← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ونسبه الخفاجي إلى الحنفية، (١) وإليه مال الشاطبي. (٢) وثانيهما أن الحكمَ الواضحُ الدلالة والمتشابه خفيُّها، وإليه مال الفخر. (٣) فالنصُّ والظاهرُ هما المحكم لاتضاح

стр. 737

دلالتهما، وإن كان أحدهما - أي الظاهر - يتطرقه احتمال ضعيف. والمجمل والمؤوَّل هما من المتشابه لاشتراكهما في خفاء الدلالة، وإن كان أحدُهما - أي: المؤوَّل - دالًّا على معنى مرجوحٍ يقابله معنى راجح، والمجمل دالًّا على مرجوحٍ يقابله معنى مرجوحٌ آخر. ونُسبت هذه الطريقةُ إلى الشافعية. (١) قال الشاطبي: "فالتشابه حقيقيٌّ وإضافي، فالحقيقيُّ ما لا سبيلَ إلى فهم معناه، وهو المرادُ من الآية، والإضافِيُّ ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، فإذا تقصَّى المجتهدُ أدلةَ الشريعة وجد فيها ما يبين معناه. والتشابه بالمعنى الحقيقي قليلٌ جدًّا في الشريعة، وبالمعنى الإضافي كثير". (٢) وقد دلت هذه الآيةُ على أن من القرآن محكمًا ومتشابِهًا، ودلت آياتٌ أُخر على أن القرآن كلَّه محكم، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ٢]، والمرادُ أنه أحكم وأُتقن في بلاغته وفصاحته. كما دلت آياتٌ على أن القرآن كلَّه متشابه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، والمعنى أنه تشابه بين الحسن والبلاغة والحقيقة، وذلك معنى قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. فلا تعارضَ بين هذه الآيات، لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه.

стр. 738

وسببُ وقوع المتشابهات في القرآن هو كونُه دعوةً، وموعظة، وتعليمًا وتشريعًا باقيًا، ومعجزةً في آن واحد، وخُوطب به قومٌ لم يسبق لهم عهدٌ بالتعليم والشرائع. فكان جائيًا على أسلوب مناسب يجمع هذه الأمورَ الثلاثة بحسب حال المخاطَبين الذين لم يعتادوا الأساليبَ التدريسية والأمالي العلمية، وإنما كانت هجيراهم الخطابة والمقالة. فأسلوبُ المواعظ والدعوة قريبٌ من أسلوب الخطابة. وهو لذلك لا يأتِي على أساليب الكتب المؤلفة للعلم، أو القوانين الموضوعة للتشريع، فأُودعت العلومُ المقصودة منه في تضاعيف الموعظة والدعوة، وكذلك أودع فيه التشريع. فلا تجد أحكامَ النوع من المعاملات كالبيع متصلًا بعضها ببعض، بل تُلفيه موزَّعًا على حسب ما اقتضته مقاماتُ الموعظة والدعوة، ليخف تلقيه على السامعين، ويعتادوا علمَ ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه، فكانت متفرقةً يُضَمُّ بعضُها إلى بعض بالتدبر. ثم إن إلقاء تلك الأحكام كان في زمن طويل يزيد على عشرين سنة، فأُلقيَ لهم من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتُهم وقَبِلَتْه مقدرتُهم. على أن بعضَ تشريعه أصولٌ لا تتغير، وبعضه فروعٌ تختلف باختلاف أحوالهم. فلذلك تجد بعضَها عامًّا أو مطلقًا أو مجملًا، وبعضَها خاصًّا أو مقيَّدًا أو مبيَّنًا. فإذا كان بعضُ المجتهدين يرى تخصيصَ بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصيات مثلًا، فلعلَّ بعضًا منهم لا يتمسك إلا بعمومه حينئذ، كالذي يرى الخاصَّ الوارد بعد العام نسخًا فيحتاج إلى التاريخ، أو لعل بعضًا يجيء فيرى أن عمومه هو المقصود الأصلي للتشريع وأن خصوصَه حكم خاص لزمان المخاطَبين، فيصبح الخاصُّ بيانًا لا تخصيصًا. ثم إن العلومَ التي تعرَّض لها القرآن هي من العلوم العليا، أو هي علومٌ ما وراء المادة، وعلوم مراتب النفوس، وعلوم النظام العمراني، وعلوم الحكمة، وعلوم الحقوق. وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات مرادات هاته العلوم وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها ما أوجبَ تشابُهًا بين مدلولات الآيات الدالة عليها.

стр. 739

وإعجازُ القرآن منه إعجازٌ نظمي، ومنه إعجازٌ علمي، وهو ضربٌ عظيم من الإعجاز قدمنا بيانَه في مقدمة هذا التفسير. (١) فلما تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها فيما تعرض إليه، جاء به محكمًا بعبارة تَصْلُح لحكاية حالته على ما هو عليه في نفس الأمر. وربما كان إدراكُ كنه حالته في نفس الأمر مجهولًا لأقوام، فيعدون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه، فإذا جاء قومٌ بعدهم فأدركوا المراد منها، علموا أن ما عدّه الذين قبلهم متشابهًا ما هو إلا محكم. على أن من مقاصدَ القرآن أمرين آخرين: أولهما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتحَ أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين. وثانيهما تعويدُ حَمَلَةِ هذه الشريعة وعلماء الأمة بالتنقيب والبحث واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة، حتى تكون طبقاتُ علماء الأمة صالحةً قي كل زمان لمشاركة المشرِّع في مراده من التشريع. ولو صيغ لهم التشريعُ في أسلوب سهل التناول، لاعتادوا العكوفَ على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة. من أجل هذا كانت صلوحيةُ عباراته لاختلاف منازع المجتهدين قائمةً مقامَ تجديد الكتب والتآليف في اختلاف أنظمة التعليم. (٢)

