جبير كلاهما عن ابن عباس، وفي بعض أسانيده زيادةٌ على بعض، وأنا أجمعها هنا: "قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس! لما حُضِر رسول الله واشتد به وجعه وفي البيت رجال، قال: "ائتوني باللوح والدواة أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أو بعدي أبدًا"، فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله، حسبنا كتاب الله! فاختلفوا واختصموا، فمنهم مَنْ يقول: قرِّبوا يكتب لكم، ومنهم مَنْ يقول غير ذلك. فتنازعوا وكثر اللغط، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجر؟ استفهموه، فذهبوا يردون عليه، فقال: "دعُونِي فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه". (١)
مشكلات:
وهذا الحديث معدودٌ في الأخبار والسيرة النبوية، [و] يتلخص إشكالُه في تسعة وجوه:
الأول: أن قول رسول الله: "أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده"، يقتضي أنه قد بقي فيما لم يبلغه الرسولُ إلى الأمة ما فيه عصمة من الضلال.
الثاني: كيف يكون كتابٌ يُكتب في مثل ذلك الوقت محيطًا بدفع كل ضلال يعرض للأمة مع أن أضعاف ذلك الكتاب مما نزل من القرآن وما صدر من الرسول من الأقوال والأفعال لم يكف في دفع الضلال عنهم والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]؟
стр. 632
الثالث: أن الرسول ﷺ عزم على أن يكتب لهم كتابًا، وقد تقرر أنه ﷺ أمي، فكيف يكتب الكتاب؟
الرابع: إذا كان فيما سيقوله رسول الله ما يدفع عن الأمة الضلال، فما وجهُ توقفه عن الكتابة؟ ولماذا لم يبلغه إليهم الرسول بالقول دون كتابة؟
الخامس: كيف قال رسول الله: "دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"؟ فإن كان الحال الذي فيه رسول الله من المكاشفات أو الوحي هو خيرًا للرسول من كتابة الكتاب، فقد فات الأمةَ ما كان فيه دفعُ الضلال عنهم، وإن كان خيرًا للأمة من الكتاب فهو أمر لم يبين لهم من بعد.
السادس: كيف أقدم عمر بن الخطاب على صد الناس أن يأتوا رسول الله باللوح والدواة ليكتب لهم؟
السابع: وكيف يقول عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع؟
الثامن: وكيف يقول عمر: حسبنا كتاب الله، مع أن رسول الله يقول: لن تضلوا بعده؟
التاسع: أن بعضهم قال: "ما شأنه؟ أَهَجر؟ استفهموه! " فإن معنى هَجر: قال هجرًا، أي: قال كلامًا غير مقصود كشأن المحموم، فيكون هذا القائل قد جوز أن يكون ما صدر من رسول الله ﷺ كلامًا لا تعويلَ عليه، فيكون تجويزًا لجريان الخطأ على لسانه. وهذا يدافع اليقين بأن لا ينطق عن الهوى!
وجريًا على السَّنَن الذي سلكناه في الذكريات المولدية السالفة في القصد إلى ناحية من نواحي السيرة النبوية نراها جديرة ببحث أوفَى مما منحها الكاتبون، فنمدها من الفتوح الإلهية بهواطل تنضح قتام الإشكال، وتمد إليه من الحقائق ما يحوك سداها ولحمتها على أتقن منوال، نقول: إن رسول الله قد أرشد أمته في نيف وعشرين سنة إرشادًا لم يغادر دخيلة من دخائل النفوس صالحها وشريرها إلا أتَى
стр. 633
على ما يثبت صلاحها ويهذبه، أو يقتلع شرها ويذهب به، فله إرشاد مستمد من علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفِي الصدور.
وقد أومأ إلى هذا قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، فالمجتبَى هو محمد ﷺ لتمييز الخبيث من الطيب في سائر الأحوال. وما نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلا وقد كمل أمر الإرشاد إلى ما فيه صلاحُ العاجل والمعاد. وقد أرشد رسول الله بالقرآن، وبالخطب والمواعظ، والتعليم البالغ، وغير ذلك من مختلف طرق الإرشاد، في قوله وفعله، وسيرته وسمته، فكلها مفاتح هدى ورشد. وهذا الإرشاد باقٍ ما بقي هذا العالم، وملاكه هو القرآن المكتوب المقروء المحفوظ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكان ذلك مقنعًا للمسلمين إذا دعوا إليه أن يقولوا: سمعنا وأطعنا.
وقد عرضت أحوالٌ كان من المصلحة أن يكتب فيها رسول الله ﷺ كتبًا، إقامةً للحجة في مظان غلبة الهوى على الوازع الديني، فكتب رسول الله ﷺ إلى ملوك من العرب وغيرهم، وكتب إلى بعض أمرائه كتبًا لتكون حجة لدى أقوامهم، وتذكرة لهم عند الاشتباه، مثل كتابه إلى عمرو بن حزم لما بعثه إلى بني الحارث بن كعب، فبين له فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات؛ لأن العرب يأنفون من تغير عوائدهم ويشمئزون من دفع أموالهم كالمغارم. وكتب بالإقطاعات وبالعطايا لكي لا يُنازَع المعطَى في عطيته. كلُّ ذلك لمصالح لا تفي بها الأقوال.
فهمُّ رسول الله ﷺ بكتابة كتابٍ في آخر أيامه مع أصحابه ليس لقصد التشريع؛ لأن الشريعة قد كملت، ولأنه لو كان لقصد التشريع لما عدل عنه ولما قال: "فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، إذ التشريع هو المقصد الأهم من بعثته، وكيف والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]؟ وكذلك ليس هو لبيان ما يحتاج إلى بيانه من المجملات الشرعية؛ لأن ذلك لا يناسب قوله: "ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، وإن كان
стр. 634
يجوز للرسول ترك البيان اكتفاءً بالأدلة التي تلوح لمجتهدي الأمة. فتعين أن يكون الكتاب الذي هَمَّ به مقصودًا لأمر غير متعلق بإفادة تكليف ولا بشرع أُنُف، وأنه إنما كان في أمر يرجع إلى تنبيه الأمة أو بعضها إلى شيء من شؤون تدبير أمورهم العامة، وتحريضهم أو تحذيرهم في شيء مما سبق الإشارةُ إليه في القرآن والسنة.
وإن مَنْ مارس السنة النبوية يستيقن أنه قد كثرت من رسول الله ﷺ في العام الأخير من حياته أقوالٌ مشيرة إلى قرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فبعضها صريح، وبعضها دونه، وأن أصحابه كانوا متفاوتين في التفطن إلى الإيماء منها، وقارن معظمَها إيقاظُ الأمة إلى الأخذ بالحزم في شؤون جماعتهم، والتعويل على استخدام مواهبهم في العمل بما سبق إليهم من الإرشاد، وحذرهم من عوارض تعرض للأمم، كقوله في خطبة حجة الوداع: "فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وفي حديث الترمذي عن العرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فأوصانا، قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، فإنه مَنْ يعش منكم يَرَ اختلافًا كثيرًا. . .""، الحديث. (١) وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. وفي حديث الصحيحين: "إني لأرى الفتن من خلال بيوتكم". (٢)
стр. 635
فلا جرم أن كان الكتاب المعزوم عليه يتضمن التحذيرَ من شيء سيقع، مثل النص على أن أبا بكر هو الذي يلي أمر المسلمين، أو النص على كيفية تعيين الخلفاء للأمة، وقاعدة البيعة، فإن الخلاف في ذلك قد جر فتنًا على المسلمين نشأت من اختلاف في أدلة الاجتهاد. قال المازري في المعلم: "وقد قال بعضُ العلماء: الأظهر عندي أنه أراد ﷺ أن ينص على الإمامة بعده لترتفع بنصه عليها تلك الفتن العظيمة التي منها حربُ الجمل وحرب صفين. وهذا الذي قاله غير بعيد". (١) ولا شك أن المهاجرين والأنصار كانوا يومئذٍ في حال حيرة في مصير أمرهم بعد وفاة نبيهم.
ويُحتمل أن يكون أراد أن يكتب لهم كتابًا في إعادة التصريح بأن الإيمان لا ينقضه التقصيرُ في الأعمال البدنية، فإن تكفير المسلمين بعضهم بعضًا قد ابتلاهم بفتن عظيمة، مثل فتن الخوارج والمعتزلة وغيرهم الناشئة عن اعتقاد تكفير مرتكب الكبيرة حتى أفضت إلى الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ وتكفير بعضهم كثيرًا منهم. وآل هذا إلى أن ترمي طائفة مخالفيها بتهمة الخروج عن حظيرة الإسلام، فتستخف بحقوقها ودمائها، ولا تلبث أن تمتشق السيوف بين الطائفتين، حتى كاد أن ينفرط عقد الجامعة الإسلامية. ومني المسلمون بفتن عظيمة عملية وفكرية من جراء مصيبة تكفير بعضهم بعضًا قد شهد بها التاريخ.
