"وهذه الرتبة التي أشار إليها أبو بكر يُنْتَهَى إليها بطريق العلم النظري والبحث الفكري، ولا شك أنه بلغها ولم يتخطَّها. وأما الرتبة التي أشرنا إليها نحن أولًا فهي غيرُها، وإن كانت إياها، بمعنى (١) أنه لا ينكشف فيها أمرٌ على خلاف ما انكشف في هذه، وإنما تغايرها بزيادة الوضوح ومشاهدتها بأمر لا نسميه قوةً إلا على المجاز، إذ لا نجد في الألفاظ الجمهورية ولا في الاصطلاحات الخاصة أسماءً تدل على الشيء الذي يُشاهَدُ به ذلك النوعُ من المشاهدة". (٢)
ثم ذكر كلام الشيخ في "الإشارات" في أحوال العارفين، (٣) ثم قال: "فهذه الأحوال التي وصفها إنما أراد بها أن تكون له ذوقًا لا على سبيل الإدراك النظري المستخرَج بالمقاييس وتقديم المقدمات [وإنتاج النتائج] ". (٤)
وقال الشيرازي في ديباجة "شرح حكمة الإشراق": "ليس كلُّ العلوم تحصل بالقيل والقال، بل منها ما لا يحصل إلا بتلطيف السِّر والحدس من الأحوال، وعلى هذا نبه الشيخ الرئيس [بلغه الله منتهى مقامات الأبرار بحق المْصطَفَيْن الأخيار] في مواضع من "الإشارات" [وكذا في الشفاء والنجاة] بقوله: "تلطّف من نفسك" وبقوله: "فاحدس من هذا" وأمثالهما". (٥) فهذان الحكيمان يوجهان في بيان حكمة ابن سينا إلى كتاب "الإشارات".
خفتت الحكمةُ المشرقية بخمود تلك النفس المشعة - نفس الشيخ أبي علي ﵀. حتى جاء الشهابُ السهروردي، فترسَّم طُولَها، (٦) وبنى على أسسها، ودل
стр. 282
على امتزاجها بحكمة الإشراق في مواضع من كتابه المسمى "حكمة الإشراق" فقال: "وعلى هذا (أي على سلوك طريقة الرّمز) تبتنِي قاعدةُ الشرق في النور والظلمة التي كانت طريقةَ حكماء الفرس، وهي ليست قاعدةَ كَفَرة المجوس وإلحاد مانِي، (١) وما يفضي إلى الشرك بالله تعالى". (٢)
وسَمَّى حكماءَ الفرس بحكماء الشرق، فقال في مقالة التناسخ: "وهي (أي الصيصية) (٣) أولُ منزل للنور الأسفهبذ (٤) على رأي حكماء الشرق". (٥) وعنى بحكماء الشرق حكماءَ الفرس، لقوله في موضع آخر: "وبهما تتم الخلافتان الصغرى والكبرى؛ (٦) فلذلك أُمِر الفرسُ بالتوجه إليها فيما مضى من الزمان". (٧) وقال أيضًا: "والأضواء المينوية (أي الروحانية) ينابيع الْخُرَّة والرأي التي أخبر عنها زرادُشت، ووقع خِلْسة للملك الصِّدَّيق كيخسرو المبارك فشاهدها، وحكماء الفرس متفقون على هذا، وهي الأنوار التي أشار إليها أنبادقليس (٨) وغيره". (٩)
стр. 283
ولمَّا ذكر السهرورديُّ الشمسَ وفضلَها على الكواكب، قال الشيرازي في شرحه: "ولهذه الفضائل والكمالات ذهب أربابُ المكاشفات العقلية وأصحابُ المباحثات الشرقية من حكماء الشرق إلى وجوب تعظيمه". (١) وهو يعني حكماء الفرس؛ لأنهم عبدوا الشمسَ بعنوان كونها ربَّ النور، وتُسمَّى بهذا الاعتبار رخش.
وقال الشيرازي في موضع آخر: "إن المصنِّف (يعني السهروردي) قد أحيا كَلِمَهم ومذاهبَهم (أي الفُرس) في هذا الكتاب، وقد أتلفَت حكمتَهم حوادثُ الدهر وأعظمُها زوالُ الملك عنهم. والمصنِّف لما ظفر بأطراف منها ورآها موافقة للأمور الكشفية الشهودية، استحسنها وكملها". (٢) وقد يعني السهروردي بالمشرقيين جميعَ حكماء الشرق من فرس وبابليِّين وهنود، وقد وقفتُ له على هذا الإطلاق في قوله: "فكذا الغاسق مشتاق إلى النور، قال يوذاسف (٣) ومن قبله من المشرقيين: إن باب الأبواب لحياة جميع الصياصي العنصرية الصيصية الإنسية". (٤)
فبان لنا أن السهروردي اقتبس طريقةَ الحكمة المشرقية من الشيخ ابن سينا، وأن طريقته تمتاز عن طريقة الشيخ بالتصريح ببعض قواعد رياضة النفس عند المشارقة، وبإيداع الكلمات الفهلوية (٥) في قواعد الحكمة، كما سَمَّى النور الفعّال في
стр. 284
الأرض والمعادن باسم إسفندارمذ، وسَمَّى النفس الناطقة إسفَهبد، وسَمَّى جبريل روانبخش، وسَمَّى الشمس خُرَّة، وسَمَّى الشمس في بعض المواضع رخش. (١)
ولنصير الدين الطوسي في "شرح الإشارات" وللقطب الشيرازي في "شرح حكمة الإشراق" تكملاتٌ لحقائق من الحكمة المشرقية، ولعلّنا نتعرض في مقال آخر إلى ما أودعه المشايخ الأربعة من الحكمة المشرقية البحتة في مطاوي حكمة الإشراق. (٢)
فها أنذا قد أريتك نموذجًا من الحكمة المشرقية، وأشهدتك مبناها ومرادَ مَنْ توخّاها من بين رامزٍ وصريح. وعساك تتفطّن للسبب الذي لأجله لم يستقر منها ما كتبه الشيخ ولا عرف له طريقٌ خاص تمتاز به، وأنها نشأت ملفّقة مخلوطة، ثم انقرضت غير مدروسة ولا مخطوطة. ولقد حُقِّق لديك أن الشيخ الرئيس هو الذي أدخل على الحكمة طريقةً مُحْدَثة لم تكن معهودة، فصار عملُه مبدأ طورٍ جديد في تاريخ الحكمة الإسلامية كانت تكون أوسعَ لولا أن عاجلته المنية، فكنا نراها طريقةً ثالثة مخطوطة مسلوكة، ولا يقتصر مقدارُ ما وصلَنا منها على مقدار ألوكة. (٣)
الكتاب المعنون "منطق المشرقيين ":
إنني لأعجب من تسمية الكتاب الذي حَدّثتك عنه في أول المقال باسم "منطق المشرقيين"، على حين لا أُلفي هذا الاسم من بين ما يُنسب إلى الشيخ من التصانيف. ثم يرتقي بِيَ العجبُ من إضافة منطق إلى المشرقيين، على حين نجد الشيخ ومتابعيه مصرِّحين بأن الحكمة المشرقية وليدةُ الكشف والذوق، وليس
стр. 285
المنطق إلا أساس الحكمة البحثية، وهو من وضْع إمام تلك الحكمة أرسططاليس. فمن أجل ذلك أيقنتُ أن هذه التسميةَ تسميةٌ مُلصَقة وباطلة. (١)
أما الذي أراه في شأن هذا الكتاب، فهو أنه قطعةٌ من كتاب "ما يوصل إلى علم الحق" - أحد تصانيف الشيخ المعدود في جريدة تآليفه؛ (٢) لأنا نجد في ديباجة هذا الكتاب أنه ألّفه "فيما اختلف فيه أهلُ البحث"، وأنه لم يلتفت فيه "لِفْت عصبيةٍ، أو هوى، أو عادة، أو إِلف". (٣) وقدّمه بمقدمات من المنطق رعيًا لعادتهم في افتتاح كتب الحكمة، ولأنه قصد أيضًا تحريرَ مسائل المنطق.