стр. 740

فإذا علمتَ هذا، علمت أصلَ السبب في وجود ما يُسمَّى بالمتشابه في القرآن. وبقي أن نذكر لك مراتبَ التشابه وتفاوتَ أسبابها، وأنها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشرُ مراتب: أولاها: معانٍ قُصد إيداعُها في القرآن، وقصد إجمالها إما لعدم قابلية البشر لفهمها ولو في الجملة إن قلنا بوجود المجمل الذي استأثر الله بعلمه على ما سيأتي - ونحن لا نختاره - وإما لعدم قابليتهم لفهمها بالكنه فألقيت إليهم على وجه الجملة، أو لعدم قابلية بعضهم في عصر أو جهة لفهمها بالكنه، وهذا مثل أحوال القيامة وبعض شؤون الربوبية، كالتجلي في ظل الغمام والرؤية والكلام ونحو ذلك. وثانيتها: معانٍ قُصد الإعلامُ بها وتعيَّنَ إيرادُها مجملًا مع إمكان حملها على معان معلومة لكن بتأويلات، كحروف أوائل السور، ونحو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، و ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]. (١) ثالثتها: معان عالية ضاقت عن تمام كنهها اللغةُ الموضوعة لأقصى ما هو متعارَف الواضعين لا لغير المتقارب، فعُبِّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرِّب معانيها إلى الأفهام، وهذا مثل أكثر صفات الله، نحو "الرحمن"، "الرؤوف"، "المتكبر"، "نور السماوات والأرض". رابعتها: معانٍ قَصُرت عنها الأفهامُ في بعض أحوال العصور، وأُودِعت في القرآن ليكون وجودُها معجزةً لأهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجام النظمي نحو: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ

стр. 741

لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥]، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وذكر سد يأجوج ومأجوج. خامستها: مجازاتٌ وكناياتٌ مستعمَلةٌ في لغة العرب، إلا أن ظاهرها أوهم معانِيَ لا يليق الحملُ عليها، وتوقف فريقٌ في محملها تنزيهًا نحو: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. (١) ونحو المشاكلة في: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. وسادستها: ألفاظٌ من لغات العرب لم تُعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم من قريش والأنصار، مثل: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١]، ومثل: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، (٢) ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤]، ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾

стр. 742

[الحاقة: ٣٦]. (١) وقريبٌ من هذا [قوله تعالى]: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١]، قال أبو هريرة: "ما نقول غير المدية حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ ". (٢) سابعتها: مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علمٌ بخصوصها، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه صار حقيقةً عرفية، كالتيمم والزكاة، وما لم يشتهر بقِيَ فيه إجمالٌ كالربا، قال عمر: "نزلت آيات الربا في آخر ما نزل، فَتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ ولم يبينها". (٣)

стр. 743

ثامنتها: أساليبُ عربية جهلها أقوامٌ فظنوا الكلامَ بها متشابِهًا، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].

стр. 744

وتاسعتُها: آياتٌ جاءت على عاداتِ العرب ففهمها المخاطَبون، وجاء مَنْ بعدهم فلم يفهموها فظنوها من المتشابه، مثل قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. في الموطأ قال ابن الزبير: "قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديثُ السن: أرأيتِ قولَ الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فما على الرجل شيءٌ أن لا يطوف بينهما، فقالت: كلَّا، لو كان كما تقول لكانت: فلا جناحَ عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يُهِلون لمناة. . . إلخ". (١) ومنه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٩٣]، فإن المرادَ فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها. عاشرتها: أفهامٌ ضعيفة تظن كثيرًا في المتشابه وما هو منه، وذلك أفهامُ الباطنية وأفهام الظاهرية، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]. (٢) وليس من المتشابه ما صُرِّح فيه بأنَّا لا نصل إلى علمه كقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، ولا ما ذكر منه حصولُه على إجماله دون توصيف يفضي إلى التشابه كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ولا ما صُرح بجهل زمنه كقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧].

стр. 745

وقد علمتم من هذا أن ملاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة، إما لضيقها عن المعاني، وإما لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى، وإما لتناسي بعض اللغة. فالإحكام والتشابه صفتان للألفاظ باعتبار فهم المعاني. ثم قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أريد بالأم هنا الأصلُ الذي إليه مرجع المقصود من الكتاب، كما قالوا أم الرأس. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]؛ وذلك أن المحكم بمعنى المتضح هو الأصلُ الذي يؤول إليه المتشابه. ويحتمل أن يكون لفظ "أم" هنا استعارةً للكثير والمعظم، إذا فُسِّر المحكَمُ بما دل على معناه، والمتشابه بما استأثر الله بعلمه، ذلك أن المتشابه بهذا التفسير قليل جدًّا في القرآن. وقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، الاتباع هنا مجازٌ عن البحث والتنقيب، أي يبحثون عن المتشابه ويحصونه. وقد ذكر الله علةَ هذا الاتباع، وهو طلب الفتنة وطلب أن يؤولوه، وقد عُلم أن المرادَ تأويلُه بما يوافق أهواءهم من إلقاء الشك والفتنة. ولَمَّا وصف الله أصحابَ هذا المقصد بالزيغ، علمنا أن ذمَّهم بذلك لهذا القصد. ولا شكَّ أن كلَّ اشتغال بالمتشابه، إذا كان مفضيًا إلى هذا المقصد، يناله شيءٌ من هذا الذم على تفاوت في مقداره. فالذين اتبعوا المتشابه ابتغاءَ الفتنة وابتغاء تأويله المنافقون والزنادقة والمشركون، مثل العاصي بن وائل السهمي (١) حين جاءه رجل من المسلمين يتقاضاه دينًا، فقال له: "إن محمدًا يقول لكم إننا سنُحْيا ونُبعث، فسيكون لي مال وولد بعد البعث، فأقضيك دينك يومئذ"، فنزل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ

стр. 746

مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧]. (١) وكذلك فتنةُ القرامطة، قال محمد بن علي بن رِزام الكوفي: كنت بمكة حين كان الجنَّابي زعيم القرامطة (٢) بمكة، وهم يقتلون الْحُجَّاج ويقولون: أليس قد قال لكم محمد: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فأيُّ أمنٍ هذا؟ قال: فقلتُ له: هذا خرج في صورة الخبر، والمراد أي مَنْ دخله فأمّنوه، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والذين شابهوهم في ذلك كلُّ قوم يجعلون البحثَ في المتشابه ديدنَهم، ويفضون بذلك إلى خلافاتٍ وتعصبات، وكلُّ من يؤوِّل المتشابهَ على هواه بغير دليل على تأويله. وقد فُهِم أن المراد التأويل بحسب الهوى أو التأويل الملقي في الفتنة بقرينة قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، كما فهم من قوله: "يتبعون" أنهم يهيمون ذلك ويستهترون به. وهذا ملاكُ التفرقة بين حال مَنْ يتبع المتشابهَ للإيقاع في الشك والإلحاد، وبين حال من يفسر المتشابه ويؤوله إذا دعاه داع إلى ذلك. وفي البخاري عن سعيد بن جبير أن رجلًا قال لابن عباس: "إنني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هو؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧، الطور: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢]، وقال: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ فقد كتموا في هذه الآية، وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٢٧ -