أو يكون قد أراد أن يبين للأمة وجوب استمرارهم على ما كانوا عليه في حياة الرسول من الانقياد وإعطاء زكاة الأموال ليسلموا من فتنة الارتداد التي طلع قرنها بعد وفاة رسول الله ﷺ باعتقاد قبائل العرب أن الطاعة لا تجب بعد الرسول، كما قال الحطيئة:
стр. 636
أَطَعْنَا رَسُولَ الله إِذْ كَانَ بَيْنَنَا ... فَيَا لَعِبَادِ الله مَا لأَبِي بَكْرِ؟ (١)
ومن المحتمل القريب أن يكون رسول الله ﷺ أراد أن يكتب لهم وصية بملازمة كتاب الله وسنة رسوله، وتذكر ما سبق من هديه وإرشاده. فقد ثبت في الصحيح أنه أوصى قبيل وفاته بكتاب الله، وثبت أنه أوصى بالصلاة وما ملكت أيمانهم. ثم قد يكون عزم رسول الله على هذا الكتاب ناشئًا عن إذن إلهي بوحي، وقد يكون عن اجتهاد منه بناءً على المختار من أقوال علمائنا بجواز الاجتهاد للنبي ووقوعه منه رسول الله ﷺ .
وأيًّا ما كان الغرضُ الذي هَمَّ رسول الله بكتابته، وأيًّا ما كان الباعث الذي دعا رسول الله إلى ذلك، فقد عدل عنه وتركه، وقال لهم حين أعادوا عليه: "ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه". فإن كان عزمه الأول ناشئًا عن وحي، يكون قوله الثاني دالًّا على أن الله نقله من ذلك العزم إلى ما هو خير للأمة، فيكون نسخًا للإذن بالكتابة. وإن كان ناشئًا عن اجتهاد مستند إلى ظواهر الأدلة والأحوال، فالله صرفه عنه بوحيه إليه ما هو خير لأمته في علم علام الغيوب، أو غيَّر اجتهادَه بلائحة أدلة أخرى أظهرت لرأيه ما هو خير لأمته في ترك ما عزم عليه.
وجعل الله اختلاف الحاضرين في الأمر سكينة لنفس رسول الله ﵇ لئلا يبقى له شك في نفع العدول عن ذلك الكتاب. وإن من أول منافعه إزالة الاختلاف بين الحاضرين في شأنه. (٢)
стр. 637
بقي علينا أن نبين وجهَ تفضيل العدول عن الكتاب، وجامع القول في ذلك أن الله في تلك الفترة أوحى إلى رسوله بشارة بأن أمته لا تضل، وأن ما يعرض لها من النوائب إنما هو سنة الله في الأمم، وأن تلك العوارض لا تلبث أن تنقشع، وأن كتابه الذي عزم عليه تحف به مصالح، وأن تركه يجلب مصالح أكثر من مصالح كتابته. فإنه إن كتب لهم بشيء خاص ربما توهموه أولَى من غيره فحرصوا على تحقيقه وفرطوا فيما سواه، فيفضي ذلك إلى تضييع أكثر الواجبات والتهاون فيها.
وهناك حكمةٌ أخرى عظيمة تحصل من مجموع القصة، تبين القصدَ إلى الكتابة والقصدَ إلى الإعراض عنها، حتى لا يُشْكِلَ وجهُ تأخر الأمر الإلهي أو الاجتهاد بالعدول عنه إلى ما بعد التصريح بالعزم عليها. وذلك أن التصريح بالعزم عليها قد أوقع في نفوس الحاضرين ومَنْ يبلغه ذلك من الأمة أن شأنًا مهمًّا توجهت إليه عناية رسول الله في أحرج ساعاته ثم لَم يبينه، فتبقى في نفوسهم لهفةٌ على بيانه لو سمح به، فتنبعث همةُ كل صاحب همة، واجتهادُ كل مجتهد، وتدبيرُ كل مَنْ يلي أمرَ الدعوة، إلى توسم أشد الأمور مصلحة للمسلمين، وأشدَّها درءَ مفسدة عنهم، فيفرغوا في تحصيله وتطلبه جهودهم وتفكيرهم، عساهم أن يصادفوا مرادَ الرسول ﵇، فيكون ذلك باعثًا على الاهتمام بمعظم مصالح المسلمين وذودُ معظم ما يُتَّقَى منه تطرقُ الفساد إليهم.
وكلٌّ ينسج على منواله، فالعالِمُ الفقيه يستفرغ جهدَه لاستنباط أحكام أدق الأحوال العارضة للأمة عساه أن يصادف ما عزم رسولُ الله على بيانه من الأحكام. ألا ترى أن ابن عباس كان يقول: "الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم"؟
والجدلي المتكلم ينافح عن عقيدة الإسلام بأوضح الأدلة النافية للشبه خيفة أن تزلزل عقائد المسلمين لعله أن يوافق مرادَ رسول الله مما ينفي الضلالة عن الأمة.
وولاة الأمور ونصحاء الأمة يتوخون في سياسة الأمة أفضلَ المصالح، ويتقون مسارب التأخر والانحطاط خشية إضاعة بعض ما اؤتمنوا عليه من حقوق
стр. 638
الأمة، أو الظهور في مظهر قلة الكفاءة للقيام بأعباء الخلافة عن رسول الله ﷺ ، كل بحسب دائرة تصرفه فيما وكل إليه من مصالح المسلمين.
والوعاظ المرشدون يهيئون للدخول إلى مداخل القلوب أفصحَ الأقوال وأقربها إلى فهم العامة من الموعظة الحسنة. وسائر أفراد الأمة ممن يعلم ذلك يَزِنُون أحوالَ معاملتهم في جماعاتهم بميزان ما حدده لهم الشرع، خشيةَ أن يضلوا في مزالق تفرق كلمة الأمة، فيكونوا ممن أراد الرسولُ التحذيرَ منهم، ويبعثهم على الاستشهاد من أهل العلم فيما يُشكل عليهم وجهُ الْمخلَص منه.
فترى أيها اللبيب كيف يكون التفكُّرُ في تلك الساعة الرهيبة التي بدا فيها عزمُ رسول الله ﷺ على كتابة الكتاب وإعراضُه بعد ذلك عنها، دافعًا عظيمًا لقادة الأمة إلى التألب على جلب مصالحها ودرء مفاسدها، وإن اختلفت مناحي قيادتهم، ومظاهر نصيحتهم، وللأمة نفسها بحسب مبالغ علمها في معاملتها، وفي الالتفاف حول علمائها وقادتها.
واستبان لك أنه يحصل من الإيماء إلى أهمية الكتاب الذي يعصم من الضلال، ومن الإعراض عن كتابته، نفسُ الحكمة الحاصلة من عدم تعيين ليلة القدر، وساعة الإجابة يوم الجمعة، والصلاة الوسطى.
ثم إنك تجد نفسَك قد أفضت إلى مرتبة أخرى من العلم، وهو أن كانت وصيةُ رسول الله ﷺ حين عزم على إثباتها ثم أعرض عنها، مناسِبَةً لعظمة شأنه، وعلوِّ مقداره، وعموم شريعته ودوامها، وهو أن كانت حركةً في سكون، وبلاغةً في سكوت، وإطنابًا في إيجاز، ففاقت بذلك سائرَ وصايا الأنبياء والحكماء، وناسبت عزةَ عنت الأمة عليه، وحرصه عليها، ورأفته ورحمتَه بها. ونجدك الآن قد اندفعت عنك الوجوه: الأول والثاني والرابع والخامس من الإشكال.
