← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأقول: قد عد أئمةُ الأصول من مرجِّحات بعض الأحاديث على بعض أن يكون أحدُ الحديثين أحسنَ نسقًا، قالوا: لأن حسن النسق أنسبُ للفظ النبوة، فإن رسول الله أفصحُ العرب، فإضافةُ الأفصح إليه أنسبُ من ضده. (١) الأول: قوله "فجعل ذلك النورَ يدور بالقدرة"، وهو حشو من الكلام. وهل تتحرك الأشياء كلها إلا بالقدرة؟ [الثاني: قوله] "ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا. . . ولا. . ." إلخ، وهو تطويل ثقيل ننزه البلاغة النبوية عنه، ويغني عنه أن يقال: "ولم يكن في ذلك الوقت شيء مخلوق". وجابر بن عبد الله لم يكن من الأغبياء حتى يُطوَّلَ له، لما به من خاصة أصحاب رسول الله وأهل العلم منهم، وهو ممن روى عن رسول الله علمًا كثيرًا، وأخذ عنه خلقٌ كثير. نقده من جهة المعنى: الوجه الأول: قال علماء أصول الحديث وأصول الفقه إن كلَّ خبر أَوْهمَ معنىً باطلًا، ولم يقبل التأويل، فهو مكذوب. وتقدم أن ابن الصلاح قال: "قد وُضعت أحاديث طويلة تشهد بوضعها ركاكةُ ألفاظها ومعانيها". وهذا الحديث قد جمع طولَ اللفظ وركاكةَ المعنى مع قلة الجدوى. وعادةُ رسول الله ﷺ في الحديث في ذكر أمور الغيب الاختصارُ على محل العبرة وما يجب

стр. 422

الإيمانُ به فيما يرجع إلى الاعتقاد مع الإجمال والرمز؛ لأن الأشياء التي لا تُدرك بالكنه ولا يبلغ إليها فهمُ العقول لا فائدةَ في تفصيل الوصف فيها، وإنما ينبه القرآن أو السنة المؤمنين إلى أصل وجودها. الوجه الثاني: أنه معارِضٌ لِمَا ثبت في الصحيح في سنن الترمذي ومسند أحمد وأبي داود - ليس داود الطيالسي - عن عبادة بن الصامت وعن أبَيٍّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: "أولُ ما خلق الله القلم". (١) فهذا الحديث هو الذي يُعوَّل عليه لصحته، وهو يعارض حديثَ عبد الرزاق المتكلَّم عنه؛ لأن معنى الجمع بين المتعارضَيْن أن يمكن التصديقُ بمعنى كلٍّ منهما. فإذا كان التصديقُ بمعنى أحدهما يلزم منه إبطالُ معنى الآخر، فليس ذلك من الجمع، بل يعود إلى الترجيح، أي ترجيح صدق أحدهما وإبطال الآخر.

стр. 423

وهذان الحديثان قد عين كلٌّ منهما أولَ ما خلق الله تعالى من المخلوقات. ولفظ "أول" لفظٌ ظاهر الدلالة على معنى السبق الحقيقي، أي التقدم في الوجود على ما سواه. وأحد الحديثين عين لهذا السبق شيئًا غير الذي عينه الحديثُ الآخر، فثبت التعارضُ بينهما لا محالة. وذكر صاحبُ "المواهب اللدنية" في الجمع بين الحديثين تأويلين. أحدهما حاصله أن يكون النور المحمدي هو أول المخلوقات على الحقيقة، ويكون القلم أول المخلوقات بالنسبة لما عدا النور المحمدي. (١) وهذا بعيد؛ لأن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبين للناس أولَ المخلوقات ما كان يعوزه أن يذكر النور المحمدي ثم يُردفه بالقلم. التأويل الثاني أن المراد بأول المخلوقات في هذين الحديثين وفي أحاديث أخرى مروية بأسانيد بعضها صحيح وبعضها ضعيف تقتضي أن أول المخلوقات العرش أو الماء، هو أولية كل شيء مما ذكر بالنسبة إلى جنسه. وهذا الوجه فاسد لانعدام فائدة التفضيل فيه، ولأن من الأشياء التي أُثبِتت لها الأوليةُ ما ليس له أفراد، كالعرش والقلم، ومن الأشياء ما هو الجنس كله، كالماء. (٢) الوجه الثالث: أن حديث جابر جعل نورَ أبصار المؤمنين مخلوقًا من الجزء الرابع، مع أن أبصار المؤمنين ليست لها خصوصية في الإبصار على أبصار سائر الناس، وإنما تتفاوت الأبصار بالحدة والضعف بالخلقة، ولا أثر في ذلك لإيمان ولا كفر. ولذلك لجأ شارحُ المواهب إلى تفسير الأبصار بالبصائر، (٣) ولكنه صنع اليد لا يساعد عليه لفظ الحديث. على أن قوله في الحديث: "ومن الثاني نور قلوبهم" يتأكد به ما حمله عليه شارحُ المواهب.

стр. 424

الوجه الرابع: أن هذا الحديث يفيد معنىً فاسدًا؛ وذلك لأن قوله: "أول ما خلق الله نور نبيك" يظهر منه أن الإضافة حقيقية. فالمراد من النور هو الحقيقة المحمدية، أعني الذي سيكون فيما بعد روح محمد ﷺ حين خلق الأرواح والذي سجل في جسده الشريف حين تُنفَخ فيه الروحُ في طور تكوينه. وإذا كان ذلك، فتقسيمه بعد ذلك أجزاء وخلق مخلوقاتٍ في كل جزء من تلك الأجزاء يقتضي إما دخولَ النقصان على الحقيقة المحمدية بعد خلقها، وإما كون تلك المخلوقات أجزاء لها، فتصير الحقيقةُ المحمدية كلًّا له أجزاء، وهذا معنى سخيف. فإذا كانت الإضافةُ لأدنَى ملابسة، أي النور الذي منه نبيُّك، كان ذلك مقتضيًا أن القلم واللوح والعرش والملائكة والسموات والأرضين معتبرةٌ قبل الحقيقة المحمدية في التجزئة من ذلك النور؛ لأنها كُوِّنت من أجزاء قبل تكوين الحقيقة المحمدية من الجزء الأخير الذي وُضع في آدم عند خلقه. فيعود معنى الحديث على المقصود منه بالإبطال؛ فإن المقصودَ منه لقائله التعريفُ بفضل الحقيقة المحمدية في سبق الخلق. الوجه الخامس: أن في هذا الحديث تخليطًا في ترتيب الأشياء المخلوقة من هذا النور؛ إذ بعضُها من الذوات مثل القلم، وبعضها من الأجناس مثل الملائكة، وبعضُها من المعاني مثل المعرفة بالله والتوحيد. وهذه المعانِي يتعلق الخلق بها تبعًا لِخلق محلها، ومَحَلُّها هو العقل، وليس في الحديث ذكرُ خلق العقل. هذا ما لاح لِي في بيان حال هذا الحديث.

