← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أهلَ بدر، فجاء أناسٌ من أهل بدر فلم يجدوا مكانًا في المجلس فقاموا وِجَاهَ (١) النبي ﷺ على أرجلهم. يرجون أن يوسع الناس لهم، فلم يوسع لهم أحد، فأقام رسول الله ﷺ أناسًا بقدر من جاء من النفر البدريين، فعرف رسول الله ﷺ الكراهية في وجوه الذين أقامهم فنزلت الآية. (٢) فقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ فيما إذا كان في المجلس ضيق، فيتفسح الناس بدون أن يقوم أحد، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]، أي: إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا عن المجلس فافعلوا، أي: إذا أمركم الرسولُ ﷺ في مجلسه بالقيام فلا تتحرجوا، وهو ضربٌ من التفسح. وقيل: التفسح يكون بالتوسعة من قعود أو من قيام، فهما داخلان في قوله: "تفسحوا"، والنشوز هو أن يؤمروا بالانفضاض عن المجلس. فإذا أمروا بذلك فلا يتحرجوا؛ لأن رسول الله ﷺ يحب أحيانًا الانفرادَ بأمور المسلمين. فربما جلس إليه القومُ فأطالوا؛ لأن كلَّ أحد يحب أن يكون آخر الناس عهدًا بالنبي ﷺ ، وكلُّ ذلك من فرط محبتهم إياه، وحرصهم على تلقِّي هداه. ومن آدابه المذكورة في الكتاب المجيد ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]، وقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. قال علماء التفسير: نزلت هاتان الآيتان بسبب محاورة جرت بين أبي بكر وعمر ﵄ بين يدي رسول الله ﷺ في مجلسه، وذلك حين قدم وفدُ بني

стр. 667

تميم أشار أبو بكر ﵁ على النبي ﷺ أن يؤمَّ على بني تميم القعقاع بن معبد، فقال عمر ﵁: بل أمِّر عليهم الأقرعَ بن حابس، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي! فقال عمر: ما أردت خلافك، فتمادَيَا وارتفعت أصواتُهما، فنزل القرآن بهذه الآية، قالوا: فكان أبو بكر بعد ذلك لا يكلم رسولَ الله ﷺ إلا كأخي السِّرار، أي كصاحب السر والمسارة، وكان عمر ﵁ بعد ذلك إذا كلم رسولَ الله ﷺ لا يكاد يسمعه حتى إن رسول الله ﷺ لَيَسْتَفْهِمه. (١) ومن آداب مجلسه أن أصحابه يكونون فيه على غاية التؤدة والسكينة؛ فقد روى أصحاب السنن عن أسامة بن شريك ﵁ أن رسول الله ﷺ إذا تكلم أطرق جلساؤه، "كأنما على رؤوسهم الطير". (٢) ومثلُه في حديثُ هند بن أبي هالة في صفة رسول الله ﷺ . (٣) ومعنى "كأنما على رؤوسهم الطير"، أي في حالة السكون؛ لأن الطائر ينفر من أدنى تحرك. وفي حديث هند بن أبي هالة ﵁: كان رسول الله ﷺ "يعطي كلَّ جلسائه بنصيبه، لا يَحْسِب جليسُه أن أحدًا أكرمُ عليه منه"، وفيه أن مجلسَه "مجلسُ علم وحلم وحياء، وأمانة وصبر، لا تُرفع فيه الأصواتُ، ولا تُؤْبَنُ فيه الحرم، ولا تُثْنى فلتاتُه". (٤) ومعنى "لا تؤبن فيه الحرم"، أي لا تُذكر فيه حرماتُ الناس بسوء، يقال أبَنه إذا ذكره بسوء. والمراد بالحرم هنا أعراضُ الناس، وما يحرِّمون تناوله منهم. ومعنى لا تثنى فلتاته: لا تعاد، مأخوذٌ من التثنية، وهي الإعادة. والفلتاتُ جمع فلتة، وهي الزلة من القول والفعل إذا جرت على غير قصد بغتة. يعني أن أهل ذلك

стр. 668

المجلس أهلُ حفظٍ للسر، وإعراضٍ عن اللغو، فلو صدرت من أحدٍ فلتةٌ لم يتناقلها جلساؤه بالتسميع والتشنيع، وهذا أدبٌ عربِيٌّ رفيع. وفي هذا المعنى قال ودَّاك بن ثميل من شعراء الحماسة: وَأَحْلَامُ عَادٍ لَا يَخَافُ جَلِيسُهُمْ ... إِذَا نَطَقَ الْعَوَّارَ غَرْبُ لِسَان (١)

стр. 669

أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة (١) بسم الله الرحمن الرحيم، وتحية طيبة مباركة على السادة العلماء الأفاضل أعضاء حفلة ذكرى المولد النبوي. إنكم قد وضعتمونِي بمرتقًى سامٍ إذ أبلغتمونِي بواسطة صديقي العلامة الجليل الشيخ السيد محمد الخضر حسين رغبتكم في أن أكتب تحريرًا يتضمن شيئًا من السيرة النبوية، ووقع اختيارُ بعض السادة منكم على أن يكون موضوع هذا التحرير هو "أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة". وإني لأقدر اقتراحَ تعيين هذا الموضوع قدره، إذ صار هذان اللفظان في عالم الرُّقي حِبَّ النفوس وهوى القلوب، وأصبح صفاءُ أخلاق الأمم يُخْبَر بمعيارها، ورجحان المدنية يُوزن بمثاقيلها. فحقيقٌ علينا حين نتهمَّم بذكرى مولد الرسول الأكرم ﷺ أن لا نهجرَ من سيرته أعظمَ نواحيها، وهو ذكر مقامه في التشريع وأصوله؛ إذ التشريع أعظمُ ما لابسه الرسولُ ﵇ في كل مدة رسالته، ولأجله نفحه الله تعالى بجليل صفاته، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨]. ولا يخفى على صاحب الذوق العربي ما في اختيار كلمة "على" من الدلالة على التمكّن من هذه الشريعة، وما في قوله: "جعلناك" من الدلالة على تكوين نفس الرسول لأجل التمكن من الشريعة. فإذا أحببنا أن نَصِفَ فضلَ شريعته على بقيَّة الشرائع المناسبَ لفضل صاحبها على بقية المشرّعين صلواتُ الله عليهم أجمعين، فليس بنا أن نتكلَّم على فروع الشريعة، ولكنا نصفها في أصولها وخصائصها.

стр. 670

وللغرض المنوَّه به آنفًا حظٌّ جزيلٌ من بيان شيء من روح الشريعة المحمديّة ومزاياها. يتقدم البحث عن أثر الدعوة المحمديّة في هاتين الخصلتين بمقامين: الأول في بيان مقدار علاقة الحرية والمساواة بالشريعة، الثاني في بيان انتشار الحرية والمساواة في الأمم الخارجة عن الإسلام من الأمم المعتبرة في العالم يوم البعثة المحمدية. المقام الأول: في الحرية والمساواة في الشريعة المحمدية: وهو مقام يستدعي شيئًا من الإطالة ليكون الحكمُ فيه على شيء مضبوط، فلا يظن أحد أن الإسلام دعا إلى الحرية والمساواة على الإطلاق أو على الإجمال؛ لأن هنالك حدودًا دقيقة بعضها محمود نافع، وبعضها ضارّ مذموم. الحرية: لا تجد لفظًا تهواه النفوس، وتهش لسماعه وتستزيد من الحديث فيه، مع أن معظمهم لا يضبط مقدار المراد منه، مثلَ لفظ "الحرية". وما سببُ ذلك التعلق العام إلّا أن معظم مَنْ يسمعون هذا اللفظَ أو ينطقون به يحملونه على محامل يخف محملها في نفوسهم. فالوَقِحُ يحسب الوقاحةَ حرية، فيخف عنده ما ينكره الناسُ من وقاحته. والجريء الفاتك يَنْمِي صنيعُه إليها فيجد من ذلك مبررًا لجرأته، ومحب الثورة يَعُدّ الحرية مسوِّغًا لدعوته، والمفتون في اعتقاده يدافع الناقمين عليه بأنه حرّ العقيدة، إلى غير هؤلاء. فيا لله لهذا المعنى الحسن! ماذا لقي من المحن، وماذا عدل به عن خير سنَن! والتحقيقُ أن الحرية إنما يُعنى بها السلامةُ من الاستسلام إلى الغير بقدر ما تسمح به الشريعةُ والأخلاق الفاضلة. ولقد أصاب الذين اختاروا للتعبير عن هذا المعنى في العربية لفظَ الحرية؛ لأن الحرية في كلام العرب ضد الرِّق، وقد شاع عند العرب أن يُلصقوا مذامّ الصفات النفسانية بالرقّ، إذ قد عرى العبيد عندهم عن الاهتمام باكتساب الفضائل، وزهِدوا في خصال الكمال، قال ابن زيابة: (١)

