← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الموجودة، وبالإكثار من فتح فروع حيث لا توجد، وإقامة نظام جميعها على الاتصال المحكم والوثيق بالمركز الزيتوني بطريقة تكفل تمثيل مشيخة الجامع بالفروع، وتعميم مناهج التعليم وبرامجه المسلوكة بالمعهد الزيتوني، وبذل العناية والاهتمام للمتعلمين وتوفير راحتهم في سبيل تحصيل الشهادات التي هي نتائج تعليمهم، مع ما يقتضيه ذلك من مد يد المساعدة للمشائخ القائمين بإدارة هذه الفروع بما يلزم لإدارة دواليب أعمالهم، وللمشائخ المدرسين بكامل حقوقهم وجعلهم في مستوى نظرائهم، وتعزيز كل فرع بإيجاد قسم مدرسي صالح لإلقاء الدروس التطبيقية على أحدث الأساليب وأرقاها بحق الضبط والسهولة، وبالإكثار من تأسيس المدارس لسكنى التلامذة وافية بما يقتضيه حفظ الصحة. وأنا باذلٌ قصارى الجهد في تحقيق هذه الرغائب، وسيقع الشروعُ في دورة هذا الامتحان للشهادة الأهلية بتكليف إحدى اللجان بالتنقل لإجراء امتحانها على المتأهلين له من التلامذة، توفيرًا لراحة الطلبة من عناء النقلة وكلفة النفقات، وتحقيقًا لمبدأ اعتبار الفروع اعتبارَ أصلها في جميع نواحي النظام دون ميز. والأملُ في إعانتكم بكل المستطاع في هذه الإصلاحات وطيد، وما هي من همة أهل العزم والفضل ببعيد. وأتوجه إلى الله تعالى في دوام التوفيق والتسديد، وتواصل العناية والتأييد من جانب مولانا الملك المعظم السعيد، الذي أقامه الله للأمة أمينًا حق أمين، نسأل الله أن يطيل بقاءه حقب السنين.

стр. 1927

خطاب في حفل الفرع الزيتوني بسوسة (١) الحمد لله حمدَ منغمسٍ في آلائه، معترفٍ بجلائل نعمائه على أن أفاض لنا من العلم مهيعًا نميرًا، وأرشدنا كيف نذود عن حياضه ما يكسبها تكديرَا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أنزل الله عليه الكتاب، وضمن حفظه، وعلى آله وأصحابه الذين لم يقصر أحدٌ منهم في أن يأخذ منه حظَّه، أسوس العلوم الراسخة وأطراد الفضائل الباذخة. أما بعد، فإني مغتبطٌ - بحلولي في هذا المعهد الجليل العتيق - بين نخبة أبنائي من أساتذته الذين ثقفوا التلامذةَ بالعلوم النافعة، وتلامذته الذين زانوا حِلقَه الساطعة، ولِمَ لَا أغتبطُ بذلك وأنا أتوسَّم في هؤلاء وهؤلاء زهرةَ المستقبل وحُظاتَها، ونجائبَ السبق وحداتَها؟ وعسى أن يعود بهم على هذه البلدة ما كان لها من مجدٍ تالد، وذكرٍ هو على صفحات التاريخ خالد، فلقد كان العلمُ في العصور الأولى من تاريخنا مبثوثًا في سوسة وما حولها، فازدهرت جناتُ المعارف وازدهت، ورسخت قواعدُها وما وهت، حتى تغنت بها الحمائمُ وتفتقت عن ثمارها الكمائم، فظهر منها علماء أعلامٌ في عصور كثيرة، وكان أبو إسحاق الجبنياني (٢) يقول: "لقد رأيتُ هذا الساحل وما منه قريةٌ إلا وبها رجلٌ من أهل العلم أو القرآن، أو رجل صالح يزار".

стр. 1928

ثم عرض ما أنضب معينَها، فصار طالبُ العلم يشد الرحالَ إلى المعهد الزيتوني، فيتجشم عرقَ القربة ويذوق مرأرة المشقة والغربة. وربما ضاق صبره عن إدامة العيش في غير بلاده، فاضطر إلى القعود آيسًا من نوال مراده، وليس الإعراض عن النافع حين يعسر به الانتفاع بمحمود لدى أهل الرأي والاضطلاع. لذلك كنتُ نظرت في أول ما سعيتُ إليه من النظم أيام قيامي بخطة نائب عن الدولة، فرأيت من أعظم المصالح العلمية تنظيمَ التعليم بفروع من الإيالة، وسعيتُ في ذلك سعيًا أثمر الترتيب المؤرخ بالثاني عشر من شعبان عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف، وهو الترتيب الذي غُرست به نواةُ التعليم الإسلامي المضبوط في المدن الخمس. غير أنه لم يلاق من الإقبال عليه ما يقيم عماده، ويشد أوتاده، لأسباب كان فيها للمدرس بعضُ العذر، وللتلميذ عذرُ الخشية من إضاعة العمر. ولما وقع الالتفاتُ إلى تحسين حالة المدرسين تحسينًا يوجبُ انصرافَ هممهم إلى العناية بهذا المعهد، والنهوض بما فيه من دروس علوم الدين وعلوم اللغة التي بها نبلغ مرتقى كمالنا في الجامعة الإسلامية والعلوم التي بها النجاح في تبوُّؤ المكان الأسمى من الحياة الاجتماعية، رأيتُ أن أقوم بالزيارة لهذا المعهد للنظر في أحوال التعليم والأساتذة والمتعلمين والنهوض بها إلى المكان الأسمى بتثقيف أذهان التلامذة بالعلم الراقي والفهم القويم. وقوام ذلك هو تذكير العالمين وإرشاد المتعلمين، وأن توسيع نطاق ذلك لا يحصل إلا بتنشيط الفروع الزيتونية الموجودة، وبالإكثار من فتح فروع حيث لا توجد، وبإقامة نظمها على الاتصال المحكم العرى بمشيخة المركز الزيتوني بطريقة تكفل تمثيل المشيخة بالفروع، وبأن تجري بها المناهج

стр. 1929

والبرامج المسلوكة بالمعهد الزيتوني، وبذل العناية للمتعلمين وتوفير راحتهم في سبل تحصيل الشهادات (التي هي نتائج تعليمهم)، مع ما يقتضيه ذلك من مد يد التنشيط للمشايخ القائمين بإدارة هذه الفروع بما تستلزمه إدارةُ دواليب أعمالهم على وجه مسترسل ومنتظم، وللمشايخ المدرسين بجعلهم في مستوى نظرائهم، وتعزيز كل فرع بإيجاد قسم مدرسيٍّ صالح لإلقاء الدروس التطبيقية على أحدث الأساليب وأوفاها بالضبط والتسهيل، وبالإكثار من تأسيس المدارس لسكنى الطلبة الوافدين على مثالٍ يفي بما تتطلبه أصولُ حفظ الصحة. وأنا باذلٌ غايةَ المستطاع في تحقيق هذه الرغائب، وآمل إعانتكم على تحقيق هذه النوايا كل بما يستطيعه ويدعو إليه. واللُّجأ إلى الله تعالى أن يحقق الآمال، ويوفق الأعمال. ونحن جميعًا نأوي إلى ركن شديد ملكنا المؤيد بعناية الله والتأييد، سيدنا محمد الأمين، مد الله في عمره الثمين وأعانه على مصالح المسلمين.

стр. 1930

خطاب في جامع عقبة خلال زيارة الفرع الزيتوني بالقيروان (١) الحمد لله الذي جعل العلمَ نبراسَ هدى، وأيد من تأزَّر بمجده وارتدى، والصلاة والسلام على رسوله الذي جمع البأسَ والنَّدى، وأصحابه القائمين بنصره لقمع العدا، وأئمة دينه الذين لم تخل سماءُ الفضل من كوكبٍ منهم بدا، وأبى الله أن يذهب إرشادُهم سدى، فقام عمادُ الحق بهم قيامًا سرمدا. أما بعد، فأنا مغتبِطٌ بحلولي في هذا المعهد الجليل الذي طالما زُخرفت به بحار، ومدت شجرةُ ثقافته ظلَّها الوارفَ فأثمرت فطاحلَ كانوا غرر الزمان، وسموا إلى أوجٍ دونه أوجُ كَيْوان (٢). وخبرُ ذلك يدور مجملًا مدارَ الاستفاضة، ويلقاه مفصَّلًا مَنْ متع في رياض التاريخ سمعه وألحاظه، فإطالةُ التنويه به تُعدُّ إطنابًا، وتفصيل آثار مجده لا يعد من المبالغة عسابا، ولكن صرف الدهر ضرب