стр. 747

٣٠]، فذكر خلقَ السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]، فكأنه كان ثم مضى. فقال [ابن عباس]: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النفخة الأولى، ثم يُنفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧، الطور: ٢٥]. وأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فخُتِمَ على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرف أن الله لا يُكْتَمُ حديثا"، إلى آخر الحديث. (١) وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾، جملةُ حال، أي وهم لا قِبَلَ لهم بتأويله؛ إذ ليس تأويلُه لأمثالهم، كما قيل: "ليس بعشك فادرجي". (٢) ومن هنا أمسك السلفُ عن تأويل المتشابهات غير الراجعة إلى التشريع، فقال أبو بكر ﵁:

стр. 748

"أيُّ أرضٍ تُقِلُّنِي، وأيُّ سماء تُظِلني، إن قلت في كتاب الله بما لا أعلم". (١) وجاء في زمن عمر ﵁ رجلٌ إلى المدينة من البصرة يقال له صَبيغ بن شريك أو ابن عسل التميمي، (٢) فجعل يسأل الناسَ عن متشابه القرآن وعن أشياء، فأحضره عمر وضربه ضربًا موجِعًا، وكرر ذلك أيامًا فقال: "حسبُك يا أمير المؤمنين، فقد ذهبَ ما كنتُ أجد في رأسي"، ثم أرجعه إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته. (٣) ومن السلف مَنْ تأوَّل عند عروضَ الشبهة لبعض الناس، كما فعل ابن عباس فيما ذكرناه آنفًا، قال ابن العربي في العواصم: "من الكائدين للإسلام الباطنية والظاهرية". (٤) قلت: أما الباطنية فقد جعلوا معظمَ القرآن متشابِهًا، وتأولوه بحسب أهوائهم. وأما الظاهرية فقد أكثروا في متشابهه، واعتقدوا سببَ التشابه واقعًا. فالأولون دخلوا في قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، والآخرون خرجوا من قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، أو ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فخالفوا السلفَ والخلف. قال ابن العربي في العواصم: "وأصلُ الظاهرية الخوارجُ الذين

стр. 749

قالوا: لا حكمَ إلا لله"، (١) يعني أنهم أخذوا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧، يوسف: ٤٠ و ٦٧]، ولم يتأولوه بما هو المرادُ من الحكم هنا. والمرادُ بالراسخين في العلم الذين تمكنوا في علم الكتاب ومعرفة محامله، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى، بحيث لا تروج عليهم الشبه. وأصلُ الرسوخ في كلام العرب الثبات والتمكُّن، فهم يُحسنون مواقعَ التأويل ويعلمونه. ولذا فقوله: "والراسخون" معطوفٌ على اسم الجلالة، وفي هذا العطف تشريفٌ عظيم، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]. وإلى هذا التفسير مال ابنُ عباس ومجاهد والربيع بن سليمان والقاسم بن عمر، والشافعية، وابن فورك، والشيخ أحمد القرطبي وابن عطية من المالكية. وعلى هذا فليس في القرآن آيةٌ استأثر الله بعلمها. وحكى إمامُ الحرمين عن ابن عباس أنه قال في هاته الآية: "أنا مِمَّنْ يعلم تأويلَه". (٢)

стр. 750

وقيل: الوقف على قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وإن جملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ مستأنَفة. وهذا مرويٌّ عن جمهور السلف، وهو قولُ ابن عمر وعائشة وابن مسعود وأبي، ورواه أشهب عن مالك في جامع العُتْبِيَّة. (١) وقاله عروةُ بن الزبير والكسائي والأخفش والفراء والحنفية، وإليه مال الإمام فخر الدين. (٢) ويؤيد الأولَ الوصفُ بـ "الراسخون في العلم"؛ فإنه دليل بَيِّن على أن الحكمَ الذي أُثبِتَ لهذا الفريق هو حكمٌ من معنى العلم والفهم في المعضلات، وذلك هو تأويلُ المتشابه. على أن أصلَ العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل، فيكون الراسخون معطوفًا على اسم الجلالة. ولو كان الراسخون مبتدأ وجملة "يقولون آمنا به" خبرًا، لكان حاصلُ هذا الخبر مما يستوي فيه سائرُ المسلمين الذين لا زيغَ في قلوبهم، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة. قال ابن عطية: "فتسميتُهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميعُ مَنْ يفهم كلامَ العرب. وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع؟ وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام، وموارد الأحكام، ومواقع المواعظ، وذلك كله بقريحة معدة". (٣) وفي قوله ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾، إشعارٌ بأن الراسخين يعلمون تأويلَ المتشابه. (٤)

стр. 751

واحتج أصحابُ الرأي الثاني - وهو رأيُ الوقف على اسم الجلالة - بأن الظاهر أن تكون جملة "والراسخون" مستأنَفَةً لتكون معادلًا لجملة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، والتقدير "وأما الراسخون في العلم". أجاب التفتازاني بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذكورًا بأن يحذف لدلالة الكلام عليه. (١) واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قال الفخر: "لو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهذا الكلام فائدة، إذ الإيمان بما ظهر معناه أمر غير غريب، وسنجيب عن هذا عند الكلام على هذه الجملة". وذكر الفخر حججًا أخر غير مستقيمة. (٢)

стр. 752

ولا يخفى أن أهلَ القول الأول لا يثبتون متشابِهًا غير ما خفي المرادُ منه، وأن خفاء المراد متفاوت، وأن أهلَ القول الثاني يثبتون متشابِهًا استأثر الله بعلمه وهو أيضًا متفاوت؛ لأن منه ما يقبل تأويلاتٍ قريبة، وهو مما ينبغي أن لا يعد من المتشابه في اصطلاحهم. لكن صنيعهم في الإمساك عن تأويل آياتٍ كثيرة سهلٍ تأويلُها - مثل: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]- دل على أنهم يسدون باب التأويل في المتشابه. قال الشيخ ابن عطية: "إن تأويل ما يمكن تأويلُه لا يَعلم تأويلَه - على الاستيفاء - إلا الله تعالى. فمَنْ قال من العلماء الحذّاق بأن الراسخين لا يعلمون تأويلَ المتشابه، فإنما أراد هذا النوع، وخافوا أن يظن آخر أن الله وصفَ الراسخين بعلم التأويل على الكمال". (١)

