هذين الصنفين جاء الوعيد. وأما قوله: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين"، (١) فقد أورده أكثرُ الناس في معرض التحذير من القضاء. وقال بعضُ أهل العلم: هذا الحديثُ دليلٌ على شرف القضاء وعظيم منزلته، وأن المتولِّي له مجاهدٌ لنفسه وهواه، وهو دليلٌ على فضيلة مَنْ قضى بالحق إذ جعله ذبيحَ الحق امتحانًا". (٢)
وقوله: "تجب التوبةُ منه" صحيح؛ لأنه يجر إلى تنقص رسول الله ﷺ ، إذ كان القضاءُ من تصرفاته وتصرفات خلفائه المتأسين به في سنته. وبه يُعلم سرُّ ما خرجه الإمام ﵀ في هذا الكتاب تحت ترجمة الترغيب في القضاء بالحق حديث: "إنما أنا بشرٌ مثلُكم، وإنكم تختصمون إلَيَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألْحَنَ بِحُجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع"، (٣) لينبهَ على أن رسول الله ﷺ كان قاضيًا بين الناس، ثم كان القضاء من شأن الخلفاء الراشدين.
فلما آلت الخلافةُ إلَى مَنْ لم يكن لهم من العلم بالسنة مكانةٌ تُخَوِّلهُم السلامةَ من الخطأ غالبًا، آل ذلك إلى إسنادهم هذه الولايةَ إلى أحد العلماء المسَلَّم لهم العلمُ والعدل ليأمنوا يوم القيامة حملَ حسابهم. أما إن بعدت الأقطار، فإن من السنة
стр. 387
إرسالَ القضاة، تخفيفًا من مشقة المتداعين وسرعةً بإنقاذ الحق المبين. استقضى رسول الله ﷺ معاذًا باليمن، وأولُ مَنْ استقضى بالمصر من الخلفاء علي ﵁، استقضى شُرَيْحًا بالكوفة أيامَ شغلته الخوارجُ بحروبها.
[شرح الحديث]:
• " مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هلم إلى الأرض المقدسة":
أبو الدرداء هو عُوَيْمر بن عامر الخزرجي، أحد الثلاثة الذين نزلوا دمشق من الصحابة مع بلال ومعاوية، توُفِّيَ سنة ٣١ هـ. ولِيَ قضاءَ القدس في خلافة عثمان وأمير الشام يومئذ معاوية، وقيل بل ولاه عمر. قال رسول الله ﷺ : "حكيم أمتي أبو الدرداء". (١) وسلمان الفارسي من رامهرمز. (٢) قال في الاستيعاب: شهد [له] رسول الله ﷺ بالحكمة في قوله: لو كان الدين أو العلم بالثريا لناله سلمان، وفي رواية رجلٌ من فارس، والمراد به سلمان. توفِّيَ سنة ٣٥ هـ. شهد وقعة الأحزاب وهو الذي أشار أن تحصن المدينة بخندق يحيط بها. سلمان وأبو الدرداء آخى بينهما النبي ﷺ حين آخى بين المهاجرين والأنصار. وقد ورد دخولُ سلمان بيت أبي الدرداء، وأنه وجد أمَّ الدرداء متبذلة، وأنه لام أبا الدرداء على ذلك. وهما من الأربعة الذين شهد لهم معاذ إذ قال: "اطلبوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء،
стр. 388
وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام". (١) وباعتبار الشهادة النبوية لأبي الدرداء وسلمان، يكون الحوارُ الذي دار بينهما ملحقًا بالحديث النبوي؛ إذ هو دائر بين الحكمة والعلم المشهود بهما لهما.
• "وهلم" اسم فعل، بمعنى أقبل إلي، يلازم حالة واحدة، فلا يتغير باختلاف المخاطَب به من تعدد أو تأنيث. استوفد أبو الدرداء سلمان لمساكنته رغبةً في جوار أهل الفضل من الأخلاء؛ لأنهم رهطُ الرجل الذين يعتضد بهم، وهم أنفع له من أقاربه المنافرين لشربه. فالعاقلُ في مواصلة أهل رأيه أرغبُ منه في مُجاورة أهل نسبه، وكذلك يكون الجوار خلة متى جلبه الود والاصطحاب. سئل الحكيم: أي الرجلين أحب إليك: أخوك أم صديقُك؟ فقال: إنما أُحِبُّ أخي إذا كان صديقي.
قال أبو الوليد الباجي في المنتقى: "قول أبي الدرداء: أن هلم إلى الأرض المقدسة؛ يريد المطهرة. والمقدس في كلام العرب المطَهَّر، وإنما أراد موضعًا من الشام يسمى المقدس، ومنه سمي مسجد إيليا: البيت المقدس، يريد المطهَّر. ومعناه أنه مطهر مما كان في غيره من المواضع من الكفر، وكان ذلك في وقت من الأوقات، فلزمه الاسم والوصف بذلك.
ويُحْتَمَل أن يكونَ معنى تقديسها [و] تطهيرها، أن فيها يُطهَّرُ من الذنوب والخطايا، فيكونُ معنى المقدَّس المقدَّسُ أهلُها. ويدل على صحة هذا التأويل قولُ
стр. 389
سلمان: "إن الأرض لا تُقَدِّس أحدًا"، ولا تطهره من ذنوبه، "وإنما يقدسه عمله". فيكون على هذا التأويل إنما وُصف أهلُ بيت المقدس بذلك في زمان عملوا فيه بطاعة الله تعالى، وكان كثيرٌ منهم أنبياء وسائرُهم أتباعًا للأنبياء". (١)
وأقول: تقديس البقاع مثل تقديس الأوقات، هو أمر جعلي من الله تعالى تبعًا لما رسم لها من إيقاع الأعمال الصالحة التي أهمها التوحيد. وقد كان المسجد المقدس ثانِيَ بيت وضع للناس لإعلان توحيد الله وتنزيهه، وذلك أساسُ فضائل الأعمال.
• "فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا": لم يشتمل جوابُ سلمان على تقرير لما يخالف اعتقاده، كالذي تشتمل عليه مخاطباتُ الناس ورسائلُهم من الإطراء لما قد يعتقده المرء فاسدًا بعلة المداهنة التي علق عليها الناس اسم المداراة، فعدموا بذلك فائدةَ النصيحة والتواصي بالحق.
ذلك أن سلمان وأمثاله صدقوا ما عاهدوا الله من بذل النصيحة لكل مسلم، وكذلك يكون الأمر بين أقوياء النفوس وراجحي الأحلام أن لا يكتموا شيئًا يرون منه صلاحًا ونصحًا؛ لأن الكذب هو علة انقلاب الحقائق وموجب ارتفاع الاطمئنان. وذلك يسبب التخاذل والتفريق، فلا يرجى اتحادٌ ما دام هذا سائدًا في أمة.
قوله: "إن الأرض لا تقدس أحدًا"، هو رد لِمَا تضمنه كلامُ أبي الدرداء حين دعاه إلى سكنى الأرض المقدسة؛ لأن الصفة تؤذن بالتعليل، فيتضمن أنه يكتسب من السكنى بها تقديسًا في نفسه. وقصد سلمان أن يدفع ما وقر في صدور الناس من الشعور بأن المرء قد تغني عنه ملابساتُه، حتى الأرض التي هو فيها. وأبو الدرداء وإن كان منزهًا في نظر سلمان عن اعتقاد هذا لعلمه وصحبته، ولكنه رأى لسانه جرى على ما تجري به ألسنةُ العموم، أو أنه رام ترغيبَه في القرب منه بمرغِّبٍ ما، وهو فضل الأرض التي يسكنها استكمالًا للفضيلة.
стр. 390
• "وإنما يقدس الإنسان عمله": جاء بقضية كلية بعد أن نفى التقديسَ في جزئيته؛ لأن تلك الجزئية المنفية ليست أوْلَى الجزئيات بثبوت الحكم بحيث إِنْ نُفي عنها اقتنع المتكلِّم عن نفي ما عداها من الجزئيات، مما الشبهةُ به أشدُّ والخطأ إليه أسرع، نحو قرابة من المقدس أو صلة به.
