الاحتمال الثاني أن يكون "رهبانية" معطوفًا على رأفة ورحمة، وتُجعل جملةُ "ابتدعوها" صفةً لرهبانية. وهذا وإن ذكره بعضُ المفسرين، فقد انتقده محققوهم بأنه يقتضي أن الله جعل الرهبانيةَ في قلوب الذين اتبعوا عيسى ﵇، كما جعل فيها الرأفةَ والرحمة، مع أن الرهبانية من الأعمال الجسدية فعلًا وتركًا فلا تكون في القلب، إلا إذا تُؤُوِّل ذلك بتقديرٍ يدل على معنى يصلح أن يكون من عقائد القلب، أي: جعلنا محبة رهبانية في قلوب الذين اتبعوه.
معنى الرهبانية:
الرهبانية بفتح الراء على الأشهر، ويجوز ضمُّ الراء. قال في النهاية: "هي من رهبنة النصارى، [وأصلها من الرهبة: الخوف]، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذِّها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمُّد مشاقِّها، [حتى إن منهم مَنْ كان يخصي نفسه، ويضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب]، فنفاها النبي ﷺ عن الإسلام، ونهى المسلمين عنها". (١)
وفي الفائق: "والرهبانية فعل الرهبان: من مواصلة الصوم، ولبس المسُوح، (٢) وترك أكل اللحم، وغير ذلك. وأصلها من الرهبة أي الخوف؛ لأنهم يفعلون ذلك خوفًا من الله أن يقعوا في فعل المحرمات أو تلهيهم أمور الدنيا عن العبادة". (٣)
وإن اقتران لفظ الرهبانية بهاء التأنيث مُؤْذِنٌ بأنها صفةٌ أو حالة، وإن مجيئها بصيغة النسب دليلٌ على أنها نُسبت إلى لفظ راهب على غير قياس، بحذف الألف
стр. 457
التي في لفظ راهب، وذلك من تغييرات النسب. وزيادة النون في النسب تدل على تمكن النسبة، كقولهم شعرانِيٌّ لكثير الشعر، ولحيانِيٌّ لعظيم اللحية. فدل اللفظُ بمادته وصيغته زيادة على صفة من صفات الراهب مختصة به، إذ لم يكن مثلُ ذلك معروفًا في دين اليهودية، فانفرد به طائفةٌ من أهل المسيحية.
فنفيُ الرهبانية هو الامتناعُ عن التزوج بنية القربة إلى الله، ويومئ إلى ذلك ذكرُها في الحديث في عداد أمور مما كان يُفعل بقصد التقرب إلى رضا الله تعالى.
واتفق المفسرون وأصحابُ معاني الحديث على تفسير الرهبانية بهذا المعنى، وهو من تفسير معنى لفظ لغوي، فمرجعه إلى الوضع والرواية ولا مجال للرأي فيه، وحمله على غير معناه توهُّم ووضع جديد.
والرهبانية من قبيل النذور؛ لأن فاعلها يوجبها على نفسه تقربًا من رضا الله تعالى. واتفق المفسرون على أن حقيقة الرهبانية أفعال من العباد يريدون بها التقرب إلى الله طلبًا لرضوانه، وهي التي تقدم بيانها في عبارة "الفائق" للزمخشري و"النهاية" لابن الأثير. وتلك الأفعال معدودة من فضائل الأعمال في الدين المسيحي وليست من الواجبات فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، أي ما فرضناها، ثم قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧]، وهذا استثناء منقطع، أي ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.
ويدل لذلك قوله تعالى: "ابتدعوها"؛ فإن الابتداع يكون في الأعمال. وأما علم الكتاب وفهمه فليس بابتداع، بل هو مما أمر الله به أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما تأويل هذا الخبر، فقد تسلسلت فيه أخطاء لكثير من الناس تولد بعضها عن بعض، ومنشؤها فيما أظن هو النظر في أعمال الرهبان مع توهم أن ما عليه رهبان المسيحيين من الأحوال والأعمال كله داخل في مدلول لفظ الرهبانية.
стр. 458
وهذا وهم نشأ من إعمال الاشتقاق من لفظ الراهب. فابتدروا بأخذ ما رسمه الرهبان للمسيحيين من أن العبد لا أهلية له لدعاء الله ومناجاته إلا بواسطة الراهب، فجعلوا تصدي الرهبان لفهم الإنجيل وتحجيرهم على من لم يكن منهم الاشتغال بذلك، مما شمله معنى الرهبانية، فتوهموا نفيَ مثله في الإسلام.
وليس كل ما هو من شؤون الرهبان التي تعمهم وغيرهم ولا التي تخصهم بداخل في مسمى الرهبانية سوى ما ذكر آنفًا؛ لأن مدلولات الألفاظ اللغوية موقوفة على ما وضعت له في اللغة وليس من الصواب القياس عليها. ثم تولد من هذا الأصل المخطئ أصل ثان، فتوهموا أن هذا لما كان من أوهام الرهبان وأن الحديث لما نفى الرهبانية فنفي الوساطة بين العبد وربه مشمول لنفس الرهبانية. وهذا خطأ؛ لأن الاسم الملاحظ بصفة خاصة لا تكون جميع أحواله داخلة في تلك الصفة، بل للصفات مدلولات معروفة بالوضع والاصطلاح، ولما عداها أدلة أخرى من الكتاب والسنة.
وولَّد بعضُهم من هذا الأصل أصلًا ثالثًا، وهو استنتاجُ أن نفيَ الواسطة يقتضي نفيَ احتياج المسلمين إلى مَن يعلمهم دينهم، ولا حاجة إلى معرفة مذاهب الأئمة المجتهدين (الذين شهدت لهم الأمة بإصابة الفقه في الدين). وهذا خطأ؛ قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، واتفق سلف الأمة وخلفها على أن علماء الدين من أولِي الأمر.
وارتقَوْا من ذلك إلى توهم أن لكل أحد أن يجتهد في الدين بما يراه، وتغافلوا عن شروط الأهلية لذلك، وعن حقيقة الاجتهاد، وصفات الأهلية له - وهي مقررة في أصول الفقه. فكان ذلك ذريعة إلى محاولة كل واحد أن يفهم الدين كما تمليه عليه أمياله، وخولوا لأنفسهم الاجتهاد في الدين مع العرُوِّ عن مؤهلات الاجتهاد وهي كثيرة وعسيرة، فليرجع إلى تفصيلها من كتب الأصول.
стр. 459
فالاجتهاد منه فرض كفاية، وهو وجود طائفة من علماء المسلمين المتأهلين للتفقه في الدين لينظروا في تحصيل الأحكام الشرعية للمسلمين بالتأييد والتنقيح لما مضى من آراء علمائهم، والاستنباط لما يجد من الحوادث بأن يكون في كل صقع من أصقاع الإسلام (في الأبعاد التي يتيسر اتصال أهلها بعضهم ببعض) واحد أو عدة من العلماء بالشريعة المطلعين على نصوصها وعلى نظائر مدلولات تلك النصوص وعلى مقاصد الشريعة وعلى أحوال كل المسلمين على اختلاف الأصقاع والحاجات بتعيين أحكام لها لا تخالف نصوص الشريعة ولا ظواهرها المتكاثرة الدالة على معنى واحد يقرب من القطع ولا تخرج عن مقاصها المستقرأة من تصرفاتها المختلفة.