стр. 425

دفع إشكال في حديث نبوي: "سألتُ ربي . . ." (١) سألني أحدُ أبنائي الأفاضل من شيوخ العلم بجامع الزيتونة عن تأويل قول رسول الله ﷺ : "سألتُ ربِّي أن لا يُسَلِّطَ على أمتي عدوًّا مِنْ سوى أنفسِهم": هل هو حديثٌ صحيح أو لا؟ وكيف إذا ظهر صحيحًا يستقيمُ معناه؟ فإنا نرى ونسمع أن المسلمين قد تسلط عليهم غيرَ مرة أعداء من غيرهم، مثل ما حل بالمسلمين في بلاد الأندلس! وهل يستقيم أن نؤولَه بأن العدوَّ ما سُلِّط على الأمة في كل مرة إلا بمعونة خيانة من المسلمين أنفسهم وخذلان بعضهم بعضًا، فيكون ذلك التسليط في المعنى من أنفس المسلمين؟ فأجبته حين السؤال بما استحضرنِي بما يدفع الإشكال، وذلك بعضُ ما يشتمل عليه هذا المقال، ثم بدا لي أن أزيده بيانًا وتحقيقًا، ليكون فهمُ هذا الحديث فهمًا وثيقًا. سند هذا الحديث: هو حديثٌ صحيح، رواه مسلم وغيره. واللفظ الصحيح هو ما في مسلم عن ثوبان مولَى رسول الله ﷺ قال، قال رسول الله: "إن الله زوى لِيَ الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها، وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زوى لي منها. وأُعْطِيتُ (وفي رواية: وأعطاني) الكنزين الأحمر والأبيض (يعني الذهب والفضة، قيل أراد الشام والعراق). وإِنِّي سألتُ ربِّي لأمتي أن لا يُهلكَها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم

стр. 426

عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتَهم، وإن ربِّي قال: يا محمد! إنِّي إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يرد، وإنِّي أعطيتُك لأمتك أن لا أهلكَهم بسنة عامة، وأن لا أُسَلِّطَ عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتَهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها (أو قال: من بين أقطارها)، حتى يكون بعضُهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا". ورواه أبو داود والترمذي وأحمد بن حنبل وابن ماجه وابن حبان عن ثوبان بأطول من هذا يزيد بعضهم على بعض. (١) [معنى الحديث]: وهذا الحديث مع إشكاله لَم يتناوله شراحُ الحديث - عياض والنووي والأبي من شراح مسلم، وابن العربي في شرح الترمذي، والخطابي في شرح كتاب أبي داود - بما يستحقه من البيان، بل تراهم أعرضوا عن بيان المراد منه، وموافقته لما ظهر من الحوادث. وقصدنا الاقتصارُ على محل الإشكال من رواية مسلم. ومعناه الذي أرى أن هذا الحديث مسوق للبشارة والتحذير معًا، وأنه جاء على سنن البلاغة النبوية بإيجاز بديع، وأنه يدل على أن رسولَ الله ﷺ دعا ربَّه دعوةً استجيبت له، فأراد إدخالَ السرور بها على أمته ليعلموا كرامتَهم على الله ويزدادوا معرفةً بقدر رسولهم.

стр. 427

وقد دل على أن الدعوةَ مستجابةٌ قولُه في آخر الحديث، فيما يرويه عن ربه: "وإني أعطيتك لأمتك أن لا أسلط عليهم عدوًا" إلخ، وفيه تحذير مما يخشى وقوعه بين المسلمين من التقاتل. وله نظائرُ في التحذير كثيرة، منها قولُه ﷺ : "فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضُكم رقابَ بعض". والتسلطُ في كلام العرب هو الغلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]. واشتقاقُه من السلاطة، وهي الشدة، يقال: فلان سليط اللسان، أي: خبيث القول، ومنه اشتقت السلطة والسلطان. وقد أُريد بالتسليط هنا الشدة، وهو تسليطُ الإهلاك والاستئصال، بدليل مجيء فاء التسبب الجعلي عقبه في قوله: "فيستبيح بيضتَهم"، فيعود الكلام إلى معنى: "وأن لا يستبيح عدوُّهم بيضتَهم". والنكتةُ في ابتداء الدعاء بنفي التسليط ثم تعقيبه بنفي الاستجابة هي التأدُّب بإسناد الفعل المطلوب إلى الله تعالى، وأن العدوَّ إذا لم يسلطه اللهُ لا يستطيع استباحةَ بيضة المسلمين. والسين والتاء في الاستباحة للصيرورة، مثل قولهم: استقام الأمر، أي: صار قيمًا، فالمعنى: فتصير بيضةُ المسلمين مباحةً لهذا العدو المسلط، والإباحة في الأصل المكنة، قال الشاعر: أبَحْنَا حَيَّهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا ... خَلَا الشَّمْطَاءِ وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ (١)

стр. 428

وضدُّها الْحُرمة وهي المنع، ومنه وصف البلد الحرام. ومعنى صيرورة البيضة مباحةً أن لا يبقى لها من القوة والعزة ما يمنع العدوَّ من تناولها والتمكن منها، والبيضة هنا الجامعة. وأصلُ البيضة لأمة الحرب التي تُلبس على الرأس لتقيه ضربَ السيوف، مثل المغفر، ثم أُطلِقت على العزة مجازًا مرسلًا؛ لأنها سببُ العزة في الحرب للابسها أن يكون آمنًا من إتلاف نفسه. ثم أُطلقت على الأمر الذي تجتمع عليه الأمة، وبه قوامُها وبقاؤها. ومن ذلك قولُ العلماء: من شرط الخليفة أن يكون قادرًا على حماية البيضة. والجامعةُ في اعتبار الإسلام هي جامعة الدين، فلا التفاتَ إلى القبائل والأحياء، ولا إلى الأوطان والأمم. ولكن الجامعةَ الإسلامية لَمَّا كانت حاصلةً في جماعة المسلمين، وكانت جماعةُ المسلمين لا غِنًى لها عن الاستقرار في مكان، فوطنُ الإسلام وبلاد الإسلام هو الأرض التي يقطنها طوائفُ من المسلمين. فالتأم من معنى الكلام: أن الرسول ﷺ سأل الله أن لا يسلط العدوَّ على الأمة تسليطًا يتمزق به إهابُ الجامعة الإسلامية. فليس الْمُرادُ أن لا يسلط العدُوَّ على بعض المسلمين في بعض الأقطار أو في بعض الأيام؛ لأن سنة الله في هذا الكون أن الدنيا دولٌ والحرب سجال، وأن الأمور موكولةٌ إلى أسبابها وعوارضها، فقد هُزِم المسلمون في زمن رسول الله ﷺ في بعض الوقائع، كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١١]. وإنما المراد أن لا يسلِّطَ عدوًّا على جميع الأمة فيستأصلها، بقرينة قوله قبله: "أن لا يهلكهم بسنة عامة"؛ أي بقحط يعم جميعَ بلاد الإسلام حتى يستأصلهم. فلا يمنع ذلك من حصول قحطٍ في بعض الجهات يُهلك طوائفَ من الناس، فقد كان قحطُ عامِ الرمادة في خلافة عمر ﵁، وكان غيرُه بعده. ونظيرُ هذا أنَّ رسول الله ﷺ سأل ربه غيرَ مرة دعواتٍ مرجعُها إلى حماية هذه الأمة من أسباب الاستئصال. فقد أمن الله أمةَ محمد ﷺ من الخسف، ومن الهلاك بالريح، ونحو ذلك مما أُهلكت به

стр. 429

الأممُ البائدة. وفي حديث البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "سألت ربي أن لا يهلك أمتي بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم، فاستجاب لِي. وسألته: أن لا يلبسهم شيعًا ويذيق بعضَهم بأسَ بعض، فلم يستجبْ لِي". (١) وفي الصحيح أنه لمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال رسول الله ﷺ : "أعوذ بوجهك"، قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: "أعوذ بوجهك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، قال رسول الله ﷺ : "هذا أهون، أو هذا أيسر". (٢) فالرسول ﵇ حريصٌ على أن لا يصيب الأمةَ شيءٌ يستأصلها؛ لأن ذلك يقطع أعظمَ شيء عند الرسول وهو توحيدُ الله وعبادته. ألا ترى قوله يوم بدر وهو في العريش: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"؟ وذلك أن الأمم الماضية أصابهم الاستئصالُ بأنواع المهلكات، من نحو الغرق لقوم نوح، والريح لعاد، والخسف لأهل سدوم، والصاعقة لثمود، وسيل العرِم لسبأ، والصيحة لمدين، فباد جمعهم وهلكوا، والاستئصال بالسيف لبني إسرائيل

