهم بذلك عديمَ التأثير في المخاطبين. وقد بقيت منه مواضع لم تفتح أقفالها ولم توضح أغفالها.
وطريقةُ إنشائه طريقةُ النثر المسجوع في التاريخ والتراجم، فهو شبيهٌ بالتاريخ اليميني للكاتب العتبي، وتشبه به ابن بسام في الذخيرة، وابن الخطيب في الإحاطة، وفي الكتيبة الكامنة، ولم يبلغا مبلغه. واشتمل الكتاب على أصناف الأدبيات من قصائد، وأراجيز طويلة، وعلى قطع من الشعر والرجز، وعلى الأمثال، وعلى المخاطبات السلطانية والظهائر، والمراسلات الإخوانية والغرامية، وعلى بعض من مقامة ساقها في ترجمة الوزير أبي محمد بن القاسم، وهو خلي من الموشحات والأزجال، ولعله رآها تحط من قيمة الكتاب الأدبية أسلوبًا وسموا.
اسم الكتاب:
لم يثبت المؤلف اسمًا لهذا الكتاب في ديباجته. ويظهر [ذلك] من الرسالة التي خاطبه بها أبو محمد بن السيد البطليوسي، فذكر له فيها أنه تأمل في هذا الكتاب
стр. 1904
الذي شرع في إنشائه (ولم يسمه باسم)، وقد ذكرها المؤلف في ترجمة ابن السيد في القسم الثالث من هذا الكتاب (١).
وأحسب أنه ما اشتهر باسم "قلائد العقيان" من ابتداء انتشاره، لكن بعد أن تداولته الأيدي، فقد وسمه الذين ترجموا لمؤلفه باسم "قلائد العقيان"، فسماه ياقوت في "معجم الأدباء" بهذا الاسم، وذلك في أوائل القرن السابع (٢). وذكر المقري في "نفح الطيب" في أثناء ترجمته للفتح ابن خاقان أن الفتح ذكر اسمَ كتابه "قلائد العقيان"، قال المقري: "قال الفتح لبعض أصحابه: عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم بقلائد العقيان"، وذكر القصة في سبب ذلك، وهي التي ذكرناها آنفًا عند الكلام على أخلاقه وحاله (٣).
واقتصر معظمُ الذين ترجموا لمؤلفه - وهم ياقوت وابن الخطيب وابن خلكان والمقري - على اسم قلائد العقيان. ومعظم النسخ، ونسخة ابن زاكور والنسخ الثلاث: الأحمديتان والعبدلية، لم تكتب إلا اسم قلائد العقيان. وقال ابن الأبار في المعجم في عدد تآليف الفتح: منها "قلائد العقيان في محاسن الأعيان". (٤) وفي المخطوطة البيرمية عنون الناسخ على ظهر الكتاب أنه "قلائد العقيان ومحاسن الأعيان"، ولكنها في آخر الكتاب كتبت: "تم القسم الرابع من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان". وفي المخطوطة الصادقية في آخرها: "كمل القسم الرابع من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان".
стр. 1905
والعِقيان - بكسر العين المهملة وسكون القاف - قال في القاموس: "العقيان ذهب ينبت". (١) قال في تاج العروس: "ليس مما يحصل من الحجارة كما في الصحاح والأساس، وليس مما يستذاب من الحجارة. والألف والنون زائدتان" (٢)، أي فهو اسم مفرد دالٌّ على نوع من الذهب.
حالةُ نسخ كتاب القلائد مخطوطها ومطبوعها:
إن هذا الكتاب لوعورة نهجه، ودقة نسجه، لم يستطع غيرُ ضليع في أدب العربية أن يُثبِّت قدميه [فيه] دون عثار، ولا بصير بالحقائق التاريخية أن يسير على لاحبه غير مهتد بمنار. فلذلك قلَّ ما بأيدي الأدباء من نسخه، وما وجد منها إلا ما دخله التحريف من الناسخين، لإهمال الناسخين والمطابع، وإغفالهم تمحيصَه وضبطَه، وزهادتهم في نفيس تتوفر على تحصيله الغبطة. لذلك دعتني الهمةُ إلى العناية بتصحيح نسخة منه وضبطها، والتعليق على مواضع رأيتها - كحروف المعجم - بحاجة إلى نقطها، ثم وجدت الأديبَ العلامة الأريب محمد بن قاسم ابن زاكور الفاسي كفى هذه المؤونة، وكتب شرحًا عليه كنا قانعين بما هو دونه.
فبدا لي أن أعمل لطبعه طبعة علمية محققة، وأعلق عليه ما أغفله شارحه أو أغلقه، فأول ما صرفتُ إليه العناية ضبط نسخة القلائد، وشكل معظم كلماتها، فإن التردد في حركات الكلمات عند المطالعة يزيل بهجةَ المطالع الحاصلة من فصاحة الكلام، بما يحصل من قلق النفس من جراء التردد في كيفية النطق، لا سيما إذا كان المعنى يختلف باختلاف حركات الكلمات، كما يزيل بهجةَ القارئ في نفسه وبهجة سامعيه بما يتلى عليهم. فإذا استقام ضبطُ الكلمات فقد خطا الفهمُ خطوة تعقبها
стр. 1906
خطوات أخرى، على تفاوت أهل الأفهام في العلم باللغة والنكت الأدبية، فذلك طوعُ الناظر إذا تدبر خفاياه، أو راجع خباياه.
النسخ التي أجريت المقابلة بها:
لم تتفق نسخ هذا الكتاب، فلا تجد نسختين منه غير متخالفتين في مواضع كثيرة، مما ينبئ أن مؤلفه أخرج منه نسخًا متفاوتة المقادير، وأن المنتسخين له كانوا يحذفون منه ما يرون أخهم في غير حاجة إليه على اختلاف رغباتهم. وقد أحضرنا منه خمس نسخ:
الأولى: نسخة بخط مغربي من المغرب الأقصى، نسخها عبد الوهاب بن محمد بن عبد الرحمن الحوفي القصري دارًا ومنشأ. قال: "كتبها لأخيه في الله الفقيه الأجل العلامة الأكمل المبجل الأفضل الكاتب الأرفع الماجد الأنفع الأبر أبي العباس الشيخ الحاج أحمد اليعقوبي الحسني ضحى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شوال عام ثلاثة ومائة وألف (١١٠٣ هـ) ".
