← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

حُقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م الطبعة الأولى رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية ٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣ ابن عاشور، محمد الطاهر توجيهات وأنظار جمهرة مقالات ورسائل ومراجعات ابن عاشور/ محمد الطاهر بن عاشور، ت: محمد الطاهر الميساوي. - عمان - دار النفائس للنشر والتوزيع، ٢٠١٤ () ص. ر. إ.: ٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣ يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بكافة أنواع النشر العادي أو الالكتروني، تحت طائلة المسائلة القانونية. دار النفائس للنشر والتوزيع - الأردن ردمك ISBN ٩٧٨٩٩٥٧٨٠١٥٧١ العبدلي - مقابل مركز جوهرة القدس ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠ فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١ Email: alnafaes@hotmail.com www.al-nafaes.com

стр. 492

الفَرْعَ الثَّانِي فِقْهُ النّبوَّة وَالسِّيرَة

стр. 493

نسب الرسول ﷺ ومناسبته لعليِّ ذلك المقام (١) سلسلة النسب النبوي رسول الله ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم (ويلقب بكلاب) بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. (٢) وينتهي نسبُ عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ باتفاق علماء الأنساب في الإسلام والجاهلية، وبالتواتر عند العرب وغيرهم من الأمم السامية، وبنصوص القرآن والسنة. قال الله تعالى مُخَاطِبًا أهلَ مكة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا

стр. 494

مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٦ - ١٢٩]. وقد ثبت في السنة أن النبي ﵇ انتسب (أي ذكر آباءه)، فبلغ مرةً إلى كنانة ولم يزد، وبلغ مرة إلى عدنان ولم يزد. وزاد مرة فذكر عدنان بن أدد، ثم أمسك. وروى عنه ابنُ عباس أنه لما بلغ عدنان قال: "كذب النسابون" مرتين أو ثلاثًا، أي لا تحقيقَ عند العارفين بالأنساب بمن فوق عدنان، أو بمن فوق أدد. (١) قال السهيلي: "والأصح أن قوله: "كذب النسابون" من كلام عبد الله بن مسعود، وأن عمر بن الخطاب أيضًا قال: "إنما ننتسب إلى عدنان، وفوق ذلك لا ندري ما هو". (٢)

стр. 495

وأمُّ رسول الله هي آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم، فزهرة أخو قُصي، وهي تلتقي مع رسول الله في حكيم. هذا العِقدُ النفيس ما انتظم في سِمطيه إلا جوهر، ولم يشنه وَكْت، (١) ولم تنخره قادحة. فكانت كلُّ فرائده في الأجيال نيرة واضحة، وما هو إلا نسبٌ شريف العنصر، وكفاه برهانًا أن يسمع واع ويرى مبصر. وإن الله تعالى كما قَدَّر لمحمدٍ أن يكون أفضلَ رسله، وأن يكون مبعوثًا بما وصل إليه من أقوم سبله، كذلك قَدَّر له إكمالَ الفضائل في ذاته وما يحف به، وجعل أولَ مظهر لذلك أن قدر له طهارة نسبه، حتى لا توضع تلك الجوهرةُ الفذة في غير صدف أمثالها، ولا تزن (٢) بنقيصة تتطرق إليها أو إلى مثالها، فإذا نحن غصنا في بحر الأنساب روم استخراجها، ملئت نفوسُنا عجبًا من صفاتها وابتهاجها، فمثلنا حينئذ كمثل قوله: كَمُضِيئَةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوَّاصُهَا ... بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يَهِلُّ وَيَسْجُدِ (٣) شرف هذا النسب: إن شرف العنصر والنسب في الفضائل معدودٌ في الفضائل الذاتية، ولكن ليس عدُّه في الفضائل من حيث هو كافٍ في تحصيل فضائل الذات؛ إذ قد يخلف للفرع مخيلة الأصل، وينبت في منابت النخيل شجر الأثل. (٤) وإنما يُعدُّ فضيلةً من حيث هو وسيلةٌ إلَى نماء الفضائل في النفس المطبوعة على الفضيلة، وقدوةٌ للخلف

стр. 496

يأتسون بها آثارَ أسلافهم في مرتقى الكمال، فيحصل من ذلك كمالان: كمالُ الذات وكمالُ القدوة، ومن حيث هو قاطعٌ لألسنة الحاسدين الذين يحسدون أهلَ الكمال على كمالهم، والمعاندين لكل مَنْ يدعوهم إلى خلع ذميم أعمالهم، فإذا لم يجدوا مغمزًا فيمن حسدوه وعاندوه التمسوا له ما يحفُّ به من العوارض، ولا شيء يحف بالمرء أشدُّ به تعلقًا من حال آبائه. فمن أجل ذلك شرف الله قدرَ نبيه بأن قدر له في الأزل آباء كانوا في مرتبة السؤدد وأجل، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، قرئ في الآيتين بضم الفاء في لفظ أنفس على أنه جمع نفس، فيكون معناه من نسبهم؛ لأن لفظ النفس متعيِّنٌ في هذا المقام لهذا المعنى. ويُفهَم منه أن المقصود به نسبٌ خاص، وهو النسب الرفيع، أي خير أنسابهم بقرينة مقام المدح والمن. وقرئ بفتح الفاء من أنفس، ففُسِّر بأنه اسم تفضيل مشتق من النفاسة، أي من أشرفهم، والمراد شرف النسب. رُوِيَ عن علي بن أبي طالب يأْثُرُه إلى رسول الله أنه قال: "من أَنْفَسِكم نسبًا وصهرًا". (١) وفي صحيح البخاري عن أبي سفيان في حديث هرقل أنه كان من كلامه مع أبي سفيان أنه قال له: "وسألتك عن نسبه (يعني النبي ﷺ )، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسلُ تُبعث في نسب قومها". (٢) إن شرف النسب يتقوَّم من شرف القوم وشرف العشيرة، ومن نزاهة سلسلة الآباء والأمهات عن أن يلتصق بهما ما يثلم ذلك الشرف، ويعود نقصه بفضاضة في شرف الخلف. فأما شرفُ القوم وشرف العشيرة فحاصلٌ في شرف العرب من بين الأمم، وفي شرف قريش وفي شرف بني هاشم. ولستُ الآن بصدد تفصيل الكلام فيهما؛ لأن ذلك يطول، وأقتنع هنا بما رواه مسلم في صحيحه والترمذي عن واثلة