فأما قول الرسول ﵇: "أكتب لكم كتابًا"، فيجوز أن يكون إسناد الكتابة إليه مجازًا عقليًّا، أي آمر مَنْ يكتب لكم ما أقوله. ويجوز أن يكون الإسناد حقيقيًّا
стр. 639
على ظاهره، ويكون فيه إظهار معجزته وهي صدور الكتابة من الأمي. وقد جوز أبو الوليد الباجي وجماعةٌ من المحققين أن يكون رسولُ الله ﷺ قد كتب في صحيفة صلح القضية بيده حين امتنع علي بن أبي طالب أن يمحو سطر: "محمد رسول الله". واستند الباجي إلى الحديث الذي في صحيح البخاري. ورأوا ذلك لا ينافي الأمية بعد تقررها، إذ يكون صدور ذلك العلم الجم منذ وقت البعثة إلى يوم القضية من أمي معجزة عظيمة، ويكون صدور الكتابة بعد ذلك ممن تحقق الناس أميته معجزة أخرى. وبهذا زال الوجه الثالث من الإشكال. (١)
من أجل ذلك ظن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ أراد أن يتجشم الكتابةَ في تلك الحالة ليؤكد شيئًا مما تضمنه القرآن، فأحب عمر أن يكفي رسول الله ﷺ تلك الكلفة، ويسمعه أنهم على العهد في الوقوف عند كتاب الله، فقال: "إن رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله". قال عياض في الإكمال: "وقيل قد
стр. 640
يكون امتناع عمر إشفاقًا على النبي ﷺ من تكليفه في تلك الحال إملاء كتاب، ولذلك قال: إن النبي اشتدَّ به الوجع، حسبنا كتاب الله"، (١) أي فيكون قوله: "إن رسول الله غلبه الوجع" تعليلًا لقوله: "لا تقربوا إليه اللوح والدواة، وقوله: "حسبنا كتاب الله"، أي: لا يفوت شيءٌ من الهدى بترك هذا الكتاب؛ لأنا معتصمون بكتاب الله. قال المازري في المعلم: "قد فهم عمر أمر النبي أنه أمرٌ غير جازم بقرائن دلت على عدم الوجوب، ثم رأى أن قد يتطرق به المنافقون إلى القدح فيما اشتهر من قواعد الإسلام بكتاب يكتب في خلوة، ويضيفون إليه ما يشبهون به على الذين في قلوبهم مرض، فلذلك قال عمر: "حسبُنا كتابُ الله"، فكان جوابًا للفريق الذين ألَحُّوا في تحصيل الكتاب.
وبهذا حصل انكشافُ الوجهين السادس والسابع من وجوه الإشكال.
ثم إن عمر قد علم أن قول رسول الله ﷺ : "لن تضلوا بعده"، ما يريد به إلا نفيَ الضلال في الغرض الذي يتضمنه الكتاب من الأمور التي عسى أن تكون قد بقيت مجملة. فالضلال المنفيُّ هو ضلالُ الحيرة في محمل ذلك المجمل بحيث يصير مبيَّنًا، فرأى عمر أن هذه المصلحة التي تحصل من كتابة الكتاب قد يفي بها اجتهادُ مجتهدي الأمة في تبيين ذلك المجمل بالبحث عن الأدلة المبيِّنة، أو في ترك العمل بالمجمل والمصير إلى دليل آخر يخلفه من نص أو قياس.
فمآل المصلحة الحاصلة من الكتاب أن أراح مجتهدي الأمة من تعب الاجتهاد في محمل ذلك المحمل، فرأى عمر أن تلقي الأمة هذه المزية من رسولهم في حال اشتداد المرض عليه بإراحة الرسول ﵊ من عناء الكتاب والإملال، أوجب لشكر عنايته ﷺ بهم، فقال: "إن رسول الله قد غلبه الوجع"، و"حسبنا كتاب الله". وليس في ذلك عصيان لأمر رسول الله ﷺ كما تقدم.
стр. 641
وبذلك ينكشف الوجه الثامن من وجوه الإشكال.
وأما قول بعض الحاضرين: "أهَجَر؟ "، فقد روي بهمزة الاستفهام وبدونها. قال المازري: "النبي ﷺ معصوم من أن يكذب على الله أو يفسد ما يبلغه عنه، وهو مع هذا غيرُ معصوم من الأمراض وما يكون من بعض عوارضها مما لا يعود بنقص في منزلته، ولا فساد فيما مهد من شريعته. وقد كان ﷺ لَمَّا سُحر يُخيل إليه أنه عمل الشيء وما عمله، ولم يجر ها هنا منه ﵇ من الكلام ما يُعَدُّ مناقِضًا لما قدَّم من الأحكام والشرائع، ولا الكلامُ في نفسه دالٌّ على الهذيان الذي يكون عن الحميَّات". (١)
يريد المازري بكلامه هذا أننا لو سلمنا أن يكون قول القائل: "أهجر؟ " معناه أقال كلامًا غير مراد له، لم يقدح ذلك في تقرر عصمة رسول الله ﷺ عندهم، ولم يوجب طعنًا في قائل هذا الكلام. وقد حقق عياضٌ في الإكمال هذا المقامَ بقوله: "إنما جاء هذا من قائله عن طريق الإنكار على القائلين: لا تكتبوا. يريد هذا القائل: كيف تتركون أمرَ رسول الله ﷺ وتجعلونه كأمر مَنْ هجر في كلامه؟ أي وذلك لا يُظن بكلام رسول الله ﷺ . فالصورة صورة الاستفهام، والمعنى على النفي المحض". (٢)
وتحصل من مجموع كلامَي الإمامين أن القرينة قائمة على قصد إنكار أن يكون قال هجرًا. ويدل لذلك أن عمر لم يُنقل عنه أنه رد على هذا القائل، بل إنه توقف عن الزيادة في الامتناع من طلب الكتابة، وعدم موافقة الراغبين فيها. وقد اندفع الوجهُ التاسع من وجوه الإشكال، وانجلى ما تسابقت فيه فرسانُ ذلك المجال.
стр. 642
الحكم المتجلية من هذا المقام الجليل:
وبعد فحقٌّ علينا أن نبين من حكمة الله تعالى في هذا الحوار الذي جرى بين أصحاب رسول الله بمرأى منه ومسمع، وفي عزمه على الكتابة ثم إعراضه عنها.
الحكمة الأولى: أن عزم الرسول ﵊ كان مثالًا عظيمًا لمقدار حرصه على أمته ورأفته بهم، ومحبته الخير لهم إلى آخر ساعات بقائه بهذه الحياة الأولى، فكان ﵇ غير مفيت لحظة من لحظات تمكنه من الإرشاد استكثارًا لهم من الخير، واحتياطًا في تجنيبهم مواقع الفتن. وإن الاعتبار في ذلك يزيد أمته حبًّا فيه، وتعظيمًا لقدره، فيكثرون من الصلاة عليه، وسؤال الله أن يجازيه أحسن ما جازى نبيًّا عن أمته، فيعود ذلك على الأمة بخير عظيم.
الحكمة الثانية: ما حصل من التشاور والاجتهاد في الأمر بين أصحابه بحضرته، فإن ذلك مشهد يسر الرسول بما يرى من تلقيهم الأدلةَ النظرية بجواذب أفهامهم، وأنهم لا يألون جهدًا في العمل بمختلف الأدلة من سوابق أقوال رسولهم ولواحقها.
الحكمة الثالثة: أن رأى مقدار تمسكهم بالقرآن، إذ لم يختلفوا في أن القرآن حسبهم، ولا في أن هذا الكتاب لا يقوم مقام القرآن، وإنما اختلفوا في شدة الحاجة إلى بيانه وعدم شدتها، وفي إيثار راحة الرسول، وسد ذريعة الشك في الدين وعدم ذلك.
الحكمة الرابعة: أن كان مظهرًا من مظاهر رأفة الصحابة بنبيهم، وتطلب ما فيه راحته من الكلف والمتاعب، فإذا كانوا بتلك المثابة في شؤونه الجسدية، أفلا يكونون أحرصَ الناس على حصول اطمئنان نفسه الزكية بعد وفاته في تمسكهم بشرعه ووصاياه؟
الحكمة الخامسة: أن سكوت رسول الله ﷺ حين سماعه كلام عمر بن الخطاب فيه إقرارٌ لرأيه، وإيماءٌ إلى أنه ممن يُعوَّل على اجتهاده في مضايق الأمة،
стр. 643
فيكون إشارةً إلى الاكتفاء به في فهم أمر الخلافة، إذ كان له ذلك المقام المحمود يوم سقيفة بني ساعدة.
الحكمة السادسة: أنه وقع في بعض روايات الحديث في البخاري أنه لما كثر بينهم اللغط والخلاف، قال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع". فالتنازع قد كان من الذين خالفوا رأي عمر بن الخطاب؛ لأنهم هم الذين نازعوه وجاؤوا يستفهمون رسول الله. فدل ذلك على ترجيح رأي عمر، وعلى تعليم الأمة الاعتراف بمزايا كبرائها وذوي رأيها مِمَّنْ شهد الناسُ بعلمه وفضله، فإن رسول الله كان أخبرَهم أن الله أيد رأي عمر في حوادث عديدة، وأن الشيطان لا يسلك فجًّا سلكه عمر بن الخطاب. (١)
الحكمة السابعة: أن عدول رسول الله عن كتابة الكتاب يعلمهم أن المصلحة إذا عارضتها مصلحةٌ أقوى منها يجب المصيرُ إلى أرجح المصلحتين.
الحكمة الثامنة: أنه أراهم أن أرجح الناس عقلًا، وأسدهم حلمًا، وأعلاهم مقامًا، لا يمنعه ذلك كله من الرجوع عن رأي بدا له إلى رأي آخر يتبين له رجحانه، وأنه لا غضاضةَ عليه في ذلك، إذ الابتداء منه والرجوع منه.
