← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وإن إلقاء نظرة واسعة على هيئة مجتمع الأمة الإسلامية يبين للناظر تشابُهًا واضحًا بين أهلها في الأخلاق وما يتبعها من العادات والتقاليد العائلية والنظم الاجتماعية. فيتوسم من هذا التشابه أنه من آثار أصل عظيم هو الذي وحَّد بين مختلف الأمم والقبائل في مقومات الحضارة، ويعلم أن عماد ذلك الأصل هو الإسلام الذي جمع متبعيه بتعاليم فكرية وخلقية وقانونية، حتى أصبحت مع تباين أنسابها ومواطنها ولغاتها تسير سيرةً واحدة، ويكاد اتِّحادُها في الأخلاق والنظام ينطق بينها بالمفاهمة، فتكون الأمة الإسلامية في هذه الحالة مثلًا لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. غير أن الناظر إذا قايس بين الخصال التي تحلت بها الأمةُ الإسلامية في قرونها الأولَى وبين ما دب من ذبول وتفكك في قرون بعد تلك القرون الزاهرة كادا أن يأتيَا بالاضمحلال على معظم محاسنها، تَحيَّر لبُّه، وخفق قلبه خشية أن يغيروا من قوامها وجوهرها. فحق على المتأمل البصير أن يفحص أسبابَ تكوين الكمالات ليستعيدها ويستزيدها، وأن يسبر الأدواء فيذودها. (١) فالواجبُ يدعو إلى أن نبدأ بالنظر في أزهر عصور تخلق المسلمين بأصول الإسلام من زمن النبوة وعصر الخلافة، إذ صار المسلمون أمة مستوفيةً كمالَ الأخلاق والفضائل، مُقَرًّا لهم بِحَقِّ السيادة في العالَم، وأن نقارن بين أحوالهم في تلك العصور السعيدة وبين ما كانوا عليه من قبل. ثم اختلفوا وانحرفوا بما طرأ عليهم من اختلال توازن القوى البشرية الصالحة، وذلك بأسباب عديدة أحدثتها الحوادثُ الملجئة من اختلاف الأنظار، وتباعد الأقطار، وتبلبل الألسن، وضرورة الحاجات. فطوحت بالناس في مناح متنائية، وحادت بهم عن الطريق القويم يومًا

стр. 317

فيومًا، حتى ارتَمَوْا في مهاوٍ وزلوا في مزالق. كما [يدعو إلى أن] (١) نفارق بين حالهم في أوجهم وبين الأحوال التي صار عليها من تدهور التأخر آنًا فآنًا من أوائل القرن العاشر الهجري. إن الأمم الذين دخلوا في الإسلام تقبلوه بإخلاص، وخالطت بشاشتُه قلوبَهم، وتعلقوا به أيما اعتلاق، فأدركوا ما في أصوله من منافع، وانخلعوا عما كانوا عليه من أفن الاعتقاد ومساوي الأخلاق وسيئ الأعمال، وأقبلوا على مزاولة تعاليم الإسلام بشراشرهم، فلم يلبثوا أن أحسوا بتغير أحوالهم من نقص إلى كمال. وكان ذلك سببًا في اتحاد اتجاههم في نظم المجتمع إلى صوب واحد، وإقامتهم منها نظمًا متناسقة. فبنا أن نحلل تلك الأصول ونفصلها إلى فصول، لنكون على بصيرة بكنهها، ونوحد الجهود نحو حياطتها لنقوم أود مجتمعنا ونقيم صرحه. مرادُ الله من شريعة الإسلام حفظُ نظام العالم، وضبطُ تصرف الناس فيه بما يصلح أحوالَهم. فالصلاحُ هو مراد الإسلام، كما أومأ إليه قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله ذاكرًا به شريعةَ بعض رسله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. ولمَّا كان المجتمعُ الإنساني كلًّا مركَّبًا من آحاد الناس ومملوءًا بتصرفاتهم ومساعيهم، كان صلاحُه غيرَ حاصلٍ إلا بإصلاح أجزائه، وذلك بإصلاح النفوس التي تنبعث عنها الأعمالُ والتصرفات. ويتعين أن يكون نظامُ إصلاحها متماثلًا في أصوله وغاياته، ليمكن التعاشرُ والتآلفُ بين الأفراد، كي لا يهدم هذا ما بناه الآخر. فإنَّ تشعُّبَ البشر ما حصل إلا من اختلاف العقائد والأهواء، حتى حسب كلُّ فريق منهم أن صلاحَه لا يحصل إلا بإلحاق الضر بالآخر، مع ما يؤكد ذلك فيهم من

стр. 318

تغرير المضلَّلين من زعمائهم لاكتساب طاعتهم ومحبتهم، كلُّ ذلك قد فرَّق جماعاتهم وشقَّهم شُعَبًا، ودبَّ بينهم اللجاجُ والتهارجُ فحال دون الوحدة والتمازج. كانت معالجةُ الإسلام لإصلاح المجتمع البشري بإرجاعه إلى التقويم الذي فطر الله عليه الناس الداخل في عموم أحسن التقويم المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]. فدعاه بالإسلام إلى ما تقتضيه فطرةُ الإنسان، وهي الخاصية التي تميزه عن بقية الحيوان، وتضعه في الموضع المعيَّن له من خالقه فيما فطره عليه من الكمال النفسي، وباعد بينه وبين الانزلاق عن مقامه إلى حضيض العجماوات. فلذلك وصف الله الإسلامَ بأنه الفطرة، إذ قال مُخاطبًا رسوله بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فقوله: "حنيفًا" حالٌ من الدين، و"فطرة الله" بدلٌ من "حنيفًا"، فصار مفادُ هذا التركيب أن الدين الحنيف الفطرة الإنسانية. فكان دين الإسلام حقيقًا بأن يستظل البشرُ كلهم بسمائه، وأن ينْضَمُّوا جميعًا تحت (١) لوائه، إذ هو دينُ الفطرة الإنسانية يليق بجميع البشر لولا تعصباتٌ دينية وأحقاد وراثية. فلنقتنع بجعل الإسلام هاديًا لنا ولبقية الأمم المتقلدة لدينه، حتى يرى جميع البشر آياته في الآفاق وفي أنفسهم، مبينين لهم أنه الحق كما وعد الله سبحانه. ولَمَّا كان في الفطرة الإنسانية ما يدفع الإنسانَ إلى تطلب ضرورياته وحاجاته، وما يُرغِّبه في تطلب التحسينيات مما لا يخلو الطبعُ الإنساني عن تطلبه، كانت تعاليمُ الإسلام ترمى إلى غاية جلب الضروريات والحاجيات والمقبول من التحسينيات للأمة على وجهٍ لا يخرج عن نطاق الفطرة. وذلك في جميع ما جاء به

стр. 319

الإسلام: من الاعتقادات والعبادات والمعاملات والآداب؛ لأن معنى الدين يشمل كلَّ ما جاء به الرسول. فلذلك اختص الدينُ في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ بخصوص العقائد الإسلامية. (١) فعلى المسلمين أن يتدبروا في شأنهم، ويضعوا خططًا وعلامات تبين لهم الطريقَ القويم، وَلَا يَكُونُوا ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].