فأورد هذا الحصر بإنما تنبيهًا على تعميم القضية، فقصر بذلك صفة تقديس الإنسان على العمل لا تتجاوزه إلى غيره، وهو قصر حقيقي. وليس ورود القصر بعد النفي بجاعله إضافيًّا؛ لأن النفي إنما يلمح إلى الاعتقاد المردود الباعث على سلوك طريق القصر. على أن النفي هنا متقدم، وهو عند التقديم صريحٌ في أن الداعي إلى الخطاب بالقصر يفيد. ووِزانُه وزانُ "إنما الولاءُ لِمَنْ أعتق" (١) بعد كلام أشار إلى أن البائع لا يستحقه، ولذا اتفق جمهورُ الفقهاء على أن لا ولاءَ إلا لمن أعتق.
• "وقد بلغني أنك جُعِلْتَ طبيبًا تداوي": أشار إلى ولاية أبي الدرداء قضاء بلد القدس. ومراد سلمان ظاهر؛ إذ قد علم أبو الدرداء أنه لم يكن طبيبًا، فهو يعلم أن سلمان أراد تمثيلَ حاله في القضاء بحال الطبيبِ أو المتطبِّب. وسمي القاضي طبيبًا على طريقة الاستعارة، لمشابهة القاضي الطبيبَ في إصلاح حال البشر وإزالة أدواء الظلم. فإن كان الطب يصلح مزاج المرضى، فالقضاء بالحق يصلح مزاج العالم
стр. 391
أجمع، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]؛ لأن الناس إن اطرد بينهم القضاء بالحق زالت طماعيتُهم في استلاب حقوق الغير، فاستقاموا من تلقاء أنفسهم متى علموا أن لا غاية يجتنونها من وراء الظلم.
فأما متى كان القضاء مختلًّا، فإن للظالم أمنيةَ الانزواء تحت التخفيف. هب أن الجور كان يقضي أن يشدد على البريء تارة، فإن ذلك لا يرفع المظالم؛ لأن النفوس عند الشهوات تتمسك بالطمع، ولهذا حظرت الشريعةُ الشفاعةَ لِمَنْ بلغ الإمامَ في الحدود وغيرها. وجاء بكلمة "تداوى" ترشيحًا للاستعارة وإيماءً إلى وجه الشبه، إذ كانت الاستعارةُ من الغرابة بالمكان الذي ربما أَبْهم أمرَها على السامع.
• "فإن كنتَ تُبرئ": طرد الاستعارة، ومن محاسن التشبيه أن يكون مطردًا في جميع أصوله وفروعه. وأراد بكونه يبرئ المقدرةَ على إصابة الحق، وحملَ الناس عليه بتنفيذه فيهم، وتحملَ مصاعب القضاء التي أقلُّ ما فيها أنه يقضي على ذويه وأصحابه وهو كاره وهم كارهون. قال الباجي: "يريد بالإبراء هنا إصابةَ الحق ودفعَ الباطل؛ لأن الباطل [وما يتضادُّ به الشرعُ] هو الداءُ الذي يَسْأل عنه المستفتي لإزالته". (١)
• "فنعمَّا لك": نعم فعل غير متصرف عند محققي النحاة، وتدخل عليها "ما" التي هي في الأصل معرفة غير موصولة هي بمعنى الشيء، فتدغم ميم "نعم" في ميم "ما". والغالب أن يقع بعدها ضميرٌ مخصوص بالمدح، نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، فإن وقع فعل بعد "ما" صارت موصولة، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، فلا يُذكر بعدها مخصوصٌ بالمدح استغناءً عنه بما أشعر به من الكلام. وإذا وقع بعد "ما" حرفُ جر، كما هنا، صح أن يُجْعَلَ صلة "ما" أو صفةً لها، أي نعم الشيء لك أو نعم الذي لك. وفي الحديث: "بئس ما لأحدهم أن يقول: نَسِيتُ آية
стр. 392
كذا وآية كذا". (١) إلخ. والمعنى: فنعم الشيء لك القضاء بين الناس، لما فيه من إيصال الحق.
• "وإن كنت متطببًا فاحذَرْ أن تقتل إنسانًا": أراد بالمتطبب هنا المتفعل المتكلف من الطب المراد هناك، أي غيرَ عالمٍ بوجوه القضاء، ورشح هاته الاستعارة بقوله: "أن تقتل إنسانًا". وقد شبه بقتل المتطببِ مريضَه ما يُحدثه قضاءُ القاصر من ضياع الحقوق المفضي إلى الفساد، فيكون الترشيح مستعارًا للازم المشبَّه من لوازم المشبه به على نحو: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فيفيد الترشيحَ بلفظه والاستعارةَ بمعناه وقرينته.
وأراد بالمتطبِّبِ الذي ليس على بينةٍ من أمره، فهو يقصد الحقَّ فيقع في الباطل، كشأن كلِّ مَنْ لم يكن متحقِّقًا من شيء. فسلمان لا يَخْشى على أبي الدرداء الْجور، ولا يحذره منه؛ لأنه آمِنٌ عليه منه لعدالته، إذ هو من أصحاب رسول الله، وهم عدول. وإنما خشي عليه أن لا يتأمل جيدَ التأمل في بعض القضايا، مبالغةً في النصح له، وذلك لأن القضاء بغير الحق جهلًا يساوي قصدَ الجور في عدم الوصول إلى الحق.
وفي حديث النَّسائي عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار، وواحدٌ في الجنة. رجلٌ علم الحقَّ فقضى به فهو في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ جَارَ في الحكم فهو في النار". (٢)
стр. 393
وهذا يدل على اشتراط العلم في القاضي. والعلم مهما أُطلق في لسان أهل الأصول والمتقدمين، فإنما يُراد به أصدقُ معانيه، وهو الفكرُ والنظر. فلا يصح عند الأئمة ولايةُ قاضٍ عامِّيٌّ أو مقلِّدٍ لا يستطيع النظرَ في مدارك الأحكام أو في مسائل الخلاف، قال عبد الوهاب في التلقين: "ولا يُستَقْضَى إلا فقيهٌ من أهل الاجتهاد لا عامي مقلِّد؛ [لأنه يحتاج فيما ينزل من الحوادث إلى الاجتهاد. فلا يصح أن يكون عاميًّا؛ لأنه ليس بمجتهد] ". (١)
وشرح المازري فقال: "وقد قال مالك في كتاب ابن حبيب: فإن لم يكن عالم، فعاقل ورع؛ فإنه بالعقل يقف وبالورع يسأل. فهذا قول ابن حبيب سهل في ولاية القضاء المقلد، ولكنه لم يصرح بجواز هذا مع القدرة على قاض نظار، بل أشار إلى كون الضرورة تدعو إلى ولاية مقلِّد. ولا خلافَ أن ولاية النظار أجدرُ من ولاية المقلد، وإنما الخلافُ هل تصح ولايةُ المقلد وتنفذ أحكامه أم لا؟ فيمنع ذلك الشافعي، وهو الذي يحكيه أئمةُ مذهبنا عن المذهب، ويجيز ذلك أبو حنيفة ويأمره بمشاورة النظار. واحتج أصحابُنا وأصحابُ الشافعي بقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وبقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
أما عصرُنا هذا، ففي إقليم المغرب لا يوجد مفتٍ نظَّار، فالمنعُ من ولاية المقلد تعطيلٌ للأحكام، ولكن تختلف أحوال المقلدين. ثم إذا كان النظر شرطًا، فهو يتضمن المنعَ من اشتراط الإمام على رجل نظار أن لا يحكم إلا بمذهب أحد الأئمة؛ لأن الرجل إذا أداه اجتهادُه إلى الصواب وأُمِر أن يَقضيَ بخلاف ما عنده فقد صار مأمورًا بمخالفة الحق في اعتقاده. فإذا انعقدت الولايةُ على هذا الوجه، فإن هذا عقدٌ
стр. 394
لا يجوز، وينبغي فسخُه ورده. وذهب بعضُ الناس إلى أن القضاء على هذه الصفة لا يُفسخ، بل يمضي ويبطل الشرط؛ لأن الفسادَ في الشرط لا في التولية". (١)
وقال أبو بكر ابن العربي: "الذي يقضي بالحق، إن كان عن علم فهو الذي يقوم عن يمين الرحمن، وإن كان عن تقليد فلا يجوز أن يُتخذ قاضيًا إلا عند الضرورة، فيقضي حينئذ في النازلة بفتوى عالِم رآه ورواه (٢) بنص النازلة. فإن قاس على قوله أو قال: يجوز من هذا كذا أو نحوه فهو متعد". (٣) وقال خليل: " [أهل القضاء عدلٌ ذكَرٌ فطن] مجتهدٌ إن وجد، وإلَّا فأمثلُ مقلد". (٤)
وشذ ابن رشد وابن زرقون (٥) فقالا: ذلك مستحب، صرح بذلك في المقدمات. (٦)
стр. 395
وعليه قال ابن عاصم: "ويُستحب العلم فيه"، (١) فلما اطلع على هذا اللفظ مَنْ لا وقوفَ له على اصطلاح الناس في العلم ظن أن المستحبَّ العلمُ المقابل للجهل.