стр. 671

إِنَّكَ يَا عَمْرُو وَوتْرَك النَّدَى ... كَالعَبْدِ إِذْ قَيَّدَ أَجْمَالَه (١) ولَمَّا استصرخ شدّادٌ العبسي ابنَه عنترة ليردّ غارات عدوهم - وكان عنترة ابنَ أمَةٍ كما هو مشهور، وكان أبوه يأبى أن يعُده في عِداد بنيه، بل جعله عبدًا له على عادة أهل الجاهلية - أجابه عنترةُ بقوله: "العبد لا يُحسن الكرّ، إنما يُحسن الحلب والصَّرّ"، فقال شدّاد: "كُرَّ وأنت حُر". (٢) وبضدّ ذلك جعلوا الفضائلَ من سمات الأحرار، قال جعفر بن عُلبة الحارثي: لَا يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إِلَّا ابْنُ حُرَّةٍ ... يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا (٣) وقال الراجز الجاهلي: لَنْ يُسْلِمَ ابْنُ حُرّةٍ زَمِيلَهُ ... حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرَى سَبِيلَهُ (٤)

стр. 672

وقال مخَيَس بن أرطاة التميمي: فَقُلْتُ لَهُ: تَجَنَّبْ كُلَّ شَيْءٍ ... يُعَابُ عَلَيْكَ، إنَّ الحُرَّ حُرُّ قال المبرّد: "وقوله: إن الحرَّ حرُّ، إنما تأويله أن الحر على الأخلاق التي عُهدت في الأحرار، [ومثل ذلك: أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي، أي: شعري كما بلغك، ] وكما كنتَ تعهد"، (١) يعني وأنت حُرٌّ فلا تخالف خلقَ الأحرار. حتى لقد احتاج بعضُ أصحاب الأخلاق الحميدة من عبيدهم إلى إعلان الاختلاف بين حال عبودية شخصه وكرم نفسه، كما قال حيَّة النوبي الملقب بسُحَيم عبدُ بني الحَسْحَاس: (٢) إِنْ كُنْتُ عَبْدًا فَنَفْسِي حُرَّةٌ كَرَمًا ... أَوْ أسْوَدَ اللَّوْنِ إِنِّي أبيضُ الْخُلقِ (٣)

стр. 673

دعوة الإسلام إلى الحرية: الحرية وصف فِطري في البَشَر؛ فإننا نرى المولودَ ييفع حُرًّا لا يعرف للتقييد شبحًا. وإذ قد كان الإسلامُ دين الفطرة كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فكلُّ ما هو من أصل الفطرة فهو من شُعَب الإيمان ما لم يمنعه مانع. ويزيد إعرابًا عن كون الحريّة من أصول الإسلام قولُه تعالى في وصف محمد ﷺ ووصف أتباعه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فالإصر هو التكاليف الشّاقّة، والأغلال غير الإصر، فهي مستعارة للعبودية التي كانوا عليها في الجاهلية، وهي عبودية الأصنام وسَدَنَتِها، وعبودية الملوك، وعبودية القادة أصحاب المرابيع. (١) ومِمَّا يزيد هذا بيانًا قولُ عُمرَ لعمرو بن العاص في قصة ولده الآتية: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا". (٢)

стр. 674

طرأت على الحرية الفطرية وسائلُ الضغط من القسوة والتسلّط؛ فسخّرت الضعيفَ للقوي، والبسيطَ للمحتال، وزادت هذا التسخيرَ تمكنًا التعاليمُ المضلِّلة، وهي أساطيرُ الوثنية والشرك والكهانة، فجاء محمدٌ ﷺ يضع عنها الأغلالَ إلى الحدّ الذي تصير به نفعًا ورحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. لا تتحقق حريةٌ تامة في نظام البشر؛ لأن تمامَ الحرية هو الانخلاع عن جميع القيود وعن كل مراعاة للغير، بأن يعيش المرء عيشةَ الوحوش، وذلك غيرُ مستطاع إلّا فيما تخيّله الشنفرى، إذ يقول: وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُونَ سِيدٌ عُمَلَّسٌ ... وَأَرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْأَلُ (١) هُمُ الأَهْلُ لَا مُسْتَوْدَعُ السِّر ذائعٌ ... لَدَيْهِمْ وَلَا الْجَانِي بِمَا دَانَ يُعْذَلُ (٢) فأمّا والإنسان مدنِيٌّ بطبع خِلقته، محتاجٌ إلى الاتصال ببني نوعه؛ لأنه ضعيف محتاج في قوام أمره إلى التعاون، فالحريةُ المطلقةُ تنافِي مدنيتَه. فتعين أن الحرية المحمودة التي يدعو إليها الإسلام والحكماء هي حريةٌ مقيدة لا محالة. فلننظر إلى القيود التي دخلت على الحرية في تاريخ الحضارة، فإن كانت تحصل منها فائدةٌ للمقيَّد بها في خاصته أو في حالته الاجتماعية العامة، فهي المعبَّر عنها بالشرائع والقوانين، ودخولها على الحرية مقصودٌ منه تعديلُها لتكون نافعةً غير ضارة. وإن كانت تلك القيودُ في فائدة غيرِ المقيَّد بها، فهي الاستعبادُ الذي قصد منه أو آل إلى إفساد الحرية.

