← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الناسُ بعد القرآن شيئًا هو أنفع من موطأ مالك". (١) فالموطأ أولُ كتاب دُوِّن في الصحيح عند المحققين من الأئمة. قال القاضي أبو بكر بن العربي في مقدمة كتابه "عارضة الأحوذي" على كتاب الترمذي: "اعلموا - أنار الله أفئدتَكم - أن كتاب الجعفي (أي البخاري) هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو الأولُ واللُّباب، وعليهما بناءُ الجميع كالقشيري (أي مسلم) والترمذي". (٢) وقال السيوطي: "قال بعضُ العلماء إن البخاري إذا وجد حديثًا يُؤْثَرُ عن مالك لا يكاد يَعْدِل به إلى غيره، حتى إنه روى في صحيحه عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء عن مالك"، (٣) يعني بواسطتين بينه وبين مالك، مع ما للمحدثين من الرغبة في السند الأقرب. ما المراد بالحديث الصحيح ؟ اعلم أن الذي اصطلح عليه البخاري ومَنْ جاء بعده أنَّ لقبَ الحديث الصحيح هو الحديثُ الذي اتصل سندُه، يرويه واحدٌ عن واحد إلى النبي ﷺ ، بعدول ضابطين بلا شذوذ، أي بأن لا يخالف أحدُ رواته ما يرويه مَنْ هو أرجحُ منه

стр. 352

حفظًا، مخالفةً لا يمكن معها الجمعُ بين الروايتين، كما أشار له مسلم في مقدمة صحيحه، (١) ولا يكون فيه علةٌ خفيَّة قادحة مُجْمَعٌ عليها. فشرط البخاري ومسلم أن لا يخرجا إلا الحديثَ المتَّفَق على ثقة نَقَلته إلى الصحابِيِّ، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، بسند متصل غير مقطوع. ففي شرط اتصال السند إلى النبي ﷺ خالفا مالكًا من أجل أنهما لا يُخَرِّجان الحديثَ المرسل والمقطوع، ولا يعدانه في قسم الصحيح. ومالك ﵀ يراه صحيحًا وحجة، وهو قولُ أبي حنيفة أيضًا. وقال أبو عيسى الترمذي في آخر كتاب الأشربة من جامع الصحيح: "والصحيح ما روى الزهريُّ مرسلًا". (٢) ورأيُ مالك في ذلك أرجح؛ لأن العبرة بتحقُّقِ أو ظنِّ صحةِ السند إلى رسول الله ﷺ . والمُرسَلُ هو أن يُسْقِطَ التابعيُّ اسمَ الصحابي، ويقول: قال رسول الله ﷺ . وهذا التابعي لا يخلو: إما أن يكون ثقةً ضابطًا، أو غيرَه. فإن كان الأول، فلا شكَّ أن قبولَ خبره لرسول الله ﷺ ، وتصديه للرواية عن رسول الله مع ما عُلِم من شدة إعظامهم لهذا الشأن ومع جزمه بذلك، يَتَعين. (٣)

стр. 353

[نسخ الموطإ] ١ - النسخ المطبوعة وهي أربع، أولاها نسخة يحيى بن يحيى الليثي. وقد أخذ الموطأ أولًا من زياد بن عبد الرحمن بن زياد المعروف بشبطون (المتوفَّى سنة ٢٠٤ هـ) الذي كان أولَ مَنْ أدخل الموطأ إلى الأندلس. وارتحل يحيى إلى المدينة فسمع الموطأ من مالك بدون واسطة إلا ثلاثة أبواب من كتاب الاعتكاف، وهي باب خروج المعتكف إلى العيد، وباب قضاء الاعتكاف، وباب النكاح في الاعتكاف. وكان سماع يحيى في سنة ١٧٩ هـ، وهي السنة التي تُوُفِّي فيها مالك. (١) [وإن أجل الروايات وأوعبها هي رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي التي اعتمدها الناس بالمغرب والمشرق، وشرحوها وصححوها.] (٢) أما النسخة الثانية، فهي نسخة محمد بن الحسن الشيباني، وقد جرى في روايته على أمرين: الأول أن يذكر ترجمة الباب ويذكر متصلًا به روايته عن الإمام مالك موقوفة كانت أو مرفوعة. الثاني أن لا يذكر في صدر العنوان إلا لفظ "الكتاب" أو "الباب"، وقد يذكر لفظ الأبواب. كما أنه يذكر بعد الحديث أو الأحاديث التي

стр. 354

يرويها عن مالك ما يراه من اجتهاد وفقه، مخالفًا لمالك أو غيره من علماء الحجاز والعراق، معبرًا عن ذلك بعبارات مختلفة كقوله: "وبه نأخذ"، و"عليه الفتوى"، و"به يُفتى"، و"هو الصحيح"، إلخ. ومن أشهر شروحه شرح علامة الهند محمد عبد الحي اللكنوي المسمى "التعليق الممجد على موطأ محمد"، وهو مطبوع. (١) والنسخة الثالثة هي نسخة علي بن زياد، (٢) وهي قطعةٌ صغيرة، فيها كتاب الضحايا، وكتاب الذكاة، ومعظم كتاب الصيد، وهي من كتب المكتبة العتيقة بالجامع الأعظم بالقيروان، بها أوراق. (٣) و[النسخة المطبوعة الرابعة] قطعة من رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي (٤) بها أوراق متفرقة: بعضها من الجزء الأول، وبعضها من الثاني، وبعضها من الثالث، وبعضها من الرابع وبعضها من الخامس، بخط شامي، ذكر ناسخُها أنه نسخها في سنة ٧٥٧ هـ بمدينة دمشق، مشتملٌ على أبواب من كتاب الصلاة ومن الصيام ومن الحج ومن الجهاد، وورقة في البيوع، وهي اليوم بالمكتبة الوطنية. (٥) ٢ - [أما النسخ غير المطبوعة فمنها] قطعة من رواية عبد الرحمن بن القاسم، (٦) بها عدةُ أوراق: مائة ونيف وأربعون، وهي من كتب المكتبة العتيقة

стр. 355

بالجامع الأعظم بالقيروان. وقطعةٌ من رواية أبي مصعب الزهري، (١) بها ديوان من كتاب الحج بالجامع الأعظم بالقيروان بها ٣٠ ورقة. [وقد ذكر الأستاذ محمد بن علوي المالكي أنه وقف في المكتبة الوطنية بتونس على قطعة نادرة من رواية ابن القاسم تشتمل على بقية من باب أحكام الرقيق، والأبواب المتعقلة ببيع الثمار، وأبواب بيع النقدين والصرف، ثم أبواب بيع الطعام إلى باب ما يجوز من السلف]. (٢) و[نسخة] سُويد بن سعيد، (٣) وهي كاملة بالمكتبة العاشورية بتونس. "وقد تصدى للاعتناء بها عبد المجيد تركي معتمدًا على ثلاث نسخ خطية"، ونشرتها دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة ١٩٩٤. (٤) ومن أشهر نسخ الموطأ بالأندلس نسخة محمد بن فرج مولى ابن الطلاع تلميذ يونس بن المغيث الصفار، وبه رواية عن محمد بن وضاح القرطبي، ونسخة مروان ابن أبي الخصال تلميذ أبي عمر بن عبد البر، وأبي عمر الطلمنكي المقابلةُ على كتابيهما بخط يده. ونسخة أبي مروان عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي، سمع الموطأ من محمد بن فرج. ونسخة القاضي الوزير عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن فُطيس.

стр. 356

وقد جمعت هذه النسخَ كلَّها نسخةُ خلف ابن بشكوال الأندلسي التي عثرتُ على أربعة أجزاء منها من تجزئة اثني عشر جزءًا، وبالجزء الأخير منها خطه وإذنه برواية الموطأ عنه للشيخ الفقيه أبي العباس أحمد بن علي الذي قرأه عنه كله بأسانيده. وعلى هذه النسخة تصحيحات ومقابلات على نسخة ابن بشكوال معزوة إلى أصولها من النسخ المذكورة. (١) وأول مَنْ أدخل الموطأ إلى المغرب علي بن زياد التونسي. وأولُ مَنْ أدخل الموطأ إلى الأندلس زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون. (٢) اسم كتاب "الموطأ " وجهُ تسمية كتاب مالك بالموطأ يؤخذ مما رُوِيَ عن مالك ﵀ أنه قال: "عرضتُ كتابِي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلُّهم واطأنِي عليه، [فسمَّيْتُه الموطأ] ". (٣) فتسميته الموطأ اعتبار بأنه اسم مفعول من واطأه على الأمر، إذا وافقه عليه، على طريقة الحذف والإيصال، أي موطأ عليه. فقيل الموطأ على غير قياس، والقياس أن يقال: المواطأ.

стр. 357

والأظهرُ أن هذا الاسم اسم مفعول من وطَّأَ الأمرَ إذا سهله ودمثه، فأصله الهمز، كما في تاج العروس. (١) وقد تُخَفَّف همزتُه فيقال الموطا. وقد أشار إلى هذا التخفيف صاحب تاج العروس، (٢) وشاع هذا التخفيفُ على ألسنة الناس. وليس أصلُ الكلمة بالألف، إذ لا توجد هذه المادة. وورد الوجهان في الكلام، فمن استعماله بالهمز قولُ أبي الطاهر أحمد الأصفهاني أنشده في المدارك: أَعَمُّ الكُتُبِ نَفْعًا لِلْفَقِيهِ ... مُوَطَّأُ مَالِكٍ لَا شَكَّ فِيه (٣) ومن التخفيف قولُ سعدون الورجيني من قصيدة: وَلَوْ لَمْ يَلُحْ نُورُ المُوَطَّا لِمَنْ يَرَى ... بِلَيْلٍ عَمَاهُ مَا دَرَى أَيْنَ يَذْهَبُ (٤) وكرر هذا اللفظَ في أبيات سبعَ كراتٍ بالتخفيف.

стр. 358

تحقيق مسمى الحديث القدسي (١) [تقديم]: هذا مبحثٌ دقيق من علم الحديث، لَمْ يُتعَرَّضْ له في علم مصطلح الحديث. دعاني إلى تحريره أنه وقع لديَّ منذ بضعة أيام كتابٌ عنوانه "الأحاديث القدسية" مما جمعَتْه لجنةُ القرآن والحديث من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، (٢) وهي الأحاديثُ الموجودة في الموطأ والصحيحين وكتب السنن الأربعة. فحمدت عنايةَ أعضاء اللجنة وتهمُّمَهم بهذا العمل؛ إذ قلَّ مَنِ اهتمَّ بإخراج الأحاديث القدسية في كتاب مفرد. قال ابن حجر الهيتمي (٣) في شرح الحديث الرابع والعشرين من الأربعين النووية: "الأحاديث الإلهية، وتُسمى القدسية، وهي أكثرُ من مائة، وقد جمعها بعضُهم في جزء كبير". (٤) وقال علي القاري (٥) في شرحه على الأربعين النووية: "الأحاديث

стр. 359

القدسية أكثر من مائة". قلت: هذا الجزء لا نعرفه، ولا نعرف مَنْ جمعه (١). وفي هذا الغرض أُلِّف كتابُ "الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية" لمحمد المعروف بعبد الرؤوف المناوي، (٢) ذكره صاحبُ كشف الظنون، وقال: " [أورد فيه من الأحاديث القدسية المسندة] مرتبًا على بابين: الأول فيما صدر بلفظ: قال الله، والثاني فيما تضمن: قوله تعالى، وكلاهما على الحروف"، (٣) وهذا الكتاب اطلع عليه الذين دوَّنوا كتابَ "الأحاديث القدسية". ولعلي قاري كتابٌ سماه "الأحاديث القدسية والكمالات الأنسية"، جمع فيه أربعين حديثًا قدسيًّا، وطبع في سنة ١٣١٦ هـ، ولم أقف عليه. وفي كشف الظنون أن الشيخ محيي الدين ابن عربي جمع أربعين حديثًا قدسيًا. (٤) وقد اشتمل كتاب "الأحاديث القدسية" على أربعمائة حديث باعتبار المكرر، باختلاف الروايات واختلاف الأسانيد، وعلى نحو مائة وثمانية وستين بطرح المكرر، مع أن ابن حجر الهيتمي وعليًّا القاري ذكرا في شرحيهما على الأربعين النووية أن الأحاديث القدسية أكثرُ من مائة. وحصرُها بأكثر من مائة يقتضي أنها لا تزيد على المائة بكثير.

стр. 360

ولم أر كلامًا تنضبط به حقيقةُ الحديث القدسي لنُضوب عباراتِ الكاتبين وإجمالها، فإذا أخذوا في بيان ما هو الحديث القدسي هرعوا إلى الخوض في التفرقة بين الحديث القدسي وبين القرآن. وإن التفرقة بين القرآن وبين الحديث القدسي وإن كانت لا تخلو من تيسير لضبط تعريف الحديث القدسي ، فالاشتغال بها قبل ضبط التعريف يُعد في صناعة التأليف تطوحًا عن الأهم. فحملني هذا وذاك على تحقيق معنى الحديث القدسي، وتعريفه بِحَدٍّ جامع مانع بعد جلب التعاريف التي سبقوا بها. تعريف الحديث القدسي: الحديث القدسي، ويسمى الحديث الرباني، الحديث الإلهي، قال السيد الجرجاني في كتاب التعريفات: "الحديث القدسي هو من حيث المعنى من عند الله تعالى، ومن حيث اللفظ من رسوله ﷺ ، [فهو] ما أخبر الله تعالى [به] نبيَّه بإلهام أو بالمنام، فأخبر النبيُّ ﷺ عن ذلك المعنى بعبارات نفسه". (١) وفي الإتقان للسيوطي في النوع السادس عشر: "قال الجويني: (٢) الحديث القدسي كلام من الله منزل على النبي ﷺ ، غير ملتزم تبليغه بلفظ معين بل المقصود المعنى، فقد تكون العبارة من جبريل". (٣)

стр. 361

وقال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية عند الكلام على الحديث الرابع والعشرين: "الأحاديث القدسية ما نقل إلينا آحادًا عن النبي ﷺ مع إسناده لها عن ربه، فهي من كلامه، فتُضاف إليه وهو الأغلب. ونسبتُها إليه حينئذ نسبةُ إنشاء؛ لأنه المتكلم به أولًا، وقد تُضاف إلى النبي ﷺ ؛ لأنه المخبر بها عن الله". (١) وقال علي القاري في "شرح الأربعين النووية" عند الكلام على الحديث الرابع والعشرين: "القدسي إخبارُ الله نبيَّه معنَى لفظٍ بإلْهام أو بالمنام، فأخبر النبي ﷺ أمته بعبارته عن معنى ذلك الكلام". (٢) وهو قريبٌ من كلام السيد الجرجاني. وقال أيضًا: "قال الطيبي: الحديث القدسي نصٌّ إلهي في الدرجة الثانية (أي: دون درجة