الحكمة التاسعة: أن ذلك كان مظهرًا من مظاهر العروج برسول الله ﷺ في معارج الكمال في كل آن، فإن الله ألاح لرسوله شيئًا فيه نفع عظيم للأمة، ثم ألاح له عقب ذلك ما هو خير مما بدا له أول الأمر، إذ قال: "فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه".
стр. 644
الحكمة العاشرة: أن الله جلَا لرسوله ﷺ أن عنايته بأمته دائمة مستمرة، وأن الله معهم في شدائد أمورهم، وأنه يتولاهم بلطفه وتوفيقه، فهو يرُبهم ويكفيهم، ويريهم درجات عنايته من درجة إلى أرقَى منها؛ لأنهم نصروا دينه، فذلك عهد بأنه لا يزال ناصرهم ما أقاموا الدين، كان مؤكدًا بمظهره ما تضمنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧]، وفيه تلك المشاهدة التي أخبر عنها رسول الله ﷺ بقوله: "فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، قرة عين من الله لرسوله ﷺ ، وتحقيق لسابق بشارته ووعده في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥].
الحكمة الحادية عشر: أن جمعًا من الصحابة منهم عبد الله بن عباس رأوا أنهم رزئوا رزيئة عظيمة بعدول رسول الله ﷺ عن ذلك الكتاب، وتوقعوا أن سبب ذلك هو التنازع، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ خرج لهم فقال: "خرجت لأعلمكم بليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم". فدل على أن التنازع يفيت مصالح، وإن كان الله تعالى قد عوضهم عن فواتها مصالح أخرى أشار إليه قوله ﷺ : "ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، فتلك مِنَّةٌ من الله ونعمةٌ بعد حصول الموعظة.
стр. 645
مجلس رسول الله ﷺ - (١)
[مقدمة]
احتفافُ العظيم بمظاهر العظمة في أعين ناظريه وتُبَّاعه وسيلةٌ من وسائل نفوذ تعاليمه في نفوسهم، وتلقيهم إرشادَه بالقبول والتسليم، واندفاعِهم بالعمل بما يمليه عليهم. وإن للعظمة نواحيَ جمةً، ومظاهرَ متفاوتةَ الاتصال بالحق: فمنها العظمةُ الحقة الثابتة، ومنها المقبولة النافعة، ومنها الزائفة التي إنْ نفعت حينًا أضرت أزمانًا، وإن راجت عند طوائف عُدَّتْ عند الأكثرين بطلانًا. وفي هاته الأصناف معتادٌ وغيرُ معتاد، وبينها مراتبُ كثيرة الأعداد، لا يعزب عن الفَطِن استخراجُها من خلال أصنافها، والحكمُ الفصلُ في آدابها وأُلَّافها.
وبمقياس اتسام العظيم بسمات العظمة الحقة، يكون مقياس غُنْيته عن مخايل التعاظم الزائفة، كما أنه بمقدار خُلوِّه من تلك السمات الحقة يقترب من الاحتياج إلى شيء من تلك المخايل، كالْمصاب بفقر الدم لا يستغني عن زيادة التدثر بدثر الدفاء. ولَكَثْر ما تحمَّل العظماءُ مشاقَّ التكلُّفِ لِمَا يثقل عليهم التظاهرُ به، مجاراةً لأوهام التُّبَّاع أولِي المدارك البسيطة؛ حذرًا من أن ينظروا إليهم بعين الغضاضة، أو يلاقوهم بمعاملة الفضاضة. فهم يقتحمون ذلك الثقل، ولسان حالهم يقول: "مُكْرَهٌ أخوك لا بطل". (٢) فلا غروَ أن كان المتوسِّمون منذ القدم تقوم لهم من
стр. 646
صفات مجالسِ السَّراة والجماعات دلائلُ مُنْبِئةٌ بأحوال أصحاب تلك المجالس، كما قال [الشاعر]:
وَلمَّا أَنْ أَتَيْتُ بَنِي جُوَيْنٍ ... جُلُوسًا لَيْسَ بَيْنَهُمُو جَلِيسُ
يَئِسْتُ مِنَ الَّتي أَقْبَلتُ أَبْغِي ... لَدَيْهُمُو، إِنَّنِي رَجُلٌ يَؤُوسُ (١)
وإننا إذا تتبعنا ما يُعَدُّ من هيئات المجالس أحوالَ كمالٍ حقًّا أو وهْمًا، نجد منها المتضادَّ الذي إن اشتمل المجلسُ على شيء منه لم يشتمل على ضده، مثل الحجاب والإذن، والوقار والهزل. ونجد بعضَها غيرَ متضادٍّ بحيث يمكن اجتماعُه، كوضع الأرائك والطنافس النفيسة مع التزام الوقار والحكمة، وكالفخامة والزركشة
стр. 647
مع إقامة الإنصاف. فقد كان مجلس سليمان ﵇ مكسوًّا بفخامة الملك، وهو مع ذلك منبع لآثار النبوة والحكمة، وكانت مدرسةُ أفلاطون الحكيم محفوفةً بمظاهر الرفاهية والترف وهي مناخ كل أستاذ حكيم.
فأما الأوصافُ المتضادة، فلا شبهةَ في كون مجالسِ العظماء حقًّا تُنَزَّه عمَّا يضاد الحقَّ منها، وأما غيرُ المتضادة فلا يُعدُّ تجردُ مجلسِ العظيمِ عما هو من هذا الصنف مهمًّا إلا زيادةً في عظمته، وليس ذلك بلازم في تحقق أصل عظمته الحقة.
تجري أشكالُ الدعوة الإلهية على حسب استعداد الأقوام لتلقي مراد الله منهم، فيَسُنُّ لهم من الأحوال والهيئات ما هم به أَحْرِياء، (١) لنفوذ مراد الله فيهم. فقد يُتسامح لدعاتهم ببعض المظاهر التي لا حظَّ لها في التأثير الخلقي أو التشريعي، ولا تَحُطُّ من اعتبار صاحب الدعوة في أنظار أهل الكمال، وتُعين على قبول دعوته بين العموم البسطاء؛ لموافقتها بساطة إدراكهم، وعدم منافاتِها الحق. فإن بني إسرائيل لَمَّا فَتَنَتْهم مظاهرُ عبدةِ الأصنام وقالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، غضب عليهم رسولهُم، ووبَّخهم على ذلك.
ولمَّا بَهرتْهم مظاهرُ الملك التي شاهدوها عند الأقوام الذين مرُّوا بهم في تيههم والذين جاوروا بلادَهم، وقالوا لنبيهم شمويل: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، لم ير نبيُّهم في ذلك بأسًا؛ إذ رآه أعونَ لهم على الدفاع عن جامعتهم، فأقام لهم شاول ملكًا. (٢) ثم خلفه من الملوك مَنْ كان له وصفُ النبوة،
стр. 648
مثل داود وابنه سليمان الذي عظم سلطانه، وفخمت مَظاهرُ ملكه التي ما كانت تُنْقِصُ كمالَه النبوي.
وأظهرُ حجة على ذلك أن مَلِكةَ سبأ ما دانَتْ له حين مجيء كتابه إليها بالدعوة إلى الإيمان بالله، والدخول في طاعة ملكه العادل، فقالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ [النمل: ٣٤]. ثُمَّ هي لَمَّا وفدت عليه بمدينته، ورأت من عظمة سلطانه ما أبْهَتَها، ودخلت الصرحَ الممرد فحسبته لجة، هنالك قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤]. وكذلك فرعون موسى، كان مِمَّا منعه أن يؤمن بموسى أنه لم ير عليه آثارَ العظمة الزائفة؛ إذ قال في تعليل كفره به: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣]، وهي شعار الملوك في عرفهم.
وفي هذا ما يشرح لنا تلك المجادلة التاريخية العظيمة الجارية بين عظيمين من عظماء أمتنا: عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان؛ إذ شاهد عمر حين مَقْدَمه الشامَ فخامةَ إمارةِ معاويةَ هنالك، فقال له: "أَكُسْرَوَيَّةٌ (١) يا معاوية؟ " فقال معاوية: "إننا بجوار عدُو، فإذا لم يَرَوْا منا مثلَ هذا هان أمرُنا عليهم"، فقال عمر حينئذ: "خدعةُ أريب، أو اجتهادُ مصيب، لا آمرُك ولا أنهاك". (٢)
الآن تهيأ لنا أن نُفيضَ القولَ في صفة مجلس رسول الله ﷺ ومتعلقاته، وهو مبحثٌ جليل لم يسبق للعلماء الباحثين عن السيرة والشمائل النبوية تدوينُه، وتخصيصُه بالبحث والتبويب، واستيعابُ ما يتعلق به. ومن العجب أن ذكر هذا
стр. 649
المجلس الشريف ورد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]. قال جمهورُ العلماء من السلف ومَنْ بعدهم: المراد بالمجلس في الآية هو مجلس رسول الله، وسأذكر ذلك في المبحث المناسب له.