стр. 1931

ضربانه فمسَّ بيد التغيير حظًّا عظيمًا من صروحه وآبانه. فسبحان الذي حول الأحوال، وقسم الحظوظَ بين البلاد وبين الأجيال، وتلك سنة الله في زعامة الحضارة أن لا تكون دُولة، وفي نماء العلم أن يكون حيث تستقرُّ الدولة. ومع ذلك فالفضل للمتقدم، وسابقةُ المجد تعود على أهله وتتمم، فلا ينبغي أن تفتر الهمم إذا صارَ الأصل فرعًا وعاد ذلك المربع مرعى، فالحمد لله الذي حفظ لهذه المدينة المباركة من بهجتها الماضية رُواءً وخلد فيها من نور الدين والعلم سناء، فلم يزل هذا المعهد العظيم ركنًا مقصودًا وحوضًا للمستقين سائغًا مورودَا. فأسأل الله أن يمنحنا في موقفنا نحو هذا الهيكل المبارك التوفيقَ لما يرضيه من بعث أنوار العلوم الزكية، وأن يرزقنا من نجاح العمل كفاءَ خلوص النية، ويسعدنا بالاقتداء برجاله الأعلام الذين صابروا ورابطوا في خدمة الإسلام. فالآن لما وقع الالتفاتُ إلى تحسين حالة المدرسين تحسينًا يعوض انصراف هممهم إلى العناية بتعمير هذا المعهد والنهوض بما فيه من دروس علوم الدين وعلوم اللغة التي بها نبلغ مرتقى كمالنا في الجامعة الإسلامية والعلوم التي بها النجاح تبوئ المكان الأسمى من الحياة الاجتماعية، رأيت حقًّا أن أقوم بزيارة هذا المعهد الجليل للنظر في أحوال التعليم والأساتذة والمتعلمين، عسى أن نبلغ به إلى المكان الأسمى الذي هو به حقيق، وذلك بتثقيف أذهان تلامذته الوقادة بالعلم الراسخ والفهم القويم. وإن قوام ذلك الدأب على تذكير العالمين وإرشاد المتعلمين، ولا جرم أنه لا يحصل توسيع دائرة ذلك إلا في ضمن تنشيط الفروع الزيتونة الموجودة (وهذا في مقدمتها)، وبالإكثار من فتح الفروع حيث لا توجد، وبإقامة نظمها على قاعدة الاتصال المحكم العرى بمشيخة المركز الزيتوني بطريقة تكفل تمثيل المشيخة بالفروع، وبأن تجرى بها البرامجُ والمناهج المسلوكة بالمعهد الزيتوني سواء، وبذل العناية بالمتعلمين وتوفير راحتهم في سبيل تحصيل الشهادات، مع ما يقتضيه ذلك

стр. 1932

من مد يد التنشيط للمشايخ العاملين بإدارة هذه الفروع بما تستلزمه إدارةُ دواليب أعمالهم على وجه مسترسل ومنتظم، وللمشايخ المدرسين بجعلهم في مستوى نظرائهم، وتعزيز كل فرع بإيجاد قسم مدرسي صالح لإلقاء الدروس التطبيقية على أحدث الأساليب وأوفاها بالضبط والتسهيل، وبالإكثار من تأسيس المدارس لسكنى الطلبة الوافدين على مثال يفي بما تتطلبه أصول حفظ الصحة. وإن أجدرَ الفروع بالتقديم والاهتمام هو هذا المعهدُ الذي ملأت شهرتُه صحائف التاريخ، فمن الواجب علينا أيها الجمع أن نتكاتف ونتعاضد على العمل لإنهاض العلم بهذا المعهد الجليل. وماذا عسى أن نكد ونجتهد وللبلوغ إلى ذروة مجده طرائق لا تعد، ولكن ذلك وإن كان مرتقًى صعبًا، فإن حسن النية إذا ملك قلبًا يسر الله من العمل ما يرضي عبادًا وربَّا. ولنا في الاعتماد على حسن نوايا ملكنا الجليل ذي الفخر الأثيل ما يُقدمنا على هذا المهم الذي هو به كفيل، فإنه لم يزل يمد أهل العلم بالرعاية ويشد سواعدهم بكامل العناية ويرغب في رضا الله تعالى الذي هو أقصى غاية، لا زالت صحائف التاريخ بآثاره ناضرة وعيون الآمال العظيمة إلى سحاب فضله ناظرة.

стр. 1933

خطاب في الاحتفال السنوي لمكتبة التلميذ الزيتوني (١) الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وإنعامه وتممه، وأرسل رسولًا يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمة. أما بعد، فقد خُتمت هذه السنة الموسمية لأعمال مكتبة التلميذ الزيتوني بعد عمل جاد وهمة يقظَى لا تعرف السهاد، فبرهنت أعمالُها على كفاءة القائمين بتنسيقها، وأظهرت في خلال هذه السنة تقدمات جمة ووفرة من الأعمال المهمة. ولقد زارتني هيئة جمعيتها غير مرة، وأطلعتني على الجهود المصروفة في إنمائها، فشاهدت تقدمًا سريعًا أقر العين، وأوجب شكر أولئك الساعين. إن أهمية هذه المؤسسة حقيقةٌ ببذل العناية والمعاضدة للقائمين بها، فإن إيصال العلوم النافعة إلى أذهان التلامذة غايةٌ سعى إليها الحكماء والناصحون، فتوخوا لها مختلفَ الطرق ودبروا لتفاضلها وتقصير خطاها قصارى ما استطاعوا من ابتكار الأساليب واختلاف مظاهرها. فالتلميذ الذي يقضي ساعاتِ يومه في متابعة برنامج تعليمه وتحضيره المستغرق أوقاتَه لا يزال بعد ذلك في حاجة إلى الازدياد من المعارف، وهو مع ذلك محتاج إلى استجماع ذهنه واستجداد نشاطه عقب الأعمال التي قد تفضي به إلى الملال. فلا جرم أن كان جديرًا بأن يحتال ناصحوه على أن يعرضوا على ذهنه معارفَ لم تسمح له دروسُ التعليم بتلقيها، ولا يسمح له طلب الكمال بأن يفرط فيها، ولا تساعده قوة العمل بعد الفوات بتلافيها.

стр. 1934

فمن الحكمة أن يوفَّق بين حالي حاجته وراحته. فكما كانت تلك المعارفُ مغايرةً للعلوم التي يلقنها في برنامج تعليمه، كذلك ينبغي أن تكون وسيلةُ إيصالها إلى ذهنه مغايرةً للوسائل المعتادة، حتى يحصل استجدادُ نشاط ذهنه باختلاف الأساليب من غير حرجٍ عليه في ذلك ولا تثريب، فإن لاختلاف الأساليب تجديدًا لإقبال النفس على مزاولة الأشياء المتكررة. ولذلك كان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة خشيةَ السآمة عليهم (١)، واقتداء بتلك السنة كان عبد الله بن عباس إذا أفاض في القرآن والتفسير طويلًا وخاف عليهم الملالَ يقول لأصحابه عقب ذلك: "أحمِضوا"، يريد خُذوا في مُلح الكلام والأخبار (٢). ومعنى تلك الاستعارة أن الإحماض هو أن ترعى الإبلُ الحمض، وهو النبتُ الذي فيه ملوحةٌ وحموضةٌ بعد أن كانت ترعى الخلة - وهي الحلو من النبت - تحب أن تخالف الطعم تجديدًا لشهوة المرعى. ولعلكم تذكرون تلك النكتةَ التي وجَّه بها علماءُ البلاغة أسلوبَ الالتفات في كلام العرب، فمثلوه بحسن القِرى إذا يخالف المضيفُ لضيوفه بين ألوان الطعام، وكما كان اختلافُ الألوان من قرى الأشباح، كذلك يكون اختلاف الأساليب من قرى الأرواح (٣).

стр. 1935

إن العلومَ شتى، ومناحي التفكير عديدة، وكلُّها لازمٌ لاستكمال الحضارة، ويتبعها شيءٌ آخر مهمٌّ وهو مزاولةُ المجتمع، واندماجُ المرء بين أهل عصره. والتلميذ في منقطع من العمل يغمر أوقاته ويستغرق ساعاته، فإن هو لم يحتلْ على التزوُّد من تلك العلوم والمناحي والاتصال بذلك المجتمع، كان كالغريب في قومه، وكأنه ابنُ أمسه لا ابن يومه. وليس أجدى عليه في قصده، وأبقى له على سننه وتقاليده العلمية من انتيابه مكتبةَ التلميذ، فهنالك يتعرف إلى طبقات من صنفه لا تجمعه وإياهم حِلقُ الدروس، ويطلع على كتب لا تعرض له في برامج تعليمه، فيصبح ذهنه كالنحل العواسل تختار من كل الأزهار والثمرات، لتخرج له عصارةً مختلفةَ الألوان والأذواق فيها شفاءٌ للنفس. فمكتبةُ التلميذ الزيتوني تحتوي على فوائد غالية ومقاصد شريفة تجتمع في أنها: تحصل فائدة الاجتماع في الاختصاص، وتقابس الأفكار، وتزويد العقول بالمعارف الجمة، كلُّ ذلك في حفظ كرامة، واستبقاء للآداب العالية ومكارم الأخلاق. ورحم الله أبا عثمان الجاحظ إذ يقول في الكتاب: "هو الصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب". (١)

стр. 1936

وإني أثني على همة الشاب الزيتوني أنه شاب يُقبل باختيار وأريحية وبوسائله الخاصة على ما يساق إليه الناس بالإلزام. وهذه ظاهرة مباركة تسهل علي ما أضمره لهذه النابتة من إصلاح ورفع مستوى، فإن من اختار نفسه وسائل تكملة ثقافته لا يتردد في الإقبال على أمثالها إذا رسمت في برامج تعليمه. لذلك كان العملُ الذي تقوم به الهيئةُ المسيِّرة لهذه المكتبة عملًا جليلًا مجديًا في ترفيع الثقافة الزيتونة علمًا وعملًا، فلها جزيلُ الشكر على انقطاعها لخدمة الناشئة العلمية الزيتونية انقطاعَ عنايةٍ وإيثار، ومثلَه معه أُوَجِّهُ لِلَجْنة مراقبتها الناصحة ورئيسها المفضال، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

стр. 1937

خطاب في الجلسة العامة للجنة الحي الزيتوني (١) الحمد لله المغني عن المحل والمخصص، الملهم لما ينجح من الأعمال ويخلص، والصلاة والسلام على رسوله المبعوث بالدين البين الممحص، وعلى آله وأصحابه الذين أيدوه وذادوا من رام أن يغمص، ومن تبعهم فجعل من أثرهم يحثو ويقبص. أما بعد، فإني جدُّ مبتهجٍ بأن أحيِّيَ جمعَكم الزاهر تحيةَ ممنونٍ على أن لبيتم الدعوة، وإني أقدر المعنى السامي الذي ينطوي عليه هذا الجمع الميمون، فإن اجتماعكم في هذا المعهد الجليل - وأنتم النخبةُ التي تتمثل فيها الأمة التونسية بمختلف نواحيها الاجتماعية المتوزعة العناصر - لبرهانٌ ساطع على ما استقر لهذا المعهد في نفوس الأمة قاطبة من منزلة الرِّفعة والإجلال، وعلى أن نسبةَ الأمة منه نسبةٌ واحدة لا يُعتبر فيها فرقٌ بين من أقامه الواجب الاجتماعي ضمن جدرانه وبين