стр. 430

على أيدي السريان في مدة بختنصر (١) ثم أيدي الرومان في زمن طيطس، (٢) حتى استبيحت بيضتُهم وزالت جامعتُهم إلى اليوم. والمُرادُ بالعدو المعادي، أي المخالف الْحَنِق، وهو هنا عدوُّ الدين، بقرينة مقابلته بمجموع الأمة الإسلامية. وقوله: "من سوى أنسهم"، أي من غير قومهم؛ لأن الأنفس في مثل هذا المقام يُراد به الصميم. والقوم: المراد هنا القومية الدينية لا القبيلية، (٣) فيجوز أن لا يكون هذا الوصفُ لقوله: "عدوًّا" وصفًا كاشفًا؛ إذ العدو لا يكون إلا من غير القوم، أي عدوًّا من غير المسلمين. وحينئذ فليس فيه ما يقتضي أن يسلط على المسلمين عدوًّا منهم يستاصلهم. ويجوز أن يكون وصفًا مقيِّدا لقوله عدوًّا معاديًا من أنفسهم، فيكون المعنى على تأويل: عدوًّا لبقيتهم أي فريق من المسلمين يكون عدوًّا لبقيتهم. فيكون رسول الله ﷺ دعا الله دعوةً لاحظَ فيها حقَّ الأدب مع الله؛ لأن سنة الله في خلقه أن لا تسلم أمةٌ من عدو يناوئها. فسأل الله أن يسلمها من عدو شديد العداوة يستأصلها ويهينها؛

стр. 431

لأن غلبة العدو التام العداوة غلبةٌ مشتملة على إهانة بخلاف غلبة العدو الذي له بالمغلوب صلة واقتراب، فإنها لا تخلو من رحمة وتجنب للإهانة، كما قال البحتري: وَفُرْسَانٌ هَيْجَاءُ تَجِيشُ صُدُورُها ... بِأَحْقَادٍ حَتَّى تَضِيقَ دُرُوعُهَا وَتْقتُلُ مِنْ وَتْرٍ أعزَّ نُفُوسِهَا ... عَلَيْهَا بِأَيْدٍ مَا تَكَادُ تُطِيعُهَا إِذَا احْتَرَبَتْ يومًا فَفَاضَتْ دِمَاؤُهَا ... تَذَكَّرَتِ القُرْبَى فَفَاضَتْ دُمُوعُهَا (١) وكما قال الحماسيُّ لمَّا أراد القودَ من أخيه حين قتل ابنه، ثم ألقى السيفَ من يده وقال: أَقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْسَاءً وَتَعْزِيَةً ... إِحْدَى يَدَيَّ أَصَابَتْنِي وَلَمْ تُرِدِ كِلَاهُمَا خَلَفٌ مِنْ فَقْدِ صَاحِبِهِ ... هَذَا أَخِي حِينَ أَدْعُوهُ وَذَا وَلَدِي (٢) وعليه فليس الْمرادُ من تسليط العدوِّ الذي هو من أنفس الأمة تسليطَ الاستئصال؛ لأن ذلك غيرُ متوهَّمٍ في العرف أن يصدر من متسلط من أنفس القوم. ويدل لذلك قولُه في آخر الحديث: "حتى يكونَ بعضُهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضُهم بعضًا". والحديث على هذا البيان لا ينافيه شيءٌ مما حدث من أحوال المسلمين في التاريخ. فقد تسلط العدوُّ على طوائف من المسلمين غير مرة، بعضُها كان تسلطًا معتادًا كالحروب الصليبية، وبعضُها كان فوق المعتاد كتسليط التتر والمغول على

стр. 432

المسلمين في المشرق سنين طويلة أهلكت الحرث والنسل إلى أن اعتنقوا الإسلام وصاروا إخوةً لِمَنْ كانوا أعداءَهم. وكتسلط القرامطة على بلاد العرب، وتسلط النصارى على المسلمين في مصر والشام أواخر القرن السادس وأوائل السابع، وتسلط الجلالقة على المسلمين في المغرب ببلاد الأندلس حتى انجلى عنها المسلمون وأصبحت أرضَ كفر، ولكن المسلمين الذين كانوا بها حلُّوا في ديار أخرى وانضموا إلى جامعتهم فلم يكن ذلك استئصالًا لهم، بله أن يكون استئصالًا لسائر الأمة وتمزيقًا لجامعتها وسلطانها. وقد اقتتلت فرقُ المسلمين غير مرة قتالًا معتادًا أو أشدَّ من المعتاد، وحسبك منه قتالُ الخوارج الذي دام سنين طويلة، ولم يفض إلى تفانيهم واستئصال بعضهم بعضًا. وعلى هذا [يكون] (١) قولُه في حكاية جواب الله تعالى: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا" غايةً لانتفاء تسليط بعضهم على بعض ليست من جنس تسليط العدو عليهم، وشرط المعطوف بحتى أن يكون بعضًا من المعطوف عليه. فتعين أن يكونَ في الكلام إيجازُ حذفٍ دل على عِظَمِ فضل الله تعالى على رسوله؛ إذ استجاب له بأكثر مِمَّا سأله: فإنه سأله أن لا يسلطَ عليهم عدوًّا من غيرهم يستبيح بيضتَهم فاستجاب له بذلك، وبأن لا يسلط عليهم من أنفسهم أيضًا مسلَّطًا في كون من الأكوان وحال من الأحوال إلى الغاية التي يكون بعضُهم فيها يهلك بعضًا ويسبي بعضُهم بعضًا. وهذا الأسلوب يشبه أن يكون من تأكيد الشيء بما يشبه ضدَّه؛ إذ يوهم بظاهره أن تلك الغاية نهايةٌ لقوله: "أن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم"، وهي في الحقيقة ليست غايةً لذلك، فإن ذلك منتفٍ أبدًا إلى غير غاية، وإنما هو غايةٌ لمحذوف، وهو ما أشرت إليه آنفًا.

стр. 433

ويجوز أن يكون المراد من قوله: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا" إلخ، غايةً لنفي تسليط العدو من غير تقييد كون العدو من غير أنفسهم، أي تسليط بعض المسلمين على بعض تسليطًا يستبيح بيضتَهم ويفني جماعتَهم. فيكون ذلك إخبارًا عن غاية من الزمان تحصل فيه فتنٌ عظيمة، فيرتد فريقٌ من المسلمين عن الإسلام ويكون مساويًا للفريق الباقين على الإسلام في العدد، وتزول منهم حرمةُ أحكامه فيقتل بعضهم بعضًا قتلَ استئصال حتى لا يبقى من يقول: الله، الله، كما ورد في الحديث: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق"، (١) وذلك بأن يسلط بعضَ المسلمين على بعض، ويسلب الغالبين رشدَهم فيهلكوا البقية، نظيرَ ما سلب الله نيرون سلطان الرومان من العقل حتى صار يَلَذُّ له إزهاقُ نفوس قومه وإحراقُ عاصمة سلطانه. فيكون هؤلاء قد ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ [إبراهيم: ٢٨]، وهي غاية بعيدة المدى، ما بقيت في المسلمين مِسكةٌ من هدى، نسأل الله أن يعيذ الأمة من هذه الحالة ببركة رسولها ﵇.