هكذا يتم تشبيه سلمان؛ لأن العالم بالحق يقضي وهو عالم أن ذلك هو الصواب، فهو كالطبيب المعتمد فيما يشير به على تجربة النفع. أما المقلد فهو كرجل بلغه أن الدواء نافع ولم يجربه، أو اقتضب دواءً من تلقاء نفسه يريد أن يجربه في ذلك المريض، فهذا إذا ناول المريضَ شيئًا لم يكن آمنًا من سوء المغبة.
إذا نظرنا إلى الشروط الواجبة في القاضي، نجدها ترجع إلى دفع وصف المتطَبِّب عنه وهي: ١. التكليف؛ لأن غير المكلف قاصرُ النظر قطعًا. ٢. والذكورة لضعف المرأة عن الأخذ بالحقوق ونزوعها إلى الرحمة والشفقة. ٣. والحرية لأن المملوك لا يُرجى لإقامة الحق ما دام يَخاف غيرَه، فربما قضى بهوى سيده. هذا هو الذي تشدون عليه من سر اشتراط الحرية في القاضي، ولا تُصْغُوا إلى ما يذكرونه من أن الرق أثر الكفر؛ لأنه لو صح لبطل استقضاء المولى. ٤. والعدالة، وأمرها واضح. ٥. والسلامة من فقد الحس أو المنطق؛ لأنه لا يُتَوصَّل إلى الحقيقة إلا بالفهم والاستفهام.
стр. 396
وبقي شرط الاتحاد على خلاف فيه، فدليلُ مشترِطه أنه أَعْوَنُ على اتحاد الأحكام والسلامة من التشويش على الخلق. (١)
• "فتدخل النار": لقد أبدع كلامُ سلمان في التفنن؛ إذ تخلص من المشابهة التمثيلية على طريقة الخطابة البلاغية إلى المشابهة الشرعية المسماة بالقياس، فرَتَّب على تمثيل القضاء بالطب تمثيلَ القضاء بغير الحق بقتل النفس، تحذيرًا من العقاب المشهور لقاتل النفس، وهو دخول النار بجامع إضاعة الحق فيهما. ولأن القضاء قد يتعلق بالقصاص، فإذا تساهل فيه قتل نفسًا خطأ قريبًا من العمد لأجل التساهل.
وقد بلغ سلمان النصيحة والتذكير بخوف الله تعالى، فاستقاموا وأقاموا العدل، وسادوا العالم. فلما انقلبت الحال في عقائد الناس إلى المماهلة (٢) في أمر الله، والاستخفاف بالوعيد تحت اسم الرجاء وما هو إلا الإرجاء، واتكل الناس على الطمع في المغفرة، آل بهم الأمرُ إلى الإدبار. قال حجةُ الإسلام أبو حامد في كتاب الرجاء من إحياء علوم الدين: "المحبوبُ المتوقَّع لا بد وأن يكون له سبب، فإن كان انتظارُه لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق. وإن كان ذلك انتظارًا مع انخرام أسبابه واضطرابها، فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء. وإن لم تكن الأسبابُ معلومةَ الوجود ولا معلومةَ الانتفاء، فاسم التمني أصدقُ على انتظاره؛ لأنه انتظار من غير سبب". (٣) ومعرفة الأسباب تسهل لمن يعرض نفسه
стр. 397
على كتاب الله تعالى، ولا يصغي إلى ما يقر به الغرورُ من الاستخفاف وتهوينِ أمر الله عند عامة عباده.
• "فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما وقال: ارجعا [إليَّ] أعيدا علي قضيتكما": هذا أصلٌ عظيم في أن المرء لا يأمن من الخطأ ما بلغ به العلم، وأنه يجب تعقبُ الأحكام لإزالة الخطأ عنها. وإن تقرر الخطأ للقاضي إذا لاح له فاستنكافه عن نقض حكمه شرُّ الجورين، فإن جُعِل ذلك إليه بالولاية فظاهر، وإن لم يُجْعَل إليه نقضُ أحكامه وجب عليه رفعُها لمن إليه النقضُ والإبرام.
• "متطبب والله": قد يقف النظر هنا، ريثما يستبين أمرَ هاته الكلمة. فإنه يرى أبا الدرداء بعد أن نصح له سلمان بأن المتطبِّبَ لا يأمن أن يقع فيما يُدخله النارَ وقَبِلَ النصيحةَ منه، أخبر عن نفسه بأنه متطبِّب، فيتساءل: لماذا لم يترك هاته الخطة لطبيب؟ فيظن أن هاته كلمةُ تواضعٍ منه، ولكنه ما يقدم خطوته حتى يرى يمينَ أبي الدرداء على ذلك الذي يعين كلامه للحقيقة.
وقد كان أصحابُ رسول الله ﷺ اعتادوا من قدوتهم الأعظم العصمة، فصاروا على وجلٍ من اقتحام القضاء بين الناس مع انتفاء العصمة، ولذلك قال أبو بكر ﵁: "أيُّ أرض تُقِلُّني، وأيُّ سَماءٍ تُظِلني، إن قلتُ في كتاب الله شيئًا من رأيي؟ " (١)
فكذلك أبو الدرداء لمَّا اعتبر بكلام سلمان، رأى أن التطبُّبَ لا يفارق غيرَ المعصوم، فقال: "متطبب والله". فينبغي أن يكون مرادُه تطببًا غير التطبب الذي أراده سلمان. وأحسب أنه أراد به عدمَ أمن المجتهدين من الخطأ في اجتهادهم، فهو لا يسلم من الوعيد إلا إذا بذل مقدارَ استطاعته مع مظنة المقدرة والتأهل من نفسه؛ لأن الخطأ لا ينافي العلم والنظر، ولا يُلَامُ في ذلك إلا حيث يكون الخطأ في محل
стр. 398
الوضوح والحياد عن الدليل إلى غيره، أو مع التقصير في تقصِّي النظر ومعرفة الحجج. فهو بإعادة النازلة يَستدرك ما عسى أن يُلِمَّ به من خطأ على غرة. ولو كان أبو الدرداء شاكًّا في كفاءته، لمَنعتْه عدالتُه من أن يليَ هذا الأمر.