قال في ديباجته: "نريد أن نوردَ فيه العلمَ الآلِيَّ، والعلم الكلِّي، والعلم الإلهي، والعلمَ الطبيعي الأصلي"، وذكر أنه ألّفه بعد كتاب "الشفاء" وفي مدة اشتغاله بتأليف كتاب "لواحق الشفاء"، إذ قال في ديباجته: "وأما العامةُ مِنْ مزاولِي هذا
стр. 286
الشأن، فقد أعطيناهم في كتاب الشفاء ما هو كثيرٌ لهم وفوقَ حاجتهم، وسنعطيهم في اللواحق ما يصلح لهم زيادةً على ما أخذوه". (١)
والمقدارُ المنشور بالطبع من هذا الكتاب هو قطعةٌ من علم المنطق، فيها مباحثُ الدّلالات، والمفرد والمركب، والتعريفات، والقضايا، والتناقض، وانتهت في أواخر مباحث التناقض انتهاءً يدل على أنه غير متعمَّد. (٢)
فالظاهر أن الكتاب أُصيب بخرم أو تفريق فتلِف آخرُه. وما احتوى عليه هذا المقدار من مسائل المنطق لا يختلف عما تتضمنه متوسطاتُ كتب المنطق، ويُلاحظ أن طريقته تختلف اختلافًا ما عن طريقة المنطقيين بتميّز هذا الكتاب:
أولًا: بمحاولة نقض بعض المصطلحات المشائية في المنطق بما هو أوضح، وإن كان لا يخالف المعنى.
وثانيًا: بمخالفة ترتيبه الترتيب المعتاد، ومثال ذلك أن ما يسميه المناطقة "شروطًا" يجعله الشيخ في هذا الكتاب امتحانًا للقواعد على نحو طريقةِ علم الحساب في امتحان العمليات.
وثالثًا: بأنه خالف في تعقّل الحقائق المنطقية طريقة المنطقيين فيما ظهر له أنهم قصّروا فيه، مثال ذلك أن المنطقيين إذا تكلّموا عن الكليات الخمسة التي لا يخلو
стр. 287
عن تعقّل بعضها كلُّ تعقُّلٍ لحقيقة شيء من الأشياء (وهي الجنس، والفصل، والنوع، والخاصة، والعَرَض) فإنهم يتكلمون عليها بما يفيد تعقُّلُها من حيث هي صالِحةٌ للوقوع في الأقوال الشارحة للحقائق (أي المعرِّفات)؛ لأن معرفة الحقائق هي أساس الفلسفة. فلذلك كانوا يقسِّمون الكليَّ باعتبار صلاحيةِ وقوعه في جواب سؤال سائل (أي متطلّب لشرح حقيقةٍ ما)، فيقولون مثلًا: "الجنس هو المقول في جواب ما هو على كثيرين مختلفين الحقيقة". (١)
ونجد الشيخَ سلك في هذا الكتاب إلى تقرير مبحث الكلّيّات من نهج آخر، وهو نهج تعقلها بأوصافها الثابتة لها من حيث هي هي، بقطع النظر عن صلوحيتها للوقوع في الأقوال الشارحة؛ أعني بوصف كونها مواهيَ وحقائقَ متعَقَّلةً في نفسها، سواء وقعت في القول الشارح أم لم تقع. فلذلك قسّمها في هذا الكتاب باعتبار كونها مقوِّمةً لحقيقة ما وغير مقومة، أو باعتبار كونها ملازمةً لحقيقةٍ ما وغير ملازمة. (٢)
والطريقتان متآيِلتان، (٣) والشيخُ لم يعلل وجهَ مخالفته الطريقةَ المشهورة. وأنا أظن أنه قصد من ذلك أن العلمَ بالكليات الخمسة هو في ذاته علمٌ بحقائق كثيرة الجدوى على الحكيم؛ فإن منها المقولات، وهي الأجناس العالية للموجودات.
ووجهُ العلم بالكليات في الطريقتين إنما هو بالرسم؛ أعني تعريفَ الماهية بلوازمها، فإن كونَ الكليِّ واقعًا في الجواب أو كونه مقوّمًا وغيرَ مقوم، أو لازمًا
стр. 288
وغير لازم، كل ذلك من التعريف باللازم. إلا أن تعقل الكلِّي من حيث إنه مقوم وغيره، أو لازم وغيره، أقرب إلى ذاتية الكلي من تعقله من حيث إنه واقع في جواب.
فهذا نموذجٌ من تدقيقات الشيخ في تمحيص أساليب الحكمة. ولا شك أنه ما تفرغ إلى محاولة تهذيب الأساليب إلا بعد أن مَرِس بالحكمة مِراسًا، وحُقّ له أن يلقّب فيها شيخًا ورأسًا.
стр. 289
الإنسان على الأرض (١)
جرى بين التلاميذ في خلال زمان قريب كلامٌ في تقدير عمر نوح ﵇ فحدا بقلم بعض العلماء المحققين (٢) إلى تبيان الحق، ذلك البحث الذي نشرته مجلة "السعادة العظمى" في عددها الرابع، ولقد أجاد في دفعه وأقنع.
ولكن أرى بقيةَ تبيانٍ لهذه المسألة وتعضيدًا للكاتب الأول (٣) بالتحقيق النظري، والسنة الطبيعية، عادلًا عن توجيه إمكانه بفلتات الطبيعة؛ فإن الطبيعة إذا
стр. 290
فلتت في عام أو عامين أو قرن أو قرنين، لا تذهب في فلتتها إلى حدّ ألف (١) سنة، ثم إن الآية تقتضي أنه لبث في قومه تلك المدة، والقوم هم هم بحسب ما يعرف من بقاء قوم الرجل معه، وأنهم الذين استأصلهم الله بالطوفان، كما داموا على كفرهم والسخرية بشرعة ربهم. ومن المحال أن تكون هاته كلُّها فلتاتٍ من الطبيعة، ونشر هاته المسائل بعد طيِّها هو الذي قضى علينا أن لا نتركها تلوح وما تلوح، وتناجي بسرها وما تبوح. ستكون خطة بحثنا هنا في التحقيق:
١ - هل منح الإنسان بمائة وعشرين سنة من العمر موهبة طبيعية أم جعلية؟
٢ - وهل هي هبة قديمة تقارن نشأته أم طارئة على ذلك بحدثان؟
يُثبِتُ علمُ الجيولوجيا - وإن اختلفت آراء أصحابه في طرق الإثبات - أن الأرض التي نحن عليها قد مرَّت عليها تقلباتٌ مهولة معجبة في أحقاب طويلة جرَّأَ طولها العلامة هتون (٢) الجيولجي البركاني الشهير أن يقول: "إني لم أجد في بنية العالم أثرًا للبداية ولا أملًا بالنهاية". (٣) وأثبت أن الأرض ما كانت في ابتداء نشأتها
стр. 291
في الزمن الأول من الأزمان الكبرى التي تبدلت فيها أطوارها كما هي اليوم، ولا كانت في الزمن الثالث الذي خلقت فيه الحيوانات والإنسان كما كانت أولًا، (١) ولا تكون غدًا كما تكون اليوم، بل هي كأبنائها يَعْتَورُها طفولةٌ وشباب، وفتوةٌ وهرم.
والذي أنبأهم بذلك ما وجدوا في البحث عن أعضاء الحيوان من جثث كائنات عضوية لا تعرف في كائنات العصر الذي دون فيه تاريخ العلوم، والذي ابتدأ البشر فيه كتابة مشاهداتهم، لا نقول قبل أن يكتب أرسطو كتاب نعت الحيوان، بل قبل أن ينقش سكان وادي النيل على مسلاتهم ونواويسهم صورَ حيواناتهم المعروفة، وقبل أن يرسمها مصورو قرطاجنة على الفسيفساء. (٢)
ما أشبه الليلة بالبارحة! لم يزل التاريخ يعضد بعضه بعضًا، قد أثبت العلماء اليوم أن الكركدن (٣) قد أخذ ينقطع تناسلُه منذ مدة، ولا يلبث معنا على الأرض
стр. 292
غيرَ زمن قليل حتى يبارحنا ملتحقًا بإخوانه من أصناف الحيوان التي أخنَى عليها مرُّ الزمان. فإذا كان [هناك] اليوم مَنْ يتنافس في قرنه يضع الإناء المنحوت منه في مواضع التباهي والفخر، فما نحن ببعيد أن نصير نتنافس في اقتناء عظامه من طبقات الأرض ومصارع الهلاك؛ لنضعها بالمشاهد العمومية والمكاتب الزوولوجية، (١) تعليمًا لِخَلفنا، وتصديقًا لسلفنا.