وبطرة آخرها: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، بلغت المقابلةُ حسب الاستطاعة إلا مواضع لم تكن (. . .) (١) بالأصل الذي قوبلت منه هذه النسخة، وكتب أبو عبيد الله أحمد بن محمد بن أبي يعقوب الحسيني المغراوي - كان الله له - منتصف رجب الفرد الحرام عام. . . وقفها أحمد باشا على طلبة العلم، وجعلها في خزائن جامع الزيتونة بتونس في ذي القعدة سنة ١٢٥٧ هـ.
وهي نسخةٌ مشكولة غالب الحروف، وتغلب عليها الصحة. فهي أمثلُ النسخ التي بين أيدينا، إلا أن فيها حذفًا لإحدى التراجم ولعدة قصائد ومقاطيع من غير نقص في أوراقها. وعددها ٤٦٣٥ بخزانة كتب جامع الزيتونة، وقد نقلت أخيرًا إلى دار الكتب الوطنية بتونس وجُعلت بعدد ٥٥٥٨.
стр. 1907
الثانية: نسخة في قالب بخط تونسي، نسخها محمد بن الحاج حسين لقب الدرناوي في شوال سنة ١١٦٧ هـ، وناسخها تونسي من كتاب الأمير علي باشا بن حسين بن علي، وفيها سقوط مقادير كثيرة. وقفها أحمد باشا على خزانته بجامع الزيتونة في رمضان سنة ١٢٥٦ هـ، عدد ٤٦٣٤. وقد نقلت أخيرًا إلى دار الكتب الوطنية، وجعل لها عدد ٣٦٩١، ونحن نعبر عنها بالأحمدية الثانية.
الثالثة: نسخة بخط جزائري نسخها محمد بن عبد السلام بن زيان في ذي القعدة سنة ١١٠٧ هـ. ووقفها الوزير يوسف صاحب الطابع على جامعه بربض باب السويقة، ونقلت كتب ذلك الجامع إلى المكتبة الصادقية بتونس سنة ١٢٢٩ هـ (الموضوعة بالمقصورة المسماة بالبعدلية قديمًا)، وعددها بتلك المكتبة ٢٧٥٤. وقد نقلت إلى دار الكتب الوطنية، وجعل لها عدد ٦٢٧٥. وهذه النسخة أتمُّ النسخ مقدارًا، وتغلب عليها الصحة. وفيها تحريفاتٌ كثيرة، ونحن نعبر عنها بالعبدلية.
الرابعة: نسخة بخط جزائري تونسي، نسخها محمد بن أحمد بن إسماعيل الجزائري المنشأ التونسي الدار في شعبان سنة ١٢٦٢ هـ. وهي من كتب الشيخ أحمد بن أبي الضياف التي باعها في حياته إلى الوزير مصطفى خزندار، وصارت إلى الدولة التونسية في تصفية حساب بينه وبين الدولة. ووقفها الأمير محمد الصادق باشا على خزينة جامع الزيتونة في صفر سنة ١٢٩١ هـ، وعددها في كتب جامع الزيتونة ٤٦٣٦، وهي كثيرة التحريف وأسقط ناسخها أشياء كثيرة. وقد نُقلت إلى دار الكتب الوطنية بتونس، وجعل لها عدد ١٥٥٠٤.
الخامسة: نسخة بخط تونسي جميل. نسخت في رجب سنة ١١٢٠ هـ، وعليها تملك الشيخ محمد بيرم الرابع سنة ١٢٥٦ هـ. وهذه النسخة تنقص نحو عشرين ورقة من أثناء ترجمة ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار إلى أواخر ترجمة أبي بكر بن رحيم. وفيها مخالفة في ترتيب تراجم الترجم لهم، وسقوط مقاطيع كثيرة. وهذه النسخة اقتنتها دار الكتب الوطنية بتونس وعددها فيها ٦٨٤٢، ونعبر عنها بالبيرمية.
стр. 1908
المطبوعات من "قلائد العقيان " (١)
يؤخذ من كتاب معجم المطبوعات العربية، أنه طبع من القلائد خمس مطبوعات:
أولى المطبوعات: مطبوعة باريس بعناية الأديب سليمان (بن علي) الجزائري، كذا بحاء مهملة وراءين ولا يعرف المنسوب إليه. ولا يبعد عندي أنه تحريف مقصود، وتحريفًا للجزائري - بالجيم وزاي بعد الجيم - قصد منه التباعد عن أن يكون أنه من أهل الجزائر التي هي حينئذ ولاية فرنسوية، فيتهم بأنه مُوَالٍ للغاصبين. فلعله جيء به إلى تونس تمهيدًا لتحقيق مطامع الفرنسيين في القطر التونسي بعد أن أخذوا الجزائر، ولذلك اتخذته القنصلية الفرنسية بتونس كاتبًا لها بالعربية. ومعلوم أن قنصل فرنسا كان ليون روش [Leon Roche] الذي استوطن الجزائر، واتصل بخدمة الأمير عبد القادر بن محيي الدين، وتظاهر بالإسلام، وحج وتسمى الحاج عمر، ولما أسر الأمير عبد القادر ارتد الحاج عمر ورجع إلى اسمه ليون روش، وصار قنصلًا لفرنسا بتونس من سنة ١٨٥٥ إلى سنة ١٨٦٣. وذكر الأستاذ الزركلي في كتاب الأعلام أنه حسيني، وأنه ولد بتونس، وأنه ولي رئاسةَ الكتَّاب بتونس سنة ١٨٤٠، وهو منقولٌ عن ناسخ الصحافة اغتر به الأستاذ الزركلي، ولا أصل لشيء من ذلك.
وهو أديب متوسط، وله معرفة باللغة الفرنسية. وترجم كتبًا عن الفرنسية في النحو الفرنساوي، وفي حوادث الجو. كان كاتبًا لدى قنصل فرنسا بتونس. وتوفي في باريس سنة ١٢٩١ هـ. وطبعت بمطبعة جوسي كلبي وشركائه في باريس سنة
стр. 1909
١٢٧٧ هـ. كتب على ورقة الغلاف منها: إنها مستخرجة من صحيفة برجيس بريس. وصحيفة برجيس جريدة أسبوعية كان ينشرها باللغة العربية في باريس رشيد الدحداح اللبناني، وكان سليمان الجزائري من محرريها. ولم يذكر النسخةَ التي اعتمد عليها في الطبع. وقد ذكر هذه الطبعة في معجم المطبوعات سركيس، وهذه المطبوعة خالية من الفهارس أصلا.
الثانية: طبعة بولاق سنة ١٢٨٣ هـ، وهي نظير من طبعة باريس، فيما عدا قليلًا من الكلمات يظهر أنها من إصلاح المصحح لدار الطباعة. وذكر هذه الطبعة سركيس، وفيها فهرس لأسماء المترجم لهم وصفحات التراجم.