стр. 675

مظاهر الحرية تتعلق الحرية بالاعتقاد، والقول، والعمل. ١ - فأمّا حرية الاعتقاد فقد أسّس الإسلامُ حريةَ العقيدة بإبطال العقائد الضّالة المخالفة لما في نفس الأمر؛ فإن محور تلك العقائد هو إرغام الناس على أن يعتقدوا ما لا قِبَل له بجَوَلان الفكر فيه أو ما يموه بتخيلات، وتكليف اعتقاد ما لا يُفهم ينافي الحرية. فبيّن الإسلام الاعتقاد الحق، ونصب الأدلة عليه وعلى تفريعه، ودعا الناس إلى الاستنتاج من تلك الأدلة؛ قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. ولقد اختلف الصحابة وحدث الخلاف في عهدهم ومن بعدهم في مسائل كثيرة، كمسألة الإمامة والقَدَر، ومسألة التكفير بالذنب، فلم تكن طائفة تُرغِم غيرها إلّا إذا خرج المخالف عن حدّ المناظرة إلى المغالبة والإرهاق. وانقسم المسلمون إلى طوائف مختلفة الاعتقاد؛ من آخذين بما ورد في السنة دون تأويل، وآخذين بذلك مع التأويل، ومن خوارج وقَدَرية، وجبريّة ومرجئة، ومعتزلة، وظاهريّة، وصوفية. فلم يكن أهلُ حكومة الإسلام يجبرون الناسَ على اتباع معتقدهم، بل كان الفصلُ بينهم قائمًا على صحة الحجة وحسن المناظرة، إلى أن ظهرت في القرن الثالث مسألةُ خلق القرآن وإثبات الكلام النفسي القديم التي أيقظت عينَ الفتنة، وابتُلي فيها أهلُ السنة ببغداد ومصر. وظهرت بالقيروان مسألةُ الاستثناء في الإيمان، وهي قول المؤمن: "أنا مؤمن إن شاء الله"، ومسألة العندية في الإيمان، وهي قولُ المؤمن: "أنا مؤمن عند الله". وتبعت ذلك فتنٌ تبدو وتخفى، وتلتهب تارة ثم تُطفى. لم يسمح الإسلامُ بتجاوز حريّةِ الاعتقاد حدَّ المحافظة على دائرة الإيمان والإسلام المفسَّرَين في حديث جبريل الشهير؛ لأن ما تجاوز من حرية الاعتقاد يُفضي إلى انحلال الجامعة الإسلامية، فلا يكون محمودًا. فالذي يعتقد عقيدةَ الإسلام ثم يخرج منه فهو المرتدّ، فارتداده إمّا أن يكون مع إظهار الحِرابة للإسلام.

стр. 676

وهذا النوع قد حدث زمن النبي ﷺ من نفر من عُكل وعُرينة، فحكم فيهم رسول الله بحكم المحارب. وإما بدون حِرابة؛ فقد ارتدّ نفرٌ آخرون ثم تابوا، فقبل رسول الله توبتهم. ثم ارتدت قبائلُ العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ بإعلان الكفر أو بجحد وجوب الزكاة، وقد أجمع الصحابة على وجوب قتالهم. فكان إجماعُهم أصلًا في قتل المرتدّ مع الاعتضاد له بما رواه معاذ بن جبل وعبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهْ"، (١) يعني الإسلام. وليس هذا الحكمُ بقادح في أصل حرية الاعتقاد؛ لأن الداخلَ في الإسلام قد كان على حريته في اعتقاده قبل دخوله فيه. فلما دخل في الإسلام صار غيرَ حرٍّ في خروجه منه لقيام معارض الحرية؛ لأن الارتدادَ يُؤْذِنُ بسوء طويةِ المرتد من قبل، فإنه لا يُتصور أن يجد بعد إيمانه دينًا آخر أنفذَ إلى القلب من الإيمان. فتعين أن يكون دخولُه في الإيمان لقصد التجسس، أو لقصد التشويه للدين في نظر مَنْ لم يؤمنوا به ليوهِمَهم أنه دينٌ لا يستقِرُّ متبعُه عليه بعد أن يعرفه؛ لأن معظم الناس أغرارٌ تغرُّهم الظواهرُ ولا يغوصون إلى الحقائق. وكما استدل هرقل على صدق نبوة محمد ﷺ بسؤاله أبا سفيان: "هل يرتدّ أحدٌ من أتباع محمدٍ بُغضةً (سُخطةً) لدينه بعد أن يدخل فيه؟ "، فأجابه أبو سفيان - وهو يومئذٍ مشرك - بأن لا. فقال هرقل: "وكذلك الإيمانُ حين تخالط بشاشتُه القلوب". (٢)

стр. 677

فكذلك يعكس الكائدُ للإسلام وجهَ الاستدلال، فيجعل من ارتداد الداخل في الإسلام دليلًا وهميًّا على عدم صحته. وقد يكون الارتدادُ لمجرد الاستنكاف والسخرية بالإسلام، وحرمة الله توجب الذّبَّ عن دينه في مثل هذا. على أن عدم المؤاخذة به يفضي إلى انحلال الجامعة، كما وقع في ردّة العرب لو لم يؤخذوا بالصرامة. أمّا حرية الاعتقاد نحو غير الداخلين في الإسلام، فلم يحمل الإسلام أهلَ الملل على تبديل أديانهم، بل اقتنع منهم بالدخول تحت سلطانه، وبدعائهم إلى الدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. ومعلومٌ أن الدخولَ تحت سلطان الإسلام ليس متعلِّقًا بالاعتقاد ولا بالعمل، ولكنه راجعٌ إلى حفظ أمن دولة الإسلام؛ إذ الإسلام دينٌ قرينُ دولة. فكان من موجباتِ حفظ بقائه تأمينُه من غوائل الناقمين على ظهوره، قال بعض العلماء: كان رسول الله ﷺ لا يُكره أحدًا على اتباعه فأبى المشركون إلّا أن يقاتلوه؛ فنزل قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. (١) ٢ - وأما حرية القول فهي أن يجهر المفكر برأيه، ويصرح بما يراه صوابًا مما يأنس من نفسه أنه يحسن الإصابة فيه، (٢) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ولا شكّ أن قول العدل تكرهه النفوسُ التي يقمعها

стр. 678

الحق، ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أكبر شُعب الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وفي الحديث الصحيح: "مَنْ رأى منكم منكَرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، (١) فالتغيير باليد خاصٌّ بأولِي الأمر، (٢) وجعل التغيير بالقلب أضعف الإيمان، فهو حظُّ ضعف، فتعيَّن أن حظّ عامة المؤمنين هو تغيير المنكر باللسان. ومن حرية القول بذلُ النصيحة، قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، وفي الحديث الصحيح: "الدين النصيحة: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". (٣) وفي حديث جرير بن عبد الله البَجَلي: "بايعتُ رسولَ الله على الإسلام، فشرط عليّ: والنصحَ لكل مسلم، فبايعته على ذلك". (٤)

стр. 679

ومن حرية القول حقُّ المراجعة من الضعيف للقوي كمراجعة الابن أباه، والمرأة زوجها. وفي حديث عمر بن الخطاب: "كنا معشرَ قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ عليها أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكرُ عليّ أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه"، وقد أخبر عمر بذلك رسول الله فأقره. (١) وقد راجع الصحابةُ رسولَ الله ﷺ في أشياء من غير التشريع. ومن ذلك لما نزل رسول الله ﷺ بالجيش أدنَى ماءٍ من بدر في وقعة بدر قال له الحباب بن المنذر: "أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله ﷺ : "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: يا رسول، فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض بالناس حتى نأتِيَ أدنَى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغَوِّر ما وراءه من القُلُب، (٢) ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، [ثم نقاتل القوم]، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ : "لقد أشرتَ بالرأي"". (٣) وقال عمر لرسول الله ﷺ يوم صلح القضية (٤) حين رأى عزمَ رسول الله على إجابة شروط قريش: "ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل، فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟ " (٥). ومن حرية القول حرية العلم والتعليم ومظهرها في الإسلام في حالين:

стр. 680

الحال الأول: الأمر ببثّ العلم بقدر الاستطاعة، فقد أُمرنا ببث القرآن وتعليمه وببث الآثار النبوية؛ ففي الحديث الصحيح: "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها. فربَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أفقهُ منه، وربّ حامل فقه إلى من ليس بفقيه"، (١) وفي خطبة حجة الوداع: "ولْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائب". (٢) وقد أمر الخليفة الثالث بنسخ المصاحف، وأرسل بها إلى أقطار الإسلام. وجعل النبي ﷺ يومًا في الأسبوع لتعليم النساء، (٣) وأُسست المكاتبُ لتعليم الصبيان من عهد أبي بكر أو عمر، ثم قد وردت أحاديث في فضل تعليم العبيد والإماء. ووراء هذا مرتبةٌ أُخرى في العلم والتعليم، وهي مرتبةُ الاستنباط في العلم. فقد دعا الإسلام إليها وأوجبها على مَنْ بلغ رتبةَ المقدرة عليها في الأحكام الشرعية، وهي مرتبةُ الاجتهاد بمراتبه. قال علماؤنا: إنها من مشمولات أمر الوجوب في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وغيره من آيات القرآن. وفي الحديث: "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد"، (٤) وأية حرية للعلم أوسعُ من هذه إذ جُعل الأجرُ على خطأ؟ !