стр. 434

حديث: من سُئل عن علمٍ فكتمه (١) [سند الحديث]: هذا الحديث رواه أبو داود بسند رجالُه من رجال الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَة". ورواه ابنُ ماجه بسند فيه ضعف عن أنس مرفوعًا بمثل ذلك. (٢) وعن أبي هريرة أيضًا مثله بزيادة: "عن علم يعلمه". ورواه ابنُ ماجه بأسانيد عن أبي هريرة قال: "قال النبي ﷺ : "ما مِنْ رجلٍ يحفَظُ علمًا فيكتمه، إلا أُتِيَ به يوم القيامة مُلْجَمًا بلجام من النار". (٣) ورواه أيضًا بسند أكثرُ أهله من رجال الصحيح، وفيه صفوانُ بن سليم - وهو متكَلَّم فيه - عن أبي سعيد الخدري: "قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كتم علمًا مِمَّا ينفع اللهُ بِهِ فِي أمر النَّاس، أمر الدين، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار"". (٤) ورواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: "حديث حسن". (٥) ورُوِيَ عن ابن

стр. 435

مسعود وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا بأسانيدَ ضعيفة متفاوتة الضعف. فهذا تحصيلُ القول في أفضل أسانيده. (١) معنى الحديث: ظاهرُ هذا الحديث أنه عامٌّ في كل مسؤول؛ لأن قوله: "سئل" فعل في سياق الشرط فيعم؛ لأن للفعل حكمَ النكرة، فيؤول إلى معنى: كُلُّ مَنْ سئل بكل سؤال عن كل علم فكتمه ألجمه الله، إلخ. ويستتبع ذلك عمومَ الأحوال والأزمنة والأمكنة؛ لأن العامَّ في الذوات عامٌّ في الأحوال والأوقات والأماكن عند جمهور أهل الأصول، خلافًا للقرافي. (٢) فظاهرُه يقتضي أن كلَّ مسؤولٍ عن كل علم إذا كتم سائلَه عُوقِبَ يوم القيامة بلجام من نار، وترتيبُ العقوبة على عدم الجواب يقتضي أن الكتمانَ كبيرة، ويقتضي أن ضده - وهو جواب السائل عن علم واجب؛ لأن النهيَ عن الشيء أمر بضده. هذا ظاهرُ الحديث. وقد اتفق العلماءُ على أن هذا الظاهر غيرُ مراد، ووَجْهُ اتفاقِهم على ذلك أن العقوبةَ تدل على أن كون ما ترتبت عليه كبيرة. وقد دلت الأدلةُ الشرعية من المنقول والمعقول أن جوابَ العالِم عما يُسأل عنه ليس بواجب في جميع الأحوال، وأن كون الشيء ذنبًا يقتضي ترتُّبَ مفسدةٍ دينية على فعله. ولا نجد في عدم إجابة العالم مَنْ يسأله مفسدةً في كثير من الأحوال، فذلك هو الداعي لهم إلى تأويل هذا الحديث،

стр. 436

أي حمله على غير ظاهره، جمعًا بين الأدلة مما ورد عن الشارع وما استقرئ من قواعد الشريعة. قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: هو محمولٌ على خمسة وجوه: الأول: أن يعدم ذلك العلم إن لم يظهره (أي المسؤول). وذلك بأن يكون منفردًا بعلمه بين تلك الجهة، بحيث يعتذر أن يجيب عنه غيره إلا في أقطار بعيدة. الثاني: أن يقع السائل في أُحموقة (١) إن لم يخبره. الثالث: أن تفوت به منفعة، أي مصلحة دينية. وهذه الوجوهُ الثلاثة في معنى الشروط لحرمة الكتمان، وكلُّها مبنيةٌ على أن المراد باللعن ظاهره معنى وعمومًا، فإطلاقُ اسم المحامل عليها في كلام أبي بكر ابن العربي تسامح. الرابع: امتثال وصية رسول الله ﷺ لأبي سعيد الخدري (٢) في قوله: "إن الناس لكم تبع، وإن رجالًا يأتونكم يتفقهون - أي يتعلمون - فإذا جاؤوكم فاستَوْصُوا بهم خيرًا"، وذلك هو التعليم، (٣) يعني تعليمَ الذين جاؤوا

стр. 437

لقصد التصدي للتعلُّم والتفقه في الدين؛ لأنهم إنما جاؤوا ممتثلين أمرَ الله تعالى في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وحيث كان قوله: "طائفة" يدل على أن طلبَ العلم في الدين فرضُ كفاية، فكذلك تعليمُ طالبه هو فرضُ كفاية. وهذا الوجهُ من محمل الحديث مخالفٌ للمحمل الأول، وهو مبنِيٌّ على أن المراد بالسؤال بعضُ معانيه، وهو طلب التعلم، وذلك يقتضي وجوبَ جواب السائل. ولهم في أحكام التعليم تفصيلٌ مذكور في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]. (١) والخامس: أنه الشهادة، وهذا محملٌ مخالِفٌ للمحملين السابقين، فيكون المرادُ بالعلم هنا خصوصَ العلم بما بين الناس من الحقوق. وقد نسبه ابنُ العربي في الأحكام والقرطبي في التفسير لسحنون. (٢) ويجري حينئذ على حكم أداء الشهادة المذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وفيه تفصيل. (٣)

стр. 438

وحاصلُ كلام ابن العربي راجع إما إلى تقييد في العموم ببعض الشروط، وإما إلى تخصيص عموم السؤال أو عموم العلم. وقال الخطابي في شرح هذا الحديث من تعليقه على سنن أبي داود: "هذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين فرضه، كمن رأى كافرًا يريد الإسلام يقول: علموني ما الإسلام وما الدين، وكمن يرى رجلًا حديث العهد بالإسلام لا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها يقول: علمونِي كيف أصلي، وكمَنْ جاء مستفتِيًا في حلال

стр. 439

أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني. فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجوابَ عما سئلوا عنه من العلم. فمَنْ فعل ذلك، كان آثِمًا مستحقًّا للوعيد والعقوبة. وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورةَ بالناس إلى معرفتها". (١) ومعناه أن كتمانَ العلم المسؤول عنه حرام إذا كان يترتب على السؤال عملٌ فيما يجب اعتقاده أو ما يجب التعبد به، أو في الإقدام على عمل من الأعمال المكلَّف بها السائل. وحاصلُ كلامه تخصيصُ العموم الواقع في لفظ "علم" بالحالة التي يترتب على عدمِ الإجابة فيها إقدامٌ على حرام، بناءً على أن التعليم إنما هو وسيلةٌ للعمل، فلا يكون حكمُه إلا موافقًا لحكم المتوسَّل إليه؛ لأن الوسيلة تعطَى حكمَ المقصد. هذا دليلُ تخصيصه من جهة النظر، ويدل لهذا التخصيص أيضًا من الأثر روايةُ ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري: "مَنْ كتم علمًا مما ينفع الله بِهِ فِي أمر النَّاس، أمر الدين" إلخ. [مسائل في فقه الحديث]: وقد عُرف من هذا كله أمورٌ أخرى: ١ - منها ما قال فخرُ الدين الرازي في تفسيره: "إظهار العلم فرض على الكفاية لا على التعيين؛ لأنه إذا أظهره البعضُ صار بحيث يتمكن كلُّ أحد من الوصول إليه، فلم يبق مكتومًا، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على البقية إظهارُه مرة أخرى". (٢) وقال ابن العربي في الأحكام: "إن كان هناك من يبلغ اكتُفِيَ به، وإن تعين عليه لزمه". (٣)

стр. 440

٢ - ومنها أن يكون السائل أهلًا لاستفادة ما سأل عنه إذا كان المراد بالسؤال التعلم لقول علي ﵁: "حدثوا الناسَ بما يفهمون، أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسوله؟ " (١) وقد قيل: إن هذا الكلام يرفعه عليّ إلى النبي ﷺ . (٢) وقال عبد الله بن مسعود: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة". (٣) فإن للمعلومات مراتب: منها ما تستطيع دركَه عقولُ الجميع، ومنها ما لا يفهمه إلا الخاصة. قال الغزالي في الإحياء: "وسئل بعضُ العلماء عن شيء فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت رسول الله ﷺ : "مَنْ كتم علمًا نافعًا جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار"؟ فقال: اترك اللجام واذهب، فإن جاء مَنْ يفقهه وكلمته فليُلجمني، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، تنبيهًا على أن حفظَ العلم ممن يفسده ويضره أوْلَى (من حفظ المال)، وليس الظلمُ في إعطاء غير المستحق بأقلَّ من الظلم في منع المستحق، (وأنشد): أَأَنْثُرُ دُرًّا بَيْنَ سارِحَةِ النَّعَمْ ... فَأُصبِحُ مَحْزُونًا بِرَاعِيَةِ الْغَنَمْ لأَنَّهُمْ أَمْسَوْا بِجَهلٍ لِقَدْرِهِ ... فَلَا أَنَا أُضْحِي أَنْ أُطَوِّقَهُ البُهُمْ فَإِنْ لَطَفَ اللهُ اللَّطِيفُ بِلُطْفِهِ ... وَصَادَفْتُ أهْلًا لِلْعُلُومِ وللْحِكَمْ نَشَرْتُ مُفِيدًا وَاسْتَفَدْتُ مَوَدَّةً ... وَإِلَّا فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ

стр. 441

فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ المُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ". (١) وهذا يقتضي أن يكون السائل معروفًا عند المسؤول ليتبين له حالُه من الأهلية لتلقِّي المسألة، ومن التنزه عن قصد الفتنة والتشغيب. ٣ - ومنها أن يكون العملُ بالمسؤول عنه متوقِّفًا على جواب المسؤول. فأما إذا فات العملُ أو تعذر التدارك، فلا يجب الجوابُ إذ لم يبق الجوابُ وسيلةً إلى حكم شرعي من وجوب أو تحريم. ومثالُ ذلك ما وقع من المعتمد بن عباد ملك قرطبة وإشبيلية؛ فإنه أتاه سفير الذفنش ملك الجلالقة، فأغلظ السفير في كلامه مع المعتمد، فضرب المعتمدُ رأسَ السفير بمحبرة كانت بين يديه فقتله، ثم أحضر الفقهاء واستفتاهم في حكم قتل ذلك السفير وكان السفير يهوديًا. (٢) فهذا الاستفتاء في غير محله؛ إذ كان عليه أن يستفتيَهم قبل أن يقتله. ٤ - ومنها أن يكون السائل طالبًا معرفةَ عمل يخصه، فأما إذا كان طالبًا معرفةَ عمل غيره فذلك من العلم النافلة الذي أشار إليه الخطابي. ومن الناس مَنْ يسأل عمَّا علِمَه غيرُه ليتطلب بذلك عثراتِه، أو للتشغيب عليه من التجسس المنهيِّ عنه شرعا. ٥ - ومنها أن يكونَ العلمُ المسؤولُ عنه معلومًا للمسؤول مأثورًا عنده، فإن كان المسؤول مجتهدًا فطريق علمه بالمسؤول عننه ظهور أدلته لديه، وإن كان مقلِّدًا فطريقُ علمه به أن يكون له به نقل عن أئمة المذهب الذي قلده، وبدون ذلك لا

стр. 442

يجب الجواب. دل على هذا ما ورد في حديث ابن ماجه عن أبي هريرة: "ما مِنْ رجلٍ يحفظ علمًا فيكتمه. . ." إلخ. (١) وقد سئل مالك ﵀ عن أربعين مسألة، فأجاب في ست وثلاثين منها: بلا أدري. (٢) وقال القرافي في الفرق الثامن والسبعين: "اعلم أن طالبَ العلم له أحوال: الحالة الأولى: أن يشتغل بمختصر من مختصرات الذهب فيه مطلقاتٌ مقيدة في غيره، وعموماتٌ مخصوصة في غيره. ومتى كان الكتابُ المعين حفظه وفهمه كذلك، أو جوز أن يكون كذلك، حرُم عليه أن يُفتي بما فيه وإن أجاده حفظًا وفهمًا، إلا في مسألة يقطع فيها أنها مستوْعَبةُ التقييد، وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان، وتكون هي عينَ الواقعة المسؤول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هي حرفًا بحرف؛ لأنه قد يكون هناك فروقٌ تمنع من الإلحاق، أو تخصيص أو تقييد يمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف. الحالة الثانية: أن يتسع تحصيله في المذهب، بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمبسوطات على تقييد المطلقات، وتخصيص العمومات، ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته في فروعه ضبطًا متقَنًا، بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشائخ، فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويحفظه في مذهبه اتباعًا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا. ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه لا يُخَرِّجها على محفوظاته، ولا يقول: هذه تشبه المسألة الفلانية؛ لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة. . . الحالة الثالثة: أن يصير طالبُ العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتيَ في مذهبه نقلًا

стр. 443

وتخريجًا، ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك". هذا حاصل كلامه، وسلمه له ابن الشاط. (١) ٦ - ومنها أن لا يكون في العلماء من هو أضلع منه بتلك المسألة، وأقدر على الجواب وأتقن، وقد قال أبو موسى الأشعري: "لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الْحَبر بين أظهركم" (يعني عبد الله بن مسعود). (٢) ٧ - ومنها أن يكون قصدُ السائل الاستفادة دون إثارة الشغب، ولذلك أمر عمر بضرب صبيغ الذي كان يسأل أهلَ العلم عن متشابهات القرآن. قال القرطبي: "وكذلك لا يجوز تعليمُ المبتدعَ الجدالَ والحجاجَ ليجادل به أهلَ الحق". (٣) ٨ - ومنها أن يكون المسؤول واثقًا بمرتبته العلمية، واضعًا نفسَه حيثُ وضعه الله تعالَى، بحيث يشهد له الناسُ بالعلم ويظن بنفسه الإصابةَ فيما يُسأل عنه إلا احتمالًا موجوحًا. قال مالك ﵀: "لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا لذلك، ويرى هو نفسَه أهلًا لذلك". (٤)

стр. 444

٩ - ومنها أن لا يكون الجوابُ عن المسألة يثير فتنةً لِقصورِ الناس عن إدراك أمثالها، ولم يزل الأئمة يجتنبون الخوضَ في دقائق العلم بين العامة. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "لو رأيت رجلًا أتى عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لأبايعن فلانًا، فما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت. فغضب عمر، ثم قال: إنِّي لقائم إن شاء الله العشية في الناس فمحذرهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاعَ الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس. وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة فيطيروها عنك كلَّ مطير، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها. فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دارُ السنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهلُ العلم مقالتك، ويضعوها على مواضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أولَ مقام أقومه بالمدينة". (١)

стр. 445

وقد حدثت في خلافة المأمون فتنةُ الخوض في أن القرآن مخلوق، وأُلقيت الأسئلةُ على كثير من أهل العلم، فكان منهم من أبَى الجواب. ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل، وقد ضُرب ليجيب فأبَى الجواب. وما كان ذلك جهلًا منه بالفضل بين الموصوف بالمخلوق والموصوف بالقديم، ولكنه علم أن المقصود الفتنة ليتخذوا كلامَه وسيلة لتأييد البدعة. ولَمَّا دخل محمد بن إسماعيل البخاري لنيسابور سألوه عن رأيه في القرآن: أهو مخلوق؟ فأبَى أن يجيبَ ثلاثًا، وقال: الامتحانُ بدعة. ثم لَمَّا ألَحُّوا عليه أجاب بكلام موجَّه. (١) فإبايتُه الجوابَ ابتداءً لا تُعَدُّ مِنْ كَتْم العلم المنهي عنه؛ لأنه علم أن المقصود الفتنة والتشغيب. وقد جاء رجلٌ يسأل مالك بن أنس ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، فقال له: السؤال عن هذا بدعة، ولا أراك إلا صاحب بدعة. وأمر بإخراجه من مجلسه فأخرجوه معنفًا. (٢) وفي البخاري سأل الحجاجُ أنسَ بن مالك عن أشد عقوبةٍ عاقبها النبي ﷺ ، فحدَّث أنس بحديث العرنيين الذين ارتدوا وقتلوا راعي إبل النبي ﷺ ، فقطع أيديَهم وأرجلَهم وسمل أعينهم. فبلغ ذلك الحسن البصري، فقال الحسن: "وددت أنه لم يحدثه"، أي بهذا الحديث. (٣) هذا ما لاح في الإعلام بمعنى هذا الحديث، وبه يتميز السمينُ من الغثيث.

