← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

على أن كلا الرجلين أعجمي، والقرآن كتابٌ عربي مبين. فالطعنُ بهما من الجهة الأولى لإعجاز القرآن طعن واضح السخافة، إذ كيف يأتي رجل دخيل في العربية بمثل تلك البلاغة؟ والطعن بهما من جهة معاني القرآن وعلومه طعن باطل، إذ كيف يبين أعجميُّ اللسان من العلوم والشرائع مثل ما تضمنه القرآن وهي معان عالية تحتاج إلى فصاحة تقرير كشأن تقرير المعاني الدقيقة، فقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، ردٌّ للطعن بحذافره لا لخصوص الطعن من جهة فصاحة القرآن وبلاغته، وإن اقتصر المفسرون على تفسيره بما يقصره على الطعن طعنهم من جهة لفظ القرآن خاصة. وأما قوله تعالى عقب ذلك: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾، فهو ارتقاء في بيان علو القرآن في ذروة الفصاحة والبلاغة واقع موقع العِلاوة السابق، والله أعلم. وقالوا في معاذيرهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]، وقد رد الله ذلك عليهم بقوله في أخرى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]. فيؤخذ منه نفيُ أن تكون أساطيرُ الأولين محفوظةً بمكة، إذ لو كانت كذلك لكان لرسول الله شريكٌ في علمها، ولكان لرسول الله سابقيةُ إلمامٍ ببعضها من قبل، فلذلك كان قولُه تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾، حجتَنا لاختلاقهم (١) من جذوره. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦]، فقد ظهرت الحجةُ ولاحت المحجة. هذا واختلف علماء الإسلام في الأمية: أدائمةٌ هي لرسول الله ﷺ مدةَ حياته كلها أو في أحيان منها؟ فالجمهور من العلماء قالوا: إن الأمية وصفٌ لا يتخلف عن

стр. 597

رسول الله؛ لأن الله جعلها معجزةً له فلا تفارقه، كأنهم ينظرون إلى قول الحكمة: "ما بالذات لا يتخلف ولا يختلف". وقالت طائفة من العلماء إن النبي ﷺ لم يمت حتى كتب، فقيل بمعنى علمه الله الكتابة، وقيل: بمعنى جرى القلمُ في يده. ونُسب هذا إلى الشعبي وعون بن عبد الله ومجاهد، وبه قال أبو ذر الهروي وأبو جعفر السمناني وتلميذهما أبو الوليد الباجي الأندلسي، ومال إليه عياض في الإكمال. (١) واحتجوا لذلك بما وقع في صحيح البخاري في باب عمرة القضاء من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب "أن علي بن أبي طالب لَمَّا كتب صلح القضية بين رسول الله وقريش كتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو (سفير قريش): لو نعلم أنك رسولُ الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي: امحُ رسول الله، فقال علي: لا والله لا أمحوك (أو لا أمحاه) أبدًا، فأخذ رسول الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله"، الحديث. (٢) ورواه النسائي وأحمد بن حنبل بمثل ما في صحيح البخاري، (٣) وهو أيضًا في صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق بلفظ: "فقال رسول الله لعلي: "أرنِي مكانَها"، فأراه مكانها فمحاه، وكتب: ابن عبد الله". (٤)

стр. 598

قال عياض في الإكمال: وظاهرُ قوله في الحديث: ولا يحسن أن يكتب فكتب محمد بن عبد الله، كالنص في أنه هو بنفسه كتب، والعدول إلى غيره تجوُّزٌ في الكلام وحملٌ على ما لا يُفهم منه لغير ضرورة، ولا يقدح هذا في كونه أمِّيًّا إذ ليست المعجزة مجرد كونه أمِّيًّا، وإنما المعجزة أن كان في أول الأمر كذلك ثم جاء بعلوم لا يعلمها الأميون. فكما جعله الله يقرأ ما لم يكن يقرأ من قبل ويتلو ما لم يكن يتلو، فكذلك علمه أن يكتب ما لم يكتب، وإنما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، أي من قبل نزول القرآن. فعلمه أن يكتب ويخط بعد النبوة، (١) أي فتحصل له معجزتان مع اختلاف الزمان فلا تعارضَ بينهما، خلافًا لِما توهمه السهيلي في الروض الأنف. (٢) قال عياض في المدارك: "ولمَّا ألف أبو الوليد رسالتَه المسماة بتحقيق المذهب من أن النبي كتب، وكان أصلُ ذلك أنه قُرئ عليه بدانية في صحيح البخاري حديثُ المقاضاة فمر في حديث إسرائيل، فتكلم أبو الوليد على الحديث وذكر قول مَنْ قال بظاهر هذا اللفظ، فأنكره عليه ابن الصائغ وكفره بإجازته الكتابة على النبي الأمي، وأن هذا تكذيب للقرآن وأعلى ما حمل من أشياعه في الإنكار والشناعة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وأكثر القالة فيه مَنْ لم يفهم غرضه، حتى أطلق عليه اللعنة غلاتهم وضمنوا البراءة منها أشعارهم، وحتى قام بذلك بعضُ خطبائهم، وفي ذلك يقول عبد الله بن هند الشاعر: بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ ... وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ الله قَدْ كَتَبَا

стр. 599

فألف هذا الكتاب وبين فيه وجوه المسألة لِمَن لم يفهمها وأنها لا تقدح في المعجزة كما لم تقدح القراءة في ذلك بعد أن لَم يكن قارئًا، بل في هذا معجزة أخرى. . . ولم يُنكر عليه أولو التحقيق في العلم والمعرفة بأسراره وخفاياه، وكتب بالمسألة إلى شيوخ صقلية وغيرها فأنكروا إنكارَهم عليه وأثنوا عليه وسوغوا تأويله، منهم ابن الجزار ممن ذكرنا ثناءه عليه". (١)

стр. 600

المعجزات الخفية للحضرة المحمدية (١) دعانِي العلامةُ الجليل وصديقي الخليل رئيس "جمعية الهداية الإسلامية" (٢) عن رغبة رفقائه السادة الكرام رجال تلك الجمعية المباركة إلى المشاركة في صنيعهم الشريف الذي دأبوا عليه في كل إبان لذكرى المولد النبوي، ألا وهو خدمةُ حضرة سيدنا محمد ﷺ بإظهار فضائله التي لا حدَّ لها، فكنتُ سعيدًا بما وضعوني لديه، وشاكرًا على العناية بهذا الفضل والدعاء إليه. وقد اهتممتُ - حين هممتُ بإجابة تلك الدعوة - بأن أفتحَ اليوم بابًا من نواحي السيرة لا أعرف أحدًا فتحه من قبل، وهو بابُ المعجزات الخفية الدالة على صدق نبوته دلالةً لا يتفطَّن إليها إلا أهلُ الشعور الدقيق والنظر المسدَّد بقوة التوفيق. فكان هذا البابُ مغفولًا عنه، ولكنه كان مثل أبواب الكنوز مدلولًا بأمارات تهدي عليه، حتى يُقيَّضَ مَنْ يَمُد يده إليه، فهي مدخراتٌ لخاصة من الناس أو لعصور تأتي.

стр. 601

لمَّا تألف هذا الخاطرُ ببالي أخذتُ أراجع ما كنت طالعته مما لدي من كتب أراها مظنةَ الإلمام بشيء من هذا الغرض، مثل كتاب "دلائل النبوة" للبيهقي، وكتاب "شفاء الصدر" لابن سبع السبتي، وكتاب "الشفاء" للقاضي عياض، وكتاب " [أعلام] النبوة" للماوردي، وكتاب "المواهب اللدنية" للعسقلاني، وكلُّها نفائسُ ما ألف في السير والمعجزات، فما وجدتُ فيها مَنْ خصَّ هذه الناحيةَ بالعنوان والترجمة، ورأيتُ انصرافَ هممهم إلى ذكر المعجزات الواضحة العيان، ورأيت أقرَبَها للتعريج على بعض أصناف هذا النوع كتاب "الشفاء" لعياض و "أعلام النبوة" للماوردي. ما هي المعجزات وأي شيء هي المعجزة الخفية ؟ المعجزة اسم أُطلق على الحادث الذي يعجز البشرُ عن الإتيان بمثله. وصاغوا له زنة التأنيث لأنهم راعوا في التسمية معنى الحادثة أو الواقعة أو الفعلة. وهي اسم اصطلح عليه علماء الإسلام لم يرد في القرآن ولا حديث الرسول، وإنما الواردُ فيهما لفظ آية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧]، وفي حديث ابن عباس وأنس بن مالك أن قريشًا سألوا رسولَ الله آية فأراهم انشقاق القمر. (١) وأحسب أن المعجزة تسميةٌ ابتكرها علماء الكلام، وهم حددوها بأنها الأمرُ الخارق للعادة المقترن بالتحدي. (٢) وفسروا التحدي بأنه ادعاءُ الرسالة عن الله، واتفقوا على اشتراط تأخر حدوث المعجزة عن دعوى الرسالة في تحقق ماهية