стр. 497

ابن الأسقع (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى من ولدِ إبراهيم إسماعيل، ومن ولد إسماعيل كِنانة، ومن كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". (٢) وأما نزاهةُ الآباء والأمهات، فنزاهةُ سلسلة الآباء هي السُؤْدَد، ونزاهةُ سلسلة الأمهات هي الصيانة. فأما سؤدد آبائه ﷺ ، فأولهم إبراهيم رسول الله، ثم ابنه إسماعيل رسولٌ ابن رسول، وهو أفضل أولاد إبراهيم على الصحيح. (٣) ثُمَّ إن جميع آباء رسول الله الذين حُفظت أسماؤهم إلى عدنان كانوا أفضلَ أجيالهم في أقوامهم ومجمعَ مكارمهم، مرموقين بعين الوقار والتعظيم: فأبوه عبد الله فضَّله الله بمنقبة نذر عبد المطلب أبيه أن يذبحه قربانًا لله شكرًا على أن جعله عاشرَ عشرة ذكور من أبنائه، وألهم الله قريشًا فأشاروا بفدائه بمائة من الإبل، فكان ذلك إلهامًا إلَهيًّا ليكون آخرُ آباء رسول الله في ذرية إبراهيم ذبيحًا مفدًّى كما كان أولُهم من تلك الذرية ذبيحًا مفدى، ولذلك وُصف رسولُ الله بأنه ابن الذبيحين. وأبوه عبد المطلب كان أفضلُ قريش، وسيدَ أهل البطحاء، ومُظهِرَ بئر زمزم كما ظهرت لإسماعيل، وأبوه هاشم - واسمه عمرو - كان سيدَ قريش ومُطْعِمَ الناس في المجاعة، قال عبد الله بن جُدعان: (٤)

стр. 498

عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٍ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ (١) وأبوه عبد مناف، كانت قريش تلقبه قمر البطحاء. وأبوه قصي هو سيدُ قريش، ومعيدُ مجدهم، وجامع شتاتهم، وهو الذي استردَّ ولايةَ الكعبة من خُزاعة. ولم يحفظ لنا التاريخُ ما كان من السيادة لحكيم ومرة على قومهم. وكعب كان من أعظمَ سادة قريش والعرب قاطبة. وهو أولُ مَنْ سَمَّى يومَ العروبة بالجمعة؛ لأنه كان يجمع فيه قريشًا ويخطبهم، وقد أَرَّخت قريش بعام موته. (٢) ولم يحفظ لنا التاريخُ مما كان من مجد لؤي، وغالب، وفهر الملقب بقريش؛ لأنه كان يقرش عن خلة المحتاج فيسدها بماله. ومالك والنضر طُوِيَ مجدُهما في منسيِّ التاريخ، وكنانةُ كان عظيمَ القدر أعزَّ من دفعت إليه المطي، وخزيمةُ لم يحظ التاريخ بذكر مجده. ومدركة كان في وجهه نور، فكانوا يعلمون به أنه يؤذن بنبي يخرج من نسله. وإلياس أولُ مَنْ أهدى البُدْنَ إلى الكعبة، (٣) وهو الذي ظفر بالحجر الذي قام

стр. 499

عليه إبراهيم لبناء الكعبة، وهو المسمَّى بمقام إبراهيم. وأبوه مضر كان أفضلَ قومه، وقد رُوي أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا مضر، فإنه كان قد أسلم". (١) وأبوه نِزار كان في وجهه نور، وكان واضعَ الكتابة العربية في أحد الأقوال. وأبوه معد كان قائدَ قومه، وكان يحارب بني إسرائيل يدفع غاراتهم عن بلاد العرب. وأبوه عدنان كان أشرفَ العرب، وكان بُخْتَنَصَّر لمَّا غزا بلادَ العرب وغزا أورشليم حمل معه عدنان ومعه النبي إرميا إلى بابل. (٢) وبين عدنان وإسماعيل أربعون أبًا أو سبعةٌ وثلاثون، (٣) أسدلت العصورُ على مجدهم ستورَ القدم، فحجبت عنَّا مجدًا يملأ ذكرُه السمعَ والفم. وَهَلْ يُنْبِتُ الْخَطِيَّ إِلَّا وَشِيجُهُ ... وَتَنْبُتُ إِلَّا فِي مَنَابِتِهَا النَّخْلُ (٤)

стр. 500

طهارة هذا النسب: طهارةُ النسب هي خلوصُه من الشكوك والأمشاج. وهذا النسبُ النبوي قد كان آباؤه في شرف مَحْتدهم وحسن سمعتهم ورئاستهم لأفضل مكان في بلاد العرب وفي العالم أجمع - وهو بيتُ إبراهيم - وتسلسلهم من إبراهيم، ما كانوا ليجعلوا اقترانَهم بالنساء إلا على طريقة العقد المسمَّى بالنكاح الذي تتقوَّم حقيقتُه من وصفين: وهما الاختصاص والشهرة اللذان هما أوثقُ ضمانٍ لصحة النسب. فالاختصاصُ هو حقيقة النكاح، أي أن تختص المرأة برجل لا يقربها غيرُه ما دامت في عصمته لم تنفصل عنه بطلاق أو موت، وبذلك الاختصاص لا يتطرق الاحتمالُ في الأبوة والبنوة. والشهرة أن يخطب الرجلُ المرأةَ بواسطة أوليائها أو ذوي قرابتها من رجال قبيلتها فترضى ويرضون، ويدفع إليها صداقًا، وتُزَفُّ إليه علنًا، بذلك يسلم النسب من الخفاء والادعاء. قال محمد بن السايب الكلبي النسابة: "كتبتُ للنبي ﷺ خمس مائة أم، فما وجدتُ فيهن سفاحًا ولا شيئًا مِمَّا كان عليه الجاهليةُ" (١) غيرَ النكاح. فتنزيه الله نسبَ رسوله من ذلك لكون تلك العقود محرمة إذ لم يكن يومئذ شرع يميز الحلال من الحرام؛ لأن ما عدا النكاح يعتريه الشكُّ في صحة النسب المتولِّد منه.

стр. 501

زكاء هذا النسب: أردتُ بزكاء النسب سلامةَ السادة آباء رسول الله من وصمة الخزي يوم عرض الأمم وحسابها. وهذا فضيلةٌ دينية إليها كبيرُ التفاتٍ في شرف الابن؛ لأن النقائصَ الجثمانية إذا اعترت الأصولَ كان من شأنها أن تجر للفرع نقصًا يتطرق خِلقتَه؛ لأن الفرعَ سُلالةُ من الأصل، أو يتطرق عِرضَه، أو رمق عيون القوم إياه، إذا كانت نقائصُ الأصول مِمَّا يُذَمُّ به الأصلُ في عرف البشر أو عرف القبيلة، كعدم الحصانة في الأمهات وخسة الفعال في الآباء، كما أشرنا إليه آنفا. وأما الأغلاطُ الاعتقادية والعلمية، فهي أشياء تتعلق بالتفكير، وهو حركةُ النفس في المعقولات. وتلك من الانفعالات النفسية المتجددة والمتغيرة، وليست من أصل الخلقة. ألا ترى أنها تقبل الإيجادَ والاضمحلالَ والزيادةَ والنقصان، بحسب البيئة والتعليم وحسن التلقِّي وصحة العلوم والانكاب على التمحيص وبحسب أضداد تلك؟ فربما صدئت عقولٌ نابهةٌ ذكية بسبب الإعراض عن استعمال ذكائها، وربما ثَقِفت عقولٌ بطيئة بقوة الكد والانكباب. فعلمنا من ذلك أن الأعراضَ الفكرية لا ينجر مفعولُها من الأصل إلى فرعه، ولا يثبت حكمُها إلا لصاحبها خاصة. فالنظرُ إلى الحالة الاعتقادية في أزمان الجاهلية إن كان من توقُّعِ تطرق النبز للمتَّصِف بها، فأهلُ الجاهلية كانوا يَعُدُّون الذين اعتقدوا اعتقادَهم من كُمَّل سادتهم، فلا يُتوقع منهم أن ينبزوا الرسولَ ﵇ بتقدير كون بعض آبائه كانوا يعتقدون اعتقادَ الجاهلية. وإن كان من جانب توقُّع غضِّ نظر المسلمين، فالمسلمون قد تقرر في قلوبهم من جلالة قدر الرسول ﵇ وفضله ما لا يخالجهم معه خاطرٌ من خواطر التنقيص، [قال تعالى: ] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وأما من جانب الحقائق، فتنقيصُ المرء لأحوال أصوله تنقيصٌ وهمي، إذ الحقيقةُ لا تسمح بأن يوصف أحدٌ إلا بما فيه. والأمورُ الوهمية إنما تظهر آثارُها في العالم الدنيوي، وأما العالم الأخروي فهو عالَم الحقائق، فلا يُنتقص المرءُ فيه

