← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

السقيفة إذ قال: "إن العرب لا تدين لغير هذا الحي من قريش". (١) قال إمام الحرمين في الإرشاد: "ومن شرائطها (أي الخلافة) عند أصحابنا أن يكون الإمام من قريش [إذ قال رسول الله ﷺ : "الأئمة من قريش"، وقال: "قدموا قريشًا ولا تقدموها".] وهذا مما يخالف فيه بعضُ الناس، وللاحتمال فيه مجال". (٢) المقام الثاني: أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة بين الأمم غير أتباع الإسلام: أهابت دعوةُ الإسلام بالأمم، وقد كانوا غافلين مستسلمين، ففتحت أعينهم إلى ما في معاملة سادتهم وكبرائهم إياهم من الاعتداء والغضّ، فأخذ أولئك يقتربون إلى تقويم أود جبابرتهم والطموح إلى إصلاح أحوالهم، وأخذ هؤلاء ينزلون عن صياصي الجبروت ويخفضون من غلوائهم، فحدثت بذلك يقظةٌ فكرية في العالم.

стр. 702

اخترقت دعوةُ الإسلام أفكارَ الحضارة العالمية بطرق شتى: ١ - منها تناقل الأخبار. ٢ - ومنها الجوار، ومنها الدعوة بالكتب النبوية إلى ملوك الأمم المشهورة مثل الفرس والروم، والحَبَش والقبط، وملوك أطراف بلاد العرب في العراق والشام والبحرين وحضرموت. ٣ - ومنها هجرةُ المسلمين الأولين إلى بلاد الحَبَشة، ومنها الفتوحُ الإسلامية في بلاد الفُرس، والروم، والجلالقة (إسبانيا)، والإفرنج، والصقالبة، والبربر، والهند، والصين. قد كانت سيادةُ العالم حين ظهور الدعوة المحمدية منحصرةً في مملكتين: الفرس والروم. فأما المملكة الفارسية فقد أوهنتها الحروبُ المادية بين الفرس والروم في زمن سابور الثاني وأبناء قسطنطين الروماني، وأعقبت تلك الحروب تنازعًا مستمرًّا بين قوّاد الجيوش الفارسية إلى أن صار المُلك إلى أبرويز بن بهرام الذي أخذ يجدد ملك الدولة الفارسية، وهو الذي كان ملكه في وقت البعثة، وكتَبَ إليه رسولُ الله ﷺ كتابه المشهور مع عبد الله بن حذافة السهمي. (١) وأما المملكة الرومانيّة فقد بلغت من الاختلال في الشرق والغرب أوائل القرن السادس مبلغًا أشرف بها على الفوضى بتنازع قوّاد الجيوش السلطة، ولم تأخذ في تدارك صلاح أحوالها إلَّا في زمن هِرَقل (هيراكليوس). وقد كان ملكه في عصر البعثة، وهو الذي جرى بينه وبين أبي سفيان المحاورةُ في شأن الإسلام كما تقدم، وهو الذي كتَبَ إليه رسولُ الله ﷺ كتابَه المشهور مع دحية الكلبي. (٢)

стр. 703

فكان لشيوع دعوته ﷺ في بلاد العالم أثران: الأول: أنها سهلت لكثير من الأمم الدخولَ في دين الإسلام أو في حكمه، بما شاهدوا من آثار محامد سياسته لرعاياه مع عدم التشويش على أهل الأديان في عقائدهم، فتمكنوا بذلك خير تمكن من مخالطة المسلمين في معظم شؤون الحياة مخالطةً خولت لهم مزيد الاطلاع على محاسن الإسلام وتربية أهله، وربما كان ذلك هو السبب في إسلام كثير من المتدينين مثل نصارى نجران وتغلب وقضاعة وغسان، ومثل يهود اليمن، ومثل مجوس الفرس والبربر، ومثل نصارى القبط والجلالقة والبربر، ومن لم يدخل منهم في دين الإسلام سهل عليه الدخول في ذمته. الأثر الثاني: كان من تناقل تلك الحوادث ومن تمازج الفرق من الأمة الواحدة، أو من تمازج الأمم، سمعةٌ حسنة للإسلام ومعاملته؛ فكان لتلك السمعة أثرٌ جليل في بقية الممالك التي بقيت خارجةً عن حكم الإسلام. ومن أمثلة ذلك ما تقدم من كلام زُهرة بن حَويّة، وما جرى بين يدي النجاشي من كلامٍ أفصح به جعفر بن أبي طالب عن حقيقة الإسلام، ومن جملة ما قاله: "إنا كنا قبل الإسلام يأكل القويُّ الضعيف". (١) ومعناه فقد الحرية والمساواة، فصمّم النجاشي على حماية المهاجرين من المسلمين وردّ سفراء مشركي قريش الذين جاؤوا طالبين تسليمهم إليهم. فاقتبست الأممُ من أسلوب الإسلام أساليب جديدة في سياسة ممالكهم أفضت إلى تخفيف وطأة الاستبداد، وإلى حصول خير كثير للبشر، وشكلًا جديدًا

стр. 704

للمدنية كانت عاقبته ما نشاهده اليوم من رُقي إلى معارج سامية؛ فإن للفضائل عدوى سريعة كما قال أبو تمام: وَلَوْ لَمْ يَزَعْنِي عَنْكَ غَيْرُكَ وَازِعٌ ... لأَعْدَيْتَنِي بِالْحِلْمِ إِنَّ العُلَا تُعْدِي (١) وحقت كلمة ربّك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

стр. 705

المدينة الفاضلة (١) [تمهيد] لم تزل أمنيةُ كلِّ مصلحٍ قيضه الله للبشر أن يهديَ الناسَ إلى تكوين ما يُسمَّى في عُرْف الحكماء بالمدينة الفاضلة. وهم إن اختلفت عندهم الأسماء لاختلاف أساليب التعبير في اللغات لا نجد بينهم اختلافًا في أن مُسمَّى الذي يدعون إليه هو مسمى ما عناه الحكماء المدينة الفاضلة: مجتمعٌ من الناس هو على أكمل حال يكون عليها المجتمع البشري في الرأي والعمل. ذلك أن الإنسان مدنِيُّ بالطبع، كما هو مشهور على الألسنة. (٢) [الفطرة وأصول الاجتماع الإنساني]: وقد علل كثيرٌ من الحكماء كونَ الإنسان مدنيًّا بالطبع. وأنا أختصره وأزيد بيانًا؛ فمعنى كونه مدنيًّا بالطبع أنه بطبع خلقته مجعولٌ لأَنْ يكون مدنيًّا، لأنه خُلق بحيث لا يستقِلُّ وحده بأمر نفسه، بل هو محتاجٌ إلى مشاركة غيره من بني جنسه؛ لظهور كثرة حاجاته الناشئة عن ضعفه الجبلي وتفكيره. فالضعف الجبلي جعله محتاجًا إلى مكملات يصير بها قويًّا على مصادمة الكوارث والمهالك، والتفكير جعله متطلعًا إلى أن يعيش كما يحب لا كما يلقى، وذلك بالمُقام حيث يريد دون انزواء أمام الحوادث المغتالة، وبتحصيل ما لا يستطيع نوالَه مع فرط رغبته. فزاد بالتفكير ضعفُه جلاءً؛ لأنه يطمح به إلى تمنيات وفروض لا يستطيع تحصيلها لعجزه، على حد قول أبي الطيب: وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا ... تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ (٣)

стр. 706

فاحتاج أفراد البشر إلى معونة بعضهم بعضًا؛ لتحصل لهم من تفكيرهم وسعيهم قوةُ التعاضد والتآزر، فيبذل كلٌّ ما يستطيع بذلَه من كده أو من كسبه، عسى أن يحصل من مجموع سعيهم تحصيلُ معظم أماني الجميع. (١) وبذلك التفكير والتعاضد امتاز البشر عن أصناف الحيوان:

стр. 707

لَوْلَا الْعُقُولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ ... أَدْنَى إِلَى شَرَفٍ مِنَ الإِنْسَانِ (١) وقد صار الإنسانُ بموجب هذا الاحتياج إلى التعاون والتكاتف مضطرًّا إلى اقتراب بعض أفراده من بعض، وإلى التكثر من هؤلاء المقتربين والمجتمعين، وإقامة بعضهم حيال بعض، ليجد كلٌّ عند احتياجه مَنْ يسارع إلى سد خُلته. فاضطرَّ إلى التجمع والإقامة، وهو المعبَّر عنه بالتمدن المأخوذ من لفظ المدينة، الذي هو مشتق من فعلٍ مُماتٍ في اللغة العربية وهو فعل مدَن. ثم إن هذا الْخُلَق الجِبِلِّي من شأنه أن يتدرج بهم في سُلَّم الارتقاء، ولا يزال يغريهم نوالُ شيءٍ بالتطلع إلى ما فوقه. (٢) ثم إن هذا التمدن يُفضي بالناس في غالب الأحوال إلى توارد الرغبات على شيء يكون الموجودُ منه لا يفي بإرضاء الجميع، أو إلى اختلافهم في وسائل السعي إلى ما يدفع عنهم ضررًا، أو يجلب إليهم نفعا. فكانوا في اجتماعهم ذلك مَظِنَّةَ حدوثِ الخلافُ بينهم، وكان ذلك الخلافُ من شأنه أن يهيِّج ما فيهم من قوة الغضب، ويحمل بعضَهم على مقارعة بعض. فيصير بعضُهم سببَ إتلافِ مصالح بعض، وإفساد ما أصلحوه في تجمعهم بعد أن كان تجمعُهم سببَ تحصيل تلك المصالح، فيؤول اجتماعهم في الإهلاك والضلال عائدًا على مقصدهم الأول بالإبطال. فلذلك لم يزل الساعون إلى إصلاحهم من الأنبياء والحكماء يدعونهم إلى الاستقامة، وينبهونهم على أن مرادَ الله منهم أن يكون مجتمعُهم كاملًا، ومدينتُهم فاضلة؛ ليكون لهم من تقويم أحوالهم ما يلائم أحسنَ تقويم خُلِقوا عليه، الدال على

стр. 708

أن الله تعالى حين خلقهم على أحسن تقويم قد أراد أن يكونوا متصفين بكل وصف قويم. (١) وإنما يتضح كمالُ هذا التمدن إذا كان مظهرُ هؤلاء المتحدين كاملًا، ولا يكمل مظهرُهم إلا بكمال أفرادهم، فإذا كمُلتْ أفرادُهم كمُلَ المجتمعُ المتركِّب منهم؛ لأن المركَّبَ من الصالِحِ صالح. فليس المرادُ بالمدينة الفاضلة ما لولاه لهلك النوع؛ إذ قد ينتظم حالُ النوع انتظامًا ما - أي في الجملة - بمجرد صلاح قليل، فيسلم من الهلاك، ويعيش عيشًا بسيطًا، ولكنه لا يكون على حالة ملائمة لحال التقويم الجبلي الذي خلق عليه. (٢) أودع خالقُ النوع سبحانه في جِبِلَّة أفراده عقلًا يهديهم إلى إيجاد وسائل قليلة لحفظ النوع كما قدمنا، ولكنه لمَّا علم أن ذلك غيرُ كاف في العروج بهم إلى معارج الكمال التي أُعدوا لها، ولا في الخروج عن مآزق قد يلقون أنفسهم فيها، قيض الله دعاةً يدعونهم إلى الهدى، ويحذرونهم مواقعَ الردى، وهم العارفون. فمنهم أنبياء تولى الحقُّ إرشادَهم إلى ما فيه صلاحُ قومِهم، ومنهم حكماءُ خصَّهم الله بعقول تفوق عقولَ عامة أقوامهم، وخصَّ الفريقَيْنِ بِجلائل الصفات النافعة في إيصال الإصلاح إلى البشر، غير مشوب ولا مؤرب. (٣)

стр. 709

[سعي الأنبياء والحكماء لتأسيس المدينة الفاضلة]: فتظافر الفريقان وعملا على الأخذ بيد البشر في مزالق الضلال، ومهاوي السقوط، وانتشالهم من مخالب الهلاك، وجعل بمقدار تخلقهم بأخلاق الكمال وجريهم على طريق الهدى مقدارَ عروجهم في المعالي في عالم الخلود الذي لا فناءَ يعتريه، ولا حقائقَ تُقلب فيه. وجماعُ هذا الصلاح هو صلاح الاعتقاد، وصلاح العمل، وقد جمع ذلك قولُه ﷺ في حديث مسلم عن أبي عمرة الثقفي، قال: "قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: "قل آمنت بالله، ثم استقم"". (١) ابتدأ أولُ دعاةِ الصلاح نوحٌ ﵇ وهو أولُ رسول أُرسل إلى البشر - دعوتَه بتطهير العقيدة، ووجوب التوبة من الشرك، ولم يزدهم على ذلك، فعلمنا أن الله ابتدأ البشر بالترقي به إلى أُولى درجات الصلاح. وكذلك جاء إبراهيم قومه بالدعوة إلى التوحيد وإعلانه، وإلى مكارم الأخلاق، ورحل في بلاد الله يبث دعوته الصالحة بين البشر. ثم جاءت الرسل تترى، ما منهم إلا يأمر بالإصلاح العام، فقد قال هود لقومه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١)﴾ [الشعراء: ١٣٠, ١٣١]. وقال صالح لثمود: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]. وقال شعيب لأهل مدين: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقرون بين ذلك كثير ﴿مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨].

стр. 710

وهؤلاء كلُّهم قد اقتصرت دعوتُهم على تأسيس جماعة فاضلة، ثم اتسعت الدعوةُ في شريعة موسى اتساعًا يؤذِنُ باقتراب استعداد البشر إلى تلقي التهذيب الكامل، فأخذ في تخطيط ما يصلح لأن يكون تأسيسَ مدينة فاضلة، ولكنه تُوُفِّيَ ولم يقض إلا إصلاحَ الجماعة، إلا أنها كانت جماعة كبيرة. ثم كانت بعده أشكالٌ كثيرة في سياسة بني إسرائيل؛ فكانت أمة فيها فضلاء كثيرون، وفيها دون ذلك. وجاء دعاةٌ كثيرون مختلطون: أنبياء وحكماء، مثل أنبياء بني إسرائيل حتى عيسى، ومثل لقمان، وذي القرنين، وتُبَّع، وهرمس الأكبر الحكيم المصري الذي قيل إنه النبي إدريس، وبياس (١) الحكيم اليوناني، وسولون المشرِّع اليوناني، ثم سقراط، وأفلاطون. قال الحكيم الجليل يحيى السهروردي في "حكمة الإشراق" وقطب الدين الشيرازي في شرحه بعد أن ذكر أساتذة أرسططاليس: "ومن جملتهم جماعة من أهل السفارة - أي أهل الكتب السماوية وإصلاح الناس - مثل هرمس - أي إدريس النبي ﵇ وأسقليبوس [Asclepius] - أي خادم هرمس وتلميذه الذي هو أبو الحكماء والأطباء (٢) - وغيرهم. . . وإنما سَمَّى الثلاثة - وهم عظماء الأنبياء الجامعين بين الفضيلة النبوية والحكمة الفلسفية، [ولهذا قدروا على تدوين الحكمة وإظهار الفلسفة. . . - إما لأنه أخذ العلمَ عن أفلاطن، وهو عن سقراط، وهو عن فيثاغورس. . .، وإما لأنه تلميذُ كتبِهم وكلامِهم، فكانوا معلمين له بالحقيقة] ". (٣)