الثالثة: طُبعت في سنة ١٢٨٤ هـ. نسب في آخرها أنها طبعت بعناية إسماعيل الجيلاني، وهي مساوية لطبعة باريس. وأشار إليها سركيس، وهذه الطبعة لها فهرس بأسماء المترجم لهم.
الرابعة: طبعت في الآستانة سنة ١٣٠٢ هـ ذكرها سركيس في معجم المطبوعات إجمالًا، ولم يسم المطبعة، ولم نطلع على هذه الطبعة.
الخامسة: طبعت بمطبعة التقدم العلمية بدرب الدليل بمصر سنة ١٣٢٠ هـ. ذكرها سركيس، ولم يعين البلاد التي طبعت فيها، وهي موجودة متداولة.
السادسة: مصورة من طبعة باريس التي نشرت في البرجيس، وهي التي ذكرناها أولى. نشرتها المكتبة العتيقة بنهج جامع الزيتونة، أخرجتها مطبعة قيس الأراضي بتونس سنة ١٣٨٦ هـ الموافقة لسنة ١٩٦٦ م. قدم لها مقدمة الأديب الشيخ محمد بن المرحوم الموثق الشيخ محمد الشاذلي العنابي في التعريف بحضارة الأندلس وترجمة مؤلف الكتاب، ووضع لها أربعة فهارس.
وقد عَرَتْ جميعُ مطبوعات القلائد التي رأيناها عن ضبط الكلمات بالشكل، وعن التعالق المتعيِّنة، بله الشروح المبيِّنة.
стр. 1910
الفَرْعُ الرَّابعُ
خُطَب وَرَسَائِل
стр. 1911
خطاب ابن عاشور عند عودته لمشيخة جامع الزيتونة وفروعه عام ١٣٦٤/ ١٩٤٥ (١)
الحمد لله الذي جعل أطناب الدين موثقة بأوتاد العرفان، وناط نتائج اليقين بدلائل النظر والبرهان، والصلاة والسلام على رسوله المؤيد بمعجز البيان، شرف الله ذكره كفاء ما شرف به نوع الإنسان والرضا عن آله وأصحابه الخالد فخرهم على الزمان.
أما بعد فيا أيها الأساتذة الجلة، والتلامذة المنوط بهم أمل الملة، إن المنزلة السامية التي يواتيها حسن ظن ملكنا الجليل، دام له العز والملك الأثيل، بأن أسند إلي مشيخة الجامع الأعظم وفروعه، قد مكنتني من فرصة مباركة، فرصة الاجتماع بهذه النخبة الباهرة من أبنائي الأساتذة الذين عرفت فيهم سموَّ الهمة في خدمة العلم، وبذل النصح في تلقينه، وهذا الجمهور النير من الناشئة الزيتونية الذين لم يزالوا يبرهنون على الإخلاص في تعلقهم بالدين والعربية، والحرص على استكمال مادة العلوم الواسعة من المناهج الناجعة في الإيصال إلى الغايات النافعة.
وإن ملاحظة هذه المباهج النفسية من التعاون مع المخلصين في خدمة علوم الدين هي التي تهون علي ما يوجبه هذا الإسناد من تجشم كلف كنت عنها بمعزل والانقطاع عن الاستغراق في الأشغال العلمية التي هي ريحانة النفس.
فليكن اجتماعُنا هذا أفضلَ ما اجتمع عليه المسلمون من التواصي بالحق، وتجديد عهدنا الذي قطعناه على أنفسنا من بذل المستطاع للنهوض بالتعليم، وتثقيف أذهان التلامذة بالعلم الصحيح والفهم القويم بما يمكنهم من مراتب
стр. 1912
السيادة الفكرية التي هم الأصفياء بها، فبذلك نخدم الأمة الإسلامية بالعنصرين اللازمين لارتقاء الأمم في مصاعد الكمال؛ وهما العلم الصحيح والتعليم الكامل.
إن تعليمَ هذا المعهد هو الحافظُ على الأمة علومَ دينها الذي به فوزُها في الحياة العاجلة، وسعادتها في حياتها الأبدية، والحافظُ عليها علومَ لغتها التي هي ضمانُ جامعتها ومظهرُ مفاخرها وعزتها. فانتقاء أقوم الأساليب، وتوخي أيسر المناهج لإيصال هذه العلوم إلى أذهان المتعلمين، هما معقد عملنا الذي نتكاتف لتحقيقه، ويهيب بنا داعي الإخلاص لطريقه.
فإذا نحن وفينا بعهدنا هذا، ووجدنا من أبنائنا الطلبة ما هو المأمول من حرصهم على استكمال التعليم الزيتوني وأجهزة صلاحه بصرف عنايتهم إلى تحقيق دروسهم والتملي من فهم المسائل العلمية وضبط ما يتلقونه من أساتذتهم ودوام المراجعة والمدارسة، تحقق لنا بعون الله وبتوافر هذه المعاني النجاحُ المأمول.
ولا شك أن أطيب ثمار التعليم الصحيح وأزكى نتائج التربية القويمة، هو ما يظهر في الناشئة المتعلمة من إدراك أسرار الشريعة، واستكمال تخلقهم بمكارم الأخلاق الإسلامية، واستقامة سيرهم على آداب الشريعة. ذلك ملاكُ السعادة الفردية، وأساس الرقي الاجتماعي المنشود، وقد قال النبي ﷺ للذي طلب منه إيجازَ الوصية: "قل آمنت بالله ثم استقم". (١)
стр. 1913
خطاب في حفل اختتام السنة الدراسية بجامع الزيتونة (١)
إلى الله أرفع أطيبَ المحامد وأعلاها على أن رفع قيمة العلم وأغلاها، وما منح أهله من النعم وأولاها. وإلى رسوله محمد أتوجه بأفضل الصلوات وأملاها، المرسل بشريعة مرَّ عليها الدهر فما أبلاها، وزادها من الليالي جدة فأوضحها وأجلاها، وآله وصحبه وكل من اقتدى بتلك الفئة وتلاها، وأنقذ الأمة من كل ما غرها ودلاها.
فضيلة العلم وحظ الأمة التونسية منه:
أما بعد، فإن ما تقرر عند العقلاء من فضيلة العلم ونباهة محله، والشرف الباذخ لحملته وأهله، يغني عن الإطناب في إبلاغه فقد وعاه السامعون، وحسبنا آية ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وإن شرفَ الأشياء يقتضي صرفَ الاهتمام إليها ودوام العناية بحفظها ونمائها، فلذلك كان من سعادة الأمم أن تنصرف عنايةُ قادتها وكبرائها إلى البحث عن وسائل ترقية العلوم، وتهذيب أساليب التعليم، وتوفير عدد المتعلمين، والترغيب في الإقبال على طلب العلم.