стр. 681

الحال الثاني: تخويل أهل العلم نشر آرائهم ومذاهبهم وتعليمها، مع اختلافهم في وجوه العلم، واحتجاج كل فريق برأيه ومذهبه، وحرصهم على دوام ذلك تطلبًا للحق؛ لأن الحق مشاع. ولقد قال أبو جعفر المنصور للإمام مالك بن أنس: "إنني عزمت أن أكتب كتبك هذه (يعني باعتبار أبوابه) نُسخًا ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار بنسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدّوها إلى غيرها. فقال مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإنّ الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كلُّ قوم بما سبق إليهم من اختلاف أصحاب رسول الله وغيرهم، وإن ردَّهم عن ذلك شديد، فدَعِ الناس وما هم عليه". (١) ولقد كان في مدة الدولة العُبَيْدِيَّة بالقيروان مذهبان متضادان تمام التضاد في أصول الدين وفروعه، وهما مذهبُ المالكية سكان البلاد، ومذهب الإسماعيلية من الشيعة، مذهب أهل الدولة. وكان علماء الفريقين ينشرون كتبهم، ويدرّسون مذاهبَهم، لا يصدّ أحدهم الآخر. ثم كان نظيرُ ذلك بمصر في عهد انتقال العُبَيْديّين إليها وتأسيس دولتهم الملقّبة بالفاطمية، وشواهدُ هذا كثيرة في تاريخ المذاهب. لم يقتصر الإسلامُ في بذل حرية العلم على المسلمين، بل منح الحريةَ لأهل الملل الداخلين في ذمته وسلطانه. وقد كان اليهودُ في حياة رسول الله ﷺ يُدَرِّسون التوراةَ في المِدراس بالمدينة، وجاء رسول الله إلى مدراسهم ودعاهم إلى الإسلام، كما هو ثابت في الصحيح. (٢)

стр. 682

٣ - وأما حريةُ العمل فهي تتعلق بعمل المرء في خويصته، وبعمله المرتبط بعمل غيره. فحريةُ العمل في الخويصة، مثل تناول المباح والاحتراف بما شاء، وأن لا يُجبَر على أن يعمل لغيره، إلّا إذا تعين عليه عملٌ من المصالح العامة، أو ما فيه حفظُ حياة الغير، مثل الدفاع عن الحوزة، وحراسة الثغور، وإنقاذ الغريق، وخدمة مَنْ تتعين عليه خدمتُه، وإعطاء الزكاة، ونفقة القرابة. وكل ذلك يرجع إلى القسم الثاني في الحقيقة. وكذلك التصرف في المال، عدا ما هو محظور شرعًا، إلّا إذا طرأ عليه اختلافُ التصرف من عَتَهٍ أو سَفَه. وذلك قيدٌ في الحرية؛ لأنها حرية غير ناشئة عن إرادة صحيحة، فأُلغيت لأجل مصلحته ومصلحة عائلته.

стр. 683

وحكم النساء في حرية التصرف مثل الرجال بحسب ما تسمح به حالتهنّ من انتفاء المفاسد، فلهنّ التصرف في أموالهنّ إذا كنّ رشيدات، ولهنّ إشهاد الشهود في غيبة أزواجهن، وكل ذلك لا عهدَ للعرب ولا لأهل الأديان الأخرى بمثله. ولهنّ الخروجُ لقضاء حوائجِهِنّ بالمعروف، ولهنّ حضورُ الجمعة والجماعة والعيدَين. وفي الحديث: "ولتخرج العواتق وربات الخدور، وليشهدن الخير ودعوة المسلمين". (١) وكانت امرأةُ عمر بن الخطاب تخرج إلى صلاة الجماعة، وتعرف منه الكراهيةَ، فتقول: "والله لأخرجنّ إلّا أن تمنعني، فلا يستطيع منعَها". (٢) ومعنى كراهته لذلك أنه يودّ أنها تترك فضيلةَ الجماعة لِما عُرف به من شدة الغيرة، ومعنى قولها له: إلّا أن تمنعني؛ أي إلّا أن تصرح لي بالمنع وهو لا يستطيع ذلك؛ لأنه رأى أنه ليس من حقه

стр. 684

عليها، وكان وقّافًا عند كتاب الله. وللمرأة حقُّ مطالبة الزوج بحسن المعاشرة وطلب عقوبته على ضدّ ذلك، ويُحكم لها بالطلاق في أحوال معينة، قال تعالى: ﴿لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وأما حريةُ العمل المرتبط بعمل الغير، فأصلُه أنه لا يُضَرُّ بأحدٍ لينتفع غيرُه، ولكنه لا يعمل عملًا فيه اعتداء على حق الغير؛ كاحترام الكليات التشريعية. وذلك بالتحقيق من قبيل رعي الحريات المختلفة؛ لأن مرجعَ أحكام المعاملات إلى حفظ مجموع الحريات. وكذلك قد تُراعَى أعمالٌ تجب على المرء لغيره لإقامة المصالح كما تقدم، أو لبث الخير بين الأمة كالإرفاق والمواساة. حرية العبيد: سلّط الإسلامُ حقيقةَ الحرية على حقيقة العبودية قصدًا لعلاجها وإصلاح مزاجها. إنّ الرق شيءٌ قديم في المجتمع البشري من قبل التاريخ، وهو أثر تسلط القوي على الضعيف، فكان الرقيقُ معدودين كالحيوان يذيقهم سادتُهم النكالَ فلا يرثي لهم أحد، ولا ينتصف لهم قانون. وقد عذب العرب في الجاهلية بعض الرقيق؛ فعذبت قريش أمَة اتهموها بسرقة وِشاح جويريةٍ، ثم تبين أن الحدأة اختطفته ثم ألقته بمكانٍ، فكان ذلك سببَ إسلام هذه الأَمَةِ وهجرتها إلى المدينة، وكانت تقول: ويَوْمُ الْوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... أَلَا إِنَّهُ مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّانِي (١)

стр. 685

وقتلت بنو الحسحاس من بني أسدٍ عبدهم سُحيمًا الشاعر بتهمة تغزله بابنة سيده. (١) فمنح الإسلام من الحرية للعبيد ما لم يمنحهم إياه شرع سابق. ابتدأ الإسلام فأبطل معظم أسباب الرق وهي: ١ - الاسترقاق الاختياري: كان الأب أو الأم أو الولي يبيع قريبه لمن يصيّره مملوكًا له، وكان هذا الاسترقاق مشروعًا في الشرائع القديمة، وقد ثبت في شريعة التوراة حسبما في الإصحاح ٢١ من سفر الخروج، والإصحاح ٢٥ من سفر اللاويين. (٢) ٢ - والاسترقاق في الجناية: بأن يحكم على الجاني ببقائه رقيقًا، وقد كان هذا مشروعًا حكاه القرآن في قصة يوسف بمصر: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٥, ٧٦].