هذه الأطوارُ التي لحقت كرتنا، فصرعت أصنافًا من الحيوان شديدة القوى، ورمتها رميَ الملتقف أيدي الزيال والنوي، (٢) ما نالت من الإنسان ما نالت من غيره، كأن حيلة البشر قد أنجته من حيث لا يجد حيلة، وكأن هذا الضعف الذي كان قرينه - وإن أضرَّ به عند ملاقاة الضواري - فقد نفعه يوم تركه يتعظ بمصارعها، ويربع في مراتعها، كما ينفع اللينُ الصوفةَ حين تدقها المطارق، وأضرَّها حين ترمي بها الرياح فجاج المخارق، لكنها نالت منه شيئًا واحدًا، هو عدم نسبي، وهو الأخذ من العدم؛ فقد كان البشر في أول العالم يبلغ بعيشه إلى ألف من السنين، دام على ذلك يبسط لها يدًا ثم ينْفَضُّ عنها، وما يبعد أحدًا، حتى رمى الله هذا العالَمَ بالطوفان الكبير في آخر حياة نوح ﵇.
فذلك كان الطورَ الرابع للأرض: أنهك من قواها ما أنهك، وأبرد من حرارتها ما أبرد، يومئذٍ كتب الله على البشر - كما تقول التوراة - أن لا يعيش أكثر من مائة وعشرين سنة، ولكن التوراة أثبتت أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومَنْ عاصرهما من ذوي الأسماء التاريخية قد جاوزوا بآجالهم هذا العمر المكتوب على
стр. 293
البشر، ودام ذلك إلى زمن موسى. (١)
وفي الحقيقة ما كان الطوفان إلا حائلًا للبشر دون العيش المديد، ولكنه ترك بقية تزيد على المائة والعشرين، وإن كانت هي الغاية المقصودة غبًّا (٢) على ما تذكر التوراة. ولكن الوصول إلى الغايات في ناموس الكون الذي سَنَّه الله تعالى، لا يكون إلَّا على درج التدلي هبوطًا والارتقاء صعودًا: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٢].
ولقد أفضى ضعفُ الأرض بالإنسان إلى أن صيَّر عيشَه إلى الأجل الموهوب له بعد النجاة من أهوال الطوفان شيئًا نادرًا هو المعدود من فلتات الطبيعة، وما عيش مائة وعشرين سنة اليوم ومائة وثلاثين إلَّا شيءٌ واحدٌ في الوقوع من الندرة والتعجب الموقع المتطرف. (٣) وقد يعد كثيرٌ من العلماء العمر الطبيعي اليوم مائة سنة فقط، وهو المعضود بالتجربة التي هي آخر ملجأ نريد أن نثوب إليه في تحقيق العمر الطبيعي في كل عصر. قد رأيت أن المائة والعشرين من السنين ما كانت إلا موهبة طبيعية باعتبار زمن معلوم ومبتدأ طور أخير من أطوار الأرض، هو خاتمة الأطوار المزعجة، والانتقالات المهولة.
وأما انتقالها بعد ذلك في مراتب الضعف ومتابعة كل من عليها لها في هذا الانتقال فشيء تدريجي خفي، كما ينتقل الرجل كل يوم إلى وهدة من وهدات السقوط بعد اكتهال، أو انتقال اليافع إلى ربوة من النهوض قبل الفتوة. واستقراء أحوال عيش الأمم في كل عصر هو معدل العمر الطبيعي فيه.
стр. 294
لا شك أن وراءنا من أخبار العالم أعجب مما رأينا، وقد قال تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨]. وكتابٌ آنسنا صدقه في غير موضع، وآمنّا به في كل عظيم، وبعد أن رأيناه والزمان ينصره في كل آونة، ويصدِّق وعد الله تعالى الذي وعد بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]، ما كان ينبغي لنا أن نسرع إلى منابذته لنعق ناعق، أو نخنع فيه إلى سوق سائق، بل نجعله الشهيد وإن تمالأت على غيره الخلائق، وسنجد من معونة الله تعالى وَعِدتِه ما يصوّب أعمالنا إن كنا شبح اليوم أو هامة غد، والله يفتح بصائر المؤمنين إلى مقدرة قدر أمور أدركها منكروها، وعُذِر فيها بعد الخبرة واشوها.
стр. 295
عمر الإنسان: ماذا أردت ؟ (١)
كتبتُ في مجلة "السعادة [العظمى] " في عددها السادس شذرةً في عمر الإنسان تحت عنوان "الإنسان على الأرض"، (٢) جعلتها تعضيدًا لِمَنْ كتب في عددها الرابع كلمة "عمر الإنسان الطبيعي". (٣)
ولكن اتحدت الوجهة واختلف الطريق، فإني عدلت عن اعتبار الفلتات الطبيعية في عمر الإنسان؛ لأني رأيته جوابًا على تسليم الأصل الذي بني عليه الشاكون شكهم، وإنما أردت البحث في مستند الأصل الذي أصَّلوه أن عمر الإنسان لا يتجاوز المائة والعشرين سنة. من أجل ذلك بحثت في المسألة بحثًا فلسفيًّا ترديديًّا، ليرى المبصرون أنْ لا دليلَ من العقل يجعل هذا الحد طبيعيًّا للبشر، وأنْ ليس المرجع في هاته التحديدات إلَّا لاستقراء غالب عيش الأمم في كل عصر.
وإذا كان ما حددوه عمرًا للإنسان منذ كتب البشر التاريخ - ونشهد أنه قد انحطَّ في عصرنا هذا عن ذلك الحد - فلا بِدْعَ أن يكون قبل ذلك أطول، لا سيما وقد أثبت العلم يقينًا باختلاف أطوارٍ مرت على الأرض، وأنها كأبنائها يعتورها طفولةٌ وشبابٌ وهرم، ذلك كله بَيَّنَّاه فيما كتبنا أولًا مع بسط وترديد.
ومما زاد بني عدولًا عن اعتبار الفلتة أنَّ الأطباء الذين إليهم المرجعُ في هذا التحديد يَرَوْن أنه لا يمكن أن يتعدى الإنسانُ ما حُدَّ له من العمر، بل يتحلل إن بلغه تحللًا، وما بالطبع لا يتخلف ولا يختلف.
стр. 296
ولا ينقص من شجاعتنا على هدم هذا الأصل، أن يصادقَ عليه الشيخُ ابن خلدون والفخرُ ابن الخطيب رحمهما الله، (١) فإنا لا نعلم الأول إلا فيلسوفًا تاريخيًّا، ولا الثاني إلَّا رجلًا عالِمًا له سعةُ اطلاع على كلام الحكماء لم يخوِّله مرتبةَ الحكم اليقيني أو يكسبه صوتًا معهم. وما كان واحدٌ منهما بالفيلسوف الطبيعي، وإنما ذكرا ذلك الكلام في كتابيهما كما تُذكر الأصولُ الموضوعة في كتب العلوم. (٢)
ثم أضفتُ إلى ذلك أدلةً ما تصل إلى إيثار اليقين، ولكنها لا تقصر بعد اجتماعها عن أن تُكْسِبَ الحقَّ قوة.