стр. 711

وهؤلاء الحكماء قد دعوا وسعوا إلى إيجاد المدينة الفاضلة، وكان أكثرهم تنويهًا بها هو أفلاطون. فقد رام سولون (١) الحكيم إيجادَ المدينة الفاضلة بما شرع لأهل أثينا من قوانين العدل، ونظام الشورى. وقال بيتاقوس الحكيم: "إذا أراد الملك ضبطَ المملكة وجب أن يكون هو وخاصتُه وجنودُه مطيعين للقانون مثل سائر الرعية". (٢) ورام أفلاطون إيجادَ المدينة الفاضلة بضبط قواعد تكوينها. وفيهم مَنْ كان انصرافُه إلى إيجاد المدينة الفاضلة أكثر من انصرافه إلى إعداد أمة فاضلة لها مثل سولون، ومَنْ كان انصرافُه إلى إصلاح النفوس لإعداد أمة فاضلة للمدينة الفاضلة مثل سقراط وأفلاطون. كانت شكاياتٌ من الرسل والحكماء من سوء تلقِّي أقوامهم لنصيحتهم أوضح دليل على أن المدينة الفاضلة لم تلتئم، فما من الرسل السالفين إلا قائل: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧)﴾ [الشعراء: ١١٧]، أو قائل: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾ [الأعراف: ٧٩]، أو قائل: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]، أو قائل: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾ [المائدة: ٢٥]. وربما فارق كثيرٌ منهم أوطانَهم، إذ أبوا أن يروا فيها الفساد، فقد قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩]، وقال لوط: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ

стр. 712

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وخرج الحكيم سولون من أثينا بعد أن أقام لها الشرائع والعدل والحكومة الشورية، فأفسد أهلُها ذلك وولوا عليهم الملك بيزاستراتث (١). وأخذ ديوجينوس (٢) الحكيم مصباحًا في يده في الصباح، وجعل يجول به في شوارع أثينا كأنه يفتش على شيء، فإذا سئل: على ماذا تفتش؟ قال: "لعلي أظفر برجل". بقيت المدينةُ الفاضلة مرتسمةً في خيال الحكماء، فلم يزالوا يدعون إليها، ويبتغون تأسيسَها، ولكنهم لم يحصلوا على طِلْبَتِهم المنشودة. ذلك أن المدينة الفاضلة يلزم أن يكون رئيسُها حكيمًا صالِحًا عارفًا، وأن يكون أصحابُه - أهلُ الحل والعقد فيها - حكماءَ مثلَ رئيسهم، وأن يكون سكانُها أفاضلَ قابلين لسياسة الحكيم، مطيعين له، غيرَ مفسدين لما يصلحه. وقد كادت مدينةُ أثينا في زمن سولون أن تكون المدينة الفاضلة، وقد كان سولون يقول: "المملكة البالغة غايةَ الكمال هي التي لا يقبل أهلُها الذلَّ والظلم، وينتصرون للمظلوم كما ينتصرون لأنفسهم". إلا أنها لم تحصل على عامة مطيعين لرؤسائهم إلا في فترات قليلة من الزمن؛ فإن سولون مؤسس شرائع أثينا، ومنظم حكومتها الجمهورية، لم يلبث أن فارق أثينا، وسكن في بلاد مصر، وأبَى الرجوعَ إلى بلده مع شدة رغبة الملك بيزاستراتث في رجوعه، والانتفاع بحكمته، ودارت بينهما في ذلك مراسلة لها شأنُها في التاريخ.

стр. 713

وكذلك أوشكت أن تكون مقدونيةُ مدينةً فاضلة في زمن مُلْك الإسكندر بن فيليبوس، ووزارة أرسططاليس له. غير أن ذلك لم يخلص لهما، ولم يلبث أن غضب أرسططاليس على الإسكندر، وفارقه فراقًا لا لقاء بعده. وقد اعترف أفلاطون بعده بقرون (١) بأن ليس في نظام الجمهورية في أثينا في زمانه ما يجعلها ملائمةً للحكمة والفضيلة التامة. واضطرب العالم عقب ذلك اضطراباتٍ عامةً في كل مكان؛ فلم يتأتَّ إيجادُ المدينة الفاضلة. [الإسلام وتأسيس المدينة الفاضلة]: كان الرسلُ - كما قلنا - أولَ المصلحين للبشر وأعظمَهم، وكان الحكماءُ من أتباع الرسل ومن غيرهم يظهرون في فترات من التاريخ يكملون الإصلاح، ويبرهنون عليه، فرجعت محاولةُ إيجاد ما يُسمَّى بالمدينة الفاضلة إلى دعوة الرسل؛ فلا جرم أن يكون أعظمَ الرسل الذي جاء بالدين الخالص القيم، والذي هو المقصدُ من الإصلاح الأخيرِ للبشر: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والذي كانت الأديانُ الماضيةُ معه بنسبة مقدمة الجيش للجيش: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢]، والذي كانت دعوتُه عامةً لسائر البشر، والذي هو أفضلُ الرسل، لا جرم أن يكون ذلك الرسولُ هو الذي ادُّخر له تأسيسُ المدينة الفاضلة في جملة ما ادُّخر له من الفضائل الجمة. جاء محمد ﷺ يدعو إلى إصلاح البشر قاطبة، وشملت دعوتُه علاج إصلاح الأفراد وإصلاح المجموع؛ فكان مرماها إيجادَ المدينة الفاضلة، وإعدادَ أمةٍ فاضلة لها. ولم تشتمل دعوةُ رسولٍ ممن جاء قبله على ما اشتملت عليه دعوته من أصول نظام الاجتماع وتفاصيله؛ فبقي بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الدين، ويُصْلِحُ نفوسَ الذين آمنوا به والتفوا حوله، فكانت في مكة جماعةٌ فاضلة هي زَرْع المدينة الفاضلة.

стр. 714

فلما تهيأت للدعوة ساعةُ الانتشار، وتردد صداها في معظم بلاد العرب، وأصغت لها آذان السامعين، وانفتحت أعينُ الناس إليها، ألهم اللهُ الأوسَ والخزرج - أهلَ مدينة يثرب - إلى الدخول في الإسلام إلهامًا خارقًا للعادة، فأصبح سكان تلك المدينة كلهم مسلمين، وبذلوا أنفسَهم وأموالهم ووطنهم لنصر هذا الدين، فأذن الله لرسوله وللمسلمين معه في الهجرة إلى هذه المدينة. فانتقل إليها الرسول بِمَنْ معه من المسلمين بمكة، ودعا اسمها "طيبة"، وخصها الله تعالى بشرف أن تكون محققةً أمنيةَ المدينةِ الفاضلة. ومن العجب أن الله ألهم الناس إلى أن يدعوا هذه البلدة باسم "المدينة"، وأنساهم اسم يثرب واسم طيبة أيضًا، ليكون ما جرى على الألسنة رمزًا إلَهيًّا لطيفًا إلى أنها المدينةُ المقصودة، والضالةُ المنشودة. دخل رسولُ الله ﷺ المدينة (يثرب)، ودخلها خمسون رجلًا من أصحابه المهاجرين، وهم المسلمون الأولون. وكانت المدينة تحتوي على زهاء خمسة آلاف رجل من الأوس والخزرج وأحلافهم، كانوا مسلمين إلا قليلًا منهم لا يبلغون مائة رجل. فتلك مدينة سكانها أفاضلُ أهلِ عصرهم، قد تطهرت نفوسُهم بإقبالهم على الخير، والتزكية بمحض الاختيار. [قوام المدينة الفاضلة وخصائصها وصفاتها]: إن قوام المدينة الفاضلة يتقوَّم من صلاح الأفراد في خاصتهم، وصلاح المجتمع المتقوِّم منهم في حال معاملتهم؛ ومن سهولة طباعهم مع المسالمين، ومن الشدة والذب عن حوزتهم أمام العدو، ومن سياسة تدبير جماعتهم. فإذا تقومت هاتِهِ الأصولُ في المدينة حصل فيها الأمن، وهو جالبُ جميع الخيرات لكل أهل المدينة، وجاعلُها أفضلَ مدينة. لا جرم أن المدينة كالجسد: فكما يتركب الجسدُ من الأعضاء والجوارح، كذلك تتركب المدينةُ من آحاد الناس. وإن سلامةَ المدينة وفضلَها كصحة المزاج، (١)