стр. 362

القرآن)، وإن كان من غير واسطة الملك غالبًا؛ لأن المنظورَ فيه المعنى دون اللفظ، وفي القرآن اللفظُ والمعنى منظوران". (١) وهذه التعاريفُ تقتضي أن اللفظَ في الحديث القدسي غيرُ معيَّن، وإنما هو إلقاءُ المعنى في قلب النبي ﷺ دون تعيينِ لفظ، أي بواسطة الملك أو بالإلهام. وتقتضي أن كلَّ ما حكي في الأحاديث من أقوال منسوبة إلى الله تعالى يعتبر حديثًا قدسيًّا، فيدخل فيه ما يجري من حكايةِ محاوراتٍ ومقاولاتٍ فيها كلامُ الله تعالى مع بعض عباده. وفي شرح جمع الجوامع للمحلي عند تعريف "الكتاب" بقوله: "القرآنُ اللفظُ المنزلُ على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه، المتعبَّد بتلاوته"، قال المحلي: "فخرج بالمنزل على محمد ﷺ عن أن يسمى قرآنًا الأحاديثُ غيرُ الربانية، وخرج بالإعجاز الأحاديثُ الربانية". (٢) وهذا يتضمن تعريفَ الحديث الرباني، أي القدسي. ويُؤخذ منه أنه موحى بلفظه إلى النبي ﷺ ، ولكن لفظه ليس للإعجاز ولا متعبَّدًا بتلاوته، فاقتضى أن لفظَ الحديث القدسي موحًى به بعينه. وإذ لم يكن لنا طريقٌ إلى معرفة كون الكلام الذي يحكى به قولٌ من الله تعالى في الأحاديث النبوية أَهُوَ عيْنُ ما أوحي بلفظه أم هو كلام يرادفه، تعين علينا أن نتوسَّمه من صيغة حكاية روايه. وكلامُ المحلي والطيبي يزيد بالتصريح بأن لفظَ الحديث القدسي موحى به إلى النبي ﷺ بلفظه، ولكنه يجوز أن يُروَى بلفظ آخر مساوٍ للفظه في أداء المعنى المراد، على نحو ما ذكروا في رواية حديث النبي ﷺ بالمعنى، وجوازها في قول الأكثر. فاختلافُ عباراتهم في تحديد الحديث القدسي يزيد بعضُها على بعض، لكِنْ بعضها يكمل بعضًا ويتممه، فالتخالفُ بينها من قبيل التداخل.

стр. 363

والذي أستخلصُه من مجموع كلامهم وحملِ بعضه على بعض للجمع بينه أن نقول: "الحديث القدسي هو كلام من الله تعالى صادرٌ منه في الدنيا، غيرُ مخاطَب به مُعَيَّن، موحًى به إلى رسول الله ﷺ بألفاظ معينة، غير مقصودٍ بها الإعجازُ ولا التعبُّدُ بتلاوتها، ليبلِّغَها إلى الناس، مع تفويضِ التصَرُّف في ألفاظها بما يؤدي المقصود". فقولنا: "كلام من الله" جنسٌ شاملٌ لكلِّ لفظٍ يتضمن مرادَ الله، فشمل القرآن وما يُحكَى من أقوال تصدر من الله زجرًا للكفار أو الشياطين. وخرج بقولنا: "صادر في الدنيا" ما هو إخبارٌ من رسول الله ﷺ عن أقوال تصدر من الله يوم القيامة، أو صدرت منه قبل إهباط آدم إلى الأرض، أو إخبارٌ عن أعمال الله دون أقواله، كقوله في حديث البخاري عن أبي هريرة: "تكفل الله لِمَنْ جاهد في سبيله لا يُخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى أهله مع ما نال من أجر وغنيمة". (١) فهذه الروايةُ ليس فيها حكايةٌ عن قول الله تعالى، فلا تُعَدُّ حديثًا قدسيًا. ووقع في رواية النسائي عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه قال: "أيُّمَا عبدٍ من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله ابتغاءَ مرضاتِي، ضمنتُ له أن أرجعه بما أصاب مِنْ أَجْرٍ أو غنيمة، وإن قبضتُه غفرت له ورحمته"، (٢) ففي هذه الرواية يكون حديثًا قدسيًا. وخرج بقولنا: "موحًى به إلى رسوله" ما يُحْكَى من أقوال تصدر من الله تعالى خطابًا لغير محمد ﷺ ، كقوله في الحديث: "بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانًا، فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألَمْ أكن أغنيتُك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك". (٣)

стр. 364

وقولنا: "موحًى به إلى رسول الله ﷺ "، يشمل أنواعَ الوحي، سواء كان بواسطة جبريل أو بالمنام أو بالإلهام، كما يُؤخذ من عبارة الجويني (١) والطيبي. وأما الذي يُؤخذ من كلام السيد الجرجاني وعلي القاري وكلام أبي البقاء في الكليات عند الكلام عن القرآن، فهو أن الحديثَ القدسي لا يُوحَى به إلى النبي ﷺ بواسطة جبريل بل بالإلهام أو المنام. (٢) وبقولنا "غير مقصود بها الإعجاز ولا التعبد بتلاوتها" خرج القرآن. وقولنا "ليبلغها إلى الناس"، أي أن يقترن الإخبار بذلك الكلام بقرينة تدل على أن المقصود إعلام الناس به، وهذه جهةُ شَبَهٍ بين الحديث القدسي وبين القرآن. وخرج بذلك ما يحكى من أقوال الله تعالى للملائكة أو في أثناء القصص ونحوها، كما في حديث الموطأ: "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، فيجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ . . .". (٣) وكما في حديث ابن عباس في صحيح البخاري في قصة سؤال موسى ﵇ مع الخضر إذ عاتب الله موسى على قوله: "إني لا أعلم أحدًا أعلمَ مني، فقال له الله تعالَى: بلى، عبدنا خضر بمجمع البحرين، فسأل موسى السبيلَ إلى لقيه". (٤)

стр. 365

وقولنا: "مع تفويض التصرف في ألفاظها"؛ أي التفويض إلى النبي ﷺ وإلى جبريل إذ كان هو المبلغ لها، مسوقٌ مساقَ التقسيم؛ لأن الأحاديثَ القدسية يجوز التفويضُ في عبارتها لجبريل أو للنبي ﷺ . صيغة رواية الحديث القدسي: صيغة رواية الحديث القدسي حصرها ابن حجر الهيتمي في شرحه للأربعين في صيغتين: إحداهما: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه، وهذه صيغةُ السلف، يعني أو ما يرادفها في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه قال: "أَيُّما عبدٍ من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله" الحديث المتقدم آنفًا. (١) الثانية: قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله. فتُعتبر إحدى هاتين الصيغتين أو ما يرادفهما من الحديث القدسي. ويدل التتبعُ والاستقراء على أن الحديثَ الذي فيه تحاورٌ ومقاولةٌ بين الله وبعض عباده الأخيار أو الأشرار، لا يُعَدُّ حديثًا قدسيًّا، بل الحديثُ القدسيُّ ما هو حكايةُ قولِ الله وحده. والذي يظهر من كتاب "الأحاديث القدسية" أن اللجنةَ التي دونته اعتمدت في حقيقة الحديث القدسي أنه كلُّ ما حُكِيَ فيه قولٌ محكيٌّ عن الله تعالى مطلقًا. الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وبينه وبين غيره من الأحاديث النبوية: أما الفرق بين القرآن والحديث القدسي فظاهرٌ مما ذكرناه، وإنما الخفاءُ في الفرق بين أقوال النبي ﷺ مما ينسبه إلى الله وبين غيره من كلامه، ذلك أن الكلام الصادر عن النبي ﷺ في التشريع وأمور الدين محمولٌ عند الجمهور على أنه موحًى به إليه. قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية: "واختلف في بقية السنة

стр. 366

غير الأحاديث القدسية: هل هو كله بوحي أو لا؟ وآية: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] تؤيد الأول". (١) وقال السيوطي في الإتقان في النوع السادس عشر: "إن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن". (٢) وأقول: هذا هو الظاهر، كما يدل عليه حديثُ يعلى بن أمية أن رجلًا أتى النبي ﷺ بالجعرانة وعليه (أي على الرجل) جبة وعليه أثر الخلوق فقال: "يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاء يعلى، وعلى رسول الله ﷺ ثوبٌ قد أظل به، فأدخل رأسه، فإذا رسول الله ﷺ محمر الوجه، وهو يغط، ثم سري عنه، فقال: "أين الذي سأل عن العمرة؟ " فأُتِيَ بالرجل، فقال: "اغسل الطيب الذي بك ثلاثَ مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك". (٣) فهذا الإخبار عن حكم العمرة نزل فيه وحي، ولم ينزل فيه قرآن. وظاهر الحال يقتضي أن الوحي للنبي ﷺ في تلك الساعة نزل لأجل جواب السائل عن العمل في العمرة. على أنه يحتمل أن يكون سؤالُ السائل صادف وقتَ نزول الوحي بقرآن، وأن تأخير جواب النبي ﷺ أنه كان لأجل الاشتغال بتلقِّي قرآن ينزل لا لترقب نزول وحي لجواب السائل، وهو احتمالٌ بعيد. ومسألةُ كونِ جميع الأحاديث موحًى بها مسألةٌ مبنيةٌ على الخلاف في وقوع الاجتهاد من النبي ﷺ في الشرعيات. (٤)

