"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"؟ (١)
سيظن البسطاءُ من الناس أن احترام الأفكار وحريتها يخولها حقَّ الاجتراء بنحو الشتيمة، ولكنه ظنٌّ سريعُ التقشع متى وجدوا لسانًا حكيمًا يبيِّن لهم أن الحرية والاحترام شيءٌ وأن الاجتراء شيء آخر؛ لأن الحرية إنما ينالها المرء بعد شعوره بوجوب مساواته مع غيره فيها، وإلا كانت الاستعباد الذي نفر منه. فإن طلبت أنفسُهم زيادة البيان، فإنا نحيلهم على كلام طويل في معنى الحرية، لو بسطناه لفُصم عنا سلكُ الكلام في مرادنا من هذا المقال. فإذا كانت الأفكار محترمةً كما قلنا، فالاجتراء عليها بما ذكرنا يستأهل عقوبةً على خرق سياج هذا الاحترام حقًّا؛ لأن ذلك يثير العصبيات ويجفي عن الحقيقة التي ما احترمت الأفكار إلا لأجل الوصول إليها.
من أكبر الأسباب في تقدم الأمة بعلومها وقبولها لرتبة التنوير وأهليتها للاختراع في معلوماتها، أن تشب على احترام الآراء على الوجه الذي وصفنا من قبل وعسى أن نصف من بعد. وقد كان للمسلمين من ذلك الحظُّ الذي لم يكن لغيرهم يومئذٍ من التسامح مع الأفكار، شهد بذلك التاريخ وأهله إلا المتعصبين منهم، مع ما كان بين أصناف أهل الآراء من التناظر والجدل. ولكنك لا تجد ذلك محفوفًا بتعصب ولا اضطهاد: كنتَ ترى الأشعري بين يدي المعتزلي لا يستنكف عن تلقِّي فوائده والاعتراف له بحق التعليم، وترى السني يتعلم عن القدري وعن الفيلسوف الشاكّ.
قد كان عمرو بن عبيد (٢) - الزاهد الشهير - من خاصة تلاميذ الحسن
стр. 247
البصري (١) رحمهما الله، وهو الذي كان مكلَّفًا بكتابة ما يميله الحسن من التفسير الذي يرد به على القدرية والمعتزلة. وما كان يمنعه ذلك من المجاهرة باتباعه مذهبَ المعتزلة، ومن التحاقه بدروس واصل بن عطاء الغزال (٢) الذي قال له الحسن لما كثرت مناقشته: اعتزل مجلسنا. فكان عمرو بن عبيد يختلف إلى الدرسين جميعًا، وما كان ذلك يمنع الحسن من تكليفه بإملاء تفسيره. (٣) حتى استُخدِم اختلافُ الآراء آلةً للتشيع السياسي، حين آذنت الدولةُ العربية والجامعةُ الإسلامية بالانحلال والافتراق اللذين تركا من الآثار ما نحن نتخبط في مصائبه ولأوائه حتى اليوم.
وكذلك الْحَجْرُ على الرأي يكون منذِرًا بسوء مصير الأمة، ودليلًا على أنها قد أوجست في نفسها خيفةً من خلاف المخالفين وجدل المجادلين. وذلك يكون قرينَ أحد أمرين: إما ضعف في الأفكار وقصور عن إقامة الحق، وإما قيد الاستعباد الذي إذا خالط نفوسَ أمة كان سقوطُها أسرعَ من هُويِّ الحجر الصلد. حكى الجاحظ أنَّ النظَّام دخل على شيخه أبي هذيل العلَّاف، (٤) فقال: يا أبا الهذيل لم قررْتُم أن يكون
стр. 248
الله تعالى جوهرًا خشيةَ أن يكون جسمًا؟ فهلَّا قرَّرْتُم أن لا يكون جوهرًا مخافةَ أن يكون عرضًا، والجوهرُ أضعف من العرض؟ فبصق أبو الهذيل في وجهه، فقال النظَّام: قبَّحك الله من شيخ! فما أضعفَ حجتك! (١)
وكان الخليفةُ المأمون يقول لأهل ناديه إذا جاروه على كلام: هلَّا سألتمونِي لِماذا؟ فإنَّ العلم على المناظرة أثبتُ منه على المهابة. (٢)
دامت على ذلك الأمةُ الإسلامية متمتعةً باحترام الأفكار، جريءٌ كلُّ واحد على أن يبوح برأيه، وجريءٌ كلُّ مستمِعٍ على تقويمه بالحق. وإن وقع في خلال ذلك حادثة خلق القرآن، وحادثةٌ صغيرة وقعت بالقدس بين الباطنية وأهل السنة، إلا أنها لأسباب عالية (٣) وغلط فاحش لا يسع ذكرُه اليوم.
ولَمَّا استُخدِمتِ الآراءُ للسياسة، وشاعت المداهنةُ بين الناس، وضعفت الكبراء عن الحجة، يومئذٍ ساد اضطهادُ الأفكار والضغطُ عليها، كي لا تسود على مخالفيها القاصرين الظاهرين في مظاهر العلماء المحققين. نعني بالسياسة ما يقرن سياسة الدول في تصرفاتها وأغراضها بسياسة الأشخاص المسيطرين في هواهم،
стр. 249
وربما كان القسمُ الثاني أشدَّ على الأفكار لكثرة دواعيه ووفرة منتحليه. وأنواع وجهتهم في هذا الغرض [أربعة]: (١)
١ - منهم من يفعل ذلك إبقاءً على منصبه، واستحفاظًا على وجاهته؛ لأنه يخال أن كلَّ مخالفة له في الرأي تُنذِر بثَلِّ عرشه وزلزال أركانِه، والمريضُ كثيرُ الأوهام.
٢ - ومنهم الذي يسخط من مخالفة المعتاد، ويرى العادةَ دينًا أو شبهَ دين، يجب أن لا يتلاعب به الشخص.
٣ - ومنهم الذي يتوهم أن الدينَ يخالف احترام الآراء، وهذا إن شئت أن تجعله فرعًا من سابقه وجدته لك أطوعَ من نعلك.
٤ - ومنهم الحاسدُ العاجز الذي يحب أن يظهر في مظاهر الكمال بكلمات يلفقها، ويحس في ذكر ذلك لذة ما دام منفردًا بها، فإن شاع ذلك بين الناس تميز من الغيظ. كنتُ أعرف رجلًا ينادي بين الناس باسم النقد للحالة والطعن في الأوضاعِ المعتادة، وربما ترقَّى إلى بعض الشتيمة زمانَ كان يقول ذلك وحده، يحب الشهرة وما يلقاها، ويترصد طريقَها وما يقع بمرآها. كان يومئذٍ مستأثرًا بورقات ينقل منها ما يلغط به، فلما امتدت الأيدي، وانبرت العيونُ إليها، واستوى مع غيره في معرفتها، انصاع يُقبِّح ذلك الحال، ويرى خلَفَه ودعاءهم في ضلال.
مِمَّا يُخَصُّ بالوصاية والاحترام أفكارُ المتقدمين الذين وصلوا بنا إلى حيث ابتدأنا من العلم والمدنية، عوضًا أن نكون في متحرَّكِهم الأول نبتدئ سيرًا بطيئًا. وكما يقال: إن الإنسان ابنُ يومه لا ابنُ أمسه، فهو أيضًا ليس بابنٍ لغده، فمقدارُ فضيلة الرجل ومكان شهرته لا يُنظر فيه إلى غير يومه الذي كان فيه.
стр. 250
فلا يغلط لنا كثيرٌ من الناس ينتقصون الأقدمين بمستدرَكاتِ المتأخِّرين، فإنما تُعرف مقاديرُ الرجال بما أوجدوه، لا بما تركوه. (١) ولكن طرق الشهرة لا تختلف، وهي قوة الفكر، ومرتبة العلم، والعمل على تنوير آراء المتعلمين والقارئين، في عقل صحيح، ونية قويمة، ونصح جهير.