وهذا مقام صعب يضطلع به المنقطع إليه الخبير بمعانيه، ذو الفطنة الذهنية والكفاءة العلمية.
ومن الاجتهاد فرضُ عين، وهو على كل عالم بلغ في علوم الشريعة وفهم الكتاب والسنة مبلغًا يأنس فيه من نفسه الصلاحية لاستنباط الأحكام الشرعية وأقوال أئمة الدين، وترجيح بعض أقوالهم على بعض. فإذا بلغ هذا المبلغ ثبتت استطاعته للاجتهاد، فوجب عليه لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وأما تحقق أهلية العالم للاجتهاد فيحصل للناس باشتهار العالم بعلم الشريعة وعدالته وشهادة أهل العلم له بتلك الأهلية. وتحصل هذه المعرفة للخاصة بيقين أو غلبة ظن، وتحصل للعامة بغلبة الظن الحاصل من قصد المتحرين في الدين أحدًا لاستفتائه في الدين.
стр. 460
لا صفر (١)
جُبل الإنسانُ على تطلب المعرفة والاتسام بمسيم العلم، فهو متعلِّمٌ وعالِمٌ ومُعلِّم بطبعه. لذلك ترى الطفلَ يسأل عن كل ما يراه ويسمعه، ويحاول أن يُرِيَ رفيقَه كلَّ ما يلوح له من أمر مستغرب، ويعرفه بكل ما وصل إليه علمُه وإدراكه.
وشأنُ الأمم في جهالتها الأولى أو العارضة لها عن تدهور من أوج الهداية إلى حضيض الضلالة أن تنتحلَ لأنفسها معارفَ مخلوطة بين حق وباطل، تعلل بها تعطشها إلى العلم. وغالب ذلك هو من وضع أهل الذكاء منهم الذين لم يقدر لهم صقل ذكائهم بالمعارف الحقة، فهم بذكائهم الفكري تنعكس حركةُ عقولهم على نفسها، فتخترع من تخيلاتها وأوهامها ما يحسبونه علمًا، ويشيعونه في طهماء (٢) القوم عن غرور وغفلة أو عن دهاء وحيلة، ليقتعدوا بذلك مراقيَ القيادة والزعامة.
ولذلك لا تجد أمةً يَخلو تاريخُ علومها من الابتداء بعلوم وهمية وخرافية تكون هي قصارى علومها قبل نهوض حضارتها، ويتفاوتون في تنظيمها تفاوت عقولهِم في الاختراع.
فقد كان للكلدان خرافاتٌ من عبادة الكواكب وأرواحها، وكان للمصريين خرافاتٌ في أحوال الموتى والموجودات المقدسة، وكان لليونان خرافاتٌ في أحوال الآلهة والأبطال. فإذا ارتقت تلك الأممُ وتواضعت (٣) العلوم الصحيحة، بقيت بقايا من العلوم الوهمية عالقةً بعقول الطائفة التي حظُّها من المعارف الحقة قليلٌ أو معدوم.
стр. 461
ألا ترى أن المصريين مع ما كان في كَهَنتهم من العلوم الحكمية لم تخلُ عامَّتُهم من الإيمان بأوهام خرافية؟ وكذلك الحال في اليونان إذ لم يكن لغالب أساطين العلم في هؤلاء وأولئك دعوةٌ إلى إصلاح التفكير والاعتقاد في العامة إلا نادرًا، مثل ما كان من سقراط بطريقته الوعظية والتمثيلية، وديوجينوس بطريقته التهكمية، (١) بل كان غالبُهم يقتصر من علمه على التعليم الخاص.
على هذا السَّنَنِ كان شأنُ العرب في جاهليتهم، فقد تعلَّقوا بأوهامٍ باطلة ابتكرتْها تخيلاتُهم، أو وضعها لهم أهلُ الدهاء من المتطلعين إلى التفوق والزعامة في القبائل، فيرسمون لهم رسومًا ويخيلون لهم أنها معارفُ استأثروا بها ليجعلوا أنفسهم مرجعًا يرجع إليه الأقوام، فانطوت بهم عصورٌ في ضلالة حتى استيقظوا منها في القيامة فقالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ [الأحزاب: ٦٧، ٦٨]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ أخبر عن عمرو بن لُحَي جد خزاعة أنه يجر قُصْبَه في النار؛ لأنه أول من بحر البحيرة وسيب السائمة وحمى الحامي ووصل الوصيلة، (٢) ودعا الناس إلى عبادة الأصنام. (٣)
стр. 462
كان العربُ قد ادَّعَوْا لأنفسهم علومًا وهمية، منها الطيرة والفأل والزجر والعيافة والرقى والسُّلوان. (١) وكذبوا أكاذيب أشاعوها بين الناس، من دعوى تعرض الغول لهم في أسفارهم، وخروج طائر من دم قتيل يسمى الهامة، ومحادثتهم مع الجن، وغير ذلك.
وحاصلُ هذه العلوم أنها استخراجُ معان دالة على وقوع حوادث مستقبلية للعامة أو الخاصة، تُستخرَج من أحوالٍ تبدو من حركات الطير أو الوحش ومرورها ونزولها، أو من أقوال تَقرَعُ السمعَ على غير ترقب، أو من مقارنات بين الأشياء وملازمات للأشياء. ويجعلونها كالمقصود من تلك الأشياء، مثل تشاؤمهم بالهام، وهو ذكر البوم؛ لأنه يألف الخرابَ والمقابر ويصيح كالناعي، فجعلوه علامةً على الخلاء. وإن دلت عندهم على معان حسنة تفاءلوا بها، مثل أن يمر بالمسافر من جانبه الأيمن بقرةٌ وحشية سليمة القرن.
وبعضُ هذه المعلومات تبلغ من الشهرة عندهم إلى حد أن يستويَ الناسُ في استطلاعها، وبعضها يتركب من أحوال كثيرة، أو يحتاج إلى دقائق، فيحتاج العامةُ إلى عرضها على أهل المعرفة. والعارف بدقائق ذلك يُدعى العرَّاف، وقد اشتهر أهلُ اليمامة وأهلُ نجد بعرافيهم، (٢) واشتهرت بنو لهب - قبيلة من الأزد - بالزجر والعيافة.