стр. 446

حديث: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم (١) سند الحديث واختلاف ألفاظه هذا الأثرُ تناقلته الألسنُ من كتاب الإحياء للغزالي، فقد ذكره في مبحث النصيحة للمسلمين من كتاب آداب الصحبة بلفظ: "مَنْ لمَ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ". (٢) وهو مما رواه الحاكم في مستدركه عن حذيفة مرفوعًا، ورواه الطبراني كذلك عن أبي ذر مرفوعًا. (٣) وقد ذكره الطبرانِيُّ أيضًا والسخاوي في المقاصد الحسنة بلفظ: "مَنْ لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، قال العراقي: في المغني عن حمل الأسفار: "وكلتا الروايتين سندُهُما ضعيف". (٤) ذكره السخاوي في كتاب المقاصد الحسنة عن شعب الإيمان للبيهقي من رواية وهب بن راشد عن فرقد السبخي عن أنس بلفظ: "مَنْ أصبح لا يهتم

стр. 447

للمسلمين فليس منهم، ومن أصبح وهمه غير الله فليس من الله". (١) وذكره السيوطي في جمع الجوامع وفي الجامع الصغير بلفظ: "مَنْ أصبح وهمُّه غيرُ الله فليس من الله، ومَنْ أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم"، قال في جمع الجوامع: رواه الحاكم عن ابن مسعود وتعقبه، والبيهقي وابن النجار عن أنس. (٢) هذه خلاصةُ ما قيل في ألفاظه وأسانيده، وهي كلُّها مُخَرَّجةٌ في الكتب المعروفة بالإكثار من تخريج الضعيف. وقد صرَّح العراقيُّ والمرتضى بأنه حديثٌ ضعيف، ولم يبلغ مبلغَ الحسن، بله الصحيح. (٣) معنى الحديث: ومعنى هذا الحديث - على اختلاف رواياته وألفاظه - أن شأنَ المسلمين أن يعتَنِيَ بعضُهم بما يُهِمُّ البعضَ الآخر. والمقصودُ من ذلك واردٌ في صحيح الآثار، ففي صحيح البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن النعمان بن بشير، قال، قال رسول الله ﷺ : "ترى المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى

стр. 448

عضوٌ منه تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى". (١) وفي صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان الواحد، يشدُّ بعضه بعضًا" (٢) لكنا نجد في الحديث المسؤول عنه زيادةً تُوهِمُ معنًى خطيرًا، وهي زيادة قوله: "فليس منهم". ومثلُ هذه الجملة موجودٌ في أحاديث كثيرة، بعضُها من الصحيح وبعضُها دونه، كما في حديث الصحيحين من طريق مالك بن أنس عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ حمل علينا السلاح فليس منا"، (٣) وفي حديث سنن الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ غشنا فليس منا"، (٤) وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يرحم صغيرَنا، ولم يوقر كبيرنا، فليس منا"، (٥) وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله ﷺ : "ليس منا مَنْ شقَّ الجيوب، ولَطَم

стр. 449

الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية"، (١) يعني عند مصيبة الموت، كأن يدعوَ بالويل والثبور. فهذه الأحاديثُ كلُّها توهم أن الآتي بهذه الأحوال منتفٍ عنه وصفُ الإسلام، فيكون غير مسلم؛ لأن ضمير المتكلم المشارك إذا نطق به الرسول ﷺ تبادر منه أن المرادَ به الرسولُ مع جماعته، وهم المسلمون. والحديثُ الذي نتكلم عليه ضميره أظهر؛ لأنه عائدٌ على لفظ المسلمين السابق. ولكن هذا الظاهرَ الذي أوهم هذا المعنى غيرُ مرادٍ من كلام الرسول ﷺ قطعًا، لِمَا ثبت في أصول الدين من الأدلة الموجِبَةِ للقطع بأن الوقوعَ في بعض المحرَّمات ليس بموجِبٍ خروجَ الواقع فيها عن الإسلام. ولذا كان من أصول اعتقاد أهل السنة أن لا يُكَفَّر أحدٌ بذنب ولا بذنوب، كائنةً تلك الذنوب ما كانت. فإن رسول الله ﷺ قد بَيَّن معنى الإسلام للأمة بما لم يبق معه ريبٌ لأحد من المسلمين في فهمه، وحاصلُه أنه النطقُ بالشهادتين عن اعتقاد معناهما، والتصديقُ به في القلب. وكذلك كان شأنُ الرسول ﵊ في بيان أصول الدين وعماده؛ فإن ذلك أهمُّ شيء إذ هو مدخلُ الجامعة الإسلامية. فلذلك لم يكن المسلمون في عصر النبوة وما يليه يجهلون أنهم مسلمون؛ وكانوا يميزون المسلمَ من غير المسلم. وقد ألَمَّ بعضُ المسلمين ببعض الكبائر في زمن الرسول [﵇]، والخلفاء الراشدين، فلم يُعِدَّهم خارجين عن حظيرة الإسلام، ولا أجرى عليهم السلفُ ما أجْرَوْه على المرتدين. فالرسول ﷺ غنِيٌّ عن التصدي لزيادة التفصيل في بيان مَنْ هو مسلم، ومَنْ ليس بمسلم. فمتى وجدنا في بعض ما يُروَى عن رسول الله ﷺ إيهامَ

стр. 450

نفي الإسلام عن المتصف ببعض الأفعال، نعلم أن ذلك مرادُه به غيرُ ظاهره، ونحمله على معنى يناسب ذلك النفيَ والغرضَ منه. وقد اتفق علماءُ الأمة على تأويل هذه الأحاديث بقانون يعم جميعَها، ناظرٍ إلى اعتبار لفظ "ليس منا" ونحوه مستعمَلًا في كلام العرب لإخراج المخبَرِ عنه معنى من نوع المجرور بـ "من" الواقع في الخبر معنى. وقانونُ تأويله أنه جاء للزجر والتهويل، فقد نُقل عن سفيان بن عيينة أنه يكره الخوض في تأويله ويقول: "ينبغي أن يمسك عنه ليكون أوقعَ في النفس وأبلغَ في الزجر"، (١) يعني مع اعتقاد عدم إرادة ظاهره عند العلماء. وتأوَّله بعضُ الشراح بأن المراد "ليس من أهل هدينا وسنتنا"؛ أي ليس من خيرة المسلمين. فيكون الضمير مجازًا مرسلًا علاقتُه البعضية، أو يكون في الكلام إيجازٌ بمجاز الحذف. وهذا تأويلٌ يستقيم في ضمير "منهم" العائد على لفظ المسلمين السابق، فإن معاده عام؛ إذ المقصود: مَنْ لم يهتم بأمر جميع المسلمين، والضمير على وزان معاده. وقال ابن المنَيِّر: المعنى أنه "ليس أهلًا لصحبتنا والاختلاط بنا". (٢) فعلى تأويله تكون "مَنْ" التبعيضية مستعارةً لمعنى "مع"، على طريقة الاستعارة التبعية.

стр. 451

وقال بعضُ الشراح: المراد مَنْ عامل بهاته الأفعال حضرةَ الرسول ﵊ (ومعاملة الرسول بذلك ومواجهته به كفر لا محالة)، فيكون المرادُ من الضمير في مثله المتكلم وحده، وهذا لا يستقسم في نحو "فليس منهم". وقال بعضهم: المراد مَنْ فعله مستحِلًّا له مع علمه بأن الرسول حرمه، وهذا أبعدُ التأويلات لاحتياجه إلى كثرة التقادير التي لا يهتدي إليها السامع. وأنا أرى في تأويل هذه الآثار تأويلَيْن هما أحسنُ مِمَّا تأول به المتقدمون: التأويل الأول: نسلك فيه طريقَهم الذي سلكوه، وهو اعتبار لفظ "ليس منا" مستعملًا في كلام العرب للنفي من النوع، وأنه مستعمل في الحديث على ضرب من المجاز، فنقول: إن المُتلبِّسَ بالفعل الذي يكثر أن يلتبس به غيرُ المسلمين يكون مشابِهًا بسببه لغير المسلم، فنخبر عنه بأنه غيرُ المسلم على طريقة الاستعارة في المنفرد، بسبب أن المنهيات كلها كانت من شعار الجاهلية أهل الشرك، وصار التعففُ عنها من شعار المسلمين، كما يشهد له حديثُ الصحيحين عن أبي ذر أنه سبَّ رجلًا بأمه فقال له النبي ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية"، (١) وحديثُ الموطأ أن النبي ﷺ قام يصلي بالناس، وكان في المسجد محجن الديلمي فلم يقم للصلاة؛ لأنه كان صلَّى في بيته، فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلِّيَ مع الناس؟ ألستَ برجلٍ مسلم؟ "، (٢) وفي حديث جميلة بنت أُبَي زوجة ثابت بن قيس أنها شكت لرسول الله ثابتًا فقالت: "ولكني أكره الكفر في الإسلام"، (٣) تريد خشية الزنا.