١ - منها أن الأصل في الفلتات القلة. والفلتة وإن لم يضعوا لها حدًّا تقف عنده، إلَّا أنَّ اسمها وحده كافٍ في اعتبار قدرتها كمًّا وكيفًا، ولو كثرت لانقلبت عادة؛ إذ ليس أصلها من الأحكام العقلية التي لا يخرج الشاذُّ منها عن شذوذه ما بلغت به الكثرة. وظاهر القرآن والتاريخ يقتضي أن نوحًا ﵇ عاش هذا الزمن وقومُه هم هم، وأنهم الذين عاقبهم الله تعالى بالطوفان. ومن الآيات التي تقتضي طبيعةُ سوقها ذلك قولُه تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
стр. 297
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٢٠].
وأما احتمالُ أن المعاقبين خلفُهم، فشيءٌ بعيد عن سنة الله في الخلق. وإذا كان طول عمر نوح معجزة، فمن الضروري أن يقارِنَها القومُ المُتحدَّوْن بها ليشهدوا بآيات ربهم. ومن الأمثال التعجبية: "الآباء يأكلون الْحِصْرَم، والأبناء يضرسون". (١).
٢ - ومنها أن الطوفان قد أبرد حرارة الأرض وأنهك قواها، وذلك لنجعل مناسبة لاقترانه بقِصر عمر البشر؛ تصحيحًا للتاريخ العتيق بالإمكان، كما تقتضي مداراتُ هذا الزمان. ولا شكَّ أنه إن أفقد شيئًا عظيمًا من حرارة الأرض - وحُقَّ له أن يفعل ذلك؛ فإنه ما كان واديًا فائضًا أو مطرًا وابلًا، ولكنه غمر ماء يعم الأرضَ كلَّها إلى قمم أشهق جبالها، فماذا ترى مثل هذا الفعل؟ - فقد أعدمها شيئًا ما كان ليرجع إليها من بَعْد.
وإذا كان الطوفانُ قد أتى على جانب عظيم من الأرض، فلا بِدْعَ إنْ هو أنهك بعضَ قواها، وأبردَ من حرارتها جزءًا عظيمًا تسري أدواؤه إلى كلها، كما يُصاب الجسمُ الواحد في بعض مواضعه فيألَم كلُّه، إذا صح عدمُ عموم الطوفان. وربما وجدنا الأممَ التي لم يصلها على هذا التقدير أطولَ أعمارًا من الأمم التي يسمونها طوفانية. (٢)
стр. 298
ومن العجائب التي تنافي ما ينتحله الشيخُ ابن خلدون من الفلسفة، (١) أن تسمعه يسند طولَ عمر نوح إلى قِرانات كوكبية غريبة، (٢) ناسيًا أن الكواكبَ التي اقترنت ما طلعت على نوح وحده، بل على العالم كله، فمن الواجب أن يعيش كلُّ البشر الموجود يومئذ كما عاش نوح حذوَ النعل بالنعل؛ فلا معجزةَ ولا خصيصة. وتأثيرُ الكواكب في بعض الأشخاص دون بعض من تدجيلاتِ الكهان، التي ما كان ينبغي أن تأخذ مكانًا من عقل الشيخ ابن خلدون حتى يشوه بها كتابه، ويموه صوابه.
ثم ماذا يصنع في أعمار غير نوح من الأنبياء وغيرهم الذين ذكرتهم التوراة (العهد القديم) وهي الملجأ في التاريخ العتيق (المقدس)؟ أنا لا أرى هذا التحديد المنسوب للحكماء إلَّا شيئًا سرى لهم من قولها في سفر التكوين (ص ٣٦): "فقال الرب لا يدين روحي لي الإنسان إلى الأبد لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة". (٣)
стр. 299
وربما لوَّحْنا فيما كتبنا أولًا إلى الانزواء عن الحكم فيه، بعد ما رأينا من ذكرها أعمارًا أخرى من الطوفان أطولَ من الأجل المكتوب، نعم، قد كان نوحٌ أطولَ ذوي الأسماء التاريخية عمرًا حسب ما يُؤخذ من الأعمار المسرودة في التوراة. (١) ولكن ذلك لا يوجب له خاصية، ولا يقتضي قرانًا أو طالعًا أو جوًّا خاصًّا، إنما هي اتفاقية لازمة في كل ما يقال عليه بالتشكيك، فكل أفراد تشككت في شيء مهما بلغت كثرتها فإن نسبة أقصر أفرادها إلى الذي يليه كنسبة أدناها إلى الذي فوقه، وتجد نسبة أطول رجل في العالم للذي يليه كنسبة آخر قصير لأقصر رجل. وما ذلك لقرانات أو معجزات، وإلَّا لكان لكل صنف قران خاص، وجو خاص - إن شئت - وطبع خاص، ولعل هذا يشوش الطبيعة ويكثر حركة الكون.
هذا هو المراد من المنع، ووجهُ العدول عن التسليم لأصلهم، حتى نخنع إلى الاعتراف بالفلتة، والله أعلم بصحة ما نقول. (٢)
стр. 300
أصول التقدم والمدنية في الإسلام (١)
[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم، وإياه نستعين،
والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين،
أيها السمراء الكرام،
إن الغرضَ من مسامرتنا هاته الليلةَ إجابةُ مقترَحِ صديقنا السيد رئيس هاته الجمعية (٢) من البحث عن أصول التقدم والمدنية في الإسلام وما ينتزع المسلم منها دليلًا ليهتدي به إلى مناحي الخير والسعادة، وهو - كما تعلمون - مرام متعاصٍ عن الارتياض للمتهجِّم عليه، من حيث إن الباحثَ عن علاقة دينٍ بالمدنية لا محيصَ له عن النظر في أطوار الأمة المنتحلة إياه، وتاريخ نهوضها وسقوطها، وميزان الحال التي تكون فيها زمانَ ظهور ذلك الدين.
стр. 301
وهذا الطريق مهما كان وعرًا فإنه في تاريخ الإسلام أوعر وأجهد للباحث؛ إذ قد سبق لمؤرِّخينا من إهمال العناية باستنتاج الغايات من أسبابها وإهمال التعليل - لا سيما في نشأة الدين - ما ينوء بهمة المريد للفلسفة العمرانية، خصوصًا في مثل هذا الموضوع العلي. اللهم إلا متى كان ذا قريحة وقادة ترمي بسهمها الأفلج شارد الحقيقة فتصيب شاكلتها، وتضيء بنورها الأبلج مهامه الأوهام فتنيرها.
ولا أكتمكم أني لست عند هاته الأوصاف، وإن حسنت ظنونُكم فِيَّ حين الاقتراح. بيد أني لا أعدم عزيمةً ومصابرة يلين أمامهما بعضُ ما قد كان شديدًا، فلذا رأيت أن أجعل عمدتَنا في هذا الموضوع روحَ الإسلام وحقيقتَه من الكتاب والسنة، مع الاستعانة في ذلك بآراء المحققين من أهل عصرنا وقواعد الأئمة من سلفنا، وأسمح منكم أن تصفحوا عما عساكم أن تروه من تقصير.
أرى أولَ شيء يفتح لنا بابَ الحديث هو النظر فيما هو المقصد الذي يسعى إليه الإسلام؛ لأن الباحث عن حقيقة شيء مضطرٌّ للبحث عن مقاصده وآثاره ليرى هل كانت الآثارُ جاريةً على خطة المقصد، ولأنه لا يمكننا استقصاءُ البحث في جميع ما نشأ عن الإسلام من فروع المدنية وتشخيص مبلغ المسلمين فيها الذي أهلهم إليه دينُهم. بل نكل ذلك إلى تاريخ الحضارة الإسلامية لنراهم كيف كانوا لا يخطون إلى شيء إلا بعد الإذن فيه من دينهم، وكيف خطوا خطًى واسعة من التقدم والمدنية قد أصبح الكثيرُ من الناس يعد معشارها اليوم زندقة ومروقًا من الدين. فعقدة بحثنا الليلة في أسس الارتقاء البشري أين أقامها دين الإسلام، وثمرتنا من هذا شيئان: أولهما فلسفة عمرانية لهذا الدين المبين، وثانيتهما تشخيص حقائقه لمن قد يذهل عنها.