стр. 1914
ولم تزل هممُ ذوي الكمال منصرفةً إلى تيسير سبيله، وإذاقة الظامئ إليه صافي سلسبيله، بشتى وسائل التيسير: من تقريب المسائل، وتوقير الأوقات، وإراحة البال من المشوشات، ونقض السدود الحائلة دون السير في ذلك السبيل، وتربية الشراهة على التحصيل.
وبمقدار اعتناء الأمة بالتدبر والتفكر في هذه الوسائل وتقريبها لأبنائها، يتوسم المتوسمون منها تأهلَها للارتقاء وتشام غيوث من برق عزمها إذا لاح متألقًا. ولم يكن حظُّ الأمة التونسية في هذا المضمار من بين الأمم منقوصًا، فقد سايرت في ذلك تطورَ العصور تمهيدًا وإكمالًا، ونشطت في أحوال أورثت تكاسلًا وإقبالا.
فمعهدُها هذا الجليل بأصله وفروعه ومدارسه المبثوثة في الحاضرة والإيالة قد كان ميدانًا لهذا السباق، وقديمًا جرت فيه جيادُه جريَ انتظام وانتساق. فطلعت في أفقه شموسٌ وأهلة، وفي شواهد التاريخ الإسلامي على ذلك كثير من الأدلة؛ إذ لم يزل تأرز إليه علوم الشريعة وعلوم اللغة العربية، فكان وجهةَ الأولين لحفظ قوانين الشريعة أصولًا وأحكامًا، وغذاء حياة العربية كتابة وكلامًا. من أجل ذلك كان النصحُ لهذا المعهد حقًّا على كل مسلم؛ لأنه يجمع مواضع النصيحة التي تضمنها قول النبي ﷺ : "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". (١)
стр. 1915
النصح للزيتونة هو النصح لمتعلميها:
وملاكُ النصح له هو النصح لمتعلميه؛ لأن المتعلم هو القطبُ الذي تدور حوله حركةُ التعليم، والنصح له هو جامع غايات النظم التعليمية. وإن نصح المتعلمين يُجمع في تزويد أفهامهم من العلم الصحيح، وذلك هو المقدارُ العلمي الذي يجد العالمُ به سهولةَ العمل بمعلوماته كلما دعته حاجة إلى العمل بها في تفكير نفساني، أو في معاملة مع الناس، أو في تحرير خطاب، أو شغل أو تدبير مهم، أو فهم دقائق العلماء. فالنصح للطلبة يحصل بالاستكثار من هذا النوع في تعليمهم بحسب اختلاف مراتبه، لكي يشبوا على ذلك ويتدرجوا فيه.
كيف كانت العلوم بالزيتونة وكيف يجب أن تكون ؟
فعلينا أن يكون طلبةُ العلم في المعهد الزيتوني علماءَ بالأصول الإسلامية، والمعاملات الفقهية التشريعية، والآداب الدينية، والأخلاق القويمة، وعلوم آداب اللغة العربية، وما يتحصل بذلك من تاريخ الأمة وتاريخ أحوال وضعيتها بين الأمم المعاصرة لها في سائر عصورها وتاريخ رجالها وسيرهم.
ولم يخلُ هذا المعهدُ في أيٍّ [من] العصور من علوم تكمِّل مداركَ خريجيه تكميلًا يؤهلهم لمسايرة أحوال مجتمعهم. ونحن اليومَ في عصرٍ صار فيه المجتمع الإنساني بمنزلة ما كان مجتمع القطر الخاص، وتغلغلت حاجاتُ الأمم ومصالحها بعضها في بعض، فأصبح تقاربُ الثقافة بينهم ضربةَ لازب، وصار ما كان يعد تكملة موضوعًا الآن في عداد الواجب. فلذلك كله، لم يُغنَ التلميذُ الزيتوني عن أن يضرب مع أمم عصره بسهم صائب، وذلك يلزُّه لا محالة إلى أن يصعد في جو الثقافة الزمنية إلى مرتقى لا يقعد به عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بدلائل الحياة السعيدة، ولم يغن عن الأخذ بالنصيب الكامل مما يتناوله أمثالُه من علوم التبصر، فلا يعدم بصارة بأحوال العالم تبصرَ خريجي المعاهد الراقية. وبرامجُ ذلك توضع على وفق المناسبة للمراتب التي يختار التلميذ الانتهاء إليها على وجه تحصل به التكملة، ولا يضاع مهيع الأصل.
стр. 1916
ضبط البرامج:
وقد وصلنا إلى غاية تحديد الدرجات للشهادات، فعلينا أن نكللها بضبط البرامج الملائمة لها. وعلى هذا الاتجاه ستتوجه مناهجُ التعليم التي تُوضع للعام المقبل بمعونة الله تعالى، وهذا لا محالةَ يستدعي ضبطَ المواد والأبواب والتآليف المقررة والساعات المعينة لذلك، وكفاءة من يوكل إليهم رعي ذلك من مدرسين وقيمين.
وهذا الضبطُ هو المعبر عنه بالأسلوب القويم، ومرجعه إلى التفكير في توفير المعلومات وقلة الأوقات وراحة الأذهان والدربة على العمل بالمعلومات، فإن فائدة العلم العمل، ولعلنا أن نبلغ أملًا من تقريب ثقافة نشأتنا وتعديل مستوانا العقلي.
عناية ملوك تونس بالعلم:
وقد كان الملوك الصالحون في عصور الإسلام دائبين على بذل العناية والتأييد لجانب التعليم الإسلامي، وكان من سعادة هذا القطر أن لم تزل عنايةُ أمرائه تسابق هممَ العامة في إخلاص النصيحة لهذا الجانب وبذل الجهد في ترقيته إلى أعلى المراتب.
فكان ملوكُ البيت الحسيني الرفيع العماد سائرين على منهج توفيق وسداد، فيما حاطوا به العلمَ وأهلَه من العناية، وشملوا به ربوعه من التعهد والرعاية، بما سجلته صحائف التاريخ للملوك المقدسين، ثم بما يبدو اليوم من ضمائر الخير على يد وارث سرهم ومظهر فخرهم ملكنا المعظم سيدنا محمد الأمين، فلم يزل منذ ابتداء ملكه السعيد يظهر للهيئة العلمية الزيتونة ودَّه وانعطافه، ويذب عنها في دفع كل ملمة ومخافة، وقد جرى هذا المعهد في مدته شوطًا بعيدًا، ولم تزل الهمم العلية ترجو له من ذلك مزيدًا.