وقد استهوى هذا الغلطُ الشيخَ أبا علي ابن سينا ﵀ حين بالغ في ثنائه على أرسطو حتى قال: "أما أفلاطون الإلهي، فإن كانت بضاعتُه من الحكمة ما وصلنا من كتبه وكلامه، فلقد كانت بضاعتُه من العلم مزجاة". (٢) وكأنه نسيَ أنه
стр. 251
لولا أفلاطون بكلماته القليلة خوّل لأرسطو أن يبني عليها كثيرًا، لكان أرسطو هو أفلاطون وبضاعته الوافرة كانت مزجاة. (١)
هذا أيها الناشئون على النقد، الباحثون عن الحكمة، نبراسٌ مبين، أقمناه بين أيديكم ليضيء لكم مستقبلًا نيّرًا. وعسى إن اهتديتم بضيائه، واحتفظتم عليه من عواصف الأهواء والشبهات، أن تَحْمَدوا غِبَّه، وتسلكوا به طريقَ العقلاء فتصبحوا سُمَراءَهم، والله يضيء آراءَكم بالحكمة.
стр. 252
العلم عند الله (١)(٢)
تحصيله:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. عَذَر الله تعالى المؤمنين في قعود فريقٍ منهم عن طلب العلم، ولقاء الرسول ﵇، لِمَا علم مِمَّا سنّه في ناموس الكون أنه لا يستقم نظامُه إذا اتحدت غايةُ أهله في أعمالهم كيفما بلغت من الشرف.
وحسبُك من شرف العلم اتفاقُ العقلاء وغيرهم أنَّه أعلى صفة يتحلى بها البشر، وأسمى غاية يقصدها الناس، وصل ذلك إلى حد أن عَرَفَتْه العامة في أسواقها، وتهافتت على الاتسام بميسمه والتعوذ من ضده؛ ولكن مع ذلك لو اقتصروا عليه لفسد نظام الكون كما لو اقتصروا على غيره، فأمرهم أن تنفر من كل فرقة منهم طائفةٌ لتحصيل العلم والتفقه بالدين؛ لأنَّ العلم لا يستقيم بدونه، ولأن وجود العلماء من بين الفرق تنبيهٌ لها ونبراسٌ ينوس (٣) بين يدي صنعها في ظلمات الشك.
هب أنها وصلتْ من السقوط إلى حد أن كانت في صمم عن تلقي نصائحهم، فإنها لا تعدم في ضمن ذلك شعورَها بحقائق الأشياء وصَد الباطل منها عن الحق،
стр. 253
سواء رضيَها أم أسخطها. ولا مريةَ أن إتيانَ الشيء بعد العلم بحاله أدعى للدوام عليه إن كان خَيْرًا، وأقربُ إلى الانكفاف والتقهقر عنه في حال سخافته وكراهته التي تنطبع في النفس مع العلم بحاله، مهما غولطت تلك النفسُ في انطباعه، أو عرضت سُحبُ وهمها لستر شعاعه.
المقدم منه والمتعين:
الغاية التي حض الله تعالى عليها الناس بلولا المتلوة بالفعل هي الفقه في الدين، والفقه إدراكُ الأشياء الخفية، وهو بهذا المعنى بابُ الحكمة، أو هو الحكمة نفسها. ولذا نرى الله تعالى ينفي عن أقوام الفقه في مواضع الخفاء، نحو ما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فهو تَمهيدٌ للعذر في الجملة، وينفي عن آخرين العلم في مواضع الظهور نحو "لا يعلمون"، وفرق ما بين العلم والفقه.
كان الله تعالى - ولا يزال - حريصًا على المؤمنين أن يتلقوا الدينَ بفهم لخفاياه وأسراره، فأوصاهم في غير موضع بالفهم والاستنباط والعلم، مرة بالتصريح وأخرى بالإشارة، حتى بترك البيان في مواضع. وذلك أرشدنا إلى أن الغايةَ المطلوبة من العلم - كيفما كان - هي الوصولُ إلى معرفة الأشياء على ما هي عليه، بحيث لا يحتمل نقيضًا، ولا يؤثر فيه تشكيكُ المشكِّكين، ولا اعتراضُ أو سخطُ الواهمين.
سنَّ الله تعالى النفرَ في طلب العلم، والعلم وإن كان ربما وُجد في فسطاطك بل في بيتك، فقد كان النفر والرحلة من أكبر ما يفيد قوتَه وكمالَه. وبمقدار الرحلة إليه تحصل غاياتٌ شريفة من معانيه؛ لأن التعلمَ باعتبار المغبَّة يؤول إلى توسيع الرأي وقوته، ليكون رائدَ نفسه بنفسه. والعملُ الذي هو موجِبُ رسوخ الملكات في أصحابها ونموِّها في جانب العلم والرأي، هو ملاقاةُ الآراء وتقادحُها، حتى قيل: "ما بين الرأيين رأي".
انظر إلى رجلٍ يقرأ في بيته ما يقرأ الناس، كيف لا تجده على كمال نحو ما تجد المتعلم بالدروس العامة؛ لِمَا يلقاه من مقادحة الأفكار ومبادلة الآراء. وفي ذلك
стр. 254
دربةٌ عقلية طبيعة تحصل بتدرِّجٍ وخفاء حتى تنموَ الملكةُ العقلية وتعتاد بالعمل والتيقظ؛ إذ التشاورُ الفكري والتبادل النظري يجعل جليسَك منبِّهًا لغفلتك عند حصولها، كما يجعلك له منبِّهًا، حتى يصير التنبُّه إلى الحقائق سجيَّة لك متى كنت مجبولًا على التهيؤ لذلك، والرحلة بعد ذلك تفيد [تيقظًا] (١) أكبر.
ولو ذهبت تعد الأفراد الذين سموا برسوخ القدم إلى مرتقى راق في قوة الرأي، لرأيت فيهم من الراحلين أكثر مما ترى في غيرهم؛ وما وصلت قرطبةُ بعلمائها إلى تلك الغاية إلا بالرحلة. ولعلك تذكر الباجي، والأصيلي، وأبا بكر ابن العربي، وبقيَّ بن مخلد، ومنذرًا بن سعيد البلوطي، وعبد الملك بن حبيب و [غيرهم]. (٢)
стр. 255
خطته:
خصَّ الله تعالى الفقهَ في الدين من بين العلوم كلها؛ لأنه يومئذ واليوم أكبرُ شيء تحتاج له الأمة، إذ لا يكون لها أن تعرف كنهَ شرعها الذي هو مستودع آدابها، وتعليماتها القانونية، والأخلاقية وملاك تقدمها إلا به. وذلك ينبغي أن يكون الفرضَ الأول من تعليم المسلمين في أي زمان وأي مدرسة، وبدونه لا يستقيم لهم أمرٌ كما لم يستقم.
ثم لَمَّا آل أمرُ العلم إلى قضاء الحاجة منه، وكان تعليم الأمة في كل زمان على مقدار حاجتها، وربما تزيد على علم الدين، فمن المتعَيِّنِ عليها أو على مَنْ يدبر أمر تعليمها من سادتها وكبرائها الحكماء أن تضم إليه ما تحتاجه، سواء في ذلك مبادئ الدين وهي علوم العربية: اللغة والنحو والبيان التي لا يمكن لغير العربي بالسجية أن يصل إلى معنى الفقه في الدين بدونها، أم غيرها من العلوم التي يتوقف عليها كمالُها.