стр. 463
أضاء على العرب وهم في ظلمات الجاهلية نورٌ بزع وفجرٌ سطع، وهو نورُ الإسلام الذي جاء لإنقاذ البشرِ كلِّهم من ظلمات الأوهام والزيغ. فطلعت شَمسُه على العرب مثل كل الأمم، فأنحى على عقائد العرب الضالة. وحسبُك أن الله تعالى وصف الاعتقادَ بالباطل بأنه اعتقاد الجاهلية، إذ قال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
فكان أولُ ما دعاهم الإسلامُ إليه صحةَ الاعتقاد المستتبع تصحيحَ التفكير، فدعاهم إلى صحة الاعتقاد في ذات الله وصفاته، ثم إلى نبذ سفاهة الأحلام في هذه الأوهام. وقد تكرر ذلك في القرآن: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٤٠]. (١) وأرشدهم إلَى أنَّ ما لَا دليلَ عليه من وحيٍ أو عقلٍ يقبُح تقلُّدُه، فقال القرآن فيهم: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس: ٦٨ - ٧٠].
ومن الضلالات التي اعتقدها العربُ اعتقادُ أن شهرَ صفر شهرٌ مشؤوم. وأصل هذا الاعتقاد نشأ من استخراج معنى مما يقارن هذا الشهر من الأحوال في الغالب عندهم، وهو ما يكثر فيه من الرزايا بالقتال والقتل. ذلك أن شهر صفر يقع بعد ثلاثة أشهر حرم نَسْقًا، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وكان العربُ يتجنبون القتالَ والقتلَ في الأشهر الحرم؛ لأنها أشهرٌ أمن الله، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، فكانوا يقضون الأشهرَ
стр. 464
الحرم على أحن (١) من تطلب الثأرات والغزوات وتشتت حاجتهم في تلك الأشهر. فإذا جاء صفر بادر كلُّ مَنْ في نفسه حنقٌ على عدوه فثاوره، (٢) فيكثر القتل والقتال. ولذلك قيل إنه سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون مَنْ لَقُوه صِفْرًا من المتاع والمال، أي خلوًا منهما. قال الذبياني يحذر قومه من التعرض لبلاد النعمان بن الحارث ملك الشام في شهر صفر:
لَقَدْ نَهَيْتُ بَنِي ذُبْيَانَ عَنْ أُقُرٍ ... وَعَنْ تَرَبُّعِهِمْ فِي كُلِّ أَصْفَارِ (٣)
ولذلك كان مَنْ يريد العمرةَ منهم لا يعتمر في صفر؛ إذ لا يأمن على نفسه. فكان من قواعدهم في العمرة أن يقولوا: "إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت لمن اعتمر"، (٤) على أحد تفسيرين في المراد من صفر، وهو التأويل الظاهر.
وقيل أرادوا به شهرَ المحرم، وأنه كان في الجاهلية يسمى صفرًا الأول، وأن تسميته محرمًا من اصطلاح الإسلام، وقد ذهب إلى هذا بعضُ أئمة اللغة. وأحسب أنه اشتباه؛ لأن تغيير الأسماء في الأمور العامة يُدخِلُ على الناس تلبيسًا لا يقصده الشارع، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لمَّا خطب في حجة الوداع فقال: "أي شهر هذا؟ ، قال الراوي: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ "، ثم
стр. 465
ذكر في أثناء الخطبة الأشهر الحرم فقال: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". (١) فلو كان اسم المحرم اسمًا جديدًا لوضحه للحاضرين الواردين من الآفاق القاصية. على أن حادثًا مثل هذا لو حدث لتناقله الناس، وإنما كانوا يطلقون عليه (٢) وصفرَ لفظَ الصَّفَرَيْنِ تغليبًا.
فنهى النبي ﷺ عن التشاؤم بصفر، روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة والسائب بن يزيد ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا صفر". اتفق هؤلاء الأصحابُ الثلاثة على هذا اللفظ، وفي بعضهم زيادة: "ولا هامة ولا غول ولا طيرة ولا نوء". (٣)
وقد اختلف العلماءُ في المراد من صفر في هذا الحديث، فقيل أراد الشهر، وهو الصحيح. وبه قال مالك، وأبو عبيدة معمر بن المثنى. وقيل أراد مرضًا في البطن سُمِّيَ الصفر، كانت العرب يعتقدونه معديًا، وبه قال ابن وهب ومطرف وأبو عبيد القاسم بن سلام. وفيه بعد؛ لأن قوله: "لا عدوى" يغني عن قوله: "ولا صفر". وعلى أنه أراد الشهر، فقيل: أراد إبطالَ النسيء، وقيل: أراد إبطال التشاؤم بشهر صفر، وهذا الأخير هو الظاهر عندي. (٤)
ووجهُ الدلالة فيه أنه قد عُلم من استعمال العرب أنه إذا نُفِيَ اسمُ اجنسٍ ولم يُذكر الخبر، أن يُقَدَّرَ الخبر بما يدل عليه المقام. فالمعنى هنا لا صفر مشؤوم، إذ هذا
стр. 466
الوصفُ هو الوصف الذي يختصُّ به صفر من بين الأشهر. وهكذا يُقدَّر لكلِّ مَنْفِيٍّ في هذا الحديث على اختلاف رواياته بما يناسب مُعْتَقَدَ أهل الجاهلية فيه.
وسواء كان هذا هو المراد من هذا الحديث أم غيره، فقد اتفق علماءُ الإسلام على أن اعتقاد نحس هذا الشهر اعتقادٌ باطل في نظر الإسلام، وأنه من بقايا الجاهلية التي أنقذ الله منها بنعمة الإسلام.
قد أبطل الإسلامُ عوائدَ الجاهلية، فزالت من عقول جمهور المؤمنين، وبقيت بقاياها في عقول الجهلة من الأعراب البعداء عن التوغل في تعاليم الإسلام. فلصقت تلك العقائد بالمسلمين شيئًا فشيئًا مع تخييم الجهل بالدين بينهم، ومنها التشاؤم بشهر صفر، حتى صار كثيرٌ من الناس يتجنب السفرَ في شهر صفر اقتباسًا من حذر الجاهلية السفرَ فيه خوفًا من تعرض الأعداء. ويتجنبون فيه ابتداءَ الأعمال، خشيةَ أن لا تكون مباركة.
وقد شاع بين المسلمين أن يصفوا شهرَ صفر بقولهم: صفر الخير، فلا أدري هل أرادوا به الردَّ على مَنْ يتشاءم به، أو أرادوا التفاؤل لتلطيف شره، كما يُقال للملدوغ السليم. وأيًّا ما كان، فذلك الوصف مُؤْذِنٌ بتأصل عقيدة التشاؤم بهذا الشهر عندهم.