стр. 1917
شكر الأمة التونسية (١)
فما تزال عموم الأوساط الإسلامية تبدي لنا من المعاضدة والتأييد، ما بعث الأملَ إلى مدى بعيد، وبشر بالفوز في عملنا بخير مزيد، وأوجب عليَّ أن أصرح في هذا الجمع الجليل على لسان الزيتونيين بفائق الشكر وعظيم الامتنان لعموم الأمة التونسية وبخاصة لقادتها ومثقفيها وصحافتها وجمعياتها، على ما وجهوه للهيئة العلمية في شخصي من مظاهر الثقة والاعتبار. فكان هذا الجو المستنير المختص بمعهدنا المقدس دافعًا على مواصلة الجهد في إبلاغه نحو الغايات السلمية التي يرجوها له الجميع.
شكر الطلبة الزيتونيين:
وهذا العام الدراسي الذي نطوي اليومَ بساطَه قد كان عامَ عزمٍ، وجهود، وطموح، وانكباب على البحث في حل المشاكل والعقد التي تعترض العاملين في سبيل الإصلاح الزيتوني. ومع ذلك، فقد مر على التلامذة مرورًا مرًّا؛ إذ كان حلولُه عقب عُضوض ناب الحرب، فوردوا لطلب العلم، وقد قلت الأزواد، ورقت الثياب. ولكنهم تجلدوا على ذلك، وصابروا، فكنتَ تراهم صُفْرَ الوجوه، ولكنك تلقاهم أيقاظَ القلوب، حديدي البصائر، مؤمنين بمصيرهم السعيد في الحياتين، فهم جديرون منا بالثناء والشكر، وأحقاءُ لو خارت عزائمهم بالعذر، آملين منهم أن يتلقوا العام القابل بمظاهر الفتوة فيحيي من عزائمهم ما يأخذ الكتاب بقوة.
стр. 1918
إصلاح مدارس (١) الطلبة:
وأنا لا أهمل تقديرَ سيرتهم نحونا حقَّ قدرها: من خطة التعقل والرصانة، والطاعة للمقررات، والتفهم للصالح العلمي، مما دلني على أنهم قد استودعوني ثقتَهم بأني أبذل الوسعَ فيما يؤول إلى سعاد مستقبلهم، جاعلًا في مقدمة ذلك النظرَ في مدارس سكناهم، وهي مشكلةٌ عظيمة في حياة الطلبة من جهة قلتها وضعف مرافقها. وحسب السامع أن يعلم أن أكثر من نصف عدد التلاميذ يلاقون عناء قاسيًا من ذلك، وأيضًا فإن نظام المدارس مرتبط بنظام التلامذة في قرن (٢)؛ إذ لا يستطاع ضبط أحوال التلامذة، وصونهم، وتوفير راحة بالهم في مدة الطلب إلا بإبلاغ نظام المدارس الغاية التي تقتضيها أمثالها، وذلك يتوقف على إصلاح الموجود وإيجاد المفقود.
وقد سددنا الجانبَ الأول بايجاد دائرة خاصة تابعة للمشيخة تختص بالنظر في تنظيم شؤون المدارس، وأما الجانب الثاني فأرى حقًّا على الأمة أن تجعل للاعتماد على نفسها الحظَّ الأوفر في إقامة مصالح ناشئتها. لذلك بادرنا بتوجيه الدعوة لنخبة من أفاضل الأمة فكوَّنوا لهذا الغرض المهم جمعيةً تم تشكيلها القانوني تحت رئاسة فضيلة شيخ الإسلام المالكي، الذي كان من قبل باذر نواتها، وستبتدئ هذه الجمعيةُ إنجاز برنامجها الرامي إلى إيجاد بناية ضخمة تأوي أكثرية من التلامذة في نظام محكم.
وقد سبق للتهمم بهذه المهمة سابقون سبق الجياد، فعرض علي أحد الأفاضل من أهل السخاء أنه أعد مليون فرنك لبناء مدرسة على النظام الكامل (ورغب أن يكتم اسمه)، كما فاتحني الفاضلُ الخير السيد الديماسي أنه قد اقتنى منزلًا ضخمًا لجعله مدرسة تامة المرافق، وهو بصدد تصميم مثال لإقامته، وفاتحني الفاضل الغيور السيد المختار الصالحي باستعداده لإنشاء مدرسة كاملة.
стр. 1919
العناية بالفروع الزيتونية:
وبعد، فإن إصلاح التعليم بالجامع مرتبطٌ أشد الارتباط بالعناية بالفروع الزيتونية بالمدن الخمس من المملكة، وقد تبين لي من مشاهدة معظمها ومن المراجعة والدراسة للأوراق المتبادلة بيننا وبين مَنْ لهم النظرُ في سيرها ما فتح عينَ الأمل بأن تصير في مستقبل قريب منابعَ علم تمد البحر الأعظم - بحر جامع الزيتونة - بما يزيد فيضه، ويرفع مقياسه. وأخص بالثناء فرعَ صفاقس الذي أصبح برنامج المرتبة الأخيرة من التعليم فيه تامًّا، وأعَدَّ من تلامذته في هذه السنة زهاءَ الخمسين لاقتحام امتحان شهادة الأهلية.
العناية بالتعليم الابتدائي:
ووراء هذه العناية بالفروع تتوجهُ العنايةُ إلى التعليم الابتدائي الذي يحضر فيه التلامذةُ لولوج الفروع الزيتونية؛ فإن ذلك عقدةٌ عسيرة، وهي تفاوتُ أحوال التلامذة الذين يزجون بأنفسهم في الوسط التعليمي باعتبار مقادير ما هُيِّئوا له من التعليم الابتدائي؛ إذ يوجد بينهم بونٌ بعيد في مراتب التأهل: فمنهم المحضرون من المدارس القرآنية، ومنهم الوافدون من الدارس الرسمية، ومنهم من زاول التعليم في الكتاتيب أو الزوايا، ومنهم مَنْ لم يسبق له من التعليم إلا حظٌّ زهيد. ثم يُحشر هؤلاء كلُّهم في صعيد [واحد] إلى السنة الأولى من المرتبة الأخيرة الزيتونية، فيصير ذلك التفاوتُ مثارَ مشقة للذين يجرون اختبارَهم، ثم لمدرسيهم ولرفقائهم في الدروس، ثم للجان الاختبار للتنقل في السنوات. وقد دلتنا الشواهدُ أن المدارس القرآنية هي أفضل مهيئ للتعليم الزيتوني وإمداده بالتلامذة الأكفاء، وسنعد لهذه العقدة علاج حلها في مفتتح السنة الدراسية بمعونة الله تعالى.