стр. 715

فكما لا يصح المزاجُ إلا بسلامة جميع أجزائه، كذلك لا تصلح المدينة إلا بصلاح جميع أفرادها. وكما أن بعض أجزاء الجسم أجدرُ بكمال السلامة ودوامها من بعض الأجزاء التي قد تشتكي، فتزول شكواها سريعًا عند سلامة البقية، وذلك البعض هو الأعضاء الرئيسية كالقلب والدماغ والرئة، كذلك المدينةُ تتطلب صلاحَ ولاة أمورها أكثرَ مما تتطلب صلاحَ عامتها. وإن صلاح ولاة الأمور يعود بصلاح العامة إذا عرض لها فسادٌ ما بخلاف العكس، كما تعود صحةُ الأعضاء الرئيسية بسلامة الجوارح والأعضاء إذا اشتكت وجعًا بخلاف العكس. فكان صلاحُ المدينة يتطلب صلاحَ ولاة الأمور، وصلاح أعوانهم، وصلاح عامة الناس على تفاوت في المقدار المطلوب من ذلك الصلاح. ولنلتفت لفتةً تاريخية صادقة إلى حالة مدينة الرسول ﷺ وحالة مجتمعها، ونقارن بين تلك الحالة وبين الصفة التي عُيِّنت للمدينة الفاضلة حتى نرى تحقق معنى المدينة الفاضلة في مدينة الرسول ﵇. فأما ولاة الأمور فيها فإن سيد ولاة الأمور بالمدينة هو الرسول المؤيَّدُ بالعصمة، المسيَّر بالوحي والتوفيق الإلهيين، وهما ملاك الفضائل كلها. وحسبُك برأس المدينة أن يكون بهذه المثابة؛ فإن الحكماء اشترطوا للمدينة الفاضلة أن يحكمها الحكماء المتصفون بصفات الكمال، وقد جمعها أفلاطون في عشر صفات، وهي: المعرفة، والإعراض عن التعلق بالدنيا، والصدق، ومحبة اللذات الروحية، والزهد، والعفة، والإقبال على الآخرة، والشجاعة، والإنصاف، وصحة العقل. وقد كانت هذه الصفات كمالات رسول الله ﷺ ، وكانت العصمة فوقها كلها. وأما أعضاءُ رأس المدينة وأصحابه فشرطهم المعرفة، أي أن يكونوا من العارفين. والعارف فسره الشيخ ابن سينا بأنه هو "الذي يريد الحقَّ الأول (سبحانه)

стр. 716

لذاته لا لشيء آخر، ولا يُؤْثِر شيئًا على عرفانه"، (١) و"العارف شجاعٌ جواد، صفّاح عن الذنوب، نسّاء للأحقاد". (٢) وإن أصحاب رسول الله وبطانته هم أولئك المهاجرون الذين نبذوا الشرك وآثاره كلَّها عن محض اختيار، ومحبة للخير، وتخلَّقوا من أجل ذلك بأخلاق الإسلام، وخاصة الأنصار وأعيانهم الذين رغبوا في الإسلام لما دعاهم إليه رسول الله يومي العقبتين؛ (٣) فلم يترددوا في قبوله، على ما هم عليه يومئذ من كثرة ومنعة. فكانوا لاحقين بالمهاجرين في إقبالهم على الحق ونبذ الضلال، وكان سادتهم وأهل الرأي منهم ملازمين لرسول الله؛ للاقتباس منه وتنفيذ أوامره. ثم إن الرسول آخى بين المهاجرين وبين زهاء خمسين من الأنصار بقدر المهاجرين، ليحصل من تلك المؤاخاة تماثلٌ في الأخلاق والفضائل، وقد حكى القرآن حالهم الجامعة للفضائل، ونبذ الرذائل بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "خير القرون قرني"، (٤) وهم أصحابه الذين رأوه وآمنوا به؛ لأن شرف ذلك القرن إنما كان به وبهم؛ إذ كان آخرَهم وفاةً أنس بن

стр. 717

مالك وسهل بن سعد الساعدي، تُوُفيا في أوائل العشرة الأخيرة من القرن الأول من الهجرة. وأما عامة أهل المدينة فهم المؤمنون السابقون بعد المهاجرين، كما وصفهم الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وهم أصحاب رسول الله الذين سكن بين ظهرانيهم، وتملَّوا من طلعته المباركة كل يوم، وشهدوا هديه، وأشرقت عليهم أنواره. ففيهم أشرقت الشريعة؛ فصلح اعتقادهم، وصلح عملهم، وصلح خُلُقُهم، ولم يزل رسول الله يبين لهم المكارم، ويحذرهم المآثم، حتى أصبحوا خيرة أهل الأرض. في الصحيح عن عبادة بن الصامت أنه قال: "بايَعْنا رسولَ الله على السمع والطاعة في [العسر واليسر]، والمنشط والمكره، [وعلى أثرة علينا، وعلى] أن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه. وأن نقوم بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم". (١) فاستملوا صحةَ الإيمان، وفضل العمل، وحسن الخلق، ومحبة العدل. يحق لأهل المدينة أن يكونوا أهلَ بأس شديد على أعدائهم، وأن يكونوا فضلاء. أما شدتهم على أعدائهم فلأنهم جند المدينة يدفعون عنها، وذلك وصفٌ تُحْفَظ به المدينة من تَطَرُّقِ أهل الفساد إليها، فإذا تطرقوها أفسدوا بهجتها، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]، تريد ما هو معهودٌ من ملوك الجور. وهذه الشدة أساسُها الشجاعة، وقد عُرف أهلُ المدينة بالشجاعة والبأس، كما خلدت لهم حرب بعاث (٢) أجملَ الذكر في الشجاعة.

стр. 718

ومن فضائل شجاعة أهل المدينة في الجاهلية أنها شجاعة فاضلة؛ لأنهم ما كانوا يغيرون على القبائل الآمنة، ولكنهم كانوا يذبون عن مدينتهم من كل طارق بسوء. فكانت مدينتهم من أحصن مدن العرب في الجاهلية، واشتهرت بسورها، وبحصونها المنيعة المسماة بالآطام؛ (١) يتحصنون بها إذا دهمهم العدو. وكانت تحف بها بساتين النخيل التي تمونهم إذا حاصرهم العدو، على أن تلك الحوائط كانت فيها آطام لهم للدفاع عن ثمارهم. فأما المهاجرون، فمن أهل مكة. وأهلُ مكة وإن لم تكن لهم سابقةٌ في الحرب؛ إذ كان العرب مسالمين لهم، إلا أن الفئةُ الذين آمنوا منهم قد أكسبهم الإيمانُ واليقين بالله، والغيرة على الحق، والحنق على المشركين، إقدامًا على الانتصار للدين، ظهرت بوادرُه في صبرهم واستخفافهم بعداوة أعدائهم. وقد أيَّد الله المسلمين في مدينتهم بعصمة إلَهية من أن يتطرَّقها ما يفسد أهلها. ففي الحديث أن "على أنقاب المدينة ملائكةٌ، لا يدخلُها الطاعونُ ولا الدجال"، (٢) وفي الحديث: "المدينة كالكير تنفي