ولأهل تونس حظٌّ عظيمٌ من اعتقاد التشاؤم بصفر، لا سيما النساء وضعاف النفوس. فالنساء يسمينه "ربيب العاشوراء"، ليجعلوا له حظًّا من الحزن فيه وتجنب الأعراس والتنقلات. ومن الناس مَنْ يزيد ضغثًا على إبالة، (١) فيضم إلى عقيدة
стр. 467
الجاهلية عقيدة أجهل منها، وهي اعتقاد أن يوم الأربعاء الأخير من صفر هو أنحسُ أيام العام. ومن العجب أنهم ينسبون ذلك إلى الدين الذي أوصاهم بإبطال عقائد الجاهلية، فتكون هذه النسبةُ ضلالةً مضاعفة؛ [إذ] يستندون إلى حديث موضوع يروى عن ابن عباس أن رسول الله قال: "آخرُ أربعاء في الشهر يومُ نَحْسٍ مستمر"، (١) وقد نص الأئمةُ على أن هذا حديثٌ موضوع. فإذا ضُمَّ ذلك إلى التشاؤم بشهر صفر من بين الأشهر، أنتجت هذه المقدماتُ الباطلة نتيجةً مثلَها، وهي أن آخرَ أربعاء من شهر صفر أشأمُ أيام العام. وأهلُ تونس يسمونها "الأربعاء الكحلاء"، أي السوداء، كنايةً عن نحسها؛ لأن السواد شعار الحزن والمصائب، عكس البياض. قال أبو الطيب في الشيب:
ابْعَدْ بَعِدْتَ بَيَاضًا لَا بَيَاضَ لَهُ ... لأَنْتَ أَسْوَدُ فِي عَيْنِي مِنَ الظُّلَمِ (٢)
стр. 468
وهو اعتقادٌ باطل؛ إذ ليس في الأيام نحس؛ قال مالك ﵀: "الأيامُ كلُّها لله"، (١) وإنما يفضل بعضُ الأيام بعضًا بما جعل الله له من الفضل فيما أخبر بذلك رسول الله ﷺ .
ولأجل هذا الاعتقاد الباطل، قد اخترع بعضُ الجهلة المركبين صلاةً تُصلَّى صباح يوم الأربعاء الأخير من صفر. وهي صلاةٌ ذاتُ أربع ركعات متواليات، تُقرأ في كل ركعة منها سورٌ من القرآن مكرَّرة متعددة، وتُعاد في كل ركعة، ويُدعى عَقِبَ الصلاة بدعاء معين. وهي بدعةٌ وضلالة؛ إذ لا تُتَلَقَّى الصلواتُ ذواتُ الهيئات الخاصة إلا من قبل الشرع. ولم يرد في هذه الصلاة من جهة الشرع أثرٌ قويٌّ ولا ضعيف، فهي موضوعة. وليست من قبيل مطلق النوافل؛ لأنها غيرُ جارية على صفات الصلوات النوافل. فليحذر المسلمون من فعلها، ولا سيما مَنْ لهم حظٌّ من العلم. ونعوذ بالله من علم لا ينفع وهوى متبع.
стр. 469
شهر رجب (١)
هو من الأشهر الحرم، تقرر تحريمه في الجاهلية عند مضر كلها، دون بقية العرب من العدنانيين والقحطانيين. فالظن أن تحريمه لم يكن من عهد إبراهيم ﵇؛ لأنه لم تُجمع العربُ على تحريمه. والظاهر أن مضر جعلوه شهرًا حرامًا ليكونوا آمنين فيه، قصدًا لزيادة الأمن في العام. ولذلك جعلوه شهرَ العمرة، ليُكسِبوه مهابةً عند غير المُضريين من العرب، والعرب كلهم يعظِّمون القاصدين زيارةَ البيت، قال النابغة يصف حجَّه:
مُشَمِّرِينَ عَلَى خُوصٍ مُزَمَّمَةٍ ... نَرْجُو الإلَهَ وَنَرْجُو البِرَّ وَالطُّعَمَا (٢)
ومن تعظيم الحجيج أن أقسمت العربُ بالله بعنوان كونه تعالَى ربَّ الحجيج، قال العجاج:
وَرَبِّ أَسرَابِ حَجِيجٍ كَظَّمِ ... عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ (٣)
فحصل من ذلك تعظيمُ هذا الشهر عند العرب، وقد أشار إلى ذلك النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع في ذكر الأشهر الحرم إذ قال: "ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". (٤) وقد لقبه العرب بالأصم، أرادوا أنه لا يسمع الناسُ فيه قعقعةَ
стр. 470
السلاح للقتال، فجعلوه أصم عن سماعها على طريقة المجاز العقلي. ولقبه المولَّدون بالأصب، بالباء، ولعله تحريف أو قلب خفيف. ولقبوه أيضًا بالفرد؛ لأنه شهرٌ حرام فرد بين أشهر حلال، بخلاف الأشهر الحرم الأخرى فهي متتابعة. فلذلك شاع إردافُ شهر رجب عند الكتاب والمؤلفين بوصفه بأحد هذه الأوصاف. وليتهم تركوا ذلك، فإنه من الفضول في الكلام والتطويل الذي لا طائلَ تحته. وما كانت العربُ تفعل ذلك، ولا هو مأثور عن السلف.
فلما جاء الإسلام، أقرَّ تحريم هذا الشهر في جملة ما أقر من المنافع، كما أشار إليه قولُ النبي ﷺ يوم فتح مكة: "والله لا يسألونني خطةً يعظِّمون فيها حرمات الله إلا أجبتُهم إليها"، (١) فورد اعتبارُه من الشهر الحرم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، إذ فسره النبي ﷺ في خطبة الوداع بقوله: "وإن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". (٢)
وإن تحريم الأشهر الحرم في الإسلام لم يبق له حكم بعد عموم الإسلام بلادَ العرب في نظر جمهور العلماء؛ لأن القتالَ في الإسلام قد انقسم إلى مأذونٍ فيه ومحرم. فالقتالُ المأذونُ فيه لا يتعطل إذا وجد سببه، والقتالُ الحرامُ في الإسلام ممنوع في كل وقت. فلم يبق للأشهر الحرم مزيةٌ في الإسلام غيرُ الفضيلة التي
стр. 471
تَقَرَّرْت لها من سالف الأيام، فهي معدودة من الأوقات الفاضلة، ولذلك يرغب الناس في الصوم فيها.
قال علماؤنا إن جميع أيام الأشهر الحرم أوقاتٌ للصوم المرغَّبِ فيه، ويزداد الترغيبُ بالنسبة للتسعة الأيام الأول من ذي الحجة، وللعشرة الأيام الأول من المحرم وخاصة التاسع والعاشر. ولم يثبت في الدين تفضيلٌ لصومِ أيامٍ معينة من الأشهر الحرم غير ما ذكرنا، وأما ما رُوِيَ عن أنس يرفعه: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي"، فهو حديثٌ موضوع أو ضعيف. (١) ولم يرد في تخصيص يوم من أيام رجب بصوم أو صلاة حديث، والأحاديثُ المروية في ذلك لا تخرج عن الموضوع والضعيف.
أما ما ورد في "سنن ابن ماجه" من أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم رجب كله، (٢) فمعناه عند العلماء الكراهة لئلا يظن الناسُ وجوبَ صومه كوجوب صوم رمضان. ولم يقل أحدٌ من أئمة مذاهب أهل السنة باستحباب صوم يوم معيَّن من
стр. 472
رجب، بَلْه سُنِّيَتِه. ويومُ الجمعة الأول من رجب يسميه الناس جمعة الرغائب، ولا وجهَ لهذه التسمية. وإنما ورد في حديث عن أنس مرفوعًا أن الملائكة تسمي أول ليلةٍ من رجب ليلةَ الرغائب، وهو حديثٌ ذكره ابنُ الجوزي في الموضوعات، وقال: "إنه موضوع، ورجاله مجهولون". (١) ولم يتعقبه السيوطي في "اللآلئ المصنوعة".