стр. 602

المعجزة، لئلا يبتدر أحدُ الكذابين فيفترض حدوثَ حادث غريب فيدعيَ أن ذلك الحادثَ آيةُ رسالته. (١) ويُؤخذ من كلام المحققين أن التحدي هو احتجاجُ الرسول على المترددين في صدقه بأن يقعَ منه أو بطلبه شيءٌ لا يقدر الناسُ على الإتيان به. ثم توسعوا فجعلوا دلالةَ حال الرسول مع الذين يدعوهم قائمةً مقامَ التحدي، فلذلك آلُوا إلى تفسير التحدي بأنه ادعاءُ الرسالة ليشمل المعجزاتِ الصادرةَ من الرسل في غير مقام المعارضة، مثل المعجزات الواقعة بمحضر المؤمنين بهم، كانفجار العيون من الصخر لموسى ﵇، وكنبع الماء من بين أصابع محمد ﵊. ثم اتفق علماء الكلام على أن المعجزة تدل على صدق المتحدي بها، وأنها قائمةٌ مقامَ قول الله تعالى: "صدق هذا الرسول فيما أخبر عني"، (٢) بناءً على الله تعالى ناط نظامَ هذا العالم بسنن معلومة لا تتخلف بحسب ما جربنا من أول خلق البشر - وهذه السننُ هي التي نسميها بالعادة، أو الجبلة، أو الطبيعة - وجعل البشرَ المتصرفين في هذا العالم عاجزين عن تبديل تلك السنن. واتفق المِلِّيُّون على أن الله قادرٌ على خُلْفِها إذا تعلقت إرادتُه بذلك لحكمة، فإذا ادعى أحدُ الناس الرسالةَ عن الله وجعل آيةَ صدقه حدوثَ خارق للعادة فوقع ما أخبر به الرسول، كان ذلك الخارقُ في ذلك الحين مقدَّرًا من الله، فكان ذلك أمارةً بين الله وبين عباده على صدق ذلك الرسول.

стр. 603

ودلالةُ المعجزة على هذا المعنى دلالةٌ عقلية قريبة من القطعية، لكنها كافية لاعتقاد المشاهدين لها بصدق الرسول إن كانوا غير مكابرين، من جهة استبعاد أن يكون حدوثُ الخارق حين إخبار مدعي الرسالة بوقوعه واقعًا على مجرد الصدفة، أو أن تكون لله في خلق ذلك الخارق عند ادعاء مدعي الرسالة حكمةٌ أخرى غيرُ تصديق الرسول. فتعين أن يكون حدوثُ ذلك الخارق حين التحدي إنما قدَّره الله لأجل ذلك التحدي، فوجب إذًا أن يكون تصديقًا للرسول؛ لأن الله تعالى لا يصدق الكاذب. وهذه المقدمة الثانية قطعية. ثم توسع العلماءُ فعدوا جميعَ خوارق العادات المتعلقة بأحوال الرسول قبل الرسالة أو الجارية على يديه قبلها دلائلَ على صدقه، وسَمَّوْها الإرهاصات. (١) وفي الحقيقة نجد دلالتَها على صدق دلالة عَوْدِ التأمل على بَدْئه بأن يعودوا على ماضي ذلك الرسول فيجدوا في ماضيه دلائل على عناية الله به، فيزيدهم ذلك إيمانًا بأن مَنْ كان بدؤه ذلك البدء يناسب أن تكونَ نهايتُه تلك النهاية. وإذا كان العقلاء قد أنسوا الاستدلالَ بالشواهد والتفرس في الخلال، فعلموا من البدايات حال النهايات، كما قال حبيب بن أوس: لَهَفِي عَلَى تِلْكَ الشَّوَاهِدِ مِنْهُمَا ... لَوْ أُمْهِلَتْ حَتَّى تَصِيرَ شَمَائِلَا لَغَدَا سُكُونُهُمَا حِجًى وَصبَاهُمَا ... حُلُمًا وَتِلْكَ الأَرِيحِيَّةُ نَائِلَا إِنَّ الْهِلَالَ إِذَا رَأَيْتَ نُمُوَّهُ ... أَيْقَنْتَ أَنْ سَيَعُودُ بَدْرًا كَامِلَا (٢)

стр. 604

فكيف لا يتم الاستدلالُ بشواهد عناية الله بعبده على أنه أعده لأمر جليل، ألا وهو السِّفارةُ عنه إلى الخلق؟ وهذا كحفظ موسى من الغرق، وتيسير رجوعه إلى أمه، وكحفظ محمد من التلبس بأحوال المشركين ونقائصهم، وعصمته من أعدائه. وهذا الاستدلالُ هو الذي يسير بنا إلى فتح باب المعجزات الخفية، وإلى التوسع في تسميته. فأعني بالمعجزات الخفية الأحوالَ والأفعال الصادرةَ من محمد والأحوالَ الملابسة له، الدالةَ على أنه رسولٌ من الله، ناطقٌ عن وحي. والفرق بين الإرهاصات وما سميناه بالمعجزات الخفية من جهتين: الأُولى أن الإرهاصات من قبيل خوارق العادات، والمعجزات الخفية دلائلُ بطريق النظر بطريق خرق العادة. والثانية أن الإرهاصات حاصلةٌ قبل النبوة، والمعجزات الخفية حاصلةٌ مع النبوة، أي مستمرةٌ معها وبعدها ولو كان بعضُها حاصلًا قبلها، وهي من خصائص محمد ﷺ . ولهذا النوع من الدلائل الخفية حظٌّ عظيم من الدلالة على تصديق الله الرسول الحافة به تلك الدلائل، يجري على المنهج الذي نهجه أئمةُ المتكلمين في تقرير وجه دلائل المعجزة على تصديق الله الرسول. وذلك أن هذه الأحوالَ الحافة بالرسول منبئةٌ عن أن الله مقدر الأكوان والأحوال وميَسِّر الموجودات لما خلقت له، قد يسر تلك الأحوالَ لتكون دلائلَ لصدق الرسول عند طوائف من أهل النظر والاعتبار، لا سيما الذين فاتَهم مشاهدةُ المعجزات بالأبصار. ووقعُها في نفوس الخاصة أشدُّ من وقع المعجزات المقارنة للتحدي من حيث إنها دلائلُ حاصلةٌ بدون تعمُّل ولا مباراة (١) ولا إشعار من صاحبها.

стр. 605

وهذا الأسلوب تنفعل له نفوسُ الخاصة المشغوفة بحب الوقار والجلال، ومن حيث إنها لا يلوح جميعُها في وقت واحد ولا لكل أحد. ونفوس الخاصة تعجب بالأدلة المتعاقبة عن فترة بعد فترة، ليكون مجيءُ الدليل الموالي عقب سابقه واردًا على العقل بعد التملِّي من وجوه دلالة السابق، أو واردًا بعد انقضاء الطائفة التي ورد عليها الدليلُ السابق. فإن أهل النظر والعلوم يحبون أن يعثروا على نكتٍ جديدة على قاعدة "كم ترك الأول للآخر"، ففي ذلك نشاطٌ لهممهم العلمية لا يحصل لهم من الاشتغال بالفوائد المُعادة على قاعدة "هل غادر الشعراء من متردم". (١) وهي تشبه خوارقَ العادات من حيث إن جميعها إن تأملتَه وجدته صادرًا في أزمنة وأحوال يعز أن يصدر أمثالها في أمثالها. أما إذا اعتبرت مجموع طائفة منها قليلة أو كثيرة، فإنك تجد اجتماعها وتظاهرها يقارب أن يكون خارق عادة، وتقوى تلك المقاربةُ بمقدار تكاثر ما لاح للناس منها؛ لأن اجتماعَ الأمور المتناسبة يُبعدها عن الصدفة، ويقربها من قصد نصب الدلالة، فيوشك حينئذ أن تُساويَ المعجزةَ المشهورة في نيابتها منابَ قول الله تعالَى: "صدق عبدي فيم أخبر عني". وهذا النوع أيضًا يمت بصلة إلى إعجاز القرآن في الدوام؛ لأن جزئيات هذا النوع غير منحصرة، وإذًا لا يهتدي إليها إلا النظارون المنصفون، ومعظمهم ممن يجيئون بعد وفاة الرسول. فالذي يهتدي منهم إلى إظهار معجزة من هذا النوع والذين يبلغهم ما اهتدى إليه ذلك المهتدي، كلُّ أولئك يأخذون بحظٍّ مما أدركه أصحابُ الرسول الذين شاهدوا معجزاته، فتُجَدَّد لهم وبهم دلائلُ الإيمان، وتعود أنوارُه فيهم وفي عصرهم، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويدخل الناسُ بذلك في الدين زرافاتٍ ووحدانا. فبهذه الخصيصة يشارك هذا النوعُ معجزةَ القرآن في الدوام وعدم الانتهاء.

стр. 606

ولعلنا نستروح لهذا النوع من المعجزات لمحةً من قول النبي ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أُوتِي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلَيَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، (١) فلفظُ الوحي وإن كان يتبادر إلى القرآن وهو بحق أجل أنواع الوحي، لكن مما يدخل في الوحي أيضًا معظمُ أقوال الرسول وأفعاله في التشريع والهدي والمعارف، مما أظهره إلى الناس تصريحًا أو رمزًا. وإنا إذا استثنينا التأييدات الجبليةَ ومقارنات الحوادث التاريخية المتعلقة بالذات المحمدية، نرى معظمَ ما عدا ذلك من المعجزات الخفية من قبيل الوحي، إذ هو أقوالٌ وأفعال وإرشاد، صادرةٌ من الرسول جميعُها، صادرةٌ عن وحي، أو مؤيَّدةٌ بوحي، على ما اختاره المحققون من أئمة أصول الفقه. ووجه تفريع قوله: "فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، ظاهرٌ مما قدمناه هنا. ويتضح من هذا أن هنالك صلةً متينة وانتسابًا قويًّا بين عموم دين الإسلام ودوامه، وبين المعجزات الخفية الصالحة لاستمرار الحجية بها، والمتجدد بعضُها عقب بعض. ثم الحكمة في إخفاء هذا النوع من المعجزات وعدم توقيف الشارع الناس عليها، أنها لما كانت مما لا يستوي الناس في إدراكها، لا في عصر حياة الرسول ولا في العصور التي بعده، فإن معظمَها مما لا يهتدي إليه إلا أهل العقول المستنيرة. ولأن منها ما لا يتهيأ للناس إدراكُ دقائقه في بعض عصور مضت، لأنه متوقِّفٌ على ظهور حقائق علمية لم تتكامل في بعض العصور، كان إخفاءُ هذا النوع لحكم أربع: إحداهما: إبطال عناد من قد يزعم أنه لم يجد فيها دلالة على الصدق؛ لأن الأمور النظرية معرضةٌ للخفاء وللمكابرة، فإن خفاء الحق يجرئ المعاند على الإنكار، كما قال علي بن عباس الرومي:

стр. 607

غُمُوضُ الْحق حينَ يذبُّ عنهُ ... يقَلّلُ ناصرَ الْخَصْم المُحق تجل عَنِ الدَّقيقِ عُقُولُ قَوْمٍ ... فَتَقْضي للمجلّ على الْمدق (١) فربما كان ذلك الإنكار سببًا لاستعجال ضلال قوم وسريان تضليلهم، والإسلام رحيمٌ لا يرضى بإثارة أسباب الضلالة. الحكمة الثانية: دفع الحرج عن خلص المؤمنين بأنهم وإن أمنوا من أن يخالط الريبُ عقولَهم، وأن يغريَهم تضليلُ المضللين. إلا أن تلقي العاقل لما لا يفهمه لا يخلو عن حرج عظيم، والإسلام يأبى الإيقاعَ في العنت والحرج. الحكمة الثانية: دفع الحرج عن خلص المؤمنين بأنهم وإن أمنوا من أن يخالط الريب عقولهم، وأن يغريهم تضليل المضلين، إلا أن تلقي العاقل لما لا يفهمه لا يخلو عن حرج عظيم، والإسلام يأبَى الإيقاع في العنت والحرج. الحكمة الثالثة: أن القلوب يرين عليها تقادم العهد، فتنسى الحجة، فكانت في حاجة إلى مذكِّرٍ بدلائل صدق الرسالة من عصر إلى عصر. وقد كانت الأممُ من قبلنا إذا نسُوا ربَّهم وتسربت إليهم الضلالةُ جاءتهم الرسل. فلما جاءت الرسالةُ العامة الخاتمة، أودعت عناية الله لهم دلائَل مكنونة، تخرج لهم منها على امتداد العصور دلائلُ ناصعة. الحكمة الرابعة: أن تلاحقَ الدلائل والحجج بعد ظن الإحاطة والانتهاء، يزيد الحقَّ وضوحًا والمتأملين اطمئنانًا. ولذلك كان من طرق الجدل والمناظرة أن لا يأتي المستدلُّ على جميع حججه دفعة.

стр. 608

أصناف المعجزات الخفية: انتهى بِيَ استقراءُ أصناف المعجزات الخفية إلى ستة أصناف: الصنف الأول: أحوال الرسول الدال مجموعها على أن الله تعالى قد هيأه من حين إنشائه لتلقي مقام الرسالة العظمى. وهذا الصنف يشبه الإرهاصات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢]. فأنبأنا أنه قد أعد لتلقي الرسالة (وهي حالةٌ بشرية عظيمة غير معتادة) نفوسًا ليست مماثلة للنفوس المعتادة، وليست عظمتُها من قبيل العظمة المعهودة عند الأقوام. فلذلك سفَّه الله الذين راموا أن ينالوا مثلَ ما نال رسلُ الله بأنهم ليسوا بذلك المقام، وسفه الذين استصغروا مَنْ أنزل عليه القرآن، وتوهموا أن رجلًا من القريتين أجدرُ منه بذالك لعظمته، فلم يعلموا العظمة الحقة. ولا جرم أن نفس أعظم الرسل هي أعظم نفس تنفس بها الوجود في هذا العالم، وأن الرسل السابقين قد درجوا في عصور كانت مظلمة التاريخ بين أممهم، إما لبعد العهد كإبراهيم وموسى ﵉، وإما لبلوغ الأمة دركة من للانحطاط استمرت فيه بعد ظهور الرسول مثل اليهود عند مجيء عيسى ﵇، فلم تهتد أقوامهم إلى تفصيل صفاتهم خَلقًا وخُلقًا، ولكننا تلقينا إشاراتٍ في شأنهم من القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي جامعًا لصفاتِ الخير التي تفترق في أمة كاملة - على أحد التفسيرين (١) - وقوله لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١]. وأحسب أن الله تعالى قد جعل صفاتِ رسوله الْخِلقية والْخُلُقية

стр. 609

مفتاحًا لباب قبول دعوته بين قومه إن هم اهتدو إليها، ومغلاقًا لأبواب الطعن عليه أو الإزراء به. وإن خِصالَ الكمال البشرية تنحصر في نوعين: جِبِلي وكسبي. فأما الجبلي، فهو ما يُخلق المرءُ عليه من الصفات المحمودة في أصل الْخِلقة، إما لأنها توصل إلى كمال نفساني، مثل سلامة الحواس وفصاحة اللسان وجودة القريحة وتوقد الفظنة، وإما لأنها توصل إلى تمام الكمال والثقة بالنفس، مثل قوة البدن ورباطة الجأش وشرف النسب، وإما لأنها وسيلةٌ إلى تأثر الناس بدعوته، مثل جمال الصورة وهيبة الطلعة وعزة القبيلة. وأما الكسبِيُّ فهو ما تتهيأ له النفسُ أو ترتاض عليه من التخلق بالفضائل التي أُعدت لصاحبها في أصل خِلقته ويُسِّر له نماؤها، وذلك جميعُ الفضائل البشرية، وقد ثبت منتهى الكمالين لمحمد ﷺ . فأما الجبلي فقد تظافرت عليه الرواياتُ الواردة في شمائله الزكية، وأما الكسبي فقد كان طريقُ اكتسابه له من طريق التكوين الإلهي بإنماء الغرائز المودَعة فيه إنماءً صيَّرها أخلاقًا، وبالإلهام والحفظ والعصمة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وروى عن رسول الله: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقالت عائشة: "كان خلقه القرآن". (٢) هيأ الله لرسوله الكمالاتِ من جميع الجوانب، ليعتبر بذلك أهلُ الاعتبار ممن أوتوا العلمَ والكتاب، وقد اعتبر كثير منهم بها. روى الترمذي أن عبد الله بن سلام

стр. 610

اليهودي قال: "لما قدم رسول الله المدينة جئتُه لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب". (١) وجاء في حديث البخاري أن هرقل سأل وفد قريش الذين مثلوا بين يديه في حمص (٢): هل جربتم عليه كذبًا قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا لا، فقال: "علمت أنه ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله". وقال عبد الله بن رواحة: لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيَّنَةٌ ... لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ (٣) الصنف الثاني: أحوال عموم العالم عند بعثته ﷺ ، وهي أحوال تؤذن كلَّ ذي لُب بترقب مجيءِ رسول منقذ، وتعين على انتشار دعوته: وهذا الصنف مما يدخل في قبيل الإرهاصات. أما حالة بلاد العرب، فقد عظم فيها التفاني والإحن، وأصبحت جميع القبائل مطالبة بالتراث ومنادية بالثارات، فما خمدت حربُ البسوس حتى التهبت حربُ داحس والغبراء، ولأْيًا ما حاول سادتُهم وضعَ أوزار الحرب، فكانوا إذا نجحوا زمنًا خابوا أزمانًا، كما وصف زهير في قوله:

стр. 611

تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُيْبَانَ بَعْدَمَا ... تَفَانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عطَرَ مَنْشَم (١) حتى سئم الناسُ تلك الحالة، ولم يهتدوا للخلاص منها محاله. وأما ما عدا بلاد العرب فقد كان العالم المعروف يومئذ موزعًا بين سلطة دولتين عظيمتين هما دولة الرومان ودولة الفرس، فالناس لأحوالهما تبع. وكلتا الدولتين كانت قبل ظهور الإسلام في فتن داخلية واختلال. أما دولة الروم في القسطنطينية فقد توثب على عرشها قواد الأجناد، وتعاقبوها، إلى أن استنجدت الأمةُ بهرقل الذي كان يومئذ واليًا على إفريقيا سنة ٦١٠ م، وهو الذي جاء الإسلام في مدته. ودولة الفرس كان شأنها في الانقسام شأن الروم، فكان الأمراء يتوثب بعضُهم على بعض ليتولى عرش الأكاسرة، فيغتال الابن أباه والأب ابنه، وذلك بعد وفاة أنو شروان وولاية ابنه هرمز، فثار عليه أحدُ قواد جيشه وهو بهرام، وغلبه على معظم بلاد فارس. وجاء أبرويز بن هرمز وهو أمير أذربيجان لقصد إنقاذ أبيه، ولكنه آل أمره أن قتل أباه هرمز ثم تغلب على بهرام وقتله، وكان مبعث النبي ﷺ في زمن أبرويز. ثم ثار شيرويه بن أبرويز على أبيه، وقتل أباه وإخوته، واستولَى على المملكة، ثم قتل، فولِيَ قباذ وقتل، فولِيَ أردشير. وكانت العرب في العراق تحت حكم المناذرة تابعين لمملكة الفرس، كما كانت العرب بالشام تحت حكم الغساسنة، تبعًا لمملكة الروم، فحربهم حربهم وسلمهم سلمهم. ولم يكن غرب الأرض بأحسن حالًا من الشرق؛ إذ كانت سلطنةُ الرومان بالغرب قد انقضت سنة ٤٧٦ م بتغلب الفندال والجرمان والبربر على مدينة رومة، وأظهروا في تلك الأصقاع وما وراءها أشنعَ مظاهر الاعتداء والفساد.

стр. 612

فكان زمنُ البعثة وما تقدمه زمنًا قد اتقدت فيه الفتنُ والفوضى في سائر المعروف من أقطار العالم، ولم تكن حالةُ نفوس العامة وأخلاقهم بأقل اضطرابًا واختلالًا من حالة دولهم وجماعاتهم، بقاعدة لزوم المماثلة بين الظاهر والباطن، وبين التفكير والعمل. ونكل الناظرَ في كلامنا إلى تتبع ذلك من الإلمام بالحالة التاريخية العامة؛ لأن بسطه يخرجنا عن قصد الاختصار هنا. وسنشرحه في مؤلف خاص. (١) الصنف الثالث: شهادات العلم والحكمة بصحة ما جاء به الرسول من الإرشاد النفساني وما له به تعلق من الجثماني شهادةً منتزعة مما هو مقررٌ من العلم قبل البعثة، مثل الحكمة اليونانية والفارسية والمصرية، أو مما تأخر ظهورُه عن زمن البعثة تأخرًا قريبًا أو بعيدا. وهذا الصنفُ يندرج تحت وجه من وجوه إعجاز القرآن، وإنما عددناه في المعجزات الخفية؛ لأن وجوهَ إعجاز القرآن التي تعرض لها سلفُنا كانت راجعةً إلى وجوه دلالة القرآن في نظمه وبلاغته ووفرة معانيه وخصائص تأثيره في النفوس، ولم يخصوا هذه الناحيةَ بالبحث وهي ناحيةُ إعجازه من جهة أسراره وحكمه. نعم، قد بحث علماء أصول الفقه وأسرار التشريع عن بعض الحكم في التشريع، ولكنهم لم يتوجهوا إليها من حيث دلالتُها على أنه كلامُ علام الغيوب الذي لا يعزب عنه شيء. (٢) على أن الذي نبحث عنه الآن أعمُّ مما بحثوا عن بعضه؛ اذ نقصد منه ما يتعلق بالتشريع وما يتعلق بالإرشاد الخارج عن التشريع إلى مجرد النصح والإصلاح العام، مثل ما يتعلق بصلاح المزاج، وصلاح النسل، ونظام العائلة، واستقامة العيش

стр. 613

الخاص (أي الاقتصاد المنزلي)، ولأننا نبحث عما ثبت في القرآن وفي السنة، وهذه مزيةٌ في الشريعة الإسلامية زائدة عن المقصود وهو التشريع. والذي يظهر لي أن الرسول خَصَّ بالتنبيه أمورًا لم يهتد الناسُ إليها مع عظم خطرها، أو لأنها تمس جانبَ التشريع من جهة إحداث عوائق نفسية أو جثمانية قد يكون لها تأثير سيئ في عموم الأمة. يرشدنا لذلك أنا لم نر الرسول متصديًّا إلى بيان ما يهتم الناس بالاطلاع عليه مما يلزمهم عملُه من أحوالهم الدنيوية، كأوقات الأكل، وطرق الاكتساب. ولذلك قال لأصحابه في شأن تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فبهذا يتضح لنا فرقٌ بين ما اهتم الإرشاد النبوي ببيانه أو الرمز إليه، وبين ما وكله لعلم الأقوام وعنايتهم، وكل ذلك مما هو خارج عن التشريع. وأمثلة هذا الصنف من الإعجاز وجزئياته كثيرة، نقتصر منها الآن على أمور: ١ - منها تحريم قليل الخمر الذي هو دون الإسكار، فقد كان علماؤنا يقولون: إن حكمة ذلك هو سدُّ الذريعة، ولكن علم الطب لَمَّا كثرت اكتشافاتُه أثبت أن ما يشتمل عليه الخمر من الجزء المسمى بالكحول شيء مفسِدٌ للمزاج، وأنه إذا سرى منه شيء مع لقاح التناسل في الرجل أو المرأة، أورثَ في النسل أمراضًا معضلة. ٢ - ومنها تحريم الزنا والبغاء، فقد أثبت الطبُّ أن ذلك الاختلاط يجر على النسل ويلاتٍ من فساد الأمجزة والأمراض المعضلة. ٣ - ومنها النهي عن اتخاذ الكلاب الدواجن، والأمر بغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب سبعًا إحداهن بالتراب. فقد كان هذان الحكمان مختصمَ العلماء المجتهدين في تعليله والتفريع عنه: فمنهم مَنْ أخذ من ذلك نجاسة الكلب، ومنهم من قال: بل ذلك تعبدٌ لم نطلع على علته وهو أقرب؛ لأنه لما اتضحت العلة الآن ظهر معنى التعبد الذي مال إليه مالك ﵀، فقد قال الأطباء: إن رائحة أرواث الكلاب في البيوت، ومخالطتها، تحدث أمراضًا عضالًا، وقالوا: إن لعاب الكلب يشتمل على جراثيم معدية تحدث أدواء معضلة، ورأيت من الأطباء من قال: إن تلك الجراثيم لا يطهر منها الإناء أتَمَّ تطهير إلا إذا وقعت في التراب.

стр. 614

الصنف الرابع: مقامات ثبات الإسلام وعدم تزلزله في مظاهر مناوأة أعدائه، وقلة عزيمة أنصاره، وغفلة أتباعه. وهذا الصنف يشبه المعجزات، وشواهده تبتدئ من وقت ابتداء الدعوة وتستمر مع العصور: ظهر الإسلام بين قوم كان معظمُهم مناوئًا لدعوته ساخرًا منه إلا نفرًا قليلًا، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: "لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق السمر". (١) فثبت الإسلام أمام تيار أعدائه يزيد أتباعه يومًا فيومًا بحكمة قدرها الله تعالى، وهي أن جعل المشركين يسخرون ويستضعفون وجعل الله ذلك فرصة ليمكن الدين من أتباعه، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥].

стр. 615

وإن أعظم نصير ظهر للدين قلة اكتراث قريش بدخول أهل يثرب في الإسلام، ثم إن الله تعالى يسّر انتشارَ هذا الدين في أمد غير بعيد، فما تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ حتى كان الإسلام عامًّا جميعَ الحجاز، وتهامة، ونجد، والبحرين، واليمن، ومشارفَ الشام، وصار أتباعه ملايين. ثم كان المقامُ الثاني مقامَ ثبات الدين بعد ارتداد العرب عقب وفاة رسول الله، فجبر الله الصدعَ في حالة لا تعرف أسبابها، فثاب العرب إلى الإسلام وطاعة خليفة رسول الله، فانتشر الإسلام عقب ذلك في العراق والشام والفارس ومصر وإفريقية، على عظمة تلك الممالك المناوئة له في بدء أمرها، وعلى قلة جند الإسلام تجاه تلك القوى. ثم كان المقامُ الثالث مقامَ ثباته أيام الفتنة الكبرى التي أثارها الخارجون على عثمان ﵁ في قلب الإسلام وعاصمة الخلافة، فسلم الإسلامُ من انتقاض أتباعه الذين كانوا قريبي عهدٍ بالإسلام من أهل فارس، وقبط مصر، ونصارى العرب. وتعطل انتشارُ الإسلام برهة، وفُتحت أبوابُ الفتن، فتعس الذين دبروها والذين أضرموها. ثم حدث الخلافُ بين الصحابة عن اجتهاد، وغُضب للحق من الفريقين، فرضي الله عنهم أجمعين. ثم جاءت فتنةُ الحرورية والأزارقة ومَنْ بعدهم، فأصبحت قوةُ الإسلام يرتد بعضُها على بعض فيُفنِي بعضُها بعضًا، ثم تدارك الله الأمةَ بفضيلة الحسن بن علي سبط رسول الله ﵁ وسعيه لرد سيوف المسلمين إلى قرابها. ثم حدثت حوادثُ غير مجهولة، حتى زمن عبد الملك بن مروان، فاجتمعت الكلمةُ وعادت الخلافة إلى حرمتها. ثم كان ظهور الدولة العباسية، واقتحامها إثارة نار الفتنة أيضًا، ولم تطل حتى اجتمع الناسُ بعد مقتل مروان بن محمد وخرج عبد الرحمن بن معاوية بالأندلس بفتنة غير قوية. ثم حدثت فتنةُ المغول، وجاء الانقسام المستمر. كلُّ ذلك والإسلام قائمُ الصلب، رافع الرأس، له في كل تلك العصور مقاماتٌ ثابتة، ودلائلُ على صدقه واضحة. ولا أعجب من حادثة تنصير

стр. 616

المسلمين في الأندلس، وكيف ثبتوا على دينهم خفية، إلى أن جعل الله لهم مخرج الأمر بالهجرة من تلقاء مَلِك الإسبان. ولو تأملنا الحوادثَ البعيدة عنَّا والقريبة منا والتي شهدناها في عصرنا، لرأينا الإسلام في جميعها مؤيَّدًا بعناية إلهية، فإذا اشتد خناقُ الأهوال، هبت عليه نسماتٌ من الألطاف تعيد نفسَ الآمال، غير أن ذلك محسوبٌ على المسلمين فيما تسببوا فيه من الإهمال. الصنف الخامس: بشارات الكتب السالفة بالرسالة المحمدية، وهذا الصنف يندرج في فصيلة الإرهاصات. وقد ذكر علماؤنا شواهد كثيرة، منها الصريح ومنها المؤول، وقد ذكر عياض منها كثيرًا، وأكثر منها الماوردي في كتاب أعلام النبوة، فعليك بمطالعتها. غير أني أحببت أن أذكر إشاراتٍ كالصريحة وقفت عليها بنفسي. ١ - البشارة الأولى في التوراة (العهد القديم) في سفر التثنية - الإصحاح الثامن عشر: "أقيم لهم (أي لبني إسرائيل) نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيته به"، (١) فيتعين أن المرد بإخوة بني إسرائيل العرب بنو إسماعيل، وليس المراد بهم بني إسرائيل؛ لأنه يلزم عليه إضافةُ الشيء إلى نفسه، ثم إنه لم يقم في بني إسرائيل نبِيٌّ مثل موسى، أي رسول بشرع. ٢ - البشارة الثانية في إنجيل متى في الإصحاح الرابع والعشرين، الفقرة الحادية عشر: "ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين، ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين (أي يضعف إيمانُ أهل الكتاب)، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يُخَلَّص ويكرز ببشارة الملكوت في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم، ثم يكون

стр. 617

المنتهى". (١) وهذه بشارة واضحة؛ إذ قد جاء بعد عيسى دجاجلة وعظم الإثم في العالم كما أشرنا إليه في الصنف الثاني، والذي يصبر إلى المنتهى هو محمد ﷺ ، أي يبقى شرعه إلى نهاية الدنيا. وقوله: "يكرز ببشارة الملكوت في كل المسكونة"، أي يدعو ويتقدم، وهذا معنى عموم الرسالة. وقوله: "شهادة لجميع الأمم" فيه إشارة إلى أن بعض الأمم يتبعونه وبعضهم لا يتبعونه، فتكون دعوتُه شهادة، وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ٣ - البشارة الثالثة في إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر الفقرة السادسة عشر: "وأن أطلب من الآب (أي من الله) فيعطيكم معزّيًا آخر (أي رسولًا غير عيسى المتكلم) ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله؛ لأنه لا يراه ولا يعرفه (أي لا يستطيع العالم قبول روح الحق بدون إرشاد ذلك المعزي؛ لأن العامة لا يرون الحق) ". (٢) ثم قال في الفقرة السادسة والعشرين: "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كلَّ شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (٣) (معنى باسمى أنه رسول بشريعة). وقال في الإصحاح الخامس عشر - الفقرة السادسة والعشرين: "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق ينبثق فهو يشهد لِي". (٤)

стр. 618

وهذه كلها بشارةٌ صريحة، والمراد بالمعزي المصدق والمؤيد. وقوله في بعضها: "سأرسله إليكم"، مجاز أو ضعف في الترجمة، أي الذي يجيء بعد المسيح، فكأنه أرسله، ومعنى قوله فيه: "فهو يشهد لِي"، أنه يشهد بأن عيسى رسولُ الله بعد أن أنكر اليهود، وبأنه لم يُصلب. وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] , على أحد التفسيرين. (١) الصنف السادس: أحوال تتعلق برسول الله ﷺ من قبل نبوته أو بعدها تدل على عظم شأنه وصدق دعوته. منها كراهة التعري وهو شاب في مدة بناء قريش الكعبة حين أمره عمُّه أن يرفع إزاره، فلما رفعه خر مغشيًّا عليه وقال: "رُدُّوا علي إزاري". (٢)

стр. 619

ومنها أن قريشًا كانوا إذا شتموا النبي ﷺ أبَوْا أن يسموه محمدًا فيقولون: مذمم. قال رسول الله لعائشة: "ألَمْ تَرَيْ كيف صرف الله عني سبَّ قريش: يَسُبُّون مُذمَّمًا، وأنا محمد؟ " (١) ومنها أن الله تعالَى أخفى قبورَ الرسل كلهم، فلا يُعرف قبرُ رسول محقق، وأظهر قبر محمد ﷺ ، فهو معروف بالتواتر من يوم قبر فيه. وتلك إشارة إلهية إلى أن شرعه هو الدائم، وأن شرائعَ الرسل قبله منقرضة بشرعه. ومنها ما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى الأشعري قال: "توضأت في بيتي وخرجت فقلت: لألزمن رسولَ الله يومي هذا، فجئت المسجد فسألت عنه، فقالوا: خرج وتوجه ههنا، فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، فقمت إليه فإذا هو جالس على البئر قد توسط قُفَّها، فسلمت عليه. ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت لأكونن اليوم بوابَ رسول الله، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، فذهبت فاستأذنت له رسول الله فأذن له، فدخل فجلس عن يمين رسول الله معه في القف، ثم جاء عمر فاستأذنت له كذلك، فدخل فجلس في القف عن يساره، ثم جاء عثمان فاستأذنت له فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس من الشق الآخر وِجَاههم"، قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم". (٢) ودلائلُ نبوة رسول الله ﷺ الخفية كثيرة قد يملأ استقصاؤها مجلدات، وهذه لمحة دالة على أصنافها وشواهد منها، وعسى أن يساعد الأمل، فنكتب في ذلك كتابًا طولُه لا يُمل (٣).