ثم إنِّي لم أر لأحدٍ من الباحثين في السيرة مَنْ ذكر هذا المجلسَ سوى عياض في كتاب "الشفاء"؛ فإنه ذكره بكلمة واحدة في غرض آخر؛ إذ قال في فصل زيارة القبر الشريف هذه العبارة: "قال إسحاق بن إبراهيم (١) الفقيه: ومما لم يزل مِنْ شأن مَنْ حجَّ المرورُ بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره، ومجلسه". (٢) فكان حقًّا علينا أن نَخُصَّه بمقال أتقصَّى فيه ما تناثرَ في خلال كتب الحديث والسيرة؛ فيجيء بحثًا أُنُفًا (٣) يبهج من كان بسيرة رسول الله كَلِفَا.
صفة مجلس الرسول ﵇ -:
إن رسولَ الله هو أكمل البشر، وإن أصحابه هم أفضلُ أصحاب الرسل، وأفضل قوم تقوَّمت بهم جامعةٌ بشريةٌ حسبما بينته في مقال "المدينة الفاضلة" المنشور في الجزء العاشر من المجلد التاسع من مجلة "الهداية الإسلامية"، (٤) فأراد الله تعالى أن يكون أعظمُ المصلحين وأفضلُ المرسلين مقصورًا على التأييد بالدلائل الحقة الباقية على الزمان، وأن يُجرَّدَ عن وسائل الخِلابة والاسترهاب؛ فتكون دعوتُه أكملَ الدعوات، وعِظَتُه أبلغَ العظات، كما كان هو أكملَ الدعاة والواعظين، وفي ذلك حِكم جمة يحضرنِي الآن منها خمس:
стр. 650
الحكمة الأولى: أن لا يكون جلالُ قَدْرِه في النفوس ونفوذُ أمره في الملأ محتاجًا إلى معونةٍ بوسيلة من الوسائل المكمِّلة للتأثير الذاتي النفساني، بل يكون تأثيره الذاتي كافيًا في نفوذ آثاره في قلوب أتباعه؛ إذ كانت نفسُه الشريفةُ أكملَ نفسٍ برزت في عالم الوجود الحادث، فتكون أغنى النفوس عن التوسل بغير صفاتها الذاتية؛ إذ لا نقص في تأثير نفسه.
من أجل ذلك ادخر الله لرسوله التأييدَ بأوضح الدلائل، وأغناه عن العوارض التي تصطادُ النفوس، وتسترهبُ العيون؛ حتى لا يكون شأنه جاريًا على الشؤون المألوفة. ولعل هذا مِمَّا يُلَوِّح إليه قولُه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، أي هذه دعوةُ الحق المحض الغَنِيَّةُ عن البهرجةِ الزائلة والله أعلم؛ فيكون هذا من المعجزات الخفية (١) التي هي آيات للمتوسمين على كُرور الأيام والسنين.
الحكمة الثانية: أن يكون الرسول غيرَ مشارك لأحوال أصحاب السيادة الباطلة من الجبابرة والطغاة، حتى لا يكون من دواعي إيمان بعض الفرق به وطاعتهم له ما بَهَرهم من تلك الزخارف، كحال الذين استكبروا من قوم نوح إذ قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]. وهذا معنى قول رسول الله ﷺ : "خُيرت بين أن أكون نبيًّا عبدًا أو نبيًّا ملكًا، فاخترت أن أكون نبيًّا عبدًا". (٢)
الحكمة الثالثة: أن يحصل له مع ذلك أعظمُ جلال في نفوس أعدائه بله أوليائه؛ فيكون فيه دليلٌ على أن جلالَه مستمَدٌّ من عناية الله تعالى وتأييده. روى
стр. 651
الترمذي أن قَيْلَة بنت مَخْرَمة جاءت رسولَ الله وهو في المسجد قاعدًا القرفصاءَ قالت: "فلما رأيتُ رسولَ الله المتخشع في الجلسة أرعدتُ من الفرق". (١) فقولها: "المتخشع في الجلسة" أَوْمَأَ إلى أن شأن المتخشع في المعتاد ألا يرهب، وهي قد أَرْعَدَتْ منه رهبة.
ووصف كعب بن زهير رسولَ الله حينما دخل عليه المسجد في أصحابه مؤمنًا تائبًا، وكان كعب يومئذ أقربَ عهدًا بالشرك وأوغلَ في معرفة مظاهر ملوك العرب وسادتهم؛ إذ هو الشاعرُ ابن الشاعر؛ فإذا هو يقول بين يدَيْ رسول الله يصف مجلسَه:
لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ أَقُومُ بِهِ ... أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الفِيلُ
لَظَلَّ يَرْعَدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ ... مِنَ الرَّسُولِ بِإِذْنِ الله تَنْوِيلُ (٢)
ثم يقول في صفة الرسول:
لَذَاكَ أَهْيَبُ عِنْدِي إذ أُكَلِّمُهُ ... وقيل: إنك منسوبٌ ومسؤُولُ
مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الأسد مَسْكَنُهُ ... من بطن عَثَّرَ غِيلٌ دونه غيلُ (٣)
الحكمة الرابعة: أن رسول الله بعث بين قوم اعتادوا من سادتهم وكبرائهم أن يكونوا محفوفين بمظاهر الأُبَّهة والفخامة، والرسول سيد الأمة، وقد جاء بإبطال قوانين سادتهم وكبرائهم. فناسب أن يشفع ذلك بتجرده عن عوائد سادتهم؛ لِيُريَهم أن الكمالَ والبر ليس في المظاهر المحسوسة ولكنه في الكمالات النفسية، وأن الكمال
стр. 652
كما يحصل بالتخلق والتحلي، يحصل بالتجرد والتخلِّي. ولذلك قال رسول الله: "إنما أنا آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد". (١)
الحكمة الخامسة: أن مجلسَ رسول الله هو مصدر الدين الموسوم ببساطة الفطرة؛ فكان من المناسب أن تكون هيئةُ ذلك المصدرِ على بساطة الفطرة؛ ليحصل التماثلُ بين الحالِّ والمحل، ولتكون أحوالُ الرسول مظاهرَ كمالٍ ماثلةً لجميع الأجيال على اختلاف المدارك والأذواق؛ ليكون التاريخُ شاهدًا على ما لرسول الله من الكمال الحق، الذي لا تختلف فيه مداركُ الخلق. فإن الفخامةَ وإن كانت تبهر الدهماء، فالبساطة تُبهج نفوسَ الحكماء، وإن بينها وبين ناموس الفطرة أشدَّ انتماء.
إن مَنْ مارس الحديث والسيرة لا يَشُكُّ في أن مجلس رسول الله الذي يلتف حوله فيه أصحابه، وتجري فيه معظمُ أعماله في شؤون المسلمين، إنما كان بمسجده، وأن ما عداه من الأمكنة التي ورد في الآثار حلولُه فيها إنما هي مقاعدُ كان يحل فيها قبل البعثة، وبعدها قبل الهجرة، وبعدها قبل أن ينتظم أمرُ المسلمين، أو بعد ذلك فيما بعد الهجرة؛ لعوارض تعرض: من زيارة، أو ضيافة، أو عيادة، أو قضاء مصالح، أو نحو ذلك.
فقد جلس قبل البعثة وهو بمكة في دار ابن جُدعان، وفي المسجد الحرام، وآوى إلى غار حراء يَتَحَنَّث بإلهام من الله تعالى استئناسًا بالوحي، وجلس بعد البعثة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفي شعب أبِي طالب مدة القطيعة، وسكن دارَ أبي أيوب الأنصاري عند مقدمه المدينة، وجلس بمسجد قباء قبل بناء المسجد النبوي، ولم يلبث أن بنى مسجده. فكان مجلسُه بَعْدُ في ذلك المسجد فيما عدا أحوالًا تعرض، مثل خروجه إلى بني عمرو بن عوف للإصلاح بينهم.
стр. 653
وقد أرشدنا إلى ذلك ما في الصحيح عن أبي موسى الأشعري أنه قال: "توضأتُ يومًا وخرجت من بيتي فقلت: لألزمَنَّ رسول الله يومي هذا، ولأكونن معه، فجئتُ المسجدَ فسألت عنه، فقالوا: خرج" إلخ. (١) فقوله: "فجئت المسجد، فسألت عنه"، يُنبئ بأن مَظِنَّةَ لقاءِ الرسول هي المسجد.