دعوة أبوية لشيوخ التدريس:
وأنا حين أعرض هذا البرنامج الذي أراه خيرَ كفيل لتحقيق آمالنا في الإصلاح، يخامرني اليقينُ بأني واجدٌ من أبنائي السادة شيوخ التدريس ما أعرف
стр. 1920
منهم من تسهيل سبيل هذا المهم بما يبذلون في إعانتنا من سامي الهمم لما أبدوه من التفاف حول المشيخة، ومعونة على مقرراتها ومصارحتهم بما يتوسمون منه صلاحًا للعلم وذويه، ولقيامهم بالمهام العلمية التي تُسند إليهم بفرط رغبة وعمل بعزيمة. وقد ظهرت آثارُ المرامي الصائبة والعزائم المتينة في جميع أركان الجهاز التعليمي واضحةً للمبصرين، وستكون بالغةً أسماعَ الواعين، فأشكرهم على ما قاموا به من بث العلوم، فكدوا أذهانهم، وضايقوا أوقاتهم ليجنوا لأبنائهم جَنًى شافيًا، ويسيغوهم من مستنبطات أفهامهم نميرًا صافيًا.
وأخص بالشكر والثناء جنابَ السادة العلماء رؤساء لجان الامتحان، والسادة المشائخ أعضاءها، على ما أتوه من الحزم والأعمال في مدة قد اندرج معظمُها هذا العام في زمن الراحة الصيفية.
فإليكم أيها الأساتذة الكرام أوجه دعوتي للازدياد من التكاتف للنهوض بما يحق لهذا المعهد المقدس الذي فيه ربت عقولنا، وقويت سواعدُ أعمالنا، وانفتحت لنا منه حقائقُ الأشياء. فلنزدد من الانتطاق لخدمته، وصرف الهمة لإيصال أبنائكم الروحيين إلى المستوى الذي ترضونه، فتعملوا في ذلك عملَ من طب لمن حب.
النتيجة بعد اطراد العناية:
وقد كانت نتيجةُ الامتحانات وما أسفرت عنه من النجاح والتفوق مع ما جرت عليه من الضبط والتدقيق خيرَ دليلٍ على اطراد عناية الشيوخ بالدرس، وإقبال الطلبة على التحصيل. فلقد شارك في امتحان شهادة العالمية في القسم الشرعي ستة وثلاثون، فاز منهم بشهادة العالمية ثمانية وعشرون، منهم واحد بملاحظة أحسن، وأحد عشر بملاحظة حسن. وشارك في امتحان العالمية في القسم الأدبي واحد وثلاثون، فاز منهم واحد وعشرون بالشهادة، منهم ثلاثة عشر بملاحظة حسن. وقسم القراءات كانت نسبةُ النجاح فيه تامة؛ إذ شارك في امتحان العالمية فيه أربعة، نال أربعتهم الشهادة، وكان ثلاثة منهم بملاحظة حسن.
стр. 1921
أما امتحان شهادة التحصيل، فقد كانت نسبةُ النجاح فيه وسطًا في قسم العلوم؛ إذ شارك فيه ثلاثمائة، حصل الشهادة منهم مائة وثلاثون، منهم اثنان بملاحظة أحسن، وثمانية وأربعون بملاحظة حسن. ولكن من الأسف أن كان مظهرُ الإقبال على علم القراءات فيه ضعيفًا؛ إذ لم يشارك في امتحان شهادة التحصيل للقراءات إلا تلميذان، حصل كلاهما على تلك الشهادة، وكان واحد منهما بملاحظة حسن.
أما شهادة الأهلية، فقد اجتاز الامتحانَ لها ثلاثمائة وخمسة، حصل مائة وسبعة وأربعون منهم على الشهادة، وكان ثمانية من المحصلين بملاحظة أحسن، وتسعة وستون بملاحظة حسن.
الحمد لله .. لنحمد الله .. :
فالحمد لله على أن ختم هذا العام بمظهر العناية المختلفة المصادر، فهذه حكومتنا التونسية قد تمثلت عنايتُها في هذا الاحتفال واضحةً جلية بحضور جناب أصحاب المعالي الوزراء الفخام لا زالوا مظهرَ الرفعة والكمال ومصدرًا لجلائل الأعمال، ولا برحوا للسدة العلية أنجادًا ولمساعيها الصالحة أعضادًا. وهذه الهيئة الشرعية الجليلة قد شرفت المقام برجالها الجهابذة الأعلام، وفي مقدمتهم صاحب الفضيلة شيخ الإسلام المالكي (١) أبقى الله بركتهم للأنام، وفيهم صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأسبق (٢) الذي شدت بيني وبينه أواصرُ العمل في صالح العلم في أطوار جمة كان جميعُها مظهرَ الأعمال المهمة.
وهذه نخبةٌ من رجال العدلية التونسية الموقرة، ومن علية الموظفين، وخلاصة المثقفين، ورجال العمل المخلصين، قد التفوا حولنا في الموكب التفافًا يمثل الالتفافَ القلبي في مظهر التفاف جسدي، فليحمد الزيتونيون فضلَ الله عليهم على أن عمر بهم هذا البيت، وجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم.
стр. 1922
خطاب في احتفال جمعية الزيتونيين (١)
إن من بواعث الابتهاج شهودنا هذا الحفل الزاهر الناطق بما بلغ إليه شعور الزيتونيين بحق الأمانة التي ألقى بها نحوهم معهدهم العظيم. فهذا الاجتماع اليوم هو مظهر لحسن استعداد جميع القوى الزيتونية للأخذ بعضد الاتجاه الإصلاحي ليبلغ أقصى مداه. فلقد يعد من التقصير في النظر أن يعتقد خريج هذا المعهد أن لعلاقته به حدًّا ينتهي إليه عند استكمال الطلب والفوز بالشهادات والانتقال إلى ميدان العمل الاجتماعي في المناحي القضائية والإدارية والحرف الحرة، مع أن واجب الاعتراف بالجميل يفرض عليه في خدمة العلم الذي فاز منه بالشرف الذاتي وصلة المعهد الذي هيأه له سمو منزلته الاجتماعية واجبات لا تقل عن واجبات العاكفين فيه على بث العلم وتحقيقه.
وبإلقاء نظرة على تاريخ العصر الماضي يتبين ما يقتضيه حق هذا المعهد من أبنائه المبثوثين في مختلف فروع الحياة من معاني الفخر التي يؤدونها إليه بحسن سلوكهم في مناهج الشرف التي فتح لهم أبوابها إذا كان رائدهم حفظ سمعة هذا البيت الذي يعتزون إليه والإعانة على اشتهارها.