стр. 753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 754

بيان وتأصيل وتحقيق لحكم البدعة والمنكر (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. هذا ما وعدتُ به في آخر جوابي عن سؤال قراءة القرآن على الجنازة من بيان وتأصيل. اعلم أن المُدرَك فيما حواه ذلك الجواب يتوقَّف على تحقيق معنى البدعة والمُحدَث والمنكر، وبيان أحكام هذه الأشياء في نظر الشريعة، إذ قد جرت هذه الألفاظُ في كلام الشارع في سياق الذم. وربما توهّم البعضُ أنها مترادفة، وتخيلوا أن ما ليس بسنة فهو منكَر، فتسمع بعضَهم يقول: إن هذا الفعل غير جائز، ثم يعلل عدمَ الجواز بأن ذلك مخالفٌ للسنة، أو يتعجب ممن يقول: إن هذا مخالفٌ للسنة مع أنه يقول: هو مندوب أو مباح أو مكروه. فاعلم أنه قد روَى الترمذيُّ عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل بدعة ضلالة"، ورواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله. (٢) وفي

стр. 755

حديث الصحيحين عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، (١) وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رأى منكم منكرًا فلْيُغيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، [وذلك أضعفُ الإيمان] ". (٢) فأما البدعة، فهي أشهرُ الألفاظ المترددة بين الناس في موضوعنا. وأصلُها في اللغة الأمر الجديد الذي لم يسبق بنظير، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]. فالبدعة في الإسلام تكون إحداثَ شيء في أحوال المسلمين ليس له مساس بأمور الدين، وتكون إحداث شيء يمس أمور الدين. وقد راعى بعضُ علمائنا كلتا الحالتين، وهم الجمهور. وراعى بعضُهم الحالةَ الثانية، ومنهم النووي وأبو إسحاق الشاطبي. وإيفاءً بتقصِّي جذور المسألة، ينبغي شرحُ المعنيين ليكون البحث مستوفًى، وتكون (٣) الحجة لنفوس المترددين أشفى. فعلى رأي الفريق الأول عرف عز الدين ابن عبد السلام في كتاب "القواعد" البدعة فقال: "البدعة فعلُ ما لَم يُعْهدْ في عصر رسول الله ﷺ " (٤) وعلى رأي الفريق

стр. 756

الثاني عرَّف أبو إسحاق الشاطبي في كتابه "الاعتصام" البدعة فقال: "هي طريقةٌ في الدين مخترعة تضاهي الشرعيةَ، يُقصد بالسلوك عليها المبالغةُ في التعبد [لله سبحانه] ". (١) فالطريقة هي العمل أو القول، والمخترعة هي التي لا أصلَ لها في الشريعة. ومعنى قوله "تضاهي الشريعة" أنها تشابه الأمورَ المشروعة وليست منها، فأخرج العادات التي أحدثها الناسُ بعد زمن النبوة كاتخاذ المناخل وغسل الأيدي بالصابون. وقوله: "يقصد بسلوكها المبالغة في التعبد" مُخرِجٌ للأمور التي لا تتعلق بالعبادة مما يدخل في أبواب المعاملات والعادات. فاختصَّتِ البدعةُ - على رأي الشاطبي - بما يحدث في العبادات خاصة، وهي بعض الدين؛ لأن الدين اعتقاداتٌ ومعاملاتٌ وعبادات، وهو اصطلاح جديد. فإن الفقهاء سَمُّوا محدثاتِ الاعتقاد بدعًا، وسَمُّوا أصحابَها بأهل البدع، وسَمُّوا بعضَ أنواع الطلاق بالطلاق البدعي. (٢) وأما المُحدَث فهو مرادفٌ للبدعة لغةً، وأشهرُ منها في التبادر. وكذلك هو مرادف لها في اصطلاح الشرع؛ لأنه لمَّا كان المرادُ به في لسان الشرع ما يحدث من أجناس الأفعال والأقوال آل معناه إلى معنى البدعة، ولكنه أشهر في اللغة. لذلك حسن تفريعُ البدعة على المحدَث في حديث: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". (٣) وصح الإخبارُ عن المحدَث بأنه بدعةٌ بما رواه أبو داود في حديث

стр. 757

العرباض بن سارية: "كلُّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، (١) وكان مالك بن أنس ﵁ كثيرًا ما ينشد: وَخيرُ أُمُورِ الدِّينِ مَا كَانَ سُنَّةً ... وَشَرُّ الأُمُورِ المُحْدَثَاتُ البَدَائِعُ (٢) فجمع البيتُ المحدثَ والبدعة بوجه الترادف، وقدم المحدثات. وأما المنكر فهو الحرام، وهو ما ينكره الشرع ويأباه، وهو يخالف المحدث والبدعة، وبينه وبينهما نسبةٌ سنشير إليها. هذه معاني هذه الألفاظ الثلاثة. فأما أحكامها، فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "عارضة الأحوذي على سنن الترمذي" عند شرح حديث العرباض بن سارية ما نصُّه: "وليس المُحدَث والبدعة مذمومين للفظ محدث ولفظ بدعة، ولا لمعناهما، فقد قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] "، أي قاله في مقام توبيخ الذين أتاهم الذكر المحدث حيث لم يعملوا به لقوله عقبه: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢, ٣]، "وقال عمر (أي في شأن صلاة التراويح): "نِعْمَتِ البدعةُ هذه"، (٣) وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة"، وأما ما كان مردودًا إلى قواعد الأصول ومبنيًّا عليها، فليس بدعةً ولا ضلالة، "وهو سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء" (٤).