стр. 320

واجب المسلمين: النصيحة (١) هذا غرضٌ جليل أرانا معشر المسلمين في غفلة عن مراعاته وتقصير في إبلاغه؛ فإن من أعظم واجبات المسلمين في إقامة نظامهم الإسلامي أن يبثوا النصيحة بينهم على اختلاف طبقاتهم ومناحيهم. فالتناصح بين المسلمين دعامة قوية لإقامة صرح المجد الإسلامي، وأصلٌ عظيم لاطراد صلاح أهله وتمتين أخوتهم ومحافظة استقامتهم. والمسلمون لما تهاونوا بشأن النصيحة وفرطوا في إقامتها اعتراهم من الوهن المتدرج مع الزمان ما يقدر بقدر التفريط والإهمال فيها. وتنزوي إليه أحوالٌ كثيرة من أحوال التقهقر في تطور العصور والأقطار الإسلامية. فعلى المسلم أن يجيد النظر في مراقبة ذلك ومحاسبة وجدانه على الموازنة بين ما فات المسلمين من إقامة واجب التناصح وبين ما جره ذلك الفوت من ويلات. وقد اعتنتِ الشريعةُ الشريعة الإسلامية بأمر النصيحة عنايةً أولية من عهود أوائل بثِّ الخصال الإسلامية، ولم تزل تُحرِّض عليه وتنبه إلى أنه عمادُ الإسلام بنص القرآن وصحيح السنة من صدر الإسلام وهلم جرا. قال تعالى في أوائل السور نزولًا: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]، وهي السورة الثالثة عشرة من ترتيب نزول السور على أشهر الأقوال.

стр. 321

فدخلت النصيحةُ في معنى التواصي بالحق؛ قال الفخر: "إن الله حكم بالخسار على جميع الناس إلا مَنْ كان آتيًا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. [فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وإنه كما يلزم] المكلف تحصيلُ ما يخص نفسه، فكذلك يلزمه في غيره أمورٌ منها الدعاء إلى الدين والنصيحة"، (١) فأشار إلى النصيحة مما يشمله التواصي بالحق. وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "بايعتُ رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، فشرط عليَّ - وفي رواية: فلقَّنني - "والنصح لكل مسلم"". (٢) ومساق كلامه يدل على أن هذا العطف هو لفظ النبي ﷺ . والتعبير "فلقنني" يدل على أنه جعل الكلام النبوي الشريف إكمالًا لكلام جابر ﵁، فصار ذلك تكملة لمعنى البيعة على الإسلام. (٣) وجابر بايع في حين إسلامه، وهو معدودٌ من أهل العقبة الأولى عند بزوغ فجر الإسلام.

стр. 322

وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة"، قال تميم: "قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"". (١) وفي رواية أنه ﷺ كرر قوله "الدين النصيحة" ثلاثًا. (٢) فمراد تميم بقوله: "قلنا" أنه والحاضرين معه ذلك المجلس سألوا لما شعروا من اهتمام النبي ﷺ بهذا الخبر بالتكرير أو بقرائن العناية به، فبين لهم ما أجمله ليتمكن من نفوسهم. وذلك من أغراض أسلوب الإجمال ثم التفصيل. قال أبو داود: إن حديث تميم هذا هو أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه. (٣) وقال أبو نعيم: إن محمد بن أسلم الطوسي قال: "هذا الحديث أحد أرباع الدين". (٤)

стр. 323

وأحاديث التناصح كثيرة بلغت مبلغ التواتر المعنوي. فعلينا بادئ ذي بدء أن نبين ماهية النصيحة، ثم نتطرق من ذلك إلى بيان مواقع النصيحة وبيان المنصوح به. ما هو النصح والنصيحة ؟ عرَّف بعضُ علمائنا النصح بأنه "عناية القلب للمنصوح له [من كان] ". (١) وعرفه آخر بأنه قيامُ الناصح بوجوه خير المنصوح إرادةً وفعلًا، (٢) أي: بالنية والعمل. والنصيحة تأتي بمعنى الكلام الدال على النصح، فليست نية الخير للغير نصيحة. وإنما ينبغي التنبيه على التفرقة بين النصح وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالنصحُ أعمُّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخصُّ منه من وجه، فهما يتلاقيان في أحوال وصور كثيرة، وينفرد كلاهما في صور كثيرة أيضًا. فحقيقةُ النصح - كما علمتَ - إبلاغُ ما فيه خيرٌ للمنصوح، وإن لم يكن متلبِّسًا بفعلِ منكرٍ ولا بتركِ معروف، وكون الخير المنصوح به نافعًا للمنصوح وإن لم يكن من ضد المنكر.

стр. 324

فالنصح يعم الدلالةَ على جلب ما فيه خيرٌ ونفعٌ راجع [للمنصوح]، (١) وإن لم يكن المنصوحُ متلبِّسًا بفعل منكر أو بترك معروف، فقد يكون الناس في ذهول عن اكتساب نفع أو فضل ديني ولم يكن إهماله ارتكابًا لمنكر ولا تركًا لمعروف، كما فعل السلفُ في بذل نفوسهم وأموالهم لتوسيع سلطان الإسلام بالفتوحات في الأرض مما زاد على الدفاع عن الحوزة. واعلم أن ما في الحديث من قوله: "الدين النصيحة" هو تركيبٌ يفيد معنى الحصر لما فيه من تعريف ركنَيْ الإسناد: المسنَد إليه والمسنَد. فمعنى حصر الدين في النصيحة المبالغةُ في الاهتمام بمكانة النصيحة من الدين، بحيث جُعلت النصيحةُ هي عين الدين حتى كان إهمالُها إهمالَ الدين. على أن معنى النصيحة يتحقق في معظم أمور الدين، فإن حاصل العمل بأمور الدين في المعاملات بين المسلمين وفي خويصة المسلم لا يخلو من أن يكون نصحًا لله ولرسوله وللمسلمين ولنفس المسلم العامل بالدين، فإنه بعمله بأحكامه ينصح بذلك لنفسه. فأما النصيحة لله ولكتابه ولرسوله التي تضمنها الحديث، فهي خارجة عن موضوعنا، وبيانُها تكفل به علماء الحديث. (٢) وإنما ينحصر موضوعُنا في النصيحة التي هي واجبُ المسلمين بعضهم لبعض، وهي المتعلقة بقوله في الحديث: "ولأئمة المسلمين وعامتهم". وأئمة المسلمين جمع إمام، والإمام من يُقتدى به ويُعمل على شاكلة عمله، فيشمل ولاة أمورهم من الأمراء، ويشمل من يقتدون به من علماء الشريعة. وهذان الصنفان هما المفسر به "أولي الأمر" من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 325