هذا وقد قيل: إن شهر رجب كان فيه الإسراء برسول الله ﷺ ، وذلك أحد أقوال. فقيل: كان الإسراء في ربيع الأول سبعة عشرة، وقيل: سبع وعشرين، وقيل: كان ليلة تسع وعشرين من رمضان، وقيل: ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر، وقيل: ليلة سبع وعشرين من رجب، واختار هذا الحافظ عبد الغني المقدسي. (٢) وقيل: كان الإسراء في شوال، وقيل: في ذي الحجة. وقد جرى عملُ المسلمين على متابعة ما اختاره الحافظ عبد الغني المقدسي، فجعلوا ليلة سبع وعشرين من رجب ليلة ذكرى الإسراء، ولعل الله قد وفقهم في هذا العمل فيكون ترجيحًا لذلك الاختيار.
стр. 473
شهر شعبان (١)
هو شهرٌ يُستحبُّ الصومُ فيه، وقد كان رسولُ الله ﷺ يُكْثِر صومَه، حتى ورد في الصحيح من طرق كثيرة أن رسولَ الله لم يكن يصوم شهرًا كاملًا دون شهر رمضان إلا شهر شعبان. (٢)
وليس لشهر شعبان فضيلةٌ غير هذه. وأما ما رُوي أن رسول الله قال: "فضلُ شهر شعبان على الشهور كفضلي على سائر الأنبياء"، فهو حديثٌ موضوع. (٣) ولعل هذا الحديث هو الذي حمل الكتَّابَ على أن يُتْبِعوا اسمَ شعبان بوصف الإكرام، وهو فضولٌ زائد كما قلناه في شهر رجب. وقد تقدم آنفًا الكلامُ على حديث "رجب شهر
стр. 474
الله، وشعبان شهري"، إلخ. وقد شاع عند كثير من الناس أن لليلة النصف من شعبان فضائلَ ومزايا خاصة:
١ - منها اعتقادُهم أن فيها صلاةً خاصة يروون فيها كيفيات: منها كيفيةٌ في حديث يُروى بطرق عن علي بن أبي طالب وابن عمر وجماعة من الصحابة مرفوعًا، أن مَنْ صلَّى ليلةَ النصف من شعبان أعدادًا مختلفة الركعات بأعداد من فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص أعطاه الله خيراتٍ في الدنيا والآخرة، وُصفت في ذلك الحديث وصفا طويلًا ركيكًا. وهو حديثٌ موضوع بجميع طرقه، وعلى اختلاف رواياته لاختلال أسانيده.
ولِمَا عليه من سمة الوضع في ثقله وإسهابه، قال الحافظ علي بن سلطان المكي (١): "أحاديثُ صلاة ليلة النصف من شعبان كلُّها باطلة، والعجبُ ممن يشم رائحةَ العلم بالسنة كيف يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها. وهذه الصلاة وُضعت في الإسلام بعد الأربعمائة، ونشأت ببيت المقدس؛ وضع لها عدةُ أحاديث لا يصح منها شيء". (٢) قال ابنُ العربي في العارضة: "وقد أولع الناسُ بها في أقطار الأرض". (٣)
стр. 475
ومنها ما روَوْهُ في صوم يوم النصف منه وقيام ليلته، وقد رُويَ في ذلك حديثٌ ضعيف في سنن ابن ماجه. (١)
٢ - ومنها اعتقادُهم أن ليلة النصف من شعبان يغفر الله فيها ذنوبًا كثيرة. وقد روي في ذلك حديث في سنن الترمذي وابن ماجه بسند واحد عن عائشة مرفوعًا، قال الترمذي: سمعت محمدًا يضعف هذا الحديث. (٢) وروى ابنُ ماجه في ذلك حديثًا آخر هو أيضًا ضعيف، (٣) ورُويت أحاديثُ أخر قريبةٌ من هذا المعنى لا تخرج عن حالة الضعف.
٣ - ومنها اعتقادُهم أن ليلةَ النصف من شعبان يميز فيها مَنْ يعيش في العام التي هي مبدؤه، ومَنْ يموت من الناس. وقد انجر لهم ذلك الاعتقادُ من كلام بعض القصاصين من المفسرين؛ إذ جعلوا ليلةَ نصف شعبان هي الليلة التي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾
стр. 476
[الدخان: ٣ - ٤] وجعلوا معنى يفرق أي يقضى، وجعلوا معنى الأمر الحكيم هو الأرزاق والآجال.
قال ابن العربي في العارضة: "وهذا باطل؛ لأن الله لم ينزل القرآن في شعبان، [وإنما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي في رمضان]، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهذا كلامُ مَنْ تعدَّى على كتاب الله ولم يبال ما تكلم به، ونحن نحذركم من ذلك وأنه قال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾، وإنما تقرر الملائكةُ الأمورَ في ليلة القدر المباركة لا في ليلة النصف من شعبان". (١)
٤ - ومن خرافات العوام بتونس زعمهم أن مَنْ يقف في ضوء القمر ليلةَ النصف من شعبان وينظر إلى ظل عنقه في ضوء القمر إن وجد ظِلَّ عُنقِه واضحًا فهو حي في تلك السنة، وإن لم يجد لعنقه ظلًّا بل وجد ظلَّ رأسه متصلًا بظل كتفيه، فهو ميت في تلك السنة.
وهذا جهلٌ واختلال مبين؛ فإن امتدادَ الظل وانقباضَه يتبع موقعَ سمت القمر من جسد الواقف في ضوئه، فيكون القمر في أول طلوعه في الأفق وما يقرب منه في سمت جانب الجسم فيظهر ظله طويلًا، ويكون في أواسط الليل في كبد السماء فيُسَامِتُ أعلى الجسم، فيظهر ظلُّ الجسم قصيرًا، فلا يبدو ظلُّ العنق.
стр. 477
لا عزاء بعد ثلاث (١)
تسير على الألسنة أقوالٌ تصادف هوًى من الناس، فتدفعهم الشهوةُ إلى قبولها، ويتلقونها تلقي النفس للمحبوب غير مصغية إلى عذولها. ثم تتسع بين العامة قددًا، ولا يتطلبون لها سندًا. ولربَّما كانت من قبل أن تتعلق بها الأهواء عاكفة في حجر الانزواء، وكذلك تراها إذا انصرفت عنها الأهواء تذهب كما يذهب الغثاء. ولقد يبلغ الغلوُّ في بعضر الأحوال فيكسو هذا القبول حليةً مشذورة؛ (٢) إذ يجعل تلك الأقوالَ من السنة المأثورة. وبهذه العلة كثرت الأحاديثُ المشتهرة، التي نِسبتُها إلى الرسول الكريم مستَنْكَرة.