стр. 1938

من بعد به ذلك الواجبُ عنه، فإن كلَّ أولئك مستوون في مقدار التعلق النفسي به والانتماء إليه استواءَ حالَيْ أبي العلاء الذي مثَّله بقوله: مَا سِرْتُ إِلَّا وَطَيْفٌ مِنْكِ يَصْحَبُنِي ... سُرًى أَمَامِي وَتَأْوِيبًا عَلَى أثَرِي (١) لذلك فإن صاحبَ النفس الشاعرة حين يرى هذا المعهد غاصًّا بحِلَقِ الدروس مكتظًّا بجموع الطلبة يدرك أن وراء هذا الجمع الجسماني جمعًا روحانيًّا أعظم منه وأسمى، ألا وهو جمعُ القلوب الملتفة حوله العاطفة عليه بالحب والود والمؤازرة والمناصرة؛ إذ يرى فيهم القائمين بحق كلمة الإسلام، والذب عن حوزة الملة، والحفاظ على اللغة العربية التي هي العروةُ الوثقى لشد أواصر الجامعة الإسلامية، والشبيبة الصائرة إلى رجلة إسلامية عتيدة قائمة بالفرض الكفائي المؤكد على الأمة في آية: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وعلم أنهم مناطُ آمالِ الأمة وزهرةُ حياتها القومية، فيوقن عند ذلك بأن كلَّ ما ينمي عدد الشباب ويعينه في طريق طلب العلم ويوفر عليه راحته حتى يُقبِل على عمله الجليل مطمئنَّ البال مكفيَ المؤنة، هو عملٌ يُعَدُّ السعيُ فيه مفروضًا عليه نحو دينه وأمته، ويُعَدُّ البخلُ في حقه تقصيرًا نحو عنوان شرفه ومجده، فحقيقٌ به أن لا يدخر عن أولئك الأبناء الروحيين ما لا يدخره عن أبناء صلبه. ونحن إذا التفتنا إلى الحالة الحيوية التي عليها طلبةُ المعهد الزيتوني، نرى فيها من الحرمان والخصاصة والاضطراب أشياءَ لا يمكن أن يبلغ التعليمُ حدَّ الإصلاح

стр. 1939

المطلوب له إلا بعد تلافيها؛ فإن العددَ الأكثر منهم يَقدمُون على مدينة تونس متغربين عن أوطانهم في سبيل طلب العلم، ومن هذه الكثرة التي ينيف عددُها الألفين وخمسمائة نجد نحوَ النصف يأوي في بيوت المدارس التي تعاقبت على تأسيسها أيدي رجال الخير من عهد الدولة الحفصية إلى الآن، فيلجأون منها إلى بيوت تُوسِعها الضرورة لأكثرَ مما يسع وضعُها الذاتي، قد فقدوا منها مرافقَ الحياة التي تعدها الحضارة الحالية في الحاجات القريبة من حيز الضروريات. ففي بيتٍ ضيقِ الأرجاء، قليلِ الهواء، كثير الرطوبة، فاقدِ الأشعة، يقضي ثلاثةٌ أو أربعة من شبان الطلبة حياتهم بين نوم واشتغال بالدروس وخزن للأزدواد وإيقاد وطبخ، فلا تزال زهرةُ شبابهم تذوي ومظاهرُ المرض والكلال تمتلك سنحاتِهم، وآثارُ الانقباض والكدر تشوِّشُ أفكارَهم، وتنقص من إقبالهم، وتفلُّ من حدة نشاطهم، حتى أثَّر هذا خللًا في سير التعليم، وانحطَّ بأبناء المعهد عن المستوى الذي يُراد وُصولهُم إليه بما يُقام عليه التعليمُ من برامج. ومع ذلك فإن هذه الحالة التعيسة التي يقاسيها شطرُ الغرباء من الطلبة الآوين إلى بيوت المدارس تكاد تُعد جنةَ نعيم في مقابلتها بحالة الشطر الآخر الذي عجزت المدارسُ عن إيوائه حتى أصبح لسانُ حالهم متمثلًا في هذا بقول أبي الطيب: مَاذَا لَقِيتُ مِنَ الدُّنْيَا وَأَكْثَرُهُ ... إِنِّي بِمَا أَنَا شَاكٍ مِنْهُ مَحسُودُ (١) فإن نحوًا من ألف تلميذ - وأكثرُهم من تلامذة السنوات الأولى، قليلي الخبرة صغار السن - يأوون في مبيتهم إلى المنازل المعدَّة للغرباء وأبناء السبيل، مع ما في تلك الأوساط من الابتعاد عن كل ما تقتضيه حالةُ الطالب من الملاءمات المادية والأدبية. وهل من شكٍّ في أن جميعَنا يشعر بعارٍ يقدُّ فؤادَه حين يرى زهرةً من نابتة

стр. 1940

هذا المعهد المعظم يأوي إلى منزل حقيرِ الظاهر سخيفِ الباطن، يملؤه الأخلاطُ وتجافيه الآداب ومكارمُ الأخلاق. ولطالما حرَّك هذا الشعورُ حميةً إسلامية في نفوس بعض المحسنين، فقاموا بجهودٍ مشكورة في سبيل إنقاذ الطلبة من هذه الحالة المؤلمة، نذكر منهم بلسان الثناء الملك المقدس سيدنا محمد الحبيب، والمنعَّمين الحاج قاسم بن يوسف، والحاج سعيد الدغري، والشيخ محمد الصالحي، والحاج أحمد بن الأمين، والحاج عليًّا صوة، والخيِّر حسينًا حمزة. ولكن هذه الجهود كانت غير واسعة النطاق بسبب ما يضيق به الجهدُ الفردي، فهي وإن خفَّفت الضنَكَ وقللت المنكوبين، لكنها لم تستأصلِ الداءَ، ولم تتوصل إلى تحسين حال الأغلب من الطلبة، بحيث يظهر أثرُها باديًا في الحالة العامة فيرتفعُ مستوى التحصيل الزيتوني. من أجل ذلك توجهنا اليومَ بعرض هذه الحاجة على مجمعكم الزكي رجاءَ أن تضيء آراؤكم المشرقةُ الغايةَ المأمولة من التوصل إلى إيجادِ عمل أتقنَ وإيضاح مظهر أسمى يكون عنده اجتثاثُ هذا الداء الاجتماعي من عروقه بإقامة مأوى عظيم مستكمل وسائل الصحة والراحة، حتى يكون باعتبارٍ مأوى لطلبة الجامع، وباعتبارٍ آخر معلمًا تذكاريًّا خالدًا رامزًا إلى ما للأمة التونسية من التعلق بدينها والاهتمام بمستقبل شبابها المهاجر في طلب علومه. ونحن، إذ ندعوكم إلى هذا العمل الجليل، نجدد يدًا أسداها إلى هذا المعهد فضيلةُ العلامة الجليل شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط، فقد يذكر الكثيرُ منكم أنه كان فكر في الدعوة إلى هذا المشروع. وإنه ليسرُّنا اليوم أن يكون هو رأسَ هذا الهيكل الذي ازدان بحضوره هذا الجمع، وفتح لنا بابًا واسعًا من الرجاء في نجاح هذا العمل المعهود به إلى جمعكم الكريم الذي هو عملٌ يتوزع إلى نواح، ويسير على سبل عديدة لتحقيق الغاية: من النظر في برنامج العمل، وإعداد الأرض، ورسم مثال البناء، ووسائل تكوين المال اللازم لذلك. وجميعُ هذه الأعمال موكولةٌ لنظر مجمعكم لتتوزعها لجانٌ تتولون تعيينَها من بينكم.

стр. 1941

وإن ما نتحققه جميعًا من العناية التي يحوط بها الجامعَ وأهله سيدُنا الملك المعظم محمد الأمين أيده الله لأعظمُ منشِّطٍ على مواصلة هذا العمل، والثبات على السير في هذه السبيل ثباتًا يبعثه ما علق في تاج عرشه الكريم من الآمال، ويحقق به بمعونة الله نجاح الأعمال.

стр. 1942

خطاب في الذكرى السنوية الأولى لعودته إلى مشيخة الزيتونة (١) سبحان من شرف من شاء بخدمة الإسلام تعليمًا ونشرًا، وأفاض على أهل العلم من نعمه فيوضًا تترى، ورفع قدر نبيه محمد صلى الله عليه، فجعله داعيًا إلى الله وسراجَا، وواضعًا لبرهان الهدى تأصيلًا وإنتاجَا، وأيده بأصحابه الذين شادوا للدين هياكلَ ومعالم، ونفحوها من حياطتهم بهمم وعزائم، ورفعوا للأمة رايات هدى فبلغت كلمة الحق بأصداء رشدهم إلى أقصى مدى. أما بعد فيا أيها الملأ الأعزة، لقد أبهجني وآنقني حلولي وسطكم في هذا الحفل المفعم أبناء وإخوانَا، تساموا للعلى كهولًا وشبانَا. وفي هذه الساعات التي ما شاهدتُ فيها إلا وجوهًا تسفر عن طيب ضمائر، ولا سمعتُ إلا أقوالًا يظهر ما وراءها من صفاء السرائر، وإن ما يكنه ضميري نحوكم جميعًا لأضعاف ما تحويه سريرةُ كل قائل، وما عبرته عبارة كل متفائل. أما عبارتي فأجدها قاصرة عن إيفائكم حق الشكر على ما وجهتموه نحوي من إفصاح عن التعلق وخير الآمال. وكيف تسع العبارة أداء شكر يوازي ما غمرني به المشكورون، ولا سيما أولئكم المقاويل البلغاء من خطباء هذا الحفل وشعرائه، جزاهم الله أحسن الجزاء، وشد ما بيني وبينهم من أواصر واعتزاء. فأرجوا أن أكون