فنصح الناصح لأئمة المسلمين أن يبلغ إلى أولي الأمر ما يُخشى منه على الأمة من كيد الكائدين، وينبههم إلى ما عسى أن يحدث من إحن بين ولاة الأمور مما يحجب عن رعي مصلحة الأمة الإسلامية. وما قضى باضمحلال الإسلام من الأندلس إلا تخاذل ملوك الطوائف وكيد بعضهم لبعض، كما قال ابن الخطيب بعد أن ساق ذكرَ ملوك الطوائف: "والقُطرُ في أثناء هذا يُنتهب، والروم تستصفي النفوسَ والذهب؛ إذ صادفت كلمةً متفرِّقة، وأمةً بما دهاها شَرِقة". (١) وأما النصح لعلماء الدين فأن يسعى الناصحُ بتذكيرهم والتقريب بينهم إذا اشتطوا في الخلاف، وبالتوفيق بين أتباعهم بأن ينبذوا الحميةَ والعصبية، ويجعلوا الحقَّ نصب أعينهم، ويتتبعوا أخطاء أفهام المتفقهين في الدين، (٢) وأن يدعوهم إلى السعي إلى توحيد المسلمين ويدعوهم إلى جمع المؤتمرات المفيدة للتفاهم في شؤون الدين. واعلم أن الأمر يُعكس، فكذلك يفرض على ولاة الأمور وعلى العلماء أن ينصحوا للعامة لما يرون فيهم من تقصير أو إضاعة لما تجب إقامته من أمور دينهم وكيانهم بمقدار ما لديهم من رغبة ورهبة، ولا ينفروا الأمةَ عن متابعتهم وإقناعهم بحسن الاعتقاد فيهم، وفي نصيحتهم. قال تعالى مخاطِبًا لرسوله ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وذلك داخل في النصح لعامة المسلمين.

стр. 326

وبما ذكرنا وقدمنا يظهر أن المسلمين مفرطون في حياطة جانب مهم من جوانب واجباتهم فيما بينهم. وأما قوله: "وعامتهم"، فشاملٌ لنصح المرء نفسه بحملها على العمل بما جاء به الإسلام؛ لأنه بذلك يقيها مما يهلكها في الدنيا والآخرة، فهو نصح لها. والنصيحة قسمان: واجبة ونافلة. فالواجبة لأئمة المسلمين دلالتهم على صلاحهم ورشدهم وعدلهم وصدقهم الأمة في القول والعمل، وتحذيرهم مما فيه تفريق الجماعة المصالحة من الأمة. وإنما كانت واجبةً لأنها إذا أُهملت تلحق المسلمين مضار من غفلة الأئمة بإهمال بعض المصالح. وهذا النصحُ يقوم له كلُّ مَنْ يأنس من نفسه العلمَ بما يؤدي إلى ذلك. والنافلةُ ترغيبهم في الازدياد من الخير. والنصيحةُ الواجبة لعموم المسلمين انتشالُهم من الضلالة ودعوتُهم إلى الائتلاف والوفاق. وإذا استنصحه المسلم وجب عليه نصحُه، ففي الحديث: "إذا استنصح المسلم أخاه المسلم فلينصحه". (١) والنافلة الدلالةُ على ما فيه خير للمسلم في دينه ودنياه. اضطلاع الناصح بحق النصيحة: أولى الناس بإسداء النصيحة للمنصوح مَن كان من أهل بطانته وطبقته؛ لأنه يكون أبصرَ بأحوال المنصوح ونصحه أجدر لقبوله لديه. وبهذا يتضح ضيقٌ في مقتضى حكم النصيحة من فرض الكفاية؛ إذ يختص تعلق هذا الفرض بالطائفة الذين يرجون قبول النصح. فأولى الناصحين لولاة الأمور نصح ولاة الأمور بعضهم لبعض؛ لأنهم أعرف بمقتضيات السياسة ومجاري أحوال الدول. وكذلك وزراؤهم وأهل المجالس النيابية فيهم، وكذلك رجال الحكومة بعضهم لبعض؛ لأنهم أعلم بأسباب الصلاح فيما لنظرهم وبمسالك تطرق الفساد إلى شؤونهم.

стр. 327

فاعلم أن هذا الفرضَ الكفائي قد يؤول إلى تعيين، ويتعيَّنُ على مَنْ قصده أحدٌ بالاستنصاح. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "حقُّ المسلم على المسلم ست"، فذكر منها: "وإذا استنصحك فانصحْ له". (١) وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثًا"، فذكر منها: "وأن تُناصِحوا مَنْ ولاه أمْرَكم". (٢) قبول المنصوح للنصيحة: في صحيح البخاري عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود قالا له: "ما يمنعك أن تكلم عثمان (أي ابن عفان الخليفة) في أخيه (الوليد بن عقبة، كان أخا عثمان لأمه)، فقد أكثر الناسُ القولَ فيه؟ قال عبيد الله: فقصدت عثمان حين خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة وهي نصيحة، فقال لي: "يا أيها المرء. . .! "، فرجعت فأخبرتهما بما قال، فقالا: قد قضيتَ الذي عليك. فبينا أنا جالس إذ أتاني رسول عثمان، فأتيته فقال: "ما نصيحتك؟ . . ." إلى آخر الخبر (٣). فإذا لم يقبل المنصوحُ النصيحة انتقل النظرُ إلى إجراء أحكام تغيير المنكر.