стр. 367

وبما تقرر تكون الأقوالُ التي ينطق بها النبي ﷺ ثلاثة أنواع: أعلاها: وهو معلوم. (١) الثاني: الحديث القدسي وهو الذي بحثنا في شأنه، ولا بد فيه من نسبة قول إلى الله. الثالث: الحديث النبوي وهو ما عدا القرآن والحديث القدسي. وقد تتبعتُ ما في كتاب الأحاديث القدسية للجنة القرآن والحديث، فوجدت ما يحق أن يُعَدَّ حديثًا قدسيًّا أربعةً وخمسين حديثًا، وفي أكثرها رواياتٌ ألغينا إثباتها. فنحو قول النبي ﷺ في الصحيحين: "ينزل ربُّنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا - حين يبقى ثلث الليل الآخر - فيقول: مَنْ يدعونِي فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيَه؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟ "، (٢) يشبه أن يكون قدسيًّا وليس بالقدسي؛ لأنه قولٌ إلهي متعلِّقٌ بأحوال قوم مَخْصوصين. ونحو قوله في حديث الموطأ: "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون"، (٣) ليس بقدسي؛ لأنه حكايةُ قولٍ من الله للملائكة، وليس قولًا يُرادُ تبليغُه، وإنما المراد تبليغُ القصة كلِّها بما اشتملت عليه. ونحو حديث: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا"، (٤) ليس بحديث قدسيٍّ؛ لأنه نسبةُ فعل إلى الله لا نسبةُ قول. وكذلك حديث: "كلمتان حبيبتان إلى

стр. 368

الرحمان، خفيفتان في اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". (١) وهذه أرقامُ الأحاديث التي يحق أن تُعَدَّ قدسية، وهي الأرقام المرقم بها في كتاب "الأحاديث القدسية" على ترتيبها مع إلغاء أعداد مختلف رواياتها. وهي أربعة وخمسون حديثًا: ١٠، ١١، ١٣، ١٦، ١٩، ٢٢، ٢٥، ٢٧، ٣٠، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٤٢، ٤٤، ٤٥، ٥٢، ٦٢، ٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤، ٨١، ١١٣، ١٢٣، ١٣٤، ١٤٢، ١٤٤، ١٤٦، ١٥٢، ١٥٤، ١٥٥، ١٦٠، ١٦٢، ١٧١، ١٧٩، ١٨٢، ١٩٨، ٢٠١، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٤، ٢٣١، ٢٣٤، ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٦٢، ٢٦٤، ٢٦٦، ٢٧١، ٢٨٦، ٢٩٤، ٣٠١.

стр. 369

مراجعة ما تضمنه كتاب "فتح الملك العلي " (١) طالعتُ كتابَكم "فتح الملك العلي" (٢) فرأيت أنكم نحوتُم فيه نحو تلقي حديث "أنا مدينة العلم" بالقبول. ولا بدع في ذلك، فقد سبقكم إلى ذلك كثيرٌ من المحدثين، كما أن كثيرًا منهم نبذوه بالعراء وكثيرًا رموه بأنه وضع وافتراء. وتبين من حاصل أقوالهم فيه أنَّ منكريه لم يقتصروا على الطعن في رجال أسانيده، بل تجاوزوا ذلك إلى الحكم على ذات الحديث، فقالوا فيه أقوالًا شديدة مثل: موضوع، منكر، لا أصلَ له، كذب، كم خلق افتضحوا فيه، لم يروه عن أبِي معاوية [الضرير] أحدٌ من الثقات. ومثلُ هذا الحكم لا يصدر عن أصحابه من الحفاظ إلا بعد التقَصِّي والاستقراء لجميع أسانيده، فإذا لم يجدوا فيها مظنةَ الصحة استخلصوا من

стр. 370

استقرائهم حكمًا كليًّا يتعلق بذات الحديث المروي، وليس حكمًا جزئيًّا متعلقًا بأسانيده، وهذا مقامٌ شديد في الحكم. ونظيره قولُ الإمام أبي عبد الله البخاري في باب مَنْ أُهْدِىَ له هديةٌ وعنده جلساؤه [فهو أحق بها]: "ويُذكر عن ابن عباس أن جلساءَه شركاؤه، ولم يصح"، (١) أي لم يصح عن رسول الله ﷺ ، فلم يعين البخاري سندًا، بل جزم بعدم صحة المروي. ولأجل حكمهم على ذات حديث: "أنا مدينة العلم" بالوضع، صار هذا الحديثُ سببَ الطعن في أبِي الصلت، (٢) حتى إنك لتجد في كلام بعضهم الاعتراضَ على مَنْ عدَّل أبا الصلت بقوله: أليس قد روى حديث "أنا مدينة العلم"، كما ذكره الحاكم في المستدرك عن العباس بن محمد الدوري عن صالح بن حبيب. (٣) ثم إن جماعةً تظاهروا على أن أبا الصلت وضع هذا الحديث عن أبي معاوية، وذكر قليلٌ منهم أن أبا معاوية حدَّث به ثم كف عنه. وعلى كل حال، فكثرةُ الاختلاف فيه وشدة عناية الأئمة بالفحص عن رواته يُؤْذِنُ بأنه حديثٌ لم يكن معروفًا عند الحفاظ، وأنه طلع على هذه الأمة طلوع الشواظ.

стр. 371

المراجعة الإجمالية: هذا وإنِّي أرى أن للاختلاف بيننا في قبول هذا الحديث مرجعًا نرجع إليه، وهو أصلُ الاختلاف في أصل عام يجري في هذا الحديث وأمثاله، ألا وهو أصلُ تغليب جانب التهمة والحذر في قبول الرواة، أو جانب حسن الظن والتسامح. وهما مقامان معلومان من قديم لأئمة الحديث، وبهما كان التفاوتُ في مراتب ضبط المحدثين وتمحيصهم ونقدهم. فقد كان عمر بن الخطاب يقول: "المسلمون عدولٌ بعضهم على بعض"، (١) ثُم لَمَّا حدثت شهادةُ الزور قال عمر: "لا يؤمّر أحدٌ في الإسلام بغير عدول" (٢). نشأ عن ذلك اختلافُهم في هل الأصلُ في الناس هو الجرح أو العدالة. ومذهبُ المحققين - وفي مقدمتهم مالك بن أنس - أن الأصلَ في الناس هو الجرح، فلذلك قال: لا يُقبل مجهولُ الباطن، وإن كان مستورَ الظاهر. وعلى هذا القول درج جمهورُ التحقيق والضبط. (٣)

стр. 372

ومن الناس مَنْ قال: الأصلُ في الناس العدالة، وقبلوا مستورَ الظاهر وإن جُهل باطنُه. وإلى هذا ذهب الأقلُّ، منهم أبو حنيفة، وابن فورك ومسلم الرازي من الشافعية. ولكن إذا ظهر موجِبُ الجرح بطل الخلاف. (١) وفي الناس متساهلون يظنون الخير، ويتلقون الأخبار عن كل مسلم، إلى أن بلغ الحالُ ببعضهم أن عد تمحيصَ الرواة من قبيل الغيبة فأنكره على ابن معين قائلُهم: وَلابْنِ مَعِينٍ فِي الرِّجَالِ مقالةٌ ... سَيُسْأَلُ عَنْهَا وَالإلَهُ شَهِيدُ إِنْ كَانَ حَقًّا قَوْلُهُ فَهْوُ غِيبَةٌ .... وَإِنْ كَانَ زُورًا فَالْعِقَابُ شَدِيدُ (٢) وطريقةُ إمامنا مالك ونظرائه - أئمة النقد - هي الطريقةُ المثلى، وعليها كانت سنتُه في تهذيب كتاب الموطأ عامًا فعامًا. وقد قال ابن أبي حاتم: "قلت ليحيى بن معين: لماذا مالك قل حديثُه؟ فقال: لكثرة تمييزه". (٣) وقد كان يأتي في ذلك بتشديد