стр. 1943

عند ما أملوا، وأحقق ما أشاروا إليه من الغايات الطيبة وأجملوا، مما فيه نفعُ العلم وأهله والارتقاء إلى منزلته السامية ومحله. أما أبنائي طلبة الجامع الأعظم وفروعه الذين تمثل تعلقهم بذاتي فيما قامت به جمعيتهم الناشطة الموفقة - جمعية الإخوان الزيتونيون - من عقد هذا الاجتماع البهيج، فإني أرى بنوتهم لي علقًا ثمينًا جديرة ببيت إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نَدَّعِي لأَبٍ ... عَنْهُ وَلَا هُوَ بِالأَبْنَاءِ يَشْرِيَنا (١) وأَعُدَّ احتفالَهم بي في هذه الذكرى احتفالًا بذكرى إجابتي داعي واجب دعاني إلى إحقاقه، وسعي نبراس هدى أنسته يتطلب زيادة ائتلاقه. فلنجعل ذلك تذكرة لنا لنتكاتف على العمل لنفع ذلك المعهد العظيم كلٌّ بما هو في دائرة عمله. ففي هذا المعهد انفتحت كمائمُ إنتاجنا، ومنه بدا نورُ سراجنا. فإذا نحن دأبنا على خدمته وإعلاء كلمته، كنا قد وفيناه حق نعم أسداها، وارتدينا حلةَ فخر هو الذي مد لحمتها وحاك سداها. وإني ما وضعت على كاهلي عبء الكدح على هذا الغراس النفيس والدأب على إنماء شجرته المباركة الأرجاء، أن ترسخ أصولُها، وتتكاثر فروعها، وتزكو ثمارها، وتكون دانية الجنى للمجتني، وأن نبذل في ذلك مبلغَ الطاقة ونستعين بالله لبلوغ الأمنية من ذلك. وإن قوام عملنا هو تثقيف النشأة الزيتونة بعلوم شريعتها ولغتها، وما ينير لها الطريقَ في مسيرها بين الأمم وتمدنها حتى نراها تناغي سلفًا ماجدًا مضى، وتسابق معاصرين سبقًا مرتضى، وحتى يصبحوا فخرًا للعروبة والإسلام، ويخلدهم لسان صدق على ممر الأيام.

стр. 1944

وأرى لزامًا عليَّ أن أبذل النصيحة لهذا المعهد بما فيه استبقاءُ سمعته الطيّبة، بحيث يكون أهلًا بمدارسة شتى العلوم، وبحيث يكون طالبه وخريجه مثالًا لحسن الإقبال على العلم، وللتخلق بمكارم الأخلاق الإسلامية، وللخبرة بما تدعو إليه المدنية الحقة، ثم مثالًا للثقافة الكاملة ولحسن القيام بما يناط به من العمل لخدمة أمته ودينه، يماثل كوكبًا دريًّا يوقد من شجرة مباركة زيتونة. وإن ما بذلناه من الجهود في بحر هذا العام للنهوض بالتعليم ولتوفير أسباب راحة الأساتذة والمتعلمين مما أشار إليه جهابذةُ الخطباء والشعراء لا نعده إلا قليلًا من كثير مما عقدنا عليه النية، مع الاستعانة بالله في وضعه في البرامج الإصلاحية. ولكن حاجة التطور والنماء إلى الوقت الكافي سُنة إلهية، والتفكير في تقصير الأوقات وانتهاز الفرص من جلة الهمم العلية. فلا أسألكم إلا التكاتفَ والتناصر على أن ننهض بهذا العبء، كل بما في وسعه من الاستقامة في الخويصة، ومن النصيحة حيثما وجد إليها سبيلًا، ومن إبلاغ مبادئنا إلى مَنْ تربطهم به أواصر الصحبة وتشملهم نوادي المراجعة والمطالعة. ولا يحقرن أحدٌ ما يدعو إليه من النصيحة؛ لأن الكلمة الحسنة لتبلغ مبالغَ لا يحددها الحسبان، ورب مبلَّغ أرجى من داع. فبذلك نرجو الله أن يحقق ما نصبو إليه من الغايات السامية لننعم بمرأى آثار جهودنا زاكية نامية، في عصر ملكنا الجليل (١) الذي هو عنوان مجدنا الأثيل، والذي لم يدخر عن مقاصد النهوض العلمي تأييده في كثير ولا قليل، أدام الله عرشه رفيع العماد. وظله الوارف مبسوطًا على البلاد، وإنا لنا كل نفيس وثمين مما تتوق إليه نفوس العاملين، بعناية رب العالمين.

стр. 1945

خطاب في موسم ختم السنة الدراسية (١) سبحان الذي غمرت من لدنه فيوضاتُ النعماء، فجلت على الإحصاء، وقصر عن شكرها لسانُ الثناء. أحمده حمد موقن بجزيل خيره، مخلص في التوكل عليه دون غيره، متبرِّئٍ له من الاغترار بالقوة والحول، مستمدٍّ منه العصمةَ والتوفيق في الفعل والقول. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد المؤيَّد بالعصمة، والباسط لما أوتي من الحكمة، صلاةً تكون كَفاءَ ما علَّم بعد الجهالة، وهَدَى بعد الضلالة، وفتح قلوبًا بعد الإغلاق، وفتق أنوارًا بعد الإطباق، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا أثر هديه فانقلبوا أدلة، واستناروا من مدد سناه فطلعوا أهلة. أما بعد، فلو أن أقومَ بيان جرى على أفضل لسان، فحاول أن يبرهنَ على ما للعلم الشريف من القدر النبيه، ومنازل التعظيم والتنويه، لما بلغ مبلغَ برهان هذا الجمع المبارك الجليل الذي تجلَّى فيه ما لهذه الأمة السعيدة من التعلق بتعليمها الديني وإجلال مقامه، والاندفاع في سبيل معهدها الزيتوني ورفع أعلامه. فهو الموسم العلمي السني الذي يجدد للجامع الأعظم وفروعه كل عام من مهيئات النجاح ما تجدد الشمس للأرض عند إشراقها كل صباح، إذ تبدو فيه العناية السنية عناية الحضرة الشامخة العلية، حضرة سيدنا الملك العظيم المجد، السعيد الجد، السائر على سنن أسلافه الأمراء الصيد والفائز من مفاخرهم بالحظ المزيد والصيت الحميد، سيدنا محمد الأمين دام له العز والتأييد، ولا زال قرير العين في آله وبنيه، مبلَّغ

стр. 1946

الآمال في كل ما يسره ويرضيه، موفَّقًا بتوفيق الله لما وفق له الراشدون، مبلَّغًا به رعاياه الأمل الذي إليه يصبون. فكم دليل قائم على ما لحضرته ودولته في تأييد التعليم الإسلامي من صدق الهمة، المتجددة مظاهره عند كل مهمة. فقد كنا في كامل أمدِ هذا العام الدراسي نجد من جناب وزيره الأكبر المساعدةَ والتأييد على كل ما من شأنه أن يبلغ بالتعليم الزيتوني أوج كماله، ويحقق سموَّ مكانته وشرف رجاله. وحقيق بأن نشرك في هذا الثناء كاملَ الجهاز الإداري الذي يربط الصلة بيننا وبين جنابه، وعلى رأسه جنابُ رئيس القسم الأول؛ إذ لم نجد منه إلا كامل الإعانة والحرص على إنجاح جهودنا، حتى تسنى لنا أن نوفي بما كنا عقدنا عليه أواصرَ الالتزام في مثل هذا الموكب من ماضي العام. وإن مما نذكره في مقدمة ذلك أننا كنا في العام الماضي نخطب هنا وامتحان شهادة الأهلية بفرع صفاقس معلق بين شطري تمام وتعطيل، فلم يدر الزمان دورته لهذا العام إلا وقد تم امتحان تلك الشهادة بجميع مواده في أربعة مراكز الفروع، هي صفاقس وقفصة والقيروان وسوسة. وبذلك تم الالتحام بين الجامع الأعظم وفروعه، التحامًا سيبلغ بمعونة الله مداه بإنجاز ما تقرر لهيئة المشايخ المدرسين بالفروع من اللحاق بمدرسي الطبقة الثالثة في جميع حقوقها وواجباتها، على أنه إذا كان الوفاء بهذا الإلحاق قد تأخر لمقتضيات إدارية أوشكت على الانتهاء، فإن أولئك المشايخ لم ينتظروا هذا الوفاء بالحقوق لوفائهم بالواجبات، فقاموا من أول السنة الدراسية بزيادة في ساعات دروسهم ساوت بينهم وبين مدرسي الطبقة الثالثة في عدد الساعات الأسبوعية، فبورك في سعيهم واجتهادهم، وما بذلوا في خدمة دينهم وبلادهم. أما المشايخ المكلفون بالتدريس في الفروع، فقد جرينا في كامل هذه السنة على معاملتهم معاملة المشايخ المكلفين بالتدريس في الأصل سواء، ونحن نرجو أن يشملهم ما ينال إخوانهم بالأصل.