стр. 328

الرفق بالحيوان في الإسلام (١) هذا فرعٌ من فروع أصل الرحمة في الرسالة المحمدية المتأصل بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقد ابتدأنا الكلامَ فيه في مقال مضى في عدد مجلة "جوهر الإسلام". (٢) الرفق داخل في معنى الإحسان بحسب اللغة، والإحسانُ بمعناه اللغوي أصلٌ من الأصول المرعية في الإسلام اقتضاه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، فهو عام في كل محسن، فيعم ما اعتبر إحسانًا في شريعة الإسلام. وليس في القرآن نصٌّ في خصوص الرفق والإحسان بالحيوان، ولكنه مشمولٌ لعموم "وأحسنوا". وذلك مُبَيَّنٌ في أقوال الرسول ﷺ التي هي بيانٌ للقرآن لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فتصرفاتُ الشريعة تُؤخذ استقراءً من السنة، كما تؤخذ من القرآن. وأصلُ الرفق بالحيوان داخلٌ في عموم قول النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرتَه فلْيُرِحْ ذبيحتَه"؛ (٣) فإن قول النبي ﷺ : "على كل شيء" عام،

стр. 329

وحرف "على" فيه ظاهرُه أن يكون لتعدية فعل "كتب"، ليدل على معنى الوجوب. فتعَيَّن تقديرُ مضاف، أي كتب الإحسانَ على عامل كل شيء. ويجوز أن يكون "على" مستعمَلًا في معنى "في" مجازًا، ليدل على تمكن الظرفية المجازية، كما يقال: كان الحدثُ الفلاني على عهد فلان. فمعنى "كتب الإحسان على كل شيء"، كتب الإحسانَ في كل شيء. والمراد بالشيء العمل والفعل؛ لأن الإحسان فعل الحسن. والاقتصار في هذا الحديث على ذكر القتل والذبح؛ لأنهما أشدُّ الأذى للحيوان. فإذا كانا مشروطين بأن يتلبسا بالإحسان دل ذلك على أن ما دونهما من أنواع الأذى أولَى بتسليط الإحسان عليه، فهذا من الإيجاز في الكلام. فمعنى الحديث: كتب الإحسانَ على فاعل كلِّ فعلٍ أن يُحسن للمفعول به ذلك الفعل. ومن هذا الحديث قال علماء الشريعة إن تعذيبَ الحيوان لغير ما أُذِن للناس من الانتفاع به لا يجوز، ومنه تعذيبُه بأكثر مما تتحمله طاقتُه، كالحمل على الدابة أكثر من طاقتها. فكلما دار عملٌ بين أن يقع بحالة إحسان فيه أو بحالة الإساءة ولم يكن حقٌّ به مقتضٍ شرعي لترك درجة من درجات الإحسان فيه، وجب أن يقع على حالة الإحسان بقدر الإمكان. ولذلك كان الإحسان هو الأصل في الأعمال شرعًا، وكانت الإساءةُ خلافَ الأصل. فللعمل بقاعدة استصحاب الأصل، لا يُصار إلى شيء من الإساءة إلا بدليلٍ شرعيٍّ يدل على المعاملة بذلك المقدار من الإساءة في عمل ما. فهذا الحديثُ هو الأصلُ الذي تندرج تحته أحكامُ الرفق بالحيوان، وقد جاءت في السنة أخبارٌ أخرى في جزئياتٍ خاصة من الرفق بالحيوان والإحسان إليه. ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض"، (١) قوله "في هرة": في بمعنى

стр. 330

اللام؛ أي لأجل هرة، وخشاش الأرض الحشرات. قال القرطبي في شرحه: "إذا حبس أحدٌ الهرة وجب عليه إطعامُها، " (١) وكذلك تجب نفقةُ الحيوان على مالكه المنتفع به. وفي موطأ الإمام مالك أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجلٌ يَمشي بطريق إذِ اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب وخرج، فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثَّرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي بلغ مني، فنزل البئرَ فملأ خُفَّه، ثُم أمسكه بفيه حتى رقِيَ، ثم سقى الكلبَ، فشكر الله له، فغفر له. فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال: في كل ذي كبدٍ رطبة أجر". (٢) قال الباجي في المنتقى: "قوله: "في كل ذي كبد رطبة أجر"، عامٌّ في جميع الحيوان، ما يُملك منه وما لا يُملك، فإن في الإحسان إليها أجرًا". (٣) فقوله: "فشكر الله له"، يريد به الجزاء له بالثواب. وفي مسند أحمد بن حنبل وسنن النسائي قال النبي ﷺ : "مَنْ قتل عصفورًا عبثًا عَجَّ (٤) إلى الله يومَ القيامة يقول: يا رب! إن فلانًا قتلني عبثًا ولم يقتلني لمنفعة". (٥)

стр. 331

وفي البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ - وفي رواية: أو دابة - إلا كان له به صدقة". (١) قال العيني: "وفي معنى ذلك التخفيفُ عن الدواب في أحمالها وتكليفها ما تطيق حمله، فذلك من رحمتها والإحسان إليها. و [من] ذلك تركُ التعدي في ضربها وأذاها وتسخيرها في الليل، يعني إلا إذا أراحها بالنهار أو دعت الحاجةُ إلى ركوبها ليلًا وهو السرى". (٢)

стр. 332

وفي موطإ الإمام مالك أن أبا هريرة قال لحُميد بن مالك: (١) "أحْسِنْ إلى غنمك، وامْسَحْ الرُّعامَ عنها، وأطِبْ مُراحَها". (٢) وهذا يقتضي أن لها حقًّا في مراعاة منافعها، ويجري ذلك فيما ذكره وما كان مثله. وقال القرافي في الذخيرة: "المسابقة بين الخيل والإبل جائزة، وهي مستثناةٌ من أصل ممنوع، وهو تعذيب الحيوان لغير أكله". (٣) وهذا الإحسان للحيوان لأجل إحساسه، حسبما اقتضاه قولُ النبي ﷺ : "في كل ذي كبد رطبة أجر"، مما اختصت به شريعة الإسلام. فليس في الأديان السابقة دعوةٌ إلى الرفق بالحيوان والإحسان إليه لذاته، وما جاء في التوراة من إراحة ثور الإسرائيلي وحماره في السبت فذلك تبعٌ لراحة صاحب الدابة إبقاءً على سلامتها، لا لذات الدابة. فلذلك لم يؤمروا إلا بإراحة دابتى العمل في يوم راحة صاحبهما، وكذلك قولها: "وست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها، وأما في السابعة فتريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك، وفضلتهم تأكلها وحوش البرية، كذلك تفعل بكرمك وزيتونك"، (٤) فقوله: "وفضلتهم تأكلها وحوش البرية"، قطع لطمع صاحب الزرع أو الثمرة في جمع ما فضل عن حاجة الفقراء.

стр. 333

تحرير مسألة في علم الهيئة (١) الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. إلى الفاضل ابننا السيد (. . .) (٢) حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد، فقد بلغني كتابكم، فأشكركم على حسن أمانيكم نحوي، وأسأل الله أن يجازيكم عنا أحسن جزاء البارين، وأحمد الله لكم على تهممكم بتحقيق المسائل الدينية راجيًا لكم مزيدَ التوفيق والسداد. وقد اطلعتُ على السؤال الوارد عليكم، وما أجبتم به مما هو مسطور في الكتاب المذكور، وطلبكم مني الجواب عن ذلك. وجوابِي أن من أصول علم الهيئة أن شروقَ الشمس وغروبَها تابعٌ لحركة الأرض حول الشمس. وهذا أصلٌ لا نزاعَ فيه لثبوته بالأدلة المفيدة لليقين، وليس في عقائد الإسلام ولا في فروعه ما ينافيه. وهذا من سير الأرض، فإذا أُسند إلى [الأرض] (٣) كان إسنادًا على وجه المجاز، [كما] (٤) إذا قيل طلعت الشمس، أو غربت الشمس، أو زالت الشمس عن كبد السماء.