стр. 502

بالأحوال الإضافية المنجرة من غيره: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فالزكاء الأخروي لا يُؤْثِرُ وجودُه ولا عدمُه شرفًا في الدنيا والآخرة قبل مجيء الشريعة؛ إذ التديُّن بدين باطل أو بالكفر والشرك لا ينافي كرمَ العنصر ولا شعارَ السؤدد. فكمْ مِنْ سادةٍ وكرامٍ وقادةِ أممٍ كانوا في العرب وغيرهم بلغوا من شرف المحتد ومرتقى السُّؤدد مبلغًا بعيدًا، ولم يكونوا متقلِّدين دينًا صحيحًا! وكم مِنْ صالحي قوم وطلاب نجاة كانوا ضعفاءَ لا يُؤبه بهم، وقد قال قومُ شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ [هود: ٩١]. وكان حاتم الطائي وهرم بن سنان وعبد الله بن جدعان من أكبر سادة العرب من المشركين. وفي الحديث: "الناسُ معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام". (١) فلو كان آباءُ رسول الله أو بعضُهم على دين العرب في الجاهلية كما كان آباء أفاضل المسلمين من الصحابة، لما كان ذلك مُخِلًّا بما يثبت لهم من كرم العنصر وشرف السؤدد ولا منقصًا من قدر الرسول ﷺ . ولكن عِظَمَ قدر الرسول وكرامته على ربه زَوَتْ له من عند ربه الكريم جميعَ ما به التفاضل والاعتبار، فضم إلى كرم عنصره في الدنيا شرفَ آبائه في الآخرة. والشرف الأخروي يتقوَّم بالنجاة من العذاب وبرفع الدرجات في دار الثواب. ولعلماء الإسلام في تحقيق مقام آبائه ﷺ من هذا الشرف أقوال، فكأن جماعةً قليلة نظرت إلى ما يقتضي أن هذا الشرفَ لا ينتفع به غيرُ صاحبه، وليس هو كالشرف في الدنيا يعد عدمُه أو الضعفُ فيه نقصًا بين أهلها. فمن أجل ذلك لم

стр. 503

يغوصوا بالنظر، واتبعوا أدلةً ظاهرية، فقالوا إن آباء رسول الله الذين كانوا على دين قومهم [فهم] (١) غيرُ ناجين يوم القيامة. وهذا قولُ مَنْ يرى أن الإيمانَ بالله ووحدانيته واجبٌ بالعقل لا بالشرع، وهو قولُ جمهور الماتريدية وكافة المعتزلة. ورأوا أن شأنَ العرب كلِّهم في تلك العصور هو الشرك، وأن أحاديثَ كثيرةً دلت على عقوبة مشركي العرب على شركهم في الآخرة، وأن رسول الله قال لأعرابي سأله عن أبيه: "في النار". (٢) وأنا أجيبُ عن هذا بأنا لو سلَّمْنا أن الإيمان واجبٌ على الناس بدلالة العقل، فمَنْ أنبأنا بأن أبَوَيْ رسولِ الله وآباءَه كانوا على دين قومهم ولم يكونوا مِمَّنْ رفض عبادةَ الأصنام وتوخَّى الحنيفيةَ ما استطاع؟ وأنهم لم يكونوا يتظاهرون بذلك؛ إذ لا موجِب للتظاهر به إذ لم تكن لهم قدرةٌ على تقويم دين قومهم ولا شريعةٌ توجب عليهم تغييرَ المنكر؟ وربما كان التظاهرُ به يوجب نفورَ قومهم منهم، فيضيع بذلك كثيرٌ من مساعيهم لخير قومهم وعمارة كعبتهم، وليس وجود أحد في أمة تدين بالشرك يقتضي أن يكون الموجودُ بينهم هو على ملتهم. وأما الحديث الذي رواه مسلم عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أعرابيًّا سأل رسول الله عن أبيه فقال له: "في النار، فقال له: وأين أبوك يا رسولَ الله؟ قال: في النار"، (٣) فقد أجاب عنه العلماء بوجوه أحسنُها أن الراوي - وهو حماد بن سلمة - رواه بالمعنى فغلط فيه؛ لأنه قد رواه معمر بن ثابت عن أنس أنه لمَّا قال

стр. 504

له: أين أبوك يا رسول الله؟ قال رسول الله: "حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار"، قالوا: ومعمر أثبت من حماد؛ فإن حمادًا تُكُلِّم في حفظه، وله أحاديث منكَرة، ولذلك لم يخرج له البخاري في الصحيح شيئًا. (١) وكذلك روى الحديثَ ابنُ ماجه عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه بمثل ما رواه معمر عن ثابت عن أنس، (٢) فيكون جوابُ رسول الله جرى على الأسلوب الحكيم على خلاف مقتضى الظاهر، فلا علاقةَ له بالمسؤول عنه فظنه حماد جاريًا على مقتضى الظاهر، ولم ير له وجهَ اتصال بالسؤال عنه إلا أن يكون على معنى إفادة الحكم الخاص بوجه العموم فعبر عنه بما اقتضى أنه إخبارٌ بأن المسؤول عنه في النار. واعلم أن الحال الذي اقتضى إخراجَ جواب رسول الله على طريقة الأسلوب الحكيم وعدولَه عن صريح الجواب أنه رأى في جواب سؤاله ما يوجب إنكسارَ نفسه؛ لأن شأن الذي يصيبه ما يكره أن يشتد عليه إذا كان غيرُه ممن يظنه قد شاركه في المصيبة سالِمًا من تلك المصيبة. وقيل في الجواب: إن السائل عنى بقوله: "أين أبوك؟ " أبا طالب، فإنه الذي يعرفه الناس وكان النبي ﷺ يُنسب إليه؛ لأنه كافله. ألا ترى أن قريشًا قالوا لأبي طالب: "قل لابنك يرجع عن شتم آبائنا"؟ (٣)