стр. 719

خبثها، وينصع طيبها". (١) وأما كونهم فضلاء، فلكي لا يَختلُّ فضلُ المجموع باختلال فضيلة أجزائه، وقد أشرنا إلى فضل المجموع الذي تتركب منه مدينةُ الرسول آنفا. ونريد أن ننبه هنا على أن أهل المدينة الفاضلة لا يكونون في الفضل سواسية، ولكن يُشترَط أن يكون الفضلُ متأصِّلًا في نفوسهم. وجماعُ ذلك هو الطاعة لولِيِّ أمرهم. وقد كان المسلمون في الطاعة للرسول أفضلَ مثل لأمة في طاعة قائدها، فكانوا إذا أمرهم رسولُ الله أمرًا في الشؤون العامة والقضايا الخاصة امتثلوا، سواء وافق مرغوبَهم أم لا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال سهل بن حُنَيف: (٢) "لقد رأيتُني يوم أبي جندل (يوم صلح القضية)، ولو أني أستطيع أن أرُدَّ أمرَ رسول الله ﷺ لرددته"، (٣) والله ورسوله أعلم. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، أراد بالحرج المنفي حرجَ توهُّمِ أن يكون قضاءُ الرسول غيرَ عادل. لقد يندر أن يكون في المدينة الفاضلة سفلةٌ وأراذل؛ لأن المجتمع البشري لا يخلص جميعه من ذوي العاهات النفسية، إلا أن وجودهم لا يضر المجتمع؛ لأنهم

стр. 720

مغمورون بالصالحين؛ ففسادُهم يقتصر على أنفسهم، ثُمَّ يُرجَى لهم الصلاحُ بتأثير الوسط فيهم. فقد كان في المدينة المنافقون، وعن ابن عباس كانوا ثلاثمائة من الرجال، ومائة وسبعين من النساء، فانقرض معظمُهم؛ إذ كانوا كلهم شيوخًا إلا قيس بن عمرو بن سهل (١) المختلف في بقائه. ومنهم مَنْ تاب وحسن إسلامه، مثل ثعلبة بن حاطب، ومُعَتِّب بن قشير. ومنهم من بقي على نفاقه، وقد عد بعضُهم مَنْ بقي على النفاق اثنين وأربعين. وقد حدثت في المدينة في حياة الرسول أحداثٌ قليلة، منها ثلاثةُ حوادث في السرقة، وحادثان أو ثلاثة في الزنا، وحوادثُ قليلة في شرب الخمر، وثلاثة حوادث في القتل. على أن بعض هذه الحوادث منسوب إلى اليهود، ونوازل قليلة في الخديعة والغصب والجراح مما لا يخلو من مثله مجتمع بشري. وكلُّ ذلك إذا عرَض في المدينة الفاضلة لا يُكدِّر صفاءَ المدينة؛ لأن الصلاح الغالب يغطي على تلك العوارض النادرة. فَوِزَانُ ذلك وِزَانُ ما يعرض للجسم السليم من صداع أو انحراف مزاج، ثم لا يلبث الجسم أن يدفع ذلك عنه، ويسرع العود إلى معتاده من السلامة. ولا تخلو المدينة الفاضلة أيضًا من العوارض الخفية اللازمة للاجتماع والمعاشرة، مثل ما ينشأ بين بعض الأزواج من عدم الملاءمة في المعاشرة، وما يعرض بين الشركاء والجيران من النزاع، وما يعرض بين الناس من الحوادث كالجراح الخفيفة والدعاوي. كلُّ ذلك لا يقدح في فضل المدينة إذا كان العدل قائمًا، والقضاء نافذًا، وكانت نفوسُ أهلها مطيعةً لِمَا تقضى به العدالة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].

стр. 721

تحتاج المدينةُ الفاضلة إلى الاستكثار من الأفاضل فيها، حتى تعتضد عزتُهم النفسانية بالعزة الجثمانية، وإن كانت العزة الجثمانية في الدرجة الثانية، كما قال السموأل: وَمَا ضَرَّنَا أنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ وَجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ (١) يريد: ما ضرنا القلةُ إذا كنا أعزاء؛ لأن عزةَ الجار هنا كنايةٌ عن عزة مَنْ أجاره. ومن أجل هذا قصد الإسلامُ إزواء المؤمنين كلهم إلى المدينة، فكانت الهجرةُ إليها واجبةً على المسلمين الذين يسلمون بمكة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٧, ٩٨]، إلا من أذن له النبي ﷺ في الالتحاق بأفقه، مثل الأعرابي الذي قال له: "ويلك إن الهجرة شأنُها شديد"، ثم قال له: "اعمل من وراء البحار". (٢) وقد كان الأعراب

стр. 722

النازلون حول المدينة من مزينة وجهينة وأشجع وغفار معدودين كالنازلين بالمدينة، ولما فُتحت مكة نُسخ حكمُ الهجرة. (١) تحتاج المدينةُ الفاضلة إلى سلامة سكانها من الآفات الجسدية؛ ليتم لهم التمتعُ بالصحة، فيكونوا أهلَ مقدرة على الأعمال العظيمة، ويطولَ الانتفاع بفضلهم. وقد متع الله المدينة بهذه النعمة بدعوة رسول الله ﷺ ، فقد كانت المدينةُ مشهورةً بالحمى المستوبئة قد اعتادها سكانُها، ولا يطيقها مَنْ وفد عليها. فلما قدم المهاجرون أصابت الحمَّى كثيرًا منهم، منهم أبو بكر الصديق وبلال وعائشة، فدعا النبي ربه أن تنقل حماها إلى الجحفة، واستجيب له، فما بقيت الحمى المستوبئة تصيب سكانَ المدينة. وقد دعا لها رسول الله ﷺ بأن لا يدخلها الطاعون، فلم يدخل المدينةَ قط، ولا يدخلها أبدًا إن شاء الله. وإن جدوى المدينة الفاضلة على المجتمع الإسلامي أنها إذا قامت على الفضيلة والعدالة كانت قدوة المجتمع كله؛ إذ هي قلبه، وبصلاح القلب صلاحُ الجسد كله. فتكون هي المرجعَ عند اضطراب الناس، وهي الآخذةُ على يد كلِّ مَنْ يحاول فسادًا في المجتمع. ولقد يسر الله لمدينة الرسول هذه الخصلة الكاملة؛ فصارت قدوة الإسلام مدة قيام الخلافة فيها، ثم أخذ أمرها في اضطراب بعد الفتنة التي أثارها الثائرون على عثمان ﵁، فكانت تلك الفتنةُ أولَ بوارق اضطراب الحكومة الإسلامية؛ فبئست فئةً الفئةُ التي أثارت تلك المصيبة. ومن أجل هذا قُصِدَتْ أن تبقى مدينة الرسول مدينة فاضلة، فَخُصَّت بمزايا أشرنا إلى بعضها آنفًا، ثم حيطت بأن جعلها رسول الله ﷺ حرمًا، وبدعائه لها بقوله: "فمن أحدث فيها أو آوى مُحدِثًا، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا

стр. 723

يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفًا ولا عدلا". (١) ولذلك أمر رسول الله بتعمير المدينة، وكره أن تعرى المدينة، وقال لبني سلمة لمَّا أرادوا أن ينتقلوا بالسكنى إلى قرب المسجد النبوي: "يا بني سَلِمة، ألا تحتسبون خطاكم؟ " (٢) وفي الموطأ عن سفيان بن أبي زهير قال: سمعت رسول الله يقول: "يُفتح اليمن فيأتِي قومٌ يبِسُّون، (٣) فيتحمَّلون بأهليهم ومَنْ أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، ويُفتح الشام فيأتِي قوم يبِسُّون فيتحملون بأهليهم ومَنْ أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، وُيفتح العراق فيأتي قوم يبِسّون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون". (٤)