стр. 334

وهنالك أصلٌ آخر، وهو أن للشمس حركةً انتقالية خاصة في فلكها، وهو انتقالُها في دائرة فلكية من مبدأ تلك الدائرة إلى أن تعود فتلوح للناظر في السمت الذي ابتدأ منه تنقلُها. ويحصل تمامُ ذلك الانتقال في مدة السنة الشمسية التي تستمر ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا في دائرة فرضية مقَسَّمة إلى اثني عشر جزءًا، معلمة للناس بتجمع لنجوم ذات أشكال لها أسماء تقريبية يعبر عنها بالبروج. وبها ينقسم العام إلى الفصول الأربعة، وهي دائرةٌ مضبوطة بابتداء الوقت الذي اصطلح علماء الهيئة على جعله مبدأ ضبط حلول الشمس في برج الحمل. فهذا هو التنقل الحقيقي للشمس في فلكها، وهو المعبر عنه بالجري أو بالسير، وإسناده إلى الشمس إسناد حقيقي. فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، فإنه أثبت للشمس جريًا، ولا شك في أن إطلاق الجري على تنقل جرم الشمس من حيز إلى حيز في دائرة فلكها المفروضة إطلاقًا مجازيًّا؛ لأن حقيقة الجري هو نوع من مشي الحيوان ذي الأرجل مشيًا سريعًا، وإنما تنقل الشمس تنقلُ دحرجةٍ وتقلقل، وأطلق عليه الجري لعظيم أبعاد المسافات التي تقطعها الشمس. فللتوفيق بين معاني القرآن وقواعد العلوم يتعين حملُ الجري في هذه الآية على تنقل الشمس في فلكها الذي تتم به دورةُ العام الشمسي؛ لأن إسناده إلى الشمس إسناد حقيقي والأصل في الإسناد الحقيقية. وهذا هو المناسب لقرنه بمنازل القمر في الجملة المعطوفة قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، فإن منازل القمر ثمان وعشرون منزلة يتنقل القمر في دائرتها من مبدأ نهاية في مدة شهر قمري وهو نظير تنقل الشمس في دائرة بروجها في مدة عام شمسي. وعبر بالفعل المضارع في قوله: "تجري" لإفادة تكرر هذا الجري وتجدده. واللام في قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ بمعنى "إلى" مثل اللام في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣, الزمر: ٥]. ألا ترى أن نظيره في سورة لقمان: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] بحرف "إلى". والمستقَرُّ مصدر ميمي بمعنى الاستقرار، أي انتهاء

стр. 335

الجري والسير. والاستقرار ملازمة المكان؛ فإن السائر إذا انتهى سيره قيل: إنه استقر، كما قال راشد السلمي: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ... كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإيَابِ المُسَافِرُ (١) والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 336

المحْوَر الثّانِي فِي فِقْهِ السُّنَّةِ

стр. 337

الفَرْع الأَوّل فِقْه الحَدِيْث

стр. 338

التعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس ﵀ ونشأة علم الحديث (١) [تمهيد]: علمُ الحديث - ويسمَّى علمَ السنة - هو العلمُ الباحثُ عن أقوال النبي ﷺ وأفعاله. ظهرت العنايةُ بتدوينه في أواخر القرن الأول، لَمَّا اتسعت أقطارُ الإسلام، وكثر الداخلون فيه، وتنوعت النوازل. فصار الصحابةُ يتقصَّوْن ما يُؤثر عن النبي ﷺ في أمثال تلك النوازل، مثل توريث الجدة، (٢) وجزية المجوس، (٣) ومعنى

стр. 339

الربا. (١) فكان الخلفاء الراشدون وأمراؤهم يعتمدون ما علموه من ذلك، ويتلقَّوْن مِمَّنْ له علمٌ من الصحابة ما حفظوه مما لم يكن للخلفاء علم به. ولم يكنِ الصحابةُ يكتبون من سنة رسول الله ﷺ إلا شيئًا قليلًا كُتِب بأمر رسول الله ﷺ ، مثل كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر ﵁ إلى أنس بن مالك لَمَّا وجهه إلى البحرين عاملًا عليها، فكتب إليه: "هذه فريضةُ الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين"، (٢) ومثل كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم الأنصاري في الصدقة. (٣) وقد كان عمر بن الخطاب استشار الصحابةَ في كتابة السنن، فأشار جميعُهم بالكتابة، فلبث عمر شهرًا يستخير الله، ثم عزم على عدم فعله وقال: "تذكرت فإذا أُناسٌ من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبًا، فأكَبُّوا عليها وتركوا كتاب

стр. 340

الله (يريد اليهود)، وإنِّي والله لا أُلبسُ كتابَ الله بشيء". (١) ثم قد كان الخلفاء من بعد الصحابة يسألون مَنْ بقي من الصحابة فيما أشكل من الأحكام: فقد رُويَ أن عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير كانا يكتبان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب يستشيرانه، وأمر عبد الملك الحجاجَ بن يوسف - وهو أمير للحج - أن يقتدي في مناسك الحج بعبد الله بن عمر. (٢) فلما انقرض عصرُ الصحابة أو كاد، رأى أولو الأمر من المسلمين اشتدادَ الحاجة إلى تدوين ما أُثِرَ عن رسول الله ﷺ لئلا يفوت ذلك بانقراض حَمَلته، فهرعوا

стр. 341

إلى الذين تلقَّوُا العلمَ عن الصحابة وهم المعروفون بالتابعين، فكان ابتداء تدوين علم الحديث في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان من أهل العلم وممن سكن المدينة مدةً وشاهد علماءها وروى عنهم. فكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١) من فقهاء المدينة أن "اكتب إلَيَّ ما كان من سنة أو حديث، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء". (٢) وكان ذلك أواخر القرن الأول، فكتب إليه أبو بكر الحزمي كتبًا، توُفِّيَ عمر بن عبد العزيز قبل أن يبعث بها إليه، (٣) قال مالك: "لولا أن عمر بن عبد العزيز أخذ هذا العلمَ بالمدينة لشككه كثيرٌ من الناس"، (٤) يريد أنه حين كان أميرَ المدينة وكان أبوه قبله أميرَها، فقد علم