وفي كلام أبي الدرداء ما يصدق قولَ رسول الله ﷺ فيه "إنه حكيم"، فقد دل على سعة صدره وترحابه بما يُسدى إليه من النصائح. وذلك آيةُ الكمال ومحبة الحق؛ لأن النفوس الكبيرة لا يهمها إلا المشيُ على الصواب أبدًا، فهي لا تحب أن تخالفه، ولذلك تبتهج بكل ما يجنبها الضلالَ عنه. أما النفوسُ المستضعفة والعقول السخيفة، فإنها تستنكف عن شعور الناس بحالها؛ إذ ليس لها ما تُقنع به نفسَها إلا المغالطة والتناسي، فهي لا تستطيع كمالًا من شعورها بالعجز عنه. فلذلك يكون ذكرُه لها تعبًا ونكدًا، بخلاف الأخرى فإنها إن لاح لها خطأٌ في بعض أعمالها تعزت بالصواب في بقيتها، فأنشد حالُها قولَ أبي الطيب:
ومَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا ... كَفَى الْمرءَ نُبلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ (١)
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤, ١٢٥]. وفي ملازمة أبي الدرداء لهاته الكلمة إشعارٌ بتحفظه على النصيحة، حتى لقد اتخذ لفظَها شعارًا له لا يفارقه ذكرُه في كل قضية.
стр. 399
وكذلك حكماء الناس إذا اهتموا بأمر، ربما اتخذوا اسْمَه شعارًا لهم، حتى لقد كانت تُعرف أخلاقُ الرجل منهم في اختيار نقش خاتمه. وهذه سنةُ كلِّ قول، إنما يُعتَدُّ به إذا تبعه عمل. وبمقدار ذلك يكون النفعُ والتأثير، فأيُّمَا قولٍ أو علم لم يتبعه عملٌ فهو تبعاتٌ على صاحبه. ولهذا تعوَّذ رسولُ الله ﷺ من علم لا ينفع، (١) أي لا ينشأ عنه عمل. وقد كان من دعاءِ رسول الله ﷺ : "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدنِي علمًا". (٢) والله أعلم.
стр. 400
الأسانيد المريضة الرواية: "حديث طلب العلم فريضة " (١)
اشتهر في بعض الكتب وعلى ألسنة الناس حديثُ رسول الله ﷺ أنه قال: "طلب العلم فريضة"، وقد رُوِيَ من طرق كثيرة بروايات متنوعة. وقد طُلب مني بيانُ حالها، ومتابعةُ مواقعها في حلها وترحالها، فأجبتُ السؤالَ لأكون مِمَّنْ أُعْطِيَ الحكمة. (٢)
أقوال الحفاظ في رجال سنده:
قال ابنُ عدي في "الكامل" ومحمد بن طاهر المقدسي في "ذخيرة الحفاظ" ما ملخَّصُه أن روايتَه عن ابن مسعود هي من رواية عثمان الجمحي، وعثمان هذا مُنْكَرُ الحديث. وروايتُه عن ابن عمر من رواية موسى بن إبراهيم، وموسى مجهولٌ ضعيف. ومن رواية وهب [بن وهب، أبي البختري]، ووهب هذا كذاب. ومن رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري، ومحمد هذا متروكُ الحديث. قال أحمد بن حنبل فيه: "إنه كان يضع الحديث". وروايتُه عن جابر بن عبد الله من رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري المذكور آنفًا. وروايتُه عن أنس بن مالك: من رواية حسان بن سياه، ومن رواية سليمان بن قَرْم، وهو أيضًا ضعيف، ومن رواية حفص بن سليمان
стр. 401
الغاضري، وحفص متروك الحديث. ومن رواية طريف بن سليمان أبي عاتكة، وهو منكر الحديث. ومن رواية عبد الله بن خراش [بن حوشب]، وعبد الله هذا قال البخاري فيه: إنه مُنكَرُ الحديث. ومن رواية سليمان بن سلمة الخبائري عن بقية بن الوليد عن الأوزاعي، وهو مُنْكَرٌ من حديث الأوزاعي، ووقع فيه تخليطٌ لبقية بن الوليد. أقول: بقية بن الوليد متكلَّمٌ فيه، قاله ابن العربي في العارضة على سنن الترمذي في شرح حديث العرباض بن سارية من باب الأخذ بالسنة. (١) ومن رواية أحمد بن هارون [بن موسى بن هارون]، وأحمد هذا وضعه. ومن رواية زياد بن سحنون، (٢) وزياد متروكُ الحديث. ومن رواية [أبي سهل] حسام بن مصك [بن ظالم]، وحسام ضعيف. انتهى حاصل كلام ابن عدي في الكامل. (٣)
آراء الحفاظ في حالته:
أخرجه ابنُ عدي في كتابه العدود للضعفاء، وحكم على جميع طرقه بالضعف. وقال السيوطي في الدرر المنتثرة: "وفي كلِّ طُرقه مقال". (٤) وقال ابن
стр. 402
عبد البر: رُوِيَ من وجوه كلُّها معلولة. (١) وقال إسحاق بن راهويه: إن في أسانيده مقالًا. وقال البزار في مسنده: "رُوِيَ عن أنس بأسانيد واهية". (٢)
وقال السيوطي في الدرر عن الْمِزِّي (بكسر الميم، تلميذ النووي، ووقع في بعض نسخ الدرر المنتثرة المُزنِي، وهو تحريف): "هذا الحديث رُوِيَ من طرق تبلغ مرتبة الحسن". (٣) وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: "أسانيدُه كلُّها ضعيفة، لكنها تقوى بكثرتها". (٤) وقال السيوطي في الدرر: "وأخرجه ابن ماجه عن كثير بن شنظير [عن محمد بن سيرين عن أنس]، وكثير مختلَفٌ فيه، فالحديث حسن". (٥)
стр. 403
الرأيُ فيه من جهة سنده أنه حديثٌ ضعيف، رَأَيْنا فيه من أوهى مراتب الضعف؛ لأن رواتَه بين متروكٍ وضعيفٍ ووضاع وكذاب ومنكر ومختلف فيه. وإذْ قد طعن الأئمةُ في جميع أسانيده، فلا يكتسب قوةً باختلافهم في كُثير بن شنظير، فقد قال ابن عدي في كامله: كُثير بن شِنظير ضعيف. (١) وقال في تهذيب الكمال عن النسائي: كُثَيِّر بن شنظير "ليس بالقوي". (٢)
وإذا تعارض الجرْحُ والتعديل، فالجرح مقدَّم، كما قرره علماء الحديث والفقه والأصول. فإذا كان المجرِّح أكثرَ من المعدِّل أو تَسَاويا، فتقديمُ الجرح متفقٌ عليه، وإذا كان المجرِّحُ أقلَّ من المعدِّل ففيه خلاف. (٣)
والصحيحُ الذي عليه الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين تقديمُ الجرح، فعلى ما قررنا تسقط روايةُ كثير بن شنظير، فلا يكون الحديثُ حسنًا لأجلها، خلافًا للسيوطي. على أن رواية كثير بن شنظير هي بواسطة حفص بن سليمان عنه، وحفص بن سليمان متروكُ الحديث، قاله البخاري. (٤)
وإنما قلتُ إنه من أوهى مراتب الضعف، لِمَا قرره علماءُ أصول الحديث أن الشديدَ الضعف هو الذي لا يخلو طريقٌ من طرقه عن كذاب أو متَّهَم. وأما ما نقله
стр. 404
السيوطي عن المزي من قوله: "إنه روي من طرق تبلغ مرتبةَ الحسن"، فلم ندر قرارَه بهذه الطريق، فلعله يعني بها طريقَ كثير بن شنظير، وقد علمت ما فيها. وعلى تسليم كون الخلاف في كُثَيِّر بن شِنْظير لا يسقطه إلى درك الجرح، فإن حقيقةَ الحديث الحسن لا تنطبق على مثله؛ إذ الحديثُ الحسن يُشترط فيه سلامةُ رجال سنده من الجرح، وإنما ينزل عن مرتبة الصحيح بقلة ضبط رجاله مع عدالتهم.
