بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل تينك يحول الله بيني وبين ما أريد، من ذلك قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أرحل إلى مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار في مكة، سمعت عزفًا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست أنظر فضرب على أذني فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت ولم أقض شيئًا. ثم عرَانِي مرة أخرى مثلُ وذلك، ثم لَم أهم بعد ذلك بسوء". (١) الثانية قول النضر بن الحارث لقريش: "قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقَكم حديثًا، وأعظمَكم أمانة، فلما رأيتم الشيبَ في صدغيه قلتم: ساحر، وقلتم: شاعر، وقلتم: مجنون، والله ما هو بأولئكم". (٢)
ولما بلغ ﷺ أربع عشرة سنة ثارت حربُ الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان. وكانت في شهر حرام، فلذلك سميت الفجار؛ لأن القتال
стр. 527
في الشهر الحرام من الفجور. فكان سيدنا محمد ﷺ مع أعمامه من بني هاشم ينبل عليهم، أي: يلتقط لهم النبال التي يرميهم بها أعداؤهم ليرموهم بها. وثبت أنه كان راكبًا فرسًا، وأنه رمي بسهم. ولم يزل محمد ﷺ يزداد على السن خيرًا، وتتقدم به سوابقُ الهمم إلى الفضائل سيرًا، فعُرِف في فتوته بصدق الحديث وكرم الأخلاق والوفاء والأمانة، والإعراض عن السفاسف والإقبال على الجد.
فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة من عمره بلغ خديجةَ بنت خويلد ما اشتهر به من الأمانة، وكانت امرأةً ذات مال، وكانت تقارض رجالًا من قريش يتجرون لها على شيء من الربح تجعله لهم. فرامت أن تقارضه، وأرسلتْ إليه بذلك ليخرج إلى الشام في تجارة لها، وكانت الشام متجر قريش في رحلة الصيف، فخرج سيدنا محمد ﷺ في تجارتها ومعه ميسرة غلام خديجة. وبعد قفوله من رحلته هذه تزوج خديجة ﵂، وعمره خمس وعشرون سنة، وكانت خديجة أَيْمًا توُفِّىَ زوجُها أبو هالة التميمي حليف بني عبد الدار من قريش.
وغلب عليه لقب الأمين بين قريش، وربما لقبوه بالمأمون. ولما بلغ خمسًا وثلاثين سنة تهدمت الكعبة فشرع قريش في بنائها، وكان سيدنا محمد يومئذ معهم، فكان ينقل الحجارة فقال له عمه العباس: "اجعل إزارك على عاتقك كما يفعل الناس ليخف عليك حملُ الحجارة، فلما رفع إزاره خر مغشيًّا عليه، فقال له عمه العباس: لا حرج عليك شُدَّ عليك إزارك". (١)
стр. 528
ولما ارتفع بناء ركن الكعبة موضع الحجر الأسود وأرادوا وضع الحجر في موضعه، اختلفت بطون قريش فيمن يتولى وضعه، وتنافسوا في الفوز بهذه المنقبة، وبلغ بهم التنازع إلى أن هموا بالقتال فقال لهم أبو أمية بن المغيرة المخزومي - وكان أسنهم يومئذ -: اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول داخل من باب بني شيبة، فكان ﷺ أول داخل منه فقالوا: هذا محمد، هذا الأمين قد رضيناه. فحكموه، فقال: هلم إلي ثوبًا، فأتوه بثوب، فأخذ الحجر فوضعه فيه، ثم قال لتأخذ كل قبيلة، أي كل سيد لها بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا، فلما رفعوه أخذه رسول الله ﷺ بيده ووضعه في موضعه المعروف من جدار البيت، وبنى هنالك. فكانت صَرفةُ قريش عن المنافسة في واضع الحجر في موضعه معجزةً خفية لرسول الله ﷺ ، جعلها الله حجة له، إذ كان هو ثاني مَنْ وضع الحجر في موضعه بعد أن وضعه إبراهيم ﵇.
وألهم الله سبحانه سيدَنا محمدًا ﷺ إلهامًا صادقًا إلى أن يجاور كل سنة شهر، فحبب إليه الخلاء. فكان يخرج إلى غار في جبل حراء، وهو على ثلاثة أميال من مكة، يجاور به كل سنة شهرًا (والمجاورة الاعتكاف أي الخلوة للعبادة، فكان يتحنث به، والتحنث التعبد ويقال: التحنف بالفاء. والظنُّ أن الله تعالى ألهمه ما يتعبد به مما كان من دين إبراهيم، مثل النظر في دلائل الوحدانية، والسجود لله تعالى، والصيام والذكر، وما الله أعلم به منا. وثبت أنه كان في تلك المدة يطعم المساكين. ولم أر من ضبط عد السنين التي دام فيها على ذلك الجوار).
بعثته ﷺ -:
وفي شهر ربيع الثاني من السنة الأربعين من عمره المبارك، أي سنة أربعين من عام الفيل، ابتداه الله بالرؤيا الصادقة، وهي أول ما بُدِئ به من الوحي، فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثلَ فلق الصبح، أي وقع الأمر الذي رآه مماثلًا في الخارج للرؤيا.
وفي السابع عشر من رمضان من تلك السنة أوحى الله إليه وهو في غار حراء، فرأى جبريل وأقرأه قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ
стр. 529
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، فرجع رسول الله ﷺ فأخبر بذلك خديجة، وسمع جبريل يناديه من السماء: "يا محمد أنت رسول الله"، ورآه بين السماء والأرض، فأخبر خديجة بذلك. فذهبت خديجة به إلى ابن عم لها اسمه ورقة بن نوفل بن أسد - وكان قد تنصر وقرأ التوراة والإنجيل - فأخبرته بما رأى رسول الله ﷺ ، فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعٌ إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: "أومخرجي هم؟ " قال: نعم، لم يأت رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عُوديَ، وإن يدركني يومُك أنصرْك نصرًا مؤزَّرا". (١) ثم لم ينشب ورقة أن توفّيَ، ومكث رسول الله ﷺ مدةً يوحى إليه، ولم يُؤمر بدعوة الناس حتى نزل عليه قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١ - ٢] إلى آخر السورة، فدعا الناسَ إلى الإسلام.
وفي الترمذي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ بعث يوم الاثنين، وضعفه. (٢) فكان يدعو الناسَ إلى الإسلام، فتنكر له المشركون وامتعضوا من ظهور الإسلام. وكان الذين أسلموا وهم زهاء أربعين رجلًا إذا صلوا استخفوا بصلاتهم. وصاروا يأوون إلى دار الأرقم بن عبد مناف المخزومي، وهو المعروف بالأرقم ابن أبي الأرقم، توقيًا من تعرض قريش لهم بالأذى، وبقوا ذلك ثلاث سنين. فلما نزل قوله
стр. 530
تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٦].
أظهر الرسولُ ﷺ والمسلمون أمرهم، وتحدَّوْا به المشركين، وذلك سنة عشر قبل الهجرة. فحمي المشركون لذلك، وأكثروا من أذى رسول الله ﷺ وأصحابه، وذهب كبراؤهم (عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وأبو البختري، والأسود بن عبد المطلب، وأبو جهل، والوليد بن المغيرة، ونبيه بن الحجاج، ومنبه بن الحجاج، والعاصي بن وائل) إلى أبي طالب فقالوا: "إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مِثل ما نحنُ عليه [من خلافه فنكفيكه] "، فأجابهم أبو طالب جوابًا رفيقًا، وردهم ردًّا جميلًا اقتنعوا به. ثم لَم يلبثوا أن عادوا إلى أبي طالب ثانية وثالثة، كل ذلك يطلبون أن يكف رسول الله ﷺ عن معاملته وإياهم، أو أن يخلي بينهم وبينه. (١)
ولمَّا رأوا أبا طالب غيرَ مُسلِمٍ ابنَ أخيه، ورأوا رسولَ الله ﷺ غيرَ مُقصّر في الدعوة إلى الحق، جعلوا يعذبون ويؤذون مَنْ أسلم من أهل مكة، ويُغْرُون سفهاءهم بأذى رسول الله ﷺ يشلونهم (٢) عليه. وفي تلك المدة أكرم الله رسولَه ﵊ بمعجزة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السماوات العلى، وكان ذلك في اليقظة على الأصح. وقد رأى من آيات ربه الكبرى، وحديثُه طويلٌ في الصحيحين. (٣) وقد كان ذلك في سنة اثنتين قبل الهجرة، وقيل في
стр. 531
سنة ثلاث، والأشْهَرُ أنه كان في شهر رجب. (١)
ولم يزل المسلمون في تزايد، فاغتمت قريش بذلك، وائتمروا بدار الندوة، وأجمع أمرهم على أن يقطعوا صلة بني هاشم وبني المطلب، وتعاهدوا على ذلك، وكتبوا صحيفة بتسجيل ذلك اشتهرت بصحيفة القطعية، وعلقوها في جوف الكعبة إثباتًا لما تضمنته، وتوكيدًا على أنفسهم أن لا ينقضوها، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب فدخلوا شعب أبي طالب مستهلَّ المحرم سنة سبع من البعثة. (٢) وكان أبو طالب يخرج في تلك المدة، ويحضر مجامعَ قريش على غضاضة.