ثم إن تعيينَ مكان جلوسه من المسجد لم يَجْرِ له ذكرٌ في كلامهم. والذي يظهر لي أنه كان يلزم مكانًا معيَّنًا للجلوس، لينتظره عنده أصحابُه والقادمون إليه. والظاهرُ أن هذا المكان المعين هو ما بين المنبر وحجرة عائشة ﵂، وهو الملقَّب بالروضة، ويدل لذلك أربعةُ أدلة:
الدليل الأول: ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". (٢) وللعلماء في معنى ذلك تأويلاتٌ أظهرها - والذي مال إليه جمهورُهم - أنه كلامٌ جرى على طريقة المجاز المرسل.
فإن ذلك المكانَ لَمَّا كان موضعَ الإرشاد والعلم، كان الجلوسُ فيه سببًا للتنعم برياض الجنة، فأُطلق على ذلك المكان أنه روضةٌ من رياض الجنة بإطلاق اسم المسبَّب على السبب، أو جرى على طريق الاستعارة بأن شَبَّه ما يصدر في ذلك المكان من الإرشاد والتشريع والعلم والموعظة والحكمة المنعشة للأرواح بما في رياض الجنة من الثمار والأزهار والأنهار ذات الإنعاش الخالد، فأُطلق اسمُ المشبَّه به على المشبه. وفي هذا انباءٌ بأن موضعَ الروضة مجلسُ رسول الله الذي كان فيه معظمُ إرشاده وتعليمه الناس.
стр. 654
الدليل الثاني: أنا نجد أحاديث كثيرة روتها عائشة ﵂ تتضمن ما دار بين رسول الله وبين سائليه، ولم نجد مثلَ ذلك لبقية أمهات المؤمنين. فعلمنا أن ذلك انفردت به عائشة، من أجل قرب بيتها من مجلس الرسول، وقد كان بيتُها بقرب الروضة.
الدليل الثالث: قوله ﷺ : "خذوا شطرَ دينكم عن عائشة". (١) وهو كلامٌ جارٍ مجرى البلاغة في غزارة علمها بالدين، ومن جملة أسباب ذلك اطلاعُها على ما يجري في مجلس رسول الله، وبذلك امتازت على بقية الأزواج.
الدليل الرابع: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: "لقد رأيتُني وإنِّي لأَخِرُّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة من الجوع مغشيًّا علَيَّ، فيجيء الجائي فيضع رجلَه على عُنقي يُرَى أنَّ بِيَ الجنونَ، وما بي جنون، وما هو إلا الجوع". (٢) مع ما رواه البخاري وغيره أن أبا هريرة قال: "يقول الناس أكثر أبو هريرة، وإن إخوانَنَا المهاجرين كان يشغلهم الصَّفَقُ بالأسواق، وكان إخوانُنا من الأنصار يشغلهم العمل في أموالهم، وكنت ألزم رسولَ الله على شبع بطني؛ فأسمع ما لا يسمعون، وأشهد ما لا يشهدون". (٣)
стр. 655
فينتج من ذلك أن مقام أبي هريرة كان في الروضة، وأن ملازمته رسول الله كانت في ذلك المقام، وأن الروضة هي مجلس رسول الله ﷺ . هذا وقد رأيتُ في كلام شهاب الدين الخفاجي في شرحه على شفاء عياض كلمةً تقتضي الجزمَ بأن مجلس رسول الله هو الروضة؛ فإنه لَمَّا بلغ إلى قول عياض: "ومما لم يزل مِنْ شأن مَنْ حجَّ المرورُ بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره، ومجلسه". . . إلخ، (١) قال: "ومجلسه، أي: موضع جلوسه في الروضة المأثور"، (٢) ولم أقف على مستنده الصريح فيما جزم به.
كيفية التئام مجلس الرسول وخروجه إليه:
كان أصحاب رسول الله إذا قصدوا مسجدَه، يحضرون المكان الذي اعتاد الجلوسَ فيه. فإذا قدموا قبل خروج الرسول، يجلسون ينتظرونه حتى إذا خرج رسول الله كانوا يقومون له، فنهاهم عن ذلك، روى أبو أمامة قال: "خرج علينا رسول الله فقمنا له فقال: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يعظم بعضُها بعضا""، (٣) فصار القيامُ منسوخًا على الأصح.
وعندما يخرج رسول الله ﷺ على أصحابه يبقون جلوسًا، "فلا يرفع أحدٌ منهم بصرَه إلى رسول الله إلا أبو بكر وعمر؛ فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما،
стр. 656
ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما"، كذا في الشفاء. (١) وفي الشفاء أنه كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ويجلس بين أصحابه مختلطًا بهم. (٢)
والظاهرُ أن معنى ذلك أنه حين يخرج إليهم لا يتخطى رقابَهم، ولكن يجلس حيث انتهى به المجلس؛ ففي صحيح البخاري عن أبي واقد الليثي "أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما: فرأى فرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدُهم فأوى إلى الله فآواه الله إليه، وأما الآخر فاستَحْيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض اللهُ عنه"". (٣)
وفي أسباب النزول والتفسير أن رسول الله كان يُكرِم أهلَ بدر من المهاجرين والأنصار، وأن ناسًا منهم جاؤوا إلى مجلسه فلم يجدوا موضعًا فقاموا مواجهين له ولم يوسع لهم أحد، فقال رسول الله لبعض مَنْ حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان ويا فلان، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١]، وسيأتي تفصيلُه في ذكر آداب مجلسه.
وربما وقف السامعُ إلى حديث رسول الله. وفي البخاري: باب من سأل وهو قائم عالِمًا جالسًا، وأخرج حديث أبي موسى الأشعري: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما القتال في سبيل الله؟ فرفع رسول الله رأسه إليه وقال: "مَنْ
стр. 657
قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا"، قال الراوي: وما رفع رأسه إليه إلا أن السائل كان قائمًا". (١)
وكان الملازمون مجلسَ رسول الله ﷺ أصحابَه من الرجال. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال فاجعلْ لنا يومًا لنفسك، فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن". . . إلخ. (٢) وظاهرُ ترجمة البخاري لهذا الحديث أن اليومَ المجعولَ للنساء لم يكن يومًا مفردًا وحيدًا، بل جعل لهن نوبةً من الأيام؛ فيحتمل أنه جعل لهن يومًا في الأسبوع، أو في الشهر، أو بعد مدة غير معينة يعين لهن موعده من قبل، والله أعلم.
هيئة المجلس الرسولي:
تدل الآثارُ على أن مجلسَ رسول الله ﷺ كان على صورة الحلقة الواحدة، أو الحِلَق المتداخلة، كما ورد في حديث أبي واقد الليثي في صحيح البخاري؛ إذ قال فيه: "فأما أحدُهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم"، وقد تقدم آنفًا.
بل صرح بعضُ الرواة بأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجلسون حوله حِلَقًا. أما رسول الله ﷺ فكان مجلسه في وسطهم؛ ففي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ أن ضمامًا بن ثعلبة السعدي ﵁ لمَّا دخل المسجد قال: "أيُّكم محمد؟ قال أنس والنبي متكئ بين ظهرانيهم"، وسيأتي الحديث. ومعنى بين ظهرانيهم أنه في وسطهم. (٣)
стр. 658
ومن الغريب ما ذكره القرطبي في كتاب "المفهم على صحيح مسلم" عن مسند البزار عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيءُ الغريبُ فلا يدري أهُوَ هُوَ حتى يسأل، فطلبنا لرسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسًا كي يعرفه الغريب، فبنينا دكانًا من طين يجلس عليه". (١) وهذا غريب؛ إذ لم يُذكر هذا الدكان فيما ذكروه من تفصيل صفة المسجد النبوي في الكتب المؤلفة في ذلك.
وكانت هيئةُ جلوس رسول الله ﷺ في مجلسه غالبًا الاحتباء، فقد ذكر الترمذي في كتاب الشمائل عن أبي سعيد الخدري ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المجلس احتبى بيديه". (٢) وقول الراوي: كان يفعل، يدل على أنه السُّنةُ المتكررة. والاحتباء هو الجلوس وإيقاف الساقين، فتجعل الفخذان تجاه البطن بإلصاق، ويلف الثوب على الساقين والظهر، فإذا أراد المحتبي أن يقوم أزال الثوب.
وأما الاحتباء باليدين فهو أن يجعل المحتبي يديه يشد بهما رجليه عوضًا عن الثوب، فإذا قام قالوا: حلَّ حِبوته (بكسر الحاء وضمها). وكان الاحتباءُ أكثرَ جلوس العرب، وربما جلس رسول الله ﷺ القُرْفُصَاء (بضم القاف وسكون الراء
стр. 659
بالمد والقصر) وهي الاحتباء باليدين، وربما جعلت اليدان تحت الإبطين وهي جلسة الأعراب والمتواضعين.