فالحاجةُ هي مقدر العلوم، وهي شيء واحد ينطبق على كل زمان؛ عنيت بالحاجة أن يتوقف تقدمُ الأمة، ويتقلص ظلُّها، ولا يمكنها مزاحمةُ غيرها من الأمم في خوض لجة الحياة بدون ما احتاجت إليه. فذلك العلمُ الذي يُطلب منها في مرتبة فرض الكفاية، وهذا في كل زمان يتحول مع المحافظة على الأصل الذي نص الله
стр. 256
عليه، وهو الذي لا يتحول إلا متى تحولت الأمة كلها. (١) والحكيم قديرٌ على أن يشرح هذا في دروس، أو مقالات فائضة يتبع بعضُها بعضًا.
نعيمه والغاية القصوى منه:
نبَّه الله تعالى على أن فائدة المتعلم من علمه أمران مهمان:
أحدهما: تفقهه في نفسه الذي يرفع عنه رجسَ الجهالة، ويذيقه حلاوة الإدراك، ويخفف همه، ويعمر وقته، ويجيد عمله.
وثانيها: وهي الغاية العامة والمصلحة الشاملة، إنذارُ قومه وأمته الداخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣]، وقول رسوله: "الدين النصيحة". [قلنا: لِمَنْ؟ قال: ] "لله، [ولكتابه]، ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". (٢)
إنذارُ القوم هو أن يبلغ لهم أمانة الله تعالى مما علمه على ما هو معتقد غير مداهن في ذلك، لاستجلاب بشاشة الكبراء، أو قضاء مألوف العامة. بل الذي أوجبه الله تعالى أن ينذرهم بما علمه على ما اعتقده سواء أَرْضَى الأمةَ أم أسخطها، متذكرًا في ذلك قولَ رسوله الأمين في خطبة حجة الوداع: "ألا هل بلغت! اللهم فاشهد"، يكررها المرات. (٣)
стр. 257
أما التصميم في الرأي فهو الذي يُفْشل المكابرين، ويركد ريح الحاسدين، والعاقبة بعدُ للمتقين. قال الله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. لسنا نطالبه أن يعض بالنواجذ على رأيه وإن كان خطأ؛ لأن هذه صفةُ المكابرة التي نتبرأ منها، والمجاحدة التي جاء الدين لإزالتها من نفوس الناس، ولكنا نرغب أن لا يرجع إلَّا إلى العلماء الحقيقيين، متى أرجعوه بالدليل.
ولا عليه أن لا تتقبل الأمةُ نصحَه وعلمه؛ فييأس من غاية سعيه، ويستَأْيِس أن قد خاب أملُه، ويرى أن لَمْ تبقَ فائدةٌ في تذكير قومٍ كالأنعام أو هم أضل سبيلًا، فموافقتُهم أولَى من مخالفتهم. يتأول أن الله ما أمر بالمجاهرة بالحق إلا لتحصل الغاية منها؛ فإذ قد انعدمت الغاية، كان الواجب أن نسعى في مرضاة قومنا، فنحصل - في الأقل - على لذة المصافاة، هذا هو سوء التأويل. إنَّ الإنذار بالحق يقذف في قلوب المنذرين علمًا إن خالفوه أصيب هواهم بالمرار من النكد، أو شكًّا يكشفه لهم ريب الزمان.
وتكرُّرُ الإنذار إن لَم ينفث في قلوب المنذرين ما أُمل منهم لا يعدم أن يصدر عن ازدواجه نشءٌ ربما يطبق تكاثفه المترقب جوَّ العقول ويمطر من مزنه على أرض قلوبهم الميتة، وليذكر ما أوصى الله به رسوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]، [وقوله]: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٤، ٩٥]، [وقوله]: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ [الحجر: ٩٧].
نظرًا لهذا المعنى حين علم الله تعالى عسرَ تحول الناس عن إلْفِهِمْ، وانقلابهم عن جهلهم، وشدة استمساكهم بضلالهم، ما حقق لنا سبحانه حصولَ الغاية، وهو أعلم بالحال، ولكنه جعلها في موضع الرجاء لا في موضع اليقين، فقال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
стр. 258
فإن قال قائل: من الذين يستمعون إلينا إذا كان العلم كمالًا، واشتاقت النفوس إليه، وأراد كلُّ أحد أن يضرب بسهمه فيه، حين يعلم بما وصفت حاله قبل من الرجس وسوء القصد، فبأي وسيلة يمكن أن نكشف عنها هذا الرجس مع قضاء حق الكون من اختلاف الآيات والأعمال؟ وكيف نستطيع أن نجعل العلماء صانعين سواء كنَّا مدبري أمرَ الأمة أم بالأقل أمرَ أنفسنا وأبنائنا ومَنْ يهمنا الأمرُ بحالهم من أصفيائنا؟ !
فجوابنا أن طريقة ذلك أن يسعى معلموهم في ثلاثة أمور إن تمت لهم.
الأمر الأول: أن يقذفوا في قلوب الأمة جمعاء الإقناعَ بمبدإ واحد، وهو الشعور بأن تقدم أيِّ صناعة يتوقف على إتقان علم تلك الصناعة، وتنوُّرِ عقل صاحبها. فإتقانُ علمها شيء ثانٍ، وهو أن يمارس قواعدها، سواء كانت ممارسةً مدرسية كلية أم تجريبية جزئية تفيد الاطلاعَ على غوامض تلك المهنة. وتوسيعُ عقل الصانع وتنوره هو المرتبة الأولى، وذلك إعدادٌ من الله. غير أن الناس قادرون أن يسعوا فيه بوجه الجملة، من حيث إن الله أعدَّ كلَّ إنسان بما هو إنسان لتلقِّي الكمال والنقصان بحسب همته. وذلك بالأمرين التاليين، وعن ازدواج هذين تتولد ملكةُ الاختراع في سائر الأشياء.
الأمر الثاني: تعميمُ التعليم بين سائر أفراد الأمة، وجبرُ الناس عليه، لا بإخراج التلميذ من بيته إلى المدرسة كرهًا، ولكن باتفاق الأمة مع كبرائها على أن لا يُعتدَّ بأي رجل لم يكن مستكملًا للتعليم الابتدائي الذي يجب أن يشترك فيه سائرُ الأمة، فيلزّ الأب أو الابن في قرن هذا التكليف متى علم توقف مستقبله على التعليم.
أما تنشيط الكبراء وتعضيدهم للنابغين من أهل النشأة العلمية، فهو الباعثُ الأكبر على المسابقة في حلبة النظر. ولكنه - ويا للأسف - شيء لا ينشأ إلَّا عن معرفة مقدار كدِّ الأفكار. وكفى بلذة العلم منشطًا لأصحابه، وشاغلًا للقلب عن اطراحه دون عناية أمته واغترابه.
стр. 259
الأمر الثالث: أن يصلوا بتعميم التعليم إلى مبادئ العلوم المحتاج إليها، والتعود على النقد والمَيْزِ بقدر حاجة العامة، مع إبقاء مسلك تناجي منه الخطابةُ نفوسَهم، كي لا تنقطع منهم حاجةُ الإقناع في الأمور العامة، وأن ينهَجُوا أسهلَ طريقٍ لإيصالهم إلى غاية ذوق حلاوة العلم في الجملة.
وينجم عن ذلك مصلحتان:
إحداهما: تَمَتُّع الجميع بالعلم، وتيقظ البصائر من سِنَة الوهم والجهل، فيكونوا أهلًا لإدارة أمورهم، وإدراك مصلحة جمهورهم.