стр. 758

وظاهرُ كلامه أنه يخص البدعةَ بالابتداع في الدين، ولا يخصها بالعبادات. ومرادُه بالذم في كلامه الذمُّ الشرعي، وهو علامةُ التحريم. وأراد بقوله: "فليس بدعةً ولا ضلالةً" أنه ليس بدعةً هي ضلالة، أي: ليس حرامًا، فمرادُه بالبدعة في عبارته هذه أحدُ إطلاقيها. ودخل تحت قوله: "ومخالفة السنة" ما كان من البدعة مكروهًا، وهو ما شملته قواعدُها ولم تشمله قواعدُ الندب. فإن كونه بدعة مع عدم انتظار فائدة أخروية منه يوجب له الكراهةَ عند مالك؛ لأن المكروه يقال فيه مذموم على الجملة؛ لأنه ليس بحسن، إذ الحسن هو المأذون فيه. وقال إمام الحرمين: "ليس المكروه قبيحًا ولا حسنًا"، (١) ولا شك أن المكروه لا يقال له ضلالة. وأراد بقوله: "وهو سنة الخلفاء" ما كان مردودًا إلى قواعد الأصول في الندب أو الوجوب، وقوله "وهو سنة الخلفاء"، أي إحداث مثل هذا النوع. وقال الغزالي في آداب الأكل من كتاب "الإحياء": "واعلم أنا وإن قلنا الأكل على السفرة أَوْلَى (أي لأنه الذي كان عليه عملُ السلف)، فلسنا نقول الأكل على المائدة منهيٌّ عنه نهيَ كراهةٍ أو نهيَ تحريم إذ لم يثبت فيه نهي. وما يقال إنه أُبدِعَ بعد رسول الله ﷺ فليس كل ما أبدع منهيًّا، بل المنهيُّ بدعةٌ تُضادُّ سنةً ثابتة وترفع أمرًا من الشرع مع بقاء علته. بل الإبداعُ قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب [وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهةَ فيه] ". (٢) وظاهرُ كلامه أنه يُطلق البدعةَ على الأمر المحدث، سواء كان في العبادات أم كان في العادات.

стр. 759

واعلم أن كلامَ هذين الإمامين يشير إلى أن الأحكام الشرعية منوطةٌ بالمعاني لا بالألفاظ، فلما وصف في الحديث البدعة بالضلالة ووصف المحدث بأنه ردّ، علمنا أنه لم يقصد إثباتَ هذين الوصفين لهذين اللفظين حيثما وُجِدا، فنحكم بالضلالة وبالرد على كل ما أُطلق عليه هذان اللفظان، إذ لا يسلك هذا النهجَ عالِمٌ متحقِّقٌ في علمه، ولا مطاعٌ في أمره. كيف وقد تقرر في أصول الفقه أنه لا يصح التعليلُ باللقب لئلَّا يلزم أننا إذا عمدنا إلى بعض أصناف القردة فسميناه إنسانَ الغاب أن نحرم قتله، وأن نطالب قاتلَه عمدًا بالقود وقاتلَه خطأ بالدية، بعلة أننا سميناه إنسانًا، أو أن الشافعي يحرم أكلَ الحوت المسمَّى بكلب البحر؛ لأنه يحرم أكلَ الكلب، ونحن قد سمينا هذا الحوت كلبًا. ولو أن أحدًا قال بمثل هذا، لاتُّخِذ هزؤًا بين أهل العلم. (١) أما إلحاقُ بَوْلِ ما يُؤكل لَحمُه من الحيوان ببول الآدمي في النجاسة في مذهب الشافعي، فذلك من باب إثبات حكم الجنس لواحد من أفراده، بناءً على انتفاء الفارق بين البولين عنده. (٢) وبهذا التحرير يَظهر أن الخلافَ الواقع بين العلماء في صحة التعليل باللقب خلافٌ غير محُرَّر، ولو حُرِّرَ لمَا تُصُوِّر فيه خلاف. فتعين أن لا محيصَ من التدبُّر في المراد من مُسمَّى المحدَث والبدعة الموصوفة بأنها ضلالة وبأنه (٣) رد.

стр. 760

على أنه كما أُطلق لفظُ المحدَث ولفظ البدعة في مقام الذم، فقد أُطلق لفظُ السنة كذلك في مقام الذم، ففي الحديث الصحيح: "من سن سنةً سيئة، فعليه وزرُها ووِزْرُ من عمل بها إلى يوم القيامة"، (١) وفي الصحيح أيضًا: "لا تُقتَلُ نفسٌ ظُلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، ذلك لأنه أولُ مَنْ سنَّ القتل". (٢) فتعين ردُّ هذه الألفاظ إلى معانيها المقصودة بقرائن سياق الكلام، وإرجاع الآثار الواردة فيها إلى أدلتها الشرعية. فأما حديث: "مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد"، (٣) فقال الإمام المازري في كتاب "المعلم في شرح صحيح مسلم": "والمنهياتُ المحرمات كلُّها ليست من أمره ﷺ ، فيجب ردُّها". (٤) وقال الأبي في "إكمال الإكمال": "ما ليس من أمره هو ما لم يسنَّه ولم يشهد الشرعُ باعتباره، فيتناول المنهياتِ والبدعِ التي لم يشهد الشرعُ باعتبارها. وأما التي شهد الشرع باعتبار أصلها، فهي جائزة، وهي من أمره، كالبدع المستحسنة، كالاجتماع على القيام في رمضان، وكالتصبيح اليوم والتأهيب. (٥) فإن

стр. 761

الشرعَ شهد باعتبار جنس مصلحتها؛ فإن الأذان شُرع لمصلحة الإعلام بدخول الوقت، والإقامة شرعت لإعلام بالدخول في الصلاة. والتحضير والتصبيح والتأهيب من ذلك النوع، ولما في الثلاثة من مصلحة الإعلان بقرب حضور الصلاة، ولما في التأهيب من الإعلام بأنه يوم الجمعة لمن لا عنده شعور من ذلك. ويشهد لذلك زيادة عثمان ﵁ أذانًا بالزوراء يوم الجمعة على ما كان في زمنه ﷺ وزمن الخليفتين". (١) وأقول: قال الأئمة هذا الحديث من جوامع الكلم. وأنا أقول إنه من جوامع الكلم، ومن أبلغ الكلام القريب من حد الإعجاز، بحيث لو غُيِّرَ لفظٌ منه إلى غيره لفات معنى عظيم. فإن لكلمة "أمرنا" وكلمة "في" وكلمة "من" خصوصياتٍ هنا بالغة، فالتعبير بأمرنا الذي هو بمعنى شأننا ومجموع أحوالنا، يشمل كلَّ ما يرجع إلى أحكام الإسلام ويدخل تحت معانيه. ولو قيل: من أحدث في سيرتنا، أو في سنّتنا، أو أحدث عملًا لم يكن من عملنا، لم يفد ذلك. كما أنه لو قيل: من أحدث في ديننا، لَظُنَّ أن المنهيَّ عنه هو إحداث دين جديد. ولكلمة "في" خصوصية، وهو أن يكون الإحداث داخلًا في الدين وليس في أحوال المعيشة، ولو لم يؤت بـ "في" فقيل: من أحدث مع أمرنا أو بعد أمرنا، لم يُفِد ذلك. وكذلك كلمة "من" فإنها مؤذِنَةٌ بأن المحدَث المردود ما كان غيرَ متصل بالدين، ومن المعلوم أن ليس المراد بكون الشيء من الدين أن يكون وقع التنصيصُ