стр. 505

وذهب جماعةٌ إلى أن الحديث منسوخٌ بما دلَّ على عدم مؤاخذة أهل الفَتْرة، وهو بعيد؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار. والرسول على مقتضى تلك الرواية أخبر بأن المسؤول عنه في النار، فكيف ينسخ ما أخبر به؟ فلا يستقيم هذا الجوابُ إلا بتكلف. فأما جمهور علماء الأمة - ونحن في زمرتهم - فقد أثبتوا لأبوي رسول الله وآبائه الشرفَ الأخروي، ولهم في ذلك ثلاث مراتب: ١ - المرتبة الأولى أنه شرف النجاة من خزي يوم القيامة بأن يكونوا ناجين من عذاب النار، وذلك بأنهم على دين قومهم أو بعضه، ولكنهم غير مؤاخَذين على ذلك؛ لأنهم لم يأتهم رسولٌ بشرع فيكفروا به حتى يحقَّ عليهم عذابُ الكافرين بالرسل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. والمراد بالرسول هو معناه المعروف في اللغة، ومَنْ تأَوَّله بما يشمل دلالةَ العقل فقد خرج عن مهيع اللغة، على أنه يصادمه قولُه: "نبعث" إذ العقل لا يُبعث. ومما نوقن به أن آباءَ رسول الله وأمهاتِه كانوا كلُّهم من أهل الفترة، إذ لم يقم في العرب العدنانية رسولٌ بعد إسماعيل ﵇، فإن الرُّسُلَ الذين جاؤوا بعدُ في العرب هم هود وصالح - أرسلَا إلى عاد وثمود من العرب القحطانيين - وشعيب - أرسل لأهل الرَّس وهم بقية من ثمود - وخالد بن سنان العبسي - أُرسل إلى عبس خاصة من العدنانيين، وقيل: هو نبي وليس برسول.

стр. 506

فمَنْ كان يُعَدُّ من آباء رسول الله بعد الذين أدركوا إسماعيل فهم أهل فترة. وقد قال جمهور علماء السنة والأئمة الثلاثة - مالك والشافعي وأحمد - والأشاعرة كلُّهم وأهل بخارى من الماتريدية: إن أهل الفترة غير مؤاخَذين على الجهل بالله وبوحدانيته، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، وردوا أو تأوَّلوا جميعَ الآثار الدالة على خلاف هذا الأصل. وقال المالكية: إنها أخبارُ آحاد لا تعارضُ قواطِعَ الاعتقاد، وإذا بطل استحقاقُ العذاب لم يتحقق الوعيدُ في شأنهم. فقيل: إنهم غيرُ معذَّبين ولا مثابين - وهو ظاهرُ كلام المحدثين، ثم يقع امتحانُهم فيدخلون الجنة. وقيل: يدخلون الجنة دون امتحان، وهو منسوبٌ لأهل الأصول من الأشاعرة وللشافعي في الأم. (١)

стр. 507

٢ - المرتبة الثانية أن شرفَهم الأخروي شرفُ الثواب على الإيمان بالله الواحد على حكم ما ثبت لمن خلع الشرك من أهل الفترة، مثل أمية بن أبي الصلت (١) وزيد

стр. 508

ابن عمرو بن نفيل. (١) فإذا كانوا كذلك، ثبتت لهم النجاةُ والثوابُ على قول جميع علماء الإسلام. وبهذا قال الإمامُ فخرُ الدين الرازي وجماعةٌ من العلماء، منهم جلال الدين السيوطي والقسطلاني، وهو قول الشيعة. وأنا أستروح لهذا دليلًا من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩)﴾ [الزخرف ٢٦ - ٢٩]، فأثبت أنَّ كلمةَ التوحيد بقيت في عقب إبراهيم، أي لم تنقطع، فلم تزل يحفظها حافظٌ من عقبه. وقوله: "لعلهم يرجعون"، أي: رجاء أن يرجع مَنْ لا يعلمها إلى مَنْ يعلمها، فلا ينقطع ذلك من عقب إبراهيم. والإشارة والضمير عائدان إلى العرب بقرينة السياق وبقرينة قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف ٣٠, ٣١]. وهذه كلُّها مقالةُ العرب، وآباء العرب يشملون جميعَ آباء جميعهم، ما عدا آباء رسول الله ﷺ ؛ لأنه غيرُ داخل في الإشارة. ومعنى تمتيعهم وآبائهم تمتيعُهم بكفِّ

стр. 509

مؤاخذتهم، فيُؤخذ من عرض هذا الكلام وفحواه أن آباء محمد ﷺ من العقب الذين بقيت فيهم كلمةُ التوحيد في مدة الفترة ولم يكونوا ممتعين. ولا يقال: لعل الذين بقيت فيهم كلمةُ التوحيد هم بنو إسرائيل؛ لأنا نقول: هذا القول ينافي سياقَ توبيخ العرب والتعريض بهم والتعليل. وهذا الدليل أحسنُ وأقرب من احتجاج بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٩] على أحد تفسيرين، وهو تفسير بعيدٌ ولا حاجةَ إلى بيان ذلك، فراجعه. (١) ويعضد هذا المسلكَ في هذه المرتبة ما ورد من الآثار المتظافرة التي يقويِّ بعضُها بعضًا أن عبد المطلب وهاشِمًا وعبد مناف وقُصَيًّا وكعبًا وكنانة وخزيمة ومدركة وإلياس ومضرًا وعدنان كانوا مؤمنين على دين إبراهيم، وأن عبد المطلب وقصيًّا حرَّما الخمر على أنفسهما، وأوصى قصيٌّ أبناءَه بترك شربها وترك عبادة ما سوى الله تعالى. فهؤلاء ثبت فيهم آثارٌ رواها السهيلي وغيره. (٢) والمسكوتُ عنهم من سلسلة الآباء لا يُظَنُّ بهم إلا أنهم كانوا على دين إبراهيم، لا سيما مَنْ تجاوز عدنان؛ فإن قربَهم إلى إسماعيل وإبراهيم يقوِّي الظنَّ بإيمانهم بدين أبويهم. ٣ - المرتبة الثالثة أن يكون شرفُهم في الآخرة بنيل فضيلة صالحي المسلمين من أتباع هذا الدين المحمدي. وهذه المرتبة لم يدلَّ عليها دليلٌ من صحاح الآثار، وإنما رُوي فيها حديثٌ عن عائشة ﵂ خاص "بأن الله أحيا لرسول الله

стр. 510

أبويه حتى آمنا به"، رواه الخطيب البغدادي والسهيلي وابن عساكر والقرطبي وابن شاهين وابن المنيِّر والطبري وابن كثير. واتفق معظمُهم على أن سنده ضعيف، فيه مجاهيل، ومال بعضُهم إلى تصحيحه. (١) ووقع للبعض في هذا المقام تخليطٌ وخروجٌ عن دائرة مجاري البحث. ونحن - على ما عاهدنا عليه من ترك التكلُّف وصَوْن العلم عن التحريف ويقينِنَا بأن الله أغنى أهل هذا الدين بصحيحه عن الضعيف - نقول الحق: إن هذا الحديث ضعيف، وإن نوالَ أبوي رسول الله فضيلةَ الإيمان لا تكون رهنًا على حالة إحياء أبويه الأقربين، بحيث إذا صح الحديث حقت وإذا ضعف بطلت. فإنا إذا جزمنا بأنهم كانوا على بقية من ملة إبراهيم، كان ذلك محصلًا لاستحقاقهما الثوابَ بفضل الله تعالى، وثبتت لهم فضيلةٌ قل أن شاركهم فيها مشارك.