стр. 724

المحْوَر الثَّالِث فِي الأُصُولِ وَالفِقْهِ وَالفَتْوى

стр. 725

الفَرْع الأَوّل الأصُوْل

стр. 726

حكمةُ التشريع الإسلامي وأثره في الأخلاق (١) الإنسان - كما قال بعضُ الحكماء - "مجموع عادات". (٢) فإذا تأملتَ أعمالَ البشر خيرها وشرَّها، فرديَّها واجتماعيَّها، وجدتَها تأوي إلى اعتياد الخير أو الشر في تفكير النفوس وأفعالها. وتجد تلك العاداتِ منبعثةً عن أمور ثلاثة: الفطرة، والفلتة المتكررة، والتلقين، فهي أنواعٌ ثلاثة لأسباب العادات النفسانية. فالعاداتُ التي سببها الفطرة هي معظمُ عادات النفوس، وفيها الجمُّ الكثير من الكمالات النفسانية، ولولا أن النفوسَ البشرية فُطرت عليها لانخرم نظامُ العالم. ولَها أمثلةٌ كثيرة، كصدق الحديث، ووفاء الوعد، والشفقة على الضعيف، والنصيحة، وإعانة المحتاج، وحب العدل، وكراهة الظلم. والعاداتُ التي سببها الفلتةُ المتكررة هي العاداتُ التي تنحرف لأجلها الفطرة، من خطور خواطرَ تخيِّل للمفكِّر فيها أنها تجلب له ملائمًا أو تدفع عنه منافِرًا، مثل الكذب لترويج جلب نفع أو دفع ضرر، ومثل القسوة على الضعيف لابتزاز ما يحتوي عليه من أشياء يشتهيها القاسي، ومثل الغش للإيقاع فيما يخال منه الغاشُّ تحصيلَ مطلوب له. فهذه ونحوُها تحريفاتٌ للفطرة، فإن هي كانت لقضاء

стр. 727

لُبانات (١) وقتية، كانت فلتاتٍ عارضةً، ولم تكن عاداتٍ راسخة. وإذا عاودت صاحبَها باضطرار إلى تكرر أسبابها أو بتذوق حلاوة نوالِها، أصبحت عاداتٍ راسخةً في الفرد أو في الجماعة. والعاداتُ التي سببُها التلقينُ هي الأفعالُ المتكررة الناشئةُ عن اقتداء بالغير وتقليد إياه، لاعتقاد كمالٍ فيه أو لإعجابٍ بأحواله، وهو المسمَّى بالتأسِّي. وإنما تظهر أمثلةُ النوعين الثاني والثالث في العادات السيئة، إذ هي التي يتوقَّف رسوخُها في النفوس على أحد هذين القسمين. أما العاداتُ الصالِحة فهي في غُنْيَةٍ عنهما؛ إذ هي في مستقر الفطرة، وإنما نجدها تحتاج إلى التكرير والتلقين لقصد رسوخها وتيسيرها على النفوس فقط. وخواطرُ النفوس تجول بالخير والشر بحسب الفطرة، كما أنبأ عن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٨]. (٢) غير أن كثيرًا من الفضائل الحقة تحول دونه ودون النفوس غشاوةُ الشهوة النفسانية التي تنساق إلى الرذائل والمذام، متى وجدت فيها ملاءماتٍ ولذات، منها ما هي عاجلةٌ لا تلبث أن تعقب منافرات وآلامًا لِمُرتكبِها، ومنها ما هي دائمةٌ أو طويلة لكنها أضدادُ الفضائل، فحصولُها حائلٌ دون تحصيل الفضائل. فمن أجل ذلك وُجد البشر محتاجًا إلى الإرشاد إلى العمل الصالح والاعتياد به، ولتجنبه العمل السيِّئ والاعتياد به. وقد سُمِّيَ العملُ الصالح بالمصلحة، وسُمِّيَ العمل السيِّئ بالمفسدة.

стр. 728

وقد جاءت الشرائعُ الحقة لهذا الغرض الأسمى، أنبأ عن ذلك ما حكاه الله تعالى عن بعض رسله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]، فعلمنا أنه مأمور من الله بإرادته الإصلاح، كما قال صاحب موسى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وكما صرح بذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]. والشريعةُ الإسلامية هي أرقى الشرائع في احتراش (١) الفضيلة من مكامن خفائها، واجتثاث الرذائل من جراثيم أدوائها، وفي تيسير سبل الوصول إلى تلك الفضائل، والتحلِّي منها بأنفع الوسائل. لذلك كانت حكمةُ التشريع الإسلامي ومقصده هي جلب المصالح على أكمل وجه، ودرء المفاسد إلى أقصى حد، مع ما يعني ذلك من إخراج المكلف عن داعية هواه، بحيث "يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارا". (٢) والمرادُ بالهوى في شائع إطلاقه في لسان الشرع الميلُ إلى الباطل؛ لأنه يُذكَر في مقابلة الهدى والدين والبرهان. ويتحقق الخروجُ عن داعية الهوى بالإرشاد إلى المصالح الحقة والمفاسد الثابتة، وكشف القناع عن وجوهها إذا التبست بما يغشاها من الغشاوات؛ فإن من الصالح جليًّا وخفيًّا، وكلاهما منه عاجل الجَنِيِّ ومنه آجله، إلى مختلف الإنِّي. (٣)

стр. 729

ويتحقق حصولُ العبودية الاختيارية له تعالى بمقدار الامتثال لوصايا الشريعة الإلهية وتيسيره على النفوس، حتى تصيرَ كالغنية عن معاودة التذكير، وحتى يكون الانسياقُ إلى الطاعة ميسَّرًا عليها، وذلك باعتياد الامتثال وحب فعل الخير. وقد أومأ إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]، فقوله: "أعطى واتقى وصدق بالحسنى"، كنايةٌ عن أعمال الإسلام، وقوله: "بخل واستغنى وكذب بالحسنى"، كنايةٌ عن أضدادها من خصال الجاهلية. ومرجِعُ ذلك التيسير إلى أن تصيرَ الحسنى والفضائل دأبًا وعادة. إن عادة الأعمال النفسانية تُسَمَّى خُلُقًا، والْخُلُق منه خلقٌ كريم ومنه خلق ذميم، وقد شاع في الاصطلاح تخصيصُ لفظ الخلق بالآداب النفسية الصالحة. وإذ قد تقرر بما قدمته أن خلاصةَ حكمة التشريع الإسلامي وغايته تيسيرُ الحسنى والفضائل حتى تصير دأبًا للمسلمين وعادة، استقام لنا أن أثرَ التشريع الإسلامي هو حصولُ مكارم الأخلاق. وقد تأيد هذا المعنى بما رواه مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت لأُتَمِّمَ حسن الأخلاق"؛ (١) أي لتحصيل غاية مكارم الأخلاق بإكمال ما أهملته الفطرةُ السليمة، وما أغفلته الشرائعُ السابقة والآداب، تنبيهًا عليها وحثًّا على تحصيلها. ولكن ذلك كلَّه لا يخلو عن نقصٍ في الكمية بإضاعة بعض مكارم الأخلاق، وفي الكيفية بضعفٍ فيه أو تحريف، وفي وسائل ذلك كله من أساليب الدعوة وسدِّ الذريعة وقلة الاكتراث باللائمة، ونحو ذلك مما امتاز به التشريعُ الإسلامي.