стр. 686

٣ - والاسترقاق في الدَّين: وكان مشروعًا عند الرومان أن يأخذ الدائن مدينه إذا عجز عن الدفع فيسترقّه، وكذلك كان في شرائع اليونان في عهد سولون الحكيم. ٤ - والاسترقاق في الفتن والحروب الداخلية، أعني الحروب بين المسلمين فهو ممنوع في الإسلام. ٥ - واسترقاق السائبة: كما استرقّت السيارة من الإسماعيليين يوسف ﵇، حيث وجدوه في الجب: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف: ١٩]. وقد عزّز الإسلام ذلك بروافع ترفع حكم الرق، وهي كثيرة: أ - فمنها: أن جعل من مصارف أموال المسلمين اشتراء العبيد وعتقهم وإعانة المكاتبين بنص قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧، التوبة: ٦٠]. ب - ومنها أن جعل عتق العبيد من خصال الكفارات الواجبة ككفارة قتل الخطأ، وتعمد فطر رمضان، والظهار، والحنث. جـ - ومنها أن أمر بمكاتبة العبيد، وهي التعاقد معهم على مقدار من المال يؤديه العبد منجمًا فإذا استوفاه صار حرًّا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، حمل كثير من علماء الصحابة ومَنْ بعدهم الأمر في قوله: "فكاتبوهم" على الوجوب، وحمله الجمهور على الندب. د - ومنها أن مَنْ أعتق جزءًا من عبده أُجْبِر على إكمال عتقه إن كان بقيتُه له، وإن كان لغيره معه فيه شركةٌ قُوِّمَ عليه نصيبُ شريكِه وأُلزم الشريكُ ببيع نصيبه للمعتق بالقيمة وأُعتق جميعه. ومنها أن من أولد أمته صارت في حكم الحرة، بمعنى أنه لا يجوز له بيعها ولا له عليها خدمة ولا استغلال، وتعتق من رأس تركته بعد مماته. هـ - ومنها أن من عاقب عبده عقابًا شديدًا فمثّل به أعتق عليه جبرًا أو وجب عتقه دون جبر إذا لم يبلغ حد التمثيل كاللّطمة؛ لأن عتقه كفارة الاعتداء عليه كما في الأحاديث الصحيحة وأقوال الأئمة.

стр. 687

و - ومنها كثرة الترغيب في عتق العبيد والإماء. ي - ومنها: أن جعل الفقهاء دعوى العتق لا يعجَّز مدعيها، ولا يُحْكَمُ عليه إن لم يجد بينةً بحكم قاطع لدعواه، بل له أن يقوم بها متى وجد بيِّنة. ولقد استخلص فقهاءُ الإسلام من استقرائهم لأدلة الشريعة وتصرفاتها في شأن العبيد قاعدة فقهية جليلة وهي قولهم: "إن الشارع متشوّفٌ إلى الحرية" (١). ويُضاف إلى هذا تأكيدُ الوصاية بالعبيد، وفي حديث أبي ذر قال رسول الله ﷺ : "عبيدُكم خَوَلكم، (٢) إنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جُعل أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويُلبسه مما يَلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فلْيُعِنْه". (٣) وفي حديث آخر، وأحسب أنه موجودٌ في بعض روايات خطبة حجة الوداع: "اتقوا الله في العبيد؛ فإنّ الله ملَّكَكم إياهم، ولو شاء لمَلَّكَهم إيّاكم". (٤) وفي الصحيح نهى رسول الله ﷺ عن أن يقول العبد لمالكه:

стр. 688

"ربِّي أو سيدي، وليقل: مولاي"، ونهى المالكَ أن يقول: "عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". (١) فإن قال قائل: لماذا لم يُبطل الإسلامُ أصلَ الاسترقاق، أو يبطل أسبابَ حدوثه بعد الإسلام، فيكون أقطعَ لجرثومته وأنفعَ لتحقيق مقصد الشريعة من التشوف إلى الحرية؟ قلنا: تبين أن الاسترقاقَ قد بُنيت عليه نُظُم المدنية يومئذٍ في الخدمة والعمل والزراعة والغراسة، وأصبح من المتمولات الطائلة والتجارة الواسعة المسماة بالنخاسة. وانعقدت بسبب ذلك أواصرُ عظيمة، وهي أواصر الأمومة بين العائلات وأواصر الولاء في القبائل، فإبطالُه إدخالُ اضطرابٍ عظيم على الثروة العامة والحياة الاجتماعية بأسرها. على أنه ربما يُعرِّض العبيدَ إلى الهلاك، والذهاب على وجوههم في الأرض لا يجدون من يؤويهم. (٢) ثم لو أبطل الإسلامُ أسبابَ الرق في نظامه لكان ذلك ذريعةً إلى جراءة أعدائه من العرب وغيرهم على حربه؛ لأن أعظمَ ما يتوقعه المحاربون من الهزيمة

стр. 689

هو الأَسْر والسَّبْي، فإذا أمِنوا منهما لم يعبؤُوا بالموت وما دونه. وقد عبر عن ذلك أبو فراس بنزعته العربية بقوله يخاطب سيفَ الدولة: وَلَكِنَّنِي أَخْتَارُ مَوْتَ بَنِي أَبٍ ... عَلَى سَرَوَاتِ الْخَيْلِ غَيْرَ مُوَسَّدِ وَتَأْبَى وَآبَى أَنْ أَمُوتَ مُوَسَّدًا ... بِأَيْدِي الأَعَادِي مَوْتَ أَكْبَد أَكْمَدِ (١) وقال النابغة في شأن الأسْر والسَّبْي: حِذَارًا عَلَى أَنْ لَا تُنَالَ مَقَادَتِي ... وَلَا نِسْوَتِي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرَا (٢) سد ذرائع انخرام الحرية: جرى الإسلامُ على عادته في التشريع، وهي أن يشرع الوسائلَ ويؤسس القواعدَ المفضية إلى مقاصده، ثم يحيطها بسدّ الذرائع التي قد تتسلل من منافذها مُفْسِداتُ المقاصد فتعود على أصولها بالإبطال، وتلك هي الملقبة في أصول الفقه بسد الذريعة. وهذه الذرائع إنما تتعلق بالقول والعمل، فأوجب الإسلامُ على المسلم أن يريدَ بكل قول وعمل وجهَ الله والإخلاصَ فيه وتركَ الرياء، وسَمَّى الرياء بالشرك الأصغر، وذلك ليجتنب الناسُ حبَّ المحمدة الباطلة. فإن حب المحمدة قائدٌ إلى الاستعباد الاختياري ومانعٌ للحرية؛ لأن الافتتانَ بحب المحمدة يحتم على صاحبه الخوفَ من الانتقاد وغضبِ الجمهور من الذين لا يفقهون مصلحةً من غيرها، ولا يميزون بين الحق والباطل. فإذا حمدوا ومجدوا أحدًا، حسبوا فعلَهم مزيةً أنالوها

стр. 690

إياه، فأصبحوا يمنون عليه، ويترقبون منه أن يطيعَهم في قضاء ما يشتهون مِمَّا يظنونه مصلحة، والغرض أنهم لا يفقهون. فإذا كان ناصحًا أمينًا لم يستفزه ذلك، إذا علم أن فيه لَهم سيِّئ العواقب، ولم يغترَّ منهم بتلك الظواهر الكواذب، ولم يرقه السيرُ في عراض المراكب. وقد حكى الله من مواقف الرسل والناصحين من ذلك كثيرًا، فحكى عن موسى ﵇: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [الأعراف: ١٣٨, ١٣٩]. فأما إذا فتنته تلك الظواهرُ الخلابة فانتفخ عجبًا، وخشيَ انْحرافًا منهم وسلبًا؛ خَصَّ في إدراك الحقيقة، وخادعهم وواربَهم، وأضاع مصالِحَهم، وغلَب سفهُهم على رُشده، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقال: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]. وقد سقط في هذه الهواة كثير من زعماء الأمم. وسدَّ ذرائع قتل الحرية بالقوة المالية؛ إذ قد يعرض الاستعباد من الحاجة إلى المال، وفي الحديث: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعطَ لم يرضَ". (١) فلذا أبطل الإسلامُ الربا؛ لأنه طريقٌ واضح لاستعباد المضطرين، وأبطل عقودَ الإكراه، وأبطل معظمَ الشروط التي تُشترط على العامل في القراض والإجارة والمغارسة والمساقاة والمزارعة. وقد أمكن أن تُستخرَجَ قاعدةٌ شرعية لهذه المسائل الممنوعة، وهي: "منع أن يَفْترص الغنِيُّ احتياجَ الفقير إليه، فيعنته لأجل ذلك".