стр. 452

وعلى هذا يكون موقعُ قوله: "ليس منهم" و"ليس منا" ونحوه، كموقع قوله ﵊: "لا يزنِي الزَّانِي حين يزنِي وهو مؤمن". (١) التأويل الثاني - وهو التحقيق - أن نعدلَ عما سلكوه من اعتبار لفظ "فليس منا" ونحوه مستعْمَلًا في كلام العرب للنفي من النوع، بل إن العربَ لا يستعملونه إلا استعمالًا شبيهًا باستعمال المثل بلازم هذه الصيغة. فهو خبرٌ مستَعْمَلٌ في معنى الغضب على المخْبَر عنه، وإيذانه بالسخط والقطيعة. وقد تكرر هذا الاستعمالُ في كلام العرب، قال النابغة يحذر عُيَيْنَةَ بن حصن من الغدر ببني أسد: إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا ... فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي (٢) فإنه لو حُمِل على المعنى الأصلي لكان تحصيلَ حاصل، إذ ليس عيينةُ بن حصن ببعض من النابغة. وقال بعضُ العرب: أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْهُمْ وَعَنِي ... لَسْتُ مِنْ قَيْسٍ وَلَا قَيْسٌ مِنِي (٣)

стр. 453

وقريبٌ منه قولُه تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، أي لا تهتمَّ بأمره وأعرِضْ عنه. ويقولون في عكس ذلك: أنت مني وأنا منك. ويؤيد هذا التأويلَ أن بعضَ الآثار الواقع فيها لفظ "ليس منا" قد رُوي بلفظ "فليس مني"، وما في صحيح مسلم أن أبا موسى الأشعري أُغْمِيَ عليه في مرضه، فصاحت امرأةٌ من أهله، فلما أفاق قال: "أنا بريءٌ مِمنْ بَرِئ رسولُ الله منه، فإن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا الصالقةُ والحالقةُ والشاقة""، (١) ففسَّرَ كلامَ رسول الله "ليس منا" في ذلك الحديث بمعنى البراءة.

стр. 454

تحقيق الخبر المأثور: "لا رهبانية في الإسلام " (١) شاع بين المحاضرين وأصحاب الأقلام من أوائل هذا القرن إيرادُ الأثر القائل: "لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الإِسْلَام"، وتنزيلُه على أحوال تنزيلًا لا يلائمه، فسلكوا به مهيعًا هو في واد والآخر في واد. فكان واجبًا تحقيقُ لفظ هذا الأثر وبيان معناه، ليكون الناظرُ فيه على بصيرة. هذا الخبرُ جزءٌ من حديث مرسل، رواه عبد الرزاق في كتاب الجامع له بلفظ: "لا خُزام، ولا زِمام، ولا سياحة، ولا تبتُّل، ولا ترهُّب في الإسلام". (٢) أخرج ذلك جلالُ الدين السيوطي في الجامع الصغير معزُوًّا إلى عبد الرزاق في كتابه الجامع، وقال إنه مرسل. (٣) ووصْفُه بأنه مُرسَلٌ يقتضي أنه من قول النبي ﷺ ، إذ الحديثُ المرسل هو الذي يقول راويه الذي ليس صحابيًّا: قال رسول الله ﷺ . وروى هذا الأثرَ ابنُ الأثير في النهاية عن كتاب الغريبين للهروي مقتصرًا على لفظ "لا رهبانية في الإسلام"، ولم يسنده. فاحتمل أنه اختصر ما رواه

стр. 455

عبد الرزاق بتغيير قليل بحذف واو العطف، واحتمل أنه حديثٌ آخرُ غير حديثِ عبد الرزاق (كتاب الغريبين للهروي ليس بأيدينا). (١) وروى الزمخشري في الفائق: "لا زمام، ولا خزام، ولا رهبانية، ولا تَبَتُّلَ، ولا سياحة في الإسلام"، (٢) ولم يعزه إلى راو، ولا إلى كتاب في الحديث. وهو مماثلٌ لما روي عن عبد الرزاق، مع مخالفة في ترتيب الخصال المذكورة فيه. وقد جاء لفظ الرهبانية في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، وضمير الرفع في قوله: "ابتدعوها" عائدٌ إلى "الذين اتبعوه" بمعنى الذين اتبعوا عيسى ﵇، أي أتباع ملته، وهم النصارى الذين جاؤوا بعده وبعد أصحابه الحواريين، فإن الرهبان ظهروا بعدهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢]. وتقديرُ نظم الآية فيه وجهان: أحدهما أن التقدير "وابتدعوا رهبانية ابتدعوها"، فنصب رهبانية بفعل محذوف يدل عليه الفعلُ الذي بعده، الناصبُ لضمير رهبانية على طريق الاشتغال. وهذا ما اختاره أبو علي الفارسي والزجاج، ورجحه في الكشاف بتقديمه على مقابله. (٣)

стр. 456

الاحتمال الثاني أن يكون "رهبانية" معطوفًا على رأفة ورحمة، وتُجعل جملةُ "ابتدعوها" صفةً لرهبانية. وهذا وإن ذكره بعضُ المفسرين، فقد انتقده محققوهم بأنه يقتضي أن الله جعل الرهبانيةَ في قلوب الذين اتبعوا عيسى ﵇، كما جعل فيها الرأفةَ والرحمة، مع أن الرهبانية من الأعمال الجسدية فعلًا وتركًا فلا تكون في القلب، إلا إذا تُؤُوِّل ذلك بتقديرٍ يدل على معنى يصلح أن يكون من عقائد القلب، أي: جعلنا محبة رهبانية في قلوب الذين اتبعوه. معنى الرهبانية: الرهبانية بفتح الراء على الأشهر، ويجوز ضمُّ الراء. قال في النهاية: "هي من رهبنة النصارى، [وأصلها من الرهبة: الخوف]، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذِّها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمُّد مشاقِّها، [حتى إن منهم مَنْ كان يخصي نفسه، ويضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب]، فنفاها النبي ﷺ عن الإسلام، ونهى المسلمين عنها". (١) وفي الفائق: "والرهبانية فعل الرهبان: من مواصلة الصوم، ولبس المسُوح، (٢) وترك أكل اللحم، وغير ذلك. وأصلها من الرهبة أي الخوف؛ لأنهم يفعلون ذلك خوفًا من الله أن يقعوا في فعل المحرمات أو تلهيهم أمور الدنيا عن العبادة". (٣) وإن اقتران لفظ الرهبانية بهاء التأنيث مُؤْذِنٌ بأنها صفةٌ أو حالة، وإن مجيئها بصيغة النسب دليلٌ على أنها نُسبت إلى لفظ راهب على غير قياس، بحذف الألف

