← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فإذا تقرر هذا، عُدنا إلى الكلام على البدعة بالمعنى الأعم، لأنه الذي يناسب إطلاقاتِها في الآثار، وهو المقدارُ المسوق له تعريفُ عز الدين بن عبد السلام. والبدعة بهذا المعنى تنقسم انقسامًا أوليًّا إلى قسمين: قسم يرجع إلى الديانات، وقسم يرجع إلى العادات. فأما القسم الذي يرجع إلى الديانات، فرجوعُه إليها إما شديد التعلق بها وإما ضعيف التعلق. فأما شديدُ التعلق فمنه ما يكون في العبادات كالتثويب، وهو النداءُ بعد الأذان بنحو "حي على الفلاح" لقصد تنبيه مَنْ يغفل عن الوقت، لا سيما إذا بَعُد ما بين الأذان والصلاة. وكذلك الضحية عن الميت. ومنه ما يكون في المعاملات، مثل الكراء المؤبَّد المعبَّر عنه بالإنزال أو بالجلسة. (١) ومنه الطلاق البدعي. وقولهم: "تحدث للناس أقضيةٌ بقدر ما أحدثوا من الفجور"، (٢) وقد أحدثوا أساليبَ المرافعات المعبَّر عنها بأحكام القضاء. غير أن

стр. 772

بِدعَ المعاملات لمَّا كانت مشتملةً على معان وعلل لم تعدم أن تكون ظاهرةَ اللحوق بأحكام أمثالها، فلا تُعطى حكمًا متحدًا من كراهة أو حرمة أو غيرهما. وأما العباداتُ فلما لم يكن للقياس فيها مدخل، كان حكمُ وقتها ومكانها قريبًا من حكمها. (١) فرأيُ مالك أن حكمها الكراهةُ مطلقًا، ومرادُه بالكراهة أنها يُثاب على تركها ولا يُعاقَبُ على فعلها. فكراهته الضحية عن الميت؛ لأن الشأن أن ذبح الحيوان ونحره ليس بعبادة في ذاته إلا في الضحية والهدي، وفيما عداهما لا يقصد الشارعُ إلا الصدقةَ باللحم أو بغيره، وليس الذبح بمقصود في ذاته. فالهدي عبادةٌ غيرُ خاصة بوقت، ولذلك صح نذره. والضحية سنة خاصة بيوم خاص،

стр. 773

ولذلك لم يصح نذرُ ضحية في يوم آخر. وكذلك كره التثويب، (١) وكره العتيرة - وهي الذبح عن الميت في غير يوم الأضحى - ولم يكره الهدي عن الميت، وأجاز إسحاق بن راهويه التثويب. (٢) وفي التوضيح على مختصر ابن الحاجب عند قول ابن الحاجب: "وكذلك (أي مستحَبٌّ غير مكروه) قراءةُ شيءٍ من القرآن عند رأسه (أي الميت) "، (٣) ما نصُّه: "والكراهةُ لمالك في رواية أشهب، [واحتج على ذلك بأن عمل السلف اتصل على ترك ذلك، ذكر ذلك صاحب البيان وغيره، وصاحب الرسالة، فقال: وأرخص بعضُ العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمرًا معمولًا به، انتهى. وهذا هو الظاهر، وفي حمل ابن حبيب نظر]، إذ ليس لنا أن نرتِّبَ الأسبابَ والمسبَّبات (أي بأن نجعل الاحتضار سببًا لاستحباب قراءة يس، قاله الناصر اللقاني في الحاشية على التوضيح). وما حدَّه الشرعُ وقفنا عنده، وما أطلقه ولم يَخُصَّه بسبب أطلقناه. وما تركه السلفُ تركناه، وإن كان أصلُه مشهودًا له بالمشروعية كهذه القراءة. وللشرع حكمةٌ في الفعل والترك، وفي تخصيص بعض الأحوال بالترك، كالنهي عن القراءة في الركوع والأمر بها في القيام. فتمسَّكْ بهذه