стр. 691

وذرائعُ فساد حرية القول تكون فيما تقدم، وتكون في حرية العلم بأن تُحْملَ العلماءُ على تحريف الحقائق لأجل المحمدة الكاذبة، أو لأجل الحصول على مال قليل. وقد نعى الله ذلك على علماء بني إسرائيل فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤]. وكان ذلك كله في إرضائهم عامتهم، وحملهم الشريعة على ما يوافق هوى العامة، كما أوضحته الآثار وأئمةُ التفسير. وتكون أيضًا في حرية القضاء؛ فلذلك حرَّم الإسلامُ الرشوة، وأوجب إجراءَ أرزاق الحكام وكفايتهم من بيت مال المسلمين بحسب الزمان والمكان. قال ابن العربي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]: ليس من شرط الخليفة ولا القاضي أن يكون غنيًّا، ولكنه في حكم الإسلام لا يكون إلّا غنيًّا؛ لأنه يأخذ ما يكفيه من بيت المال فغِناه فيه. (١) تحصيل: إذا تبيّنتَ ما تقدم من البيان في أنحاء الحرية تبيُّن الحكَم البَصِير، علمتَ أن الإسلامَ بذل للأمة من الحرية أوسعَ ما يمكن بذلُه في شريعة جامعة بين أنواع المصالح، بحيث قد بلغ بها حدًّا لو اجتازته لجرّ اجتيازُها إياه إلى اختلال نظام المدنية

стр. 692

بين المسلمين، أو بينهم وبين الأمم المرتبطة بهم اختلالًا قويًّا أو قليلا. وذلك الاختلال قد يفضي إلى نقض أصولها، وامتشاق السيوف لتمزيق إهابها. ومن القواعد المقررة في الحكمة: أن لا عبرة بوجودٍ يفضي إثباتُه إلى نفيه. ومن القواعد في أصول التشريع الإسلامي أن المناسبة التشريعية لا تُعتبر مناسبةً إلا إذا كانت غيرَ عائدةٍ على أصلها بالإبطال، وأنها تنخرم إذا لزمتها مفسدةٌ راجحة أو مساوية. وبقولٍ جامعٍ أقول: إن ما يتجاوز الحدودَ التي حدد الشرعُ بها امتدادَ الحرية في الإسلام لا يخلو عن أن يكون سببَ فوضى وخلع للوزعة بين الأمة، أو موجبَ وهَن ووقوعٍ في أشراك غفلة ومهاوي خطل سياسي. وتفصيلُ ذلك يحتاج إلى تحليل وتطويل لا يُعوز صاحبَ الرأي الأصيل. المساواة: نقفّي القولَ في الحرية ببيان المساواة: المساواة مصدر ساواه إذا كان سواءً له: أي مماثلًا، فالسَّواء المِثل. ولا يُتصور تمامُ المساواة بين شيئين أو أشياء في البشر؛ لأن أصل الخلقة جاء على تفاوت في الصفات المقصودة ذاتيةً ونفسية. وذلك التفاوت يؤثر تمَايُزًا متقاربًا، وذلك يقتضي تفاوت معاملة الناس بعضهم لبعض في الاعتبار والجزاء. فلو دعت شريعةٌ إلى دحض هذه الفروق والمميزات لدعَت إلى ما لا يُستطاع: "وتَأْبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِلِ"، (١) فضلًا عما في ذلك من حمل الناس على إهمال المواهب السامية، وذلك فسادٌ قبيح: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ويكون الاقترابُ إلى الفساد يفيد الاقترابَ إلى الإفراط في إلغاء المميزات الصالحة، ولا تستقيم شريعةٌ ولا قانونٌ لو جاء بهذا الإلغاء، فإن الذين تطرَّفوا في

стр. 693

اعتبار المساواة لا يسيرون طويلًا حتى تَجْبَههم سدودٌ لا يستطيعون اقتحامَها كالشيوعيين؛ فقد وقفوا في حدود عجزوا عن تحقيق مبدأ المساواة فيها، كمساواة أبكم لفصيح ومعتوهٍ لذكي. ومن هذا يتّضح القياس، وتظهر المساواةُ الحقة بين الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ [فاطر: ١٩, ٢٠]، وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. إذن فالمساواةُ تعتمد توفرَ شروط وانتفاء موانع. فالشريعة التي تبني المساواةَ على اعتبار الشروط والقيود شريعةٌ مساواتُها ضعيفة، والشريعة التي تبني مساواتها على اعتبار انتفاء الموانع شريعة مساواتها واسعة صالحة. ويظهر أن الدعوة الإسلامية بنت قاعدة المساواة على انتفاء الموانع، وشتّان بين قوة تأثير الشرط وتأثير المانع. والشريعةُ التي لا تقيّد المساواة بشيء شريعة مضلِّلة. فإذا عددنا المساواة في أصول شريعة الإسلام، فإنما نعني بها المماثلةَ بين الناس في مقادير معلومة وحقوق مضبوطة من نظام الأمة، سواء كان الضبط بكليات ومستثنيات منها، أم كان بتعداد مواقع المساواة. فالمساواة في الإسلام تتعلق بثلاثة أشياء: الإنصاف، وتنفيذ الشريعة، والأهلية. الأول: المساواة في الإنصاف بين الناس في المعاملات، وهي المعبَّر عنها بالعدل، وهو خصلةٌ جليلة جاءت به جميعُ الشرائع، وبيّنت تفاصيلَه بما يناسب أحوالَ أتباعها. وشريعةُ الإسلام أوسعُ الشرائع في اعتبار هذه المساواة، ففي خطبة حجة الوداع: "وإنّ ربا الجاهلية موضوع؛ وإن أول ربًا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وأن دماء الجاهلية موضوعة؛ وإن أول دمٍ أبدأ به دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب". (١)

стр. 694

وفي الصحيح أن الرُّبَيِّع بنت النضر لطمت جاريةً فكسرت ثَنِيَّتَها، فطلب أهلُ الجارية القِصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فجاء أنس بن النضر أخو الرُّبَيِّع - وكان من خاصّة الصحابة من الأنصار - فقال: يا رسول الله، والله لا تُكسر ثنية الرُّبَيِّع، فقال رسول الله: "يا أنس كتابُ الله القِصاص"، ثم إن أهل الجارية رضوا بالأرش. (١) وقصة الفزاري الذي لطمه جَبَلة بن الأيهم معروفة (٢). الثاني: المساواة في تنفيذ الشريعة وإقامتها بين الأمة، بحيث تجري أحكامُها على وتيرة واحدة، ولو فيما ليس فيه حقٌّ للغير مثل إقامة الحدود. وقد سرقتْ امرأةٌ