فما كان فخرُ جامع الزيتونة بشيوخ الشريعة وأساطين التدريس في عديد الأجيال بأعظم من فخره بخريجيه من كبار الوزراء، وعظماء الكتاب، ومشاهير الحكام والمحامين، ورجال الصحافة والاقتصاد. وما يضاعف ابتهاجَنا أن يكون ذلك
стр. 1923
الشعور في العهد الذي التفتت فيه الهمة الملكية السامية - همة أميرنا الجليل أدام الله تأييده وتسديده - إلى توجيه النهضة الزيتونية خيرَ وجهة من الإصلاح والانتعاش.
فلنعقدِ العزمَ على خدمة شرفنا الأثيل الذي يمثله معهدُنا الرفيع العماد، فنكون أحقاءَ بمجد بنوته، ونضمن له النجاح في خدمة الجامعة الإسلامية، وبخاصة الأمة التونسية.
стр. 1924
خطاب بالفرع الزيتوني بصفاقس (١)
حمدًا لمن أيد أهل العلم ورفع لهم شأنًا ومنحهم المزايا فأصبح جيد الملة بهم مزدانًا، وصلاة وسلامًا على من أنزل عليه ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] و ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وعلى آله وأصحابه الذين رفعوا للعلم أعلامًا وراشوا لنصره سهامًا، وجعلوا قناده للمنتجعين تماما.
أما بعد، فأنا جد بهيج بمقامي الآن وسط أبنائي، ومن بنسبهم الروحي اعتزازي وإليه اعتزائي، أولئك الأساتذة الذين صرفوا الهمم للنهوض بهذا المعهد فرع الزيتونة المثمر، وهذه الناشئة النيرة من التلامذة الذين بينوا تهمُّمَهم بعلوم الشريعة وعلوم العربية، وبمشاهدتي هذا الجامع زاهرًا معمورًا، وذلك مرأى يبعث الأمل، ويشجع على المضي في خير عمل.
لقد كان العلم في قديم عصور تاريخنا مبثوثًا في مدن الإيالة وقراها، وكان حظ صفاقس من ذلك وافرًا حين أنجبت جلة العلماء في عصور كثيرة، ثم عرض ما أنضب ذلك السيل فصار طلبة العلم منها يأوون إلى حاضرة تونس لأخذه من جامع الزيتونة، وكذلك كان الحال في مدن الإيالة؛ إذ صار أهلها من مغترب لأجل الطلب ويائس من استطاعة الأخذ إليه بسبب.
ثم كان إحداثُ تعليم منظم بفروع للجامع الأعظم من أهم ما سعيتُ إليه أيام قمت بخطة نيابة الدولة لدى النظارة العلمية، وبعد دأب على ذلك السعي
стр. 1925
صدر الترتيب المؤرخ في ١٢ ثاني عشر شعبان سنة ١٣٣١ هـ إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف وبه غرست نواة دوحة التعليم الإسلامي المنظم في المدن الخمس وعد يومئذ تقدمًا عظيمًا، وسطرًا من التاريخ قويمًا. بيد أنه لم يلاق من اطراد الإقبال ما يلقح عوده، ويمرن تحليق طائره في أوج العلا وسعوده.
فهب أهل صفاقس لانتهاز الفرصة وابتدأوا يستخرجون من ذلك ما أملوا منه أن يروي الظماء، ورأوا من صالحهم أن يعالجوا حفرها والتدادها ولسان حالهم ينشد: هو الري أن تعطي النفوس "ثمادها" (١) حتى أصبحوا اليوم يحمدون رواءه ويتطلعون إلى ما وراءه.
إن الغرض الأهم من أعمالنا هو النهوض بالتعليم الإسلامي بما يمدنا الله به من الاستطاعة لتثقيف الأذهان بالعلم الراسخ والفهم القويم، فإن علوم الدين هي الوسيلة لتزكية النفس وإعدادها لقبول الكمال الحق. وعلوم اللغة العربية هي العروة لشد أواصر الجامعة الإسلامية وإدراك معجزة القرآن البيانية، فلا جرم أن يكون معظم أعمالنا تسهيل سبل الوصول بطلبة العلم إلى هذه الغاية المزدوجة: بانتقاء أحسن الأساليب وتوفير نفيس العمر.
وقوام ذلك هو تذكير العالمين وإرشاد المتعلمين، فبذلك يحصل النجاح المأمول. وإن توسيع نطاق هذا العمل لا يتأتى إلا بتنشيط الفروع الزيتونية
стр. 1926
الموجودة، وبالإكثار من فتح فروع حيث لا توجد، وإقامة نظام جميعها على الاتصال المحكم والوثيق بالمركز الزيتوني بطريقة تكفل تمثيل مشيخة الجامع بالفروع، وتعميم مناهج التعليم وبرامجه المسلوكة بالمعهد الزيتوني، وبذل العناية والاهتمام للمتعلمين وتوفير راحتهم في سبيل تحصيل الشهادات التي هي نتائج تعليمهم، مع ما يقتضيه ذلك من مد يد المساعدة للمشائخ القائمين بإدارة هذه الفروع بما يلزم لإدارة دواليب أعمالهم، وللمشائخ المدرسين بكامل حقوقهم وجعلهم في مستوى نظرائهم، وتعزيز كل فرع بإيجاد قسم مدرسي صالح لإلقاء الدروس التطبيقية على أحدث الأساليب وأرقاها بحق الضبط والسهولة، وبالإكثار من تأسيس المدارس لسكنى التلامذة وافية بما يقتضيه حفظ الصحة.
وأنا باذلٌ قصارى الجهد في تحقيق هذه الرغائب، وسيقع الشروعُ في دورة هذا الامتحان للشهادة الأهلية بتكليف إحدى اللجان بالتنقل لإجراء امتحانها على المتأهلين له من التلامذة، توفيرًا لراحة الطلبة من عناء النقلة وكلفة النفقات، وتحقيقًا لمبدأ اعتبار الفروع اعتبارَ أصلها في جميع نواحي النظام دون ميز.
والأملُ في إعانتكم بكل المستطاع في هذه الإصلاحات وطيد، وما هي من همة أهل العزم والفضل ببعيد. وأتوجه إلى الله تعالى في دوام التوفيق والتسديد، وتواصل العناية والتأييد من جانب مولانا الملك المعظم السعيد، الذي أقامه الله للأمة أمينًا حق أمين، نسأل الله أن يطيل بقاءه حقب السنين.