وبقيَ بنو هاشم كذلك نحوًا من ثلاث سنين، وكان هشام بن عمرو بن ربيعة يمدهم في تلك المدة بالطعام واللباس؛ لأن أباه عمرو بن ربيعة كان ربيبًا لهشام بن
стр. 532
عبد مناف. ثم سعى هشام هذا إلى زهير بن أبي أمية المخزومي - وهو ابن عاتكة عمة رسول الله ﷺ فقال له: أقد رضيت لأخوالك ما قد علمت؟ أما أنهم لو كانوا أخوال أبي الحكم - يعني أبا جهل - ما كان يرضى لهم بذلك! فاستجاشَ لذلك زهيرًا والمطعم بن عدي وأبا البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب، ودبَّروا أن ينقضوا الصحيفة، فلما أصبحوا دخل زهير المسجد الحرام فقال: "يا أهلَ مكة أنأكل الطعام ونلبس اللباس وبنو هاشم هلكى لا يباع لهم ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تُشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة"، فظاهره على ما قال بقية الخمسة، فقال أبو جهل: "هذا أمرٌ قُضي بليل"، وقام المطعم بن عدي ليمزق الصحيفة فوجدها قد أفنتها الأرضة (١) عدا السطر الذي هو "باسمك اللهم". (٢)
وبعد خروج بني هاشم من الشعب بثمانية وعشرين يومًا توفِّيَ أبو طالب، وبعد موته بثلاثة أيام تُوفيت خديجةُ ﵂، وذلك في شهر رمضان سنة تسع من البعثة أو سنة عشر. وفي شوال من تلك السنة خرج رسولُ الله ﷺ إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، ويطلب منهم النصرةَ والمنعة من كفار قومه، فلم يجد عندهم خيرًا. ولما جاءت قبائلُ العرب في موسم الحج، عرض عليهم نفسَه، ودعاهم إلى الإسلام وأن يصدقوه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه الله له، وأن يخرج مع القبيلة التي تستجيب له، فلم يجد عندهم خيرًا وردوا عليه بجفاء إلا بعض بني شيبان، قالوا: سننظر في أمرنا بعد أن نرجع من الحج، فعل ذلك في موسمين أو ثلاثة.
فلما كان الموسمُ في سنة عشر من البعثة لقيَ رسولُ الله عند العقبة ستةَ نفر من الخزرج، فعرض عليهم الإسلامَ فقبلوا وأسلموا. ولما رجعوا إلى يثرب ذكروا لقومهم هذا الأمر، ودعوهم إلى الإسلام ففشا فيهم. وفي العام المقبل وافى موسمَ الحج اثنا عشر رجلًا من الأوس والخزرج فأسلموا، ولما أرادوا الانصرافَ إلى
стр. 533
بلدهم بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير الداري ليقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام. وفي الموسم المقبل سنة اثنتي عشرة من البعثة آمن من الأوس والخزرج ثلاثةٌ وسبعون رجلًا وامرأتان، وبايعوا رسولَ الله عند العقبة من منى على أن يمنعوه بما يمنعون به أبناءهم ونساءهم. وجعل عليهم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بالمدينة، وأمر أصحابه ب الهجرة إلى المدينة.
الهجرة:
ولمَّا حلَّ شهرُ ربيع الأول من سنة ثلاث عشرة من البعثة أذن الله لرسوله ﷺ في الهجرة من مكة إلى المدينة، وأخبر أبا بكر بذلك فرغب في صحبته. ووجها راحلتيهما مع عامر بن فهيرة وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، وخرجا في فحمة العشاء من ليلة الجمعة من شهر صفر راجلين، ووصلَا غارَ ثور عند الفجر فباتا فيه ثلاث ليال. وخرجا من صبح ثالثة - وهو صبح يوم الاثنين غرة ربيع الأول - قاصدين المدينة، (١) وقد أردف أبو بكر عامرَ بن فهيرة مولاه على راحلته ودليلهما عبد الله بن أرقط - ويقال: أريقط - الدئلي من المشركين، وكان هاديًا خرّيتًا، أي: عارفًا بالمسالك، فسلك جهم طريقَ السواحل ما بين عسفان وملل، ولم يسلك بهم الطريقَ المعتاد سلوكها بين مكة والمدينة، وهو طريق ثنية الوداع.
ولمَّا علمت قريش بخروج الرسول ﷺ حمى غيظهم، وعلموا أنه أفلت من بغيهم، وأنه سيكون في منعة منهم. في صحيح البخاري عن سُراقة بن [مالك] بن جُعْشُم المدلجي قال: "جاءنا رسلُ كفار قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر ديةَ كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي إذ أقبل رجلٌ منهم حتى وقف علينا فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أَسْودَةً بالساحل أراها محمدًا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، ورجوتُ أن ألحقهم فآتي بهما. قال:
стр. 534
فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطَلَقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم، فقال: لعله. ثم قمت فركبت فرسي ورفعتها تقرب حتى دنوت منهم فسمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، فلما قربت منهم ساخت يدا فرسي في الأرض، فخَرَرْتُ عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمةً إذا لأثر يديها عُثانٌ ساطع في السماء - يعني دخانًا - فناديتهم بالأمان فوقفوا حتى جئتهم، ووقع في نفسي أن سيظهر أمرُ رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية لمن جاءهم بك، وإني لا أُريبُكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. ورجع سراقه وكتم أمرهم". هذا مختصر خبره، وهو في صحيح البخاري أطول. (١)
وسمع المسلمون في المدينة بخروج الرسول ﷺ من مكة مهاجرًا إليهم، فكانوا يغدون كلَّ غداء إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة. فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا الانتظار، فلما آووا إلى بيوتهم إذا يهوديٌّ كان على أطم من آطامهم بصر برسول الله ﷺ فلم يملك اليهودي أن نادى بأعلى صوته: "يا معاشرَ العرب هذا جدكم - أي: بختكم - الذي تنتظرون"، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسولَ الله ﷺ من بظهر الحرة. وأقبل رسول الله ﷺ من العرج ثم من ثنية الغائر، فتلقاه المسلمون من ظهر الحرة، فعدل بهم ذاتَ اليمين حتى نزل قباء في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين الثاني عشر - وقيل الثامن - من ربيع الأول الموافق لشهر أيلول، أي: اشتنبر. ونزل بدار كلثوم بن الهدم، وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خثيمة المدعو بيت الأعزاب. وبقى هنالك بضع عشرة ليلة، ثم دخل المدينة يوم الجمعة، والناس سائرون معه ما بين ماش وراكب. وصعدت ذواتُ الخدور على السطوح يقلن (من الرمل عروضه مجزوء وضربه مُعَرَّى):
стр. 535
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ (١)
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا لله دَاعْ
أَيُّهَا المَبْعُوثُ فِينَا ... جِئْتَ بِالأَمْرِ المُطَاعْ (٢)
وأخذ السودان يلعبون بالدَّرَق (٣) والحراب، ونزل رسول الله ﷺ في دور بني النجار بدار أبي أيوب خالد بن زيد النجاري الخزرجي. ثم شرع في بناء مسجده بالمدينة، وأتمه في صفر من العام المقبل. وجعل بيوت أزواجه حول المسجد تفتح أبوابُها إلى المسجد، وجعل لكل امرأة منهن بيتًا، وجعل لكل بيت حجرة، وكان كلما تزوج امرأة بنى لها بيتا. ومكث رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب سبعة أشهر، ثم انتقل إلى سكنى بيوته قبل أن يكمل بناء المسجد.