стр. 511

وإذا انفتح بابُ الفضل لم يبق إلا رفعُ الدرجات، فلِلَّه الاختيار في إكرامهم بأحسن ما يُكرَم به صالحو المؤمنين. فإذا كان الله قد أكرم مَنْ نصر رسولَ الله وأيده - وهم أهل بدر - فقال: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، (١) أفلا يُكْرِم مَنْ كان سببًا في ظهور رسوله وهم آباؤه وأمهاته؟ فإن كلَّ الأسباب الخاصة بالرسول مظاهرُ لعناية الله تعالى به، وكلُّها من عند الله، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ولقد قال الله لرسوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥].

стр. 512

قصة المولد [والمبعث والرسالة] (١) الحمد لله الذي أطلع للناس في ظلمة الضلالة بدرَ هدى، وبلَّ بغيث الرشاد المحمدي ما لحق طينة قلوبهم من صدا، ورفع قدرَ نبيه محمد وأعلى مقامه، وبعثه رحمة للعالمين في الدنيا وعرصات القيامه، وأمر أمتَه بتعظيمه فنبههم لذلك بالأمر بالصلاة عليه، والنهي عن رفع الصوت عنده والتقدم بين يديه. اللهم فصلِّ عليه صلاةً تكون بين أيدينا نورًا، ونزداد بها نضرة وسرورًا، وعلى آله الذين خصصتهم بمزايا الشرف، وأطلعتهم في سماء الفضائل بدورًا ما يشينها كلف (٢)، وارْضَ عن أصحابه الذين أَثْبتَّ رضاك عنهم في كتابك إعلانًا، (٣) الذين هاجروا ونصروا وآثروا، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا، فأَنعِمْ بهم إخوانًا. أما بعد، فهذه سحابةٌ أظلت بذكر الفضائل المحمدية فبث رشاشُها، وزجاجة مُلئت من عطر الأخلاق النبوية فيها لنفوس السامعين انتعاشُها، لو وُزنت بأغلى الدرر واليواقيت لما غلت سومًا على السامع فلقال: هات أو هيت، وكيف لا وإن

стр. 513

مَلأَها لَمِنْ زُلال شرف الرسول، وانبثاق لوامع برقها يُشام منها خيرُ غيث هطول؟ آثرتُ فيها جمعَ لُمعٍ كافية للذين تعلقت قلوبُهم بمحبته، وأخبار غير واهية الأساس من مختار عيون سيرته، إذ كان الله قد أغنى هذه الأمةَ عن التشبث بما ليس من محجة الثبوت، ولقنها أن تربأ عنه بإشارة قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ [لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ]﴾ [العنكبوت: ٤١]. فكذلك ينبغي أن يكون المسلمون فيما يبتون من شؤونهم وأوضاعهم، وعلى ذلك الخلق حق تخلقُ علمائهم وأشياعهم، فإن هذا الدين ثريٌّ بما أمده الله من صحيح كثير، عن أن يُلفَّق له شاعبُ كلِّ منثلم أو كسير. فلا يحق لحملته أن يشوبوه بما يكدر منه صفوَ صفاته، وأن لا ينسوا ما خُصت به هذه الأمةُ من صحة بلوغ الدين ورواياته. فعلى ذلك النِّير (١) قد سَدَيْتُ مُحكمَ هذا النسيج، وكذلك تفرعت أفنانُ هذه الشجرة الطيبة على ما انفتق عنه ذلك الوشيج. دعاني إليه الائتساء بأفاضل الأمة، الذين ألهمهم الله صرفَ الهمة إلى العناية بتعظيم اليوم الذي يوافق من كل عام، يوم ميلاد محمد رسوله ﵊؛ إذ كانوا قد عدوه عيدًا، ورموا برشيق نبل عقولهم بذلك مرمًى بعيدًا، علمناه من قوله تعالى في التنويه بشهر رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فأيُّ يومٍ أسعدُ من يوم أظهر اللهُ فيه للعالم مولودًا كان المنقذَ من الضلالة، أخرج به الناس من ظلمات الشرك ومناقص الجهالة؟ وإذا كانت الأعيادُ الثابتة في الدين قد جاءت على مناسبة الفراغ من عبادات مشروعة، فذكرَى الواسطة العظمى في تبليغ ذلك يحق أن تكون مشيدةً مرفوعة. وأولُ مَنْ علِمتُه صرَفَ همتَه إلى

стр. 514

الاحتفال باليوم الموافق يومَ مولد الرسول ﷺ فيما حكاه ابن مرزوق (١) هو القاضي أحمد بن محمد العَزَفِي السبتي المالكي (٢) في أواسط القرن السادس، وتبعه عليه ابنُه القاضي أبو القاسم محمد من علماء القرن السادس وأوائل السابع. واستحسنه جمهورُ مشيخة المغرب، ووصفوه بالمسلك الحسن. (٣) قال أبو القاسم البرزلي: "ميلادُ النبي ﷺ موسم يُعتنَى به في الحواضر تعظيمًا له ﷺ ". (٤) وكان شأنُ أهل الخير إحياء ليلة المولد بالصلاة على النبي ﷺ ، ومعونة آله ومساهمتهم، والإكثار من الصدقات وأعمال البر، وإغاثة الملهوف، مع ما تستجلبه المسرةُ من مُباح اللهو المرخَّص في مثله بنص السنة. وشاع ذلك في بلاد المغرب والأندلس. ولمَّا رحل العلامة أبو الخطاب عمر - المعروف بابن دحية (٥) - البلنسي

стр. 515

الأندلسي المالكي رحلتَه الشهيرة إلى المشرق أولَ القرن السابع، واتصل بالملك الجليل مظفر الدين أبى سعيد كوكبوري ابن زين الدين علي كوجك صاحب إربل، (١) حسَّن الشيخُ للملك التسننَ بهذا السَّنَن، فرغبت همتُه في الاتصال بميسم أفاضل الزمن. لذلك أقام في سنة ست وستمائة حفلًا عظيمًا، وأنشأ له ابنُ دحية كتابًا سماه "التنوير في مولد السراج المنير"، ليُقرأ في ذلك اليوم، وجعل يعيد قراءته كلَّ عام، تارةً في اليوم الثامن وتارة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول. فهو أولُ الملوك [في] نظم هذا الاحتفال في سلك رسوم دولته. (٢) وأولُ مَنْ سلك هذا المسلك من ملوك المغرب السلطان أبو عنان المريني، ونَحا ذلك النحو السلطان الجليل أبو فارس عبد العزيز بن أحمد الحفصي سلطان تونس، وعين لذلك ليلة اثنتى عشرة من ربيع الأول، فكم أغدق في تلك الليالي من خيرات، وأجرى من عوائد وصلات. (٣) ثم لحقت بهذه الإيالة شدائدُ ومحن، وانطوى من بهجة الدولة الحفصية ذلك البساطُ الحسن، فلم يبق من تلك الرسوم إلا ما ينبعث عن أريحية أهل الطريق أو أصحاب العلوم. حتى قيض الله لتجديد ما رثَّ منها، وتلقيم ما ذوى من شجرتها وتفرع عنها، الأميرَ السامي الهمه، (٤) الرامي إلى معالِي الأمور عن قوسٍ أراشَ سهمَه، (٥) الفائز بتعظيم قدر المصطفى، المشير