стр. 620

المقصد العظيم من الهجرة (١) إن في كل شأن من شؤون رسول الله ﷺ خاصِّها وعامها - دلائلَ على أنه بمحلِّ العناية من ربه تعالى تُحَقِّقُ معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، أي بمحل العناية منا؛ إذ حقيقةُ العين يستحيل إثباتُها لله تعالى فتعيَّن بحكم استعمال اللغة أن تكون العين في الآية مرادًا منها لازمُ حقيقتها، وهو الاعتناء اللازم لمعنى المشايعة، والمشايعةُ من لوازم النظر المراد من العين، كما قال النابغة يخاطب النعمان بن المنذر: رَأَيْتُكَ تَرْعَانِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ ... وَتَبْعَثُ أَحْرَاسًا عَليَّ وَنَاظِرَا (٢) ومن أعظم الشؤون التي عرضت للرسول ﵇ في رسالته شأنُ خروجه من وطنه في ذات الله تعالى، وكان في ذلك الشأن من المقاصد الإلهية العظيمة ما لا يحيط به غيرُ علَّام الغيوب. فلا جرَمَ أن نعد منها ما بلغ إليه العلم وأُلْهِمه الفهمُ في هذا الوقت القصير، وعسى أن يكون في قليله تنبيهٌ كثير، يفتح فهمَ الناقد البصير. الهجرة شِنْشِنَةٌ (٣) من أحوال الرسل؛ فقد هاجر إبراهيم ولوط وهود وصالح وموسى ويونس، ولكلٍّ وجهة، وكلٌّ على هيئة. وتلك الشنشنة هي التي أنبأت ورقةَ بن نوفل بأن محمدًا ﵊ سيسلك به ربُّه مسلكَ رسله:

стр. 621

﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء: ٧٧]. كان ورقة بن نوفل القرشي المتنصِّر في الجاهلية قد توسَّم من بعثة النبي ﷺ أن يَخرُج أو يُخرَج من وطنه، ففي صحيح البخاري أن رسول الله لَمَّا ذهب إليه بإشارة خديجة ﵂ وقصَّ عليه رؤيةَ الملك ونزول الوحي عليه في غار حراء، قال له ورقة: "هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، يا ليتني فيها جَذعٌ، يا ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومُك! فقال رسول الله: "أَوَمُخرِجِيَّ هم؟ " قال (ورقة): نعم، لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركْني يومُك أَنصرْك نصرًا مؤزرًا". (١) كان خروجُ رسول الله ﷺ من مكة نبذًا منه لأهل الشرك، وسخطًا عليهم، وتنزيهًا للدين عن البقاء بين أظهرهم، وإيذانًا لسائر الناس بأنَّ أمرَ هذا الدين ليس بالأمر الهين؛ فإن الدعوة بالفعل مع القول أشدُّ نفوذًا إلى النفوس من مجرد القول، بحيث صارت الدعوةُ الإسلامية حادثًا مشاهدًا ومتحدَّثًا به بعد أن كانت مسموعةً لا غير. ولذلك سُمِّي هذا الخروجُ هجرةً، مشتقة من الهجر، وهو قَطع المعاشرة. ولقد كانت بإذن الله له بذلك حين تهيأت الأسباب التي أرادها الله تعالى، كما أنبأ به حدثُ الهجرة في الصحيح أن رسول الله قال لأبي بكر: "إن الله قد أذن لِي في الخروج والهجرة". (٢) لم يكن ذلك الخروج فرارًا وخشية من المشركين؛ لأن الله الذي عصمه منهم ثلاث عشرة سنة وهم يؤذونه بالقول ولا يقدمون على إلحاق الضرر به قادرٌ على إكمال عصمته منهم، وخاصة بعد أن كثر أتباعه، واعتزوا بأقويائهم مثل عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب. وقد علم رسول الله أنه إذا خرج من بين قومه يعدون خروجه

стр. 622

غلبةً معنوية عليهم، فيحاولون منعَه. فلذلك رأى أن كتمان أمره أعونُ على مراد الله من خروجه، ورأى الاختفاءَ بعد الخروج ثلاث ليال بغار ثور أقطعَ لطماعية المشركين في اللحاق به وأعجزَ لهم في طلبه، ولذلك كان يسير الليلَ ويستريح النهار. وتلك أيضًا عادةُ العرب في سيرها وقت الحر، وقد كانت الهجرة في زمن الحر. الهجرة مفارقةُ الوطن على نية عدم الرجوع إليه. وأسبابُها تارة تكون للطمع في نفع يحصل للمهاجر في الموطن الذي ينتقل إليه، وتارة من كراهية الإقامة في الوطن لعداء بين المهاجر وقومه أو لأذى لحقه منهم، وتارة لنشر دعوة أو إظهار فضيلة أو استنصار على عدو أو غير ذلك، فهي أخصُّ من السفر ومن التغرب؛ لأن في السفر والتغرب أملَ العود إلى الوطن. وأيًّا ما كانت غايتُها ومنفعتها، فإنها شديدةُ المضاضة على النفس؛ لأن في مفارقة الوطن مفارقةً لأعلق البقاع بالقلب مما شب فيه المرءُ وأَلِفه، ومفارقةَ قرابته وجيرانه وأحبته، وقد قال أبو الطيب وأجاد: وَلَوْلَا مُفَارَقَةُ الأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ ... لَهَا المَنَايَا إِلَى أَرْوَاحِنَا سَبُلَا (١) وسَمَّاها القرآنُ فتنةً في قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، قال المفسرون: أراد إخراجَ المؤمنين من بلادهم مكة. (٢)

стр. 623

ثُمَّ إن أسْمى غايةٍ يفارق المرءُ لأجلها وطنَه، وأقوى سببٍ يَحْدُث عنه الشقاقُ بين المرء وذويه، هو الذبُّ عن الاعتقاد إذا بلغ عنادُ المخالفين فيه إلى حدِّ تحجير إظهاره والمضايقة فيه، ومحاولة الإرغام على تركه، والتظاهر بما يخالفه. وإن المرء ليضجر لو أُغمضت عيناه أو سُدت أذناه وما هما إلا بعضُ مظاهر إدراكه، فكيف به إذا سُدَّ عليه قلبُه وعقلُه ورأيُه؟ وإن أسمى العقائد وأقدسَ الآراء عقيدةُ الدين لتعلقها بأشرف الموجودات، ولتجردها عن الغايات المادية والمنافع العاجلة التي تلائم هناءَ المرء في عيشه ومسالمة دهماء قومه إياه. فالاعتقاد الديني اعتقادٌ محبوب لأجل كونه حقًّا بحتًا، ولأجل كونه يرضي خالقَ الخلق. وقد كانت الهجرةُ قي الله للتمكن من تبليغ شرائعه، وكان الأذى في الله لأجل ذلك سنةً من سنن المرسلين، فما من رسول إلا وقد أوذي في الله، وكذلك كثيرٌ من أصحاب الرُّسل أوذوا وهاجروا معهم وبدونهم. ولما بعث الله محمدًا ﷺ واتبعه مَنِ اتبعه من قريش وتكاثروا، وحاولوا إظهارَ دينهم بين مشركي أهل مكة، لم يرض المشركون بذلك، وكشَّروا للمسلمين عن أنياب العدوان، وأخذوا يؤذون المسلمين بصنوف من الأذى كانت تزداد يومًا فيومًا بمقدار رسوخ المسلمين في الاستمساك بدينهم. وكان المسلمون صابرين على أذى المشركين، حتى إذا بلغ الصبرُ غايته أذن رسولُ الله في سنة خمس لطائفة من المؤمنين المستضعفين والمقصودين بخاصة الأذى بالخروج من مكة. ولم يخرج رسول الله حينئذ؛ لأنه في منعة بعمِّه أبي طالب، فقال لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه". (١) فخرج من المسلمين يومئذ ثلاثة وثمانون رجلًا

стр. 624

وتسعُ عشرة امرأة، فتلك الهجرة الأولى. ثم لمَّا أسلم الأوس والخزرج، أذن الله لرسوله وللمؤمنين كلهم بالهجرة من مكة إلى المدينة دار الإسلام، وقد قيل: إن ذلك كان باقتراح من عمر بن الخطاب ﵁ (١). ورجع مهاجِرَةُ الحبشة إلى المدينة، فكان حكم الهجرة من مكة واجبًا على كل مسلم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ودام ذلك الحكم إلى فتح مكة. كم من حكمة لله تعالى فيما اشتمل عليه حادث الهجرة من الأحوال، وكم من نعمة أسداها لعبده ورسوله في تلك الهجرة، دلَّ بها على أنه بمحل عنايته وأنه متمم نوره ولو كره الكافرون، قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. ١ - الحكمة الأولى صرفُه ألبابَ قريش وحذقَهم عن أن يفكروا في قطع دابر أمر الإسلام قبل أن يكثر أتباعه ويُنتدَب له أنصارُه، وتشتيتُه رأيَهم في صده عن الخروج حتى مكنه الله منه، وفي ذلك اليأس تهيئةٌ لهم نحو الدخول في الإسلام. ٢ - الحكمة الثانية أن هيأ له أن تكون هجرتُه إلى يثرب، ولم يكن ذلك في باله أول وهلة، ففي الصحيح عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخلٌ فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو

стр. 625

هَجَرُ، فإذا هي المدينة يثرب". (١) فكان من تيسير الله أن ساق إليه النفر الستةَ الأولين من الأوس الذين أسلموا من أهل يثرب، فإن موقع المدينة كان وسطًا من أرض العرب، فكان بلوغُ دعوة الإسلام إلى بلاد العرب بانتشار شعاعي، وهذا أيسر عمومًا مما لو كانت دار الهجرة اليمامة أو هجر في الطرف الشرقي من بلاد العرب. ٣ - الحكمة الثالثة أن أهلَ يثرب كانوا أقرب قبائل العرب لقبول شريعة الإسلام؛ فإنهم وإن كانوا قبل الإسلام مشركين يعبدون مناة وغيرها، إلا أنهم لشدة مخالطتهم لليهود - وهم أهل كتاب - كانت آذانهم قد اعتادت معاني التوحيد والشرائع، فكانت نفوسهم مرتاضة إلى ذلك. ٤ - الحكمة الرابعة أن الله جعل للمسلمين من أهمية موقع المدينة من بلاد العرب سلطانًا على أعدائهم من قريش أهل مكة؛ فإن قريشًا كانوا تجارًا وكانت لهم رحلةٌ في الشتاء إلى اليمن للجارة وأخرى في الصيف إلى الشام، سن لهم ذلك هاشم ابن عبد مناف جد النبي ﷺ ، وذلك هو المسمى بالإيلاف. (٢) وكان مرورُهم إلى الشام على طريق المدينة من بطن عالج، فلما صارت المدينةُ دارَ سلام وثبتت العداوة بين أهلها وبين قريش صارت قريشٌ ترهب المرورَ على المدينة، فانقطعت تجارتهم إلى الشام، وهي أهم تجارتهم. وفي ذلك المعنى قال حسان بن ثابت مهددًا لقريش: دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّأْمِ قَدْ حَالَ دُونَهَا ... جِلَادٌ كَأَفْواهِ المَخَاضِ الأَوَارِكِ (٣) بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ ... وَأَنْصَارِهِ حَقًّا وَأَيْدِي المَلَائِكِ

стр. 626

إِذَا سَلَكَتْ لِلْغَوْرِ مَنْ بَطْنِ عَالِجٍ ... فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطَّرِيقُ هُنَالِكِ (١) ٥ - الحكمة الخامسة انتقال الإسلام من طور إلى طور أكمل منه، وهو الذي كان مقدمة كماله المعلن عليه يوم حجة الوداع بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. مضت مدةُ إقامة رسول الله بمكة والإسلام حينئذ في طور كان فيه دينًا مقتصرًا على إصلاح العقيدة، وتهذيب نفوس أتباعه، وتطهير أخلاقهم في خويصتهم ومجتمعهم، ودعوة المشركين إلى الإيمان بالله ورسله وما جاؤوا به، وتشهير فضائع أهل الشرك وضلالهم وسخافة رأيهم. وذلك طورٌ ابتدأ الله به الإسلام لينشأ منشأ سائر الكائنات من طفولة إلى شباب إلى كهولة: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]، ولتهيئة قلوب المسلمين إلى تلقي الشرائع وانتظام الجماعة. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة تطوَّر الإسلامُ إلى طوره الأشد، فصار دينًا وجامعة، وشريعة وحكومة. ٦ - الحكمة السادسة استقلال الإسلام وأمنه وإعلان العبادة، فشرع الأذان، وأقيمت الجمعة، ونحو ذلك. ٧ - الحكمة السابعة تنظيم الجماعة في الإسلام من أول الهجرة بابتناء المساجد وإقامة الأئمة والقضاء، ومشروعية المواساة بين المسلمين بالزكاة والصدقات، وتنظيم قوانين العائلة من شرع تصحيح عقود الزواج وحقوق الزوجين والقرابة والمصاهرة إلخ، والاستخلاف في تدبير الأمور وإقامة الأحكام في مغيب الرسول أو في البعد عنه، وابتداء التشريع العام في أحكام المعاملات والجنايات. ففي الصحيح

стр. 627

عن عائشة ﵂ قالت: "إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل بين ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام". (١) ٨ - الحكمة الثامنة تنظيم الدفاع عن الدين والأمة بالتهيّؤ لمقاومة المشركين من أهل مكة وأحلافهم إذا نووا ذلك، وهم يوشك (٢) أن ينووه إذ هم من قبل قد ناوءوه. ٩ - الحكمة التاسعة إيجاد مال للمسلمين لإقامة مصالحهم وعُدَّةً لنوائبهم، مجتمعًا من الزكاة والأوقاف، ثم من المغانم والأنفال. ١٠ - الحكمة العاشرة مخاطبةُ ملوك الأرض ورؤساء الأمم بالدعوة إلى الدخول في دين الإسلام، والاستظلال بالراية الإسلامية.

стр. 628

الكتاب الذي هم به رسول الله ﷺ قبيل وفاته (١) كان من شنشنة المرشدين - الأنبياء والحكماء - التهمم بتخطيط نظام لأقوامهم في الأحوال العسيرة، خيفة أن تعرض لهم العقبات الكؤود فلا يجدوا لاقتحامها جهودًا ولا حيلة، وما حيلة من يسلك مهمًا افتقد فيه دليله؟ وأشد ما تنصرف إليه هممهم أن يجعلوا من الإرشاد نبراسًا يضيء لهم في ديجور فقدهم مرشديهم. لذلك كان من سنن الأنبياء والحكماء أن يثبتوا وصايا تحرض أتباعهم على ما فيه صلاحهم، أو تحذرهم مما يفضي إلى اختلال أحوالهم في النوائب التي كان من دأبهم عند اعترائها أن يهرعوا إليهم للاقتباس من هديهم المعصوم، أو من تدبير آرائهم الراحجة. فإذا فرض أن تحدث تلك النوائب بعد وفاتهم، [فإنهم] يتركون ما يأملون أن يكون إليه مفزع الأمة وفي معاقله معتصم لهم حتى يكون النفع مستمرًّا في حياتهم وبعد انتقالهم إلى أمد مقدر. وإذ قد كان من المتعذر في طرق الإرشاد البشري إحاطة البيان بكل ما يُتوقَّع حدوثُه، كان شأن المرشدين انصراف وصاياهم إلى أهم ما به الصلاح والنجاح من الكوارث المبيدة، وما يكون الالتباس فيه يستنزل بالأمة الضلال والخسران. وإن آخر ما يقرع السمع من كلام القدوة المحبب إلى أمته وقعًا من نفوسهم يحرصون

стр. 629

على وعيه، ويهتمون برعيه، ويرون العمل به إرضاءً لتلك الروح المفارقة، يرغبون به في مرضاتها، ويتفاءلون بعاقبته في ساعات الشدائد وأوقاتها. وقد حكى الله تعالى عن إبراهيم ويعقوب ﵉ هذا المقام بقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٢, ١٣٣]، وحكى عن موسى في وقت مغيبه للمناجاة: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ولم يخل نبي ولا حكيم من استيداع قومه أو مريديه ما فيه هديُهم عند الحيرة، وإعانتهم عند المشكلات. وما كتبت الصحف المنزلة، وأرسلت الأمثال والحكم السائرة، ودونت القوانين والتآليف النافعة، إلا وفاءً بهذا الغرض، وأداءً لهذا الحق المفترض. ومحمد ﷺ أكملُ المرشدين إرشادًا، وأوفرُ النا صحين في مقاومة الضلال عتادًا؛ لأن الله تعالى اختصه باجتماع صفات جاء بها قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وهذه الصفات ينبثق عنها إرشاد لا يوازنه إرشاد؛ لأن عزة عنت المسلمين عليه يناسبه تعجيل إرشادهم، والإسراعَ بالأخذ بأيديهم إلى مرافق العزة والكمال، واستيعاب أساليب إيصال الإرشاد إلى قلوبهم. ولأن حرصه عليهم، أي على نفعهم، يناسبه قصدُ وعي إرشاده بجوامع الكلم، ومنتهى البلاغة والإيجاز. ولأن رأفته ورحمته بهم يناسبها تسهيل طرق دلائل هديه في مختلف الأحوال بما ليس بعده متطرق للضلال. وهذا المقام - مقام رأفته ورحمته - هو المقام الجامع لبقية الصفات النبوية، ولذلك قصره الله تعالى على حال الرحمة في قوله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 630

أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فكانت تلك الرحمة دائمة بدوام شريعته، عامة لأتباعه والمتوسمين لهديه، في حياته المباركة وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وهذا مقام قوله ﷺ : "حياتِي خيرٌ لكم، ومماتي خير لكم". (١) فكان من خصائصه ﷺ أن هديه بعد مماته كهديه في حياته، بما فيه من جوامع الإرشاد. وليس هذا محل تفصيل هذا وتبيينه. وقد نشأ عن الصفات الثلاث المباركة أن رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة، ذكر ما عسى أن يعرض لأمته من الضلال في أشياء تحل بعد وفاته، وعز عليه ذلك، وحرص على انتشالهم منه، فرام أن يخص ذلك بوصية خاصة، وأن يكتب فيه كتابًا يعصمهم من الضلال فيه. ثم عرض وصف الرأفة والرحمة فانصرف عن ذلك إلى ما هو خير لهم. روى البخاري في كتاب العلم وفي المغازي وفي الجهاد، وروى مسلم في كتاب الوصية بأسانيد مختلفة ترجع إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسعيد بن

стр. 631

جبير كلاهما عن ابن عباس، وفي بعض أسانيده زيادةٌ على بعض، وأنا أجمعها هنا: "قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس! لما حُضِر رسول الله واشتد به وجعه وفي البيت رجال، قال: "ائتوني باللوح والدواة أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أو بعدي أبدًا"، فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله، حسبنا كتاب الله! فاختلفوا واختصموا، فمنهم مَنْ يقول: قرِّبوا يكتب لكم، ومنهم مَنْ يقول غير ذلك. فتنازعوا وكثر اللغط، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجر؟ استفهموه، فذهبوا يردون عليه، فقال: "دعُونِي فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه". (١) مشكلات: وهذا الحديث معدودٌ في الأخبار والسيرة النبوية، [و] يتلخص إشكالُه في تسعة وجوه: الأول: أن قول رسول الله: "أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده"، يقتضي أنه قد بقي فيما لم يبلغه الرسولُ إلى الأمة ما فيه عصمة من الضلال. الثاني: كيف يكون كتابٌ يُكتب في مثل ذلك الوقت محيطًا بدفع كل ضلال يعرض للأمة مع أن أضعاف ذلك الكتاب مما نزل من القرآن وما صدر من الرسول من الأقوال والأفعال لم يكف في دفع الضلال عنهم والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]؟

стр. 632

الثالث: أن الرسول ﷺ عزم على أن يكتب لهم كتابًا، وقد تقرر أنه ﷺ أمي، فكيف يكتب الكتاب؟ الرابع: إذا كان فيما سيقوله رسول الله ما يدفع عن الأمة الضلال، فما وجهُ توقفه عن الكتابة؟ ولماذا لم يبلغه إليهم الرسول بالقول دون كتابة؟ الخامس: كيف قال رسول الله: "دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"؟ فإن كان الحال الذي فيه رسول الله من المكاشفات أو الوحي هو خيرًا للرسول من كتابة الكتاب، فقد فات الأمةَ ما كان فيه دفعُ الضلال عنهم، وإن كان خيرًا للأمة من الكتاب فهو أمر لم يبين لهم من بعد. السادس: كيف أقدم عمر بن الخطاب على صد الناس أن يأتوا رسول الله باللوح والدواة ليكتب لهم؟ السابع: وكيف يقول عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع؟ الثامن: وكيف يقول عمر: حسبنا كتاب الله، مع أن رسول الله يقول: لن تضلوا بعده؟ التاسع: أن بعضهم قال: "ما شأنه؟ أَهَجر؟ استفهموه! " فإن معنى هَجر: قال هجرًا، أي: قال كلامًا غير مقصود كشأن المحموم، فيكون هذا القائل قد جوز أن يكون ما صدر من رسول الله ﷺ كلامًا لا تعويلَ عليه، فيكون تجويزًا لجريان الخطأ على لسانه. وهذا يدافع اليقين بأن لا ينطق عن الهوى! وجريًا على السَّنَن الذي سلكناه في الذكريات المولدية السالفة في القصد إلى ناحية من نواحي السيرة النبوية نراها جديرة ببحث أوفَى مما منحها الكاتبون، فنمدها من الفتوح الإلهية بهواطل تنضح قتام الإشكال، وتمد إليه من الحقائق ما يحوك سداها ولحمتها على أتقن منوال، نقول: إن رسول الله قد أرشد أمته في نيف وعشرين سنة إرشادًا لم يغادر دخيلة من دخائل النفوس صالحها وشريرها إلا أتَى

стр. 633

على ما يثبت صلاحها ويهذبه، أو يقتلع شرها ويذهب به، فله إرشاد مستمد من علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفِي الصدور. وقد أومأ إلى هذا قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، فالمجتبَى هو محمد ﷺ لتمييز الخبيث من الطيب في سائر الأحوال. وما نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلا وقد كمل أمر الإرشاد إلى ما فيه صلاحُ العاجل والمعاد. وقد أرشد رسول الله بالقرآن، وبالخطب والمواعظ، والتعليم البالغ، وغير ذلك من مختلف طرق الإرشاد، في قوله وفعله، وسيرته وسمته، فكلها مفاتح هدى ورشد. وهذا الإرشاد باقٍ ما بقي هذا العالم، وملاكه هو القرآن المكتوب المقروء المحفوظ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكان ذلك مقنعًا للمسلمين إذا دعوا إليه أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. وقد عرضت أحوالٌ كان من المصلحة أن يكتب فيها رسول الله ﷺ كتبًا، إقامةً للحجة في مظان غلبة الهوى على الوازع الديني، فكتب رسول الله ﷺ إلى ملوك من العرب وغيرهم، وكتب إلى بعض أمرائه كتبًا لتكون حجة لدى أقوامهم، وتذكرة لهم عند الاشتباه، مثل كتابه إلى عمرو بن حزم لما بعثه إلى بني الحارث بن كعب، فبين له فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات؛ لأن العرب يأنفون من تغير عوائدهم ويشمئزون من دفع أموالهم كالمغارم. وكتب بالإقطاعات وبالعطايا لكي لا يُنازَع المعطَى في عطيته. كلُّ ذلك لمصالح لا تفي بها الأقوال. فهمُّ رسول الله ﷺ بكتابة كتابٍ في آخر أيامه مع أصحابه ليس لقصد التشريع؛ لأن الشريعة قد كملت، ولأنه لو كان لقصد التشريع لما عدل عنه ولما قال: "فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، إذ التشريع هو المقصد الأهم من بعثته، وكيف والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]؟ وكذلك ليس هو لبيان ما يحتاج إلى بيانه من المجملات الشرعية؛ لأن ذلك لا يناسب قوله: "ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، وإن كان

стр. 634

يجوز للرسول ترك البيان اكتفاءً بالأدلة التي تلوح لمجتهدي الأمة. فتعين أن يكون الكتاب الذي هَمَّ به مقصودًا لأمر غير متعلق بإفادة تكليف ولا بشرع أُنُف، وأنه إنما كان في أمر يرجع إلى تنبيه الأمة أو بعضها إلى شيء من شؤون تدبير أمورهم العامة، وتحريضهم أو تحذيرهم في شيء مما سبق الإشارةُ إليه في القرآن والسنة. وإن مَنْ مارس السنة النبوية يستيقن أنه قد كثرت من رسول الله ﷺ في العام الأخير من حياته أقوالٌ مشيرة إلى قرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فبعضها صريح، وبعضها دونه، وأن أصحابه كانوا متفاوتين في التفطن إلى الإيماء منها، وقارن معظمَها إيقاظُ الأمة إلى الأخذ بالحزم في شؤون جماعتهم، والتعويل على استخدام مواهبهم في العمل بما سبق إليهم من الإرشاد، وحذرهم من عوارض تعرض للأمم، كقوله في خطبة حجة الوداع: "فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وفي حديث الترمذي عن العرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فأوصانا، قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، فإنه مَنْ يعش منكم يَرَ اختلافًا كثيرًا. . .""، الحديث. (١) وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. وفي حديث الصحيحين: "إني لأرى الفتن من خلال بيوتكم". (٢)

стр. 635

فلا جرم أن كان الكتاب المعزوم عليه يتضمن التحذيرَ من شيء سيقع، مثل النص على أن أبا بكر هو الذي يلي أمر المسلمين، أو النص على كيفية تعيين الخلفاء للأمة، وقاعدة البيعة، فإن الخلاف في ذلك قد جر فتنًا على المسلمين نشأت من اختلاف في أدلة الاجتهاد. قال المازري في المعلم: "وقد قال بعضُ العلماء: الأظهر عندي أنه أراد ﷺ أن ينص على الإمامة بعده لترتفع بنصه عليها تلك الفتن العظيمة التي منها حربُ الجمل وحرب صفين. وهذا الذي قاله غير بعيد". (١) ولا شك أن المهاجرين والأنصار كانوا يومئذٍ في حال حيرة في مصير أمرهم بعد وفاة نبيهم. ويُحتمل أن يكون أراد أن يكتب لهم كتابًا في إعادة التصريح بأن الإيمان لا ينقضه التقصيرُ في الأعمال البدنية، فإن تكفير المسلمين بعضهم بعضًا قد ابتلاهم بفتن عظيمة، مثل فتن الخوارج والمعتزلة وغيرهم الناشئة عن اعتقاد تكفير مرتكب الكبيرة حتى أفضت إلى الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ وتكفير بعضهم كثيرًا منهم. وآل هذا إلى أن ترمي طائفة مخالفيها بتهمة الخروج عن حظيرة الإسلام، فتستخف بحقوقها ودمائها، ولا تلبث أن تمتشق السيوف بين الطائفتين، حتى كاد أن ينفرط عقد الجامعة الإسلامية. ومني المسلمون بفتن عظيمة عملية وفكرية من جراء مصيبة تكفير بعضهم بعضًا قد شهد بها التاريخ. أو يكون قد أراد أن يبين للأمة وجوب استمرارهم على ما كانوا عليه في حياة الرسول من الانقياد وإعطاء زكاة الأموال ليسلموا من فتنة الارتداد التي طلع قرنها بعد وفاة رسول الله ﷺ باعتقاد قبائل العرب أن الطاعة لا تجب بعد الرسول، كما قال الحطيئة:
следующие страницы →