стр. 536
ظهور الإسلام في المدينة:
دخل أهلُ المدينة في الإسلام أفواجًا ممن كانوا مشركين ونفر من اليهود، ونشأ هنالك فريق لم يكن له نظيرٌ في أهل مكة، وهو فريق أظهروا الإسلامَ في ظاهر أمرهم وأبطنوا الكفر. فأنبأ الله تعالى رسوله بهم، ودعاهم بالمنافقين. وكان رأسهم عبد الله ابن أبي ابن سلول: اشتهر بين المسلمين بالنسبة إلى أمه مع أبيه، تفرقةً بينه وبين ابنه عبد الله بن عبد الله الذي كان من خيرة المسلمين وأحبهم لرسول الله ﷺ .
وآخى رسولُ الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وكان المهاجرون زهاء خمسين. وشرع رسول الله ﷺ يدبر أحوال المسلمين، ويقيم عماد جماعتهم، ويسوس نظامَهم. واتسع نزولُ شرائع الإسلام، وتصرف رسولُ الله ﷺ تصرفَ الأئمة القادة، وأخذ الإسلام ينتشر في قبائل العرب الذين حول المدينة.
الغزوات:
وغزا رسول الله ﷺ غزواته للذب عن حوزة المسلمين، وخضدًا لشوكة أذى المشركين، فقد كان دأبهم بعد الهجرة تأليبَ العرب وإغراءَهم بمناوأة المسلمين. وكانوا يجدون من خداع المنافقين وكيد اليهود ما وسع أطماعَ أعداء الدين بانحلال عراه، وانفضاض من حوله قبل أن يبلغ منتهاه، فأطلع الله رسوله على ذلك وأمره بالانتصار للدين. ولذلك لمَّا غزت الأحزابُ المدينة [أشار عليه سلمان] بحفر الخندق، (١) وهزم الله الأحزاب قال رسول الله ﷺ : "الآن نغزوهم ولا يغزوننا". (٢) وقد أظهر الله من نصر المسلمين مع قلتهم ما كان من معجزات هذا النبي الكريم ﷺ .
وجملة غزواته سبع وعشرون غزوة، وهي التي كان رسول الله حاضرًا فيها بنفسه. وجملة السرايا التي وجهها بقصد القتال أو التطلع أو الحراسة سبع وأربعون
стр. 537
سرية، وهي التي لم يحضرها بنفسه. وأعظم الغزوات غزوة الفتح، فتح مكة. فلما فُتحت مكة، تسارع العرب إلى الدخول في دين الإسلام أفواجًا، وبدل الله بالعذب ما كان من دينهم أجاجًا، وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها، وجعل بينهم أخوة ما كانوا من قبل يدركون لها كنها.
ووفدت الوفودُ إلى رسول الله ﷺ من جميع من أسلم من قبائل العرب وأحيائها، تتلقى ما هو للقلوب إكسيرُ إحيائها، وتبلغ إسلام من ورائها، وتقفل إليهم بألطاف الشريعة السمحة ورونق روائها، فكان رسول الله يرشدهم ويضيفهم وينزلهم بديار أصحابه ويجيزهم عند رجوعهم، وجعل الموكل بافتقادهم بلالًا بن رباح ﵁.
وحج رسول الله ﷺ بالناس في السنة العاشرة من الهجرة، واجتمع في تلك الحجة من المسلمين أربعون ألفًا على الأصح، وخطب في تلك الحجة خطبته العظيمة، ونزل عليه في يوم عرفة من تلك الحجة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
شأن رسول الله ﷺ -:
كان شأن رسول الله ﷺ في حاج أبياته وفي أبياته تبليغ الدعوة وإبلاغ القرآن، وتدبير أمور المسلمين وتعليم أصحابه، والإمامه بالناس، والخطبة لهم، والقضاء بين الخصوم، وقضاء حوائج أهل الحاجات، ولقاء الوفود وتدبير الغزوات والسرايا.
وكان يجلس للناس في مجلسه بالمسجد صباحًا ومساء إذا لم يكن قد غاب في مهم للمسلمين، وكان موضعُ مجلسه ما بين منبره وبيت عائشة، وهو الموضع المشتهر بالروضه لقوله ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". (١) وكان يجلس
стр. 538
فيه على دكانة مرتفعة متخذة من طين ويحيط به جلساؤه حلقًا. (١)
وكان في بعض النهار يدخل بيوت أزواجه ويفتقد شؤونهن، ويعين على بعض عمل منزله. قال على بن أبي طالب ﵁: "كان رسول الله إذا آوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءًا لله تعالى، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه. ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئًا". (٢)
وكان فراشه الذي ينام عليه من أدم، أي: جلد مدبوغ محشو بليف وفوقه مسح مثنِيٌّ ثنيتين. وكان يلبس القميص، ولقميصه كمان يبلغان إلى الرسغ وجيب وزر، ويلبس الرداء والإزار، ويجعل إزاره إلى نصف الساق. ولبس الحلةَ الحمراء والبردين الأخضرين، ولبس مرطًا أسود، ويلبس جبة رومية ضيقة الكمين. وكان يلبس العمامة البيضاء والسوداء، ويسدل آخرها بين كتفيه. ولبس السراويل في الحضر والسفر ومدحها، فقال: "إني أمرت بالستر فلم أجد شيئًا أستر منه". (٣)
وكان يستحسن لبس البياض، ويحث عليه. ولبس النعلين، وكان لهما قبالان،
стр. 539
وكان يحب النعل التي لا شعر فيها، وربما لبس النعال التي لها شعر. ولبس الخفين في الحضر والسفر، وكان يجعل في الخنصر من يده اليمنى خاتمًا من فضة وفصه حجر حبشي مكتوب فيه "محمد رسول الله" ثلاثة أسطر ابتداء من السطر الأسفل. ولم يتخذه زينة، ولكن ليختم به كتبه التي يرسلها إلى الملوك وغيرهم في مُهِمِّ الأمور.
وكان يحب التطيبَ بالمسك والعطر، ويُكثر دهن شعر رأسه.
أزواج رسول الله ﷺ وأبناؤه:
تزوج رسول الله اثنتي عشر امرأة على التداول لا على الجمع، ولم يجتمع في عصمته أكثرُ من تسع نسوة، وتلك خصوصية نبوية. فتزوج خديجة كما تقدم، وبعد وفاتها تزوج سودة بنت زمعة من بني عامر من قريش، ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق، عقد عليها ولم يبن بها إلا بعد نحو خمس سنين، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب، ثم زينب بنت خزيمة الهلالية المكناة أم المساكين، ثم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية، ثم زينب بنت جحش من بني أسد من خزيمة، ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق من خزاعة، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة، ثم صفية بنت حيي من بني النضير وهو من يهود الحجاز، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية وكان اسمها برة فسماها ميمونة. وعقد على أسماء بنت النعمان بن الجون الكندية وزفت إليه فرأى منها جفاء فطلقها ساعة زفافها، فلم تُعَدَّ في أمهات المؤمنين.
وكانت مارية القبطية سرية له أهداها إليه المقوقس صاحب مصر، وكان منها إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فكانت أم ولد له ﵄.
وأول مولود ولد لرسول الله ﷺ القاسم وبه كني، ولد قبل بعثته بقليل وعاش سنتين، ثم ولدت زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم عبد الله ويلقب بالطيب وبالطاهر وتوفِّيَ صغيرًا، وهؤلاء كلهمِ من زوجه خديجة ﵂ وعنهم. وولد له إبراهيم من سريته مارية، وتوفِّيَ وعمرُه سنة ونصف. ولم تترك واحد من بناته عقبًا إلا فاطمة ﵂.