стр. 342

مراتبَ العلماء فعرف مَنْ يستحق أن يُؤخذ عنه العلم. ولم تظهر كتبُ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وقد قيل إن عبد الملك بن جريج (١) ألف كتابًا في تفسير آيات وذَكَرَ آثارًا، فقيل إنه أولُ كتاب أُلِّف في الإسلام، ومات سنة ١٤٩ هـ. قال ابن حجر: "أولُ مَنْ جمع الحديث الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، (٢) كانوا يصنفون كلَّ بابٍ على حدة"، (٣) ولم يظهر شيء مما كتباه. وتبعت أثر ذلك المذاهبُ والنحل، وحدثت الأحزابُ في مسألة الخلافة وغيرها، ودخل في المسلمين كثيرٌ من المتظاهرين بالدين يكيدون إليه في السر ويُسِرُّون حَسْوًا في ارتغاء، (٤) فلم يجدوا سبيلًا لترويج مذاهبهم إلا سلكوها. وأكبرُ ذلك وأهَمُّه عندهم الاحتجاجُ لِمذهبهم بِما يُروَى عن رسول الله ﷺ ، فكثر الكذبُ على النبي ﷺ ، عمدًا، أو جهلًا، أو تحريفًا، أو تقليدًا. فلم يتوانَ أهلُ العلم بالحديث

стр. 343

في الذبِّ عن السنة بالتزام إخراج ما صح عن النبي ﷺ ، وذلك بنقد الرواة وضبط أحوالهم، وعرض مروياتهم على أصول الشريعة ومشهور السنة. الاهتمام بتدوين ما صحت روايته عن رسول الله ﷺ -: أولُ مَنْ ألف كتابًا عن شرط صحة السند هو الإمام مالك بن أنس ﵀، ألف كتاب الموطأ، فالموطأ أولُ تأليفٍ ظهر في الإسلام. وقد قيل إن عبد الملك بن جريج المكي أولُ من ألف، ولعل كتاب ابن جريج لم يتم أو لم يظهر. وليس البحثُ عن تحقيق كون كتاب ابن جريج أولَ كتاب أُلف، أو كون الموطأ أولَ كتاب ألف، بكبيرِ الجدوى. وقال بعضُ العلماء: ألف مالك الموطأ بالمدينة، وألف ابنُ جريج بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهُشيم [ابن بشير] بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري. وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا يُدْرَى أيُّهم سبق. وأيًّا ما كان ذلك، فإن أول كتاب هو الآن موجودٌ ومرويٌّ عند أهل العلم هو كتابُ الموطأ. وقد اختلفت الأمصارُ في طريقة تدوين الأثر قوة وضعفًا، وكان أهلُ المدينة أوثقَ أهل الأمصار طريقة وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ ؛ لأنها دارُ الإسلام ومهبط الوحي، وبها كان أعيانُ الصحابة الذين لم يشغلهم عن العلم شاغل. فكانت المدينةُ مرجعَ علماء الأمصار الإسلامية في تلقِّي السنة، وكانت سمعةُ الواحد من أهل الحديث تزيد وعلمُه ينضج بمقدار ما يحصله من الأخذ عن علماء المدينة. ومرجعُ شروط الصحة عند أهل الحديث ثلاثةُ شروط: الأول: تحقيق أمانة الراوي فيما رواه، وتندرج تحت هذا شروط عدالة الراوي وسلامته من الابتداع. الثاني: تحقيق عدم الالتباس والاشتباه عليه، وإلى هذا ترجع شروطُ قوة تمييز الرواة ليعلم تباعدهم عن التدليس ويقظتهم من الغفلة.

стр. 344

الثالث: تحقق مطابقة ما يروونه للثابت من أمر النبي ﷺ ، وإلى هذا ترجع شروطُ الترجيح عند التعارض. والشرطان الأولان يتعلقان بصحة السند، والثالث يتعلق بصحة المتن. (١) وقد نظروا في الأسباب الحاملة على وضع الحديث فوجدوا أنها افتراء، أو نسيان، أو غلط، أو ترويج، أو تفاخر، فبنوا أصولَ الضبط على منع هاته الأسباب. فأما الكذب، فهو شرُّ الأسباب وأسخفها؛ لأنه يُؤْذِنُ بالاستخفاف بالشريعة، ولا سيما العلم بالحديث الصحيح، وهو قولُ النبي ﷺ : "مَنْ كذب علي متعمدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار". (٢) ودَفْعُ هذا السبب بتوخي أحوال الرواة والفحص عن عدالتهم وديانتهم، ونقد ظواهرهم وبواطنهم، فلا يُقبل مجهولُ العدالة باطنًا وهو المستور على الأصح، ولا يُقبل المجهول باطنًا وظاهرًا بإجماع. وأما النسيانُ والغلط فهما يعرضان للراوي، وهما متقاربان: فالنسيان كأن يشتبه عليه المعلوم، فينسى أن يكون روى عن غير ثقة فينسبه إلى ثقة. والغلط أن يغير اللفظ، أو نحو ذلك. ويتفاوت الناسُ فيهما بتفاوت قوة الذهن، ودفعهما بتوخي أهل الضبط من الرواة الذين جُربوا المرة بعد المرة، وأعيدت عليهم الأحاديثُ وقُلِبت لهم، فثبتوا فيها وأتوا بها على وجوهها، مع تجربة حفظهم ويقظتهم. ومن هذا النوع أن يرويَ الراوي الحديثَ بالمعنى، فيغير المعنى بتغير اللفظ. وهذا القسم أشدُّ الأقسام خَطَرًا؛ لأن الناسَ عرضةٌ للنسيان والغلط، ولأنه وقع من

стр. 345

أهل العجالة وتلقته الناسُ عنهم فشاع بينهم. فلذلك كانت العنايةُ بصرف الهمة إلى تمحيص هذا النوع أوكدَ وأولَى، ولذلك قال النبي ﷺ : "نضَّر الله امرَأً سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه". (١) وأما الترويج، فهو متابعة ما يرغب فيه الطالبون مما ليس بمفيدٍ كمالًا في الرواية. فالترويج يكون لترويج المذهب والنحلة، أو لترويج المقصد. وإنما كان الترويجُ سببًا للوضع؛ لأن المروِّجَ قد يقتنع بوقوع الحديث على وَفْق مطلبه، فتصرفه موافقتُه لمراده عن نقده وتمحيصه. فإذا انضم إلى الترويج شيءٌ من التساهل في الرواية ومن ضعف العدالة كان خطرًا. ومن الترويج ما يُسمَّى بالتدليس، مثل تدليس الأسماء بأن يعطي شخصًا اسم آخر تشبيهًا، كأن يقول حدثني مالك بن أنس، ويريد البصري الخارجي. (٢)