ما هو الإسلام ؟
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. تتنزل هذه الآيةُ المباركة منزلةَ التعريف لهذا الدين، فمن الواجب أن نلم بخلاصة معناها،
стр. 302
ونعلم كيف كان هذا الدين دين الفطرة. سمى الله هذا الدين بالفطرة، والفطرة هي ما فطر - أي خلق - عليه المرء طبيعة غير ناشئة عن معاشرة قوم أو مخالطة عادة، بذلك عرفها الشيخ ابن سينا [إذ قال]: " [ومعنى الفطرة] أن يتوهم الإنسانُ نفسَه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لم يسمع رأيًا، ولم يعتقد مذهبًا، ولم يعاشر أمة، [ولم يعرف سياسة]. لكنه شاهد المحسوسات، [وأخذ منها الخيالات، ] ثم يعرض على ذهنه شيئًا [ويتشكك فيه]، فإن أمكنه الشكُّ فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه [الشكُّ] فهو ما توجبه الفطرة. وليس كلُّ ما توجبه فطرةُ الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرةُ القوة التي تسمى عقلًا قبل أن يعترضه الوهم". (١) أي الفطرة هي الإدراك الطبيعي الذي لم يكن ذوقًا ناشئًا عن ممارسة عقائد أو عوائد.
وصف الله هذا الدينَ بالفطرة بعد أن تعاشر الناسُ واقتبسوا طبائعَ بعضهم، فماذا أراد بذلك؟ أراد - وهو أعلم - الفطرةَ العقلية التي قد يدركها الشخص وهو مأسورٌ للعوائد وغيرها متى أراد الحقَّ والاهتداءَ ونبذ العصبية العمياء. فالإسلام دينُ الفطرة يأمر بما توجبه الفطرة العقلية الصحيحة: يأمر بمكارم الأخلاق والرحمة والعدل والبر والأدب، ويقيم الحجةَ المناسبة للعقل، فهو وسطٌ بين الفلسفة (٢)، وكل ذلك مما تألفه الفطرة وتهش له، ولا ترضى بصدور ضده من غيرها. فاعتبرَ من الفطرة المتقادمة ما أثَّر آدابًا جميلة في البشر، وألغى المنازعَ الفلسفية المحضة؛ لأنها لا تناسب أن تكون مبدءًا للذين لم ترتض أنفسهم للانتفاع بحقائق الأشياء.
стр. 303
بعد أن وصف الله الإسلام بأنه الفطرة التي فطر الناس عليها والتي أعدهم لها لولا أن حالت الموبقات، أخبر أن لا تبديل لخلق الله، فجعلها كرمز للإسلام، وهو أن لا يغير أحدٌ خلق الله، ولا يعدل عن سننه إلى تمحلات وهمية ونزعات من أوضاع الجاهلية، ليقطع تدجيلات قوم استرهبوا الناس بدعوى الخصيصات اللدنية. ثم وصف هذا الدين بأنه الدين القيم الذي لا أَمْتَ فيه ولا اعوجاج ولا انحراف عن الحق، وأن أكثر الناس لا يعلمون صلاحَهم فيصدون عنه مجذوبين بزخارف اعتادوها ورهبانية ابتدعوها وسلطة ألفوها وخافوها (١).
الاعتدال هو متوسط الصفات الفطرية مهما كانت كثرتها، والنزوع إلى طرفي الغلو والتقصير تكلف يحثه الذهابُ في مسارح الخيال اختراعًا أو تقليدًا؛ لأن مخترع الغلوِّ إنما أراد الإغراب في شيء يعتبره الناس حسنًا ليزيدهم من حسنه، وحب الزيادة من طباع النفوس المترفعة. أما التقصير فمن آثار النفوس الضئيلة التي لا تقدر أن توفي حق شيء لشغف بحب شهوتها أو جهل بحقيقة الخير. على هاتين القاعدتين أقيمت صروحُ الفساد في العقائد والأعمال المدنية، وجاء التشكيك بالضرورة في الأخلاق، ثم الانحطاط والمغالطة، لعجز النفس عن مداومة التكلف، كما قال أو الطيب:
وَأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّرًا ... تَكَلُّفُ شَيْءٍ فِي طِبَاعِكِ ضِدُّهُ (٢)
وقد كان في العرب العصبة وحِمى الجار والكرم والشجاعة والبلاغة، ولكنها كلها كانت تستخدم في غير النافع من مواضعها. فجاء الإسلام يعدلها ويرجع بها
стр. 304
إلى أصولها، فأرجع العصبة للاتحاد، والحق للمظلوم، والكرم للمحتاج، والشجاعة في حماية الحق، والبلاغة في التعليم والدعاء للخير. ماذا أَعُدُّ من غلو العرب ومن تعديل الإسلام؟ ولو استُقصي ذلك لكان كتابًا في أخلاقهم وإصلاحها، فما ظنك بما عند غيرهم من معاصريهم؟ ومن يُلم بالتاريخ إلمامة يعلم المراد مما أجملناه.
فجاء الإسلام يجهر بذم هاته المساوئ والغلو فيها، قال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وجاءت في أصول الإسلام كلمةٌ جامعة، وهي عون كبير على تحقيق ما بيناه من قبل وما سنقوله من بعد، ألا وإنها آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ]﴾ [النحل: ٩٠]، استقصت هاته الآية ما يتصل بالتكليف فرضًا ونفلًا، وما يشهد للأخلاق والآداب عمومًا وخصوصًا، وهي التي قامت وقعدت لها حكماء العرب [عندما] نزلت بمكة في صدر الإسلام حين قال مفروق بن عمرو للنبي ﷺ : "إلى ما تدعونا أخا قريش؟ فتلا عليه الآية، فقال: دعوتَ والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك". (١)
стр. 305
أمر الله فيها بالعدل، والعدل في لسان العرب جاء من المعادلة وهي المساواة والمماثلة، وهو هنا التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، من معادلة الميزان (وهي توسط لسانه) إذا استوت كفتاه. فأمر بأنواع العدل كلها في الاعتقاد والأعمال والمعاملات. فالعدل في الاعتقاد هو التوسط بين الوثنية والمادية (١)، وفي الأعمال عدل الحكام، والتيسير في الدين التوسط بين التساهل والتشدد، وفي المعاملات معاملة المرء نفسه بمنعها مما يضر بها من شهواتها وتخويلها ما ينفعها من مرغوباتها، وبينه وبين الخلق ببذل النصيحة بلطف وترك الخيانة والإنصاف من نفسه لهم، وأن يمسك عن أذاهم ولا يدع من يجترئ عليه منهم.
أما الإحسان فهو من أحسن إذا فعل حسنًا، فاحترام الكبار والشفقة على الأطفال والضعفاء والصدقة والعفو كلها من الإحسان، وكذا الشفقة على الحيوان، وفي الحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء". (٢) عطف الله على الإحسان إيتاء ذي القربى وهو إعطاء من له بك قرابة، لينبه على أن أكبر الإحسان وأولاه بالتنصيص إعطاء الأقربين كي لا يظن أحد أن ليس من الإحسان ما يعطي لأقاربه، فيذهب ينفق مالَه على الأبعدين فقط، وربما كان في أقاربه مَنْ هو أحوجُ منهم، وفي إعطاء أقاربه صلةٌ لأرحامهم ومجلبةٌ لحبهم. وذلك من مبادئ الاتحاد، وهو إحسانٌ
стр. 306
عظيم لهم ولنفسه؛ لأن من راحة المرء في حياته استقامةَ وراحة مَنْ تربطه بهم أسبابُ الحياة.
نهى بعد ذلك عن الفحشاء، وهي ما يتجاوز حدَّ الكرامة ويبالغ في السوء؛ لأن الفاحش يوصف به المجاوز للحد في الأمور الذميمة. وأكثر الفحشاء تنشأ عن القوة الشاهية وعن المنكر، وهو ما ينكره المرءُ إن وقع عليه، [وهو] من آثار القوة الغضبية. و [نهى] عن البغي، وهو تجاوزُ الحد في الشيء، من آثار القوة الواهمة، نحو الغلو في العزة والكرم.