стр. 1947

ثم إن العزم معقودٌ على أن تفتح السنة المقبلة بزيادة ربط لعلاقة الفروع بالأصل، وهو نظام التفقد بتكليف بعض أبنائنا العلماء بالتردد على الفروع للتنسيق بين مناهجها والربط بينها وبين مركزها ربطًا محكمَ العرى، حتى يستتب برنامج التعليم بالجامع وفروعه على نسبة متساوية. ذلك الذي آذنت به طلائع هذا العام فيما أسفرت عنه نتيجة الامتحانات، فقد كانت امتحانات الفروع برهانًا على أن برنامج التعليم الذي سطرناه قد كان مطبَّقًا في الفروع تطبيقًا لا يقل عما هو مطبق به في الأصل، فكانت نتيجةُ الناجحين من عموم المشاركين نتيجة كاملة، وإن نقصت في البعض لوفرة العدد فبأقل من اثنين في المائة. ثم إن هذا الغِراس لم يزل في نماء وتفرع بما التحق بعداد فروع الجامع أثناء هذا العام، وذلك فرعان بالحاضرة بالجامع المرادي والجامع الحسيني، وفرع بالمهدية، وفرع بالمنستير. وسيزيد امتدادًا بإعادة تنظيم الفروع المعطلة التي تم اعتبارها بصفة رسمية، وتأهبت للاكتساء بالصفة العملية، وهي فروع باجة وبنزرت ومدنين. ثم سيعقب ذلك بإنجاز ما تقرر من تأسيس فروعٍ بالكاف وتالة ومنزل تميم، فعسى أن يصبح بحر انتظام التعليم الزيتوني نميرًا زاخرًا تجيش غواربه وتترامى أواذيه (١) إلى بحرَيْ الشريعة والعربية، فتنتعش بفيضه مشاربه، وتصبح فروعُه منتشرة، فمنها خلجان يمدها ذلك البحر بكل مترع لجب، ومنها ما يباكرها الغيث بقطر ثم ينكسب. ولعل تسهيلَ هذا الخير يندرج فيما لله تعالى في تصرفاته من أسرار يعلم كنهها الراسخون، ولا ينصرف عن ملاحظة آثارها المتوسمون. فإقبال الأمة على هذا التعليم الذي هو عنوانُ ذاتيتها وقوام جامعتها إيذانٌ بأن الله تعالى قد هيأ لها رشاد أعمالها، وتحقيق آمالها، فساقها إلى التعلق بالعلوم المستمدة من كلمة السعادة، والكفيلة لمن أخذ بها بمنازل السيادة. فعلينا أن نشعر بأننا معشر الذين يسَّرنا لدلائل هذه العناية، وأقامنا هداة على الطريق المنتهية إلى تلكم الغاية.

стр. 1948

وقد وجب علينا من شكران هذه النعمة ما يفي به عملنا في خدمة هذا الجانب، وإن تزامنت الهمة فإن نعم الله لا يفي بحقها عظيم الشكر، ولكن من بلغ المجهود حق له العذر. فقد بذلنا الجهد في ضبط مواد التعليم وتوزيعها، وتقرير المقادير والأساليب والكتب والمناهج على نحو ما شرطناه في مختتم العام الماضي، وحُرِّر في ذلك برنامجٌ مفصل طُبِع ووُزعت نسخُه بمعاهد التعليم، وكان السيرُ على مقتضاه كفيلًا بتقدم التعليم بخطًى واسعة، وقطعه نحو غايةِ الكمال مسافةً شاسعة. وقد رُوعيت في هذا البرنامج المحافظةُ على الصبغة الأصلية للتعليم الزيتوني، وهي الصبغة الشرعية والعربية، وتوسيع نطاق الضلاعة للطلبة في هاتين الخصوصيتين بترقية البرنامج في منتهاه إلى أعلى رتبة من الكتب المشهورة التي شهد لها العالمون بغزارة العلم وإحكام الوضع، مع جعله متدرجًا نحو هذا المرتقَى في المناهج الموصلة إلى صحة تصور معاني العلوم، والقدرة على تطبيقها تطبيقًا سريعًا، وتنمية الملكات في التحرير والتقرير، ليتخرج من هذا التعليم المقتدرُ على الغوص فيما درس من المسائل، المضطلع بسبكها في أعز القلوب من الدروس والرسائل. وقد أمكنت الاستعانةُ على تحقيق هذا المقصد بالتقليل من ساعات التلقي، والتكثير من ساعات العمل الشخصي للطالب؛ إذ يُعهد له بأعمال علمية يعملها خارج الدرس، ويبني على الموازنة بين مواد التعليم بصفة لا تدع الطالبَ الزيتوني منحطَّ الكفاءة في ناحية من نواحي ثقافته العامة إلى منزلة تقضي على فكرته العلمية بالقصور أو الاختلال، وبخاصة نحو الناحية الأدبية وناحية المعارف الرياضية والطبية. كل ذلك مع المحافظة على تفوق نسبة العلوم الشرعية والعربية في كل سنة من سني التعليم، مع أن البرنامج قد حقق الانتهاء في العلوم المتممة إلى منتهًى حميد يناسب عظمةَ هذا المعهد وقيمة شهادته. هذا وقد وسَّع البرنامج في أوقاته ناحية الأخلاق الدينية، والآداب الإسلامية، والتخلق بخلق القرآن المجيد. ثم تعزز ذلك التوسع بالتخلق العملي بما

стр. 1949

شمله النظام الموضوع لمدارس سكنى الطلبة من الاعتناء بهذا التخلق؛ إذ أصبحت المراقبة حازمةً على الطلبة في سلوكهم الديني بالتخلي والتحلي، والسير بهم نحو طريق الأدب والمروءة، وقطع دابر الفوضى، وأخذهم بالانقياد للنظام، وحملهم على المظهر المحمود. وصار شيخ المدرسة مطلوبًا بقضاء أغلب الأوقات فيها، مع الالتزام أن لا تُسند مشيخةُ مدرسة في المستقبل إلا لمن له الإقامة فيها. وللمحافظة على سلامة أفكار التلاميذ، وسلامة صحتهم قد نظمت في المدارس أوقاتهم، وجعل تحضير دروسهم وأشغالهم التي يكلفون بها تحت مراقبة شيوخ من حملة شهادة العالمية أو شهادة التحصيل، مع الإفساح لهم في نظام أوقاتهم بما يسمح لهم بالراحة والنزهة والاستجمام، لتدفع عنهم دواعي الكلال والفتور، ومع القيام على حفظ النظام الصحي واتخاذ وسائل التطهير والعيادة الطبية ووضع الأدوية للمعالجات الاستعجالية. وقد وجدنا في إقامة ذلك إعانةً يتوجه عنها الشكرُ إلى جناب وزير الشؤون الاجتماعية، مفخر نبغائنا. وقد ابتدأنا في إبطال الطبخ في بيوت الطلبة وعرصات مدارسهم بإيجاد مطابخ لثلاث مدارس وتنظيم قاعات طعام منظمة ينخرط فيها الطلبة باشتراك مالي، مع افتتاح قسم للطعام المجاني بمائدة شرف لهم لإيجادها تبرع بعضُ الأفاضل، ورسمنا فيها ثلاثة من التلامذة: تونسي وجزائري وطرابلسي، فكانت رمزًا على أخوة أهل الشمال الأفريقي في التغذي من علوم هذا المعهد. وإن ما نرتجيه من تمام مرافق السكنى الصحية العصرية وشمولها جميع المحتاجين من الوافدين في طلب العلم يزيدنا حرصًا على إنجاز المشروع العظيم: مشروع الحي الزيتوني، وتأكيدًا للثقة في الجمعية الساعية لتشييده تحت رئاسة فضيلة العلامة الجليل شيخ الإسلام المالكي (١)، بارك الله في علمه وفضله. وقد لاحظنا من

стр. 1950

إقبال الأمة على هذا المشروع الصالح إقبالًا نرجو أن يتزايد بفضل الإعانة الأدبية المرتجاة من جناب الوزير الأكبر في مخاطبة الرؤساء الإداريين بالمملكة للحث على الإقبال على الاشتراك، وما صدر من جناب وزير العدلية الهمام من الخطاب لعموم الهيئات الشرعية والعدلية في التنويه بهذا المشروع والحث على تعضيده، بارك الله في كماله، وزكَّى فضائلَ أعماله. وفي هذه النفحة الإلهية من المؤازرة والتأييد التي غمرتنا من عموم الأمة حكومة وشعبًا، اكتسبنا واكتسب أبناؤه الطلبة عدةً لمنازلة الأزمات، وتذليل العقبات. فقد مر هذا العام على الطالب بأشد صعوباته، فمن فقد المساكن، وقلة الأزدواد والكسى، وغلاء الأدوات، وفقدان الكتب، فصابروا في هذه الشدة الخطيرة على اللأواء، وكانوا للعلم خير أنصار وأولياء، وامتثلوا للنظام المدرسي امتثالًا يصلح للحياة النظامية مثالا. فإذا نحن أخذنا بعضهم على تخلف أو إخفاق، فإنما نؤاخذهم ونحن نألم كما يألمون، ونُضمر لهم المعذرةَ التي يدعون، ولكننا نعمل لهم عملَ مَنْ طَبَّ لِمَنْ حب، ونسوسهم سياسة ناصح وأب، يغالب رقته وعطفه حين ينظر إلى مستقبل زاهر يهون عليه الوحشة التي تمتلكه في الوقت الحاضر. ولذلك لم نزل نتوخى لهم ما يجمع بين بذل النصيحة وبين مراعاة أزمانهم الشحيحة، فربما أعقبنا العقوبةَ بالعفو الجميل، وأتبعنا الحرمان بالتأجيل، عسى أن يكون مزج اللين بالحرص لنجاحهم خيرَ كفيل، كما قال القاضي الفاضل: مَا نَاصَحْتُكَ خَبَايَا الوُدِّ مِنْ رَجُلٍ ... مَا لَمْ يَنَلْكَ بِمَكْرُوهٍ مِنَ العَذْلِ مَحَبَّتِي فِيكَ تَأْبَى أَنْ تُسَاعِدَنِي ... بِأَنْ أَرَاكَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الزَّلَلِ (١)