стр. 540
شمائله ﷺ وأخلاقه (١):
كان رسول الله ﷺ ربعة، أي: متوسط الطول، وهو إلى الطول أقرب. بعيدُ ما بين المنكبين، جليل الكاهل، عظيم رؤوس المناكب، ضخم العظام ورؤوس المفاصل، ليس بكثير اللحم، ولمَّا أسَنَّ بدن؛ متماسك اللحم، غير قصير اليدين ولا الأصابع، أزهر اللون، أي: أبيض مشرب البياض بحمرة.
عظيم الهامة (أي الجمجمة) أسود شعر الرأس ليس شعره ملتويًا ولا مرتخيًا، شعره إلى شحمة الأذن. كان يفرق شعره، كث اللحية، أي: كثير شعرها، قد ملئت أعلى صدره، أسود شعرها، وكان في صدغيه شعراتٌ بيضاء وتحت شفته السفلى شعرات بيضاء، وذلك في آخر عمره المبارك، وكان يقص شاربه. مدور الوجه باستطالة قليلة، واسع الجبين، سهل الخدين، أي: لا ارتفاع فيهما. لوجهه بريق يزداد إذا سر، واضح الأنف بدقة. يرى في أنفه احديدابٌ، تام الأذنين.
أكحل العينين أدعجهما، أي: شديد سوادهما، قد أُشرب بياضُ عينيه بحمرة. أنجل، أي: طويل شق العينين، طويل الأشفار كثير شعرهما. حاجباه دقيقان، مع تقوس قريب من القرن، بين حاجبيه عرق يدره الغضب. واسع الفم بحسن، مفلج الأسنان، إذا تكلم رُئِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه.
في عنقه ارتفاع، سواء البطن والصدر، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط. أشعر أعالي الصدر، ليس في بطنه وصدره شعر غير ذلك.
أشعر الذراعين والمنكبين، طويل الزندين، ضخم العضدين، غليظ الكفين، رحب الراحة. بين كفيه خاتم النبوة، وهو بضعة ناتئة مقدار زر الحجلة (والزر عقدة كبيضة الحمام تشد بها شقة الحجلة وهي البيت)، أحمر اللون، فيه شعرات وحوله خيلان كأنها الثآليل. (٢)
стр. 541
شثن القدمين، ضامرَ وسطهما، أملسهما، لا نتوء فيهما ولا شقوق، قليل لحم العقب ولم يرد وصف أظفاره. وورد في بعض الآثار أن سبابة رجليه أطولُ من وُسْطَيَيْهما. وكان ﷺ إذا مشى يتقلع كأنما ينزل من مكان منحدر، سريعًا في مشيته. إذا التفت التفت جميعًا. جل نظره الملاحظة، أي لا يوجه نظره إلى الشيء بحدة، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى فوق، ضحكه التبسم، وربما ضحك حتى تبدو نواجذه.
وكان كلامه ترتيلًا بحيث لو شاء أحد أن يكتب كلامه لم يفته. وكان أكثر جلوسه في المجلس الاحتباء، وربما اتكأ على وسادة. وكان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقالت عائشة ﵂: "كان خلقه القرآن". (١)
وكان أرجحَ الناس عقلًا، وأفصحَهم لسانًا، وأبلغَهم معنى، وأجودَهم فطنة، وأصفاهم سريرة، وأحسنَهم عفوًا، وأكثرَهم صبرًا، وأسخاهم، وأسمحَهم، وأشجعَهم، شديدَ الحياء إلا في الحق، كثيرَ الإغضاء عن الفلتات، حسنَ المعاشرة، رحيمًا بالناس، رفيقًا بهم، أصدَقهم قولًا وأوفاهم عهدًا، شديدَ التواضع، كثيرَ الاحتمال على أذى المشركين، شديدَ الغلظة على الظالمين والمعتدين على الحق، لا ينطق بفاحش القول، غيرَ هياب للملوك والجبابرة، ويتنازل للضعفاء والمساكين، ويمزح ولا يقول إلا حقًّا.
أسماؤه الشريفة:
أسماء رسول الله ﷺ عنوان ما فيه من الفضائل والمكارم، فلا جرم أن كان أكثرَ الخلق أسماء. وإن كان حقيقة بأن تعد صفاته أسماء؛ لأنها بلغت فيه منتهى حقائقها، فكانت صفاته دالة على ذاته. وقد أحصى بعضُ العلماء منها ثلاثمائة اسم، ويجمع كثرتَها خمسةُ أسماء. فقد روى الإمام مالك ﵀ في الموطأ عن ابن شهاب
стр. 542
عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "لي خمسة أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". (١)
نسأل الله أن يعيدَ على المسلمين من بركات هذا اليوم كما منحهم في أصله، وأن يكتبنا في اجتماعنا له وتفرقنا إثره مع الذين يظلهم الله بظله.
стр. 543
الشمائل المحمدية (١)
مقدمة:
لا أحسب مسلمًا يخير في أي الأماني أحبُّ إليه أن يحصل بعد تعدادها، ثم لا يكون مختارًا منها أن يرى ذاتَ نبيه محمد ﷺ . وإذا كان رسولُ الله قد تمنَّى أن يرى مَنْ يجيء بعده من المسلمين لمحبته أمتَه كما في الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "وَدِدْتُ أَنّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإخْوَانِي الّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ وَأَنَا فَرَطُهُمْ علَى الْحَوْضِ". (٢)
فكيف لا تكون شدةُ حب الأمة نبيها مبعثَ تمنيهم أن يروه؟
فلئن فاتَهم إمكانُ رؤيةِ ذاته الشريفة، فلهم في التعلق بصفاته سلوى، كما قال البوصيري:
فَتَنَزَّهَ فِي ذَاتِهِ وَمَعَانِيهِ ... اسْتِمَاعًا أَنْ عَزَّ مِنْهَا اجْتِلَاءُ (٣)
стр. 544
ولأجل هذا، تنافس السلفُ الصالح - الذين لم يشاهدوا ذاتَ النبي ﷺ أو لم تعلق تفاصيلُ صفاته المباركة بمخيلاتهم لصغر سنهم حين رأوه - دائبين على طلب تعرف صفاته عساهم أن يتلمَّحوا من تلك الصفات ملامحَ ذاته المباركة. فقد سأل الحسنُ والحسين ﵄ خالَهما هند بن أبي هالة (١) - وكان وصَّافًا - عن صفة رسول الله، وسأل الحسين أباه عليًّا ﵄، ثم حدث بها أخاه الحسن. (٢)
وقد استشعر مَنْ بقيَ من الصحابة أهميةَ جمع صفات رسول الله لِمَنْ يأتي من أمته، فظهر منهم حرصٌ على تحديث الناس بذلك، فكان أبو هريرة ﵁ إذا رأى أحدًا من الأعراب أو أحدًا لَمْ ير النبي ﷺ يقول له: ألا أصف لك النبي؟ ثم يفيض في وصف شمائله. (٣) وجاء رجلٌ من بني عامر إلى أبِي أمامة الباهلي فقال له: "يا أبا أمامة إنك رجلٌ عربِيٌّ إذا وصفتَ شيئًا شفيت منه، فصِفْ لِي رسولَ الله كأنِّي أراه"، فأفاض أبو أمامة في ذكر شمائله ﷺ . (٤) فصار مثل المسلمين في ذلك كمثل قول الشاعر [بشار]:
قَالُوا بِمَنْ لَا تَرَى تَهْذِي فَقُلْتُ لَهُمْ ... الأُذْنُ كَالعَيْنِ تُؤْتِي القَلْبَ مَا كَانَا (٥)
стр. 545
وإن محبة الذات تقتضي محبةَ ذكرِ صفاتها، كما أن محبةَ ذِكر الصفات تقتضي المحبةَ من صاحب الصفات، بما دل عليه حديثُ عائشة ﵂ في الصحيحين أن رجلًا كان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ "قل هو الله أحد"، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك"، فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن الله يحبه". (١)
ولقد يسر الله للمؤمنين أن ألْهَمهم البحثَ عن شمائل رسول الله قبل انقراض عصر الصحابة، ليبقى منها أثرٌ قائمٌ لِمَنْ يأتِي من المسلمين في سائر العصور والأجيال، يرد على قلوبهم روحًا يهب على لهيب أشواقهم إلى ذات نبيهم. فانبرى المسلمون في آخر عصر الصحابة إلى تقييد هذه الصفات المباركة، كما ينبئ بذلك وجدانُنا معظمَ أحاديث شمائله ﷺ مرويًّا عن المعمرين من الصحابة، مثل ما يُرْوَى عن أنس بن مالك وسهل بن سعد وأبي الطفيل عامر بن واثلة (٢) آخر أصحاب
стр. 546
رسول الله وفاة، أو عمن ثبتت لهم الصحبةُ بالمولد، الذين كان لهم بِخَاصَّةِ أصحاب رسول الله اتصال، مثل الحسن والحسين فيما روياه عن أبيهما كرم الله وجهه أو عن خالهما هند بن أبي هالة ﵃.