стр. 762

عليه في الدين؛ لأنه لو كان كذلك لم يتصور أن يكون محدثًا، فتعين أن المراد يكون ليس منه أن لا يأوي إليه بوجه. فمَا صِدْقُ "ما ليس منه" أنه أمر ليس من أمر الدين، والمراد بالأمر جنسٌ من أجناس الأفعال ليس موجودًا في الدين، مثل إحداث اعتقاد لا يدخل تحت عقائد السنة، كإحداث القول بأنه لا قدر، والقول بتكفير الصحابة؛ فإن علماء السلف أطلقوا على مَنْ قال بمثل هذه العقائد أنهم أهل البدع والمبتدعة. ومثل إحداث جنس عبادة، كإحداث التعبد بالوقوف في الشمس أو التعبد بتعذيب البدن بالنار أو بالجراحات كما يفعله مجوس الهند، أو إحداث حكم من الأحكام لعمل من أعمال المعاملات. وليس ذلك العملُ بصالِحٍ للدخول في زمرة أعمال ذلك الحكم، كما لو قال أحدٌ بجواز إحراق مال اليتيم؛ لأن الله تعالى لم ينهنا إلا عن أكله، فإدخال إحراق مال الناس تحت حكم الجواز غلط، فهو بدعة وضلالة ولا يسمَّى اجتهادًا، ولا عُذرَ لصاحبه بخلاف الخطأ عن شبهة في مجال الاجتهاد، فليس ببدعة، ونحن نعرف ذلك بأن نرجع إلى أوصاف الأعمال التي تندرج بسببها في أحد الأحكام الخمسة، بحسب اشتمالها على صفات أمثالها. فمَنْ أحدث من أمر الإسلام ما ليس منه، فهو رد. ودليلي على هذا التفسير أن الأئمةَ صرَّحوا بأن الحكمَ الثابتَ بالقياس يُقال فيه هو من الدين، (١) مع كونه أمرًا أُحدِث بعد رسول الله، فما قالوا إنه من الدين إلا

стр. 763

لأنه شهد له أصل المقيس عليه بالاعتبار، أي بأنه جديرٌ بأن يساويَه في حكمه لمساواته في علة الحكم. وكذلك القولُ في حديث "كل بدعة ضلالة"؛ أي كل بدعة هي إحداثُ جنسٍ من الاعتقادات أو العبادات أو أصل في التشريع ليس راجعًا لأصول الشريعة فهو ضلالة. والضلالةُ ضدُّ الهداية، وهي في عرف الشرع المعاصي، فالمكروهُ ليس بضلالة. وعلى هذا التقرير فلفظُ البدعة جارٍ على أصل معناه اللغوي، كما هو الظاهر، ويكون من العام المخصوص، ومخصصاتُه الأدلةُ الكثيرة الدالة على أن كثيرًا من الأفعال التي أحدثها المسلمون بعد رسول الله هي واجبةٌ أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة. (١) ولا يصح أن يكون واحدٌ من هذه الأحكام الأربعة ضلالة، أو يكون من العام الذي أريد به الخصوص، أي كل بدعة جنس ليس من أجناس عبادات الإسلام أو اعتقاداته أو معاملاته. وتكون قرينةُ إرادة الخصوص الأدلةُ الكثيرة الدالة على وجوب أو استحسان أفعال كثيرة حدثت بعد الرسول، أو على كراهية أفعال دون أن تكون ضلالة. وإن كان لفظُ البدعة قد نُقل في اصطلاح الشرع إلى اختراع المحرمات المنافية لِمَا جاء به الدين كما ذهب إليه الشاطبي، (٢) كان من

стр. 764

المجمل الذي يحتاج إلى بيان الأفعال التي هي بدعةٌ لتتميز عما عداها، فتكون مبيناتُه جميعَ الأدلة الشرعية - من إجماع أو قياس [وغيرهما]- الدالة على إرجاع الأفعال المحدثة إلى قسم الحرام. وعلى كل التقادير، فظاهرُ الحديث ليس بمراد فيؤوَّل بما ذكرته، وذلك معنى قول مالك ﵀: "مَنْ أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفُها فقد زعم أن رسول الله خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا"، (١) فجعل الحجة هي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ومن المعلوم أن الذي أكمله الله هو كلياتُ الدين لا جزئياته، كما بينه أبو إسحاق الشاطبي في "الموافقات"، (٢) وإلا لبطل القولُ بالقياس وغيره من

стр. 765

المحدثات في مصالح الأمة. وقد اقتفى البخاري في هذا الشأن أثرَ مالك، فإنه افتتح كتاب "الاعتصام بالسنة" من صحيحه بما نصه: "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة"، فأخرج فيه حديثَ عمر أن يهوديًّا قال له: "لو أن علينا نزلت هذه الآية: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. . ."، وساق الحديث، (١) وهذا التخريج من بدائع البخاري الكثيرة. ثم إنِّي أعني بالجنس أن يكون الفعلُ أو الاعتقادُ أو القول غيرَ راجعٍ إلى أصل مماثل له مشروع، مثل القول بأن لا قدر، ومثل اعتقاد الجبر والإرجاء والتكفير بالذنب؛ فإن أئمة الدين وصفوا أصحابَ هذه العقائد بأنهم المبتدعة وأهل الأهواء. ومثل ابتداع التعبد بتعذيب النفس، كالوقوف في الشمس المنهي عنه في حديث الموطأ. (٢) فأما الراجع إلى مماثل مشروع، فلا يكون بدعةً مذمومة، سواء كان رجوعُه رجوعَ الجزئي إلى الكلي، كرجوع طرق المتكلمين في الاستدلال على حدوث العالم، فإن ذلك من جزئيات النظر المأمور به شرعًا. وكذلك ضبطُ صفات الله تعالى في

стр. 766

أنواع النفسي والسلبي، (١) وصفات المعاني والصفات المعنوية، فإنه من وسائل تنزيه الله وتوحيده، ولذلك لم يصف علماءُ السلف علماءَ الكلام فيما أتوا به بأنهم مبتدعة. وكرجوع عدد صلاة التراويح في رمضان إلى أصل التنفل بالليل؛ لأن تعيينَ وقت أو عدد أو مقارن للعبادة ليس بدعة مذمومة، ولذلك قال عمر في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه". (٢) وكرجوع تحريم النبيذ إلى أصل تحريم الخمر. أم (٣) كان رجوعَ المماثلِ في الوصف إلى مُمَاثله، ذلك الوصفُ الذي هو موجِب إثباتِ حكمٍ شرعي من الأحكام الخمسة له، كرجوع الأرز إلى القمح والشعير في وصف الاقتيات والادخار الموجب تحريمَ ربا النسيئة من الأصناف الأربعة، فيحكم بتحريمه أيضًا في الأرز. (٤)

стр. 767

وعلى هذا فكلُّ ما جرى فيه المسلمون على ما يدعو إليه الشرعُ من واجب أو مندوب أو على ما يأذن به الشرع من مباح، أو على ما لا يعاقب الشرع على فعله وهو المكروه، ففعلُهم فيه لا يُعَدُّ من الضلالة. فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، والمكروه ليس بحق، فيلزم أن يكون ضلالًا، قلت: إن كانت الآية مخصوصةً بالغرض المسوقة لأجله كانت خاصة بالاعتقادات كما هو سياق أوائل سورة يونس، فالمعنى ما بعد اعتقاد الوحدانية إلا الضلال وهو الشرك؛ لأن أول الآية هو قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١, ٣٢]. قال الشيخ ابن عطية المالكي في تفسيره: "وحكمت هذه الآيةُ بأنه ليس بين الحق والضلالة منزلةٌ ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله. وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحقُّ فيها في طرف واحد؛ [لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف هي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى

стр. 768

فيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ". (١) قلت: وإن كانت غيرَ مخصوصة بذلك بحيث تشمل أحكامَ الأفعال. وبهذا الاحتمال الثاني يُفَسَّر ما وقع في الموطأ من قول يحيى بن يحيى: "سمعت مالكًا ينهى عن اللعب بالشَّطرنج وغيرها، ويتلو قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] ". (٢) وأما المنكر، فقد اتضح بما قررناه الفرقُ بينه وبين البدعة والمحدث لغةً وشرعا. فيظهر أن النسبة بينه وبين المحدث والبدعة هي العموم والخصوص الوجهي: (٣) فبعضُ المنكر بدعةٌ ومُحدَث، وبعضُ البدعة والمُحدَث مُنكر، فلا تصير البدعة منكرًا حتى تقوم الأدلةُ على تحريمها.

стр. 769

فقد قسم فقهاؤنا الطلاقَ إلى سني وبدعي، وقسموا البدعي إلى قسمين: قسم محرم وهو الطلاق في الحيض، لورود حديث ابن عمر في النهي عنه، (١) وقسم مكروه وهو ما عداه، كالمملك، والخلعي، والثلاث في كلمة واحدة. (٢) وذكروا في باب الطهارة أن السرف في الماء بدعة، (٣) ولم يقل أحدٌ إن ذلك حرام، بل هو مكروهٌ أو خلافُ الأولى.

стр. 770

وأما حكمه فإنه يجب على المسلم النهيُ عنه؛ قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه". (١) قال عياض في الإكمال: "لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمل الناسَ على اجتهاده ومذهبه؛ وإنما يغيِّر منه ما اجتمع على إنكاره وإحداثه". (٢) وقال الأبي في إكمال الإكمال: "وشرطُ القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العلم، ثم ما اشتهر حكمُه كالصلاة وحرمة الزنا، يستوي في القيام به العلماء وغيرهم، وما دق من الأعمال والأقوال فإنما يقوم به العلماء. ثم العلماء لا يغيرون إلا ما اتُّفق عليه، ولا يغيرون في مسائل الخلاف؛ لأنه إن كان كلُّ مجتهد مصيبًا فواضح، وكذلك على أن المصيب واحد؛ لأن المخطئ غير آثم. نعم، يندب للخروج من الخلاف للاتفاق على رجحان الخروج منه". (٣) قال فقهاؤنا: يغير المنكرَ باليد كلُّ مَنْ له سلطةٌ كالأمراء وولاة الحسبة، ويغير باللسان مَنْ لا سلطةَ له على الناس، ويغيره بقلبه من خشي ضررًا إذا غيره بلسانه. ومعلومٌ أن المراد بالعلماء في كلام الأبي العلماء الراسخون الذين اطلعوا على مختلف أقوال الأئمة وعرفوا المتعارضات ووجوهَ الجمع بينها، لا الذين تلقفوا كلماتٍ لم يحسنوا تنزيلَها، كما بينه القرافي في الفرق الثامن والسبعين. (٤)

стр. 771

فإذا تقرر هذا، عُدنا إلى الكلام على البدعة بالمعنى الأعم، لأنه الذي يناسب إطلاقاتِها في الآثار، وهو المقدارُ المسوق له تعريفُ عز الدين بن عبد السلام. والبدعة بهذا المعنى تنقسم انقسامًا أوليًّا إلى قسمين: قسم يرجع إلى الديانات، وقسم يرجع إلى العادات. فأما القسم الذي يرجع إلى الديانات، فرجوعُه إليها إما شديد التعلق بها وإما ضعيف التعلق. فأما شديدُ التعلق فمنه ما يكون في العبادات كالتثويب، وهو النداءُ بعد الأذان بنحو "حي على الفلاح" لقصد تنبيه مَنْ يغفل عن الوقت، لا سيما إذا بَعُد ما بين الأذان والصلاة. وكذلك الضحية عن الميت. ومنه ما يكون في المعاملات، مثل الكراء المؤبَّد المعبَّر عنه بالإنزال أو بالجلسة. (١) ومنه الطلاق البدعي. وقولهم: "تحدث للناس أقضيةٌ بقدر ما أحدثوا من الفجور"، (٢) وقد أحدثوا أساليبَ المرافعات المعبَّر عنها بأحكام القضاء. غير أن