стр. 373

عمر بن الخطاب في قبول الرواية عن رسول الله ﷺ ، كما وقع في حديث أبي موسى الأشعري معه في كتاب الاستئذان في الموطأ وصحيح البخاري وأن عمر قال لأبي موسى: "أما إني لا أتهمك، ولكني أردتُ أن لا يتجرأ الناسُ على الحديث عن رسول الله ﷺ ". (١) وروينا عن ابن عباس أنه قال: "إنا كنا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله، ابتدرنا وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناسُ الصعبَ والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف". (٢) وروى مسلم عن ابن سيرين أنه قال: "إن هذا العلم [يعني الحديث] دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". (٣) وروى أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد أن أبا هريرة قال: "إن هذا العلم (يعني الحديث) دين فانظروا عمن تأخذونه". (٤)

стр. 374

ومثلُه رُوِيَ عن مالك في التمهيد وفي المدارك لعياض. (١) وروينا عن عبد الله بن المبارك: "إن الإسناد من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء بما شاء". (٢) وقال عبد الرحمن بن مهدي: "خصلتان لا يستقيم فيهما حسنُ الظن: الحكم والحديث". (٣) وعلى هذه الطريقة جرى الأئمةُ المشهود لهم بتمام الضبط، مثل أصحاب مالك، كعبد الله بن المبارك وابن مهدي، ومن أصحابهم كالإمامين البخاري ومسلم. وأنا أرى التحري أولَى بالمسلمين، فقد طفحت عليهم الروايات، فكانت منها أدواءٌ وطامات. فإذا كنا متفقين في طريقنا من تغليب جانب التحرِّي، فالمراجعةُ سهلة، ولو لاح الخلافُ في أول وهلة. وإن كان كلٌّ ينحو إلى منهج من ذينك المنهجين، فالاختلافُ في الفروع تبعٌ للخلاف في الأصول، فلنتمسك بوثاق الود، ولا نهتم باختلاف الأوهام والعقول. المراجعة التفصيلية: ثم إن استقراء كتاب "فتح الملك العلي" بلغ بي إلى حصر مدارك الخلاف بيننا في ستة طرق مما سلكتموه: الطريق الأول: أن كثرة الرواة عن أبي الصلت ترونَها موجبًا لتعديله، وأنا أرى أن كثرةَ الرواة عن المطعون فيه ليست بالتي تفلته من سهام الطاعنين. وأنتم تعلمون أن أهلَ الصحيح والحسن يتوقفون في الرواية عن أحد بقولهم "تُكلِّمَ فيه"، فكيف والذين روَوْا عن أبي الصلت كلُّهم متكلَّمٌ فيهم؟

стр. 375

الطريق الثاني: جعلتم اشتهار أبي الصلت بالزهد والديانة شاهدًا لتعديله. وهذا لا أساعد عليه؛ إذ بين الديانة والعدالة بون. فقد قال مالك ﵁: "لقد أدركت سبعين رجلًا ممن يقول قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين - وأشار إلى المسجد - فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإن أحدَهم لو اؤتُمِن على بيت مال لكان أمينًا، إلَّا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن". (١) وروى ابنُ وهب عنه أنه قال: "أدركت بهذه البلدة [أي المدينة] أقوامًا لو استُقي بهم القَطرُ لَسُقُوا، قد سمعوا العلمَ والحديثَ كثيرًا، ما حدَّثْتُ عن أحد منهم شيئًا؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسَهم خوفَ الله والزهد. وهذا الشأن - يعني الحديث والفتيا - يحتاج إلى رجل معه تُقًى وورع، وصيانةٌ وإتقان، وفهمٌ وعلم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدًا". (٢) وقال يحيى بن سعيد القطان فيما روى مسلم: "لم نر أهلَ الخير في شيء أكذبَ منهم في الحديث"، (٣) يريد أنهم يكذبون عن توهم وغلط واختلاط في المسموعات، وحسن الظن بالرواة. وقال عبد الله بن المبارك في شأن عباد بن كثير: "كنت إذا ذكر في مجلس أثنيت عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه". (٤)

стр. 376

فإذا سلمنا أن أبا الصلت كان على جانب من التقوى والزهد، فلسنا بالذين نسلم أن ذلك كاف في قبول حديثه. الطريق الثالث: الاحتجاج بتوثيق مَنْ وثق أبا الصلت، مثل الحاكم في المستدرك، ومثل ما نقل عن يحيى بنٍ معين. وأنا آخِذٌ في هذا بقاعدة تقديم الجرح على التعديل، إلا إذا كان المجرِّح شاذًّا جدًّا وكان متحاملًا، لا سيما وكثيرٌ من الذين جرَّحوا أبا الصلت طعنوه طعنًا عميقًا، كما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمته، وكما ذكره أئمةُ الحديث عن أحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي في شأنه. (١) وقد ثبت أن أبا الصلت كان يروي أحاديثَ في مثالب ملصقة بمن تثلبهم الشيعة من الصحابة، مثل أبي موسى الأشعري ومعاوية ﵄، وذلك يدل على خبث تشيعه ورقة ديانته بدخول الفضول بين خيرة الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن الطعن في الصحابة إطلالٌ من كُوى الإلحاد في الدين ورفع الثقة بنَقَلَةِ الدين إلينا. فكيف تطمئن النفسُ للرواية عن مثله؟ ولا ينفعه مع هذه النزعة زهدُه وتقاه. وفي الحديث وصفَ رسولُ الله ﷺ قومًا فقال: "تَحْقِرون صلاتَكم مع صلاتِهم وصيامَكم في صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرَهم، يمرقُون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمية"، (٢) وفي الحديث: "التقوى ههنا"، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. (٣)

стр. 377

وقد جزم أحمد بن حنبل وابن عدي بأن أبا الصلت هو واضعُ حديث: "أنا مدينة العلم"، ونسبه لأبي معاوية. (١) أما ما يُنقل عن يحيى بن معين في شأن أبي الصلت فكلامُه فيه متناقض، كما ذكره الخطيب في التاريخ، (٢) فلا يُعَوَّلُ على شيء من كلامه. وههنا ملاحظة تتعلق بهذا الطريق وهي أنكم ذكرتم في صفحة ٨ عن الدارقطني عن دعلج أن أبا سعيد الهروي سئل عن أبي الصلت فقال: نعم ابن الهيضم ثقة فقال: إنما سألتك عن عبد السلام فقال: نعم ثقة. اهـ. والظاهرُ أن في النسخة تحريفًا؛ فإن الخطيب البغدادي في التاريخ في ترجمة عبد السلام بن صالح ذكر كلامَ الدارقطني عن دعلج ونصَّ جواب الهروي هكذا: "نعيم بن الهيصم (بالصاد المهملة) ثقة، قال سائلُه: إنما سألتُكَ عن عبد السلام، فقال: نعيم ثقة، ولم يزد". (٣) فهذا إعراضٌ من أبي سعيد الهروي عن الجواب عن حال عبد السلام بن صالح الملقب بأبي الصلت. وليس في العبارة "نعم" حرف الجواب، بل هو نُعَيم اسم بصيغة التصغير، ونعيم هذا هروي، توُفِّي سنة ٢٢٨. الطريق الرابع: رأيتم أن هذا الحديث رُوِيَ من غير طريق أبي الصلت؛ إذ رواه محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية، وجعفر بن محمد البغدادي الفقيه عن