وقد كان أصحاب رسول الله إذا رأوا رجلًا يشبه رسول الله اهتزت أنفسهم إليه شوقًا إلى شبيهه، فقد كان أبو بكر إذا رأى الحسنَ بن علي ﵄ بعد وفاة رسول الله يقول: "بأبي شبيه بالنبي، ليس شبيه بعلي". (١) وكان كابس (٢) ابن ربيعة يشبه النبي ﷺ ، فكان أنس بن مالك إذا رآه بكى، وبلغ خبرُه إلى الخليفة معاوية ﵁ (وهو من أعرف الناس بصفة رسول الله إذ كان صاحبَه وصهرَه وكاتبَ وحيه)، فأرسل معاوية في أن يوجَّه إليه كابس من البصرة إلى دمشق. فلما دخل عليه قبَّل معاوية بين عيني كابس، وأقطعه قطيعة. وكانوا يُحصون الصحابةَ الذين يشبهون رسول الله في كثير من شمائله، ويحصون مَنْ كان يشبهه من التابعين، فمثلهم كمثل قول الشيخ ابن الفارض:
وَأَبِيتُ سَهْرَانًا أُمَثِّلُ طَيْفَهُ ... لِلْعَيْنِ كَيْ أَلْقَى خَيَالَ خَيَالِهِ (٣)
ثم انقرض عصرُ الصحابة، فغفل الناسُ عن معرفة مَنْ يشبه الذين يشبهون رسول الله؛ لأن المشابهة في ملامح الذات لا يتوسَّمُها إلا الذي عرف الذاتَ فتحصل له عند رؤية مُشابِهِ الذات لمحةٌ من طَلْعة الذات المشبَّه بها، فهناك يتوسم الذات اللائحة حتى يعرف من أين جاء الشبه فيصفه، وسنذكر أسماء من أحصيناهم من هؤلاء السادة في آخر هذا المقال.
стр. 547
الآثار المروية في الشمائل:
إن أحاديث الشمائل المحمدية الراجعة إلى صفة ذاته كثيرة تنتهي أسانيدها إلى ثلاثة وعشرين من الصحابة، وهم علي بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، عائشة، عبد الله بن عمر، أنس بن مالك، أبو هريرة، جابر بن عبد الله، البراء بن عازب، جابر بن سمرة، أبو أمامة الباهلي، جبير بن مطعم، أبو الطفيل، هند بن أبي هالة، عمرو بن أخطب، سلمان الفارسي، أبو سعيد الخدري، عبد الله بن سرجس، أم هاني بنت أبي طالب، أبو رِمْثة، (١) أم هلال أو أم بلال، (٢) عبد الله بن عباس، السائب بن يزيد، أم سعيد الخزاعية.
وقد رأيت أن أحذف أسانيدها، وأختصر ما ورد فيها مما به الحاجةُ ويسهل معه التوصيف، وأرتبه على مواضع الجسد، ولا أذكر إلا ما فيه صفةُ ذاتٍ من شأنها أن تُشاهَد، وأترك المكرَّر إلا ما في بعضه بيانٌ أو خلافٌ بالنسبة لبعض آخر، مع المحافظة على الألفاظ الواردة في الآثار. وإذا كان بعضُ ما وصفه به الواصفون يفسِّر البعضَ الآخر ذكرته بكلمة أي التفسيرية بدون وضع بين هلالين، وإذا كان التفسير من كلامي ذكرته بين هلالين.
стр. 548
تفصيل الشمائل:
١ - (عموم الجسم والقامة): ليس رسول الله بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد، وهو ربعة (متوسط الطول) إلى الطول أقرب، رجل بين الرجلين، بعيد ما بين المنكبين، جليل الكتد (مجمع الكتفين وهو الكاهل)، جليل المشاش (رؤوس المناكب)، ضخم العظام، ضخم الكراديس (رؤوس المفاصل)، فخم مفخم (ليس بنحيف ولا دقيق العظام)، ليس بالمطهم (الكثير اللحم)، ولما كبر بدن. بادن متماسك (غير مسترخي اللحم)، أجرد سائل الأطراف (غير قصير اليدين ولا الأصابع)، إذا مشى يتكفَّأ يتقلَّع (١) كأنما ينحط من صَبَب (مكان منحدر)، أو ينقلع من صخر كأنما يمشي في صعد، أسرع الناس مشية. لونه ليس بالأبيض الأمهق (الشديد البياض) ولا بالآدم (الأسمر)، أسمر اللون إلى البياض، أي: أبيض مُشْرَبٌ بحمرة، أزهر اللون أبيض كأنما صيغ من فضة، أنور المتجرد (ما تغطيه الثياب).
٢ - الرأس: عظيم الهامة، رجل الشعر، أي: ليس بالجعد القطط (الجعد الموصوف بالجعودة، وهي عسر ارتخاء الشعر والقطط (الشديد الجعود) ولا بالسبط (السبوطة ارتخاء الشعر بدون التواء)، وقيل سبط الشعر (فالمعنى أنه إلى السبوطة أقرب)، عظيم الجمة كان شعره فوق الوفرة ودون الجمة (الوفرة الشعر الواصل إلى شحمة الأذنين والجمة ما تدلَّى على المنكبين واللمة بينهما)، وقيل: كان ذا وفرة، أي: شعره إلى شحمة أذنيه، وقيل: كان ذا لمة (ولعلها أحوال) إن فرقت عقيقته (شعر الرأس) فرقه وإلا تركه، وكان يسدل شعره، وكان أهل الكتاب يسدلون، وكان المشركون يفرقون، وكان يحب موافقةَ أهل الكتاب، ثم فرق رأسه، وربما ضفره فقد دخل مكة يوم الفتح وله أربع ضفائر، وكان شعره أسود وفي صدغيه شيب قليل شعرات.
٣ - الوجه: في وجهه تدوير مع استطالة قليلة، لم يكن بالمكلثم (أي المدور
стр. 549
الوجه)، واسع الجبين صلت الجبين سهل الخدين (لا نتوء فيهما)، ولوجهه بريق كأن الشمس تجري في وجهه.
٤ - الأنف: أقْنَى العِرْنِين (أقنى طويل بدقة، والعرنين الأنف)، يحسبه من لم يتأمله أشم (الشمم استواء أعلى قصبة الأنف مع ارتفاع يسير في الأرنبة)، يُرى في أنفه بعض احديداب.
٥ - العينان: أكحل العينين أدعجهما (شديد سوادهما)، وقال جابر بن سمرة: "إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس أكحل"، أشكل (الشكل حمرة في بياض العين)، مشرب العينين حمرة، وقيل: أحور (شديد بياض أبيض العينين). [وقيل]: أَشْكَلُ (طويل شق العينين)، أهدب الأشفار (طويلها)، في أشفاره وَطَف (كثرة الشعر)، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء (إلى فوق)، جل نظره الملاحظة (حافظًا نظره).
٦ - الحاجبان: أزج الحواجب (دقيقهما مع تقوس)، سوابغ في غير قرن، وقيل: مقرون الحاجبين (أي يقربان من القرن)، بين حاجبيه عرق يدره الغضب.
٧ - الفم: ضليع الفم (واسعه) حسنه، مفلج الأسنان إذا تكلم رُئِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه، ضحِكُه تبسم، وربما ضحك حتى بدت نواجذُه.
٨ - الأذنان: تام الأذنين
٩ - اللحية والشارب: كثُّ اللحية (كثيرة الشعر)، قد ملأت نحرَه، سوداء اللون، فيها شيب شعرات في مقدمها من تحت الشفة السفلى، وكان يقص شاربه (من جهة الشفة).