وثانيتهما: أن يقدروا العلماء حقَّ قدرهم، ويشعروا بحاجتهم إلى تسليم أمر تربيتهم وإصلاح آدابهم وعلومهم وكتبهم إليهم، مع الانقياد إلى أوامرهم وجعلهم ولاةَ أمرهم ومشورتهم، حتى تكون الأمةُ بوجود العالم الحكيم فيها حكماء، ويكون ما تراه من مصالحهم وفوائدهم سريعَ الانطباع في نفوسهم، فيسهل عليهم مطالبةُ الحكام منهم بتقويم أمورهم.
وبذلك يرقب الحاكمُ الأمةَ ويخشاها، وتأمن من اللهو عن مصالحها باتباع هواها، ويُكشف عن العلماء عذابُ محاولة إصلاحها، واصطياد هداها.
стр. 260
مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود (١)
ترى في كلام فلسفة الصوفية والمتشبهين بهم تردادَ هذه العبارة: عبارة "وحدة الوجود". وأحسب أن أكثر مَنْ يكتبها بقلمه، أو يلوكها بفمه، لا يغوص في حقيقتها إلا عن ثماد، أو يرتمي برواحل فهمه في كل واد. وقد ذاكَرَنِي فيها بعضُ الأعزة، فرأيته محبًّا لبيان حقيقتها، وله شيْمٌ (٢) نحو موقع بريقها، قائلًا إنه تطلب مراجعتَها فلم يُلف مَنْ حققها. ولقد صدق فيما وصف، فإنِّي أيضًا لم أر مَنْ شفَى فيه غليلَ الطالب بما كشف، لذلك كتبت له هذه الورقات، وعسى أن تكون مُسيغةً لأفهام متعطشة وأخرى شَرِقَات.
إن للوجود حقيقةً متقررةً في نفس الأمر، وهي أمرٌ زائد على ماهية الشيء الموجود، إلا أنها لازمٌ بَيِّن لماهية الموجود، فكلُّ شيءٍ موجود فله وجود، ولولا وجودُه لم يكن موجودًا. فالوجود أمر متحقِّقٌ في نفسه؛ لأن ثبوتَ الوجود للماهية الموجودة فرعُ ثبوتِه في نفسه، فالوجود مع كونه ثابتًا للموجودات هو حقيقةٌ مطلقة جامعة لكل شيء، بناءً على أنَّ الشيء لا يُطلق إلا على الموجود. (٣)
стр. 261
فمعنى كونها حقيقةً أنها مفهومٌ كلّي؛ أي كلّي منطقي، ومعنى كونها مطلقةً أنها غيرُ متوقِّفةِ التعقل على تعقُّل حقيقةٍ أخرى، ومعنى كونها جامعةً لكل شيء أن كلَّ شيء (وهو الموجود) تتحقق معه هذه الحقيقة. فالموجود يتوقف تعقُّلُه من حيث إنه موجودٌ على تعقل حقيقة الوجود، والموجود عند وجوده تتحقق ماهيةُ الوجود؛ أي لا يصير الوجود كليًّا طبيعيًّا (١) إلا عند تحقُّق الموجودات التي هي أشخاصُه، كما هو شأنُ وجود الكلِّي الطبيعي؛ بمعنى وجود أشخاصه. وعلى هذا فوجودُ الشيء ليس عينَ الشيء.
ثم إن الوجودَ بمعناه الأصلي - أي مفهومه - لا تفاوتَ فيه؛ لأن حقيقته غيرُ ملاحَظٍ فيها العوارض. فالممكن موجود، والواجب موجود، ولا تفاوتَ بينهما في نفس الوجود بمعنى الثبوت المطلق، وهو الحقيقة الجامعة للأفراد. قال ابن سينا: "إطلاقُ الوجود على الواجب وعلى الممكن بحسب مفهوم واحد مشترك بينهما، وامتياز وجود الواجب بعدم عروضه للماهية ووجود الممكن بعروضه وصف عارض لماهيته"؛ (٢) أي ماهية الوجود.
стр. 262
فبهذا الاعتبار يصحُّ أن نُطلق وحدةَ الوجود على معنى كون ماهية الوجود حقيقة واحدة غير متفاوتة في الماهية، وإنما تتفاوتُ في صدقها على أفرادها. ولذلك قال صاحب "المواقف" في مبحث الوحدة والكثرة: "إن الوحدة تساوق الوجود، فكلُّ موجود له وحدةٌ حتى الكثير". (١) هذا رأيُ الحكماء في الوجود.
أما المتكلِّمون فالذي سلكه الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ أن الوجود من الحقائق الاعتبارية غير الوجودية؛ لأنه لا تحققَ له في الخارج إلا تبعًا لتحقق الموجودات. والأمور الاعتبارية عنده ليست من الأمور الوجودية، بل هي من العدمية. ولذلك قال الأشعري: إن الوجود هو عين الموجود. ومعنى ذلك أن الوجودَ ومعروضَه - وهو الموجود - ليس لهما هويتان متغايرتان تقوم إحداهما بالأخرى، مثل السواد والجسم. بل الماهيةُ إذا كانت فكونُها هو وجودُها، لكنهما متغايران في التعقل؛ بمعنى أن للعقل أن يلاحظ الماهيةَ دون الوجود، وبالعكس، فلا يكون الوجود زائدًا إلا في العقل.
وتفرع عن ذلك أنه قال: إن إطلاق الوجود على واجب الوجود وعلى ممكن الوجود ليس بحسب مفهوم واحد، بل بحسب مفهومين مختلفين، اعتدادًا بالعوارض العارضة للوجود بحسب حالة الموجود. فوجودُ الواجب يفوت وجودَ الممكن بسبب تنزُّه وجودِ الواجب عن قيد اكتناف العدم به مبدأ ونهايةً، ووجودُ بعض الحوادث التي لا آخر لها كالأرواح وأهل الجنة يفوتُ وجود بعض الحوادث التي لها آخر، كموجودات هذا العالم. فعلى هذه الطريقة ليس للوجود وحدة. (٢)
ويشبه أن يكون الخلافُ بين الأشعري والحكماء قريبًا من الخلاف اللفظي؛ لأنه ناشئٌ عن اختلاف الاصطلاح في تفسير الوجودي وفي تفسير الزائد، وليس هذا موضعَ تحقيقه، فنكتفي بالإشارة إليه. على أن هاتين المسألتين مما لا يؤثر في العقيدة، نلتزم فيها اتباعَ الأشعري ﵀، الذي جعلناه قدوتنا في أصول الاعتقاد، وقد خالفه في هاتين المسألتين كثير من أصحابه.
فلما نظر بعضُ الصوفية في كتب الحكماء والكلام، اختاروا طريقةً ثالثة هي مزيج من الطريقتين، وذلك أنهم أثبتوا وحدةَ الوجود؛ أي أخذوا بقول الحكماء في أن الوجود حقيقةٌ متحدة مستقلة عن حقيقة الموجود من حيث إنه موجود؛ أي أن وجود الشيء ليس عينَ ذلك الشيء. فارتقى بعضُهم - عن غلوّ أو عن سوء تحقيق - فجعلوا أو توهموا أن مظاهرَ الوجود غيرُ متمايزة بالعوارض. وحيث كان التمايزُ بالعوارض مُدْرَكًا بالضرورة ولا مندوحةَ لعاقل عن الجزم به، أبَوْا أن يعتبروه لئلَّا
стр. 265
يُفسد تفسير الوجود في نظرهم، فتخيلوا وجودَ غير الواجب عدمًا، وجعلوا الوجودَ منحصرًا في الوجود الواجب.
وكأنهم أحبوا أن يجمعوا بين طريقتَيْ الحكماء والأشعري بما يناسب طريقتَهم في التواضع واحتقار هذا العالم الزائل. ثم اختلفوا في شرح هذا المبدأ، فبعضهم شرحه بأن العبد إذا قرُب إلى الله بصفاء السريرة وزكاء النفس وصالح الأعمال، انْمحى عن نفسه وعن سائر الممكنات، فلا يرى موجودًا إلا الله، وسَمَّوا ذلك المقامَ بمقام الفناء. واستروحوا له بما ورد في الحديث القدسي في الصحيح: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" إلخ، (١) فقالوا: إذا تحقق هذا الكونُ (الذي في قوله: كنت معه)، صار العبدُ لا يشعر بغير وجود الله.
وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ عبد السلام بن مشيش (٢) في صلاته المشهورة
стр. 266
إذ قال: "وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها". ولذلك غلا بعضُ الصوفية أو غلى (١) فقال: أنا الله، جلَّ الله عما يقول وعلا. وبعضُهم شرح وحدةَ الوجود بأن وجودَ الممكن وجودٌ مجازي وما هو بوجود؛ لأنه وجودٌ غير ذاتِيٍّ للممكن، ولكنه مُفَاضٌ عليه من واجب الوجود تعالى، فكأنه لا وجود. قال الشيخ محيي الدين ابن عربي في الباب السادس من الفتوحات في تقسيم المعلومات:
"ومعلوم ثان، وهو الحقيقة الكلية التي هي للحق وللعالم، لا تتصف بالوجود ولا بالعدم (أي لأنه ليس موجودًا كاملًا ولا هو معدوم أصلًا)، ولا بالحدوث ولا بالقدم، هي في القديم إذا وُصِفَ بها قديمةٌ، وفى المحدث إذا وُصِفَ بها مُحْدَثة. لا تُعْلمُ المعلوماتُ قدِيمُها وحديثُها حتى تُعلمَ هذه الحقيقة، ولا توجد
стр. 267
هذه الحقيقةُ حتى توجد الأشياءُ الموصوفة بها، فإن وُجِد شيءٌ عن غير عدم متقدِّم كوجود الحق وصفاته قيلَ فيها موجود قديم لاتصافَ الحق بها، وإن وُجد شيءٌ عَن عدم كوجود ما سوى الله - وهو المحدث الموجود بغيره - قيل فيها محدثة. وهى في كل موجود بحقيقتها، فإنها لا تقبل التجزِّي، فما فيها كلٌّ ولا بعضٌ ولا يُتوَصَّلُ إلى معرفتها مجردةً عن الصورة بدليل ولا ببرهان. فمن هذه الحقيقة وُجِد العالَمُ بوساطة الحق تعالى، وليست بموجودة فيكون الحق قد أوجدنا من موجود قديم فيثبت لنا القدم. وكذلك لِتَعْلَمْ أيضًا أن هذه الحقيقة لا تتصف بالتقدم على العالم ولا العالم بالتأخر عنها، ولكنها أصلُ الموجودات عمومًا، وهى أصل الجوهر وفلك الحياة والحق المخلوق به وغير ذلك، وهى الفلك المحيط المعقول. فإن قلت إنَّها العالَم صدقت، أو إنَّها ليست العالَم صدقت، أو إنَّها الحق أو ليست الحق صدقت، تقبل هذا كله وتتعدد بتعدد أشخاص العالم، وتتنزه بتنزه الحق". (١)
وقال في الباب السابع والسبعين والمائة: "فلا وجودَ حقيقيّ لا يقبل التبديلَ إلا الله تعالى، [فما في الوجود المحقق إلا الله]، وأما ما سواه فهو الوجودُ الخيالي. . . فكل ما سوى الحق خيال حائل، وظل زائل". (٢)
стр. 268
وبعضُهم شرحها بسلوك مسلك الحلول، فزعم أن الله تعالى لَمَّا كان منزهًا عن الاستقرار في المكان، فهو حالٌّ في جميع الموجودات. ونقلوا عن بعض الحكماء أنه قال: "ذات الله وجوده المشترك بين جميع الموجودات، ويمتاز عن غيره بقيد سلبي وهو عدم عروضه للغير، فإن وجود الممكنات مقارِنٌ لِمَاهية مغايرة له". وإن كان عضد الدين في "المواقف" يقول عقب هذا: " [وهذا بطلانه ظاهر] ولم يتحقق عندي هذا النقل عنهم [أي عن الحكماء]، بل صرّح الفارابي وابنُ سينا بخلافه؛ فإنهما قالا: الوجودُ المشترك - وهو الكونُ في الأعيان - زائدٌ على ماهية الله تعالى بالضرورة، وإنما هو مقارِنٌ لوجود خاص". (١)
وعلى هذه الأنحاء كانت تأويلاتُهم لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]؛ فتأول كلُّ فريقٍ صيغةَ الحصر فيها بما يناسب فهمَه. وأنت لا يعسر عليك تصورُه وتقريرُه على حسب كل مذهب، وحسبُك بهذا البيان، فليس وراءه مطلب.
стр. 269
ابن سينا والحكمة المشرقية (١)
[تمهيد]:
تهبُّ الصَّبا بليلة من جانب الشاطئ الشرقي، وتميل بأفنان البساتين فتجعل صيفَ المرسى (٢) ربيعًا، وتجلو من أحاسن محاسنها منظرًا بديعًا. وكما تميل بالأفنان، كذلك تميل بما للنفوس من الفنون، فإذا كلُّ حزبٍ بما لديهم فَرِحون:
стр. 270
فَمَفْتُونٌ بِآيَاتِ المَثَانِي ... وَمفتون بِرَنَّاتِ المثاني (١)
وأنا مولَعٌ بورقةٍ تُحرَّر، أو كتابٍ يُطالع فيه رأيٌ أصيل، أو أدبٌ جزيل. ولا بدع أن تهز الصبا أريَحِيَّتِي صيفًا، كما كانت تهزّ في الشتاء رياحُ أبي عقيل. (٢) وقد
стр. 271
كنت من قديم مُغرَمًا بمؤلفات الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا أن تجمع قولًا فصلًا، ورأيًا عدلًا ومنطقًا، لا هراء ولا هزلا.
فلما مالت بِيَ المطالعةُ إلى جانب قماطير الحكمة، اجتذبتُ منها كتابًا كان ظهر في المطبوعات منذ عام ١٣٢٨ هـ معنونًا باسم "منطق المشْرقِيِّين"، منسوبًا إلى الشيخ ابن سينا، مما نشرتْه المكتبةُ السلفية لصاحبيها الفاضلين محبّ الدين الخطيب وعبد الفتاح الفتلان. وله مقدمة تستغرق ثمانية وثلاثين صفحة، فيها ترجمةُ الشيخ منقولةً عن أهم المصادر.
وذلك عملٌ يُشكر عليه صاحباه، شُكْرَ مَنْ عمل عملًا برَّ به أباه. لكن هذه المقدمة لم يكن فيها نصيبٌ من التعريف بالكتاب المعنْوَن، ولا بتصحيح نسبته إلى الشيخ، ولا التعريف بالأصل الذي نُقِل عنه والمكتبة التي تحويه. ولعل المُطالِعَ يشتهي أن يعرفَ هذا الكتاب وصحةَ نسبته إلى أبي علي، ثم هو يتوق إلى العلم بماذا يعني الشيخ حين يصف الحكمةَ بالمشرقية، وحين يصف بعضَ الحكماء بالمشرقيين. وقد احتار في ذلك الباحثون من قديم، ولم يأْوَوْا بالْحَرَّان (١) إلى ظلٍّ بارد ولا كريم (٢).
стр. 272
أصل الحكمة اليونانية المنقولة إلى العربية:
للحكمة التي اشتغل بها فلاسفةُ الإسلام طريقتان: إحداهما طريقةُ أفلاطون وأُستاذَيه، (١) وهي مشهورة بحكمة الإشراق (بكسر الهمزة). والأخرى طريقةُ أرسططاليس وأتباعه، وهي المشهورة بالحكمة المشّائيّة (بفتح الميم وتشديد الشين). وقد نشأت الطريقتان عن ترجمة كتب إمامَيهما وترك ما عداها.