وقد وُصِف جلوسُ رسول الله ﷺ القرفصاء في حديث قيلة بنت مخرمة ﵂ وقد تقدم آنفًا، وربما اتكأ رسول الله ﷺ في مجلسه في المسجد. وفي الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " - ثلاثًا - قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس فقال: "ألا وقول الزور. . ." إلخ. (١) وفي حديث جابر بن سَمُرة ﵁: "رأيت رسول الله ﷺ متكئًا على وسادة على يساره"، (٢) وربما اتكأ على يمينه. وفي حديث جابر بن سَمُرة ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس متربعًا. (٣) ويُؤخذ ذلك من حديث جبريل في الإيمان والإسلام من صحيح مسلم. (٤) وقد تُجعل له وسادة، روى
стр. 660
الترمذي عن جابر بن سمرة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ متكئًا على وسادة سوداء. (١)
وعددُ جُلساء رسول الله ﷺ لا ينضبط، بل كان يختلف باختلاف الأيام وأوقات النهار، فربما اشتمل المجلسُ على أربعين رجلًا كما ورد في الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "أرسلني أبو طلحة الأنصاري ﵁ أدعو له رسول الله ﷺ خامس خمسة لطعام صنعه لرسول الله ﷺ فوجدتُ النبِيَّ ﷺ في المسجد معه ناس فقمت، فقال: "أأرسلك أبو طلحة؟ "، قلت: نعم، قال: "لطعام؟ "، قلت: نعم، فقال لِمَنْ معه: "قوموا"، وكانوا نحو الأربعين". (٢)
وربما كان مجلسه يشتمل على عشرة، ففي الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بينا نحن عند النبي ﷺ جلوس إذ أتي بجُمَّار نخلة، فقال النبي ﷺ : "إن من الشجر لمَا بركته كبركة المسلم"، فظننت أنه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة يا رسول الله، ثم التفتُّ فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثُهم فسكتُّ، فقال النبي ﷺ : "هي النخلة"". (٣)
ما كان يجري في مجلس رسول الله ﷺ -:
نبعت ينابيعُ الهدى والحكمة والتشريع من مجلس رسول الله ﷺ ومن منبره. ولقد كان أكثرُ ما رواه أصحابُه عنه مما سمعوه منه في مجلسه، لذلك يكثر أن تجد في الأحاديث المروية عن الصحابة أن يقول الصحابي: "بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله
стр. 661
- ﷺ ". وكان يقع التحاكمُ عند رسول الله ﷺ في مجلسه، وقد حكم فيه بين المسلمين كثيرًا، وبين اليهود في قصة الرجم؛ إذ جاءه اليهود برجل وامرأة زنيا فأمر بهما، فرُجِمَا في موضع الجنائز من المسجد. وكانت تفد عليه الوفودُ وهو في مجلسه، ويأتيه سفراءُ المشركين من أهل مكة، ويَعْتَوِرُه العُفاة وأصحابُ الحاجات.
في "الشفاء" أن أعرابيًّا جاء يطلب من النبي ﷺ شيئًا، فأعطاه ثم قال له: أأحسنتُ إليك؟ قال الأعرابب: لا، ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم رسول الله ﷺ أَنْ كُفُّوا، ثم قام ودخل منزلَه وأرسل إليه وزاده، فقال له: أَأحسنت إليك؟ قال: نعم". (١)
стр. 662
ثم هو أيضًا مجلسُ أدب، يُنشد فيه الشعر، وتُضرب فيه الأمثال. ولقد أنشد كعب بن زهير قصيدته المشهورة، (١) فلما بلغ إلى وصف راحلته فقال:
قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ (٢)
فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "ما حرتاها؟ فقال بعضُهم: عيناها، وسكت بعضهم، فقال رسول الله ﷺ : هما أُذُناها". (٣) ولمَّا بلغ كعبٌ قولَه في مدح المهاجرين:
لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمُ ... مَا إِنْ لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ (٤)
стр. 663
نظر رسول الله ﷺ إلى من حوله من قريش نَظَرَ مَنْ يومئ إليهم أنِ اسمعوا هذا المدح. (١)
وروى الترمذي عن جابر بن سَمُرة ﵁ قال: "جالستُ رسولَ الله ﷺ أكثر من مائة مرة، وكان أصحابُه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون من أمر الجاهلية، وهو ساكت، وربها تبسَّم معهم". (٢)
وقد ورد في الأثر أن أصحابَ رسول الله ﷺ إذا دخلوا عليه كانوا "لا يفترقون إلا عن ذَواق، ويخرجون أدلة". (٣) وللعلماء اختلافٌ في تأويله، فحمله بعضُهم على ظاهره، أي: لا يفترقون إلا بعد أن يطعموا طعامًا قليلًا، ولذلك عبر عنه بذَواق، وهو بفتح الذال: الشيء المَذُوق من تمر أو نحوه أو ماء. وقد ورد في حديث عبد الله بن عمر عنهما أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ أتي بِجُمَّار نخلة. . . إلخ، (٤) أي أُتِي به ليؤكل في مجلسه، ولذلك ترجم البخاري هذا الحديث: "باب أكل الجمار".
وفي حديث الموطأ عن أبي هريرة ﵁: "جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ يذكر أنه وقع على أهله في نهار رمضان إلى أن قال: فبينما نحن على ذلك إذ أُتِيَ النبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تمر. . ." إلخ. (٥) وتأوله الأنباري، وابنُ الأثير، وغيرُ واحدٍ أنه أراد أنهم لا
стр. 664
يتفرقون إلا عن علم تعلموه يَقُوم لأنفسهم مقامَ الطعامِ والشراب للأجسام في الانتعاش والالتذاذ، فجرى الكلامُ على طريقة الاستعارة.
وقت المجلس الرسولي:
أحسب أن معظم جلوس رسول الله ﷺ للناس كان في أوقات تفرغ معظم الصحابة من العمل، فكان يجلس لهم بعد صلاة الصبح، كما يشهد لذلك حديثُ كعب بن مالك ﵁ وتوبته، قال كعب: "وأتى رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة، ثم قال: فلما صليتُ صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا سمعت صوتَ صارخ: يا كعب بن مالك أبشر، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس. . ." إلخ. (١)
وكذلك حديث أبي موسى الأشعري ﵃ المتقدم إذ يقول: "توضأت يومًا وخرجت من بيتي فقلت: لألزمن رسول الله ﷺ يومي هذا، وأكون معه فجئت المسجد. . ."، إذ لا شك أن ذلك وقتُ صلاة الصبح. وما كان رسولُ الله ﷺ يستغرق الصباحَ كلَّه في المجلس، فإن أصحابه كانوا يذهبون إلى أعمالهم وحاجاتهم، ولأن رسولَ الله ﷺ كان يدخل بيوتَ أزواجه، فقد قالت عائشة ﵂ كان
стр. 665
يكون في بيته "في مِهْنَةِ أهله". (١)
وفي حديث علي ﵁ من رواية الترمذي ورواية عياض: "كان دخوله لنفسه، مأذونًا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخولَه ثلاثةَ أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئًا"، (٢) أي كان له في بيته وقتٌ يجلس إليه فيه خاصةُ أصحابه ومَنْ له حاجة خاصة. ومعنى "يرد ذلك على العامة"، أنه تحصل منه منفعةٌ للعامة بما يرويه الخاصةُ من علمه للناس. وفي هذا دليلٌ على أن معظمَ ما عدا وقت دخوله إلى منزله كان وقتَ مجلسه، إلا إذا عرضت حاجةٌ يذهب إليها.
آداب مجلس رسول الله ﷺ -:
كيف لا يكون مجلسٌ يحتله رسول الله ﷺ ميدانَ تسابق الآداب إلى غاياتها، وجوًّا ترفرف فيه الكمالاتُ راقبةً إلى سماواتها؟ ! فإن صاحبَه هو الذي أدبه ربه بأحسن تأديب، وجلساءه هم أولئك الغُرُّ المناجيب، وناهيك بأن ورد بعض آدابه في الكتاب المجيد، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١].