стр. 378

أبي معاوية، وعمر بن إسماعيل بن مجالد، وأحمد بن سلمة الجرجاني، وإبراهيم بن موسى الرازي، ورجاء بن سلمة، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمود بن خداش، والحسن بن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام. وقد ذكرتُ في مقالي ما قيل في جعفر بن محمد، وفي رجاء بن سلمة، وفي أحمد بن سلمة، وفي عمر بن إسماعيل. فيبقى محمد بن جعفر الفيدي، وإبراهيم بن موسى الرازي، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمود بن خداش، والحسن بن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام. فأما محمد بن جعفر الفيدي فهو في ذاته ثقة، غير أن روايته لم تنقل إلينا بسند معروف حتى ننظر رجاله الراوين عن محمد بن جعفر الفيدي، ثم ننظر صيغة التحديث به عن أبي معاوية. إنما رأينا نقلًا نقله الخطيب في التاريخ عن ابن معين بغير سند أن الفيدي روى عن أبي معاوية، فالله أعلم بحال سنده. وأما إبراهيم بن موسى فرواه عنه محمد بن جرير الطبري وقال: "إنه شيخ لا أعرفه، ولا سمعت منه غير هذا الحديث". (١) فهو إذن مجهولٌ لراويه، غريبٌ عنده، فلا يُعتد به. وهو غير إبراهيم بن موسى الرازي الملقب بالفراء وبالصغير، فذاك إمام جليل. وأما موسى بن محمد الأنصاري، فقد روى حديث "أنا دار الحكمة". وقد ذكرتُ روايتَه في مقالِي في جملة رواياته، وبينتُ ما فيها. وفي رواته محفوظ بن بحر الأنطاكي، وقد قال فيه أبو عروبة: "إنه كذاب"، قاله الذهبي في الميزان. (٢)

стр. 379

وأما محمود بن خداش والحسن بن علي بن راشد، فقد كفيتم القولَ فيهما إذ قلتم: "إن الراويين عنهما متهمان". وأما أبو عبيد ففي الذين حدثوا عنه الجبريني، وهو من الضعفاء. وقد ذكرتم متابعةَ سعيد بن عقبة، ومتابعة عثمان بن عبد الله الأموي، وصرحتم كما صرحنا بقول ابن عدي فيهما، فلا يتكثر بهما. الطريق الخامس: تعضيد هذا الحديث بالشواهد المعنوية مما يدل على فضائل علي ﵁. وإن فضل علي لا ينكره إلا جاهلٌ ضعيفُ الإيمان، فهو عند جمهور علماء الإسلام في الرعيل الأول من أفاضل الصحابة. واتفق أهلُ السنة قاطبةً على أنه يتلو في الفضل أبا بكر وعمر، واختلفوا في الثالث: فقيل عثمان، وهو قولُ الجمهور منهم وهو الأصح عن مالك، وهو الذي نتقلده. وقيل: الثالث علي، وقيل: هما سواء، وهو مرويٌّ عن مالك، فرضي الله عن جميعهم. إنما الكلام في فضيلة خاصة، وهي أن يكون عليٌّ هو الطريق الواضح لعلم رسول الله ﷺ ، فهذا لا يكون إلا مِنْ نِحل الرافضة، كما بينته في مقالي. ويقوِّي التهمةَ المذكورة روايةُ الإصبغ بن نباتة لهذا الحديث أن رسول الله قال لعلي: "يا علي كذب مَنْ زعم أنه يدخلها من غير بابها"، فقد صرحت المكيدة بعد أن لوَّحت بها القرائنُ العديدة. الطريق السادس: أن كثرةَ الروايات والطرق للحديث الضعيف تبلغ به مرتبةَ الحسن أو الصحة. وهذا إذا سلمناه، فإنما يُحتمل في الحديث الخفيف ضعفه. وأما الذي نحن بصدد الخوض فيه، فهو موضوعٌ أو شديدُ الضعف. فكثرةُ المتابعات لا تفيد (١)

стр. 380

على أن نَمنع إطلاقَ القاعدة، كما يدل عليه كلامُ النووي وابن الصلاح. (١) والخلاصةُ أن حالَ أسانيد هذا الحديث يمنع من إدخاله في حقيقة الصحيح وحقيقة الحسن، لفقدان شروطهما فيه، فيدور أمرُه بين الضعف والوضع.

стр. 381

درس في موطأ الإمام مالك ﵁: "جامع القضاء وكراهيته " (١) " عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي: أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسانَ عملُه. وقد بلغني أنك جُعلتَ طبيبًا تداوي، فإن كنت تبرئ فنعمَّا لك، وإن كنت متطبِّبًا فاحذر أن تقتلَ إنسانًا فتدخل النار. فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثُم أدبرا عنه، نظر إليهما وقال: ارجعا إليَّ، أعيدَا عليَّ قضيتَكما، متطببٌ والله". (٢) [تمهيد: القضاء بين الترغيب والترهيب]: لم يترك الإمام رحمه الله تعالى في تبويبه هذا حقًّا من المناسبة في التبويب إلا قضاه، إذ أخر التحذير من القضاء إلى آخر كتاب الأقضية، واستهل كتابَ الأقضية بالترغيب في القضاء بالحق، آثر بذلك التقديم وهذا التأخير ترتبًا طبيعيًّا من وجهين: ١ - أولهُما أن الناس لو سُلك بهم مسلكُ الاقتصار على الترهيب من القضاء، ثم تمشى ذلك في عقول العلماء العدول فعافت نفوسُهم القضاء وتمالؤوا على التفصِّي منه، لكان من أثر ذلك أن يصبح الناسُ فوضى ويرجعوا إلى الهمجية الأولَى يقتصُّون لأنفسهم، تلك الهمجية التي كان من جهد الشريعة إبعادُ الناس عنها، قال الحماسي:

стр. 382

فَلَسْنَا كَمَنْ كُنْتُمْ تُصِيبُونَ سَلَّةً ... فَنَقْبَلُ ضَيْمًا أَوْ نُحَكِّمُ قَاضِيَا وَلَكِنَّ حُكْمَ السَّيْفِ فِيكُمْ مُسَلَّطٌ ... فَنَرْضَى إِذَا مَا أَصْبَحَ السَّيْفُ رَاضِيَا (١) من أجل ذلك جاء الترغيب في القضاء بالحق، كأنه يأخذ بيد الخائف الوجل من هذا الأمر، ويطل به عليه، يبين له أن إكباره خيالٌ كبير، وأن المرء إذا شاء إجراء العدل كان يلي بولايته (٢) القضاء أكبرَ خطة وأصلحَها للكون. ثم جاء الإمام في آخر كتاب الأقضية بالترهيب منه إيقاظًا لنفوسٍ ربما خامرها الذهولُ فاستهونت أمرَه بعد استكباره، ولم ترقب حقَّ الله من الاحتياط فيه، وأخرج في هذا الأخير هاتيكم الكلمة الفذة: كلمة سلمان ﵁. ٢ - وثانيهما يناسب حالَ المرء الذي يلي القضاء، أي أن يكون مكتوبًا على هذا السطر القويم، فتكون رهبتُه من القضاء بعد ولايته أشدَّ من نفوره عنه من قبل، فإن الولاية ربما خيبت أمانيَ وبدلت أخلاقًا. قد تغر بوارقُ المرء فيظن سحابه ماطرًا، وما هو إلا جَهَامٌ (٣) لا ينشئ إلا غمًّا للكون وساكنيه، وحرارةٌ يوقدها بَرقُه الْخُلَّب فيه: خُلُقٌ أَفَادَتْهُ الوِلَايَةُ إِنَّهَا ... خُلُقٌ يُغَيِّرُ أَهْلَهُ وَيُبَدِّلُ (٤) [العدل أساسُ صلاح العمران]: أراد الله تعالى عمران هذا الكون، ففطر البشرَ على الدَّأَب نحو استحصال منافعه وإجابة طلبات نفسه؛ تلك الفطرةُ التي هي أصلُ التسابق لاقتضاء ما يستتب