وفي عداد هذه الأقوال التي راجت كلمة "لا عزاء بعد ثلاث"، تناقلها الناسُ وظنوها من كلام الرسول ﷺ ، وفرَّعوا على هذه النسبة تفاريعَ وأحكامًا، ووقتوا المآتِمَ أوقاتًا وأيامًا. وليس هذا القولُ من كلام الرسول ﷺ ، وشواهدُ الغلط في نسبته إليه واضحة سندًا ومعنى.
أما من جهة السند، فهذا كلامٌ لم ينسبه إلى رسول الله ولا إلى أصحابه أحد؛ إذ لا يوجد له ذكرٌ فيما علمنا من كتب الحديث المعدة لإخراج الحديث الضعيف والتنبيه على الأحاديث الموضوعة، بله كتب الصحيح والحسن.
وأما من جهة المعنى، فهو غير مستقيم؛ لأن العزاء لغة هو الصبر، فيصير المعنى: لا صبر بعد ثلاث، أي ليال. وهذا معنى باطل؛ لأن الصبر بعد مضيِّ ثلاث
стр. 478
ليال أقربُ إلى الحصول منه عند حلول المصيبة أو في اليوم الأول، وهكذا ما زادت الأيام كان الصبر أمكن وأقرب. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "الصبر عند الصدمة الأولى"، (١) يعني الصبر الكامل، وإلا فالصبر مأمورٌ به ومثاب عليه في كل وقت، بقدر ما يَحملُ المصابُ نفسَه على دفع الجزع والحزن، وبقدر ما له من جزع وحزن مدفوعين.
فإن قيل: لعل المراد بقوله: "لا عزاء بعد ثلاث" أي: لا ثوابَ على الصبر بعد ثلاث، قلنا: هذا لا يستقيم؛ لأنه يصير الكلامُ إغراءً بالدوام على الحزن والجزع إذا فاتت ثلاثُ ليال قبل أن يحصل الصبرُ أو بعضُه، مع أن الحزن يعاود الحزين ولو بعد مدة طويلة، ولا يملك له دفعًا إلا بمعاودة الصبر. وقد عاود الحزنُ يعقوبَ ﵇ بعد مدة طويلة، كما حكى الله عنه بقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٤ - ٨٦]، مع أنه صبر عند الصدمة الأولى؛ إذ قال حين أخبره أولاده بهلاك يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨]، وقال حين أخبروه بأسر بنيامين: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣]. فثبت أن المعنى المفاد من كلمة لا عزاء بعد ثلاث معنى باطل.
ولا يصح أن يكون النفيُ في قولهم: "لا عزاء بعد ثلاث" مرادًا به النهي، مثل "لا وتران في ليلة"، (٢) أي: لا تُعَزُّوا ولِيَّ الميت بعد ثلاث، أي: النهي عن تذكيره بواجب الصبر وترغيبه فيه بعد مرور ثلاث ليال على موته، كما يتوهمه الناسُ
стр. 479
فيسوقون هذا الكلامَ في هذا الغرض؛ لأنه لو كان ذلك المراد منه لقيل: "لا تعزيةَ بعد ثلاث"؛ لأن الفعل الذي يدل على هذا المعنى هو عزَّى المشدد. يقال: عزَّاه، أي جعله ذا عزاء، أي: صبر، مثل سلَّى. فيكون مصدره التعزية، مثل التسلية، ولم يُسمع في كلام العرب إطلاقُ لفظ العزاء على معنى التعزية. وبذلك يُجزم بأن لا تصح نسبةُ هذا الكلام إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن فساد المعنى من علامات الوضع. فلو كان هذا الكلامُ قد رُوي حديثًا لعلمنا أنه موضوع، فكيف وهو لم يروه أحد؟
وأما بما سرى هذا الكلام إلى الأوهام، فهو سوءُ النقل وقلة التمييز؛ فإن أصلَ هذا القول هو كلامٌ مأثور عن الوزير يحيى بن خالد البرمكي أنه قال: "التعزيةُ بعد ثلاثٍ تجديدٌ للمصيبة، والتهنئةُ بعد ثلاث استخفافٌ بالمودة". (١) وهو كلامٌ نفيس مغزاه وجوب المبادرة بالتعزية والتهنئة؛ لأن في إيقاعهما بعد ذلك إدخالَ ضرر على أصحاب المصيبة، أو إيذانًا بقلة الابتهاج بحصول النعمة لِمَن حصلت له. وليس المراد ترك الأمرين بعد ثلاث؛ لأن ذلك أشد جفاء. فجاء بعض الضعفاء في الأدب فحرَّف لفظَ التعزية إلى لفظ العزاء، وقلب معنى التنبيه على الجفاء فصيره نهيًا، ثم عبر بصيغة نفي الجنس التي تُستعمل في النهي يظن نفسه قد نحى به منحى إيجاز الأمثال، وما آفة الأخبار إلا رواتها.
وقد توهم كثيرٌ من الناس في تونس بسبب هذا أن إقامةَ المآتم للميت هو أمر من السنة أخذًا بمفهوم العدد في مقالة "لا عزاء بعد ثلاث". فجعلوه شاهدًا شرعيًّا لبعض عوائدهم إقامةَ مأتَم يوم الدفن والمَأْتَم المُسمَّى بالفرق الأول - وهو ثالث
стр. 480
يوم ليوم الدفن. وأبطلوا ما يُسمى بالفرق الثاني - الذي هو سادسُ يوم الدفن - وما يسمى بالزيادة الذي هو نهايةُ الأسبوع الثاني ليوم الوفاة، ومأتم الأربعين، ومأتم غلق العام. مع أن هذه العوائد مفعولها ومتروكها لا حظَّ لها في السنة، وما هي إلا من العوائد المبتدَعَة الجارية على أحكام البدعة الخمسة. (١) وهم وإن أحسنوا فيما أبطلوه منها، فهم لم يصيبوا في اعتقاد أن ما استبقوه هو من السنة.
هذا ولإكمال الفائدة في هذا الغرض نُلِمُّ بالمقصد الشرعي في باب التعزية؛ فإن من مقاصد الشريعة إبطالَ ما كان عليه أهلُ الجاهلية من إظهار الحزن والجزع عند المصيبة، ومن التظاهر به والمبالغة فيه والإعانة عليه. ولذلك ورد الوعيدُ الشديد على النياحة، وشقِّ الجيوب، ولطم الخدود، وحَثْوِ التراب، ورثاثة الحال.
وحكمةُ هذا التشريع الجليل الذي انفرد به الإسلام أن حلولَ المصائب بالإنسان من نواميس هذا العالم، وهي من مكاره الدنيا. فمن شأنها أن تَغُمَّ النفسَ وتُفْسِدَ المزاج، فينشأ عن أعراضها أدواءُ كثيرةٌ مضرتُها على صحة البدن محُقَّقة. ولذلك كان الجزاء عليها بالثواب الجزيل؛ لأن ما يصيب المؤمنَ من الرزايا يناله عليه الثوابُ حتى الشوكة يشاكها، كما ورد في الصحيح. (٢) فإذا راضَ المؤمنُ نفسَه
стр. 481
على الصبر وتلقِّي المصيبة بالجلد خفَّ مفعولُها في صحته ومزاجه، وإذا بالغ في الحزن وعاوده قويَ مفعولُ المصيبة فاشتدت الأعراضُ المنهِكة للبدن، والمسلم مأمور بحفظ بدنه.