стр. 695

من بني محزوم من قريش حُليًّا، فأمر رسول الله ﷺ بإقامة الحدّ عليها، فقالوا: "من يشفع لها عند رسول الله؟ فقال قائل: ومن يجترئ عليه غيرُ أسامة بن زيد؟ فكلموا أسامة، فكلم أسامةُ رسول الله في شأنها؛ فغضب رسول الله وقال: "أتشفع في حدّ من حدود الله؟ "، [ثم قال: ] "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ. والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدها"، (١) أشار كلامُ رسول الله ﷺ إلى ما كان في الأمم السالفة من التفاضل في إقامة الشريعة. وقد كان ذلك في بني إسرائيل، كما ثبت في بعض طُرق هذا الحديث في الصحاح. (٢) وثبت أن الرومان كانت عقوباتُ الجنايات المتماثلة تختلف عندهم على حسب اختلاف حالات المجرمين ووسائلهم. الثالث: المساواة في الأهلية، أي في الصلوحية للأعمال والمزايا، وتناول المنافع بحسب الأهلية لذلك. وهذه قد تكون بين جميع مَنْ هم داخلون تحت سلطة الإسلام، وتكون بين المسلمين خاصة، وتكون بين أصناف المسلمين من الرجال أو من الأحرار أو من النساء. والأصل في هذه الأهلية في الإسلام هو المساواةُ بين الداخلين تحت حكم الإسلام كلهم؛ لقوله ﷺ في أهل الذمة: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، (٣) ثم المساواة

стр. 696

بين المسلمين في أحكام كثيرة بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فقد جمع حكم الأُخوة باطّراد المساواة فدخل الرجال والنساء والأحرار والعبيد، إلا فيما دلت الأدلة على تخصيصه بصنف دون آخر تخصيصًا اقتضاه حالُ الفطرة أو مصلحة عامة. وفي الحديث: "الناسُ كأسنان المشط"، (١) فلم يقصر المساواةَ على

стр. 697

جنس أو قبيلة، ولم يقدم عربيًّا على عجمي، ولا أبيضَ على أسود، ولا صريحًا على مولَى، ولا لصيقًا ولا معروف النسب على مجهوله. وفي خطبة حجة الوداع: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلُّكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضلَ لعربي على عجمي إلّا بالتقوى". (١) وقد كان تمايزُ الأجناس أو القبائل في القوانين والشرائع السالفة أصلًا في الأحكام؛ ففي التوراة سفر لخصائص اللاويين. (٢) وعند الرومان والفرس وبني إسرائيل لم يكن للدخيل في الأمة مثلُ ما للأصيل. وعند العرب لم يكن للصريح ما للّصيق، بله الغريب عن القبيلة. والإسلامُ أبطل ذلك: أمَّر النبي ﷺ زيد بن حارثة وهو من موالي قريش، وأمَّر ابنَه أسامة بن زيد على جيش فتكلم في المرتين بعضُ العرب، فخطب رسولُ الله ﷺ فقال: "إن تطعنوا في إمارته - يعني أسامة - فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل. وايم الله إن كان (أي زيد) لَخَليقًا بالإمارة، وإن هذا (أسامة) لمن أحبّ الناس إلَيّ". (٣) فنبّه بقوله: "إن كان لخليقًا بالإمارة" على أن الاعتبار بالكفاءة، ونبّه بقوله: "لمن أحبّ الناس إلَيّ" على أنه إنما اكتسب محبة الرسول ﷺ لفضله وكفاءته؛ إذ بذلك تُكتسب محبة الرسول ﷺ . كذلك لم يختص الإسلامُ بالمساواة طبقة، وقد كان نظامُ الطبقات فاشيًا بين الأمم؛ فكانت الفرسُ والروم يعدّون الناس أربع طبقات: أشرافًا، وأوساطًا،

стр. 698

وسفلة، وعبيدًا. وكان العرب يعدون الناس طبقاتٍ ثلاثًا: سادة، وسوقة، وعبيدًا. وكان الفُرس يخصون كلَّ طبقة بخصائص لا تبلغ إليها الطبقةُ التي دونها: سأل رستمُ قائد جيوش الفرس في حرب القادسية زُهرةَ بن حَوِيّة (١) عن الإسلام، فكان من جملة ما قاله زُهرة لرستم: "إن الناس بنو آدم، إخوة لأب وأم. فقال رستم: إنه منذ وَلِيَ أردشيرُ لَمْ يدَع أهلُ فارس أحدًا من السفلة يخرج من عمله، ورأوا أن الذي يخرج من عمله تعدّى طورَه وعادى أشرافه. قال زهرة: نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقول، بل نطيع الله في السفلة ولا يضرُّنا مَنْ عصى الله فينا". (٢) وكان العرب يفرقون في الدية بين السادة والسوقة، وفي الاقتصاص في الدماء، ويسمون ذلك بالتكايل، فيقدَّر دمُ السيد أضعافَ دم السوقة. فجاء الإسلام بإبطال ذلك، ففي الحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم". (٣) ولم يعتبر الإسلام للطبقات أحكامًا في الأهلية للكمال إلّا في جعل الناس قسمين: أهل الحل والعقد، والرعية. فأهلُ الحل والعقد هم ولاةُ الأمور، وأهل

стр. 699

العلم، ورؤساء الأجناد. فهؤلاء طبقةٌ إسلامية جُعل إليها النظرُ في إجراء مصالح الأمة، ومن خصائصها: انتخاب الخليفة، كما فعل عبد الرحمن بن عوف في تعيين الستة بعد عمر ﵁. (١) وأما المخالفون في الدين من أتباع حكومة الإسلام، فقد منحهم الإسلامُ مساواةً في معظم الحقوق عدا ما رُوعيَ لهم فيه احترامُ شرائعهم فيما بينهم، وعدا بعض الأحكام الراجعة إلى موانع المساواة . وقد اختلف علماءُ الإسلام في القصاص بين المسلم والذِّمِّي، وجوّز العلماءُ ولايةَ الذمي ولاياتٍ كالكتابة ونحوها. (٢) وقد كان في الأمم الماضية يُعد الاختلاف بين الحكومات ورعاياها في الدين حائلًا دون نيل الحقوق، وموجبًا للاضطهاد. وقد قصّ التاريخُ علينا عدةَ اضطهادات من هذا القبيل، كاضطهاد الآشوريين والرومان لليهود، واضطهاد التبابعة للنصارى في نجران وهم أصحاب الأخدود، وتاريخ الإسلام مبرّأ من ذلك. موانع المساواة: موانع المساواة في الإسلام - كما أشرت إليه في أول مبحثها - تكون جِبلِّية، وشرعية، واجتماعية، وسياسية. فالموانع الجِبلّية كموانع مساواة الرأة للرجل فيما لا تستطيع أن تساويه فيه بخلقتها، مثل قيادة الجيش والقضاء عند جمهور المسلمين؛ لاحتياج هذه الخطط إلى رباطة الجأش، وكمنع مساواة الرجل للمرأة في كفالة الأبناء الصغار وفي استحقاق النفقة. (٣)

стр. 700

والموانع الشرعية هي المعلولة لعِلل أوجبتها، وهي مبيَّنةٌ في مواضعها من كتب الشريعة، مثلًا عدم المساواة في إباحة تعدّد الأزواج للمرأة، (١) وفي مقدار الميراث، وفي عدد الشهادة، ومثل عدم مساواة العبد للحر في قبول الشهادة. وكذلك أهل الذمة عند منع قبول شهادتهم، ومن منع القصاص لهم من المسلمين بالقتل. والموانع الاجتماعية تتعلق غالبًا بالأخلاق وبانتظام الجامعة الإسلامية على أكمل وجه، كعدم مساواة الجاهل للعالم في الولايات المشروطة بالعلم كالقضاء والفتوى، وعدم مساواة العطاء بين أهل ديوان الجند فقد أعطاهم عمر على حسب السابقية في الإسلام وحفظ القرآن. والموانع السياسية هي التي ترجع إلى حفظ حكومة الإسلام، وسدّ منافذ الوهن أن يصل إليها، كمنع مساواة أهل الذمة للمسلمين في الأهلية للولايات التي يمنع منها التدينُ بغير الإسلام، ومنع مساواتهم للمسلمين في تزوج المسلمات، (٢) ومنع مساواة غيرِ القرشي القرشيَّ في الخلافة للوجه الذي نبّه إليه أبو بكر ﵁ يوم