وبقي لنا قولُ المناوي: إن كثرةَ طرق هذا الحديث تقويه. فهذا كلامٌ نحتاج في رده إلى تطويل؛ لأن صدورَ أمثاله كثيرٌ من كلام بعض المنتقدين للحديث. وهو كلامٌ لا يُؤخذ على إطلاقه؛ لأن الضعيف أقسامٌ كثيرة تنتهي في الضعف إلى الموضوع، فإن الموضوع من الضعيف عند المحققين من المحدثين. (١)
فبنا أن ننظر إلى حالة الضعيف: فإن كان ضعيفًا قريبًا من الحسن - أعني قد نقص منه صفةٌ من صفات الحسن أو صفتان ليست إحداهما راجعةً إلى اتهام بعض رواته - فهو مقبولٌ في الجملة. فهذا إذا اعتضد بطرق أخرى متماثلة في الضعف بدون طعن في أحد رواته قد يكتسب قوةً ما، ولكنها قوةٌ لا تُخرجه عن رتبة الضعف، وإنما تُكسبه قوةً في الضعف. فهذا مشتبِهٌ على الضعفاء في علم الحديث، فيحسبون أن الضعيفَ من هذا النوع إذا اعتضد بمثله ارتقى إلى رتبة الحسن، وهو وهم وتخليط.
ألا ترى أن المُحدِّثين ذكروا في حديث: "مَنْ حفظ مِنْ أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة العلماء"، أنه رُوِيَ عن جماعة من الصحابة:
стр. 405
علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وأنه رُوِيَ من طرق كثيرة، وذكروا أن الحفاظَ اتفقوا على أنه حديثٌ ضعيف وإن كثرت طرقُه؛ لأن جميع طرقه ليس فيها طريقٌ [يخلو] (١) من علة، قاله النووي وقاله ابن حجر. (٢) وها هنا توجيهٌ كنتُ جعلته دستورًا في كيفية الاعتضاد بكثرة طرق الأخبار إذا تعددت طرقُها، وقررته في دروس الأصول.
وذلك أن الحديث الصحيح يغلب الظن بصدق نسبته إلى رسول الله نظرًا لحسن الظن برواته، وفيه احتمالٌ مرجوح جدًّا بأن يكون مكذوبًا عن رسول الله ﷺ . (٣) والحديثُ الحسن دونه في الظنِّ بصدق نسبته، وفيه احتمالٌ مرجوحٌ بأن يكون مكذوبًا. والحديث الضعيف يستوي من [حيث] (٤) ظنُّ احتمال عدم نسبته إلى رسول الله وظن احتمال صدق نسبته إليه.
стр. 406
فإذا كثرت طرقُ الحديث الصحيح وطرق الحسن، فقد تأيد ظنُّ الصدق بظنونٍ مثله راجحة، فيصير الصحيحُ قريبًا من المتواتر، ويصير الحسن قريبًا من الصحيح. بخلاف الضعيف، فإن تكرُّرَ طرقِه الضعيفة يؤيد احتمالَيْه معًا، فيبقى كما هو لا يكتسب قوةً بتكرر الطرق. أما من جهة معناه، فهو يؤدي معنًى غيرَ منضبط يحتاج إلى التأويل.
وذلك لا يناسب الفصاحةَ النبوية؛ لأن التعريف في لفظة "العلم" المضاف إليه "طلب" لا يخلو أن يكون للعهد أو الاستغراق، ولا يجوز أن يكون للعهد إذ ليس في الشريعة علم معهود يتطرق إليه الذهن عند تعريفه بلام العهد. فتعين أن محمل التعريف للاستغراق، وهو إما استغراقٌ حقيقي أو عرفِي. ولا يجوز أن يكون استغراقًا حقيقيًّا؛ لأنه يقتضي مطالبةَ كل مسلم بطلب جميع العلوم.
وهذا من التكليف بما لا يطاق، وهو منفِيٌّ عن دين الإسلام بحكم قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فبقي أن يكون استغراقًا عُرفيًّا، أي كل علم من العلوم الشرعية. وهذا ظاهرُه باطل؛ إذ لا يجبُ على كل مسلم أن يطلب جميعَ العلوم الشرعية، بل تحصيلُها فرضُ كفاية يتوَزَّعُه طائفةٌ من الأمة، كما اقتضته آية: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وإذا كان ظاهرُه غيرَ مراد قطعًا، لزم تأويلُه، ولا دليلَ على تأويلٍ معين، فيصير من المجمل الباقي على إجماله، وذلك لا يليق بمقام التشريع أن يُخاطَبَ المسلمون بشيءٍ واجبٍ عليهم غيرُ معيَّن مقدارُه.
وقد تأوله بعضُ العلماء بأن المراد به علمُ ما لا يسع المكلفَ جهلُه - من صلاته وطهارته وصيامه ونحو ذلك - بأن يحصل ما يمكنه تحصيلُه ويسأل عما لا يمكنه تحصيله عند نزوله به. ولا يخفى أنه تأويلٌ بعيد، إذ تحصيلُ قواعد الدين والسؤال عن جزئياتها عند نزولها لا يُسَمَّى طلبَ العلم في متعارف اللغة.
يدل لذلك ما وقع في جامع العتبية في سماع القرينَيْن أشهب وابن نافع من سؤال مالك عن طلب العلم: "أفريضة هو؟ فقال: لا والله، ما كلُّ الناس كان عالِمًا،
стр. 407
وإن من الناس مَنْ أمرُه أن لا يطلبه. ثم قال من الغد: قد سُئلتُ أطلب العلم فريضة؟ قلت: أما على كل الناس فلا". قال ابن رشد في البيان والتحصيل: "وقوله: إن من الناس من أمره أن لا يطلبه، يريد أن مِنَ الناس مَنْ هو قليلُ الفهم لا تتأتَّى له المعاني على وجوهها، وإذا سمع الشيْءَ حمله على خلاف معناه، ومَنْ كان بهذه الصفة فالحظُّ أن يترك الاشتغالَ بطلب العلم إلى ما سواه من ذكر الله سبحانه وقراءة القرآن والصلاة، فهو أعظم لأجره. وقوله من الغد: أما على كلُّ الناس فلا، يدل على أنه فريضةٌ على بعضهم، فهو عنده فريضةٌ على مَنْ كان فيه موضعَ الأمانة". (١)
أقول: كلامُ الإمام من الغد بيانٌ لقوله قبله: "ما كلُّ الناس كان عالِمًا"، وكلامُه كلُّه مؤْذِنٌ بأن المرادَ بطلب العلم تحصيلُ المسائل وفهمُها وتنزيلُها، وذلك لا يلاقي تفسيرَ مَنْ فسَّر العلمَ بمعرفة قواعد الإسلام والسؤال عن جزئياتها.
تنبيه: قال السندي في شرح سنن ابن ماجه عن السخاوي: "ألْحَقَ بعضُ المصنفين بآخر هذا الحديث "ومسلمة"، وليس لها ذكرٌ في شيء من طرقه". (٢)
[روايات الحديث]:
الرواية الأولى: "طلبُ العلم فريضة على كل مسلم"، رُوِيَ مرفوعًا عن أنس وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعلي وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري. قال السيوطي في جمع الجوامع وفي الجامع الصغير: أخرجه ابن عدي في كامله
стр. 408
الموضوع للضعفاء عن أنس، والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس. وأخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، والطبراني في الكبير عن ابن مسعود، والبيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري، والخطيب البغدادي في التاريخ عن علي بن أبي طالب، وتَمَّام في فوائده عن ابن عمر. (١)
الرواية الثانية: "طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم، وواضِعُ العلم عند غير أهله كمُقَلِّدِ الخنازيرِ الجواهرَ واللؤلؤَ والذهب"، رواه ابن ماجه من طريق حفص بن سليمان عن كُثَيِّر بن شِنظير عن أنس بن مالك. (٢) قال المناوي في شرح الجامع الصغير: "ضعَّفه الحافظ المنذري". (٣) وقال محمد السندي في شرح سنن ابن ماجه: إنه حديث ضعيف "لضعف حفص بن سليمان". (٤) وسئل عنه النووي فقال: هو ضعيف جدًا. (٥)
وقال الْمِزِّي - تلميذ النووي - والسيوطي: هو حسن لكثرة طرقه. (٦) أقول: يريد الجزء الأول من الحديث وهو الرواية المتقدمة. أما قوله: "وواضع العلم" إلى آخره، فلا يُعرف له طريق غيرُ طريقِ حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير. وقد
стр. 409
قدمنا في الكلام على الرواية الأولَى قولَهم في حفص بن سليمان: إنه متروك الحديث، وفي كثير بن شنظير: إنه مُخْتَلَفٌ في قبوله.