١٠ - العنق: في عنقه سطع (بالتحريك ارتفاع)، كأن عنقه إبريق فضة، إذا التفت التفت جميعًا.
١١ - الصدر والبطن: سواء البطن والصدر، موصولٌ ما بين اللُّبة والسرة بشعر يجري كالخط، أشعر أعلى الصدر، ليس في بطنه وصدره شعر غير ذلك، دقيق
стр. 550
المسربة (بضم الراء الشعر الذي يكون من النحر إلى السرة)، عاري الثديين والبطن (من الشعر)، أجرد بطنه أبيض كالقراطيس المثنية بعضها على بعض.
١٢ - اليدان: أشعر الذراعين والمنكبين، طويل الزندين، عبل العضدين (ضخمهما)، شَثْنُ الكفين (غليظ فخم)، رحب الراحة، ضخم الكراديس (رؤوس العظام)، سائلُ الأطراف، ليِّنُ الكفَّين كالحرير. وروي أن سبابتيه أطول من الوُسْطَيَينْ وهو غلط، وإنما ذكر ذلك في سبابتي رجليه، كما سيأتي.
١٣ - الظهر: بين كتفيه في ظهره خاتم النبوة، وهو غدة، أي: بضعة ناشزة حمراء مثل زِرِّ الحَجَلة (الزر بزاي مكسورة ثم راء، قطعة من ثوب يحشى بصوف أو نحوه وتخاط فتكون كشكل البيضة يشد بها شقة أثواب الحَجَلة - بفتحتين - وهي البيت كالقبة بأن يُدْخَل الزر في عروة تقابله فتقع الشقة على الشقة).
١٤ - الرِّجلان: شَثْنُ القدمين، خَمصان الأخمصين (ضامر وسط القدمين)، مسيح القدمين أملسهما (لا نتوء فيهما ولا شقوق)، قليل لحم العقب، رحب القدمين، أي: ضخمهما، وكان في ساقيه حموشة (أي دقة) ولساقيه بريق. وروى أحمد بن حنبل والبيهقي حديث أن سبابتي ساقيه أطولُ من الوُسْطَيَيْن. (١) لكن في سنده سلمة بن حفص السعدي كان يضع الحديث، (٢) والصحيح أن ذلك لا أصلَ له، وأن خلق أعضاء رسول الله أحسن خلقة ﷺ .
стр. 551
من يشبه رسول الله ﷺ -؟
كان بعضُ الصحابة وبعض التابعين يشبه رسول الله ﷺ ، ولم يعد بعد التابعين أحدٌ يشبهه. وسبب ذلك أن أصحاب رسول الله الذين كانوا يرون شبيهَه في بعض الذوات قد انقرضوا في عصر التابعين فلم يبق مَنْ تلوح له ملامحُ ذات رسول الله في بعض الذين يشبهونه؛ لأن الشبه يحصل من مجموع صفاتٍ لا يتفطَّن لها إلا مَنْ يعرف المشبَّهَ به الموصوفَ بها. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن إبراهيم الخليل ﵇ هو شبيهُه من الأنبياء المتقدمين. (١)
وأما الذين يشبهون رسولَ الله من أمته فتسعةُ عشر أو عشرون وهم: ابنته فاطمة وابنه إبراهيم وجعفر بن أبي طالب - وقال له رسول الله: "أشبهت خَلْقِي وخُلُقي" (٢) -، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب أخو رسول الله من الرضاعة، وعثمان بن عفان، وقثم بن العباس، والحسن بن علي يشبه رسول الله في نصفه الأعلى، كان أبو بكر يلاطفه وهو صغير يقول له: "بأَبِي شبيهٌ بالنبي، ليس شبيه بعلي"، (٣) والحسين يشبهه في نصفه الأسفل. وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعون بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل الملقب بَبَّة، ومسلم بن معتب ابن أبي لهب، وعجير بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، وكابس بن ربيعة، والسائب بن
стр. 552
عبيد، وعبد الله بن عامر بن كريز العبشمي، وعبد الله بن أبي طلحة الخولاني، وكان كف علي بن أبي طالب يشبه بكف رسول الله.
فهؤلاء الذين بلغ بهم استقرائي لِمَنْ ذُكر أنه يُشبه رسولَ الله ﷺ ، وأن مشابهتهم إياه متفاوتة، وكلها لا تبلغ تمامَ شبهه. وهذا معنى قول علي ﵁ في حديث صفته: "يقول ناعتُه: لَمْ أر قبله ولا بعده مثلَه"، (١) وعليه يُحمل قولُ البوصيري ﵀:
مُنَزَّهٌ عَنْ شريكٍ فِي مَحَاسِنِهِ ... فَجوْهَرُ الْحُسْنِ فِيهِ غَيْرُ مُنْقَسِمِ (٢)
стр. 553
محمد ﷺ رسول الرحمة (١)
قضت الحكمةُ الإلهية أن الواردات اللدنية التي يريد الله إيصالَها إلى الموجودين من خلقه، إنما تَرِد إليهم بالكيفيات والأشكال التي ألفتها مداركُهم ليطيقوا تلقيَها والاستفادةَ منها؛ لأن استفادةَ القابل من المبدأ تتوقف على المناسبة بينهما. لذلك كانت المجرداتُ الملكية تتمثل في الأشكال الجسمانية عندما تظهر للرسل والأنبياء، كما ورد في تمثلهم لإبراهيم وللوط ﵉ في صورة الضيف، وتمثل ملك الموت لموسى ﵇ في صورة رجل، وتمثل الملائكة لداود ﵇ في صورة الخصمين.
ولذلك لمَّا أراد الله تعالى إرسالَ روحٍ منه إلى الناس كافة بالشريعة العظيمة العامة المهيمنة على ما سبقها، والقائل في شأنها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] فطر الحقيقةَ المحمدية نورًا خالصًا من الكدرات، وجعله منتقلًا في الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة بتدبير إلهي لا يعلمه إلا الذي قدر اصطفاءه في الأزل، إلى أن سَوَّاه بشرًا فأظهره مولودًا مباركًا. (٢)
فكانت تبدو عليه في أطواره كلها دلائلُ المخالفة والارتفاع على معتاد الأطفال ثم الصبيان ثم الفتيان، كما شهدت بذلك الآثارُ الصحيحة المبثوثة في كتب
стр. 554
السنة والسيرة البالغ مجموعُها مبلغَ التواتر المعنوي المفيد القطع بنتائج استقرائه، بحيث نحن في غُنية عن جلبها، إذ ليس هو الغرضَ من مقالنا هذا. وإنما أردنا أن نؤسِّسَ له ما نبني عليه جدرَ غرضنا الذي هو ذكرُ انتهائه ﷺ إلى طور بلوغ الأشد؛ فإن وقت انبثاق ذلك النور الذي أُودعت (١) فيه نفسُه الزكية إذ أوحى إليه الروح العظيم من أمر الله، كما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٧]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فلا جرم أن ذلك الروحَ الذي أُوحيَ إليه هو روح الرحمة للعالمين. إن لله تعالى الصفةَ الكبرى، وهي صفة الرحمة بخلقه، فلله إرادةُ الرحمة بخلقه، كما قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾ [الإسراء: ٦٦]. والرحمة اسم لانفعال نفساني يحصل لمن يعلم حاجة مخلوق ذي إدراك على الإسعاف بما ينفعه أو إلى إزالة ما يضره فينشأ عن ذلك الانفعال أثر، وهو إرادةُ صاحبه إيقاع ذلك الإسعاف أو تلك الإزالة بقدر الإمكان مع الحذر من إفضاء ذلك الإسعاف إلى حاجة أشد من التي رحم لأجلها.