стр. 346

وسمع سحنون رجلًا يحدث عن ابن نافع فقال له: أنتَ أدركت ابن نافع؟ فقال: أردتُ الزبيري ولم أرد الصائغ، فوبَّخه سحنون وقال: "ماذا يظهر بعدي من العقارب! " (١) ومنه ما قاله الحافظ أبو عمر في "التمهيد": أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه وأخذ عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه بالواسطة مِمَّنْ تُرضى حالُه أو لا ترضى. (٢) فهذا مؤذِنٌ بأنه ما حَذَف الواسطةَ إلا لنقص تَخَّيله فيه، غير أنه إذا كان من أهل الضبط اغتُفِرَ له ذلك. فدَفْعُ هذا هو ضبطُ تاريخ الرواة ومَنْ لقيَ منهم غيرُه ومَنْ لم يلقه، ومقابلة ذلك بروايات أقرانه، مع التوخِّي في ألفاظ التحديث مثل الفرق بين سمعت فلانًا وبين عن فلان. وأما التفاخر، فهو اعتناء الراوي بإشهار مروياته، حبًّا للمحمدة. ويكون بأمور: منها الإكثارُ من الرواية، ومنها الاعتناءُ بتخريج الغريب، أي الذي لا يُعرَف، ومنها الولعُ بمحسِّنات الحديث. وكلُّ ذلك وإن كان لا يقتضي كذبًا، إلا أنه قد يَجُرُّ إلى التساهل

стр. 347

في الرواية لتكميل ما به المفاخرة؛ لأن الولَعَ بذلك يصير هوًى ومحبة. فكان مالك ﵀ شديدَ النقد في هذه الأنواع كلها، ونافذَ البصر بسد مواقع الخلل والتهمة فيها. فأما نحو السبب الأول - وهو الكذب - فقد بالغ في نقد الرجال من ثلاث جهات: جهة العدالة، وجهة أصالة الرأي وتمييز المرويات، وجهة اتباع السنة. قال سفيان بن عيينة: "رحم الله مالكًا، ما كان أشدَّ انتقادُه للرجال والعلماء". (١) وقال ابن المديني: "لا أعلم أحدًا يقوم مقامَ مالك في ذلك". (٢) وقال أحمد بن صالح: "ما أعلم مالكًا رَوَى عن أحد فيه شيء". (٣) والمحدثون وإن قبلوا روايةَ أهل البدع في الاعتقادات إذ كانوا يحرمون الكذب، إلا أن مالكًا اشترط في ذلك أن لا يكون ذلك الراوي داعيةً لمذهبه؛ لأن ذلك يوجب له تهمة. (٤)

стр. 348

أما نحو السببين الثاني والثالث - وهما النسيان والغلط - فقد اشترط مالك ﵀ في الرواية أن يكون الراوي من أهل العلم والمعرفة. قال ابن وهب: "ما كنا نأخذ الحديث إلا من فقهاء". (١) وشدد في نقل الحديث بالمعنى، فقال: "لا ينبغي للمرء أن ينقل لفظ النبي ﷺ إلا كما جاء، وأما لفظ غيره فلا بأس بنقله بالمعنى"، (٢) نعم رخص في زيادة مثل الواو والألف في الحديث والمعنى واحد. وأما نحوُ السببين الرابع والخامس - وهما الترويج والتفاخر - فإن مالكًا ﵀ أخذ الحيطة لذلك بأمرين: بتزييف ما كانوا يصنعون، والحذر مما يدعون. ففي المقام الأول لم يهتم بشيء من التصنع والتحسن في طرق الرواية، فكان يكرر ما يقوله لهم أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: "إذا أخذتُم في الساذج تكلمنا معكم، وإذا أخذتم في المنقوش قمنا عنكم". (٣) وقيل له: "إن فلانًا يحدثنا بغرائب، فقال (مالك): من الغريب نَفِرّ". (٤) وقال له بعضُهم: "ليس في كتابك حديثٌ غريب. فقال: سررتني". (٥)

стр. 349

الغرض من تأليف الموطأ عمد مالك إلى تأليف الموطأ ليجمع فيه ما صحَّ عنده عن رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين، وما عليه عمل أهل المدينة، ويودع ما أخذه من مروياته من أحكام شرعية. وقد اشتهر بين أكثر أهل العلماء أنه ألفه بطلب من الخليفة أبي جعفر المنصور. روى أبو مصعب (١) أن أبا جعفر المنصور الخليفة قال لمالك: "ضُمَّ هذا العلم يا أبا عبد الله ودَوِّنْ كتبًا، وجَنِّبْ فيها شدائدَ ابن عمر، ورخصَ ابن عباس، وشواذَّ ابن مسعود. واقصد أوسطَ الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة". (٢) وقال الكِيَا الْهَرَّاسي: "موطأ مالك كان تسعة آلاف حديث، ثم لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة حديث". (٣)

стр. 350

وفي المدارك لعياض قال سلمان بن بلال: "لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعةُ آلاف حديث [أو قال أكثر]، فمات وهي ألفُ حديث ونيِّف، يلخصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلحُ للمسلمين وأمثلُ في الدين". (١) وبوبه وصنفه على أبواب الفقه، وجعل فيه كتابَ الجامع، وهو أولُ مَنْ ترجم بهذه الترجمة. وفسر ما وقع فيه من غريب الألفاظ العربية، وروى فيه من الآثار ما سلم في معيار النقد وجُرِّب من جهات الصحة. فلذلك كانت أحاديثُ الموطأ أصحَّ الأحاديث. وقد اتفقوا على أن أصحَّ الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ". (٢) ومن أجل ذلك كله اتفق أئمةُ الدين والحديث على أن الموطأ ما جمع إلا الحديثَ الصحيح، وأنه أصحُّ الكتب بعد كتاب الله تعالى. وفي هذا المعنى عباراتٌ مأثورة، قال ابن مهدي: "ما كتابٌ بعد كتاب الله أنفعُ للناس من الموطأ"، وقال: "لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصحَّ من موطأ مالك". (٣) وقال الشافعي: "ما في الأرض كتابٌ في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك"، (٤) وقال أيضًا: "ما كتب

стр. 351

الناسُ بعد القرآن شيئًا هو أنفع من موطأ مالك". (١) فالموطأ أولُ كتاب دُوِّن في الصحيح عند المحققين من الأئمة. قال القاضي أبو بكر بن العربي في مقدمة كتابه "عارضة الأحوذي" على كتاب الترمذي: "اعلموا - أنار الله أفئدتَكم - أن كتاب الجعفي (أي البخاري) هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو الأولُ واللُّباب، وعليهما بناءُ الجميع كالقشيري (أي مسلم) والترمذي". (٢) وقال السيوطي: "قال بعضُ العلماء إن البخاري إذا وجد حديثًا يُؤْثَرُ عن مالك لا يكاد يَعْدِل به إلى غيره، حتى إنه روى في صحيحه عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء عن مالك"، (٣) يعني بواسطتين بينه وبين مالك، مع ما للمحدثين من الرغبة في السند الأقرب. ما المراد بالحديث الصحيح ؟ اعلم أن الذي اصطلح عليه البخاري ومَنْ جاء بعده أنَّ لقبَ الحديث الصحيح هو الحديثُ الذي اتصل سندُه، يرويه واحدٌ عن واحد إلى النبي ﷺ ، بعدول ضابطين بلا شذوذ، أي بأن لا يخالف أحدُ رواته ما يرويه مَنْ هو أرجحُ منه