стр. 1951

على أن هذه الصعوبات الجمة التي اعترضت سيرَ التعليم قد كان الكثير منها نازلًا على جوهر برنامج التعليم، مما عرَّض المشيخةَ لملاقاة العناء العظيم. وأهم ذلك ما لاح في فقدان كتب الدراسة والحاجة إلى محلات التعليم، فاعتمدنا في جبر نقص الكتب على همم فضلاء الأمة الذين أمدونا بنسخ قلائل من الكتب المقررة في البرنامج، أمكن أن تُوفي بحاجة الشيوخ في الجملة. وفي مقدمة هذه الأريحيات نذكر أريحة جناب وزير الدولة الذي أمد مكتبة الطلبة بعدد ذي بال من الكتب المدرسية، لا يزال عضدًا للعلم وذويه. وقد دعا هذا الحالُ الاضطراري إلى توسيع دائرة إملاء تلاخيص الدروس توسيعًا كاد أن يشمل جميعَ مواد التعليم. وعلى ما أوجد هذا التوسيع من إفراط في الاعتماد على إحدى طريقتي الإملاء أو المراجعة بالكتاب، ومن مضايقة في الأوقات دعت في كثير من الدروس إلى عدم البلوغ بالضبط عند المقادير المقررة، فقد كان من جهة أخرى عونًا على توجيه الطلبة نحو الناحية العملية التطبيقية، وعلى تكوين دواعي التأليف والتصنيف للمشايخ المدرسين. وأما محلاتُ التعليم التي عظمت مشكلتها بتوسيع دائرة التعليم الرياضي، والإكثار من الأعمال التطبيقية في دروس العربية، وتعدد الفروع بالحاضرة وخارجها، فقد توصلنا إلى تخفيف الشدة بإيجاد أقسام دراسية بالحاضرة وسوسة والقيروان. ورجاؤنا أن نتمكن في العام القابل من نوال بنايات مناسبة، وذلك ما تحصلنا فيه على وعود معتبرة من المراجع الحكومية. هذا ما دخل في اختصاص المشيخة من الصعوبات التي ذللت في المنطقة الداخلية علمية وإدارية. وهنالك صعوبات خارجة عن اختصاص المشيخة ترجع إلى الناحية التشريعية أو الناحية المالية، سعينا في علاجها بالأسباب، وسلكنا لها الأبواب. فوجدنا من فضل الله تسهيلًا عجيبًا جعل منالها الأقصى قريبًا، وأكسب الهيئات التي أعانت على تحقيقها فخرًا خالدًا، يسجل لجميع أفرادها واحدًا واحدا. فقد وجدنا

стр. 1952

لدى أعضاء مجلس الإصلاح ورئيسه انقطاعًا إلى علاج المشاكل التي طرحت لدى أنظار ذلك المجلس، حتى توصلوا بمضاعفة الجهود وموالاة الأعمال إلى وضع لائحة رفعت عن إجماع أصواتهم إلى الوزارة الكبرى ليجري اللازم في عرض ما تضمنته على الطابع السعيد، وهي لائحة تتضمن إصلاحَ نظام الإدارة، ونظام المدرسين، ونظام التعليم، وامتياز الشهادات، تذلل بها إن شاء الله ثلاث عقبات كأداء، هي: (١) عقبة الميزانية المالية بتصيير مشيخة الجامع مستقلة في تحرير ميزانيتها وتصريفها، (٢) وعقبة القيمة الدولية لشهادات الجامع بتنظيرها بما يقابلها من الشهادات الثانوية والعليا وما يقتضي ذلك بالأولى أن تكون أصغر شهادات الجامع - وهي شهادة الأهلية - محققة الإعفاء التام من الخدمة العسكرية الذي هو من حقوق الشهادات الابتدائية فضلًا عن الثانوية. (٣) وعقبة التعليم التحضيري للجامع بحسب نظر المشيخة على عموم المدارس القرآنية والكتاتيب، وهو المبدأ الذي خطونا نحو تطبيقه بالاتصال بالمدارس القرآنية الحرة وتخطيط برامجها وتفقد العمل بها. على أن ناحية التسهيلات المالية لتقوم المقاصد الإصلاحية قد تم منها أمر ذو بال بما لقينا لدى السادة النواب الأمناء - أعضاء المجلس الكبير - من بذل الجهود العظيمة في خدمة القضية الزيتونية، والنضال عنها، حتى تم تقرير جميع الاعتمادات اللزومية التي اقترحنا تقريرها في ميزان الدولة للعام الجاري، فكانوا اللسانَ الناطق بالإعراب عن رغبة عموم الأمة منوبيهم في شدة التمسك بهذا التعليم، والحرص على إنهاضه وتوسيعه. وإن الوقت الذي مضى في تحقيق هذه التأسيسات المهمة لم يصدَّ عن اطراد سير النهضة التدريسية والتنفيذات الإدارية بما عم من التكاتف والإخلاص اللذين وفَّقَا بين المقاصد ومزجَا بين الأشخاص فيما لقينا من العلماء الجلة - أفراد الهيئة التدريسية - من الحرص والإعانة على تنفيذ البرنامج والنظم التدريسية، إعانةً بلغت درجة الإيثار على الصالح الذاتي، ومزجت بين المشيخة وهيئة التدريس مزجًا جعل هذه الهيئة مشاركة في سَنِّ كل عمل يرجع إلى برامج التعليم ونظامه، وإنا لنرجو أن

стр. 1953

يدأبوا على مواصلتنا بآرائهم الصائبة. وكذلك من الشيوخ المكلفين بالتدريس في المعهد وفروعه، والأساتذة القائمين بتدريس الرياضات والطبيعيات الذين أخلصوا في إيصال الطلبة إلى الدرجات التي رجوناها، فكانوا محلَّ الظن من الوفاء ببر الأبوة التي أودعناها، وقربوا بين الثقافتين الزيتونية والصادقية، فقربوا من هذه الأمة مناها، وكانوا في مقابلة الشيوخ الزيتونيين القائمين بالتعليم في الصادقية خيرَ مظهر لصفاء الأخوة الإسلامية من كل شائبة متكرة من شوائب الطائفية والعنصرية. أما الهيئةُ الإدارية من حضرات الشيوخ الأعلام: أعضاء مجلس الإصلاح المؤلفين للجنة المناظرات والامتحانات، وأصحاب الفضيلة الشيخين النائبين بالمشيخة، والشيخ النائب بإدارة أمور المدارس، ورجال الهيئة الشرعية المشرفين على إدارة فروع المملكة، وسائر الموظفين بالأصل والفروع من المشايخ الكتبة ووكلاء الكتب والقيمين من الأعوان، فلو أننا حاولنا شكرَهم لكان لسانُهم يثني عليهم، ومحامدُهم تعود إليهم، ولكنها النتائجُ تُعرِبُ عن أربابها، والأعمال تزكِّي جهودَ أصحابها. فقد كانت نتائجُ الامتحانات أفصحَ ناطقٍ بشكر الهيئتين، يشهد لهما بما بذلَا من جهد واستحقَّا من حمد. فقد شارك في امتحان شهادة العالمية في العلوم سبعة وأربعون، أحرز منهم تلك الشهادةَ واحدٌ وعشرون. وشارك في امتحان العالمية في القراءات اثنان أحرز كلاهما على الشهادة، وشارك في شهادة التحصيل في العلوم مائتان وأربعة وسبعون، نجح منهم مائةٌ وسبعة عشر، وفي التحصيل في القراءات ثمانية أحرز منهم على الشهادة سبعةٌ وتخلف واحد، وفي شهادة الأهلية أربعمائة وواحد وستون أحرز منهم ثلاثمائة وثمانية وثلاثون. وإنها نتيجة في جملتها بَهِجَة سارة، تكافئ شرفَ هذا الجمع الذي أقبل على تلقيها بعناية تقوي همم محرزيها، وتهيب بمن حولهم على أن يلتحقوا بهم، فيدركوا مقامًا نبيهًا، ويفخروا بما لأمتهم من العناية بإكرام النوابغ من بينها.

стр. 1954

فباسم الهيئة التدريسية والإدارية، واسم عموم طلبة المعاهد الزيتونية، أتقدم بشكر هذا الإقبال العظيم الذي تكاملَ بحضور صاحِبَيْ المعالي الوزيرين الجليلين، لا زالَا أقوى سند للنهضة العلمية في مقاصدها الخيرية، واستنارَ بالهيئة الشرعية العلية عنوان الشرف العلمي والعدالة الدينية يتقدمها فضيلة جناب شيخ الإسلام لا زال في أفق المعالي بدرَ تمام، وجناب شيخ الجامع الأسبق الذي سجلت له عرائصُ هذا البيت ذكرياتِ ما بذل في خدمته من نصح واستقامة، وما قرب لطلبته من نجاح وكرامة، وازدهر بحضور هذه النخبة الكريمة من قادة الأمة ونوابها، ورؤساء الهيئتين العدلية الموقرة والإدارية المعترة، وممثلي الصحافة الوطنية التي لها في توسيع صدى نهضة التعليم الزيتوني أكبرُ مزية، ورؤساء الجمعيات والمنظمات، ووجوه الهيئات الحرة من العدول والمحامين والفلاحين والتجار وأرباب الصناعات. فإن التفاف هؤلاء الفضلاء حولنا يقوي الساعد، ويكون على البراءة في بذل الجهد خير شاهد، ويدعنا نعتبر جميعهم شركاء لنا في شرف الخدمة، ومعينين على توجيهنا للعمل بصادق الهمة، متواصين بالإخلاص لهذا المهم الخطير، وتطهير النفوس من أدران التخاذل والتقصير، ومراعاة حق الله في احتمال هذا العبء الجليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 1955