والرحمة إذا وُصف بها اللهُ تعالى فإنما تُحمَل على أثر ذلك الانفعال؛ لاستحالة الانفعالات على الله تعالى، ولضيق اللغة عن الوفاء بصفات الله بالكنه. وقد دلنا على سعة تلك الصفة - أي سعة متعلقاتها بأن وصف نفسه العلية بوصفين مشتقين من مادتها جامعًا بينهما - قولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣]. (٢) وقد تعلقت
стр. 555
رحمته بهم تعلقين:
١ - تعلقًا مودَعًا في أصل التكوين، إذ جعل خلقهم على نظام ملائم لتكوينهم وبقاء أنواعهم واقتدارهم على دفع المهلكات والغوائل على حسب مقدار ما يقتضيه كلُّ نوع لحفظه من أضداده المخالطة له غالبًا. وهذه رحمةٌ مُودَعةٌ في أصل تكوين عالمهم ومظاهره الطبيعية، وفيما أوجده حولهم من القوى الطبيعية والموجودات الحيوانية والنباتية والمعدنية، وفي تكوينهم وسط ذلك تكوينًا يمكنهم من الانتفاع بآثار هذه الرحمة بما ألهمهم وأودع فيهم من الإرادة عند دعاء ضروراتهم وحاجاتهم. وهذه الرحمة هي المسماة أيضًا باللطف المشار إليها بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]، وبقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ [النازعات: ٣٣].
ومظهر هذا التعلُّق من الرحمة يبدو على الإنسان وعلى العجماوات بقانون وناموس متحد الماهية، وإن كانت ماهيتُه متفاوتةً في القوة بحسب تفاوت أصناف الحيوان في سعة الإلهام وتفاوت أفراد الصنف الواحد في أطوار نمائه الذاتي التابع للسن. وقد أفاض الله تلك القوى على مخلوقاته مقارِنةً لفيض وجودهم ونمائهم، ولم يبلغها إلى مخلوقاته تدريجًا في العصور. فإذا كان تدريج في آثاره، فذلك من اختلاف الحاجات إلى استعمال تلك القوى.
стр. 556
٢ - وتعلقًا ثانيًا خارجًا عن حدود التعلق الأول، وهو رحمتُهم بحفظ نظامهم الاجتماعي من أن يدخل عليه ما يفضي إلى اختلاله واضطرابه، بحيث يتسرب الانخرام إلى النوع تسربًا خفيًّا لا يُستشعر معه وجوبُ مدافعته. وذلك في أعمالهم التي أوكل التصرفَ فيها وتصريفها إلى كسبهم وقدرتهم، ووضع لهم منبع تصريفها، وهي العقول وسلامة أسباب الأعمال وآلاتها العقلية والجسمانية.
ولم يترك الله تعالى رحمتَه بهم في إقامة تدبير شؤونهم على نظام معصوم من الفساد والاضطراب، فأراد أن يوجِّه إليهم الإرشادَ فيما لا تصل مداركُهم إلى إدراك معموله أصلًا (مثل دقائق المصالح والمفاسد بالنسبة إلى البشر وكثير من الأشياء بالنسبة إلى العجماوات)، أو لا تبلغ مدى ما يفضي إليه من صلاح يلوح في صور مكروهة أو فساد يلوح في صورة محبوبة (وهذا بالنسبة إلى البشر خاصة)، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وما فيه كمال أحوالهم من مجتمعهم وتزكية نفوسهم تقريبًا لهم بالملأ الأعلى. وعظيمُ مظهر هذه الرحمة بادٍ في أحوال الإنسان، وما ينال العجماواتِ منه فإنما هو بواسطة الإنسان.
وكانت إفاضةُ هذه الرحمة على الناس إفاضةً متدرجة بحسب ما اقتضته حكمة الله تعالى من رعي أحوالهم وقابليتهم الصلاح، فساق إليهم الهدى على ألسنة الرسل تأصيلًا وتفريعًا في أطوار عديدة من تاريخ البشرية والحضارة إلى أن بلغت حكمةُ التدبير الإلَهِي بهم طورَ الكمال، هنالك أفاض عليهم الرحمة الكاملة قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
فبنا أن نتعرف كيف وصلت هذه الرحمةُ الكاملة العامة بأنواعها ومظاهرها إلى الإنسان - سلطان هذا العالم (١) - وكيف أبلغها الله إليهم ودلَّهم على أنه ساقها
стр. 557
إليهم من عوالمه اللدنية. لنتبين غرضنا من مقالنا نجد أعظم ما يبين لنا ذلك قولَه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فنرى أن ما سبق من الشرائع رسالةَ محمد ﷺ كان هديًا ونورًا، وذلك فيه رحمة. إلا أن الله ادخر وصفَ محمد ﷺ بالرحمة وبعمومها العالمين لمغزى دقيق، حيث لم تبلغ الرحمةُ من قبله الغايةَ التي أراد الله تأخيرها. فنعلم أن المراد أن رسالته امتازت بكمال الرحمة وأنه منح صفة الرحيم فبلغ كمالَ الرحمة البشرية، وذلك الكمال بوفرة الرحمة إلى الحد الأقصى المناسب الدال عليه التنكير في رحمة، وهو تنكير التعظيم بقرينة تخصيصه بالرسالة المحمدية أو لعمومها العالمين، كما دل عليه تعريفُ الاستغراق في العالمين فيستغرق كلَّ العالمين على اختلاف الاحتمال في معنى العالمين في هذه الآية كما سيأتي.
والاستثناء في قوله: "إلا رحمة" من عموم أحوال محمد ﷺ ، فرحمة حال من ضمير المخاطب فهو وصفٌ له. وكون الوصف بصيغة الصدر يفيد من المبالغة في كون الرحمة حالة متمكنة من خلقه ما يفيده حملُ الاسم على اسم آخر من معنى الاتحاد بين مدلولَيْ ذينك الاسمين، والمقصود أن إرساله مقارنٌ لشدة الرحمة وعمومها. ويدل لهذا المعنى قول النبي ﷺ : "إنما أنا رحمة مهداة"؛ (١) أي مهداة من
стр. 558
الله تعالى إلى الخلق. وهذا الإهداء هو سر معنى الإرسال في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، فافهم دقة سره. ومن مكمِّلات كون شريعته رحمة كاملة أن الله قدر أن تكون صفةُ المرسل بتلك الشريعة هي صفة الرحمة أيضًا.
وإذ قد كان أصلُ غرضنا الكلامَ على صفة رسول الله ﷺ بوصف الرحمة، فلنتبين مظهر تلك الرحمة في مقامين: مقام تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة ومقام إحاطة الرحمة بتصاريف شريعة كلها.
١ - فالمقام الأول عماده قوله تعالى في صفة النبي ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال أبو بكر محمد بن طاهر: (١) "زين الله محمدًا ﷺ بزينة الرحمة، فكان كونُه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق"؛ (٢) أي أن محمدًا ﷺ فُطِر على خلق الرحمة في سائر أحوال معاملته للأمة لتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليها من وحي الشريعة التي هي رحمة، حتى يكون تلقيه الشريعةَ عن انشراح وطمأنينة قلب؛ لأنه يجد ما يلقى إليه ملائمًا رغبتَه وخلقه.