قال الواحدي وابن عطية عن مقاتل وقتادة وزيد بن أسلم: كان النبي ﷺ يجلس في المسجد، فجلس يومًا وكان في المجلس ضيق؛ إذ كان الناس يتنافسون في القرب من رسول الله ﷺ ، وفي سماع كلامه، والنظر إليه، وكان رسول الله ﷺ يُكرم
стр. 666
أهلَ بدر، فجاء أناسٌ من أهل بدر فلم يجدوا مكانًا في المجلس فقاموا وِجَاهَ (١) النبي ﷺ على أرجلهم. يرجون أن يوسع الناس لهم، فلم يوسع لهم أحد، فأقام رسول الله ﷺ أناسًا بقدر من جاء من النفر البدريين، فعرف رسول الله ﷺ الكراهية في وجوه الذين أقامهم فنزلت الآية. (٢)
فقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ فيما إذا كان في المجلس ضيق، فيتفسح الناس بدون أن يقوم أحد، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]، أي: إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا عن المجلس فافعلوا، أي: إذا أمركم الرسولُ ﷺ في مجلسه بالقيام فلا تتحرجوا، وهو ضربٌ من التفسح.
وقيل: التفسح يكون بالتوسعة من قعود أو من قيام، فهما داخلان في قوله: "تفسحوا"، والنشوز هو أن يؤمروا بالانفضاض عن المجلس. فإذا أمروا بذلك فلا يتحرجوا؛ لأن رسول الله ﷺ يحب أحيانًا الانفرادَ بأمور المسلمين. فربما جلس إليه القومُ فأطالوا؛ لأن كلَّ أحد يحب أن يكون آخر الناس عهدًا بالنبي ﷺ ، وكلُّ ذلك من فرط محبتهم إياه، وحرصهم على تلقِّي هداه.
ومن آدابه المذكورة في الكتاب المجيد ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]، وقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
قال علماء التفسير: نزلت هاتان الآيتان بسبب محاورة جرت بين أبي بكر وعمر ﵄ بين يدي رسول الله ﷺ في مجلسه، وذلك حين قدم وفدُ بني
стр. 667
تميم أشار أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ أن يؤمَّ على بني تميم القعقاع بن معبد، فقال عمر ﵁: بل أمِّر عليهم الأقرعَ بن حابس، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي! فقال عمر: ما أردت خلافك، فتمادَيَا وارتفعت أصواتُهما، فنزل القرآن بهذه الآية، قالوا: فكان أبو بكر بعد ذلك لا يكلم رسولَ الله ﷺ إلا كأخي السِّرار، أي كصاحب السر والمسارة، وكان عمر ﵁ بعد ذلك إذا كلم رسولَ الله ﷺ لا يكاد يسمعه حتى إن رسول الله ﷺ لَيَسْتَفْهِمه. (١)
ومن آداب مجلسه أن أصحابه يكونون فيه على غاية التؤدة والسكينة؛ فقد روى أصحاب السنن عن أسامة بن شريك ﵁ أن رسول الله ﷺ إذا تكلم أطرق جلساؤه، "كأنما على رؤوسهم الطير". (٢) ومثلُه في حديثُ هند بن أبي هالة في صفة رسول الله ﷺ . (٣) ومعنى "كأنما على رؤوسهم الطير"، أي في حالة السكون؛ لأن الطائر ينفر من أدنى تحرك.
وفي حديث هند بن أبي هالة ﵁: كان رسول الله ﷺ "يعطي كلَّ جلسائه بنصيبه، لا يَحْسِب جليسُه أن أحدًا أكرمُ عليه منه"، وفيه أن مجلسَه "مجلسُ علم وحلم وحياء، وأمانة وصبر، لا تُرفع فيه الأصواتُ، ولا تُؤْبَنُ فيه الحرم، ولا تُثْنى فلتاتُه". (٤) ومعنى "لا تؤبن فيه الحرم"، أي لا تُذكر فيه حرماتُ الناس بسوء، يقال أبَنه إذا ذكره بسوء. والمراد بالحرم هنا أعراضُ الناس، وما يحرِّمون تناوله منهم. ومعنى لا تثنى فلتاته: لا تعاد، مأخوذٌ من التثنية، وهي الإعادة. والفلتاتُ جمع فلتة، وهي الزلة من القول والفعل إذا جرت على غير قصد بغتة. يعني أن أهل ذلك
стр. 668
المجلس أهلُ حفظٍ للسر، وإعراضٍ عن اللغو، فلو صدرت من أحدٍ فلتةٌ لم يتناقلها جلساؤه بالتسميع والتشنيع، وهذا أدبٌ عربِيٌّ رفيع. وفي هذا المعنى قال ودَّاك بن ثميل من شعراء الحماسة:
وَأَحْلَامُ عَادٍ لَا يَخَافُ جَلِيسُهُمْ ... إِذَا نَطَقَ الْعَوَّارَ غَرْبُ لِسَان (١)
стр. 669
أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة (١)
بسم الله الرحمن الرحيم، وتحية طيبة مباركة على السادة العلماء الأفاضل أعضاء حفلة ذكرى المولد النبوي.
إنكم قد وضعتمونِي بمرتقًى سامٍ إذ أبلغتمونِي بواسطة صديقي العلامة الجليل الشيخ السيد محمد الخضر حسين رغبتكم في أن أكتب تحريرًا يتضمن شيئًا من السيرة النبوية، ووقع اختيارُ بعض السادة منكم على أن يكون موضوع هذا التحرير هو "أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة". وإني لأقدر اقتراحَ تعيين هذا الموضوع قدره، إذ صار هذان اللفظان في عالم الرُّقي حِبَّ النفوس وهوى القلوب، وأصبح صفاءُ أخلاق الأمم يُخْبَر بمعيارها، ورجحان المدنية يُوزن بمثاقيلها.
فحقيقٌ علينا حين نتهمَّم بذكرى مولد الرسول الأكرم ﷺ أن لا نهجرَ من سيرته أعظمَ نواحيها، وهو ذكر مقامه في التشريع وأصوله؛ إذ التشريع أعظمُ ما لابسه الرسولُ ﵇ في كل مدة رسالته، ولأجله نفحه الله تعالى بجليل صفاته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨].
ولا يخفى على صاحب الذوق العربي ما في اختيار كلمة "على" من الدلالة على التمكّن من هذه الشريعة، وما في قوله: "جعلناك" من الدلالة على تكوين نفس الرسول لأجل التمكن من الشريعة. فإذا أحببنا أن نَصِفَ فضلَ شريعته على بقيَّة الشرائع المناسبَ لفضل صاحبها على بقية المشرّعين صلواتُ الله عليهم أجمعين، فليس بنا أن نتكلَّم على فروع الشريعة، ولكنا نصفها في أصولها وخصائصها.
стр. 670
وللغرض المنوَّه به آنفًا حظٌّ جزيلٌ من بيان شيء من روح الشريعة المحمديّة ومزاياها. يتقدم البحث عن أثر الدعوة المحمديّة في هاتين الخصلتين بمقامين: الأول في بيان مقدار علاقة الحرية والمساواة بالشريعة، الثاني في بيان انتشار الحرية والمساواة في الأمم الخارجة عن الإسلام من الأمم المعتبرة في العالم يوم البعثة المحمدية.
المقام الأول: في الحرية والمساواة في الشريعة المحمدية:
وهو مقام يستدعي شيئًا من الإطالة ليكون الحكمُ فيه على شيء مضبوط، فلا يظن أحد أن الإسلام دعا إلى الحرية والمساواة على الإطلاق أو على الإجمال؛ لأن هنالك حدودًا دقيقة بعضها محمود نافع، وبعضها ضارّ مذموم.
الحرية:
لا تجد لفظًا تهواه النفوس، وتهش لسماعه وتستزيد من الحديث فيه، مع أن معظمهم لا يضبط مقدار المراد منه، مثلَ لفظ "الحرية". وما سببُ ذلك التعلق العام إلّا أن معظم مَنْ يسمعون هذا اللفظَ أو ينطقون به يحملونه على محامل يخف محملها في نفوسهم. فالوَقِحُ يحسب الوقاحةَ حرية، فيخف عنده ما ينكره الناسُ من وقاحته. والجريء الفاتك يَنْمِي صنيعُه إليها فيجد من ذلك مبررًا لجرأته، ومحب الثورة يَعُدّ الحرية مسوِّغًا لدعوته، والمفتون في اعتقاده يدافع الناقمين عليه بأنه حرّ العقيدة، إلى غير هؤلاء. فيا لله لهذا المعنى الحسن! ماذا لقي من المحن، وماذا عدل به عن خير سنَن!
والتحقيقُ أن الحرية إنما يُعنى بها السلامةُ من الاستسلام إلى الغير بقدر ما تسمح به الشريعةُ والأخلاق الفاضلة. ولقد أصاب الذين اختاروا للتعبير عن هذا المعنى في العربية لفظَ الحرية؛ لأن الحرية في كلام العرب ضد الرِّق، وقد شاع عند العرب أن يُلصقوا مذامّ الصفات النفسانية بالرقّ، إذ قد عرى العبيد عندهم عن الاهتمام باكتساب الفضائل، وزهِدوا في خصال الكمال، قال ابن زيابة: (١)