стр. 730

وهناك دليلٌ آخر على ما أصَّلْناه، وهو قوله تعالى لرسوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ولا شكَّ أن حالَ الرسول هو أكملُ ما تطلبه شريعتُه من أتباعه، وهو معنى كمال التشرُّع بالشريعة. ولذلك قالت عائشة لما سئلت عن خلق رسول الله: "كان خلقه القرآن"، (١) وهل القرآن إلا كتابُ الشريعة الإسلامية؟ فانتظم لنا من هذا القياس نتيجةٌ هي أن أثرَ التشريع الإسلامي هو مكارم الأخلاق، وأن تصير الأعمالُ التي يدعو الإسلام إليها خلقًا للمسلمين. لو شئتُ أن أُفيضَ القولَ في بيان حكمة التشريع في فروع كثيرة من فروع الشريعة لأريتك أن الغاية منها التخلُّقُ بالمكارم في سائر الأحوال الفردية والاجتماعية؛ أي أن تصير الفضائلُ خلقًا للمسلمين. فثِق مني على الإجمال بأن سائرَ الأوامر والنواهي الشرعية ترمي إلى هذا الغرض، وأن جميعَ وصايا القرآن والسنة تحث على استخدام الإرادة في المداومة على العمل، وتصيير الامتثال ملكةً وسجية وعدم الإخلال بذلك، فلذلك كان كُلُّ إخلالٍ محتاجًا إلى الندم والتوبة. وأوجَزُ برهانٍ على هذا وأقنعُه ما جاء في الكتاب والسنة مما يقتضي نفيَ الإيمان عن المرتبك في المعصية لأوامر الله، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ١ - ٣]، وكقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] الموهم أن الفسوقَ يزيل الإيمان ويرفعه، وقول الرسول ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، (٢) يريد أن ذلك لا يقع منه وهو في حال الإيمان؛ أي

стр. 731

في حال رسوخ الإيمان منه وكونه خُلقًا وسجية، إذ الأخلاقُ تصير ملكاتٍ راسخة ذاتية، وما بالذات لا يتخلف. وإذ قد علمنا علمَ اليقين بأن التشريع جاء على سواء لسائر أفراد الأمة، علمنا أن المقصد منه أن يصير أفرادُ الأمة مجبولين على مكارم الأخلاق. أنشأت دعوةُ الإسلام جماعةً صالحة حول الرسول ﷺ ، وهي الجماعة الموصوفة بالسابقين الأولين، كانت أخلاقُهم أشبهَ شيء بأخلاق مرشدهم الأعظم. ثم أنشأت أهلَ مدينةٍ صالحِين بصلاح مَنْ هاجر إليهم، واغتباطهم بالالتحاق بفضائلهم، فاستوت أخلاقُهم. ثم صار مَنْ يزجّ في الجامعة الإسلامية ملتحِقًا في الخير بالذين لحق بهم، فتكونت يومئذ أمةٌ كاملة، مكارم الأخلاق سجاياها، والعمل الصالح دأبُها وهُجيراها. (١) لقد أراد الله تعالى أن يكون الإسلامُ دعوةً عامة لسائر البشر في جميع الأقطار والأعصار، فلذلك أمر الله الجماعةَ الذين تلقوا هذا الدين أولَ مرة بأن يدعوا الناس إلى اتباعه، كما آذن به قوله تعالى خطابًا لهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فالله يريد مِنْ كلِّ مسلمٍ أن ينجبلَ على مكارم الأخلاق الإسلامية، لتكون أحوالُه وأقوالُه وسائلَ إلى قبول دعوته لدى غير المسلمين، وقدوةً صالحة في أعين المدعوين. ألا ترى أن الله أمر المسلمين بحسن الخلق في المجادلة بمثل ما أمر به الرسول الأعظم، فقال في خطاب المسلمين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال في

стр. 732

خطاب رسوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؟ فلا جرم أن هذه ناحية أخرى لأثر التشريع الإسلامي في الأخلاق. ثم نرتقي متقصِّين أثرَ التشريع الإسلامي في مكارم الأخلاق، فنجد له أثرًا جليلًا في إصلاح غير المسلمين؛ فإن الله تعالَى كما أراد أن يكون الإسلامُ دعوةً عامة لسائر البشر كما تقرر آنفًا، كذلك قد قضى أن يكون من بين المدعوين إلى الإسلام أممٌ تُعرِضُ عن الدعوة ولا يُحْظَوْن بالشرف به. فلا نحسب هؤلاء محرومين من آثار الإسلام في تحسين أخلاقهم؛ لأنهم حين يمازجون المسلمين ويشاهدون ما تحلَّوْا به من الهدى ومكارم الأخلاق والفضائل في معظم أحوالهم أو سائرها، تتجلى لهم صورةٌ من العظمة الحقة، وتنتشر بينهم سمعةُ المسلمين، فتتحدق عيونُ تلك الجماعة إلى الأخذ من آداب المسلمين بأنصباء تكون مُصْلِحةً لأحوالهم بقدر ما ينالُهم منها. فإن الفضائل مغبوطة، وللناس استدناءٌ إليها بدافع من أنفسهم لا يستطيعون معاكستَه، فيحصل بذلك فائدتان جليلتان: أولاهما تأهيلُ الأمة الإسلامية لسيادة العالم والنفوذ على مجُاوريها من الأمم بالصفات التي هي قوام السيادة. والثانية انبثاثُ ثلّة من الفضائل في الأمم التي تخالط المسلمين انبثاثًا يزيد وينقص بمقدار توغُّل خلق الإسلام في أولئك الأقوام. وعلى هذه الصفة كان مثالُ السلف الصالح من المسلمين - أهل القرن الأول وما يليه - الذين صارت تعاليمُ الإسلام لهم خلقًا، فكان انبعاثُهم إلى الكمال ميسَّرًا عليهم وغيرَ شاق على ولاة أمورهم، فنالوا سيادةَ العالم، فحق وعد الله إياهم بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].

стр. 733

المحكم والمتشابه (١) قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]. الإحكام في الأصل المنع والدفع. قال جرير: أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا (٢) ومادةُ حكم تفيد ذلك. ومنه حكم الحاكم؛ لأنه منع الظالم، وحَكَمة اللِّجام - بالتحريك - ما أحاط بحنك الفرس من لجامه. واستُعمل الإحكامُ في الإتقان والتوثيق؛ لأن ذلك يمنع تطرقَ ما يضاد المقصود، ولذا سميت الحكمةُ حكمةً حقيقة أو مجازًا مشهورًا. وأما المتشابه فأصلُه التماثل، وهو أن يكون شيء مشابِهًا لآخر يشابهه هو؛ لأن مشابهة كل منهما الآخر توجب قوة الشبه حتى تتعذر التفرقة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾ [البقرة: ٧٠].

стр. 734

ثم أُطلِقَ المحكَمُ في هذه الآية على وضوح الدلالة على سبيل الاستعارة؛ لأن في وضوح الدلالة منعًا لتطرق الاحتمالات الموجِبَةِ للتردد في المراد. وأُطلق المتشابِهُ فيها على خفاء الدلالة؛ لأن في تطرق الاحتمالات تعذرًا للتمييز، وهو من لوازم التشابه، فهو كناية. وقد اختلف علماءُ الإسلام في تعيين المقصود من المحكم والمتشابه هنا على أقوال، ومرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء. فعن ابن عباس أن المحكَم ما لا تختلف فيه الشرائع، كتوحيد الله تعالى وتحريم الفواحش، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرها، (١) والآيات من سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآيات، (٢) وأن المتشابه هو المجملاتُ التي لم تُبَيَّنْ كحروف أوائل السور، وعلى هذا

стр. 735

القول فبين المحكم والمتشابه واسطة. وعن ابن مسعود وابن عباس أيضًا أن المُحْكم ما لَمْ يُنسخ، والمُتشابه منسوخ. (١) وهذا بعيدٌ أن يكون مرادًا لهما. وعن الأصم: المحكم ما اتضح دليلُه، والمتشابه ما يحتاج إلى التنوير، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [الزخرف: ١١]، فأولها محكم، وآخرها متشابه. (٢) وللجمهور مذهبان: أحدهما المحكم ما اتضحت دلالتُه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه. ونُسب هذا القولُ لمالك ﵀ في رواية أشهب من جامع العُتْبِيَّةِ، (٣)