ولذلك خص الله محمدًا ﷺ بوصف الرحيم، ولم يوصف به أحدٌ من أنبيائه ورسله، إذ قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: برحمة خلقك الله عليها لنت لهم، فمظهر رحمته الذاتية في معاملاته الناس في سائر أحوال المعاملة. فقد قالت عائشة ﵂: "ما انتقم رسول الله لنفسه"، وقالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا
стр. 559
اختار أيسرَهُما ما لم يكن إثمًا". (١)
وشواهدُ ذلك في سائر تصرفاته ﷺ ، ومن ذلك أنه لمَّا شُج وجهُه الشريف يومَ أحد شقَّ ذلك على أصحابه فقالوا لو دعوت عليهم فقال: "إنِّي لم أُبعث لَعَّانًا، وإنما بُعثت رحمة"، (٢) وما في الحديث الصحيح في غزوة ذات الرقاع أن رسول الله ﷺ كان نائمًا في القائلة تحت شجرة وسيفه معلق بها، فانتبه فوجد أعرابيًّا مشركًا اسمه غورث بن الحارث قائمًا عند رأسه والسيف مصلت في يده، فقال لرسول الله ﷺ : مَنْ يمنعك مني؟ فقال: الله، فسقط السيفُ من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله ﷺ وقال للأعرابي: "من يمنعك مني؟ " فقال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه. (٣)
وقد ثبت بمتواتر الأخبار رحمةُ رسول الله ﷺ وحلمُه في وقائع جمة مروية في كتب الصحيح والسيرة برواية جمع من الصحابة، مثل عمر وعلي وعائشة وأنس بن مالك وزيد بن أرقم وجابر بن عبد الله وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عمرو بن العاص وأُنيس الغفاري وهند بن أبي هالة وجرير بن عبد الله البجلي وأبي سعيد
стр. 560
الخدري وزيد بن سعنة. (١) وأعظم مظهر لرحمته ﷺ قوله: "لكل نبي دعوة مستجابة، وقد اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة". (٢) ولذلك خصه الله بالشفاعة في الخلق في عرصات القيامة تلك الشفاعة التي لم يقدم عليها من سئلها من المرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما ورد في حديث الشفاعة الصحيح. (٣)
[٢ - المقام الثاني: ] والآن وقد أتينا بلمحة دالة على مظهر الرحمة بما هي خلق النبي ﷺ ، فنحن نبين إلى جانب ذلك مظهرَ الرحمة في المقام الثاني. وهو مقام التشريع الذي جاء به النبي ﷺ ، أي ما فيه من مقوماتِ الرحمة العامة، فنعود إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فنجد قوله: "للعالمين" متعلِّقًا بقوله: "رحمة" لا محالة، وأن كلمة العالمين جمع يشمل كلَّ ما يصدق عليه اسم العالم بسبب ما دلت عليه لامُ التعريف من الاستغراق، أي عموم جميع الأنواع التي يصدق عليها اسم العالم، وأن إبراز ذلك الاسم المعرَّف باللام في صيغة الجمع قرينةٌ على أن التعريف باللام تعريفُ استغراق، وأن المراد هو العالَم بمعنى النوع من أنواع المخلوقات أو من أنواع
стр. 561
وأصناف ذوي العلم، بناءً على احتمالين في المراد من قوله تعالى "العالمين" ناشئين عن إطلاق اسم العالم مفردًا، مرةً على الكل المجموعي الذي يُعلم به الله تعالى، أي على جميع المخلوقات الدالة على وجود خالقها، ومرةً يُطلق على صنف من أصناف أولي العلم، أي المخلوقات أولِي العلم كالبشر والملائكة.
وبذلك كانت صيغةُ جمع العالمين محتمِلَةً لأَنْ يُرادَ بِها جميعُ أصناف أولي العلم، وأن يُرادَ بها جميعُ أصناف الموجودات. فعلى الاحتمال الأول، يختص لفظُ العالمين بالبشر المخاطَبين بالشريعة، فيكون الجمعُ فيه لتأكيد العموم. وعلى الاحتمال الثاني، لقصد أن يعم لفظُ العالمين سائرَ الموجودات، فيكون عمومًا على عموم.
فأما شُمولُه البشرَ فلأنهم المخاطَبُون بالشريعة، وأما شُموله العجماواتِ فلأن البشرَ مخاطَبون بالشريعة بالرحمة بهن، فكانت الشريعةُ رحمةً لهن. ويخرج ما عدا البشر والحيوان، إذ لا تُتصور فيه الرحمة، فيكون خروجُ بقية الأجناس تخصيصًا للعموم بدليل العقل.
وإذ قد تبين هذا، فمِمَّا لا شكَّ فيه أن الشرائعَ الإلهية التي قبل الإسلام مملوءةٌ رحمة، إلا أن الرحمة التي فيها غيرُ عامة، إما بسبب عدم تعلُّقِ بعضها بجميع أحوال المكلَّفين، مثل الحنيفية - شريعة إبراهيم ﵇ فهي شريعةُ رحمة خاصة بحالة النفس وليس فيها تشريع للأحوال العامة، وشريعة عيسى ﵇ قريبة من ذلك على شدة في بعض أحكامها.
وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدة اقتضتها حكمةُ الله تعالى في سياسة الأمم المشروعة لها، مثل شريعة التوراة فإنها شريعة واسعة تتعلق بأكثر أحوال الأفراد والجماعات، وهي رحمة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ [الأنعام: ١٥٤]؛ فإن كثيرًا من عقوبات أمتها جعلت في فرض أعمال شاقة على الأمة بتكليفها بفروض مستمرة، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ
стр. 562
أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، وقال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقال رسول الله ﷺ قصة البقرة: "لو ذَبَحُوا أيَّ بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". (١)
لا جرم أن الله اختص الشريعةَ الإسلامية بوصف الرحمة العامة، وقد أشار إلى ذلك قولُه تعالى خطابًا لموسى ﵇: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٦, ١٥٧].
ففي قوله: "وسعت كل شيء"، إشارةٌ إلى أن الكلام على رحمة عامة، وفي قوله "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي" تصريحٌ بأنها من خصوصيات الأمة الإسلامية. وكذلك قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]، تكملةٌ لذلك.
стр. 563
فالفرقُ بين شريعة الإسلام وبين غيرها من الشرائع أن الرحمة ملازمةٌ بها للناس في سائر أحوالهم، وأنها حاصلةٌ بها لسائر الخلق لا لأمة خاصة. وحكمةُ تمييز شريعة الإسلام بهذه الخصيصة أن حالةَ النفوس البشرية بعد ما مر عليها من الأطوار والعصور قد تهيأت لأن تُساس بالرحمة، وأن تدفع عنها المشقةُ، إلا بمقادير ضرورية لا تُقام المصلحةُ بدونها، وكلُّ ذلك رحمةٌ من الله تعالى بعباده في إقامتهم على مصالحهم.
فما في الشرائع الماضية من امتزاج الرحمة بالشدة، وما في شريعة الإسلام من تمحض الرحمة لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة. ولكن الله أسعد هذه الشريعةَ وصاحبَها وأمتها بمصادفتها للزمن الذي اقتضت حكمةُ الله في مراعاة تقويم البشر أن يكون التشريعُ لهم تشريعَ رحمةٍ إلى انقضاء العالم. وتلك مناسباتٌ مقدرة في الأزل، يظهر فيها ازدلاب (١) المقامات وتفاوت الكرامات.
من الأصول القطعية في الإسلام أن شريعةَ الإسلام أُقيمت على دعائم الرحمة والرفق واليسر، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ [النور: ١٤]. وقال النبي ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة". (٢)
стр. 564
إن رحمة الشريعة تظهر في تبليغها وفي تنفيذها، فالأول قد جاء منجَّمًا، والثاني قد جاء مدرجًا. وإليك شاهدًا على الأول، قالت عائشة ﵂: "إنما نزل أولَ ما نزل من القرآن سورةٌ من المفصل فيها ذكرُ الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناسُ إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أولَ شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر: ٤٦]، وما نزلت سورةُ البقرة والنساء إلا وأنا عنده". (١) و [إليك] شاهدًا على الثاني: التدرج في تحريم الخمر، فأول ما بدئ بذمِّ ما فيها من إثم في آية ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم نزول آية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم آية تحريم الخمر. (٢)
وقد اختصَّتْ شريعةُ الإسلام برحمةٍ كبرى في التشريع، وهي أن من أصولِها دعوةَ الأمة إلى النظر في أدلة العقيدة وعلل التشريع كل على حسب استعداده، وتدريب الأمة على ذلك. ولذلك لمَّا سأل سائلٌ رسولَ الله ﷺ عن لقطة ضالة الغنم
стр. 565
قال له: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، فسأله السائل عن ضالة الإبل، فغضب رسول الله ﷺ من سؤاله وقال له: "مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها وتشرب الماء، وترعى الشجر، حتى يأتيها ربُّها"، (١) فما كان غضبُه ﷺ إلا لأن دليلَ عدم التقاطها قائمٌ وعلته بينة.
وكان من أصول الشريعة في تشريع الأحكام مشروعيةُ الاجتهاد لعلماء الشريعة بنصِّ قول النبي ﷺ : "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". (٢)
أما أحكام الشريعة الإسلامية فتنقسم باعتبار أنواع متعلقاتها إلى أحكام:
أ - تتعلق بذات الفرد من الأمة، وهي أحكام العبادات والحدود. وأعظم ما في هذا النوع من الرحمة التوبة قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦].
ب - وأحكام تتعلق بأحوال الأفراد بعضهم مع بعض من حيث إنهم أفراد، وتلك أحكامُ المعاملات بإباحة التجارات والترغيب فيها، وأنواع التعاقد، والجنايات بدفع القسوة عن المظلوم، وفي آداب المعاشرة، وفيه قوله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم من في السماء". (٣) وهذا النوع من