стр. 383

به العمران. ولكن هاته الفطرة كانت بحكم الضرورة ميالةً إلى استلاب المنافع من أيدي أصحابها ورَوْم انضمامها إلى المصالح الذاتية، إحساسًا يجده الحيُّ في نفسه ويسمعه يوحي إليه في باطنه أن لو استطعتَ أن تملك الدنيا فافعل، به (١) أمكن أن يسعى المرءُ في نيل ما يحب. ولكنه سيجد المدافع عن أخذ ما بيده، فيضطر إلى الفكر في استخراج ما يطلب من غير يد مالكه بأن يسعى إليه من جهة لم يُسبق عليها. تلك جهةُ الإحياء والاختراع التي لا ينطفئ نبراسُها من الأمم، ولكنه ينوس (٢) بمقدار الحاجة الداعية، كما قيل: "الحاجة أم الاختراع". ولكن النفوس من قبل أميلُ إلى الدعة والراحة، وأعشقُ للشيء المشاهد الحاصل، فلذلك يكون ميلُها إلى استلاب المملوكات أسبقَ من تفكيرها في ابتداع ما تشتهيه. هكذا كان يجري هذا بين الأفراد في خاصتها، والقوم في قراها، والأمم في توسيع الممالك، وطموح كل أمة إلى تعميرها الأرض وإفناء ما سواها بالوجه الذي تراه. فكان التدافع بين أفراد النوع لذلك طبيعيًّا ناشئًا عن تحرك القوتين الشاهية والغاصبة عند التزاحم في مزدحم الحياة، وكذلك تكون المصالح غالبًا غير سالِمة من أضرار تعقبها هي منها بمنزلة ما تشتمل عليه الثمرةُ الطيبة من البزور والحلفايات. فللتشريع في هذا أن ينظر بعد اقتضاء المصلحة العمرانية إلى ما تخلفه، فيكفي الناسَ مضرتَه بوجه تَسلم به تلك المصلحةُ من الأضرار. هذا الوجهُ هو حماية الحقوق؛ أي ردُّ يد الظالِم عن تناول ما للغير بدون رضا، وهو أمرٌ حسن توافق عليه الفطرةُ ما دامت غيرَ مستهواة لهوى غالب في جزئية خاصة. ولا تستقلُّ أمةٌ عن الحاجة إليه مهما بلغت من الرقي، فإن الأمم المنحطة لا يمكنها الوصولُ إلى إيفاء

стр. 384

الحقوق أهلَها، فضرورتُها إلى القضاء ليست بالأمر الخفي. وأما الراقيةُ فإنها تتألف من جماعات فاضلة ومن أضدادها، فلا غنًى بها عن تأسيس قواعد العدل لإصلاح الدهماء ولإقناع الحكماء والعلماء؛ لأن هؤلاء وإن كانوا يعرفون العدلَ ويجزمون بحسنه، إلا أنهم في الأحوال الخاصة مأسورن للشهوة أو الغضب. فكأنهم يحبون أن يكونوا في تلك الحالة الخاصة استثناءً من هاته المصلحة الكلية، لِما يغلب من الهوى على التعقل. وهكذا يبقى ذو الهوى في كل مسألة يُحب الاستثناء، فإذا جاءت النوبةُ غيرَه أحبَّ أن يكون مستثنى أيضًا، وأغراه الطمعُ أن يقاس على سالفه. فكان العدلُ إذن أصلَ العمران، وبه قامت الأرض ودامت الدول. وكان أهمُّ ما ينشأ عنه صفتين إن هما تحققتا سعدت الأمةُ ودام بقاؤها، ألا وهما: الحريةُ والأخوة. فإن الحرية إن لم يكن معها عدلٌ ذبلت حتى تسَّاقط إلى الحضيض؛ إذ حقيقتها أن يأخذَ المرءُ بكل حقوقه، وأن يفيَ بجميع حقوق غيره، وأن يصدعَ بآرائه. وهذا كلُّه لا يكون بغير العدل. كيف يجد المرءُ بغير العدل الأخذَ بكل حقوقه وهو يرى الكثير منها مستترًا في حصون العظماء، فلا تستطيعُ يدُه وصولًا إليه ولا فمُه أن يبديَ حنينًا عليه؟ أم كيف يمكنه أن يسلم حقوقَ غيره وهو إن ترك أخذَ حقِّه وزاد فسلم للناس حقوقَهم رجعت كفُّه صفرًا، ولم يجد في حياته ما يتخذه ذُخرًا؟ وكيف يمكنه التجاهرُ برأيه، وهو يعلم أن كلمةً تُغضب زيدًا وعملًا يسوء عمرًا فلا يأمن من الأذى بأصنافه؟ وبهذا ينمحي تغييرُ المنكر والأمرُ بالمعروف من الناس، ذلك الوصفُ الذي إن فقدوه فسدوا وذلوا، قال عمر بن الخطاب لأبي مريم الحنفي (١) يومًا: "إني

стр. 385

أبغضك؛ لأنك قتلت أخي زيدًا. قال أبو مريم: يا أمير المؤمنين، هل يعدمني بغضُك إيايَ حقًّا لي في الإسلام؟ قال عمر: اللهم لا. قال أبو مريم: إذن لا يرغي في الحب إلا النساء". (١) أما التآخي فضروريٌّ أنه لا يحصل ما دامت الأمةُ متنافرة: هذا يسلب حقًّا والآخرُ يسترجعه، وثالثٌ يرى سلبَ الأول إياه ملكًا فيأثر بحب أخذه من يد مسترجعه. وكذلك يكون أمرهم تنازعًا حتى يفشلوا وتذهب ريحهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله"، (٢) فانظر كيف قرن بين الأخوة ونفي الظلم. لعل في هذا المقدار مقنعًا لكم إن أردتم أن تعرفوا مرتبةَ القضاء بالحق ومكانَه من الفضيلة. قال ابن فرحون: "اعلم أن أكثر المؤلفين من أصحابنا بالغوا في الترهيب من الدخول في ولاية القضاء، وشددوا في كراهية السعي فيها، ورغبوا في الإعراض عنها والنفور والهروب منها، حتى تقرر في ذهن كثير من الفقهاء والصلحاء أن مَنْ وَلِيَ القضاء قد سهل عليه دينه. . . وهذا غلطٌ فاحش يجب الرجوعُ عنه والتوبةُ منه. . . واعلم أن كلَّ ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويفٌ ووعيد، فإنما هو في حقِّ قُضاة الجور العلماء أو الجهال الذين يُدخلون أنفسَهم في هذا المنصب بغير علم، ففي

стр. 386

هذين الصنفين جاء الوعيد. وأما قوله: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين"، (١) فقد أورده أكثرُ الناس في معرض التحذير من القضاء. وقال بعضُ أهل العلم: هذا الحديثُ دليلٌ على شرف القضاء وعظيم منزلته، وأن المتولِّي له مجاهدٌ لنفسه وهواه، وهو دليلٌ على فضيلة مَنْ قضى بالحق إذ جعله ذبيحَ الحق امتحانًا". (٢) وقوله: "تجب التوبةُ منه" صحيح؛ لأنه يجر إلى تنقص رسول الله ﷺ ، إذ كان القضاءُ من تصرفاته وتصرفات خلفائه المتأسين به في سنته. وبه يُعلم سرُّ ما خرجه الإمام ﵀ في هذا الكتاب تحت ترجمة الترغيب في القضاء بالحق حديث: "إنما أنا بشرٌ مثلُكم، وإنكم تختصمون إلَيَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألْحَنَ بِحُجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع"، (٣) لينبهَ على أن رسول الله ﷺ كان قاضيًا بين الناس، ثم كان القضاء من شأن الخلفاء الراشدين. فلما آلت الخلافةُ إلَى مَنْ لم يكن لهم من العلم بالسنة مكانةٌ تُخَوِّلهُم السلامةَ من الخطأ غالبًا، آل ذلك إلى إسنادهم هذه الولايةَ إلى أحد العلماء المسَلَّم لهم العلمُ والعدل ليأمنوا يوم القيامة حملَ حسابهم. أما إن بعدت الأقطار، فإن من السنة