стр. 516

الأول أحمد باشا ابن مصطفى، (١) نوَّر الله مقرَّ روحه بنور ما له انطِفَا، (٢) فأمر بإقامة حفلات لليلة المولد ويومه بحاضرة توذس ومدينة القيروان، وأجرى لذلك من النفقات ما فيه وفاءٌ بالإحسان، وأمر بإطلاق المدافع الحربية من القلاع بنية التسليم على أفضل الرسل، على صفة أعظم تحية للملوك في اصطلاح الدول. وكتب له العلامةُ شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم الرياحي (٣) في ذكر المولد مختصرًا من

стр. 517

مولد المقدس الشيخ مصطفى البكري المصري. وجاء من بعده الأمير الجليل، الخائض غمرات العلا بعزم صارم صقيل، والذي كان لأعمال ابنِ عمه خيرَ ناسق، المشير الثالث محمد الصادق. فأمر بتعميم الاحتفال بالمولد في جميع مدن الإيالة، وأجرى لها من مال الدولة عطايا فيها كفايةٌ وفُضالة. فهي إلى اليوم صدقة جارية من منبع عين الحكومة، مخلدة بها مآثر في المحاسن له معلومة، وتركَها سنةً باقية فيمن بعده، فتلاحقوا في الوفاء بحقها وشدوا عقده. وكم من لطفٍ خفي حفَّ بهذه البلاد لعله من بركات هذا الاعتناء. قال ابن الجوزي: "ومِمَّا جُرِّب من بركة رسول الله ﷺ أن الاحتفالَ بيوم مولده أمانٌ في ذلك العام، وبشرى لِمَنْ فعله بنيل المرام". (١) نسب رسول الله ﷺ -: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي بن حكيم - ويُلَقَّب كلابًا - بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وهو قريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزيمة بن مدرِكة بن إلياس بن مضر بن نزار - واسمه خلدان - بن معد بن عدنان، (٢) ولم يثبت بالتحقيق ما فوق عدنان. روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ

стр. 518

رفع نسبه إلى عدنان، ثم قال: "كذب النسابون"، مرتين أو ثلاثًا، (١) وفي رواية أن رسول الله زاد فذكر عدنان بن أدد. (٢) واتفق أهلُ الأنساب على أن عدنان من عقب إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وثبت ذلك بنص القرآن، إذ جعل العربَ أبناء إبراهيم في قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 519

وفي "أعلام النبوة" أن نزارًا كان في زمن يستاسب ملك الفرس رهينةً عن عرب مكة، على عادة الأمم يومئذ في إعطائهم أشراف قومهم رهائن عند الملوك الغالبين، وأن الملك يستاسب لقبه نزارًا، وتفسيره باللغة القديمة الفهلوية: "يا مهزول"؛ لأنه كان نَحيفًا. وكان معد أيضًا قد بقيَ مدةً رهينة عند بختنصر ملك بابل، بعد أن حارب بلاد العرب، وما رجع معد إلى قومه إلا بعد هلاك بختنصر. (١) وأمُّ رسول الله ﷺ آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، فزهرة أخو قصي جد النبي ﷺ . وليس لأبوي رسول الله ولدٌ سوى رسول الله ﷺ رمز رباني مشير إلى معنى فَذَاذَتِه. (٢) وتُوفِّيَ أبوه عبد الله في مدة الحمل به، على المشهور الصحيح. (٣) وكانت وفاتُه في يثرب عند أخواله بني النجار؛ مرض في رحلته إلى يثرب، وكانت أمُّ عبد المطلب من بني النجار، وهي سلمى بنت عمرو النجارية. وتوفيت آمنة ابنة وهب وعمره ستُّ سنين، توفيت بموضع يقال له الأبواء بين مكة ويثرب. وكانت قدمت يثرب مع عبد المطلب وأمِّ أيْمن حاضنة رسول الله ﷺ لزيارة أخوال عبد المطلب من بني النجار، وقبرها بالأبواء. وثبت في الصحيح أن رسول الله زار قبر أمه بالأبواء في

стр. 520

طريقه في إحدى غزواته، وبكى عنده. (١) طهارة النسب الشريف: لَمَّا جعل الله تعالى محمدًا أفضلَ رسله، وقدر أن يبعثه بشريعة هي أقومُ سبله، قدر له أكملَ الفضائل في ذاته وما يتصل به، وجعل في أول ذلك طهارةَ نسبه، حتى لا توضع جوهرتُه الفريدة في غير صدف أمثالها، ولا تزن بنقيصة تلتصق ببدئها أو مآلها. فأظهره من أكرم الأصلاب والأرحام، إذا لم يكن في عمود نسبه شيء مما كان عليه أهل الجاهلية من مجلبة الشكوك والأوهام، لا لأن بعض ما كانوا عليه يعد من الحرام، إذ لم يكن لهم شرع تتمايز به الأفعال في الأحكام، بل لأن العقودَ المسماة عندهم بالنكاح هي أرفع مقامًا، وأبعد عن أن تُسام ذامًا، (٢) والنسب بها أوثق اتصالًا، فقصر الله تسللَ رسوله على تلك الصفة لئلا يكون في نسبه غضاضة، ولا موجب انتقاص في جاهلية ولا بعدها. روى عياض في الشفاء عن محمد بن السائب الكلبي النسابة أنه قال: "كتبت لرسول الله ﷺ خمسمائة أم، فما وجدتُ فيهن سفاحًا ولا شيئًا مما كانت عليه الجاهلية"، (٣) يعني سوى النكاح، وهو العقد على المرأة عن رضا من أوليائها، ورضا منها علنًا بنية الاختصاص والدوام. فآباءُ رسول الله ﷺ وأمهاتُه كرام، خلاصةٌ من قومهم وأزمانهم، وذلك قوام صفاء النسب وزكائه. فقد جمع الله لرسوله في أصوله السؤددَ والصيانة، وأَوْفَرَ له في نفسه الكرامةَ المستبانة.

стр. 521

وأما أمر الدين فليس بثالِمٍ لشرف العنصر؛ إذ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارُهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام. على أن آباء رسول الله ﷺ وأمهاته - ولا سيما الأدنون منهم - ما سنوا لقومهم شركًا، ولا نصبوا لهم أوثانًا. ولكنهم وجدوا الناس في حالة شرك فسايروهم، ولم تبعث فيهم رسل يدعونهم، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦, ١٥٧]. فلا شك أنهم من أهل الفترة، وأهل الفترة ناجون من العذاب، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. وجمهور أهل السنة يفسرون الرسول في هذه الآية بالنبي المرسل، ولا يحملونه على أنه العقل، (١) إذ لا بد للعقول من هاد، وليس بالسهل إدراكُ أدلة الاعتقاد. فإن استبان لأحد من أهل الفترة دليلُ