على أن الجزعَ لا يُخفِّف الرزية، فكانت مضرةُ الحزن خالصةً غيرَ مشوبة بمصلحة. فلذلك لم يكن في تربيته عذر، وكانت مفسدتُه الخالصة قاضيةً بحكم التحريم، ولم يُرَخَّص إلا في العذر الْجِبِلِّي منه، كدمع العين وصعداء النفس. وحُرِّم غيرُ الْجِبِلِّيِّ منه تحريمًا شديدًا، كالنياحة والقول وهو دعوى الجاهلية. وفي الحديث الصحيح: "ليس منا مَنْ شقَّ الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية". (١)
ولذلك كان إثْمُ مَنْ يجدِّد الحزنَ لأهل الميت شديدًا، مثل اللائي يُسعفن نساءَ الميت بالنياحة، وبذكر محاسنه، وتعظيم رزيته. وبعكس ذلك مَنْ خفف عن أهل الميت مصيبتهم، ففي سنن الترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود مرفوعًا: "من عزَّى مصابًا فله مثلُ أجره". (وهذا الحديث غريب، تفرد به علي بن عاصم عن محمد بن سوقة. قال الترمذي: "وقد نُقم على علي بن عاصم، وتُكلم فيه لأجل هذا الحديث"). (٢) وفي سنن ابن ماجه والترمذي عن محمد بن عمرو بن حزم مرفوعًا: "ما مِنْ مؤمِنٍ يعزِّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة". (٣)
стр. 482
وفي هذا التشريع حكمةٌ أخرى عائدة إلى الْخُلُق، وهي الارتياضُ على تلقِّي المكاره برباطة جأش وجلادة، حتى لا يذهب حلولُ المصائب بلب المسلم، ولا يملك سائرَ قلبه، فلا يهتدي للخلاص منها سبيلًا، فذلك من سمو الأخلاق. ولَمَّا كان الغالب في الجاهلية ظهور الحزن في النساء، خصَّ النساءَ بالنهي عن ذلك في أحاديث كثيرة، لا رُخصةَ في شيء منها لشيء من مظاهر الحزن المتعلقة بالذوات من فعل وقول سوى البكاء بلا صوت، وفيها رخصةٌ قليلة لما يتعلق باللباس في حديث النهي عن أضعف هذه الأحوال، وهو لبس السواد وترك الزينة، وهو ما روي في الموطأ وغيره: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوق ثلاثِ ليال، إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا"، (١) أي إذا كانت عدتها بالأشهر. وأما الحامل فتحد مدةَ الحمل؛ لأن عدتها وضعُ حملها، وذلك سدٌّ لذريعة التزويج في العدة حفظًا لحق الميت في إثبات نسبه.
ورخَّص النبِيُّ ﷺ في البكاء بلا صوت مدةَ ثلاثة أيام، ففي كتاب أبي داود عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله "أمهل آل جعفر (بن أبي طالب) ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم". (٢) ورُوي أن الخنساء جاءت المدينة حاجة فدخلت على عائشة ﵂ وعلى الخنساء صِدَارٌ من شعر أسود وهي حليقة الرأس، فقالت لها عائشة: "أخناس! قالت: لبيكِ يا أماه، قالت: أتلبسين الصدار وقد نُهِي عنه في الإسلام؟ فقالت: لم أعلم بنهيه". (٣)
стр. 483
وبِهذا يُعلم أن جميعَ ما يفعله بعضُ الناس من تجديد ذكر الأحزان على الأموات والتجمع للبكاء في الأعياد ونحوها من المُحرَّمات شرعًا، وكذلك الحزنُ الذي يزعمُه العامةُ في يوم عاشوراء وما يليه حدادًا على الحسين بن علي ﵄.
стр. 484
تحقيق معنى لفظ العزاء (١)
إلى ابني العزيز الشيخ سيدي محمد الشاذلي ابن القاضي - المدرس من الطبقة الأولى وصاحب المجلة الزيتونية - حفظه الله تعالى، تحية طيبة مباركة.
قد اطلعتُ على الإشكال الذي ورد إليكم من الشيخ ابن باشير الرابحي الإمام ببلدة الزحاوة من القطر الجزائري الذي يقول فيه: "لقد جاء في الجزء ٢ من المجلد ٣ صفحة ٦٠ في المقال المعنون "لا عزاء إلا في ثلاث" ما نصه: "ولم يسمع إطلاق لفظ العزاء على معنى التعزية. وقد قال شرف الدين النووي في كتاب تهذيب الأسماء واللغات خلاف ذلك ولفظه: والعزاء اسم أقيم مقام التعزية وعزاه للأزهري"، اهـ. بالحرف.
وقد رأيته حقيقًا بالإشكال لما وقع في كلام النووي من الاختزال، فصاغ به كلام الأزهري على غير مثال.
اعلم أن كلمات أئمة اللغة قد أطبقت على أن العزاء اسم بمعنى الصبر، وهو من الناقص البائي. وفعله كرضي، ولم يُسمع مصدره القياسي أي بوزن رضي كأنهم
стр. 485
استغنوا بالاسم عن المصدر. وأطبقت على أن العزاء يُطلق في مادة أخرى مصدرًا لفعل عزا الناقص الواوي (ويأتي أيضًا يائيًّا بقلة)، وذلك بمعنى النسبة، يقال: عزوت هذه القصيدة إلى فلان عزوًا وعزاء.
وقد رُوي حديث أن الرسول ﷺ قال: "مَنْ لم يتعزَّ بعزاء الله فليس منا". قال ابن مكرم في لسان العرب: "أي من لم يَدْعُ بدعوى الإسلام فيقول: يا لله، أو يا للمسلمين"، يعني أنه من عزا الواوي، فالمراد النهي عن الاستصراخ بالقبائل وهو دعوى الجاهلية. ثم قال: "قال الأزهري: له وجهان (يعني لمعنى الحديث): أحدهما أن لا يتعزَّى بعزاء الجاهلية ودعوى القبائل، ولكن يقول: يا للمسلمين. . . والوجه الثاني أن معنى التعزِّي في هذا الحديث التأسّي والصبر. ومعنى بعزاء الله، أي: بتعزِية الله إياه، فأقام الاسمَ مُقامَ المصدر الحقيقي، وهو التعزية من عزَّيْتُ، كما يقال: أعطيته عطاء، ومعناه أعطيته إعطاء". (١) وقريبٌ منه في النهاية لابن الأثير غير معزوٌّ إلى الأزهري. (٢)
стр. 486
والأزهري لم يذكر هذا في كتاب التهذيب له في اللغة، بل في كتاب "شرح مختصر المزني" في الفقه الشافعي، (١) فهو واردٌ في مساق شرحٍ وتأويل، لا في مساق بيان الألفاظ اللغوية، وليس واردًا موردَ النقل. وقد فرض احتمالين في الحديث، وحاصل الاحتمال الثاني أن لفظ العزاء الذي هو اسم مرادف للصبر أقيم مقام مصدر تعزَّى على وجه النيابة بطريق التوسع. ولذلك قال: فأقام الاسم مقام المصدر الحقيقي، فدل على أنه ليس بمصدر حقيقي بل توسعي، أي بقرينة وقوعه بعد قوله: "لم يتعز". والتوسع باب في كلام العرب يشبه باب المجاز، وهو استعمال الكلمة في غير معناها الموضوعة له لا على طريقة المجاز، بل توسعًا في الكلام للتخفيف أو نحوه. فالفرق بين التوسع والمجاز بشيئين هما عدم العلاقة في التوسع بخلاف المجاز، وكون القرينة في المجاز قرينة مانعة والقرينة في التوسع قرينة معينة فقط.