стр. 387

إرسالَ القضاة، تخفيفًا من مشقة المتداعين وسرعةً بإنقاذ الحق المبين. استقضى رسول الله ﷺ معاذًا باليمن، وأولُ مَنْ استقضى بالمصر من الخلفاء علي ﵁، استقضى شُرَيْحًا بالكوفة أيامَ شغلته الخوارجُ بحروبها. [شرح الحديث]: • " مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هلم إلى الأرض المقدسة": أبو الدرداء هو عُوَيْمر بن عامر الخزرجي، أحد الثلاثة الذين نزلوا دمشق من الصحابة مع بلال ومعاوية، توُفِّيَ سنة ٣١ هـ. ولِيَ قضاءَ القدس في خلافة عثمان وأمير الشام يومئذ معاوية، وقيل بل ولاه عمر. قال رسول الله ﷺ : "حكيم أمتي أبو الدرداء". (١) وسلمان الفارسي من رامهرمز. (٢) قال في الاستيعاب: شهد [له] رسول الله ﷺ بالحكمة في قوله: لو كان الدين أو العلم بالثريا لناله سلمان، وفي رواية رجلٌ من فارس، والمراد به سلمان. توفِّيَ سنة ٣٥ هـ. شهد وقعة الأحزاب وهو الذي أشار أن تحصن المدينة بخندق يحيط بها. سلمان وأبو الدرداء آخى بينهما النبي ﷺ حين آخى بين المهاجرين والأنصار. وقد ورد دخولُ سلمان بيت أبي الدرداء، وأنه وجد أمَّ الدرداء متبذلة، وأنه لام أبا الدرداء على ذلك. وهما من الأربعة الذين شهد لهم معاذ إذ قال: "اطلبوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء،

стр. 388

وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام". (١) وباعتبار الشهادة النبوية لأبي الدرداء وسلمان، يكون الحوارُ الذي دار بينهما ملحقًا بالحديث النبوي؛ إذ هو دائر بين الحكمة والعلم المشهود بهما لهما. • "وهلم" اسم فعل، بمعنى أقبل إلي، يلازم حالة واحدة، فلا يتغير باختلاف المخاطَب به من تعدد أو تأنيث. استوفد أبو الدرداء سلمان لمساكنته رغبةً في جوار أهل الفضل من الأخلاء؛ لأنهم رهطُ الرجل الذين يعتضد بهم، وهم أنفع له من أقاربه المنافرين لشربه. فالعاقلُ في مواصلة أهل رأيه أرغبُ منه في مُجاورة أهل نسبه، وكذلك يكون الجوار خلة متى جلبه الود والاصطحاب. سئل الحكيم: أي الرجلين أحب إليك: أخوك أم صديقُك؟ فقال: إنما أُحِبُّ أخي إذا كان صديقي. قال أبو الوليد الباجي في المنتقى: "قول أبي الدرداء: أن هلم إلى الأرض المقدسة؛ يريد المطهرة. والمقدس في كلام العرب المطَهَّر، وإنما أراد موضعًا من الشام يسمى المقدس، ومنه سمي مسجد إيليا: البيت المقدس، يريد المطهَّر. ومعناه أنه مطهر مما كان في غيره من المواضع من الكفر، وكان ذلك في وقت من الأوقات، فلزمه الاسم والوصف بذلك. ويُحْتَمَل أن يكونَ معنى تقديسها [و] تطهيرها، أن فيها يُطهَّرُ من الذنوب والخطايا، فيكونُ معنى المقدَّس المقدَّسُ أهلُها. ويدل على صحة هذا التأويل قولُ

стр. 389

سلمان: "إن الأرض لا تُقَدِّس أحدًا"، ولا تطهره من ذنوبه، "وإنما يقدسه عمله". فيكون على هذا التأويل إنما وُصف أهلُ بيت المقدس بذلك في زمان عملوا فيه بطاعة الله تعالى، وكان كثيرٌ منهم أنبياء وسائرُهم أتباعًا للأنبياء". (١) وأقول: تقديس البقاع مثل تقديس الأوقات، هو أمر جعلي من الله تعالى تبعًا لما رسم لها من إيقاع الأعمال الصالحة التي أهمها التوحيد. وقد كان المسجد المقدس ثانِيَ بيت وضع للناس لإعلان توحيد الله وتنزيهه، وذلك أساسُ فضائل الأعمال. • "فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا": لم يشتمل جوابُ سلمان على تقرير لما يخالف اعتقاده، كالذي تشتمل عليه مخاطباتُ الناس ورسائلُهم من الإطراء لما قد يعتقده المرء فاسدًا بعلة المداهنة التي علق عليها الناس اسم المداراة، فعدموا بذلك فائدةَ النصيحة والتواصي بالحق. ذلك أن سلمان وأمثاله صدقوا ما عاهدوا الله من بذل النصيحة لكل مسلم، وكذلك يكون الأمر بين أقوياء النفوس وراجحي الأحلام أن لا يكتموا شيئًا يرون منه صلاحًا ونصحًا؛ لأن الكذب هو علة انقلاب الحقائق وموجب ارتفاع الاطمئنان. وذلك يسبب التخاذل والتفريق، فلا يرجى اتحادٌ ما دام هذا سائدًا في أمة. قوله: "إن الأرض لا تقدس أحدًا"، هو رد لِمَا تضمنه كلامُ أبي الدرداء حين دعاه إلى سكنى الأرض المقدسة؛ لأن الصفة تؤذن بالتعليل، فيتضمن أنه يكتسب من السكنى بها تقديسًا في نفسه. وقصد سلمان أن يدفع ما وقر في صدور الناس من الشعور بأن المرء قد تغني عنه ملابساتُه، حتى الأرض التي هو فيها. وأبو الدرداء وإن كان منزهًا في نظر سلمان عن اعتقاد هذا لعلمه وصحبته، ولكنه رأى لسانه جرى على ما تجري به ألسنةُ العموم، أو أنه رام ترغيبَه في القرب منه بمرغِّبٍ ما، وهو فضل الأرض التي يسكنها استكمالًا للفضيلة.

стр. 390

• "وإنما يقدس الإنسان عمله": جاء بقضية كلية بعد أن نفى التقديسَ في جزئيته؛ لأن تلك الجزئية المنفية ليست أوْلَى الجزئيات بثبوت الحكم بحيث إِنْ نُفي عنها اقتنع المتكلِّم عن نفي ما عداها من الجزئيات، مما الشبهةُ به أشدُّ والخطأ إليه أسرع، نحو قرابة من المقدس أو صلة به. فأورد هذا الحصر بإنما تنبيهًا على تعميم القضية، فقصر بذلك صفة تقديس الإنسان على العمل لا تتجاوزه إلى غيره، وهو قصر حقيقي. وليس ورود القصر بعد النفي بجاعله إضافيًّا؛ لأن النفي إنما يلمح إلى الاعتقاد المردود الباعث على سلوك طريق القصر. على أن النفي هنا متقدم، وهو عند التقديم صريحٌ في أن الداعي إلى الخطاب بالقصر يفيد. ووِزانُه وزانُ "إنما الولاءُ لِمَنْ أعتق" (١) بعد كلام أشار إلى أن البائع لا يستحقه، ولذا اتفق جمهورُ الفقهاء على أن لا ولاءَ إلا لمن أعتق. • "وقد بلغني أنك جُعِلْتَ طبيبًا تداوي": أشار إلى ولاية أبي الدرداء قضاء بلد القدس. ومراد سلمان ظاهر؛ إذ قد علم أبو الدرداء أنه لم يكن طبيبًا، فهو يعلم أن سلمان أراد تمثيلَ حاله في القضاء بحال الطبيبِ أو المتطبِّب. وسمي القاضي طبيبًا على طريقة الاستعارة، لمشابهة القاضي الطبيبَ في إصلاح حال البشر وإزالة أدواء الظلم. فإن كان الطب يصلح مزاج المرضى، فالقضاء بالحق يصلح مزاج العالم
следующие страницы →