لا شك أن المتأمل في هذه الآية ومقتضياتها يوقن أنها جاءت تأمر بالفطرة التي يعترف بها كل أحد ويحبها لنفسه. ويجمع ذلك أحكام التكاليف والمعاملة (١)، ولم يحد عن طريق الفطرة الفاضلة.
وَلِّ وجهك إن نسيت إلى آية: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، كيف تجد الفطرة السليمة تبسم عند سماعها إن لم يله سمعها نزغات المكابرين ووسواس الشياطين وإلف عادة الآباء الأولين.
[التأسيسات الأصلية]
أما وقد تقصينا ما عرض من فلسفة تاريخ ظهور هذا الدين ومقاصده الأولية نحو العالم الإنساني وتوابعهن وهي عارضة لا تعج إلا بعضًا من مرامي الإسلام، فلنرجع إلى البحث في مناسبة تأسيساته الأصلية لمقاصده لنعرف ما مهد الإسلام من عقبات كانت حائلًا دون الرقي النهائي في المدنية العقلية.
стр. 307
[وحدة النوع الإنساني: ]
من أعلى مقاصد الإسلام سوق الناس إلى مبدأ واحد يكون جامعة مقدسة تصغر أمامها كلُّ الجوامع بأن يصير الناس أمة واحدة بجامع الوحدة النظرية، وهو أعلى مقصد فطري يسعى إليه الآن دعاةُ الإسلام وإخوان الإنسانية، فتصد الناسَ عنه أكبالُ العادات وأسر الحضارات. ذلك أن الإسلام جاء داعيًا للفطرة، مبطلًا لكل خلاف. ومن شأن الفطرة والعقل أن لا تختلف في جوهرها، قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، ودعا الناس كلَّهم لدينه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وذكَّر الأممَ بأصل وحدتهم فقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣].
وهذا المقصد ابتدأ يظهر في أوروبا في القرن الحادي عشر والثاني عشر، على أن السعي فيه لم يأت بنتيجة مطلوبة، وأقوى ما ظهر منه سعي الإكليروس لتوحيد الجمعيات الأوروباوية تحت اسم الدين وسن لذلك النظام التيوكراتي - أي حكم الكنيسة السياسي - فكان أبهى مظهر له في عهد البابا قريقوار السابع سنة ١٠٧٣ يوم كان إمبراطور جرمانيا هنري الرابع واقفًا على باب قلعة كنوسا مع ديوانه ثلاثة أيام ينتظرون التوبة ويحاربون بصبرهم البرد والجوع والسهاد على حالة عبر عن مثلها الشاعرُ العربي بقوله:
وَشُعْثٍ يَنْظُرُونَ إِلَى بِلَالٍ ... كَمَا نَظَرَ الْعِطَاشُ حَيَا الْغَمَامِ (١)
стр. 308
لكن حال دون إتمام هذا النظام تنازعُ السلطة وقهر فيليب لوبيل ملك فرنسا وإهانته شخصَ البابا بونيفاس الثامن (١) في أوائل القرن الرابع عشر (١٣٠٢ م).
أما الإسلام فمع قبول دعوته هاته في العرب الذين سلموا من دخائل الحكومات بالتفريق والفساد وحب الأثرة ألقاها إليهم غيرُهم من الأمم بوجه لا يشعرون بغبه إلا بعد نواله؛ لأنه كان إبداءهم بدعوة الدين فيظونه قصارى المطلوب، فما يشعرون إلا وقد صار الدينُ فكرة تآخ واتحاد، ثم أمة، ثم سلطانًا عظيمًا. ثم عزز الإسلامُ دعوتَه هاته بأن الاعتبار بالدين لا بالوطنية، وهذا نظر فلسفي شريف؛ لأنه إذا كان لرابطة المسكن والمولد وآصرة القرابة تأثيرٌ في النفوس وما كانت بتلك الروابط شيئًا، فلأن يكون للدين - وهو اتحاد المبادئ الفكرية- أكبر رابط وأوثق سبب؛ لأنه الجهة التي كان بها الإنسان إنسانا. خطب النبي ﷺ في حجة الوداع: "إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء. . . أنتم بنو آدم وآدم من تراب". (٢)
التوحيد الاعتقادي: هذا أصل الإسلام الأول، وهو الاعتراف بخالق واحد لا يخضع المرء إلا إليه. هدم هذا الأصل هياكل الوثنية التي كانت قتلت النفوس؛ إذ
стр. 309
تخيل للجاهل نفسه محفوفًا بأعداد لا تحصى من الأرواح الخفية كلها أقمر منه وأشرف، وكلها متحفزة لأن تذيقه أليم العذاب إن حاد عن مشيئة سدنتها. وبالضرورة يكون التعدد مانعًا من الإحاطة بقوانين مرغوباتها، إلا ما تمليه في كل آن أفواهُ الكهنة. فبُنيت على ذلك أسسُ الامتياز، وصار المجدُ وراثةً والفضيلة التزامًا تنقل من الأب لابنه. ومن جهة أخرى كانت الوثنية تُجري النفوسَ على المناكر والفساد في الأرض إن نالت على نسبة لروح مقدسة وغنمت محبتها. ومن المعلوم أن ذلك يستدعي بذل الأصفر الرنان واهتضام حقوق الإنسان.
فلما جاء الإسلام يجتث جذورَ الوثنية وأثبت الخالق الواحد، شعر الناسُ بتساويهم، واستخذى الرؤساءُ إذ كُسرت آلاتهم وعُطلت دواليب تدجيلهم. وأصلُ الشعور بالوثنية المحبةُ الغالية التي تستلزم احترامَ المحبوب وتقديسَه، حتى أدخل بلوتارك المؤرخ احترامَ المحبوب في حقيقة الحب (١)، وحتى قال شاعرُ العرب:
أَهَابُكَ إِجْلَالًا وَمَا بِكَ قُدْرَةٌ ... عَلَيَّ وَلَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا (٢)
وقال أبو الطيب:
وَلمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ... فُؤَادًا لإِدْرَاكِ الرُّسُومِ وَلَا لُبَّا
стр. 310
نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً ... لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبَا (١)
فلذا جاء الإسلام بالنهي عن تعظيم غير الله، ونهى النبي ﷺ الناسَ عن القيام إليه، وكان يجهر بكلمة "وأن محمدًا عبده ورسوله". فنشأ عن هاته الأصول التوحيدية عزة النفس وقوة الإرادة وجودة الفكر للشعور بالمساواة.
أما الإسلام - وهو الشريعة الخاتمة - فقد جاء والإنسان على مراهقته لعلياء درج الترقي، ولكن ببطء الصعود يتعثَّر في أوحال بقايا الجهالة وظلمات الشرك، فلم يزل به حتى نشله إلى حيث أعد الله له، وكانت تعاليمُه تنطبق على سائر الأمم. ولذا كانت دعوتُه تخالف ما لقومه مخالفةً واضحة من جهتين: جهة عمومه، وجهة تهيؤ البشر إلى التعاليم العليا، وأوَّلهُما مفَرَّعٌ عن الثاني كما لا يخفى، مع تماثل المبادئ ووحدة الغاية. ولهذا جاء في القرآن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أي أن المعتبر عند الله لرقي الإنسان هو تعاليم الإسلام، ولكن ما سبقه كان تمهيدًا بين يديه ليهيئ له أفهامًا ثقفتها الحوادثُ وأرضتها مراوضةُ الشرائع.
ظهور الإسلام
وُجد الإسلام في عصر أحوج ما يكون من العصور إلى دين عام يزجر العقول الآفنة والنفوس الصغيرة عن عبثها بنظام الكون، ويرأب في الأمم من تفريقها في الأخلاق، وليس يسمح الوقتُ أن نحيط بمجمل تاريخ العالم أيام ظهور دعوة الإسلام حتى نريَ السامعين حاجةَ الناس كافة إلى نبأة تصيخ لها آذانهم وتزلزل بها عروش الظلم والجبروت، فتسقط عنها تماثيل الضغط والاستبداد لتزجهم إلى موقف المحاسبة والمساواة.
стр. 311
دولتا العالم يومئذ - فارس في الشرق والرومان في الغرب - كانتا في حروب متسعِّرة ودماء مهراقة مستبحرة، ناهيك من استعباد الرؤساء واستكانة البؤساء، وتضاؤل المعارف العالية وفقدان الحرية الغالية. فالرومان قد فتَّ في ساعدها الانقسامُ بعد انتقالها من عصر السلطنة الزاهي - عصر أوقوست سنة ٣٠ قبل المسيح - إلى عصر الانحطاط، عصر كومود سنة ١٨٠ م (١) حين سادت الأبهة والفخفخة ثم الانقسام لسلطتي بيزنتا وروما سنة ٣٣٠ م أيام قسطنطين، ثم العجز عن ضبط المملكة حين استبد القواد والعمال بجهاتها، كما كان الانقسام في الدولة العباسية زمان المطيع بن المقتدر آخر القرن الرابع [الهجري]، فتأصلت جذورُ الاستبداد، ونُسيت الحرية والشهامة. وأصبحت السلطنة الغربية مسرحًا يمثل عليه السكسون والبرابرة والفنادلة الناسلون إليها أشنعَ مظاهر الهمجية والفتنة، هجيراهم نهب القصور وهتك الخدور، حيث لا مروءة تمنع ولا دين يزع. وأصبحت السلطنة الشرقية ذلولًا يقتادها قواد الجيش، يتسلمها أقواهم من يد أدناهم، إلى أن أفضت النوبة إلى هراكلوس أو هرقل (٢) والي إفريقيا باختيار الأمة سنة ٦١٠ م.
стр. 312
كذلك كان شأن فارس، تنوزعت فيها السلطة، وخف الناس إلى المجد الباطل، واستهواهم حب الرياسة فالكسل، واستبد العمال بالأطراف وتوثبوا على عروش الأكاسرة بعد كسرى إبرويز أواسط القرن السادس ميلادي، حتى جاء الإسلام والخُلف مشتطٌّ بين بوران والفيروزان على الملك (١).
لو كان قدر أن يظهر دينٌ يومئذ بين هاتين الأمتين لطارت به عواصفُ أهواء المسيطرين وداسته أقدامُ أولئك الجبارين، فكان من الحكمة أن يظهر هذا الدينُ القويم وسط أمة تمسكت بهدب من الفضائل واستبقت صبابة من ماء المروءة ترقرق في إناء شريف من طينة الحرية الطاهرة. تلك هي الأمة العربية، أمة أحاط بها من طبيعة إقليمها واق حفظ عليها سلامة الفطرة، وصان عقول أهلها عن الذهول عن كل سمات المدنية والفضيلة، وإن كانت يد التفرق قد مُدَّت إليهم فمزقت ممالكهم.
فمملكة اليمن أوهتها حروب الحبشة ثم استيلاء فارس عليها، ومملكة العراق العربي (الحيرة) أصبحت مستعمرة فارسية قتلوا ملكها النعمان تحت أرجل الفيلة واستاقوا بنته وحريمه بعد حرب ذي قار، ومملكة الشام - مستقر الغسانيين - أصبحت مستعمرة رومانية. سلمت أواسط جزيرة العرب - وهي الحجاز وما جاورها - من سلطان الملوك، وعزز أهلَها طبيعةُ إقليمهم بناصر ذادَ عنهم الطامعين من فاتحي الأمم مثل الإسكندر وكيروش (٢) الفارسي، ولم يأمن بأسَهم كمبيرا ابن
стр. 313
كيروش حينما سار لمنازلة مصر، حتى عقد معاهدة مع عرب الحجاز ليأمن بطشهم. وكان أشرفهم أرومة وأعلاهم محتدًا قريش سكان مكة، فكان العرب يعترفون لهم بالمجد والفضيلة، قال شاعر بني تميم:
فَأَمَّا النَّاسُ مَا حَاشَا قُرَيْشًا ... فَإِنَّا نَحْنُ أَفْضَلُهُمْ فِعَالَا (١)
فهم أكثر العرب محمدة، وأقلهم ذامًّا، وكان الدين لا بد له من دعاة. فاختار الله إظهاره وسط أمة لم تقعد بها أخلاقها وعاداتها عن الصلوحية لنهوض عظيم، وكان لظهوره فيهم حكمة من وجوه:
أولها: أن اعتزالها عن التزاحم المدني سلمهم من الحفائظ التي تكون بين الأمم المتجاورة فتهز أنوف بعضهم عن تلقي الإصلاح من يد بعض.
ثانيها: أن صورة حكومتهم الشورية المنوطة بشيوخ القبيلة تعدهم لقبول دين عمراني لا تصدهم عنه مشيئة الرؤساء وإباية الملوك.
ثالثها: أنهم لم يكونوا على دين فيه شيء من المعقولية تموه لهم بقيته فتتعاون ظواهره مع إلفه على استبقاء أهله فيه؛ إذ هم لم يعتمدوا على وحي سماوي وإنما كانوا وثنيين. والوثنية دين يفتضح صاحبه بأول حجة، كما افتضح بنو حنيفة حين اتخذوا صنمًا من حلواء، فلما أصابهم عام مجاعة أكلوه، فقال شاعر بني تميم يهجوهم:
أَكَلَتْ حَنِيفَةُ رَبَّهَا ... زَمَنَ التَّقَحُّمِ وَالمَجَاعَهْ
стр. 314
لَمْ يَحْذَرُوا مِنْ رَبِّهِمْ ... سُوءَ الْعَوَاقِبِ وَالتَّبَاعَهْ (١)
رابعها: ليكون ظهور الدين العلمي من نبي أمي بين الأميين أبهرَ دليل على أنه هدى الله، ولذا كانت الأمية (٢) أول معجزات النبوة: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ [وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ] (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨].
стр. 315
واجب المسلمين أن يقتنعوا بهداية الإسلام (١)
إن نعمة الاستقلال التي حظيت بها الأمم الإسلامية جميعًا فخرجت بها من تحكم الأجانب عنها قد زحزحت عنها ستار الانعزال الذي كان مضروبًا بينها، فأصبحت بحاجة إلى تعرف الانتساب والمقارنة بين أحوالها في دعائم الحضارة ونظام الاجتماع الإسلامي، وسبر البون بين بعضها وبعض في تفاريع ذلك، مما لا تخلو عن التفاوت فيه الأشياءُ المتماثلة والمتآخية، فمثل حالهم في ذلك مثل قول أبي الأسود الدؤلي:
فَإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلبَانِهَا (٢)
لِيْستيقِنِ الذين تجمعهم هذه الأخوةُ أن وشائجَ الاتصال بينهم وشائجُ عريقةٌ عميقة، لا يُخشى عليها الذبول، ولا يقتلعها الدخل، وأنَّ حَقًّا على الجميع تغذيتُها لتزدهر، وحظوُها لتزهر، فينتشر شعاعُها، ولا يُخشى انقطاعُها. وليست هذه الجوامعُ بمجرد كلمات تقال، أو عناوين يزين بها الكلام، ولكنها دعائمُ متينة، وطُنُبٌ وثيقة، أُقيمت عليها قبةُ المجد التي أشادتْها يدُ الإسلام، فجعلت من المنضوين تحت لوائه جامعةً متماثلةً أصولُ أحوالها في الفكرة والأخلاق والعوائد والانتهاج.
стр. 316
وإن إلقاء نظرة واسعة على هيئة مجتمع الأمة الإسلامية يبين للناظر تشابُهًا واضحًا بين أهلها في الأخلاق وما يتبعها من العادات والتقاليد العائلية والنظم الاجتماعية. فيتوسم من هذا التشابه أنه من آثار أصل عظيم هو الذي وحَّد بين مختلف الأمم والقبائل في مقومات الحضارة، ويعلم أن عماد ذلك الأصل هو الإسلام الذي جمع متبعيه بتعاليم فكرية وخلقية وقانونية، حتى أصبحت مع تباين أنسابها ومواطنها ولغاتها تسير سيرةً واحدة، ويكاد اتِّحادُها في الأخلاق والنظام ينطق بينها بالمفاهمة، فتكون الأمة الإسلامية في هذه الحالة مثلًا لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
غير أن الناظر إذا قايس بين الخصال التي تحلت بها الأمةُ الإسلامية في قرونها الأولَى وبين ما دب من ذبول وتفكك في قرون بعد تلك القرون الزاهرة كادا أن يأتيَا بالاضمحلال على معظم محاسنها، تَحيَّر لبُّه، وخفق قلبه خشية أن يغيروا من قوامها وجوهرها. فحق على المتأمل البصير أن يفحص أسبابَ تكوين الكمالات ليستعيدها ويستزيدها، وأن يسبر الأدواء فيذودها. (١)
فالواجبُ يدعو إلى أن نبدأ بالنظر في أزهر عصور تخلق المسلمين بأصول الإسلام من زمن النبوة وعصر الخلافة، إذ صار المسلمون أمة مستوفيةً كمالَ الأخلاق والفضائل، مُقَرًّا لهم بِحَقِّ السيادة في العالَم، وأن نقارن بين أحوالهم في تلك العصور السعيدة وبين ما كانوا عليه من قبل. ثم اختلفوا وانحرفوا بما طرأ عليهم من اختلال توازن القوى البشرية الصالحة، وذلك بأسباب عديدة أحدثتها الحوادثُ الملجئة من اختلاف الأنظار، وتباعد الأقطار، وتبلبل الألسن، وضرورة الحاجات. فطوحت بالناس في مناح متنائية، وحادت بهم عن الطريق القويم يومًا
стр. 317
فيومًا، حتى ارتَمَوْا في مهاوٍ وزلوا في مزالق. كما [يدعو إلى أن] (١) نفارق بين حالهم في أوجهم وبين الأحوال التي صار عليها من تدهور التأخر آنًا فآنًا من أوائل القرن العاشر الهجري.
إن الأمم الذين دخلوا في الإسلام تقبلوه بإخلاص، وخالطت بشاشتُه قلوبَهم، وتعلقوا به أيما اعتلاق، فأدركوا ما في أصوله من منافع، وانخلعوا عما كانوا عليه من أفن الاعتقاد ومساوي الأخلاق وسيئ الأعمال، وأقبلوا على مزاولة تعاليم الإسلام بشراشرهم، فلم يلبثوا أن أحسوا بتغير أحوالهم من نقص إلى كمال. وكان ذلك سببًا في اتحاد اتجاههم في نظم المجتمع إلى صوب واحد، وإقامتهم منها نظمًا متناسقة. فبنا أن نحلل تلك الأصول ونفصلها إلى فصول، لنكون على بصيرة بكنهها، ونوحد الجهود نحو حياطتها لنقوم أود مجتمعنا ونقيم صرحه.
مرادُ الله من شريعة الإسلام حفظُ نظام العالم، وضبطُ تصرف الناس فيه بما يصلح أحوالَهم. فالصلاحُ هو مراد الإسلام، كما أومأ إليه قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله ذاكرًا به شريعةَ بعض رسله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
ولمَّا كان المجتمعُ الإنساني كلًّا مركَّبًا من آحاد الناس ومملوءًا بتصرفاتهم ومساعيهم، كان صلاحُه غيرَ حاصلٍ إلا بإصلاح أجزائه، وذلك بإصلاح النفوس التي تنبعث عنها الأعمالُ والتصرفات. ويتعين أن يكون نظامُ إصلاحها متماثلًا في أصوله وغاياته، ليمكن التعاشرُ والتآلفُ بين الأفراد، كي لا يهدم هذا ما بناه الآخر. فإنَّ تشعُّبَ البشر ما حصل إلا من اختلاف العقائد والأهواء، حتى حسب كلُّ فريق منهم أن صلاحَه لا يحصل إلا بإلحاق الضر بالآخر، مع ما يؤكد ذلك فيهم من
стр. 318
تغرير المضلَّلين من زعمائهم لاكتساب طاعتهم ومحبتهم، كلُّ ذلك قد فرَّق جماعاتهم وشقَّهم شُعَبًا، ودبَّ بينهم اللجاجُ والتهارجُ فحال دون الوحدة والتمازج.
كانت معالجةُ الإسلام لإصلاح المجتمع البشري بإرجاعه إلى التقويم الذي فطر الله عليه الناس الداخل في عموم أحسن التقويم المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]. فدعاه بالإسلام إلى ما تقتضيه فطرةُ الإنسان، وهي الخاصية التي تميزه عن بقية الحيوان، وتضعه في الموضع المعيَّن له من خالقه فيما فطره عليه من الكمال النفسي، وباعد بينه وبين الانزلاق عن مقامه إلى حضيض العجماوات.
فلذلك وصف الله الإسلامَ بأنه الفطرة، إذ قال مُخاطبًا رسوله بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فقوله: "حنيفًا" حالٌ من الدين، و"فطرة الله" بدلٌ من "حنيفًا"، فصار مفادُ هذا التركيب أن الدين الحنيف الفطرة الإنسانية. فكان دين الإسلام حقيقًا بأن يستظل البشرُ كلهم بسمائه، وأن ينْضَمُّوا جميعًا تحت (١) لوائه، إذ هو دينُ الفطرة الإنسانية يليق بجميع البشر لولا تعصباتٌ دينية وأحقاد وراثية. فلنقتنع بجعل الإسلام هاديًا لنا ولبقية الأمم المتقلدة لدينه، حتى يرى جميع البشر آياته في الآفاق وفي أنفسهم، مبينين لهم أنه الحق كما وعد الله سبحانه.
ولَمَّا كان في الفطرة الإنسانية ما يدفع الإنسانَ إلى تطلب ضرورياته وحاجاته، وما يُرغِّبه في تطلب التحسينيات مما لا يخلو الطبعُ الإنساني عن تطلبه، كانت تعاليمُ الإسلام ترمى إلى غاية جلب الضروريات والحاجيات والمقبول من التحسينيات للأمة على وجهٍ لا يخرج عن نطاق الفطرة. وذلك في جميع ما جاء به
стр. 319
الإسلام: من الاعتقادات والعبادات والمعاملات والآداب؛ لأن معنى الدين يشمل كلَّ ما جاء به الرسول. فلذلك اختص الدينُ في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ بخصوص العقائد الإسلامية. (١) فعلى المسلمين أن يتدبروا في شأنهم، ويضعوا خططًا وعلامات تبين لهم الطريقَ القويم، وَلَا يَكُونُوا ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].
стр. 320
واجب المسلمين: النصيحة (١)
هذا غرضٌ جليل أرانا معشر المسلمين في غفلة عن مراعاته وتقصير في إبلاغه؛ فإن من أعظم واجبات المسلمين في إقامة نظامهم الإسلامي أن يبثوا النصيحة بينهم على اختلاف طبقاتهم ومناحيهم. فالتناصح بين المسلمين دعامة قوية لإقامة صرح المجد الإسلامي، وأصلٌ عظيم لاطراد صلاح أهله وتمتين أخوتهم ومحافظة استقامتهم.
والمسلمون لما تهاونوا بشأن النصيحة وفرطوا في إقامتها اعتراهم من الوهن المتدرج مع الزمان ما يقدر بقدر التفريط والإهمال فيها. وتنزوي إليه أحوالٌ كثيرة من أحوال التقهقر في تطور العصور والأقطار الإسلامية. فعلى المسلم أن يجيد النظر في مراقبة ذلك ومحاسبة وجدانه على الموازنة بين ما فات المسلمين من إقامة واجب التناصح وبين ما جره ذلك الفوت من ويلات.
وقد اعتنتِ الشريعةُ الشريعة الإسلامية بأمر النصيحة عنايةً أولية من عهود أوائل بثِّ الخصال الإسلامية، ولم تزل تُحرِّض عليه وتنبه إلى أنه عمادُ الإسلام بنص القرآن وصحيح السنة من صدر الإسلام وهلم جرا. قال تعالى في أوائل السور نزولًا: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]، وهي السورة الثالثة عشرة من ترتيب نزول السور على أشهر الأقوال.