стр. 1927
خطاب في حفل الفرع الزيتوني بسوسة (١)
الحمد لله حمدَ منغمسٍ في آلائه، معترفٍ بجلائل نعمائه على أن أفاض لنا من العلم مهيعًا نميرًا، وأرشدنا كيف نذود عن حياضه ما يكسبها تكديرَا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أنزل الله عليه الكتاب، وضمن حفظه، وعلى آله وأصحابه الذين لم يقصر أحدٌ منهم في أن يأخذ منه حظَّه، أسوس العلوم الراسخة وأطراد الفضائل الباذخة.
أما بعد، فإني مغتبطٌ - بحلولي في هذا المعهد الجليل العتيق - بين نخبة أبنائي من أساتذته الذين ثقفوا التلامذةَ بالعلوم النافعة، وتلامذته الذين زانوا حِلقَه الساطعة، ولِمَ لَا أغتبطُ بذلك وأنا أتوسَّم في هؤلاء وهؤلاء زهرةَ المستقبل وحُظاتَها، ونجائبَ السبق وحداتَها؟
وعسى أن يعود بهم على هذه البلدة ما كان لها من مجدٍ تالد، وذكرٍ هو على صفحات التاريخ خالد، فلقد كان العلمُ في العصور الأولى من تاريخنا مبثوثًا في سوسة وما حولها، فازدهرت جناتُ المعارف وازدهت، ورسخت قواعدُها وما وهت، حتى تغنت بها الحمائمُ وتفتقت عن ثمارها الكمائم، فظهر منها علماء أعلامٌ في عصور كثيرة، وكان أبو إسحاق الجبنياني (٢) يقول: "لقد رأيتُ هذا الساحل وما منه قريةٌ إلا وبها رجلٌ من أهل العلم أو القرآن، أو رجل صالح يزار".
стр. 1928
ثم عرض ما أنضب معينَها، فصار طالبُ العلم يشد الرحالَ إلى المعهد الزيتوني، فيتجشم عرقَ القربة ويذوق مرأرة المشقة والغربة. وربما ضاق صبره عن إدامة العيش في غير بلاده، فاضطر إلى القعود آيسًا من نوال مراده، وليس الإعراض عن النافع حين يعسر به الانتفاع بمحمود لدى أهل الرأي والاضطلاع. لذلك كنتُ نظرت في أول ما سعيتُ إليه من النظم أيام قيامي بخطة نائب عن الدولة، فرأيت من أعظم المصالح العلمية تنظيمَ التعليم بفروع من الإيالة، وسعيتُ في ذلك سعيًا أثمر الترتيب المؤرخ بالثاني عشر من شعبان عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف، وهو الترتيب الذي غُرست به نواةُ التعليم الإسلامي المضبوط في المدن الخمس. غير أنه لم يلاق من الإقبال عليه ما يقيم عماده، ويشد أوتاده، لأسباب كان فيها للمدرس بعضُ العذر، وللتلميذ عذرُ الخشية من إضاعة العمر.
ولما وقع الالتفاتُ إلى تحسين حالة المدرسين تحسينًا يوجبُ انصرافَ هممهم إلى العناية بهذا المعهد، والنهوض بما فيه من دروس علوم الدين وعلوم اللغة التي بها نبلغ مرتقى كمالنا في الجامعة الإسلامية والعلوم التي بها النجاح في تبوُّؤ المكان الأسمى من الحياة الاجتماعية، رأيتُ أن أقوم بالزيارة لهذا المعهد للنظر في أحوال التعليم والأساتذة والمتعلمين والنهوض بها إلى المكان الأسمى بتثقيف أذهان التلامذة بالعلم الراقي والفهم القويم. وقوام ذلك هو تذكير العالمين وإرشاد المتعلمين، وأن توسيع نطاق ذلك لا يحصل إلا بتنشيط الفروع الزيتونية الموجودة، وبالإكثار من فتح فروع حيث لا توجد، وبإقامة نظمها على الاتصال المحكم العرى بمشيخة المركز الزيتوني بطريقة تكفل تمثيل المشيخة بالفروع، وبأن تجري بها المناهج
стр. 1929
والبرامج المسلوكة بالمعهد الزيتوني، وبذل العناية للمتعلمين وتوفير راحتهم في سبل تحصيل الشهادات (التي هي نتائج تعليمهم)، مع ما يقتضيه ذلك من مد يد التنشيط للمشايخ القائمين بإدارة هذه الفروع بما تستلزمه إدارةُ دواليب أعمالهم على وجه مسترسل ومنتظم، وللمشايخ المدرسين بجعلهم في مستوى نظرائهم، وتعزيز كل فرع بإيجاد قسم مدرسيٍّ صالح لإلقاء الدروس التطبيقية على أحدث الأساليب وأوفاها بالضبط والتسهيل، وبالإكثار من تأسيس المدارس لسكنى الطلبة الوافدين على مثالٍ يفي بما تتطلبه أصولُ حفظ الصحة.
وأنا باذلٌ غايةَ المستطاع في تحقيق هذه الرغائب، وآمل إعانتكم على تحقيق هذه النوايا كل بما يستطيعه ويدعو إليه. واللُّجأ إلى الله تعالى أن يحقق الآمال، ويوفق الأعمال. ونحن جميعًا نأوي إلى ركن شديد ملكنا المؤيد بعناية الله والتأييد، سيدنا محمد الأمين، مد الله في عمره الثمين وأعانه على مصالح المسلمين.
стр. 1930
خطاب في جامع عقبة خلال زيارة الفرع الزيتوني بالقيروان (١)
الحمد لله الذي جعل العلمَ نبراسَ هدى، وأيد من تأزَّر بمجده وارتدى، والصلاة والسلام على رسوله الذي جمع البأسَ والنَّدى، وأصحابه القائمين بنصره لقمع العدا، وأئمة دينه الذين لم تخل سماءُ الفضل من كوكبٍ منهم بدا، وأبى الله أن يذهب إرشادُهم سدى، فقام عمادُ الحق بهم قيامًا سرمدا.
أما بعد، فأنا مغتبِطٌ بحلولي في هذا المعهد الجليل الذي طالما زُخرفت به بحار، ومدت شجرةُ ثقافته ظلَّها الوارفَ فأثمرت فطاحلَ كانوا غرر الزمان، وسموا إلى أوجٍ دونه أوجُ كَيْوان (٢). وخبرُ ذلك يدور مجملًا مدارَ الاستفاضة، ويلقاه مفصَّلًا مَنْ متع في رياض التاريخ سمعه وألحاظه، فإطالةُ التنويه به تُعدُّ إطنابًا، وتفصيل آثار مجده لا يعد من المبالغة عسابا، ولكن صرف الدهر ضرب