стр. 736

ونسبه الخفاجي إلى الحنفية، (١) وإليه مال الشاطبي. (٢) وثانيهما أن الحكمَ الواضحُ الدلالة والمتشابه خفيُّها، وإليه مال الفخر. (٣) فالنصُّ والظاهرُ هما المحكم لاتضاح

стр. 737

دلالتهما، وإن كان أحدهما - أي الظاهر - يتطرقه احتمال ضعيف. والمجمل والمؤوَّل هما من المتشابه لاشتراكهما في خفاء الدلالة، وإن كان أحدُهما - أي: المؤوَّل - دالًّا على معنى مرجوحٍ يقابله معنى راجح، والمجمل دالًّا على مرجوحٍ يقابله معنى مرجوحٌ آخر. ونُسبت هذه الطريقةُ إلى الشافعية. (١) قال الشاطبي: "فالتشابه حقيقيٌّ وإضافي، فالحقيقيُّ ما لا سبيلَ إلى فهم معناه، وهو المرادُ من الآية، والإضافِيُّ ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، فإذا تقصَّى المجتهدُ أدلةَ الشريعة وجد فيها ما يبين معناه. والتشابه بالمعنى الحقيقي قليلٌ جدًّا في الشريعة، وبالمعنى الإضافي كثير". (٢) وقد دلت هذه الآيةُ على أن من القرآن محكمًا ومتشابِهًا، ودلت آياتٌ أُخر على أن القرآن كلَّه محكم، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ٢]، والمرادُ أنه أحكم وأُتقن في بلاغته وفصاحته. كما دلت آياتٌ على أن القرآن كلَّه متشابه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، والمعنى أنه تشابه بين الحسن والبلاغة والحقيقة، وذلك معنى قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. فلا تعارضَ بين هذه الآيات، لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه.

стр. 738

وسببُ وقوع المتشابهات في القرآن هو كونُه دعوةً، وموعظة، وتعليمًا وتشريعًا باقيًا، ومعجزةً في آن واحد، وخُوطب به قومٌ لم يسبق لهم عهدٌ بالتعليم والشرائع. فكان جائيًا على أسلوب مناسب يجمع هذه الأمورَ الثلاثة بحسب حال المخاطَبين الذين لم يعتادوا الأساليبَ التدريسية والأمالي العلمية، وإنما كانت هجيراهم الخطابة والمقالة. فأسلوبُ المواعظ والدعوة قريبٌ من أسلوب الخطابة. وهو لذلك لا يأتِي على أساليب الكتب المؤلفة للعلم، أو القوانين الموضوعة للتشريع، فأُودعت العلومُ المقصودة منه في تضاعيف الموعظة والدعوة، وكذلك أودع فيه التشريع. فلا تجد أحكامَ النوع من المعاملات كالبيع متصلًا بعضها ببعض، بل تُلفيه موزَّعًا على حسب ما اقتضته مقاماتُ الموعظة والدعوة، ليخف تلقيه على السامعين، ويعتادوا علمَ ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه، فكانت متفرقةً يُضَمُّ بعضُها إلى بعض بالتدبر. ثم إن إلقاء تلك الأحكام كان في زمن طويل يزيد على عشرين سنة، فأُلقيَ لهم من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتُهم وقَبِلَتْه مقدرتُهم. على أن بعضَ تشريعه أصولٌ لا تتغير، وبعضه فروعٌ تختلف باختلاف أحوالهم. فلذلك تجد بعضَها عامًّا أو مطلقًا أو مجملًا، وبعضَها خاصًّا أو مقيَّدًا أو مبيَّنًا. فإذا كان بعضُ المجتهدين يرى تخصيصَ بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصيات مثلًا، فلعلَّ بعضًا منهم لا يتمسك إلا بعمومه حينئذ، كالذي يرى الخاصَّ الوارد بعد العام نسخًا فيحتاج إلى التاريخ، أو لعل بعضًا يجيء فيرى أن عمومه هو المقصود الأصلي للتشريع وأن خصوصَه حكم خاص لزمان المخاطَبين، فيصبح الخاصُّ بيانًا لا تخصيصًا. ثم إن العلومَ التي تعرَّض لها القرآن هي من العلوم العليا، أو هي علومٌ ما وراء المادة، وعلوم مراتب النفوس، وعلوم النظام العمراني، وعلوم الحكمة، وعلوم الحقوق. وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات مرادات هاته العلوم وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها ما أوجبَ تشابُهًا بين مدلولات الآيات الدالة عليها.

стр. 739

وإعجازُ القرآن منه إعجازٌ نظمي، ومنه إعجازٌ علمي، وهو ضربٌ عظيم من الإعجاز قدمنا بيانَه في مقدمة هذا التفسير. (١) فلما تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها فيما تعرض إليه، جاء به محكمًا بعبارة تَصْلُح لحكاية حالته على ما هو عليه في نفس الأمر. وربما كان إدراكُ كنه حالته في نفس الأمر مجهولًا لأقوام، فيعدون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه، فإذا جاء قومٌ بعدهم فأدركوا المراد منها، علموا أن ما عدّه الذين قبلهم متشابهًا ما هو إلا محكم. على أن من مقاصدَ القرآن أمرين آخرين: أولهما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتحَ أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين. وثانيهما تعويدُ حَمَلَةِ هذه الشريعة وعلماء الأمة بالتنقيب والبحث واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة، حتى تكون طبقاتُ علماء الأمة صالحةً قي كل زمان لمشاركة المشرِّع في مراده من التشريع. ولو صيغ لهم التشريعُ في أسلوب سهل التناول، لاعتادوا العكوفَ على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة. من أجل هذا كانت صلوحيةُ عباراته لاختلاف منازع المجتهدين قائمةً مقامَ تجديد الكتب والتآليف في اختلاف أنظمة التعليم. (٢)

стр. 740

فإذا علمتَ هذا، علمت أصلَ السبب في وجود ما يُسمَّى بالمتشابه في القرآن. وبقي أن نذكر لك مراتبَ التشابه وتفاوتَ أسبابها، وأنها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشرُ مراتب: أولاها: معانٍ قُصد إيداعُها في القرآن، وقصد إجمالها إما لعدم قابلية البشر لفهمها ولو في الجملة إن قلنا بوجود المجمل الذي استأثر الله بعلمه على ما سيأتي - ونحن لا نختاره - وإما لعدم قابليتهم لفهمها بالكنه فألقيت إليهم على وجه الجملة، أو لعدم قابلية بعضهم في عصر أو جهة لفهمها بالكنه، وهذا مثل أحوال القيامة وبعض شؤون الربوبية، كالتجلي في ظل الغمام والرؤية والكلام ونحو ذلك. وثانيتها: معانٍ قُصد الإعلامُ بها وتعيَّنَ إيرادُها مجملًا مع إمكان حملها على معان معلومة لكن بتأويلات، كحروف أوائل السور، ونحو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، و ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]. (١) ثالثتها: معان عالية ضاقت عن تمام كنهها اللغةُ الموضوعة لأقصى ما هو متعارَف الواضعين لا لغير المتقارب، فعُبِّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرِّب معانيها إلى الأفهام، وهذا مثل أكثر صفات الله، نحو "الرحمن"، "الرؤوف"، "المتكبر"، "نور السماوات والأرض". رابعتها: معانٍ قَصُرت عنها الأفهامُ في بعض أحوال العصور، وأُودِعت في القرآن ليكون وجودُها معجزةً لأهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجام النظمي نحو: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ
следующие страницы →