стр. 457

التي في لفظ راهب، وذلك من تغييرات النسب. وزيادة النون في النسب تدل على تمكن النسبة، كقولهم شعرانِيٌّ لكثير الشعر، ولحيانِيٌّ لعظيم اللحية. فدل اللفظُ بمادته وصيغته زيادة على صفة من صفات الراهب مختصة به، إذ لم يكن مثلُ ذلك معروفًا في دين اليهودية، فانفرد به طائفةٌ من أهل المسيحية. فنفيُ الرهبانية هو الامتناعُ عن التزوج بنية القربة إلى الله، ويومئ إلى ذلك ذكرُها في الحديث في عداد أمور مما كان يُفعل بقصد التقرب إلى رضا الله تعالى. واتفق المفسرون وأصحابُ معاني الحديث على تفسير الرهبانية بهذا المعنى، وهو من تفسير معنى لفظ لغوي، فمرجعه إلى الوضع والرواية ولا مجال للرأي فيه، وحمله على غير معناه توهُّم ووضع جديد. والرهبانية من قبيل النذور؛ لأن فاعلها يوجبها على نفسه تقربًا من رضا الله تعالى. واتفق المفسرون على أن حقيقة الرهبانية أفعال من العباد يريدون بها التقرب إلى الله طلبًا لرضوانه، وهي التي تقدم بيانها في عبارة "الفائق" للزمخشري و"النهاية" لابن الأثير. وتلك الأفعال معدودة من فضائل الأعمال في الدين المسيحي وليست من الواجبات فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، أي ما فرضناها، ثم قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧]، وهذا استثناء منقطع، أي ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. ويدل لذلك قوله تعالى: "ابتدعوها"؛ فإن الابتداع يكون في الأعمال. وأما علم الكتاب وفهمه فليس بابتداع، بل هو مما أمر الله به أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما تأويل هذا الخبر، فقد تسلسلت فيه أخطاء لكثير من الناس تولد بعضها عن بعض، ومنشؤها فيما أظن هو النظر في أعمال الرهبان مع توهم أن ما عليه رهبان المسيحيين من الأحوال والأعمال كله داخل في مدلول لفظ الرهبانية.

стр. 458

وهذا وهم نشأ من إعمال الاشتقاق من لفظ الراهب. فابتدروا بأخذ ما رسمه الرهبان للمسيحيين من أن العبد لا أهلية له لدعاء الله ومناجاته إلا بواسطة الراهب، فجعلوا تصدي الرهبان لفهم الإنجيل وتحجيرهم على من لم يكن منهم الاشتغال بذلك، مما شمله معنى الرهبانية، فتوهموا نفيَ مثله في الإسلام. وليس كل ما هو من شؤون الرهبان التي تعمهم وغيرهم ولا التي تخصهم بداخل في مسمى الرهبانية سوى ما ذكر آنفًا؛ لأن مدلولات الألفاظ اللغوية موقوفة على ما وضعت له في اللغة وليس من الصواب القياس عليها. ثم تولد من هذا الأصل المخطئ أصل ثان، فتوهموا أن هذا لما كان من أوهام الرهبان وأن الحديث لما نفى الرهبانية فنفي الوساطة بين العبد وربه مشمول لنفس الرهبانية. وهذا خطأ؛ لأن الاسم الملاحظ بصفة خاصة لا تكون جميع أحواله داخلة في تلك الصفة، بل للصفات مدلولات معروفة بالوضع والاصطلاح، ولما عداها أدلة أخرى من الكتاب والسنة. وولَّد بعضُهم من هذا الأصل أصلًا ثالثًا، وهو استنتاجُ أن نفيَ الواسطة يقتضي نفيَ احتياج المسلمين إلى مَن يعلمهم دينهم، ولا حاجة إلى معرفة مذاهب الأئمة المجتهدين (الذين شهدت لهم الأمة بإصابة الفقه في الدين). وهذا خطأ؛ قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، واتفق سلف الأمة وخلفها على أن علماء الدين من أولِي الأمر. وارتقَوْا من ذلك إلى توهم أن لكل أحد أن يجتهد في الدين بما يراه، وتغافلوا عن شروط الأهلية لذلك، وعن حقيقة الاجتهاد، وصفات الأهلية له - وهي مقررة في أصول الفقه. فكان ذلك ذريعة إلى محاولة كل واحد أن يفهم الدين كما تمليه عليه أمياله، وخولوا لأنفسهم الاجتهاد في الدين مع العرُوِّ عن مؤهلات الاجتهاد وهي كثيرة وعسيرة، فليرجع إلى تفصيلها من كتب الأصول.

стр. 459

فالاجتهاد منه فرض كفاية، وهو وجود طائفة من علماء المسلمين المتأهلين للتفقه في الدين لينظروا في تحصيل الأحكام الشرعية للمسلمين بالتأييد والتنقيح لما مضى من آراء علمائهم، والاستنباط لما يجد من الحوادث بأن يكون في كل صقع من أصقاع الإسلام (في الأبعاد التي يتيسر اتصال أهلها بعضهم ببعض) واحد أو عدة من العلماء بالشريعة المطلعين على نصوصها وعلى نظائر مدلولات تلك النصوص وعلى مقاصد الشريعة وعلى أحوال كل المسلمين على اختلاف الأصقاع والحاجات بتعيين أحكام لها لا تخالف نصوص الشريعة ولا ظواهرها المتكاثرة الدالة على معنى واحد يقرب من القطع ولا تخرج عن مقاصها المستقرأة من تصرفاتها المختلفة. وهذا مقام صعب يضطلع به المنقطع إليه الخبير بمعانيه، ذو الفطنة الذهنية والكفاءة العلمية. ومن الاجتهاد فرضُ عين، وهو على كل عالم بلغ في علوم الشريعة وفهم الكتاب والسنة مبلغًا يأنس فيه من نفسه الصلاحية لاستنباط الأحكام الشرعية وأقوال أئمة الدين، وترجيح بعض أقوالهم على بعض. فإذا بلغ هذا المبلغ ثبتت استطاعته للاجتهاد، فوجب عليه لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما تحقق أهلية العالم للاجتهاد فيحصل للناس باشتهار العالم بعلم الشريعة وعدالته وشهادة أهل العلم له بتلك الأهلية. وتحصل هذه المعرفة للخاصة بيقين أو غلبة ظن، وتحصل للعامة بغلبة الظن الحاصل من قصد المتحرين في الدين أحدًا لاستفتائه في الدين.

стр. 460

لا صفر (١) جُبل الإنسانُ على تطلب المعرفة والاتسام بمسيم العلم، فهو متعلِّمٌ وعالِمٌ ومُعلِّم بطبعه. لذلك ترى الطفلَ يسأل عن كل ما يراه ويسمعه، ويحاول أن يُرِيَ رفيقَه كلَّ ما يلوح له من أمر مستغرب، ويعرفه بكل ما وصل إليه علمُه وإدراكه. وشأنُ الأمم في جهالتها الأولى أو العارضة لها عن تدهور من أوج الهداية إلى حضيض الضلالة أن تنتحلَ لأنفسها معارفَ مخلوطة بين حق وباطل، تعلل بها تعطشها إلى العلم. وغالب ذلك هو من وضع أهل الذكاء منهم الذين لم يقدر لهم صقل ذكائهم بالمعارف الحقة، فهم بذكائهم الفكري تنعكس حركةُ عقولهم على نفسها، فتخترع من تخيلاتها وأوهامها ما يحسبونه علمًا، ويشيعونه في طهماء (٢) القوم عن غرور وغفلة أو عن دهاء وحيلة، ليقتعدوا بذلك مراقيَ القيادة والزعامة. ولذلك لا تجد أمةً يَخلو تاريخُ علومها من الابتداء بعلوم وهمية وخرافية تكون هي قصارى علومها قبل نهوض حضارتها، ويتفاوتون في تنظيمها تفاوت عقولهِم في الاختراع. فقد كان للكلدان خرافاتٌ من عبادة الكواكب وأرواحها، وكان للمصريين خرافاتٌ في أحوال الموتى والموجودات المقدسة، وكان لليونان خرافاتٌ في أحوال الآلهة والأبطال. فإذا ارتقت تلك الأممُ وتواضعت (٣) العلوم الصحيحة، بقيت بقايا من العلوم الوهمية عالقةً بعقول الطائفة التي حظُّها من المعارف الحقة قليلٌ أو معدوم.
следующие страницы →