حوار حول إصلاح التعليم الزيتوني (١) [من تقديم محرر المجلة]: تفطنت الصحافة الإنكليزية والأمريكية منذ عشر سنوات إلى ضرب جديد من النشر فتح كنزًا ثريًّا أمام أعين محبي الاطلاع، ومكن الجمهور من أفكار الذين لا تمكنهم ظروفهم من التفرغ لتدوين خواطرهم وأفكارهم، وكشف به لجمهور المستطلعين عن دخائل وحالات ما كان الأدباء يأبهون لتدوينها مع أنها من الأهمية بمكان. وذلك أنهم فتحوا باب الأحاديث مع كبار الهيئات وأصحاب الأشغال، أو المواهب الفكرية، وخصها بعنوان (ساعة مع. . . .) فمكنوا الجمهور من مطالعات عديدة ودراسات ما كانت تصله لولا ذلك الاختراع. وقد تابعت أوروبا هاته الخطوات فظهر نفس هذا العنوان في الصحافة البلجيكية والهلندية والإيطالية. وقد برعت في تحليل شخصيات الأدباء بواسطتها وإطلاع جمهور المتأدبين على عناصر روحهم وطريقتهم جريدة "الأخبار الأدبية" أكبر الصحف الفرنسية المتمحضة للأدب. ثم رأينا مجلة "الهلال" المصرية تفتح هذا الباب في العام الفائت، ثم تسدد خطواتها فتوفق في أحاديثها الاجتماعية والأدبية. ومع أننا عزمنا في فتح هذا الباب على تعقب سنة زميلتنا الفرنسية لتمكن عموم قرائنا في الشمال الإفريقي من نافذة

стр. 1956

يشرفون منها عن الأدب الإفريقي والأدباء الأفارقة في مجالسهم العادية وأفكارهم التي لا يشوبها تمحل ولا تطلية. مع ذلك فقد رأينا فتحه بهذا الحديث الذي نقدر له أهمية واسعة هائلة بين القراء المتشوفين لما يخيبه الخمول - السائد اليوم - للثقافة العربية في الشق الشرقي من إفريقيا الشمالية. ولا غرو فالمعهد الزيتوني ركن الدين الإسلامي والثقافة العربية هنا، يمتد نفوذه إلى حوالي الستة ملايين من النفوس بين تونسيين وجزائريين وغيرهم، ويرون فيه القبلة والملاذ. وصاحب الفضيلة الأستاذ محمد الطاهر ابن عاشور أحد المشار إليهم بالبنان بين العناصر العاملة في تلك اللجنة التي ألفتها الحكومة لمشكلة إصلاح هذا المعهد المقدس على عاتقهم، هذا فضلًا عما لنا من الثقة في ثقافته المكتبية واطلاعه الواسع (. . .) وهكذا تلقانا الأستاذ ببشاشته المعهودة، وتقدم بنا إلى قاعة الاقتبال، فرجعنا معه إليها. وهي قاعة رحيبة مؤثثة برياش من نوع لويس ١٤، وتتوسطها منضدة مستديرة عليها كرة ضخمة من مصورات الأرض، وقد أطل من جدران البيت كبار رجال الدولة في العهود المتأخرة، قرأنا على بعضها مما كان قريبًا منا كلمات تلطف حبية قدمها بها أصحابها. وأخيرًا جلسنا وبدئ الحديث، فأطلعناه عن خاطرتنا، فلم يتهيب، بل أظهر انشراحًا للأمر، واستحسن طريقة إمداد الجمهور بآراء نفس المسؤولين. ثم جرى الحديث الذي امتد إلى أكثر من ساعتين! فلم نر بدًّا من الالتحاق إلى تدوين نص أجوبة فضيلته. . . سؤال: ما هو رأي فضيلتكم في إصلاح المعهد الزيتوني؟ جواب: قد كان المعهد الزيتوني بصفته كلية علمية دائم التطور حسب توافر المهيِّئات. فقد وضع أساس نظامه الحاضر المنعم المبرور أحمد باشا سنة ١٢٥٨ ورقم نصَّ ذلك النظام بماء الذهب في معلقة ضخمة أقامها إلى جنب باب المعهد في إطارها البهيج لتكون تذكارًا شاهدًا.

стр. 1957

ثم في سنة نيف وتسعين جمع الوزير المصلح خير الدين لجنة تحت رئاسته، فصدر عنها القانون الأول الذي نص على دقائق التعليم هنالك، ووضع له أسسه المحكمة وأساليبه الملائمة لذلك الزمان. ومنذ هذا القانون نجد الحكومة تجمع بين الفينة والفينة اللجان لتنقيح ما يظهر فوات زمانه حسب التهيؤ وتطور الشعور العام. فقد تشكلت عام ١٣١٥ [الموافق ١٨٩٨] لجنة لإصلاح التعليم (١)، وهي التي نتج عنها إدخال بعض العلوم العصرية في مواد امتحان "التطويع" بالجامع الأعظم دون أن يخصص لتلك العلوم دروس في الجامع الأعظم، وإنما اعتمد في ذلك على الدروس الخارجية، وكانت المدرسة الخلدونية قد نظمت دروسًا ليلية لتلك العلوم. ثم تشكلت اللجنة الثالثة التي صدر عنها قانون ١٩٣٠، فأدخلت إصلاحات كثيرة على نظام التعليم وصيرت تدريس العلوم العصرية من مشمولات دروس الجامع الأعظم. وفيما بين هذين الاجتماعين أصدرت الحكومة تراتيب مهمة ضبطت بها طرق التحصيل على خطة التدريس بطريق المناظرة والامتحانات المشتملة على الكتابي والشفاهي تدريسًا وأسئلة. وما كادت تأتي سنة ١٣٤٤ [١٩٢٦] حتى كر الشعور بوجوب الإصلاح من جديد تبعًا لما ولده الزمان من التطورات الفكرية وغيرها. وبالفعل عينت اللجنة من جديد لتضع نظامًا للتعليم ملائمًا للحاجات والكفاءة المتوفرة. وقد أتمت أعمالها إذ ذاك في دائرة مناسبة لما دعت إليه الأحوال في ذلك الوقت، غير أن مقرراتها لم يتسن إبرازها، إلى أن دعي صوت أهل العلم وظهر قانون خطة العدالة.

стр. 1958

فوجوبُ الإصلاح ليس محلَّ نظر، بل هو حاجة وضرورة لا بد منها، فقد أحس بها الأساتذة، وأعلن بطلبها الطلبة، وجمعت الحكومة اللجنة الأخيرة تقديرًا لها وإجابة لصوتها. وبهذا الاعتبار نعرف أن هذا الاجتماع اليوم هو ثاني اجتماع دعى إليه إجابة اقتراح التلامذة، إذ لا ننسى أن اجتماع عام ١٣٣٠ [١٩١٢] كان هو أول اجتماع وقع لإجابة طلب الطلبة. سؤال: ما هي غاية هذا التعليم؟ جواب: تأسس التعليم بجامع الزيتونة بباعث شريف جدًّا وهو رواج العلوم الإسلامية واللغوية وما عسى أن ينتدب إلى تعليمه من له براعة في علوم لا تنافيها، فقديمًا درست فيه الفلسفة والمنطق، والهندسة والحساب الراقي والطب على الأساليب التي كانت جارية في عصورها. ثم كان المقصود من وضع أساس النظام فيه على عهد المقدس طيب الذكر بين أهل العلم أحمد باشا تخريج الأكفاء للوظائف السامية، سواء في ذلك العلمية أو الشرعية أو السياسية. وبالفعل ظهر من متخرجيه من زان هاته الوظائف، ولم تزل أغراضًا لمصلحيه راميةً إلى هاته الغاية بمراعاة ما تقتضيه العصور في كفاءة متخرجيه. فغايتنا الكبرى في إصلاح التعليم أن نجعل من المعهد طريقًا لتخريج طبقة كفيلة بحفظ كرامة علماء الإسلام بين مختلف عناصر هذا الجيل. هذا من جهة، ثم أن نرفع مستوى الكفاءة من جهة أخرى بين خريجيه لنمكنهم من تبوء مركزهم في خدمة بلادهم عن جدارة واستحقاق لا يمكن أن يفوقهم فيها خريجو المعاهد الأخرى، فإن تطور الزمان ضيق من الدائرة أمام المتخرج الزيتوني بما كاد أن يحصره في المناصب الشرعية والعلمية داخل المعهد، بحيث إن المتخرج يضطر إلى حضور دروس تكميلية كلما أراد سلوك غير هذين الطريقين.

стр. 1959

لا سيما وأن تزايد الإقبال على الالتحاق بالكلية الزيتونة يضطرنا للتفكير في مستقبل هذا العدد الذي سيتكاثف محصوله على توالي السنين. سؤال: ما رأيكم في درجات التعليم؟ جواب: التعليم في المعهد اليوم ثلاث مراتب، ولكنها لا تتمايز بشهادات تعطى في ختام كل مرتبة إذا استثنينا شهادة ما نسميه بالتطويع، وهي شهادة انتهاء التعليم الثانوي. فهاته المراتب يجب أن تتمايز بشهادات تعين كفاءة حاملها فتصبح: ١. درجة ابتدائية، ٢. درجة ثانوية، ٣. درجة عالية، بعد أن نحدد كفاءة داخلي الابتدائية نفسها. فمما هو جار اليوم أن كل وافد على المعهد يمكن من المرتبة الابتدائية بقطع النظر عن درجة قصوره مما قد يضطر معه الطالب إلى البقاء مدة طويلة قبل أن يتمكن من مسايرة الدروس، وفي ذلك من التشويش على الأستاذ وإضاعة الوقت عن الطالب ما فيه. فإن المعهد ليس فيه شيء من "التعليم الأولي"، بل المفهوم في طلبته معرفة القراءة والاستعداد لفهم القواعد ليتمرنوا على تطبيقها، فلا يمكن أن يقبل فيه الأميون بحال. ومن هنا قام التساؤل عن الوسائل التي تؤهل الوافدين للحالة التي ستشترط عليهم، خصوصًا مع قلة المدارس الحرة التي تراعي التهيئة للمعهد وحالة الكتاتيب والزوايا التي لا تزال في ضمور. سؤال: ما هي مميزات الشهادات؟ جواب: تدركون أن عمل اللجنة يقف عند حد وضع الطريق لرفع مستوى الكفاءة التي تجعل الخريج جديرًا بخدمة بلاده وحكومته، ثم تقديم "الاقتراح" إلى الحكومة بما تراه مناسبًا لهاته الكفاءة من الميزات، أما تثبيت تلك الميزات عمليًّا فشيء ليس في دائرة نظرنا ولا هو من شأننا، لما يقتضيه من مخابرات مع مختلف فروع الدولة ومختلف إدارتها.