والحكمتان تتّحِدان في كثير من الأصول وخاصة في الطبيعيات والرياضيات، وتختلفان فيما عدا ذلك؛ أي في العلم الكلِّي الذي يبحث عن الصفات العامة العارضة لجميع الموجودات، والعلم الإلهي وهو الذي يبحث عن المجرّدات، وواجب الوجود وصفاته، وأهل السفارة عنه، ومصير النفوس بعد الموت، فها هنا تختلف الحكمتان اختلافًا بينا. فالحكمةُ الإشراقية طريقُها المكاشفةُ وانقداحُ الحقائق في النفس، وأما ما يُذكر معها من الأدلة فإنما هو للإقناع. والحكمةُ المشّائيّة سبيلُها البحث والقياس العقلي أو الاستقرائي، مع رفضهم الحكمةَ الذوقية. (٢)
ووجهُ تسمية الأولى بـ "الإشراقيّة" أنها تعتمد على إشراق العقل بالارتياض والتجرّد عن الرذائل، فبكثرة الإشراق تكثر الأنوارُ الانكشافية وتتولّد الحقائق الصادقة ومناسباتها. قال السُّهروردي (٣) في حكمة الإشراق: "الإشراقيون لا ينتظم أمرُهم
стр. 273
دون سوانح نورية، [فإن من هذه القواعد ما تبتنى على هذه الأنوار]، حتى إن وقع لهم شكٌّ يزول عنهم بالنفس المنخلعة عن البدن". (١) ووجهُ تسمية طريقة أرسططاليس بـ "المشّائيّة"، قيل لأن إمامها لا يعتمد إلا على الأدلة العقلية دون الأذواق والانكشافات الروحية، فهو يمشي مع البرهان، فلذلك قيل له: "المشّاء". وقيل: لأنه كان يُعلِّم تلاميذَه وهو يمشي وهم معه، وهذا هو الصحيح في وجه التسمية.
ولم يزل فلاسفةُ الإسلام يَحْسَبون بونًا بين الحكمتين، ولكن لبعض المحققين منهم ميلًا إلى التوفيق بين الطريقتين في كثير من المسائل، كما فعل أبو نصر الفارابي (٢) في الكتاب الذي أسماه "الجمع بين رأيَي الحكيمَين الفاضلين"؛ يعني أفلاطون وأرسططاليس.
طريقة الشيخ ابن سيناء في الحكمة:
كان الشيخ ابنُ سينا قد نشأ نشأته الفلسفية على طريقة الحكماء المشّائين، وكان قد ألزم نفسَه العكوفَ عليها في رَيعان شبابه، وكان يُعجب بأرسططاليس الملقب بالمعلم الأول. وقد نقل في آخر منطق "كتاب الشفاء" كلامًا لأرسططاليس قال فيه ما ترجمته: "إنا ما روينا عمن تقدمنا في الأقيسة إلا ضوابطَ غير مفصّلة، وأما تفصيلُها وإفرادُ كلِّ قياس بشروطه وضروبه، وتمييزُ المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام، فهو أمرٌ قد كدَدْنا فيه أنفسنا وأسْهَرْنا فيه أعينَنا حتى استقام على هذا الأمر، فإن وقع لأحدٍ ممن يأتي بعدنا فيه زيادةٌ أو إصلاحٌ فَلْيُصْلِحْهُ، أو خلل فليسدَّه". فذيّله الشيخ بقوله:
стр. 274
"انظروا معاشرَ المتعلمين، هل أتى بعده أحد زاد عليه، أو أظهر فيه قصورًا، أو أخذ عليه مأخذًا، مع طول المدة وبُعد العهد؟ بل كان ما ذكره هو التامّ الكامل، والميزان الصحيح، والحق الصريح". ثم قال في شأن أفلاطون: "أما أفلاطن الإلهي فإن كانت بضاعته من الحكمة ما وصلنا من كتبه وكلامه، فلقد كانت بضاعتُه من العلم مزجاة". (١)
والسببُ الذي أشار إليه الشيخ بكلامه هذا هو الذي دفع معظم فلاسفة الإسلام إلى الإقبال على الحكمة المشّائيّة لوفرة مادتها وكثرة مصنفات إمامها؛ لأن تصانيف أفلاطون كانت قليلة وقصيرة، مثل كتابه المسمى "طيماوس"، وكتابه المسمى "بوليطيا" وهما في الإلهيات. وقد كان مأثورًا عن أفلاطون أنه كان يصون الفلسفة عن التدوين كيلا يتناولها مَنْ ليس أهلًا للتخلّق بها. ثم إن الشيخ أبا علي لَمَّا اكتهل شبابُه، وجذم نابُه، وفاض بالحكمة وِطابُه، بدت له وجوهٌ من النقد للحكمة المشّائيّة، فكان يعزو أغلاطَها للذين دؤنوا كلامَ أرسططاليس وينزّه إمامَهم، ولا سيما في العلم الإلهي.
فمن ذلك قولُه في كتاب الإشارات: "إن قومًا من المتصدِّرين يقع عندهم أن الجوهر العاقل إذا عقل صورةً عقلية صار هُوَ هِيَ". (٢) قال نصير الدين الطوسي في شرحه: "قصد إبطالَ مذهبٍ فاسد كان مشهورًا عند المشائين بعد المعلم الأول". (٣)
стр. 275
وقال الشيخ في موضع آخر من الإشارات (١): "وكان لهم رجلٌ يعرف بفرفوريوس، (٢) عمل في العقل والمعقولات كتابًا بنى المشّاؤون عليه. وهو حَشَف كله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم لا يفهمونه، ولا فرفوريوس نفسه". (٣)
ثم ارتقى الشيخُ فاقتبس من حكمة الإشراق أهمَّ مسائل الإلهيات، ورجَّحها في ذلك على حكمة المشائين، ولقّب حكمةَ الإشراق بالحكمة المتعالية. (٤) وضمّ إليها ما هو من فيوضات عقله ومنتجات أقيسته وآثار حَدْسه وكشفه، فاجتمعت له من مدرسة الحكمتين طريقةٌ جديدة في الحكمة خاصة به، وشارف بذلك أن تكون له حكمة جديدة.
وقد نحا في صنعه هذا منحى حكماء الإسلام في الطب والكيمياء والفلك والجغرافيا، وهي الطريقةُ التي تُدعى طريقةَ التصحيح والتفريع، وأحسب أن الشيخ أولُ من نَحَا هذا المنحى في الفلسفة. بيد أن الطريقة التي توخّاها إنما يظهر مفعولُها نافعًا في خصوص علم ما وراء الطبيعة، وهو الكلي والإلهي؛ إذ قد يُجدي الذوقُ والإشراقُ في هذا العلم، ولا يظهر لها نفعٌ في العلوم التي أدلتها البراهين. ومَنْ شاء أن يظهر له هذا جليًّا فليطلبه من مباحث الأجرام السماوية وحركاتها من "كتاب الإشارات". (٥)
стр. 276
الحكمة المشرقية:
تحيّر الباحثون في ماذا يُراد بالحكمة المشرقية، فإن الشيخ يذكر في كتبه طائفة "المشرقيين"، حتى ظنت ظنونٌ أن الحكمة المشرقية هي عينُ حكمة الإشراق. وقد تعرض الذين ترجموا حياة الشيخ في جريدة أسماء كتبه أنه ألّف كتابًا سماه "الحكمة المشرقية"، وألّف "نقض الحكمة المشرقية" (١)، وكتابًا سماه "الإنصاف" بين المشرقيين والمغربيين، (٢) كلُّ هذه من الكتب الثابتة النسبة إلى الشيخ، ذكرها تلميذه أبو عبيد الجوزجاني (٣) الذي كان أشدَّ الناس ملازمةً للشيخ، ونقلها عنه مترجموه.