стр. 774

القاعدة، فإنها دستور للتمسك بالسنة وقاعدة مالك". (١) أقول: مُدرَكُ الخلاف بين مالك وأصحابه وبين من خالفهم هو النظر إلى أن سكوتَ الشريعة وتركها التعرض لحكم شيء هل يُعد موجِبًا لإمساكنا عنه مطلقًا أو أن السكوت لا حجةَ فيه لإقدام ولا إمساك؟ فيُرْجَع بالفعل إلى أصل نظائره من الأفعال، بخلاف ما نهي عنه مثل القراءة في الركوع والدعاء فيه. أما مذهب ابن حبيب ومَنْ وافقه، فقد خالفوا مذهبَ إمامهم في القراءة على الميت، لِمَا رجح عندهم من الدليل الموجِبِ للخلاف من حيث إن القراءة في ذاتِها عبادة، فهي مشهودٌ لها بالاعتبار. (٢) وغايةُ ما في إيقاع القراءة عند الميت أنه تعيينُ حالةٍ تكون كالوقت للعبادة لمقصد حسن، وهو انتفاعُ الميت بثوابها. والشريعةُ مبنيةٌ على الرحمة، فرأوا أن لا مانعَ من تعيين وقت لها، ولذلك لم يخالفوه في كراهة التضحية عن الميت ونحوها. وأما ضعيف التعلق بالديانات فهو ما ليس قربةً، ولا حقًّا للناس، ولا داخلًا في أحد هذين، ولكنه يتعلق بأمر هو من خصائص الإسلام، وذلك مثل محراب القبلة، وفرش المساجد بالبسط، وإعلاء المنبر، وتفخيم بناء المسجد دون تزويق، وخروج المؤذن بين يدي الإمام يوم الجمعة، وإطلاق المدفع إعلامًا بوقت الغروب في رمضان، وإقامة أعلام لبعض مواضع مناسك الحج كمواضع الجمرات الثلاث، ومثل إحداث نقط حروف المصحف وشكلها. وهذا النحو بالعادات أشبهُ منه بالعبادات؛ لأن مرجعه إلى تسهيل المكلَّف، ومعظم علماء الأمة على الرخصة فيه.

стр. 775

وقد اتخذ عمر بن الخطاب ﵁ المصابيح في المسجد النبوي، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: "نور الله مضجعك (قبرك) يا ابن الخطاب كما نورت مسجدنا". (١) ووسع عثمان ﵁ المسجد النبوي، وأدخل فيه بعضَ حجرات أمهات المؤمنين، ولم ينكره عليه أحدٌ من علماء الصحابة، وبنى علي ﵁ السجن. ولا يخالف في هذا النحو إلا غلاةُ المتعمِّقين الذين يذمون كلَّ ما حدث ولو كان مصلحة، وأولئك ليسوا بأحرياء لتدبير أمور الأمة، وضررُهم اللاحق بالأمة أكثرُ من نفعهم. وأما القسم الراجع إلى العادات، فهو إما راجع إلى عادات تتعلق بالمسلمين بوصف كونهم مسلمين، وهو ما يراد إيجاده في شؤونهم الإسلامية، فإن كان راجعًا إلى أصلٍ كلي من الشريعة بأن يكون جزئيًّا من جزئيات أصل شرعي، فحكمه كحكم أصله، ويكون إدخاله تحت أصله بطريقة تحقيق المناط، أي إثبات العلة في آحاد صورها أو إدخال الجزئيات تحت قاعدتها كجمع المصحف في زمن أبي بكر ﵁. وكذلك ما حدث بعد هؤلاء الصحابة من أفعال المسلمين الجارية على المصلحة إلى عصرنا هذا، كجمع الحديث النبويّ في زمن عمر بن عبد العزيز، وتدريس العلوم في المساجد، وكذلك تأليف الجمعيات الخيرية لإغاثة المعوزين واتخاذ الملاجئ لتربية الأيتام. وهذا كله من البدع المحمودة الداخلة تحت حديث: "مَنْ سنَّ في الإسلام سنةً حسنة له أجرُها وأجرُ من عمل بها إلى يوم القيامة". (٢)