стр. 522

الوحدانية بالعقل، فقد يُؤاخذ وحده على الشرك ولا يؤاخذ جميع قومه. وعلى ذلك يُحمل ما ورد في الآثار أن عمرو بن لحي يجر قصبة في النار. فعندنا: النسبُ الشريف ما انتظم في سمطيه إلا جوهر لم تنخره قادحة، فكانت فرائدُه في سائر الأجيال نيرة واضحة، وما هو إلا نسبٌ زكيُّ العنصر، وما بينه وبين استبانته إلا أن يسمع واع ويرى مبصر. وأما الحديثُ المرويُّ في صحيح مسلم، فقد تأوله العلماء، ويحق تأويله على كل مسلم. رواه مسلم عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أعرابيًّا سأل رسول الله عن أبيه فقال له: "في النار، فقال له: وأين أبوك يا رسولَ الله؟ قال: في النار". (١) على أن أخبار الآحاد لا تنتقض بها أصول الإعتقاد. فإذا كان آباء رسول الله لم تحق عليهم كلمةُ العذاب، فإن بركته مرجوة لهم في رفع منازلهم يوم الحساب، لقول الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، فعلى المؤمن الموفق أن يكون ممن أعرض عما يخالف هذا وأغضى. مولده ﷺ -: لا خلافَ في أن سيدنا محمد ﷺ ولد يوم الاثنين، كما في صحيح مسلم. (٢)

стр. 523

والمشهور أنه ولد في اليوم الثاني عشر منه، وأنه ولد عند الفجر، وذلك من عام الفيل، وهو العام الذي دخل فيه جيش الحبشة مكة. فكان يوم المولد لخمسين أو خمسة وخمسين يومًا مضت من يوم دخول الفيل مكة، (١) ويوافق يوم المولد اليوم العشرين من إبريل سنة إحدى وسبعين وخمسمائة من ميلاد المسيح. قيل كان ذلك عند طلوع منزلة الغفر من منازل القمر، (٢) وكان عند دخول الشمس في برج الحمل، وهو أول البروج الربيعية. وقبلته الشِّفاء (بكسر الشين وفتح الفاء مخففة)، وهي بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة، قيل هي أم عبد الرحمن بن عوف. كان موضع ولادته الذي لا اختلافَ فيه بين أهل مكة بدار أبيه عبد الله، وهي عند الصفا في شعب بني عامر، الذي سمي بعد ذلك سوق الليل. وقد كانت تلك الدار مسكن رسول الله ﷺ مدة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولَمَّا هاجر احتازها عقيل بن أبي طالب، ثم باعها ولده من محمد بن يوسف الثقفي، فأدخلها في داره التي تعرف بالبيضاء. ولمَّا حجت الخيزران زوج المهدي اشترتها، وفصلت الدار التي وُلد فيها رسولُ الله ﷺ فجعلتها مسجدًا، وأشرعت بابه إلى الزقاق المعروف بزقاق المولد. وبنى السلطان محمد خان العثماني الثالث لذلك المسجد قبةً ومئذنة في سنة ١٠٠٩ هـ، وقد رأيتُ أن هذه الدار كانت تُسمى دارَ التبابعة، (٣) ولم أقف على وجه هذه التسمية.

стр. 524

نشأته ﷺ -: كفله جده عبد المطلب وسماه محمدًا، فقيل لعبد المطلب: لم سميته باسم ليس لأحد من آبائك؟ قال: "لأنِّي أرجو أن يحمده أهلُ الأرض كلهم". (١) والصحيح أنه خُتن يوم سابع ولادته، وأَوْلَم لذلك عبد المطلب فنحر جزورًا، ودعا رجالًا من قريش فطعموا. (٢) وقد رُوي في بعض الأخبار أن رسول الله ﷺ ولد مختونًا، (٣) ورجح المحققون خلافَه وأنه ولد كاملًا. وأرضعته أمُّه، ثُم أرضعته معها ثُوَيبةُ الأسلمية جارية عمه أبى لهب. (٤) وكان من عادة أهل مكة أن يسترضعوا لأبنائهم في البادية؛ لأن مكةَ كانت وخيمة، فيحبون أن ييفع أبناؤهم في البادية، ولأن ذلك أجلدُ لأجسامهم، وأفصحُ لألسنتهم، فالتمست لمحمد ﷺ المراضع. ووردت نسوةٌ من بني سعد بن بكر من هوازن، وكانت منازل هوازن قرب مكة حذوَ حنين، جئن يلتمسن الرضعاء، فأخذته حليمة بنت أبى ذؤيب. وكان معها زوجُها الحارث بن عبد العزى وابنٌ لها مُرْضَعٌ اسمه عبد الله. وما وضعت رضيعَها المبارك حتى رأت بوارقَ اليُمن في ذاتها وما حولها، فلما شعر بذلك زوجها قال لها: "تعلمي يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة". قال السهيلي: "وذكر غيرُ ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ كان لا يقبل (من حليمة) إلا على ثديها الواحد، وكانت

стр. 525

تعرض عليه الثدي الآخر فيأباه، كأنه قد أشعر ﵇ أن معه شريكًا في لبانها". (١) فكان مفطورًا على العدل، مجبولًا على جميل المشاركة والفضل. وأرجعته مرضعته إلى أمه وهو ابن خمس سنين وشهر، ولما بلغ ست سنين توفيت أمه، ولما بلغ ثمان سنين وكسرًا توفي عبد المطلب فكفله عمه أبو طالب. وقد يَفَعَ ﵊ على أجمل الصفات، كان لا يشبه خُلقُه خلقَ الصبيان. فمن ذلك أنه كان إذا قرب إليه مع الصبيان تصبيحهم، وهو طعام الصباح، اختلس بقية الصبيان منه، ويكف هو. (٢) وعن أم أيمن حاضنته أنها قالت: "ما رأيته يشكو جوعًا ولا عطشًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، وكان يكثر أن ينام ليلته دون أن يتعشى". (٣) وكذلك شأنه حين يشب، وحسبنا حكاية لحاله هذه كلمتان: إحداهما ما رواه أبو الفضل في الشفاء، عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ما هممت

стр. 526

بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل تينك يحول الله بيني وبين ما أريد، من ذلك قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أرحل إلى مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار في مكة، سمعت عزفًا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست أنظر فضرب على أذني فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت ولم أقض شيئًا. ثم عرَانِي مرة أخرى مثلُ وذلك، ثم لَم أهم بعد ذلك بسوء". (١) الثانية قول النضر بن الحارث لقريش: "قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقَكم حديثًا، وأعظمَكم أمانة، فلما رأيتم الشيبَ في صدغيه قلتم: ساحر، وقلتم: شاعر، وقلتم: مجنون، والله ما هو بأولئكم". (٢) ولما بلغ ﷺ أربع عشرة سنة ثارت حربُ الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان. وكانت في شهر حرام، فلذلك سميت الفجار؛ لأن القتال