فأما كتاب "الحكمة المشرقية" فقالوا إنه لم يتمّه، وأما "نقض الحكمة المشرقية" فلا يُعرف، وأما كتاب "الإنصاف" فانتهبه عساكرُ السلطان مسعود (٤) في اليوم التالي الذي وصل فيه السلطان إلى أصفهان في جملة ما انتهبوه من رحل الشيخ ابن سينا، فلم يوقف له على أثر بعد. (٥)
стр. 277
ونحن هيأنا لك فيما قدّمناه مفتحًا تتعرف منه كيف تولّدت الحكمةُ المشرقية للشيخ ابن سينا. فالحكمة المشرقية طريقةٌ من الحكمة تغايرها الحكمةُ المغربية، فليست هي حكمة الإشراق؛ لأن تلك تقابلها الحكمةُ المشائية. والحكمة المشرقية لا تعتزي إلى اليونان؛ لأن الشيخ قال في مقدمة الكتاب - الذي هو موضوع بحثنا والذي سنتحدث عنه أخيرًا - ما نصُّه: "ثم قابلنا جميع ذلك بالنّمَط الذي يسميه اليونان المنطق، ولا يبعد أن يكون له عند المشرقيين اسم غيره"، (١) ولأن الشيخ قد ألف كتابًا سَمّاه "الإنصاف بين المشرقيين والمغربيين". (٢)
فعلمنا من جميع ذلك أنه يعني بالمغربيين اليونان، وأنه يعني بالمشرقيين غيرَهم، وعلمنا أيضًا أن المشرقيين قومٌ يسكنون شرقَ بلاد اليونان، فعلمنا إذن أنه لا يريد بالحكمة المشرقية الحكمة المصريّة القديمة التي هي من أمهات الحكمة اليونانية، إذ تعلّم فيها سائرُ الحكماء من طاليس إلى أفلاطون؛ لأن الحكمة المصرية القديمة تلاشت.
ولا يعني الحكمة المصرية الحديثة، وهي الإسكندرانية المنسوبة إلى البطالسة؛ لأنها شعبةٌ من الحكمة اليونانية. ولا يريد حكمةَ أهل سيرينييك - أي بَرْقَة القديمة (٣) -
стр. 278
التي تعلّم فيها أفلاطون وأرستيبوس، (١) ولا حكمة بلاد إيطاليا التي تعلم فيها فيثاغورس؛ (٢) لأن هذه الأقطار غربٌ لبلاد اليونان.
فلم يبقَ إلا أن يكون المشرقيُّون إما الهنود وإما الفرس؛ لأن هاتين الأمتين كانتا أمتي حكمة. فالشيخ لا يريد الهنود؛ لأن حكمة الهند لم يترجم منها إلا قليلٌ في التربية الرّمزية، مثل "كليلة ودمنة"، وجمل منقولة في معنى بلاغة الكلام. (٣)
أما الفرس فقد كانت لهم حكمةٌ واسعة، وظهر منهم أساطين فيها من عهد معلِّم الحكمة الأول عندهم وهو كيومرث، (٤) ثم انتقلت بتوالِي الأزمنة إلى زرادشت وتلميذَيه جاماسب وفرشاوشير وإلى بزرجمهر. (٥) غير أن الحكمةَ الفارسية لم تصل إلى عصر الشيخ منتظمةً مدونة، ولم يبق للفرس بعد انقراض ملكهم من آثار حضارتهم العلمية إلا بقيةُ كتب الدين، مثل "كتاب الزند" لزرادشت الذي هو كتاب ديانة المجوس، وهم فئة قليلة حينئذٍ ببلاد الفرس. قال قطب الدين الشيرازي
стр. 279
في "شرح حكمة الإشراق": "وقد أتلفت حكمتَهم - يعني الفرس - حوادثُ الدهر، وأعظمُها زوال الملك عنهم، وإحراق الإسكندر الأكبر من كتبهم وحكمتهم". (١)
فليست الحكمةُ المشرقية - فيما أرى - سوى ما فاض به عقلُ الشيخ من المعارف والأذواق التي مَحّص بها كلتا الحكمتين الإشراقية والمشائية، وأخذ من خلاصتها مصححاتٍ قيّمة كما قدمناه لك، وأضاف إليها ما بلغ إليه من تراث الحكمة الفارسية أصولًا قليلة مما تناقلته الأفاضلُ بطريق التلقين. وإذ كانت لم تصل إليه الحكمةُ الفارسية متناسقةً اضطُر إلى تخيّلها وترسّمها بما أمكنه، ثم مزج ذلك ببعض ما لأهل التصوف الإسلامي من الأذواق والكشوفات، مما شهد بصحته العقلُ السليم. وخوَّلَه ذلك أن فنّ التصوف أثر مشرقي رُكِّب على قواعد الزهد الإسلامية، ثم رصّعها الشيخُ ببراهينه وبلاغة تعبيره. ويشهد لذلك أنه عدَل في كتاب "الإشارات" عن بعض المصطلحات الفلسفية، وعوّضها بالمصطلحات الصوفيّة، مثل التعبير عن الحكيم بالعارف. (٢)
ومزج الشيخُ بين حكمة الإشراق والحكمة الفارسية، فركّب منهما الحكمةَ المشرقية؛ إذ كانت حكمةُ الإشراق أقربَ إلى الحكمة الفارسية من الحكمة المشائية. قال الشيرازي في "شرح حكمة الإشراق": "وكان اعتمادُ الفارسيين في الحكمة على الذوق والكشف، وكذا قدماء اليونان، خلا أرسطو وشيعته، فإن اعتمادهم على
стр. 280
البحث والبرهان". (١) وقال في ذكر عِلم الفُرس: "وهو بعينه ذوق فضلاء اليونان، وهاتان الأمتان متوافقتان في الأصل". (٢)
وأحسب أن مسائلَ النمط التاسع والنمط العاشر من كتاب "الإشارات" (٣) هو ما يعنيه الشيخ ابن سينا بالحكمة المشرقية، فإن كتاب "الإشارات" هو آخرُ ما ألّفه الشيخ، كما صرّح به الصَّفَدي في "الوافِي في الوفيات". (٤) وقد وجدتُ من كلام الحكيم أبي بكر ابن الطفيل الأندلسي (٥) موافقًا لي على هذا الحسبان؛ فإنه قال في صدر رسالة "حي بن يقظان": "سألتَ أيها الأخ. . . أن أبثّ إليك ما أمكننِي [بثُّه] من أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ [الرئيس] أبو علي ابن سينا. . . إلخ". (٦) ثم ذكر كلامًا لأبي بكر بن باجة (٧) في طريق تحصيل العلم، (٨) ثم قال عقِبه:
стр. 281
"وهذه الرتبة التي أشار إليها أبو بكر يُنْتَهَى إليها بطريق العلم النظري والبحث الفكري، ولا شك أنه بلغها ولم يتخطَّها. وأما الرتبة التي أشرنا إليها نحن أولًا فهي غيرُها، وإن كانت إياها، بمعنى (١) أنه لا ينكشف فيها أمرٌ على خلاف ما انكشف في هذه، وإنما تغايرها بزيادة الوضوح ومشاهدتها بأمر لا نسميه قوةً إلا على المجاز، إذ لا نجد في الألفاظ الجمهورية ولا في الاصطلاحات الخاصة أسماءً تدل على الشيء الذي يُشاهَدُ به ذلك النوعُ من المشاهدة". (٢)
ثم ذكر كلام الشيخ في "الإشارات" في أحوال العارفين، (٣) ثم قال: "فهذه الأحوال التي وصفها إنما أراد بها أن تكون له ذوقًا لا على سبيل الإدراك النظري المستخرَج بالمقاييس وتقديم المقدمات [وإنتاج النتائج] ". (٤)
وقال الشيرازي في ديباجة "شرح حكمة الإشراق": "ليس كلُّ العلوم تحصل بالقيل والقال، بل منها ما لا يحصل إلا بتلطيف السِّر والحدس من الأحوال، وعلى هذا نبه الشيخ الرئيس [بلغه الله منتهى مقامات الأبرار بحق المْصطَفَيْن الأخيار] في مواضع من "الإشارات" [وكذا في الشفاء والنجاة] بقوله: "تلطّف من نفسك" وبقوله: "فاحدس من هذا" وأمثالهما". (٥) فهذان الحكيمان يوجهان في بيان حكمة ابن سينا إلى كتاب "الإشارات".