وأما ضعفُه من جهة المعنى، فجزؤه الأول تقدم الكلامُ عليه، وجزؤه الثاني مختلُّ المعنى، إذ المقصود منه التحذيرُ من وضع العلم عند غير أهله وتشنيعُ ذلك الوضع. ولا سبيلَ إلى معرفة أهلية طالب العلم لوضع العلم عنده حتى يُحذر منه، على أنه لا يلاقي صدرَ الحديث القاضي بأن طلبَ العلم فريضة على كل مسلم. فكأنَّ صدرَه يأمر بطلب العلم، وعجزه يأمر بإمساك العلم عَمَّنْ ليس له بأهل، فينفتح بابٌ عظيم لإمساك العلم بانفتاح باب النظر في أهلية الطالب وعدمها.
الرواية الثالثة: "طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإنَّ طالبَ العلم ليستغفر له كلُّ شيءٍ حتى الحيتان في البحر". قال السيوطي في الجامعين: "رواه ابن عبد البر في كتاب فضل العلم عن أنس". (١) قال المناوي في شرح الجامع: "رُوِي عن أنس من وجوه كثيرة كلها معلولة [لا حجةَ في شيء منها] ". (٢)
وضعفه من جهة المعنى في جزئه الأول تقدم الكلام عليه. أما قوله: "وإن طالب العلم ليستغفر له كل شيء" إلخ، فلا يشبه أن يكونَ من كلام النبوة لركاكاته، فإن أكثر البشر لا يستغفرون لطالب العلم، وأي معنى لاستغفار الحيوان والحيتان، وعهدنا أن الصالحين يستغفر لهم الملائكة؟ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] , فلا تنزل درجةُ طالب العلم إلى أن يستغفر له الحيتان!
стр. 410
الرواية الرابعة: "طلب العلم أفضلُ عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله"، رواه الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس. (١) قال المناوي في شرح الجامع: إسناده فيه وضاع. (٢) أما ضعف معناه، فإن الصلاة والصيام والحج منها واجبٌ هو المراد هنا لقرينة ذكرها مع الحج، وطلب العلم تطوع، والواجباتُ أفضلُ من التطوع إلا ثلاثة فضائل مستثناة هي من جنس واجباتها وهي: التوضؤ قبل دخول الوقت، وابتداء السلام، وإبراء المعسر، مع أن الواجبَ إنظارُه إلى ميسرة.
الرواية الخامسة: "طلبُ العلم ساعةً خيرٌ من قيام ليلة، وطلب العلم يومًا خيرٌ من صيام ثلاثة أشهر"، رواه الديلمي في مسند الفردوس، قال المناوي: بسند ضعيف. (٣)
الرواية السادسة: "اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم"، رواه من طريق ابن عدي في الكامل، رواه ظريف بن سليمان أبو عاتكة عن أنس، وقال البخاري: طريف منكر الحديث. (٤) ورواه أحمد الجوباري بسنده إلى أبي هريرة، والجوباري كذاب، (٥) وقد سرق هذا الحديث من أبي عاتكة وركب له
стр. 411
إسنادًا آخر إلى أبي هريرة.
قال السيوطي في اللآلئ المصنوعة عن ابن حبان: "هو باطل، لا أصلَ له"، وقال البيهقي في شعب الإيمان: "متنه مشهور، وإسناده ضعيف". (١)
الرواية السابعة: "طلب العلم فريضة، والله يحب إغاثة اللهفان"، رواه البيهقي في شعب الإيمان، وابن عبد البر في كتاب العلم. (٢) قال المناوي في شرح الجامع: إسناده ضعيف. (٣)
الرواية الثامنة: "طلب العلم فريضة على كل مسلم، فكن أيها العبدُ عالِمًا أو متعلمًا، ولا خيرَ فيما بين ذلك"، (٤) قال في جمع الجوامع: رواه الديلمي عن علي ﵁، يعني وهو ضعيفٌ لقول المؤلف في ديباجة كتابه: "إن كل ما عُزِيَ إلى الديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف، فيستغنَى بعزوه عن بيان ضعفه"، (٥) يعني ما انفرد به، فإن انفرادَه هو موجبُ العزو إليه.
стр. 412
التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس (١)
إن مِنْ أكبر ما أضَرَّ بالمسلمين في تصورهم معانِي الدين هو غرورُهم بما أُمْلِيَ عليهم من تهوين أمر العمل بشرائع الإسلام، ورضاهم بالاقتصار على فضيلة الإيمان والإسلام مع إهمال كثير من الأعمال، من قلب حقائق شرعية في أصول الدين أو في فروعه. وهذه الأحوال إنما جرها إليهم مروياتٌ ضعيفة، تكاثرت بين المسلمين بسبب تهاون بعض أهل الحديث بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال.
وقد أَدخلت تلك الأحاديثُ الموضوعة الشائعة بين المسلمين والمجهولُ وهَنُها عند عامتهم وكثيرٍ من خاصتهم - المعرضين عن تمحيص أسانيد الأحاديث - أغلاطًا كثيرة، سرى مفعولُها في الناس فلم تخل بعضُ كتبهم من بعضها. فكان حقًّا على كلِّ مَنْ يتصدى لإصلاح حال المسلمين أن يُنَبِّهَ على تمحيص الآثار، لِمَا في التساهل في قبول وَاهِنِها من الأخطار التي لا يقدر المرءُ مقدارَ ما تفضي إليه. فمِنْ حقِّ المسلم الإعراضُ عنها، والاشتغالُ بالصحيح والحسن فهو أهونُ عليه. وها أنا أذكر طائفةً منها مرتَّبة على حروف المعجم، وسنقفِّيها في كل عدد بعدد من نوعها.
стр. 413
١ - "أنا مدينة العلم وعلي بابها"، حديث موضوع بجميع أسانيده على ما انفصل عليه المحققون من المحدثين، ولا عبرةَ بِمَنْ أخرجه اغترارًا بظاهر حال راويه. وقد وضعه أبو الصلت واشتهر به. (١)
٢ - "أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي"، رواه الحاكم وصححه على عادته. وقال الأئمة: هو ضعيف.
٣ - "إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم إلخ"، أخرجه ابن عدي في كتاب الضعفاء، وقال الأئمة: هو حديث ضعيف.
٤ - "إذا ذلت العربُ ذل الإسلام"، رواه أبو يعلى في مسنده، قال العراقي في رسالته في فضل العرب: هو حديث صحيح. قال المناوي: وفيه ما فيه.
٥ - "بُعثت لأتمم مكارمَ الأخلاق"، رواه الحاكم والبيهقي وهو ضعيف.
٦ - "حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق"، أخرجه الحاكم في المستدرك، وهو حديث ضعيف.
٧ - "حبُّ العرب إيمان، وبُغضُهم كفر، فمن أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني"، هو أشد ضعفًا من الذي قبله.
٨ - "طلب العلم فريضة على كل مسلم" حديث ضعيف.
٩ - "مَنْ كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية؛ فإنه يورث النفاق"، رواه الحاكم في المستدرك قال: صحيح. وأنكره الذهبي.
١٠ - "الصلاة [أن] تَباءَسَ وتمَسْكَنَ"، لا يُعرف أصله (٢).
стр. 414
١٢ - "قدِّموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعالموها (أو لا تعلموها)، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لخيارها عند الله"، أخرجه جماعة بأسانيد كلها ضعيفة.
١٣ - "يا جابر أوّل ما خلق الله نور نبيك"، حديث طويل، وهو حديثٌ منكر يتردد حالُه بين الضعيف والوضع. (١)
стр. 415
خلق النور المحمدي (١)
أحييكم تحيةً طيبة، وأدعو لكم بالتوفيق والتسديد،
قرأتُ في مجلة "هدى الإسلام" رغبتَكم مني في بيان حال الحديث الذي رواه عبد الرزاق بسنده إلى جابر بن عبد الله ﵁ في أولية خلق النور النبوي. ولولا سبقُ الخوض في هذا الحديث، لرأيت أجدرَ بأهل العلم من الأمة الإسلامية الاهتمامَ بتمحيص ما ينبني عليه عملٌ نجيح أو اعتقاد صحيح، وأن يوفروا زمانَهم فيما هم إليه أحوج، فإن الزمان نفيس.