стр. 352

حفظًا، مخالفةً لا يمكن معها الجمعُ بين الروايتين، كما أشار له مسلم في مقدمة صحيحه، (١) ولا يكون فيه علةٌ خفيَّة قادحة مُجْمَعٌ عليها. فشرط البخاري ومسلم أن لا يخرجا إلا الحديثَ المتَّفَق على ثقة نَقَلته إلى الصحابِيِّ، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، بسند متصل غير مقطوع. ففي شرط اتصال السند إلى النبي ﷺ خالفا مالكًا من أجل أنهما لا يُخَرِّجان الحديثَ المرسل والمقطوع، ولا يعدانه في قسم الصحيح. ومالك ﵀ يراه صحيحًا وحجة، وهو قولُ أبي حنيفة أيضًا. وقال أبو عيسى الترمذي في آخر كتاب الأشربة من جامع الصحيح: "والصحيح ما روى الزهريُّ مرسلًا". (٢) ورأيُ مالك في ذلك أرجح؛ لأن العبرة بتحقُّقِ أو ظنِّ صحةِ السند إلى رسول الله ﷺ . والمُرسَلُ هو أن يُسْقِطَ التابعيُّ اسمَ الصحابي، ويقول: قال رسول الله ﷺ . وهذا التابعي لا يخلو: إما أن يكون ثقةً ضابطًا، أو غيرَه. فإن كان الأول، فلا شكَّ أن قبولَ خبره لرسول الله ﷺ ، وتصديه للرواية عن رسول الله مع ما عُلِم من شدة إعظامهم لهذا الشأن ومع جزمه بذلك، يَتَعين. (٣)

стр. 353

[نسخ الموطإ] ١ - النسخ المطبوعة وهي أربع، أولاها نسخة يحيى بن يحيى الليثي. وقد أخذ الموطأ أولًا من زياد بن عبد الرحمن بن زياد المعروف بشبطون (المتوفَّى سنة ٢٠٤ هـ) الذي كان أولَ مَنْ أدخل الموطأ إلى الأندلس. وارتحل يحيى إلى المدينة فسمع الموطأ من مالك بدون واسطة إلا ثلاثة أبواب من كتاب الاعتكاف، وهي باب خروج المعتكف إلى العيد، وباب قضاء الاعتكاف، وباب النكاح في الاعتكاف. وكان سماع يحيى في سنة ١٧٩ هـ، وهي السنة التي تُوُفِّي فيها مالك. (١) [وإن أجل الروايات وأوعبها هي رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي التي اعتمدها الناس بالمغرب والمشرق، وشرحوها وصححوها.] (٢) أما النسخة الثانية، فهي نسخة محمد بن الحسن الشيباني، وقد جرى في روايته على أمرين: الأول أن يذكر ترجمة الباب ويذكر متصلًا به روايته عن الإمام مالك موقوفة كانت أو مرفوعة. الثاني أن لا يذكر في صدر العنوان إلا لفظ "الكتاب" أو "الباب"، وقد يذكر لفظ الأبواب. كما أنه يذكر بعد الحديث أو الأحاديث التي

стр. 354

يرويها عن مالك ما يراه من اجتهاد وفقه، مخالفًا لمالك أو غيره من علماء الحجاز والعراق، معبرًا عن ذلك بعبارات مختلفة كقوله: "وبه نأخذ"، و"عليه الفتوى"، و"به يُفتى"، و"هو الصحيح"، إلخ. ومن أشهر شروحه شرح علامة الهند محمد عبد الحي اللكنوي المسمى "التعليق الممجد على موطأ محمد"، وهو مطبوع. (١) والنسخة الثالثة هي نسخة علي بن زياد، (٢) وهي قطعةٌ صغيرة، فيها كتاب الضحايا، وكتاب الذكاة، ومعظم كتاب الصيد، وهي من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان، بها أوراق. (٣) و[النسخة المطبوعة الرابعة] قطعة من رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي (٤) بها أوراق متفرقة: بعضها من الجزء الأول، وبعضها من الثاني، وبعضها من الثالث، وبعضها من الرابع وبعضها من الخامس، بخط شامي، ذكر ناسخُها أنه نسخها في سنة ٧٥٧ هـ بمدينة دمشق، مشتملٌ على أبواب من كتاب الصلاة ومن الصيام ومن الحج ومن الجهاد، وورقة في البيوع، وهي اليوم بالمكتبة الوطنية. (٥) ٢ - [أما النسخ غير المطبوعة فمنها] قطعة من رواية عبد الرحمن بن القاسم، (٦) بها عدةُ أوراق: مائة ونيف وأربعون، وهي من كتب المكتبة العتيقة

стр. 355

بالجامع الأعظم بالقيروان. وقطعةٌ من رواية أبي مصعب الزهري، (١) بها ديوان من كتاب الحج بالجامع الأعظم بالقيروان بها ٣٠ ورقة. [وقد ذكر الأستاذ محمد بن علوي المالكي أنه وقف في المكتبة الوطنية بتونس على قطعة نادرة من رواية ابن القاسم تشتمل على بقية من باب أحكام الرقيق، والأبواب المتعقلة ببيع الثمار، وأبواب بيع النقدين والصرف، ثم أبواب بيع الطعام إلى باب ما يجوز من السلف]. (٢) و[نسخة] سُويد بن سعيد، (٣) وهي كاملة بالمكتبة العاشورية بتونس. "وقد تصدى للاعتناء بها عبد المجيد تركي معتمدًا على ثلاث نسخ خطية"، ونشرتها دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة ١٩٩٤. (٤) ومن أشهر نسخ الموطأ بالأندلس نسخة محمد بن فرج مولى ابن الطلاع تلميذ يونس بن المغيث الصفار، وبه رواية عن محمد بن وضاح القرطبي، ونسخة مروان ابن أبي الخصال تلميذ أبي عمر بن عبد البر، وأبي عمر الطلمنكي المقابلةُ على كتابيهما بخط يده. ونسخة أبي مروان عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي، سمع الموطأ من محمد بن فرج. ونسخة القاضي الوزير عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن فُطيس.
следующие страницы →