стр. 772

بِدعَ المعاملات لمَّا كانت مشتملةً على معان وعلل لم تعدم أن تكون ظاهرةَ اللحوق بأحكام أمثالها، فلا تُعطى حكمًا متحدًا من كراهة أو حرمة أو غيرهما. وأما العباداتُ فلما لم يكن للقياس فيها مدخل، كان حكمُ وقتها ومكانها قريبًا من حكمها. (١) فرأيُ مالك أن حكمها الكراهةُ مطلقًا، ومرادُه بالكراهة أنها يُثاب على تركها ولا يُعاقَبُ على فعلها. فكراهته الضحية عن الميت؛ لأن الشأن أن ذبح الحيوان ونحره ليس بعبادة في ذاته إلا في الضحية والهدي، وفيما عداهما لا يقصد الشارعُ إلا الصدقةَ باللحم أو بغيره، وليس الذبح بمقصود في ذاته. فالهدي عبادةٌ غيرُ خاصة بوقت، ولذلك صح نذره. والضحية سنة خاصة بيوم خاص،

стр. 773

ولذلك لم يصح نذرُ ضحية في يوم آخر. وكذلك كره التثويب، (١) وكره العتيرة - وهي الذبح عن الميت في غير يوم الأضحى - ولم يكره الهدي عن الميت، وأجاز إسحاق بن راهويه التثويب. (٢) وفي التوضيح على مختصر ابن الحاجب عند قول ابن الحاجب: "وكذلك (أي مستحَبٌّ غير مكروه) قراءةُ شيءٍ من القرآن عند رأسه (أي الميت) "، (٣) ما نصُّه: "والكراهةُ لمالك في رواية أشهب، [واحتج على ذلك بأن عمل السلف اتصل على ترك ذلك، ذكر ذلك صاحب البيان وغيره، وصاحب الرسالة، فقال: وأرخص بعضُ العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمرًا معمولًا به، انتهى. وهذا هو الظاهر، وفي حمل ابن حبيب نظر]، إذ ليس لنا أن نرتِّبَ الأسبابَ والمسبَّبات (أي بأن نجعل الاحتضار سببًا لاستحباب قراءة يس، قاله الناصر اللقاني في الحاشية على التوضيح). وما حدَّه الشرعُ وقفنا عنده، وما أطلقه ولم يَخُصَّه بسبب أطلقناه. وما تركه السلفُ تركناه، وإن كان أصلُه مشهودًا له بالمشروعية كهذه القراءة. وللشرع حكمةٌ في الفعل والترك، وفي تخصيص بعض الأحوال بالترك، كالنهي عن القراءة في الركوع والأمر بها في القيام. فتمسَّكْ بهذه

стр. 774

القاعدة، فإنها دستور للتمسك بالسنة وقاعدة مالك". (١) أقول: مُدرَكُ الخلاف بين مالك وأصحابه وبين من خالفهم هو النظر إلى أن سكوتَ الشريعة وتركها التعرض لحكم شيء هل يُعد موجِبًا لإمساكنا عنه مطلقًا أو أن السكوت لا حجةَ فيه لإقدام ولا إمساك؟ فيُرْجَع بالفعل إلى أصل نظائره من الأفعال، بخلاف ما نهي عنه مثل القراءة في الركوع والدعاء فيه. أما مذهب ابن حبيب ومَنْ وافقه، فقد خالفوا مذهبَ إمامهم في القراءة على الميت، لِمَا رجح عندهم من الدليل الموجِبِ للخلاف من حيث إن القراءة في ذاتِها عبادة، فهي مشهودٌ لها بالاعتبار. (٢) وغايةُ ما في إيقاع القراءة عند الميت أنه تعيينُ حالةٍ تكون كالوقت للعبادة لمقصد حسن، وهو انتفاعُ الميت بثوابها. والشريعةُ مبنيةٌ على الرحمة، فرأوا أن لا مانعَ من تعيين وقت لها، ولذلك لم يخالفوه في كراهة التضحية عن الميت ونحوها. وأما ضعيف التعلق بالديانات فهو ما ليس قربةً، ولا حقًّا للناس، ولا داخلًا في أحد هذين، ولكنه يتعلق بأمر هو من خصائص الإسلام، وذلك مثل محراب القبلة، وفرش المساجد بالبسط، وإعلاء المنبر، وتفخيم بناء المسجد دون تزويق، وخروج المؤذن بين يدي الإمام يوم الجمعة، وإطلاق المدفع إعلامًا بوقت الغروب في رمضان، وإقامة أعلام لبعض مواضع مناسك الحج كمواضع الجمرات الثلاث، ومثل إحداث نقط حروف المصحف وشكلها. وهذا النحو بالعادات أشبهُ منه بالعبادات؛ لأن مرجعه إلى تسهيل المكلَّف، ومعظم علماء الأمة على الرخصة فيه.

стр. 775

وقد اتخذ عمر بن الخطاب ﵁ المصابيح في المسجد النبوي، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: "نور الله مضجعك (قبرك) يا ابن الخطاب كما نورت مسجدنا". (١) ووسع عثمان ﵁ المسجد النبوي، وأدخل فيه بعضَ حجرات أمهات المؤمنين، ولم ينكره عليه أحدٌ من علماء الصحابة، وبنى علي ﵁ السجن. ولا يخالف في هذا النحو إلا غلاةُ المتعمِّقين الذين يذمون كلَّ ما حدث ولو كان مصلحة، وأولئك ليسوا بأحرياء لتدبير أمور الأمة، وضررُهم اللاحق بالأمة أكثرُ من نفعهم. وأما القسم الراجع إلى العادات، فهو إما راجع إلى عادات تتعلق بالمسلمين بوصف كونهم مسلمين، وهو ما يراد إيجاده في شؤونهم الإسلامية، فإن كان راجعًا إلى أصلٍ كلي من الشريعة بأن يكون جزئيًّا من جزئيات أصل شرعي، فحكمه كحكم أصله، ويكون إدخاله تحت أصله بطريقة تحقيق المناط، أي إثبات العلة في آحاد صورها أو إدخال الجزئيات تحت قاعدتها كجمع المصحف في زمن أبي بكر ﵁. وكذلك ما حدث بعد هؤلاء الصحابة من أفعال المسلمين الجارية على المصلحة إلى عصرنا هذا، كجمع الحديث النبويّ في زمن عمر بن عبد العزيز، وتدريس العلوم في المساجد، وكذلك تأليف الجمعيات الخيرية لإغاثة المعوزين واتخاذ الملاجئ لتربية الأيتام. وهذا كله من البدع المحمودة الداخلة تحت حديث: "مَنْ سنَّ في الإسلام سنةً حسنة له أجرُها وأجرُ من عمل بها إلى يوم القيامة". (٢)
следующие страницы →