إن ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من أخبار عالم الغيب إنما قُصد منه لفتُ العقول والقلوب إلى ما وراء المحسوس حتى يؤمنوا به مجملًا، ثم يُقبلوا على تعلم علم يرجونه مني درايةً وعملًا. ولكن للعلم سلطانًا على جميع الحقائق، فإذا ثارت المناقشاتُ وتولدت المباحثات، فليس للعلماء ملازمةُ السكوت، وعليهم أن يمدوا طلبةَ الحقائق بتحقيق يُنْعشُ ويقيت. وإن قدَر رسول الله ﷺ قدرٌ منيف، وهو فِي غُنيةٍ عن إمداده بحديث صحيح أو ضعيف. وإن الله خصَّ هذه الأمةَ بصحة الإسناد، وأغناها بمرعى السعدان عن مراعي القتاد. (٢) لذلك حق على علمائها إن عرض من
стр. 416
الآثار ما فيه مَغْمز أن يكشفوا عن حقيقته، فإن الكشفَ عن الحقائق أحمر. (١)
متن هذا الحديث:
قال صاحب المواهب اللدنية: "روى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي! أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نورَ نبيك من نوره، فجعل ذلك النورَ يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوحٌ ولا قلم ولا جنةٌ ولا نار، ولا ملكٌ ولا سماءٌ ولا أرض، ولا شمسٌ ولا قمر، ولا جِنِّيٌّ ولا إنس. فلما أراد الله أن يخلق الخلقَ قسم ذلك النورَ أربعةَ أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول حَمَلةَ العرش، ومن الثاني الكرسيَّ، ومن الثالث باقي الملائكة. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار. ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهو المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله"، الحديث انتهى كلام المواهب. (٢)
قال الزرقاني في شرحه: "لم يذكر الرابع من هذا الجزء، فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة". (٣)
стр. 417
أقول: ذكر سليمان بن سَبُع السبتي في كتابه "شفاء الصدور" (١) هذا الحديث بدون إسناد بروايتين مختلفتين متقاربتين، هما من بين ما في المواهب مع مخالفة في ترتيب المخلوقات وفي تعيينها، ولا حاجةَ إلى التطويل بذكرها. فالظاهرُ أن الذي في "شفاء الصدور" هو روايةُ البيهقي. (٢) وفي رواية ابن سبع أن الجزء الرابع من الجزء الرابع ادخره الله تحت ساق العرش، فلما خلق آدم جعلَ ذلك النورَ فيه.
стр. 418
مرتبة هذا الحديث من الصحة:
لا يُعرف هذا الحديثُ من غير رواية المواهب ورواية ابن سبع، وما ذكره الزرقاني منهما عن البيهقي. وقد صرح صاحبُ المواهب بأنه من رواية عبد الرزاق بسنده، ولم يذكر الذين رَوَوْه عن عبد الرزاق.
وعبد الرزاق هذا هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المولود سنة ١٢٦ هـ والمتوفَّى سنة ٢٢١ هـ. وكان أحدَ أئمة الحديث، أخذ عن أئمة أهل السنة: عن مالك ومَعْمَر، (١) وابن جريج، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري. وأخذ عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه. وأخرج له البخاري في الصحيح أحاديثَ كثيرة بواسطة إسحاق وغيره. فهو ثقةٌ إمام في معظم عمره، إلا أنه كان قد عميَ في آخر عمره، وانتحل التشيع. وحمله تشيعُه على أن يرويَ عن الضعفاء، مثل جعفر بن سليمان الضبعي الشيعي. فلذلك حذر الأئمةُ من الرواية عنه بعد ما عمي، وأحسب أن عماه نشأ عن عارض في دماغه، فأضعف ضبطَه. (٢)
стр. 419
صنف عبد الرزاق كتابَ "المسند"، قال يحيى بن معين: "قال لِي عبد الرزاق: اكتبْ عني حديثًا واحدًا من غير كتاب، فقلت: لا، ولا حرفًا". (١) وأكثر الطبرانِيُّ من الرواية عن عبد الرزاق. وقد روى عنه أحاديثَ في غير مسنده كثيرٌ من الضعفاء، مثل أبي جعفر، (٢) فكتب وهو ملموز بالكذب، وأبي الأزهر النيسابوري. (٣)
فهذا الحديثُ المرويُّ عن عبد الرزاق غيرُ معروف عند الْحُفَّاظ، إذ لم يروه أهلُ الصحيح، ولا أصحابُ السير المقبولة مثل ابن إسحاق والحلبي. ولم يروه عياض في "الشفاء"، مع ورود مناسبات كثيرة في الشفاء تناسب ذكرَ هذا الحديث لو كان مقبولًا عنده، منها تكلمه على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ. . .﴾ [النور: ٣٥] عندما ذكر قول من جعل الضمير في قوله: "مَثَلُ نُورِهِ" عائدًا على النبي ﷺ .
ولم يذكره السيوطي في جمع الجوامع، لا في القسم المرتب على حروف المعجم، ولا في القسم المرتب على المسانيد، ومنها مسند جابر بن عبد الله الذي روى عنه
стр. 420
عبد الرزاق هذا الحديث. ولم يذكره السيوطي في كتاب الخصائص، (١) مع أنه لو كان مقبولًا لكان من أوَّلِ الخصائص.
فإن كان عبدُ الرزاق قد رواه حقيقة، فيكون قد رواه عن الضعفاء في آخر عمره، فلذا لا يوجد في مسند عبد الرزاق. (٢) وإن كان عبد الرزاق لم يروه، فقد كذبه عنه الضعفاء والمتساهلون ممن شملهم المقبول؛ إذ لم ينقله أحد. وكذلك رواية البيهقي، فإن البيهقي متساهلٌ في أحاديث دلائل النبوة وفضائل الأعمال. أما ما رُوِيَ في شفاء الصدور لابن سبع، فلا حاجةَ إلى التنبيه على أن كتابه يشتمل على المقبول والمردود.
فهذا الحديثُ مجهولُ السند، ومجردُ وجودِ عبد الرزاق في رُواته لا يكفي في توثيق سنده؛ إذ لا ندري مَنْ رواه عن عبد الرزاق ولا مَنْ رواه عنه عبدُ الرزاق بينه وبين جابر. فهو لذلك غيرُ صحيح ولا حسَن، لعدم معرفة رواية مصدره [فضلًا عن] (٣) أن يُعرف توفر شروط رجال الصحيح ورجال الحسن فيهم، فيتردد بين كونه ضعيفًا أو موضوعًا.
نقده من جهة اللفظ:
إن نظم الكلام في هذا الحديث نظمٌ ضعيف لا يناسب أن يكون لفظَ رسول الله ﷺ الذي هو أفصحُ العرب، يبدو ذلك جليًّا لِمَنْ كان له ذوقٌ في تراتيب منه. (٤) قال ابن الصلاح في أصول علم الحديث: "قد وُضِعت أحاديث طويلة، تشهد بوضعها ركاكةُ ألفاظها ومعانيها". (٥)
стр. 421
وأقول: قد عد أئمةُ الأصول من مرجِّحات بعض الأحاديث على بعض أن يكون أحدُ الحديثين أحسنَ نسقًا، قالوا: لأن حسن النسق أنسبُ للفظ النبوة، فإن رسول الله أفصحُ العرب، فإضافةُ الأفصح إليه أنسبُ من ضده. (١)
الأول: قوله "فجعل ذلك النورَ يدور بالقدرة"، وهو حشو من الكلام. وهل تتحرك الأشياء كلها إلا بالقدرة؟ [الثاني: قوله] "ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا. . . ولا. . ." إلخ، وهو تطويل ثقيل ننزه البلاغة النبوية عنه، ويغني عنه أن يقال: "ولم يكن في ذلك الوقت شيء مخلوق".