стр. 701

السقيفة إذ قال: "إن العرب لا تدين لغير هذا الحي من قريش". (١) قال إمام الحرمين في الإرشاد: "ومن شرائطها (أي الخلافة) عند أصحابنا أن يكون الإمام من قريش [إذ قال رسول الله ﷺ : "الأئمة من قريش"، وقال: "قدموا قريشًا ولا تقدموها".] وهذا مما يخالف فيه بعضُ الناس، وللاحتمال فيه مجال". (٢) المقام الثاني: أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة بين الأمم غير أتباع الإسلام: أهابت دعوةُ الإسلام بالأمم، وقد كانوا غافلين مستسلمين، ففتحت أعينهم إلى ما في معاملة سادتهم وكبرائهم إياهم من الاعتداء والغضّ، فأخذ أولئك يقتربون إلى تقويم أود جبابرتهم والطموح إلى إصلاح أحوالهم، وأخذ هؤلاء ينزلون عن صياصي الجبروت ويخفضون من غلوائهم، فحدثت بذلك يقظةٌ فكرية في العالم.

стр. 702

اخترقت دعوةُ الإسلام أفكارَ الحضارة العالمية بطرق شتى: ١ - منها تناقل الأخبار. ٢ - ومنها الجوار، ومنها الدعوة بالكتب النبوية إلى ملوك الأمم المشهورة مثل الفرس والروم، والحَبَش والقبط، وملوك أطراف بلاد العرب في العراق والشام والبحرين وحضرموت. ٣ - ومنها هجرةُ المسلمين الأولين إلى بلاد الحَبَشة، ومنها الفتوحُ الإسلامية في بلاد الفُرس، والروم، والجلالقة (إسبانيا)، والإفرنج، والصقالبة، والبربر، والهند، والصين. قد كانت سيادةُ العالم حين ظهور الدعوة المحمدية منحصرةً في مملكتين: الفرس والروم. فأما المملكة الفارسية فقد أوهنتها الحروبُ المادية بين الفرس والروم في زمن سابور الثاني وأبناء قسطنطين الروماني، وأعقبت تلك الحروب تنازعًا مستمرًّا بين قوّاد الجيوش الفارسية إلى أن صار المُلك إلى أبرويز بن بهرام الذي أخذ يجدد ملك الدولة الفارسية، وهو الذي كان ملكه في وقت البعثة، وكتَبَ إليه رسولُ الله ﷺ كتابه المشهور مع عبد الله بن حذافة السهمي. (١) وأما المملكة الرومانيّة فقد بلغت من الاختلال في الشرق والغرب أوائل القرن السادس مبلغًا أشرف بها على الفوضى بتنازع قوّاد الجيوش السلطة، ولم تأخذ في تدارك صلاح أحوالها إلَّا في زمن هِرَقل (هيراكليوس). وقد كان ملكه في عصر البعثة، وهو الذي جرى بينه وبين أبي سفيان المحاورةُ في شأن الإسلام كما تقدم، وهو الذي كتَبَ إليه رسولُ الله ﷺ كتابَه المشهور مع دحية الكلبي. (٢)

стр. 703

فكان لشيوع دعوته ﷺ في بلاد العالم أثران: الأول: أنها سهلت لكثير من الأمم الدخولَ في دين الإسلام أو في حكمه، بما شاهدوا من آثار محامد سياسته لرعاياه مع عدم التشويش على أهل الأديان في عقائدهم، فتمكنوا بذلك خير تمكن من مخالطة المسلمين في معظم شؤون الحياة مخالطةً خولت لهم مزيد الاطلاع على محاسن الإسلام وتربية أهله، وربما كان ذلك هو السبب في إسلام كثير من المتدينين مثل نصارى نجران وتغلب وقضاعة وغسان، ومثل يهود اليمن، ومثل مجوس الفرس والبربر، ومثل نصارى القبط والجلالقة والبربر، ومن لم يدخل منهم في دين الإسلام سهل عليه الدخول في ذمته. الأثر الثاني: كان من تناقل تلك الحوادث ومن تمازج الفرق من الأمة الواحدة، أو من تمازج الأمم، سمعةٌ حسنة للإسلام ومعاملته؛ فكان لتلك السمعة أثرٌ جليل في بقية الممالك التي بقيت خارجةً عن حكم الإسلام. ومن أمثلة ذلك ما تقدم من كلام زُهرة بن حَويّة، وما جرى بين يدي النجاشي من كلامٍ أفصح به جعفر بن أبي طالب عن حقيقة الإسلام، ومن جملة ما قاله: "إنا كنا قبل الإسلام يأكل القويُّ الضعيف". (١) ومعناه فقد الحرية والمساواة، فصمّم النجاشي على حماية المهاجرين من المسلمين وردّ سفراء مشركي قريش الذين جاؤوا طالبين تسليمهم إليهم. فاقتبست الأممُ من أسلوب الإسلام أساليب جديدة في سياسة ممالكهم أفضت إلى تخفيف وطأة الاستبداد، وإلى حصول خير كثير للبشر، وشكلًا جديدًا

стр. 704

للمدنية كانت عاقبته ما نشاهده اليوم من رُقي إلى معارج سامية؛ فإن للفضائل عدوى سريعة كما قال أبو تمام: وَلَوْ لَمْ يَزَعْنِي عَنْكَ غَيْرُكَ وَازِعٌ ... لأَعْدَيْتَنِي بِالْحِلْمِ إِنَّ العُلَا تُعْدِي (١) وحقت كلمة ربّك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 705

المدينة الفاضلة (١) [تمهيد] لم تزل أمنيةُ كلِّ مصلحٍ قيضه الله للبشر أن يهديَ الناسَ إلى تكوين ما يُسمَّى في عُرْف الحكماء بالمدينة الفاضلة. وهم إن اختلفت عندهم الأسماء لاختلاف أساليب التعبير في اللغات لا نجد بينهم اختلافًا في أن مُسمَّى الذي يدعون إليه هو مسمى ما عناه الحكماء المدينة الفاضلة: مجتمعٌ من الناس هو على أكمل حال يكون عليها المجتمع البشري في الرأي والعمل. ذلك أن الإنسان مدنِيُّ بالطبع، كما هو مشهور على الألسنة. (٢) [الفطرة وأصول الاجتماع الإنساني]: وقد علل كثيرٌ من الحكماء كونَ الإنسان مدنيًّا بالطبع. وأنا أختصره وأزيد بيانًا؛ فمعنى كونه مدنيًّا بالطبع أنه بطبع خلقته مجعولٌ لأَنْ يكون مدنيًّا، لأنه خُلق بحيث لا يستقِلُّ وحده بأمر نفسه، بل هو محتاجٌ إلى مشاركة غيره من بني جنسه؛ لظهور كثرة حاجاته الناشئة عن ضعفه الجبلي وتفكيره. فالضعف الجبلي جعله محتاجًا إلى مكملات يصير بها قويًّا على مصادمة الكوارث والمهالك، والتفكير جعله متطلعًا إلى أن يعيش كما يحب لا كما يلقى، وذلك بالمُقام حيث يريد دون انزواء أمام الحوادث المغتالة، وبتحصيل ما لا يستطيع نوالَه مع فرط رغبته. فزاد بالتفكير ضعفُه جلاءً؛ لأنه يطمح به إلى تمنيات وفروض لا يستطيع تحصيلها لعجزه، على حد قول أبي الطيب: وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا ... تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ (٣)
следующие страницы →