стр. 1960

أما اختصاص المعهد فيتناول: ١. الديني الشرعي، ٢. العربي من لغة وأدب. فيخرج الأيمة والوعاظ والقضاة والموثقين ويخرج الأساتذة الأكفاء. سؤال: كيف تقرأ العلوم العصرية في الجامع؟ جواب: العلوم العصرية موجود بعضها، إلا أن المفكرين من أهل العلم اتفقوا على أن الموجود اليوم غير كاف في تكوين ثقافة صحيحة في متخرجي المعهد. لذلك اتفقوا على وجوب إلحاق كثير من العلوم التي لها أثر صالح في تثقيف الأذهان. وقد قررت لجنة سنة ٤٤ ما يجب من هاته العلوم، وأهمها علم صناعة التعليم وما يتوقف عليه من العلوم الأخرى التي منها علم النفس وعلم الفلسفة. كما حصل الشعور منذ مدة بأن دراسة الموجود من العلوم العصرية بين أساطين الجامع وفروعه لا تأتي بالنتيجة المطلوبة لما تتوقف عليه دراستُها في المادة والأسلوب من وسائل لا يسمح بها مكان هو مسجد قبل كل شيء. فلذلك فكرت النظارة - باتفاق مع الوزارة وبتسهيلات من بعض أهل الخير (١) - في تخصيص محل لتدريس هاته العلوم في البيت الملقب "بمحكمة ابن عصفور" (٢)، ووقع فتحُه أوائل هاته السنة الدراسية لتعليم العلوم العصرية، بل وما يحتاج إلى طريقة تشبه طريقة تدريسها كعلم الفرائض العملي وعلم الرسم والإنشاء. غير أن هذا المحل سيصبح إزاء البرنامج الجديد غير كاف لإيواء تلامذة هاته العلوم وما سيلحق بها. هذا وستشتغل اللجنة بالبحث عن الوسائل التي تسمح بتلقي هاته العلوم عمن لهم كفاية فيها ومقدرة صحيحة على تعليمها بكيفية نافعة، ولو كان من غير أساتذة المعهد إذا لم يتوفر فيهم الشرط المذكور. سؤال: ما هو رأيكم في محلات التعليم؟

стр. 1961

جواب: تلقى دروس المعهد اليوم بصورة محاضرات منتظمة يحضرها من شاء متى شاء! فإن طبيعة المسجد لا تمكن الإدارة - مهما حاولت - من وضع البرامج الدقيقة لحضور تلك الدروس. وهذا النظام ليس من شأنه التعكير على طبقة التعليم العالي، إلا أن المشكلة على أشدها في دروس الطبقة الابتدائية التي اضطرت النظارة اليوم لإخراجها من جامع الزيتونة وتخصيصها بالجامع اليوسفي في العاصمة. ومن أهم الإصلاحات التي سيكون لها أثرها الكبير تعميمُ نظام الجامع اليوسفي على خمسة المساجد الكبرى التي تقوم بوظيفة التعليم بالجهات الخمس من المملكة، بحيث تصبح هذه المساجد فروعًا من الكلية الزيتونة بجميع معاني الكلمة. فإذا انتقل الطالبُ منها إلى العاصمة، اعتبرنا له ما شهد له به الفرعُ الذي هو منه. وهذا إصلاح كبير يخف به تيار الوافدين على معهد العاصمة، ويسهل على الراغب طلب العلم حيث يجد نفس النظام ودرجة الكفاءة بالقرب منه. غير أنه يتوقف على تأسيس نظام متين في هاته الفروع، لا يوجد اليوم منه إلا أشباحٌ لا أرواحَ فيها. ولذلك لم ينكف تلامذة تلك الجهات عن تجشم مشاق الاغتراب لتلقي تعليمهم الابتدائي بالحاضرة. سؤال: ما هو رأي فضيلتكم في إلحاق مواضع التعليم الابتدائي الأولي كالكتاتيب والزوايا بدائرة فروع المعهد الزيتوني؟ جواب: هذه مسألة من الأهمية بمكان عظيم، وقد اشتغلت النظارة بمخابرة الوزارة الكبرى في الأمر منذ سنين. إذ لا يخفى أن هاته المواضع التعليمية الصغيرة لو تمنح تنظيمًا وضبطًا لأمكن أن تصبح مدارس ابتدائية أولية للتعليم الإسلامي العربي، فتسد بها تلك الثلمة الواسعة التي بقيت مفتوحة في أول حد من حدود تعليمنا، بحيث يكون خريجها كفؤًا لتلقي تعليم الفروع الستة للمعهد الزيتوني بكفاءة تامة.

стр. 1962

سؤال: ولكن هل يمكن الجمع بين أجزاء ذلك الضبط عليها وبين كونها معتبرة للآن كمدارس حرة؟ جواب: إن التعليم الحر في جميع البلاد يخضع لمراقبة إدارات التعليم، حتى لا تصبح حريته سبيلًا لتضليل أفهام التلامذة أو السير بهم إلى طرق تبلغ إلى غايات غير مقصودة لأوليائهم، لا سيما وهم في فجر النشأة الفكرية، فتجب المحافظة على أوقاتهم وأذهانهم. فكل تفريط يصبح خسارة لا تصيبهم وحدهم بل تتعداهم إلى الأمة، وهو ما نشاهده في كثير منها بمزيد الأسف، فهو يرجع إلى أساس اجتماعي وهو تقييد الحرية غير المنظمة بما فيه نفع المجتمع.

стр. 1963

خمس رسائل إلى الشيخ محمد النخلي (١) (١٢٨٦/ ١٨٦٩ - ١٣٤٢/ ١٩٢٤) الرسالة الأولى الحمد لله المرسى في ١٢ جمادى الثانية ١٣٢٣ [أغسطس ١٩٠٥] إلى الأستاذ العلامة النحرير شيخنا سيدي محمد النخلي أبقاه الله مثالًا للكمال، وقدوة تقدم للرجال، سلام وتحية وإجلال. قرأت أيها النَّقَّاد الأريب كتاب وصولكم، وحمدت الله تعالى على سلامتكم، ورجوته أن يقر عينكم بمشاهدة الوطن (٢) والأهل، وأن لا ينسيَ قلبَكم ذكرى الوطن العلمي والأبناء النفسيين (٣)، حتى تعجلوا الأوبةَ فنراكم سالمين مسرورين. أما صدى ذلكم الخبر السار الذي شرفتموني به، فلم يزل يطن بأذني فيزيدني شوقًا إلى لقياكم. نُشرت قصيدة التأبين (٤) فسرت العقلاء وساءت الحاسدين. الرأي العام لا يشعر بهاته الأشياء أبدًا، إنما همته حرفته وبطنه. وإنما الداء العضال هو أولئك

стр. 1964

الأنصاف الذين يحسبون أنهم على شيء فلا يزنون الأمور ولا يسكتون سكوت العاجزين لتركّب جهلهم، وأولئك الشيوخ السذج الذين هم "أنيميَا" (١) الأمة. ومهما يكن من طعنهم في زواياهم ودهانهم في مجتمعاتهم بالناس، فإن تلكم المرثية قد أخرست كثيرًا من الناس، وأدخلت المسألة في طور جديد؛ لأن جنابكم بعيد عن بعض التهم التي ربما نُبِز بها غيركم، حتى قال الشيخ جعفر: "ما بال الناس يطعنون على عبده، إن هو إلا علامة نحرير، وفقده رزية عامة، هب أن له مخالفات". أذكركم بجواب الأستاذ الإمام، ثم أرجو أن تتقبلوا مني أطيب التحية، والسلام. حرره ابنكم الداعي طاهر بن عاشور

стр. 1965

الرسالة الثانية المرسى في ٣ رجب ١٣٢٣ [سبتمبر ١٩٠٥] إلى القيروان إلى أستاذي النقاد العلامة النصوح الشيخ سيدي محمد النخلي المدرس الأعلى بالجامع الأعظم حفظه الله تعالى. جاءني كتابك سيدي على انتظار، فكان من شوقي مكان جرعة الماء من الأُوار. جاءني يقدم إلي كتاب الأستاذ الإمام قدس الله روحه الذي كنتُ نقلتُ عنكم خلاصتَه منذ سنين في بعض دروسِكم، وأنا جاهل بمنشئه، فها أنا ذا الآن أقرؤه وعبرات أسفي تتقاطر عليه. الفكر العام كما قلت لكم في ذهول عن هاته الحوادث، ولقد رأيت من بعض العامة الترحم على الأستاذ والاستغفار ليس إلا، لأنهم سمعوا أنه كان يحب تقدم الإسلام ويسعى إليه، فأين هم من الغوغاء المنتسبين للإسلام ونصرته الذين آذوه حيًّا وميِّتًا، ترجيحًا لمصالحهم الشخصية على نصح الدين والأمة؟ ذهبت المذاهبُ في مراثي الإمام كل مذهب، وعُرِف منها ما كان مكتومًا، ففاز صريحُ التوقيع بمزية الشجاعة. ومهما يكن من سخط الجامدين، فإنهم كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ٧٦]. كنتُ أسمع عن كثير من المعترضين، فأود أن أواجههم فيصرحوا باعتراضهم، لأريهم الحق أبلج ساطعًا، ولكني كنت أراهم عند اللقاء أقذر من الحرباء تلونًا، وأشد من الثعلب رواغًا، وسيعلمون جهلهم بعد حين. قرأت حديث إلمامكم بأطلال مكتبة الجامع الأعظم بالقيروان وما رأيتم من كتب نخرة وأوراق بالية ترفرف عليها أغربة الفناء التي رفرفت على أمة أضاعتها بالتماس البركات، ولهت عنها بنسخ الأوراد ودلائل الخيرات. وإنا لا ننسى شكرَ
следующие страницы →