وجابر بن عبد الله لم يكن من الأغبياء حتى يُطوَّلَ له، لما به من خاصة أصحاب رسول الله وأهل العلم منهم، وهو ممن روى عن رسول الله علمًا كثيرًا، وأخذ عنه خلقٌ كثير.
نقده من جهة المعنى:
الوجه الأول: قال علماء أصول الحديث وأصول الفقه إن كلَّ خبر أَوْهمَ معنىً باطلًا، ولم يقبل التأويل، فهو مكذوب. وتقدم أن ابن الصلاح قال: "قد وُضعت أحاديث طويلة تشهد بوضعها ركاكةُ ألفاظها ومعانيها".
وهذا الحديث قد جمع طولَ اللفظ وركاكةَ المعنى مع قلة الجدوى. وعادةُ رسول الله ﷺ في الحديث في ذكر أمور الغيب الاختصارُ على محل العبرة وما يجب
стр. 422
الإيمانُ به فيما يرجع إلى الاعتقاد مع الإجمال والرمز؛ لأن الأشياء التي لا تُدرك بالكنه ولا يبلغ إليها فهمُ العقول لا فائدةَ في تفصيل الوصف فيها، وإنما ينبه القرآن أو السنة المؤمنين إلى أصل وجودها.
الوجه الثاني: أنه معارِضٌ لِمَا ثبت في الصحيح في سنن الترمذي ومسند أحمد وأبي داود - ليس داود الطيالسي - عن عبادة بن الصامت وعن أبَيٍّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: "أولُ ما خلق الله القلم". (١) فهذا الحديث هو الذي يُعوَّل عليه لصحته، وهو يعارض حديثَ عبد الرزاق المتكلَّم عنه؛ لأن معنى الجمع بين المتعارضَيْن أن يمكن التصديقُ بمعنى كلٍّ منهما. فإذا كان التصديقُ بمعنى أحدهما يلزم منه إبطالُ معنى الآخر، فليس ذلك من الجمع، بل يعود إلى الترجيح، أي ترجيح صدق أحدهما وإبطال الآخر.
стр. 423
وهذان الحديثان قد عين كلٌّ منهما أولَ ما خلق الله تعالى من المخلوقات. ولفظ "أول" لفظٌ ظاهر الدلالة على معنى السبق الحقيقي، أي التقدم في الوجود على ما سواه. وأحد الحديثين عين لهذا السبق شيئًا غير الذي عينه الحديثُ الآخر، فثبت التعارضُ بينهما لا محالة.
وذكر صاحبُ "المواهب اللدنية" في الجمع بين الحديثين تأويلين. أحدهما حاصله أن يكون النور المحمدي هو أول المخلوقات على الحقيقة، ويكون القلم أول المخلوقات بالنسبة لما عدا النور المحمدي. (١) وهذا بعيد؛ لأن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبين للناس أولَ المخلوقات ما كان يعوزه أن يذكر النور المحمدي ثم يُردفه بالقلم. التأويل الثاني أن المراد بأول المخلوقات في هذين الحديثين وفي أحاديث أخرى مروية بأسانيد بعضها صحيح وبعضها ضعيف تقتضي أن أول المخلوقات العرش أو الماء، هو أولية كل شيء مما ذكر بالنسبة إلى جنسه. وهذا الوجه فاسد لانعدام فائدة التفضيل فيه، ولأن من الأشياء التي أُثبِتت لها الأوليةُ ما ليس له أفراد، كالعرش والقلم، ومن الأشياء ما هو الجنس كله، كالماء. (٢)
الوجه الثالث: أن حديث جابر جعل نورَ أبصار المؤمنين مخلوقًا من الجزء الرابع، مع أن أبصار المؤمنين ليست لها خصوصية في الإبصار على أبصار سائر الناس، وإنما تتفاوت الأبصار بالحدة والضعف بالخلقة، ولا أثر في ذلك لإيمان ولا كفر. ولذلك لجأ شارحُ المواهب إلى تفسير الأبصار بالبصائر، (٣) ولكنه صنع اليد لا يساعد عليه لفظ الحديث. على أن قوله في الحديث: "ومن الثاني نور قلوبهم" يتأكد به ما حمله عليه شارحُ المواهب.
стр. 424
الوجه الرابع: أن هذا الحديث يفيد معنىً فاسدًا؛ وذلك لأن قوله: "أول ما خلق الله نور نبيك" يظهر منه أن الإضافة حقيقية. فالمراد من النور هو الحقيقة المحمدية، أعني الذي سيكون فيما بعد روح محمد ﷺ حين خلق الأرواح والذي سجل في جسده الشريف حين تُنفَخ فيه الروحُ في طور تكوينه. وإذا كان ذلك، فتقسيمه بعد ذلك أجزاء وخلق مخلوقاتٍ في كل جزء من تلك الأجزاء يقتضي إما دخولَ النقصان على الحقيقة المحمدية بعد خلقها، وإما كون تلك المخلوقات أجزاء لها، فتصير الحقيقةُ المحمدية كلًّا له أجزاء، وهذا معنى سخيف.
فإذا كانت الإضافةُ لأدنَى ملابسة، أي النور الذي منه نبيُّك، كان ذلك مقتضيًا أن القلم واللوح والعرش والملائكة والسموات والأرضين معتبرةٌ قبل الحقيقة المحمدية في التجزئة من ذلك النور؛ لأنها كُوِّنت من أجزاء قبل تكوين الحقيقة المحمدية من الجزء الأخير الذي وُضع في آدم عند خلقه. فيعود معنى الحديث على المقصود منه بالإبطال؛ فإن المقصودَ منه لقائله التعريفُ بفضل الحقيقة المحمدية في سبق الخلق.
الوجه الخامس: أن في هذا الحديث تخليطًا في ترتيب الأشياء المخلوقة من هذا النور؛ إذ بعضُها من الذوات مثل القلم، وبعضها من الأجناس مثل الملائكة، وبعضُها من المعاني مثل المعرفة بالله والتوحيد. وهذه المعانِي يتعلق الخلق بها تبعًا لِخلق محلها، ومَحَلُّها هو العقل، وليس في الحديث ذكرُ خلق العقل.
هذا ما لاح لِي في بيان حال هذا الحديث.
стр. 425
دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي . . ." (١)
سألني أحدُ أبنائي الأفاضل من شيوخ العلم بجامع الزيتونة عن تأويل قول رسول الله ﷺ : "سألتُ ربِّي أن لا يُسَلِّطَ على أمتي عدوًّا مِنْ سوى أنفسِهم": هل هو حديثٌ صحيح أو لا؟ وكيف إذا ظهر صحيحًا يستقيمُ معناه؟
فإنا نرى ونسمع أن المسلمين قد تسلط عليهم غيرَ مرة أعداء من غيرهم، مثل ما حل بالمسلمين في بلاد الأندلس! وهل يستقيم أن نؤولَه بأن العدوَّ ما سُلِّط على الأمة في كل مرة إلا بمعونة خيانة من المسلمين أنفسهم وخذلان بعضهم بعضًا، فيكون ذلك التسليط في المعنى من أنفس المسلمين؟
فأجبته حين السؤال بما استحضرنِي بما يدفع الإشكال، وذلك بعضُ ما يشتمل عليه هذا المقال، ثم بدا لي أن أزيده بيانًا وتحقيقًا، ليكون فهمُ هذا الحديث فهمًا وثيقًا.
سند هذا الحديث:
هو حديثٌ صحيح، رواه مسلم وغيره. واللفظ الصحيح هو ما في مسلم عن ثوبان مولَى رسول الله ﷺ قال، قال رسول الله: "إن الله زوى لِيَ الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها، وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زوى لي منها. وأُعْطِيتُ (وفي رواية: وأعطاني) الكنزين الأحمر والأبيض (يعني الذهب والفضة، قيل أراد الشام والعراق). وإِنِّي سألتُ ربِّي لأمتي أن لا يُهلكَها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم