← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأصناف ذوي العلم، بناءً على احتمالين في المراد من قوله تعالى "العالمين" ناشئين عن إطلاق اسم العالم مفردًا، مرةً على الكل المجموعي الذي يُعلم به الله تعالى، أي على جميع المخلوقات الدالة على وجود خالقها، ومرةً يُطلق على صنف من أصناف أولي العلم، أي المخلوقات أولِي العلم كالبشر والملائكة. وبذلك كانت صيغةُ جمع العالمين محتمِلَةً لأَنْ يُرادَ بِها جميعُ أصناف أولي العلم، وأن يُرادَ بها جميعُ أصناف الموجودات. فعلى الاحتمال الأول، يختص لفظُ العالمين بالبشر المخاطَبين بالشريعة، فيكون الجمعُ فيه لتأكيد العموم. وعلى الاحتمال الثاني، لقصد أن يعم لفظُ العالمين سائرَ الموجودات، فيكون عمومًا على عموم. فأما شُمولُه البشرَ فلأنهم المخاطَبُون بالشريعة، وأما شُموله العجماواتِ فلأن البشرَ مخاطَبون بالشريعة بالرحمة بهن، فكانت الشريعةُ رحمةً لهن. ويخرج ما عدا البشر والحيوان، إذ لا تُتصور فيه الرحمة، فيكون خروجُ بقية الأجناس تخصيصًا للعموم بدليل العقل. وإذ قد تبين هذا، فمِمَّا لا شكَّ فيه أن الشرائعَ الإلهية التي قبل الإسلام مملوءةٌ رحمة، إلا أن الرحمة التي فيها غيرُ عامة، إما بسبب عدم تعلُّقِ بعضها بجميع أحوال المكلَّفين، مثل الحنيفية - شريعة إبراهيم ﵇ فهي شريعةُ رحمة خاصة بحالة النفس وليس فيها تشريع للأحوال العامة، وشريعة عيسى ﵇ قريبة من ذلك على شدة في بعض أحكامها. وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدة اقتضتها حكمةُ الله تعالى في سياسة الأمم المشروعة لها، مثل شريعة التوراة فإنها شريعة واسعة تتعلق بأكثر أحوال الأفراد والجماعات، وهي رحمة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ [الأنعام: ١٥٤]؛ فإن كثيرًا من عقوبات أمتها جعلت في فرض أعمال شاقة على الأمة بتكليفها بفروض مستمرة، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ

стр. 562

أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، وقال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقال رسول الله ﷺ قصة البقرة: "لو ذَبَحُوا أيَّ بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". (١) لا جرم أن الله اختص الشريعةَ الإسلامية بوصف الرحمة العامة، وقد أشار إلى ذلك قولُه تعالى خطابًا لموسى ﵇: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٦, ١٥٧]. ففي قوله: "وسعت كل شيء"، إشارةٌ إلى أن الكلام على رحمة عامة، وفي قوله "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي" تصريحٌ بأنها من خصوصيات الأمة الإسلامية. وكذلك قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]، تكملةٌ لذلك.

стр. 563

فالفرقُ بين شريعة الإسلام وبين غيرها من الشرائع أن الرحمة ملازمةٌ بها للناس في سائر أحوالهم، وأنها حاصلةٌ بها لسائر الخلق لا لأمة خاصة. وحكمةُ تمييز شريعة الإسلام بهذه الخصيصة أن حالةَ النفوس البشرية بعد ما مر عليها من الأطوار والعصور قد تهيأت لأن تُساس بالرحمة، وأن تدفع عنها المشقةُ، إلا بمقادير ضرورية لا تُقام المصلحةُ بدونها، وكلُّ ذلك رحمةٌ من الله تعالى بعباده في إقامتهم على مصالحهم. فما في الشرائع الماضية من امتزاج الرحمة بالشدة، وما في شريعة الإسلام من تمحض الرحمة لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة. ولكن الله أسعد هذه الشريعةَ وصاحبَها وأمتها بمصادفتها للزمن الذي اقتضت حكمةُ الله في مراعاة تقويم البشر أن يكون التشريعُ لهم تشريعَ رحمةٍ إلى انقضاء العالم. وتلك مناسباتٌ مقدرة في الأزل، يظهر فيها ازدلاب (١) المقامات وتفاوت الكرامات. من الأصول القطعية في الإسلام أن شريعةَ الإسلام أُقيمت على دعائم الرحمة والرفق واليسر، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ [النور: ١٤]. وقال النبي ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة". (٢)

стр. 564

إن رحمة الشريعة تظهر في تبليغها وفي تنفيذها، فالأول قد جاء منجَّمًا، والثاني قد جاء مدرجًا. وإليك شاهدًا على الأول، قالت عائشة ﵂: "إنما نزل أولَ ما نزل من القرآن سورةٌ من المفصل فيها ذكرُ الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناسُ إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أولَ شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر: ٤٦]، وما نزلت سورةُ البقرة والنساء إلا وأنا عنده". (١) و [إليك] شاهدًا على الثاني: التدرج في تحريم الخمر، فأول ما بدئ بذمِّ ما فيها من إثم في آية ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم نزول آية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم آية تحريم الخمر. (٢) وقد اختصَّتْ شريعةُ الإسلام برحمةٍ كبرى في التشريع، وهي أن من أصولِها دعوةَ الأمة إلى النظر في أدلة العقيدة وعلل التشريع كل على حسب استعداده، وتدريب الأمة على ذلك. ولذلك لمَّا سأل سائلٌ رسولَ الله ﷺ عن لقطة ضالة الغنم

стр. 565

قال له: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، فسأله السائل عن ضالة الإبل، فغضب رسول الله ﷺ من سؤاله وقال له: "مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها وتشرب الماء، وترعى الشجر، حتى يأتيها ربُّها"، (١) فما كان غضبُه ﷺ إلا لأن دليلَ عدم التقاطها قائمٌ وعلته بينة. وكان من أصول الشريعة في تشريع الأحكام مشروعيةُ الاجتهاد لعلماء الشريعة بنصِّ قول النبي ﷺ : "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". (٢) أما أحكام الشريعة الإسلامية فتنقسم باعتبار أنواع متعلقاتها إلى أحكام: أ - تتعلق بذات الفرد من الأمة، وهي أحكام العبادات والحدود. وأعظم ما في هذا النوع من الرحمة التوبة قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦]. ب - وأحكام تتعلق بأحوال الأفراد بعضهم مع بعض من حيث إنهم أفراد، وتلك أحكامُ المعاملات بإباحة التجارات والترغيب فيها، وأنواع التعاقد، والجنايات بدفع القسوة عن المظلوم، وفي آداب المعاشرة، وفيه قوله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم من في السماء". (٣) وهذا النوع من

стр. 566

الأحكام يندرج تحت قاعدة العدل والإحسان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. جـ - وإلى أحكام تتعلق بالمجتمع الإسلامي بقطع النظر عن الأفراد، وهذه تحت قواعد الأخوة والمواساة وسياسة الأمة. وهي في جميع هذه الأنواع مثالُ الرحمة، بحيث لا تسلك مسلكَ الشدة إلا لضرورةِ دفع الأضرار عن أن تتخلل جامعةَ الأمة من أفرادها أو من كيانها الاجتماعي. فمن أحوال التشريع قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، و [قاعدة] "إذا اجتمع ضرران ينفى الأكبر بالأصغر"، وذلك رحمة بالجمهور، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ومن أصول التشريع قاعدة "المشقة تجلب التيسير". د - وإلى أحكام تتعلق بالمجتمع البشري كله وتلك أحكام الدعوة إلى الإسلام والجهاد والعهد والصلح والجزية والعفو عن الأسرى أو الفداء. ومن أكبر أصولها أصل جلب المصالح ودرء المفاسد في ضروريات الأمة وحاجياتها وتحسيناتها. هـ - وأحكام تتعلق بالمخلوقات المحتاجة إلى الرحمة من الحيوان، فالمؤذي منها يُزال وغير المؤذي يجوز الانتفاعُ بالمقدار المنتفع به منه، ولا يجوز ما دون ذلك. ولذلك كُرِه الصيدُ للهو، وحرم تعذيب الحيوان لغير أكله، وعُدَّ سباقُ الخيل رخصةً مستثناة من قاعدة تحريم التعذيب. وفي الحديث: "إن الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، ولْيُرِحْ ذبيحته". (١)

стр. 567

وجاء الوعيدُ على تعذيب الحيوان والمثلة به، ففي حديث ابن عمرو وابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن تُصْبَر بهيمةٌ أو طائر للرمي، (١) وزاد ابن عمر أن النبي ﷺ لعن مَنْ يفعل ذلك. (٢) وفي حديث الموطأ أن الله غفر لامرأة مومسة؛ لأنها رأت كلبًا يلهث من العطش، فخلعت خُفَّها وأدلته إلى بئر، وسقت الكلب، فغفر الله لها. (٣) وفي الحديث الصحيح: "دخلت امرأةٌ النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض". (٤) وتفاصيلُ الأحكام كثيرة، وشواهدُها غزيرة، وليس غرضُنا الآن تفصيلُها؛ لأنه مما يضيق عنه المقال، واللمحة تدل كلَّ ذي بال.

стр. 568

إعراض الرسول ﷺ عن الاهتمام بتناول الطعام (١) مِمَّا يمر بمزاوِل السيرة النبوية والمغترم بتقصِّي الآثار المحمدية أن يجدَ في "كتاب الشمائل" للترمذي وغيره صفةَ عيش رسول الله ﷺ في بيته وعيش أزواجه أمهات المؤمنين، ويمر به في كتب الحديث حديثُ عائشة ﵂: "ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض"، (٢) وقولها: "نمكث شهرًا ما نستوقد نارًا، إن هو إلا الماء والتمر". (٣) وقد رأيتُ بعضَ المؤمنين يعتوره في هذا المقام هاجسٌ وحيرة فيقول: كيف قتر الله على رسوله الرزق؟ والبعض يقول: إذا كان ذلك لحكمة في سيرة الرسول لعظمة زهده في متاع الدنيا، ولقوة صبره على لأوائها، فلماذا لم يُرزق أزواجُه ما فيه كفايةٌ لهن ولم يكن لهن من المرتبة ما يبلغن به مرتبةَ الرسول فيساوينه فيما هو من دلائل علوّ الهمة في الإعراض عن الدنيا، فيكرب وتضيق نفسه؟

стр. 569

وقد رأيتُ في كلام بعض السلف ﵏ ما يوهم تطرقَ مثل هذا الخاطر، كما رُوي عن النعمان بن بشير أنه قال: "ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيتُ نبيَّكم وما يجد من الدَّقَل ما يملأ بطنه". (١) وعن عبد الرحمن بن عوف أنه أُتِيَ يومًا بصفحة فيها خبزٌ ولحم، فلما وُضعت بين يديه بكى، فقال له بعض أصحابه: ما يبكيك؟ فقال: توُفّي رسول الله ولم يشبع هو وأهلُ بيته من خبز الشعير، فلا أُرانا أُخِّرنا لما هو خير لنا". (٢) وعن عائشة ﵂ أنها قالت: "ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت، فقيل لها: لم ذلك؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله ﷺ الدنيا، والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم"، (٣) ونحو هذا من الآثار. فرأيت أن هذا الموضوع مما يتعين تحقيقه في السيرة النبوية، ليكون أهل العلم على بصيرة في هذا الباب، وليزداد المؤمن إيمانًا ولا يرتاب. الطعام مادة جسدية ولذة حيوانية: اعلم أن للناس في تناول الطعام ثلاثة أحوال: حالة النهم، وحالة الاعتدل، وحالة الإقلال. وتناول الطعام ليس من المحامد في ذاته، وإنما هو شيء أودعه الله في جبلة الحيوان ليحصل به خلف ما يضيع من القوى بسبب حركة الدماغ وحركة الأعضاء. وقد جعل الله في تناوله التذاذًا؛ لأن فيه زوال ألم الجوع، لطفًا منه تعالى بخلقه حيث أوجد فيهم دواعي ذاتية لتحصيل ما فيه بقاء الهياكل وبقاء النوع،

стр. 570

وحكمة منه تعالى حتى لا يحتاج الحيوان إلى أمر ونهي يحملانه على تبادل (١) ما فيه بقاؤه. فمن عرف حكمة الله في ذلك، علم أن الأكل لإقامة قوام الحياة وبقاء الهيكل والنوع، ومن لم يعرف ذلك سعى إليه لما فيه من اللذة أو الخلاص من الألم غير عالم بما في ذلك من المصلحة والحكمة، فحصلت الحكمة على غفلة منه، فهو يسعى لخير عظيم ولا يدري، ولذلك قال الحكيم لبعض الأغمار: أنت تعيش لتأكل، وأنا آكل لأعيش. قال عياض في الشفاء: "لم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلة الطعام وتذم كثرته؛ لأن كثرة الأكل دليل على النهم والحرص وغلبة الشهوة، جالب لأدواء الجسد وخثارة النفس، وقلته دليل على القناعة وملك النفس وقمع الشهوة، مسبب للصحة وصفاء الخاطر وحدة الذهن، وفي الحديث: "ما ملأ ابن آدم وعاءً قط شرًّا من بطنه، حَسْبُ ابن آدم آكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه". (٢) ثم إن بين الأمم في حال تناول الطعام تفاوتًا بحسب توزع اهتمام الهمم نحو تناول الملاهي واللذات الدنيوية، وما للنفوس من إجمام وإقلاع كما يقول المثل: "كل امرئ يأكل زاده". والعرب كانوا أقلَّ الناس عنايةً بالطعام؛ لأن همتهم كانت منصرفةً إلى الفروسية والنساء والشراب والميسر. وربما كانوا يعدون الأكل من اللذات التي تنبو عنها المروءة، فكانوا يتركون مآكل كثيرة. وربما يروا بأكل ما يسيل من الفم، كما عيروا قريشًا بأكل السخينة، (٣) حتى بلغ الأمر ببعض أهل المروءة منهم أنه تغدى على حافة غدير ماء فحانت منه التفاتةٌ إلى الغدير فرأى هيئة الآكل في الغدير، فاشمأز من ذلك المرأى وترك الأكل حتى مات جوعًا. وقد قالت

стр. 571

عائشة في حديثها: "وكان النساء يومئذ خفيفاتٍ لم يثقلهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقة (١) من الطعام". (٢) ولقد بُعث رسول الله ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، فكان مفطورًا على ما فُطر عليه قومه من قلة الطعام وقلة الاحتفاء به، فلا جرم أن كان في نبوته يزيد اقترابًا من هذا الخلق الجليل، ولقد رُوي عنه أنه كان يعجبه قولُ عنترة: وَلَقَدْ أَبِيتُ عَلَى الطَّوَى وَأَظَلُّهُ ... كَيْمَا أَنَالَ بِهِ لَذِيذَ المَأْكَلِ (٣) فقال: "ما وُصِفَ لِي أعرابِيٌّ فأحببت أن أراه إلا عنترة" لقوله: "ولقد أبيت على الطوى" إلخ. (٤) هذا وأراد عنترة بقوله: "لذيذ المأكل" قضاء أوطاره التي تتوجه إليها همته، على طريق المشاكلة. المدد الروحاني: إن لرسول الله ﷺ قوتين: قوة ملكية وهي الغالبة عليه، وهي قوة الروح المشبعة بالنبوة المزال منها حظوظ الشيطان، كما أنبأ عنها حديث شق صدره الشريف وإزالة المضغة التي هي حظ الشيطان منه، وقوة بشرية وهي قوة جبلته وفطرته التي فطره الله عليها بشرًا سويًّا وهي أضعف قوتيه. وإن شئت فقل: إن القوة الأولى هي القوة المجددة عليه بالنبوة والمتزايدة في مراقي الرفعة، والقوة الثانية هي البقية الباقية من الفطرة التي أذابتها أشعة النبوة فلم تبق منها إلا ما تتوقف سلامة الهيكل الإنساني عليه بحسب الفطرة التي اقتضتها حكمة الله في تركيب المزاج، بقاعدة "لا تبديل لخلق الله"، بحيث لو أنزلت إلى ما دونها لاضمحل منه

стр. 572

الهيكل الإنساني فذهب المقصود من بعثته رسولًا بشيرًا، ليكون إبلاغ مراد الله إلى الخلق بواسطة لها اتصال بعالم البشر المبلغ لهم، واتصال بعالم الملك الذي منه التلقي: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٥]، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩]. وهذا السر الإلهي قد عبر عنه بعضُ الحكماء المتألهين بقوله: "استفادة القابل من المبدأ تتوقف على المناسبة بينهما". ولكلتا القوتين شعار ومدد، وإمداد كلتا القوتين يكسبها شدة، فكان رسول الله ﷺ لأجل رجحان قوته الملكية على قوته البشرية يمد الله تلك القوة بما يكسبها تزكية وإشعاعًا، وذلك بإفاضة الأنوار القدسية كل آن على الروح المحمدية. وكان رسول الله ﷺ مأمورًا بأن يتطلب إمدادًا من قبل ربه، ويجاهد في تحصيله بقيام الليل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾ [المزمل: ١ - ٣]، وبالصيام ووصاله وبالاستغفار، ففي الحديث: "إني ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة"، (١) وبمجاهدة النفس. وكان لأجل بشريته يتنوال من شؤون الحياة ما هو سبب لاسبقاء الهيكل من لازم الطعام والشراب والنوم، وهو في تناوله ذلك لا يجانب مشايعة التكميل الروحاني، فالطعام يتناول منه قليلًا، ولذلك يكثر الصوم ويواصل الصوم، وقد نهى أصحابه عن مواصلة الصوم فقالوا: إنك تواصل، فقال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربِّي ويسقيني"، (٢) فأعلمنا أن لذاته إمدادًا إلهيًّا في حفظ مزاجها؛

стр. 573

لأن المقدار الذي يستمده الرسول لها غير كاف وحده لاستبقائها، وأن الله فطر ذاته على أنها تتغذى غذاءً غير متعارف. وكذلك حال نومه كان كما قال في الحديث الصحيح: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي". (١) فالزهد في الحظوظ الدنيوية المحضة هو مقام الرسول ﷺ ، ففي الصحيح عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما لي وللدنيا"، وفي ذلك قصة. (٢) وفي الصحيح عن حفصة أم المؤمنين ﵂ قالت: "كان فراش رسول الله ﷺ مسحًا (٣) نثنيه له ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات لكان أوطأ له فثنيناه بأربع ثنيات فلما أصبح قال: "ما فرشتموني الليلة؟ "، قالت: قلنا: هو فراشك إلا أنا ثنيناه أربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: "ردوه لحاله الأولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة"، (٤) يعني صلاة آخر الليل النافلة.

стр. 574

من أجل هذا لم يكن لرسول الله ﷺ تعلق بلذائذ الحياة الدنيا، ولذلك قال في الحديث الصحيح: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، (١) وجعلت قرة عيني في الصلاة". (٢) ولذة النساء ولذة الطيب لذتان تُفضيان إلى كمالات روحانية، فقرب النساء فيه تكميلُ الملكية بتهذيب القوة الحيوانية ليصفوَ ما في النفس من الكدر فتتغلب القوة الملكية؛ لأن الله أعطى رسوله ﷺ قوة زائدة، كما ورد في حديث أنس البخاري: "كنا نتحدث أن رسول الله ﷺ أُعطي قوة ثلاثين رجلًا". (٣) وحكمةُ خلق هاته القوة في جسده الشريف أن تكون تلك تلك القوةُ غير المعتادة مناسِبةً لأَنْ تَحُلَّ فيه روحٌ ملكية غير معتادة؛ لأن بين إمداد قوى الجسد وقابلية القوة الروحية ملابسةً وثيقة. وكما أن القوى الجسدية تمد القوة الروحية بما تحتاجه كذلك تمد الهيكل البشري بقوى زائدة؛ لأن شأن المادة الجسدية أن تكون أوزاعًا بين ما يحتوي عليه الجسم الروحاني من الجهاز الملائكي الذي يوقده ويشعه العقل الذي مقره القلب والدماغ، ومن الجهاز الجثماني الذي به حفظ بقاء الهيكل المحتوي على العقل الموقد

стр. 575

للروح الملكي، فلقاء نسائه ﷺ ترويحٌ للقوة الملكية وتهذيب للقوة البشرية، فهو إذن بمنزلة الأجزاء التي تمزج بها الأدوية لتعدل ما في العقاقير من الحدة. فالتطيُّب يحصل بما تشتمل عليه العقاقير من التأثير في مقاومة انحراف الأمزجة، والأجزاء المعدلة تدفع ما تحدثه تلك العقاقير من منافرات المزاج، وتسمى تلك الأجزاء في عالم الطب بالمصلحات. فهذا تقريب هذا السر الإلهي إلى الأفهام. وأما الطيب فلأنه ينعش الروح ويفيض المشاعر العقلية، فهو ملائم للملكية. وقد قال رسول الله ﷺ في ضد ذلك للرجل الذي عرض عليه أن يأكل بصلًا فأبى النبي، فظن الرجل أنه حرام، فقال له رسول الله ﷺ : "إني أناجي من لا تناجي"، يعني الملائكة. (١) جوع الرسول ﷺ [والحكمة منه]: ١ - قال الحكيم شهاب الدين السهروردي في هياكل النور: "النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، (٢) وإنما يشغلها عن عالمها [هذه] القوى البدنية (ومشاغلتها)، فإذا قويت النفسُ بالفضائل الروحانية وضعف سلطانُ القوى البدنية [وغلَبتها]، بتقليل الطعام وتكثير السهر، تتخلص أحيانًا إلى عالم القدس، [وتتصل بأبيها المقدس] وتتلقى منه المعارف، وتتصل بالنفوس الفلكية [العالمة بحركاته وبلوازم

стр. 576

حركاتها] وتتلقى منها المغيبات في نومها ويقظتها". (١) وحكماء الإشراق يجعلون ذلك من الرياضة النفسية، ويجعلونها من وسائل إشراق النفس وانكشاف الحقائق لها. وقد تقرر من أصول الدين أن النبوة لا تحصل بالاكتساب، وإنما هي محض فضل من الله، لكن ذلك لا يمنع من إثبات إنباء الله تعالى أنبياءه ورسله بسلوك طرائق تعين نفوسهم على تلقي ذلك العبء الجليل ودوام تحمله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. فلجوع رسول الله حكم وأسرار خفية، قد من الله علينا بمعرفة قليل من كثيرها. وأول تلك الحكم ما كنت أذكره آنفًا. ٢ - وثَم حكمة أخرى، وهي تقلل رسول الله من الحظوظ الدنيوية لتقوى الهمةُ الروحية بمقدار ضعف التعلق بالشهوات الجسدية. ومن هذا المعنى ما ثبت في الآثار أن رسول الله ﷺ كان في صدر البعثة وهو بمكة يخرج مع أصحابه القليلين يومئذ سائحًا في البريَّة ابتعادًا بأسماعهم وأبصارهم عن أن يتعلق بها آثار الشرك، ليزداد تفرغ أتباعه لتلقي أنوار الإيمان في قلوبهم وانقطاعًا عن حظوظهم الدنيوية التي يتركونها في منازلهم اختيارًا، بإرشاد هاديهم الأكبر ﵇. وكان الرسول وأصحابه يتركون تناولَ معتاد الطعام انتقالًا من طاعة إلى طاعة لتتزين نفوسهم بأصناف الطاعات. ففي الصحيح عن عتبة بن غزوان ﵁ قال: "لقد رأيتُني وإني لسابع سبعة مع رسول الله ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا، فالتقطت بردة (٢)

стр. 577

فقسمتها بيني وبين سبعة فما منا من أولئك السبعة أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار". وفي حديث أنس بن مالك قال رسول الله: "لقد أخفتُ في الله وما يُخاف أحد، ولقد أُوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علَيَّ من بين ليلة ويوم ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال"، أي قليل من طعام يوضع وعاؤه تحت إبط الرجل. ٣ - وحكمة أخرى لها غاية نفسانية، وهي أن شريف الخصال التي بها غذاء الأرواح وارتقاؤها إلى معارج الكمال ورفع أعلى الدرجات في الآخرة عديدة متنوعة، ولكل خصلة منها آثار نورانية وتنعمات روحانية تخالف ما لخصال أخرى مثلها. ولخصلة الصبر أيضًا أنوار تخالف غيرها، فكان من تمام نعمة الله على عبده ورسوله أن يسر له تلك الخصال كلها حتى يكون سيد الكاملين في جمع مراتب الكمال في الدنيا والآخرة. فكما أناله من خيرات نعمة الشكر أعظمها، أناله من خيرات نعمة الصبر أشرفها. وعندي أن هذا الملحظ هو مغزى ما روى الترمذي عن أبي أمامة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إني عُرض علي أن تُجعل لِي بطحاءُ مكة ذهبًا فقلت: لا يا رب، أجوع يومًا وأشبع يومًا، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأُثنِي عليك". (١)

стр. 578

٤ - وحكمة رابعة، وهي أن فريقًا من المسلمين كانوا فقراء لا يجدون سعة في العيش، فكان من رفق رسول الله بهم أن لا يكون أوسع عيشًا منهم. ففي الصحيح عن أبي طلحة الأنصاري: "شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين". (١) فهذا يدل على أنه شد بحجرين؛ لأن مدة جوعه كانت أطولَ من مدتهم، وشد الحجر على بطنه الشريف لدفع ما يحدثه الجوع من ألم؛ لأن البطن إذا خلت تطلبت ما تعتاده من الغذاء، فيكون شد الحجر عليها دفعًا لحركة الجهاز الهضمي التي أودعها الله في الجهاز عند احتياج الجسم إلى الغذاء. والمقصود من إظهاره ذلك لهم تربيتهم على الصبر وقلة الشكوى مما يلم بهم في جنب الله تعالى. ٥ - وحكمة خامسة، وهي أن رسول الله ﷺ قد كان مأمورًا بمجاهدة المشركين الذين قاموا في وجه الدعوة وراموا صدها بالقوة والسيف، وهم أهل مكة وبقية من استجاب لتأييدهم. وكان رسول الله ﷺ وأصحابه في قلة عددهم أمامهم، فكان من حكمة الله في سيرة رسول الله في عيشه أن يكون في ذلك قدوةً لأصحابه حتى يكونوا أهلَ مصابرة على لأواء الحروب. فلذلك كانوا يطيقون في الغزوات الصبر عن الطعام، ففي الصحيح عن سعد بن أبي وقاص: "لقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد ما نأكل إلا ورق الشجر الْحُبلة (٢) حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة أو البعير". (٣)

стр. 579

وخلاصةُ الأمر أن جوعَ النبي ﷺ لم يكن عن خصاصة، ولا يلحقه من جرائه أسف ولا تعب. ولو كان ذلك عن خصاصة لما دام عليه الرسولُ إلى آخر عمره، وقد فتح الله له الفتوح بعد الهجرة وفاضت الأموال في آخر حياته. فقد فُتحت خيبر سنة سبع، وكانت بلاد نخيل كثير، فكان لرسول الله منها الخمس وقد شارط اليهود أن يعملوا في نخيلها ويزرعوا من أرضها ولهم نصفُ ما يخرج منها من ثمر أو زرع. وفتحت فدك بدون قتال فكانت فيئًا، لرسول الله من ذلك الخمس. فما كان رسول الله يتوسع في عيشه بعد هذا الثراء الواسع، بل الذي ثبت غير ما حديث من الصحاح أن رسول الله ما استبدل حالة عيشه حتى توفاه الله تعالى، وما يقتني إلا تمرًا وشعيرًا، وكان يبث ما عدا ذلك في الأقربين من المهاجرين واليتامى وعدد [من] المسلمين. وأوضحُ الآثار في ذلك ما ورد في الصحيحين عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: "انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وسعد والزبير وعبد الرحمن؟ قال: نعم، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاء يرفأ فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم، فدخلا، فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا. فتكلم عمر كلامًا طويلًا جاء فيه: إن الله قد كان خص لرسوله في هذا الفيء شيئًا لم يعطه أحدًا غيره، فقال جل وعز: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر: ٧]، فكانت خالصةً لرسول الله، ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم. لقد أعطاكموها، وبثها حتى بقي منها هذا المال، فكان رسولُ الله ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي

стр. 580

فيجعله مَجْعَلَ مال الله، فجعل بذلك رسول الله حياته"، ثم التفت إلى النفر الحاضرين فقال: أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم"، إلخ. (١) فلو كان القصد في عيش رسول الله عن خصاصة أو حاجة، لكان قد عاش أربم سنين من بقية عمره في سعة ورفاهية عيش؛ إذ ما كان يعوزه من ذلك شيء، وقد رأيت أن عمر بن الخطاب قال: "فكان رسولُ الله ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته"، فسمى ذلك التمر والشعير نفقة رسول الله لسنته؛ لأن ذلك عيشه المعروف. توجع بعض السلف عند ذكر ذلك: أما توجع بعضِ السلف لذلك وكمده عند ذكراه، فهو واردٌ على أنحاء. منها أن بعضهم قد ينفعل بمشاهدة حالة اعتادت النفوسُ أن تتأثر لمثلها، فيسبق من نفسه ذلك الانفعال المعتاد إذ يريد التحقق في معرفة حكمته ثم يزول ذلك بالتذكير أو بالتذكر، ويكون ذلك سببًا لإدراكه حقيقة الكمال بإرشاد الرسول أو بتفطن نفوسهم للغاية السامية ما يزيد نفوسهم ارتقاءً في المعارف. ونحو هذا ما ورد في الصحيح عن عمر بن الخطاب في حديث الإيلاء وكيف دخل عمر على رسول الله ﷺ والرسول في مشربة وهو مضطجع على سرير مرمل قد أثر رُمال السرير (٢) في جنبه، قال عمر: فقلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم وسع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فقال له رسول الله ﷺ : "أوَفِي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"". (٣)

стр. 581

ومن تلك الأنحاء ما هو تذكر للحالة التي فارق عليها رسول الله ﷺ الدنيا، وخشيتهم أن يكون تغير حالهم إلى الرفاهية يبعد بهم عن مقامات الكمال التي ألفوها من أفضل الناس. ومن هذا النحو حديث عبد الرحمن بن عوف وحديث عائشة اللذين تقدما في طالع هذه المحاضرة. ومن تلك الأنحاء نحو قصد بأهله تذكير المسلمين بنعمة الله ببسط الرزق لهم، إذ كانت مراتبهم في التعلق بالدنيا لم تبلغ مراتب أصحاب رسول الله بله رسول الله نفسه ﷺ ، أو قصدوا به موعظة أنفسهم، أو تذكر نعم الله عليهم. ومن هذا النحو حديث النعمان بن بشير المتقدم: "ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه". (١) ومنه حديث أبي هريرة أنه تمخط في ثوب ممشق من كتان ثم قال: "بخ بخ، يتمخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما منبر رسول الله وحجرة عائشة فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي جنونًا وما بي جنون وما هو إلا الجوع". (٢) وربما عرضت لبعض الناس حين المرور على هذه الآثار من السيرة النبوية انفعالات شفقة، فذلك ناشئ عن قلة تدبر في حال زهد رسول الله ﷺ وعن اشتباه لهم في مراقي روحه الزكية في معارج الكمال والإعراض عن الحظوظ العاجلة، فيخالونها حرمانًا أو نحوه تخيلًا مثله لهم ما ألفوه في إحساس عامة الناس من

стр. 582

الضعف والخناعة عندما يحرمون شهواتهم ولذاتهم، فالواجب عليهم في هذا المقام التدبر والاستهداء بأهل العلم ليفهموا غاية هذا المعنى، وأرى أن معظم الصحابة لم يكن يخفى عنه ما في إعراض الرسول عن الاهتمام بالطعام من الحكم، ولولا ذلك لما قصرت كثرتهم ووفرة أموالهم عن إمداد بيت رسول الله بخيرات أموالهم، ولم ينقل إلينا أن ذلك كان يحصل منهم إنما كانوا يهدون إليه طرفًا من باكورة الثمار أو من عسل ونحوه في مناسبات قليلة، وكان رسول الله ﷺ بدعوته إلى الطعام، كما ورد في حديث أبي شعيب الأنصاري إذ دعا رسول الله في خمسة من أصحابه فجاءه رسول الله بعدد كثير، وبارك الله في الطعام فكانت معجزة. تنافس آل النبي ﷺ وأصحابه في الاقتداء به: كان آل رسول الله ﷺ وأصحابه أشد الناس حرصًا على الاقتداء به في الكمال، وأشدُّ الناس قربًا إليه أشدهم اقتداءً به. وقد كان ﷺ يحمل أقرب الناس إليه على ذلك، ففي البخاري أن النبي ﷺ أتى بيت فاطمة ابنته فلم يدخل فجاء علي فذكرت فاطمة ذلك له فذكره علي للنبي ﷺ فقال: "إني رأيت على بابها سترًا موشيًّا فقلت ما لي وللدنيا"، فأخبر علي فاطمة فقالت ليأمرني فيه بما شاء، فقال الرسول: "ترسل به إلى فلان أهل بيت بهم حاجة"، (١) فكرهه لابنته ولم يكرهه للذين أرسل إليهم. وفي البخاري وغيره عن علي أن فاطمة ﵂ بلغها أن رسول الله ﷺ أتي برقيق، فجاءته تشكو ما تلقى في يدها من الرحى وتسأله خادمًا من ذلك الرقيق الذي أُتي به إليه فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء رسول الله أخبرته، قال علي: فجاءنا رسول الله ﷺ وقد أخذنا مضاجعنا فقال: "ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فكبرا ثلاثًا وثلاثين وسبحا ثلاثًا وثلاثين

стр. 583

واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم". (١) أفترى رسول الله ﷺ يشح على ابنته بخادم من جملة رقيق أفاءه الله عليه؟ كلا، ولكنه اختار لها الزهد على الترفه، وقد قال لأبي الهيثم في الحديث الذي سأذكره: "إذا أتانا سبي فإننا نعطك خادمًا"، ومن أجل ذلك أيضًا خير رسول الله أزواجه أمهات المؤمنين لما نزلت آية التخيير: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨, ٢٩]، وقال لعائشة وكانت الصغرى فيهن قبل أن تختار: "ما عليك أن تستأمري أبويك"، وكذلك كان أبو بكر وعمر. وأوضح ما يبين ذلك ما روي عن حفصة أم المؤمنين أنها قالت لأبيها عمر بن الخطاب: "لو لبست ثوبًا ألين من ثوبك وأكلت طعامًا أطيب من طعامك فقد وسع الله في الرزق وأكثر من الخير، فقال عمر: يا بنية كيف رأيت عيش رسول الله ﷺ ؟ قالت: والله يقيم الشهر لا يوقد في بيته سراج ولا تغلي له قدر، قال: فكيف رأيت عيش صاحبه؟ (يعني أبا بكر)، قالت مثل ذلك. قال: فما تقولين في ثلاثة أصحاب مضى اثنان على طريقة واحدة وخالفهما الثالث أفيلحق بهما؟ قالت: لا، قال: فأنا ثالثهما ولا أزال على طريقهما حتى ألحق بهما. "فسماها عمر طريقة، وعلم أنها طريقة فاضلة ومرادة لصاحبيه، وأنه إن عدل عنها لم يلحق في الدرجة بصاحبيه.

стр. 584

وفي حديث الترمذي أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر خرجوا إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيِّهان الأنصاري وكان رجلًا كثير النخل والشاء ولم يكن له خدم، فلم يجدوه فسألوا عنه امرأته، فقالت ذهب يستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربته فوضعها ثم جاء يلتزم رسول الله ﷺ ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم سماطًا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال له النبي ﷺ : "أفلا تنقيت لنا من رطبه؟ " قال: إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده هذا النعيم الذي تسألون يوم القيامة: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد"، (١) فأراد تذكيرهم بأن إعراضهم عن ذلك أنفع لهم يوم القيامة وأرفع. وقال لأبي الهيثم: "هل لك خادم؟ " قال: لا، قال: "فإذا أتانا سبي فأتنا"". وفي الحديث قصة. (٢) وأحسب أن ما ألممت به بفتح مشاكي (٣) نيرة في التحقق بسر مجاهدة رسول الله ﷺ نفسه، وقد قيل لرسول الله ﷺ في ذلك وقيل له: إن الله غفر له ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"، وفيه إيماءٌ إلى أن الشكر وسيلة الزيادة فيما يشكر عليه وأن رسول الله ﷺ يرقى بكل ذلك درجات عنه الله تعالى.

стр. 585

معجزة الأمية (١) صفةُ الأمية الثابتة لرسول الله ﷺ حين نصفه بالنبي الأمِّيِّ هي معجزةٌ من أعظم معجزاته، وهي على عِظَم أمرها لا نجد الكلامَ عليها مشبعًا مؤتلفًا في كتب السيرة والكلام، فكان حقًّا علينا أن نوفيها حقَّ البحث والتحقيق إيفاءً لما بقي علينا حقُّ الإيفاء به من السيرة وإيرافًا لظلالها. إنما كانت الأميةُ من أعظم معجزات الرسول؛ لأن بها كمالَ إعجاز القرآن الذي هو أعظمُ معجزة وأبقاها، ولأنها معجزةٌ قائمة بذات الرسول يشاهدها كلُّ مَنْ عرفه قبل النبوة، وكلُّ مَنْ آمن به وصاحَبَه، وكل مَنْ بلغ إليه من خبره ما سارت به الركبان وتحدث به الأضداد والخلان. أما بقية معجزاته، فقائمة بذوات أخرى، ولكن انتسابها إليه من جانب تحديه بها، أو لكونها من آثاره، أو لكونها من فعله. فانشقاقُ القمر حادثٌ كائنٌ في غير ذات الرسول، وهو معجزةٌ له لتحديه به، ونَبْعُ الماء وتكثيرُ الطعام حادثٌ كائن في الماء وفي الطعام من أثر وضع يده المباركة فيهما، وردُّه عين أبي قتادة الأنصاري حادث قائم بعين أبي قتادة، وهو معجزة للرسول لكونه من فعله. وبعد فإن للأمية شرفًا آخر يزيد عِظَمها قدرًا، وهو أنها أمرٌ يتعلق بالروح دون الجسد. فكما جعل الله لعظماء الرسل معجزاتٍ ذاتيةً قائمة بذواتهم مثل بياض اليد لموسى ﵇، ومثل التكوُّن بدون أب لعيسى ﵇، جعل لمحمد ﵇ معجزةَ الأمية معجزةً ذاتية متعلقة بالروح، أي النفس الناطقة التي هي أشرفُ ما في

стр. 586

الإنسان: "فأنت بالروح لا بالجسم إنسان". (١) فإن مآل أميته ﷺ إلى استغناء روحه في بلوغ كمالها القاصر والمتعدي، عن الحاجة إلى التثقيف بتعليم القراءة والكتابة اللتين هما طريق كمال النفس في متعارف البشر، فكانت نفس الرسول بالغة أرقَى مراتب الكمال بإفاضة ربانية هي آية من آيات الله تعالى. حقيقة الأمية أنها عدمُ معرفة القراءة والكتابة، وهي صفةٌ مصوغة بصوغ الأخذ من الأمي، وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب. والأمِّيُّ منسوبٌ إلى الأم، والمقصود أنه على الحالة التي جُبل عليها حين ولدته أمه، إذ لم يكتسب تعليمًا مكتبيًّا؛ لأن التعليم أمر مكتسب، فالذي لم يتعلم قد بقي على ما وُلد عليه. وقد قال بعضُ علماء اللغة: إن العرب أخذوا الأمي من الأمة، بمعنى العامة؛ لأن معظم العامة في اصطلاح العرب لا يعرف قراءة ولا كتابة. ولذلك وصف العرب بالأميين لغلبة الأمية عليهم إلا قليلًا منهم من أهل المدن والقرى مثل أهل الحيرة والأنبار والطائف ومكة. وحسبك أن خاصة شعرائهم وهم خاصة أقوامهم كانوا لا يحسنون القراءة والكتابة، وقصة المتلمس وطرفة بن العبد حين حملا كتابين من الملك عمرو بن هند إلى عاملة بالبحرين يأمره أن يقتلهما وهما يحسبان أنه أمر لهما بصلة، أكبرُ شاهد على مبلغ الأمية فيهم. (٢)

стр. 587

ثبت وصفُ الأمية لرسول الله بالتواتر من القرآن والسنة وإخبار أهل الأخبار من العرب وغيرهم. فالقرآن يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. (١) وجاء في حديث بدء الوحي عن عائشة ﵂ عن رسول الله لما جاءه الملَك وهو في غار حراء أنه قال: "قال لي: اقرأْ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني (٢) حتى بلغ مني الجهد، (٣) ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥] "، فرجع رسول الله يرجف بها فؤاده. (٤) فقول رسول الله: "ما أنا بقارئ" رد لقول الملك له: "اقرأ"، إذ حسِبَ الرسول أن الملك لما أمره بأن يقرأ قد ظن أنه يعرف القراءة والكتابة. وتكريرُ الملك أمره بأن يقرأ أمرُ تكوين من الله تعالى، وغطُّه إياه ثلاثًا مظهر من مظاهر الخلق، أي خلق قوة القراءة في قلب النبي من دون تعلم على سبيل خرق العادة، إذ الشأن أن الأمِّيَّ لا تطاوع نفسُه القراءة، إذ القراءة فن خاص من فنون الكلام مخالف لحفظ الشعر والأمثال، بل القراءة استظهارُ ما يتعلمه المتعلمُ من كتب العلم عن ظهر قلب، وهي

стр. 588

ملكةٌ خاصة لا تتأتَّى لغير المتعلم بعد ممارسة طريقة التعليم التي يرتاض بها المتعلم تدريجًا من معرفة كتابة الحروف والنطق بالكلام المكتوب ليعاود ما يُملَى عليه، حتى يصير وعي ما يُلقى إليه من العلم وتعلقه بعقله سهلًا عليه. (١) وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥] "، تهدئةٌ لروع رسوله واستئناسٌ له؛ لأنه لما استصعب واستعظم تكليفَه بالقراءة في حين أنه أمِّيٌّ ليس بقارئ أعلمه الله بأن الله الذي خلق في الإنسان القابليةَ المادية للعلم بالكتابة ويسَّر له (٢) ذلك في أصل الخلقة، هو قد علم الإنسان ما لَمْ يعلم، فحيث أمرك بالقراءة فامتثلْ ولا تستعظم ذلك، إلا أن هذا التعليم جاء على خلاف المعتاد المتعارف. فالكلامُ مسوقٌ مساقَ الاستدلال، مع الإشارة إلى أن المخاطَب ما هو إلا إنسانٌ أراد الله أن يعلمه ما لم يعلم بدون احتياج إلى سبق تعلم الكتابة. وفي تفسير محيي السنة البغوي: "قيل إن المراد بالإنسان في هذه الآية محمد ﷺ ، لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣] "، (٣) وهو مَنْزَعٌ حسن. إن المحاسن الإنسانية المعدودة كمالاتٍ هي ثلاثة أقسام: قسمٌ هو جِبِلِّيٌّ بأصله وأثره، وقسمٌ هو جِبِلِّيٌّ بأصله وكَسْبِيٌّ بأثره، وقسم هو كَسْبِيٌّ بأصله وأثره معًا. فالقسم الأول هو المحاسن الذاتية المحضة التي لا تتعلق بالروح كالصباحة

стр. 589

والرشاقة وحسن النغمة، وفي القسم الثاني نعد شرفَ النسب وعزةَ القبيلة وكرم الموطن وأمثال ذلك. فهذه صفاتٌ تتفق لِمَنْ تَلَبَّسَتْ به اتفاقًا، فإذا نشأ فيها بعثت فيه صفاتٍ من الكمال كحسن الأسوة بالسلف وكعزة النفس بعزة القبيلة والأريحية لحفظ سمعة الموطن. فأما القسم الثالث فهو الكمالات الحقة، وهي الصفاتُ التي لا يترقب منها إلا آثارها، لما تحمل عليه موصوفها من اندفاع إلى الفضائل واجتناب للنقائص، مثل العلم والشجاعة والعدالة والعفة وما يتشعب عنها من فروعها وآثارها وتركيباتها من صبر وحلم وعفة ونحو ذلك من مكارم الأخلاق الإنسانية. ويكون حظ الفضيلة لمن اجتمع له نصيب منها بمقدار وفرة ذلك النصيب الكامن فيه حتى يبلغ منتهى صفات الرُّجلة المعبَّر عنها بالمروءة، كما قال الشاعر: وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوَتَتْ ... إِلَى الْفَضْلِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ (١) فإذا بلغت تلك الفضائل المبلغ الذي الخارق للعادة كان المتصف بها مختارًا لاصطفاء الله إياه. وقد أشار إليه المعنى الجليل الذي في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وأهل هذه الدرجة متفاوتون فيها، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقد كان حظُّ محمد ﷺ من تلك المحامد أعظمَ الحظوظ وأعلاها، إذ بلغ المنتهى مما يُتمدَّح بكمالها والاعتدالَ في أوساطها مما يُذمُّ طرفاه ويُحمد وسطُه، فكان بذلك أفضلَ الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، إذ المراد به محمد ﷺ .

стр. 590

الأسباب العادية والعرفية إنما تُعتبر كمالات أو نقائص لما يترتب عليها من المسبَّبات، إذ المنظور إليه هو المقاصد والغايات. فالحواس والجوارح تُعتبر كمالات للإنسان، إذ هي أسباب إدراكه وإتيان أعماله على وفق إدراكه. وإذ قد كان معظمُ ما تندفع إليه تلك الحواس والجوارح يفيد الإنسان كمالًا، اعتبر وجودها وقوتها كمالًا واعتبر عدمها أو ضعفها نقصًا، وكذلك الأمارات العادية تكون كمالًا أو نقصًا بذلك الاعتبار، فالثراء كمال عُرفي لما يتيسر به من الكرم وحفظ المروءة عن الاحتياج إلى الغير، كما قيل: "نعم العون على المروءة الجدة". فإذا شرفت نفس امرئ بالقناعة وعزة كمال الخلق لم يكن الفقر نقصًا فيه، كما قيل: وَالْفَقْرُ فِي النَّفْسِ لَا فِي المَالِ تَحْسِبُهُ ... وَمِثْلُ ذَاكَ الْغِنَى فِي النَّفْسِ لَا المَالِ (١) وهناك حالة أعجب من ذلك كله، وهي حالة ما إذا تعطلت مسببات الأسباب فتصبح تلك الأسباب معدودة من النقائص لتخلف حصول (أسبابها) مع

стр. 591

قيام داعي اللائمة والعذل على وجودها مع تخلّف آثارها، كما قال أبو الطيب: وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ ... مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ (١) فتحقَّقَ أن الأسبابَ لا قيمةَ لها إلا بمقدار ما يحصل من آثارها أو يتعطل منها. ومن أجل هذا، نجد أن كمالاتٍ في بعض الموجودات تُعدُّ نقائصَ في غيرها، فكثرةُ الأكل محمودة في الخيل وهي مذمومة في الإنسان، ووجود الجوارح كمال فينا؛ لأن انعدام شيء منها يُكسبنا عجزًا عن بعض الكمالات، والله تعالى منزه عن الجوارح؛ لأن ما تقصد له الجوارح ثابت لله تعالى بذاته بدون واسطة، فتمحضت في جانب الله لأن يكون تقدير اتصافه بها تعالى الله عن ذلك نقصًا، إذ لم يبق لها من الآثار حينئذ إلا ما فيها من الاحتياج والنقص. وكذلك الولد كمال للإنسان؛ لأنهم سبب الاعتزاز بهم والانتفاع بهم مع أن نسبة الولد إلى الله تعالى نسبة نقصية لثبوت الغنى المطلق له تعالى، فتمحض الولد بتلك النسبة للكون نقصًا لما يحف به من نقيصة الاحتياج إلى التوليد والمشاركة في صفة الألوهية. فكذلك صفة الأمية تعد في العرف نقصًا في الناس؛ لأنها تحول بين المتصف بها وبين انكشاف حقائق الأشياء له، إذ قد استقر ناموس العادة أن العلم لا يحصل إلا بالتعلم، فالأمِّيُّ بحكم العادة غير واصل إلى العلميات التي بها انكشاف حقائق الأشياء الذي يعقبه اجتناء فوائدها والتمكن من استعمالها فيما تُراد له. وقد يحصل للأمِّيِّ معارف قليلة بالتلقين أو التجربة أو بمخالطة أهل العلم، إلا أن ذلك حظ ضئيل مبعثر ينقرض في تحصيله معظمُ العمر، وهو على ضآلته قابلٌ للتشكك عند أدنى تشكيك، فلا يحصل به الكمال العلمي الحقيقي ولا لذة المعرفة والاطلاع، ولا يُكسب

стр. 592

صاحبه الشجاعة الأدبية في علومه، كما قال تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨]. فإذا حصل للأمِّيِّ من الانكشافات والعلوم كا جاءه من لدن وحيٍ إلهي غيرِ محتمِلٍ للخطأ في كل نواحي المعرفة التي بُعث لأجلها والتي تتوق نفسُه لعلمها تبعًا لأصلها، فكان على بينة من أمره ويقين من علمه ثابتًا على بثه: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]. فقد حصل له من العلم أوثق وأسمى مما يحصل للمتعلمين غير الأميين، ففي تلك الحالة لا تكون أمية ذلك الأمِّيِّ نقصًا، وهو في هذه الحالة وإن ساوى المتعلم في كثير من المعارف، فقد فاقه بكون المعاني الحاصلة له غير معرضة للشك والاختلاف وبظهور كرامته عند الله تعالى إذ خصه بمزية العلم مع الأمية لتكون آية عند أمة الدعوة من الأميين إذ جاءهم بما لا قبل لأفضل عقلائهم بنواله، ومن غير الأميين إذ أوتِيَ من علوم دينهم ما يُعد تحصيله بينهم عزيز الوقوع في خاصة أحبارهم مع ما يزيد من علوم لا قبل لهم بتحصيلها. وقد تكون معجزةُ الأمية عند غير الأميين أعجبَ وأوضح؛ لأنهم كانوا يُزهون على الأميين ويعدونهم أحطَّ منهم، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، حتى شاع هذا في العرب، فقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله لما قال لابن صياد (١) في المدينة: أتشهد أني رسول الله؟ قال ابن صياد: أشهد إنك رسول الأميين". (٢)

стр. 593

اختار الله لرسوله محمد ﷺ صفةَ الأمية إظهارًا لصدق نبوته الكاملة الطافحة بأبلغ الحكم، وأنفع القوانين، وأصدق المعارف. فإن مجيئه بذلك الحق الباهر، وثقته بصحة ما جاء به، ودفاعه عنه، ومجادلته معانديه فيه، ومباهلته إياهم، وإقامة الحجج القاطعة عليهم، كانَ أظهرَ ما جاء به رسولٌ من عند الله. ولقد يكون في بعض المعجزات مقنعٌ للناظر والسامع بصدق ما جاء به. ولكن الله تعالى لما جعله أفضلَ الأنبياء أراد أن تكون معجزةُ رسالته أوضحَ المعجزات وأجلاها فائدة بمعجزة باقية مستمرة لكل زمان، وجعلها قائمةً بذاته وبنفسه الشريفة. تلك هي معجزةُ القرآن التي نوه بها قولُه ﵇ في الحديث الصحيح: "ما من الأنبياء نبي إلا أُوتِي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، (١) وجعل معجزةَ الأمية مكمِّلةً لمعجزة القرآن ومؤسِّسةً لمعجزة الشريعة، فمن أين لأمي أن يأتي بمثل ما أتى به محمد ﵇ لولا أن ما أتى به وحي من الله ؟ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، قيل الضمير المضاف إليه مثل عائدٌ إلى قوله: "عبدنا"، المراد به النبي ﷺ ، أي: ائتوا بسورة من رجل مثل محمد في كونه بشرًا أميًّا لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم. إعجاز القرآن من جهتين: جهة لفظه، وجهة معانيه. فإعجازه من جهة اللفظ ببلاغته وفصاحته اللتين أعجزتا فصحاء العرب وبلغاءهم عن معارضته، وهذه

стр. 594

الجهةُ أهم جهتي إعجازه لعامة العرب الذين لا يحيطون بعجائب ما حواه القرآن من العلوم، وغير العرب يثبت لديه الإعجاز من هذه الجهة بضرورة عجز العرب عن معارضته. (١) وإعجازه من جهة معانيه هو: ١ - بما تضمنه من أخبار الرسل والأمم مما لا يعلمه إلا أحبار أهل الكتاب: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٧]. ٢ - بما تضمنه من الحكمة السامية والقوانين الصالحة. ٣ - الحقائق العلمية الجليلة أو الحقائق التي تبينت للناس بعد أن دلهم العلم عليها وشهد العلماء بها. ٤ - الحقائق التي سيشهد بها في مقتبل الأزمان: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]. فالقرآن في الجهة الأولى من جهتي إعجازه يشابه بلاغةَ أشعر شعرائهم الذين بلغ كلامُهم ما يقرب من حدِّ الإعجاز، بقطع النظر عن أسلوب القرآن الخاص به مما لا يسع هذا المجال للخوض فيه. (٢) وهو في الجهة الثانية من جهتي الإعجاز يشبه أقوالَ حكماء الأمم العالمة ومشرعيهم وعلمائهم مما لم يكن للعرب عهد بمثله. ولقد أراد الله تعالى أن يجعل لرسوله برهانًا على أن القرآن منزَّلٌ إليه من الله فبرَّأ رسوله من صناعة الشعر وفنونه، فتم بتلك البراءة دليل خرق القرآن للعادة من

стр. 595

جهة الإعجاز الأولَى، وقد شهد أعلم العرب بالشعر بأن القرآن ليس في شيء من الشعر. وجعل الرسولَ أُمِّيًّا لتقوم الحجة بأميته على أن ما حواه القرآن من العلوم والحكمة والقوانين التشريعية ما هو إلا وحيٌ من الله، ويلتحق بالقرآن في هذه الجهة من الإعجاز كلُّ ما صدر عن رسول الله من قول وفعل مما هو هدى محض. فتم بالأمية دليلُ خرق القرآن للعادة من جهة الإعجاز الثانية. ومن أجل كون الإعجاز الحاصل بالقرآن حاصلًا معظمه للعرب، كان التحدي بإعجازه من الجهة الأولى أكثر وأسير، وإلا ففي القرآن إعجاز معنوي كثير وفي كل أقوال الرسول وهديه إعجاز عظيم بعد تقرر الأمية. لو شاء المحتج لصدق نبوة محمد ﷺ أن يقتصر على حجة دلالة معجزة الأمية لكفته. ولذلك لم يهمل المعاندون من المشركين أن يطعنوا في معجزة القرآن فاختلقوا معاذير باردة فقالوا إن ما جاء به من القرآن إنما تلقاه من بعض الناس، حكى الله ذلك عنهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]. ذلك أنهم قالوا: إنه تلقى عن غلام رومي اسمه يعيش، وقيل: بلعام، وقيل: جبر، وقيل: يسار كان عبدًا لحويطب بن عبد العزيز، وكان صيقلًا للسيوف بمكة، وكان رسول الله يجلس إليه بمكة والناس معه وهو أعجمي اللسان غير معدود من أهل العلم، ولكن الناس مولعون بكل غريب. وقالوا: إن الرسول تلقى من سلمان الفارسي، وسلمان إنما ورد بعد الهجرة وأسلم في المدينة بعد أن نزل كثير من القرآن. فأما الغلام الرومي فقد أسلم بمكة، وكان يتلقى الدين عن رسول الله، وسلمان أسلم بالمدينة واهتدى بهدى الإسلام، ولو كانا كما يختلق الملحدون لكانا أولى أن يكونا هما القدوة للناس. (١)

стр. 596

على أن كلا الرجلين أعجمي، والقرآن كتابٌ عربي مبين. فالطعنُ بهما من الجهة الأولى لإعجاز القرآن طعن واضح السخافة، إذ كيف يأتي رجل دخيل في العربية بمثل تلك البلاغة؟ والطعن بهما من جهة معاني القرآن وعلومه طعن باطل، إذ كيف يبين أعجميُّ اللسان من العلوم والشرائع مثل ما تضمنه القرآن وهي معان عالية تحتاج إلى فصاحة تقرير كشأن تقرير المعاني الدقيقة، فقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، ردٌّ للطعن بحذافره لا لخصوص الطعن من جهة فصاحة القرآن وبلاغته، وإن اقتصر المفسرون على تفسيره بما يقصره على الطعن طعنهم من جهة لفظ القرآن خاصة. وأما قوله تعالى عقب ذلك: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾، فهو ارتقاء في بيان علو القرآن في ذروة الفصاحة والبلاغة واقع موقع العِلاوة السابق، والله أعلم. وقالوا في معاذيرهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]، وقد رد الله ذلك عليهم بقوله في أخرى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]. فيؤخذ منه نفيُ أن تكون أساطيرُ الأولين محفوظةً بمكة، إذ لو كانت كذلك لكان لرسول الله شريكٌ في علمها، ولكان لرسول الله سابقيةُ إلمامٍ ببعضها من قبل، فلذلك كان قولُه تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾، حجتَنا لاختلاقهم (١) من جذوره. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦]، فقد ظهرت الحجةُ ولاحت المحجة. هذا واختلف علماء الإسلام في الأمية: أدائمةٌ هي لرسول الله ﷺ مدةَ حياته كلها أو في أحيان منها؟ فالجمهور من العلماء قالوا: إن الأمية وصفٌ لا يتخلف عن

стр. 597

رسول الله؛ لأن الله جعلها معجزةً له فلا تفارقه، كأنهم ينظرون إلى قول الحكمة: "ما بالذات لا يتخلف ولا يختلف". وقالت طائفة من العلماء إن النبي ﷺ لم يمت حتى كتب، فقيل بمعنى علمه الله الكتابة، وقيل: بمعنى جرى القلمُ في يده. ونُسب هذا إلى الشعبي وعون بن عبد الله ومجاهد، وبه قال أبو ذر الهروي وأبو جعفر السمناني وتلميذهما أبو الوليد الباجي الأندلسي، ومال إليه عياض في الإكمال. (١) واحتجوا لذلك بما وقع في صحيح البخاري في باب عمرة القضاء من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب "أن علي بن أبي طالب لَمَّا كتب صلح القضية بين رسول الله وقريش كتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو (سفير قريش): لو نعلم أنك رسولُ الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي: امحُ رسول الله، فقال علي: لا والله لا أمحوك (أو لا أمحاه) أبدًا، فأخذ رسول الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله"، الحديث. (٢) ورواه النسائي وأحمد بن حنبل بمثل ما في صحيح البخاري، (٣) وهو أيضًا في صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق بلفظ: "فقال رسول الله لعلي: "أرنِي مكانَها"، فأراه مكانها فمحاه، وكتب: ابن عبد الله". (٤)

стр. 598

قال عياض في الإكمال: وظاهرُ قوله في الحديث: ولا يحسن أن يكتب فكتب محمد بن عبد الله، كالنص في أنه هو بنفسه كتب، والعدول إلى غيره تجوُّزٌ في الكلام وحملٌ على ما لا يُفهم منه لغير ضرورة، ولا يقدح هذا في كونه أمِّيًّا إذ ليست المعجزة مجرد كونه أمِّيًّا، وإنما المعجزة أن كان في أول الأمر كذلك ثم جاء بعلوم لا يعلمها الأميون. فكما جعله الله يقرأ ما لم يكن يقرأ من قبل ويتلو ما لم يكن يتلو، فكذلك علمه أن يكتب ما لم يكتب، وإنما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، أي من قبل نزول القرآن. فعلمه أن يكتب ويخط بعد النبوة، (١) أي فتحصل له معجزتان مع اختلاف الزمان فلا تعارضَ بينهما، خلافًا لِما توهمه السهيلي في الروض الأنف. (٢) قال عياض في المدارك: "ولمَّا ألف أبو الوليد رسالتَه المسماة بتحقيق المذهب من أن النبي كتب، وكان أصلُ ذلك أنه قُرئ عليه بدانية في صحيح البخاري حديثُ المقاضاة فمر في حديث إسرائيل، فتكلم أبو الوليد على الحديث وذكر قول مَنْ قال بظاهر هذا اللفظ، فأنكره عليه ابن الصائغ وكفره بإجازته الكتابة على النبي الأمي، وأن هذا تكذيب للقرآن وأعلى ما حمل من أشياعه في الإنكار والشناعة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وأكثر القالة فيه مَنْ لم يفهم غرضه، حتى أطلق عليه اللعنة غلاتهم وضمنوا البراءة منها أشعارهم، وحتى قام بذلك بعضُ خطبائهم، وفي ذلك يقول عبد الله بن هند الشاعر: بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ ... وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ الله قَدْ كَتَبَا

стр. 599

فألف هذا الكتاب وبين فيه وجوه المسألة لِمَن لم يفهمها وأنها لا تقدح في المعجزة كما لم تقدح القراءة في ذلك بعد أن لَم يكن قارئًا، بل في هذا معجزة أخرى. . . ولم يُنكر عليه أولو التحقيق في العلم والمعرفة بأسراره وخفاياه، وكتب بالمسألة إلى شيوخ صقلية وغيرها فأنكروا إنكارَهم عليه وأثنوا عليه وسوغوا تأويله، منهم ابن الجزار ممن ذكرنا ثناءه عليه". (١)

стр. 600

المعجزات الخفية للحضرة المحمدية (١) دعانِي العلامةُ الجليل وصديقي الخليل رئيس "جمعية الهداية الإسلامية" (٢) عن رغبة رفقائه السادة الكرام رجال تلك الجمعية المباركة إلى المشاركة في صنيعهم الشريف الذي دأبوا عليه في كل إبان لذكرى المولد النبوي، ألا وهو خدمةُ حضرة سيدنا محمد ﷺ بإظهار فضائله التي لا حدَّ لها، فكنتُ سعيدًا بما وضعوني لديه، وشاكرًا على العناية بهذا الفضل والدعاء إليه. وقد اهتممتُ - حين هممتُ بإجابة تلك الدعوة - بأن أفتحَ اليوم بابًا من نواحي السيرة لا أعرف أحدًا فتحه من قبل، وهو بابُ المعجزات الخفية الدالة على صدق نبوته دلالةً لا يتفطَّن إليها إلا أهلُ الشعور الدقيق والنظر المسدَّد بقوة التوفيق. فكان هذا البابُ مغفولًا عنه، ولكنه كان مثل أبواب الكنوز مدلولًا بأمارات تهدي عليه، حتى يُقيَّضَ مَنْ يَمُد يده إليه، فهي مدخراتٌ لخاصة من الناس أو لعصور تأتي.
следующие страницы →