стр. 527

في الشهر الحرام من الفجور. فكان سيدنا محمد ﷺ مع أعمامه من بني هاشم ينبل عليهم، أي: يلتقط لهم النبال التي يرميهم بها أعداؤهم ليرموهم بها. وثبت أنه كان راكبًا فرسًا، وأنه رمي بسهم. ولم يزل محمد ﷺ يزداد على السن خيرًا، وتتقدم به سوابقُ الهمم إلى الفضائل سيرًا، فعُرِف في فتوته بصدق الحديث وكرم الأخلاق والوفاء والأمانة، والإعراض عن السفاسف والإقبال على الجد. فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة من عمره بلغ خديجةَ بنت خويلد ما اشتهر به من الأمانة، وكانت امرأةً ذات مال، وكانت تقارض رجالًا من قريش يتجرون لها على شيء من الربح تجعله لهم. فرامت أن تقارضه، وأرسلتْ إليه بذلك ليخرج إلى الشام في تجارة لها، وكانت الشام متجر قريش في رحلة الصيف، فخرج سيدنا محمد ﷺ في تجارتها ومعه ميسرة غلام خديجة. وبعد قفوله من رحلته هذه تزوج خديجة ﵂، وعمره خمس وعشرون سنة، وكانت خديجة أَيْمًا توُفِّىَ زوجُها أبو هالة التميمي حليف بني عبد الدار من قريش. وغلب عليه لقب الأمين بين قريش، وربما لقبوه بالمأمون. ولما بلغ خمسًا وثلاثين سنة تهدمت الكعبة فشرع قريش في بنائها، وكان سيدنا محمد يومئذ معهم، فكان ينقل الحجارة فقال له عمه العباس: "اجعل إزارك على عاتقك كما يفعل الناس ليخف عليك حملُ الحجارة، فلما رفع إزاره خر مغشيًّا عليه، فقال له عمه العباس: لا حرج عليك شُدَّ عليك إزارك". (١)

стр. 528

ولما ارتفع بناء ركن الكعبة موضع الحجر الأسود وأرادوا وضع الحجر في موضعه، اختلفت بطون قريش فيمن يتولى وضعه، وتنافسوا في الفوز بهذه المنقبة، وبلغ بهم التنازع إلى أن هموا بالقتال فقال لهم أبو أمية بن المغيرة المخزومي - وكان أسنهم يومئذ -: اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول داخل من باب بني شيبة، فكان ﷺ أول داخل منه فقالوا: هذا محمد، هذا الأمين قد رضيناه. فحكموه، فقال: هلم إلي ثوبًا، فأتوه بثوب، فأخذ الحجر فوضعه فيه، ثم قال لتأخذ كل قبيلة، أي كل سيد لها بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا، فلما رفعوه أخذه رسول الله ﷺ بيده ووضعه في موضعه المعروف من جدار البيت، وبنى هنالك. فكانت صَرفةُ قريش عن المنافسة في واضع الحجر في موضعه معجزةً خفية لرسول الله ﷺ ، جعلها الله حجة له، إذ كان هو ثاني مَنْ وضع الحجر في موضعه بعد أن وضعه إبراهيم ﵇. وألهم الله سبحانه سيدَنا محمدًا ﷺ إلهامًا صادقًا إلى أن يجاور كل سنة شهر، فحبب إليه الخلاء. فكان يخرج إلى غار في جبل حراء، وهو على ثلاثة أميال من مكة، يجاور به كل سنة شهرًا (والمجاورة الاعتكاف أي الخلوة للعبادة، فكان يتحنث به، والتحنث التعبد ويقال: التحنف بالفاء. والظنُّ أن الله تعالى ألهمه ما يتعبد به مما كان من دين إبراهيم، مثل النظر في دلائل الوحدانية، والسجود لله تعالى، والصيام والذكر، وما الله أعلم به منا. وثبت أنه كان في تلك المدة يطعم المساكين. ولم أر من ضبط عد السنين التي دام فيها على ذلك الجوار). بعثته ﷺ -: وفي شهر ربيع الثاني من السنة الأربعين من عمره المبارك، أي سنة أربعين من عام الفيل، ابتداه الله بالرؤيا الصادقة، وهي أول ما بُدِئ به من الوحي، فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثلَ فلق الصبح، أي وقع الأمر الذي رآه مماثلًا في الخارج للرؤيا. وفي السابع عشر من رمضان من تلك السنة أوحى الله إليه وهو في غار حراء، فرأى جبريل وأقرأه قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ

стр. 529

وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، فرجع رسول الله ﷺ فأخبر بذلك خديجة، وسمع جبريل يناديه من السماء: "يا محمد أنت رسول الله"، ورآه بين السماء والأرض، فأخبر خديجة بذلك. فذهبت خديجة به إلى ابن عم لها اسمه ورقة بن نوفل بن أسد - وكان قد تنصر وقرأ التوراة والإنجيل - فأخبرته بما رأى رسول الله ﷺ ، فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعٌ إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: "أومخرجي هم؟ " قال: نعم، لم يأت رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عُوديَ، وإن يدركني يومُك أنصرْك نصرًا مؤزَّرا". (١) ثم لم ينشب ورقة أن توفّيَ، ومكث رسول الله ﷺ مدةً يوحى إليه، ولم يُؤمر بدعوة الناس حتى نزل عليه قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١ - ٢] إلى آخر السورة، فدعا الناسَ إلى الإسلام. وفي الترمذي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ بعث يوم الاثنين، وضعفه. (٢) فكان يدعو الناسَ إلى الإسلام، فتنكر له المشركون وامتعضوا من ظهور الإسلام. وكان الذين أسلموا وهم زهاء أربعين رجلًا إذا صلوا استخفوا بصلاتهم. وصاروا يأوون إلى دار الأرقم بن عبد مناف المخزومي، وهو المعروف بالأرقم ابن أبي الأرقم، توقيًا من تعرض قريش لهم بالأذى، وبقوا ذلك ثلاث سنين. فلما نزل قوله

стр. 530

تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٦]. أظهر الرسولُ ﷺ والمسلمون أمرهم، وتحدَّوْا به المشركين، وذلك سنة عشر قبل الهجرة. فحمي المشركون لذلك، وأكثروا من أذى رسول الله ﷺ وأصحابه، وذهب كبراؤهم (عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وأبو البختري، والأسود بن عبد المطلب، وأبو جهل، والوليد بن المغيرة، ونبيه بن الحجاج، ومنبه بن الحجاج، والعاصي بن وائل) إلى أبي طالب فقالوا: "إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مِثل ما نحنُ عليه [من خلافه فنكفيكه] "، فأجابهم أبو طالب جوابًا رفيقًا، وردهم ردًّا جميلًا اقتنعوا به. ثم لَم يلبثوا أن عادوا إلى أبي طالب ثانية وثالثة، كل ذلك يطلبون أن يكف رسول الله ﷺ عن معاملته وإياهم، أو أن يخلي بينهم وبينه. (١) ولمَّا رأوا أبا طالب غيرَ مُسلِمٍ ابنَ أخيه، ورأوا رسولَ الله ﷺ غيرَ مُقصّر في الدعوة إلى الحق، جعلوا يعذبون ويؤذون مَنْ أسلم من أهل مكة، ويُغْرُون سفهاءهم بأذى رسول الله ﷺ يشلونهم (٢) عليه. وفي تلك المدة أكرم الله رسولَه ﵊ بمعجزة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السماوات العلى، وكان ذلك في اليقظة على الأصح. وقد رأى من آيات ربه الكبرى، وحديثُه طويلٌ في الصحيحين. (٣) وقد كان ذلك في سنة اثنتين قبل الهجرة، وقيل في
следующие страницы →