стр. 776

وإن كان الأمر الحادث مشهودًا لأصله بالإلغاء شرعًا فهو كأصله، كابتداع التدخين بالحشيشة المخدرة وامتصاص الأفيون وانتشاق الكوكايين. وأما الراجعُ إلى العادات المحضة التي لا نظرَ فيها إلى كون أهلها مسلمين أو غير مسلمين، فكلُّ ما حدث أو ظهر وجودُه بعد زمن النبوة في البلاد التي أسلم أهلُها من عوائد لم تكن معروفة في زمن الشارع حتَّى يُسألَ هو عنها. وهذا كاتخاذ المناخل عند العرب، ولبس البرانس للبربر، ولبس [الأثواب] الطويلة في بلاد الفرس. وكذلك ما أحدثه المسلمون، مثل لبس الطيالسة، ولبس الجوخ، واللباس النظامي للجنود ولأهل الدولة في معظم بلاد الإسلام، مثل بلاد الترك وبلاد الفرس ومصر وتونس من القرن الماضي الهجري. وكذلك عوائدُ الناس في حفلاتهم وأعراسهم ومآتِمهم مما ليس بمنهيٍّ عنه شرعًا. فقد بنى الصحابةُ القصور، واستفرهوا المراكب، واستجادوا الطعام واللباس. وهذا النوع لا يُقْدمُ عالِمٌ على القول بالنهي عنه، إذ لم تجئ الشريعةُ لحمل الناس على لزوم حالة في حضارتهم وأحوالهم، ما دامت أحوالُهم داخلةً تحت قسم المأذون فيه شرعًا. وقد قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أنتم أعلم بأمور دنياكم". (١) ولم يزل المسلمون يتقلبون إلى أحوال لم يكونوا عليها في زمن النبوّة، ولم يروا في ذلك حرجًا، إلا أفرادًا شذوا منهم مثل أبي ذر ﵁، لم ير الصحابةُ تأييدَهم، وربما أنكروا عليهم.

стр. 777

وينشأ من بين القسمين الأصليين قسمٌ وسط، وهو الأمور المحدثة التي لم يشهد الشرعُ باعتبارها ولا بعدمها، وأصلُها أن تكون مباحة، ولكن مقصد الآتين بها هو التقربُ إلى الله والطمع في الثواب مع صحة أسبابها. وهذا القسم منه ما هو في ذاته قربة، إلا أنه كان التقربُ به في مواضع أو أزمنة معينة، فيريد الناس إحداث التنفل بعشرين ركعة بعد العشاء في خصوص ليالي رمضان، ومثل قراءة فاتحة الكتاب عند الفراغ من صلاة الجنازة لإهداء ثوابها إلى الميت. فإن كانت أسبابُها غيرَ صحيحة كان فعلُها عبثًا كإحداث صلاة في يوم الأربعاء الأخير من شهر صفر لدفع البلاء الذي ينزل في صفر في اعتقاد المتطيرين أصحاب الأوهام. (١) ومنه ما ليس أصله عبادة، وقد اختُرِع للتقرب به إلى الله بعلة إدخاله تحت كلية العبادة إدخالًا قريبًا أو بعيدًا، فالبعيد مثل إحداث لبس الصوف للزهاد لأنه أدخل في الزهد، والإدخال القريب مثل استقبال القبلة بالمحتضر تبركًا، تشبهًا باستقبال القبلة بوجه الميت حين قبره. وهذا القسم بصنفيه كان حقُّه الإباحة نوعًا أو وقتًا أو هيئة، لكنه لما أريدت به القربةُ بنوعه أو وقته أو هيئته صار غير مناسب للبقاء على الإباحة؛ لأنه إن غلب عليه جانبُ قصد القربة فهو جدير بالندب لأجل حسن القصد به. وإن الإقدام على اختراع شيء في العبادات بدون إذن من الشرع كان جديرًا بالالتحاق بالمكروه لما فيه من الزيادة على ما خلفه الشارع لنا، فلزم التفصيل. ومن هنا قلت في الفتوى: "فتكون قراءة القرآن في تلك المواطن إما مكروهة، وإما مباحة غير سنة، فتكون مندوبة في جميعها إلخ"، (٢) فأردتُ من الإباحة ما قابل الكراهة، أي غير منهي عنها. وإذا كانت مباحة وكانت عبادة، لزم أن تخرج من الكراهة