خفتت الحكمةُ المشرقية بخمود تلك النفس المشعة - نفس الشيخ أبي علي ﵀. حتى جاء الشهابُ السهروردي، فترسَّم طُولَها، (٦) وبنى على أسسها، ودل
стр. 282
على امتزاجها بحكمة الإشراق في مواضع من كتابه المسمى "حكمة الإشراق" فقال: "وعلى هذا (أي على سلوك طريقة الرّمز) تبتنِي قاعدةُ الشرق في النور والظلمة التي كانت طريقةَ حكماء الفرس، وهي ليست قاعدةَ كَفَرة المجوس وإلحاد مانِي، (١) وما يفضي إلى الشرك بالله تعالى". (٢)
وسَمَّى حكماءَ الفرس بحكماء الشرق، فقال في مقالة التناسخ: "وهي (أي الصيصية) (٣) أولُ منزل للنور الأسفهبذ (٤) على رأي حكماء الشرق". (٥) وعنى بحكماء الشرق حكماءَ الفرس، لقوله في موضع آخر: "وبهما تتم الخلافتان الصغرى والكبرى؛ (٦) فلذلك أُمِر الفرسُ بالتوجه إليها فيما مضى من الزمان". (٧) وقال أيضًا: "والأضواء المينوية (أي الروحانية) ينابيع الْخُرَّة والرأي التي أخبر عنها زرادُشت، ووقع خِلْسة للملك الصِّدَّيق كيخسرو المبارك فشاهدها، وحكماء الفرس متفقون على هذا، وهي الأنوار التي أشار إليها أنبادقليس (٨) وغيره". (٩)
стр. 283
ولمَّا ذكر السهرورديُّ الشمسَ وفضلَها على الكواكب، قال الشيرازي في شرحه: "ولهذه الفضائل والكمالات ذهب أربابُ المكاشفات العقلية وأصحابُ المباحثات الشرقية من حكماء الشرق إلى وجوب تعظيمه". (١) وهو يعني حكماء الفرس؛ لأنهم عبدوا الشمسَ بعنوان كونها ربَّ النور، وتُسمَّى بهذا الاعتبار رخش.
وقال الشيرازي في موضع آخر: "إن المصنِّف (يعني السهروردي) قد أحيا كَلِمَهم ومذاهبَهم (أي الفُرس) في هذا الكتاب، وقد أتلفَت حكمتَهم حوادثُ الدهر وأعظمُها زوالُ الملك عنهم. والمصنِّف لما ظفر بأطراف منها ورآها موافقة للأمور الكشفية الشهودية، استحسنها وكملها". (٢) وقد يعني السهروردي بالمشرقيين جميعَ حكماء الشرق من فرس وبابليِّين وهنود، وقد وقفتُ له على هذا الإطلاق في قوله: "فكذا الغاسق مشتاق إلى النور، قال يوذاسف (٣) ومن قبله من المشرقيين: إن باب الأبواب لحياة جميع الصياصي العنصرية الصيصية الإنسية". (٤)
فبان لنا أن السهروردي اقتبس طريقةَ الحكمة المشرقية من الشيخ ابن سينا، وأن طريقته تمتاز عن طريقة الشيخ بالتصريح ببعض قواعد رياضة النفس عند المشارقة، وبإيداع الكلمات الفهلوية (٥) في قواعد الحكمة، كما سَمَّى النور الفعّال في
стр. 284
الأرض والمعادن باسم إسفندارمذ، وسَمَّى النفس الناطقة إسفَهبد، وسَمَّى جبريل روانبخش، وسَمَّى الشمس خُرَّة، وسَمَّى الشمس في بعض المواضع رخش. (١)
ولنصير الدين الطوسي في "شرح الإشارات" وللقطب الشيرازي في "شرح حكمة الإشراق" تكملاتٌ لحقائق من الحكمة المشرقية، ولعلّنا نتعرض في مقال آخر إلى ما أودعه المشايخ الأربعة من الحكمة المشرقية البحتة في مطاوي حكمة الإشراق. (٢)
فها أنذا قد أريتك نموذجًا من الحكمة المشرقية، وأشهدتك مبناها ومرادَ مَنْ توخّاها من بين رامزٍ وصريح. وعساك تتفطّن للسبب الذي لأجله لم يستقر منها ما كتبه الشيخ ولا عرف له طريقٌ خاص تمتاز به، وأنها نشأت ملفّقة مخلوطة، ثم انقرضت غير مدروسة ولا مخطوطة. ولقد حُقِّق لديك أن الشيخ الرئيس هو الذي أدخل على الحكمة طريقةً مُحْدَثة لم تكن معهودة، فصار عملُه مبدأ طورٍ جديد في تاريخ الحكمة الإسلامية كانت تكون أوسعَ لولا أن عاجلته المنية، فكنا نراها طريقةً ثالثة مخطوطة مسلوكة، ولا يقتصر مقدارُ ما وصلَنا منها على مقدار ألوكة. (٣)
الكتاب المعنون "منطق المشرقيين ":
إنني لأعجب من تسمية الكتاب الذي حَدّثتك عنه في أول المقال باسم "منطق المشرقيين"، على حين لا أُلفي هذا الاسم من بين ما يُنسب إلى الشيخ من التصانيف. ثم يرتقي بِيَ العجبُ من إضافة منطق إلى المشرقيين، على حين نجد الشيخ ومتابعيه مصرِّحين بأن الحكمة المشرقية وليدةُ الكشف والذوق، وليس
стр. 285
المنطق إلا أساس الحكمة البحثية، وهو من وضْع إمام تلك الحكمة أرسططاليس. فمن أجل ذلك أيقنتُ أن هذه التسميةَ تسميةٌ مُلصَقة وباطلة. (١)
أما الذي أراه في شأن هذا الكتاب، فهو أنه قطعةٌ من كتاب "ما يوصل إلى علم الحق" - أحد تصانيف الشيخ المعدود في جريدة تآليفه؛ (٢) لأنا نجد في ديباجة هذا الكتاب أنه ألّفه "فيما اختلف فيه أهلُ البحث"، وأنه لم يلتفت فيه "لِفْت عصبيةٍ، أو هوى، أو عادة، أو إِلف". (٣) وقدّمه بمقدمات من المنطق رعيًا لعادتهم في افتتاح كتب الحكمة، ولأنه قصد أيضًا تحريرَ مسائل المنطق.
قال في ديباجته: "نريد أن نوردَ فيه العلمَ الآلِيَّ، والعلم الكلِّي، والعلم الإلهي، والعلمَ الطبيعي الأصلي"، وذكر أنه ألّفه بعد كتاب "الشفاء" وفي مدة اشتغاله بتأليف كتاب "لواحق الشفاء"، إذ قال في ديباجته: "وأما العامةُ مِنْ مزاولِي هذا