فالنوويُّ نقل كلامَ الأزهري مبتورًا محذوفًا منه ما فيه من العبارات المحررة، فأوهم أن التعزية من معاني لفظ العزاء، ولم يذكر الحديثَ الذي تأوله الأزهري. على أن قول الأزهري: "أقيم مقام التعزية" حارسٌ من توهم أن العزاء مرادفٌ للتعزية؛ إذ لو كان مرادفًا لما استقام قوله: "أقيم مقامه". ولو كان الأزهري يريد بذلك إثبات معنى التعزية لكلمة العزاء لكان نقلًا شاذًّا لم يسبقه به أحد من أئمة اللغة، وليس الأزهري في عداد الأئمة الذين تقبل أفرادهم، المذكورة جماعة منهم في النوع الخامس من كتاب المزهر.
стр. 487
ولو قبلنا منه هذا الفرد لكان إطلاق العزاء على معنى التعزية من غريب اللغة غير المشتهر بين نقلة اللغة، وذلك ينافي وقوعه في كلام أفصح العرب ﷺ ؛ إذ الخلوص من الغرابة من جملة معنى فصاحة الكلمة. وأيضًا فكلام الأزهري لو أخذ على ما يلوح منه أول وهلة لكان قصاراه أن هذا احتمال في الحديث، والمعاني اللغوية لا تثبت بالاحتمال، بل يتعين في إثباتها إيرادُ شاهد لا احتمال فيه أو إيراد شواهد كثيرة ظاهرة في المعنى المثبت وإن كانت فيها احتمالات ضعيفة تدحضها كثرة الظواهر على نحو ما قرره علماء أصول الفقه في خبر الواحد.
стр. 488
جَمْهَرةُ مَقَالَاتٍ وَرَسَائِل
الشَيْخِ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِر ابْنِ عَاشُور
جمعها وقرأها ووثقها
محمد الطاهِر الميسَاوي
المجَلّدُ الثاني
دار النفائس
للنشر والتوزيع - الأردن
حُقوق الطبع محفوظة C
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
الطبعة الأولى
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية
٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣
ابن عاشور، محمد الطاهر
توجيهات وأنظار جمهرة مقالات ورسائل ومراجعات ابن عاشور/ محمد الطاهر بن عاشور، ت: محمد الطاهر الميساوي. - عمان - دار النفائس للنشر والتوزيع، ٢٠١٤
() ص.
ر. إ.: ٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣
يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بكافة أنواع النشر العادي أو الالكتروني، تحت طائلة المسائلة القانونية.
دار النفائس
للنشر والتوزيع - الأردن
ردمك ISBN
٩٧٨٩٩٥٧٨٠١٥٧١
العبدلي - مقابل مركز جوهرة القدس
ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن
هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠
فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١
Email: alnafaes@hotmail.com
www.al-nafaes.com
стр. 492
الفَرْعَ الثَّانِي
فِقْهُ النّبوَّة وَالسِّيرَة
стр. 493
نسب الرسول ﷺ ومناسبته لعليِّ ذلك المقام (١)
سلسلة النسب النبوي
رسول الله ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم (ويلقب بكلاب) بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. (٢) وينتهي نسبُ عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ باتفاق علماء الأنساب في الإسلام والجاهلية، وبالتواتر عند العرب وغيرهم من الأمم السامية، وبنصوص القرآن والسنة.
قال الله تعالى مُخَاطِبًا أهلَ مكة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا
стр. 494
مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٦ - ١٢٩].
وقد ثبت في السنة أن النبي ﵇ انتسب (أي ذكر آباءه)، فبلغ مرةً إلى كنانة ولم يزد، وبلغ مرة إلى عدنان ولم يزد. وزاد مرة فذكر عدنان بن أدد، ثم أمسك. وروى عنه ابنُ عباس أنه لما بلغ عدنان قال: "كذب النسابون" مرتين أو ثلاثًا، أي لا تحقيقَ عند العارفين بالأنساب بمن فوق عدنان، أو بمن فوق أدد. (١) قال السهيلي: "والأصح أن قوله: "كذب النسابون" من كلام عبد الله بن مسعود، وأن عمر بن الخطاب أيضًا قال: "إنما ننتسب إلى عدنان، وفوق ذلك لا ندري ما هو". (٢)
стр. 495
وأمُّ رسول الله هي آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم، فزهرة أخو قُصي، وهي تلتقي مع رسول الله في حكيم. هذا العِقدُ النفيس ما انتظم في سِمطيه إلا جوهر، ولم يشنه وَكْت، (١) ولم تنخره قادحة. فكانت كلُّ فرائده في الأجيال نيرة واضحة، وما هو إلا نسبٌ شريف العنصر، وكفاه برهانًا أن يسمع واع ويرى مبصر.
وإن الله تعالى كما قَدَّر لمحمدٍ أن يكون أفضلَ رسله، وأن يكون مبعوثًا بما وصل إليه من أقوم سبله، كذلك قَدَّر له إكمالَ الفضائل في ذاته وما يحف به، وجعل أولَ مظهر لذلك أن قدر له طهارة نسبه، حتى لا توضع تلك الجوهرةُ الفذة في غير صدف أمثالها، ولا تزن (٢) بنقيصة تتطرق إليها أو إلى مثالها، فإذا نحن غصنا في بحر الأنساب روم استخراجها، ملئت نفوسُنا عجبًا من صفاتها وابتهاجها، فمثلنا حينئذ كمثل قوله:
كَمُضِيئَةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوَّاصُهَا ... بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يَهِلُّ وَيَسْجُدِ (٣)
شرف هذا النسب:
إن شرف العنصر والنسب في الفضائل معدودٌ في الفضائل الذاتية، ولكن ليس عدُّه في الفضائل من حيث هو كافٍ في تحصيل فضائل الذات؛ إذ قد يخلف للفرع مخيلة الأصل، وينبت في منابت النخيل شجر الأثل. (٤) وإنما يُعدُّ فضيلةً من حيث هو وسيلةٌ إلَى نماء الفضائل في النفس المطبوعة على الفضيلة، وقدوةٌ للخلف