стр. 778

إلى الندب، ولهذا لم يقل أحد من أصحابنا (١) بأن قراءة القرآن على الجنازة مباحة. هذا وقد صرح عز الدين بن عبد السلام في قواعده بأن البدعة تعتريها الأحكامُ الخمسة وأجمَلَ الأمثلة، (٢) وفصل ذلك شهاب الدين القرافي في الفرق الثاني والخمسين والمائتين من كتاب "الفروق" بأن أقسام البدعة خمسة: منها واجب وهو ما تناولته أدلةُ الوجوب كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع؛ فإن التبليغ لِمَنْ بَعدنا من القرون واجبٌ إجماعًا. الثاني: محرم وهو ما تناولته أدلةُ التحريم كالمكوس والمظالم. الثالث: مندوب وهو ما تناولته قواعدُ الندب، كصلاة التراويح وإقامة صور الأئمة والقضاة على خلاف ما كان عليه أمر الصحابة، بسبب أن المصالح الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمن الصحابة مُعظمُ تعظيمها إنما هو بالدين، ثم حدث قرنٌ لا يعظمون إلا بالصور. القسم الرابع: بدع مكروهة كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادات، كالزيادة في المندوبات مثل الزيادة في التسبيح عقب الصلوات على ثلاثة وثلاثين، والزيادة في زكاة الفطر على الصاع. الخامس: البدع المباحة كاتخاذ المناخل للدقيق. فالبدعة إذا عُرضت على قواعد الشريعة وأدلتها، فأي شيء تناولها من الأدلة والقواعد أُلحقت به، وإن نُظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر عما يتقاضاها كرهت. (٣) وهو كلامٌ نفيس جارٍ على القواعد، وموافق لمذهب مالك. وقد سلمه ابن الشّاط وغيره. فمن العجب محاولة الشاطبي في كتاب "الاعتصام" أن ينقضَه بتطويل لا طائلَ تحته، ولا توافقه نصوصُ أئمة المذهب ولا مداركُه. وقد حاول أن

стр. 779

يبين فرقًا بين ما أدخله القرافي من البدع في حكم الواجب والمندوب والمباح والمكروه فحاول عسفًا، وصار استدلالُه فيه خلفًا. (١) ومن العجب أنِّي رأيتُ مَنْ يعوِّل على كلام الشاطبي ويرد به كلامَ القرافي، وهذا صنع باليد، وهلَّا عَكَسَ أو توقف؟ (٢) ثم إن كلام القرافي صريحٌ في أن الكراهة تُوصف بها البدعةُ في العبادة، كما مثل به القرافي، وكما رُوي عن مالك ﵁ من قراءة القرآن على الميت. (٣) فمن العجب أن يزعم أبو إسحاق الشاطبي أن البدعة في العبادة لا توصف بالكراهة، وأن مراد مالك بالكراهة هنا الحرمة، فيخالف أصحابَ مالك وأئمة مذهبه قاطبة. واعلم أن أبا إسحاق الشاطبي ألف كتاب "الاعتصام" في البدع، وحصر البدعة في إحداث ما من شأنه أن يرسمه الشارع للتعبد. وكأن رائده في ذلك أنه يحاول حملَ حديث "كل بدعة ضلالة" على ظاهر عمومه، ليحصر مسمّى البدعة فيما هو حرامٌ ليصح الحكم عليه بأنه ضلالة، ويريد التفصِّي من حمل لفظ البدعة على أصل معناه، وهو ما حدث بعد رسول الله ﷺ ، حيث لم يجد محيصًا من الاعتراف بأن الحادثات بعد رسول الله ﷺ تعتريها الأحكام الخمسة، فلا يصح الحكمُ على عمومها بأنه ضلالة، فخصّ لفظَ البدعة بالمحدث في العبادة، وهو صنع باليد. ومن هنالك ترقَّى إلى الجزم بأن حكم هذا النوع التحريم، وأخذ يرتبها في دركات العصيان، وهي طريقة غريبةٌ لم يقل بها أحدٌ من أئمة المذهب. وأراه لا ملجأ له من أحد أمرين:

стр. 780

١ - إما الاعترافُ بأن بعض البدع داخلٌ تحت المأذون فيه من واجب ومندوب ومباح، أو تحت المنهيِّ عنه نهيًا غير جازم، وهو المكروه كما هو مقتضى اللغة، وكما ورد في كلام بعض السلف ومصطلح الجمهور الذي جرى عليه مالك وأصحابه، وأفصح عنه كلامُ ابن العربي والغزالي وعز الدين ابن عبد السلام والقرافي. وتلك غيرُ داخلة تحت عموم الأحاديث القائلة بأن "كل بدعة ضلالة"، فلزم تخصيصُ هذه الأحاديث. ٢ - وإما إباية ذلك بأن يدعيَ أن اسمَ البدعة لا يُطلق شرعًا إلا على المحدث في العبادة، ولا يُطلق على كلِّ محدث ولا على كل محدث يتعلق بالدين. فيلزمه أن يُخرِجَ من البدعة ما حدث من العقائد الضالة والمعاملات الباطلة، كالطلاق البدعي. فلا يحصل المقصودُ من بقاء حديث "كل بدعة ضلالة" على عمومه، ويلزمه القولُ بأن لفظَ البدعة صار من المنقولات الشرعية، والنقلُ خلافُ الأصل. والتخصيص أوْلَى من النقل، كما تقرر في الأصول. (١)

стр. 781

ثم دعواه أن المحدث في العبادة لا يكون إلا حرامًا كلامٌ لا يستقيم، إلا إذا حمله على إحداث أجناس العبادات. أما إحداثُ مواقيت أو أحوال أو التزام أسباب فلا يسبب له التحريم، وإن أقصى أقوال المشددين فيه مثل مالك ﵁ هو الكراهة. وعلى تسليم هذا، فقد صار الخلافُ في مسمَّى اللفظ، ويلزمه أن يكون إطلاقُ اسم البدعة على غير ذلك إطلاقًا مجازيًا، ويتطرق الاحتمال إلى الإطلاقات فيسقط الاستدلال بكثير من تلك الشواهد التي جلبها من كلام السلف في لفظ البدعة بأنهم أرادوا بها المعنى المجازي. على أن صنيعه وإن انتفع به في حديث "كل بدعة ضلالة" لا ينفعه في حديث "كل محدثة بدعة" إلا إذا لجأ إلى تخصيص العموم بصنف من المحدثات. وقد علمت أنه تجنب طريقةَ التخصيص في نظيره، وبهذا الإلجاء تنحل عُرى كتابه. فهذا إقليدُ (١) الدخول إلى مباحث البدعة، فشُدَّ به يدًا، ولا تكن كالذين أصبحوا فيه طرائقَ قِدَدًا.

стр. 782

الفَرْعَ الثَّانِي الفِقْهُ وَالفَتْوَى

стр. 783

حكم قراءة القرآن على الجنازة (١) الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد سُئلتُ أسئلةً عديدة، بعضُها كتابي وبعضها شفهي، محصَّلُها طلب معرفة حكم قراءة القرآن عند تشييع الجنازة أو حول الميت أو حول قبره عند دفنه، وهل ذلك منكَرٌ يجب تغييرُه أو غيرُ منكر؟ فإنه قد حصلت في هذه القضية مشاجراتٌ بين مَنْ ينكرون ذلك وبين أقارب بعض الأموات، وحدث من الخلاف بين المنكرين والمرخصين ما أوشك أن يوقع فتنة. والجواب: أن السنة في المحتضِر وفي تشييع الجنازة وفي الدفن، هو الصمت للتفكير والاعتبار. فإذا نطق الحاضر فليكنْ نطقُه بالدعاء للميت بالمغفرة والرحمة. فإن دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مرجوّة الإجابة، وأما قراءة القرآن عند الميت حين موته، وحين تشييع جنازته، وحين دفنه، فلم تكن معمولًا بها في زمن رسول الله ﷺ وزمن أصحابه. إذ لم يُنقل ذلك في الصحيح من كتب السنة والأثر مع توفر الدواعي على نقله لو كان موجودًا، إلا الأثرُ المرويُّ في قراءة سورة يس عند رأس الميت وقتَ موته على خلاف فيه. (٢)

стр. 784

ولهذا كان ترك القراءة هو السنة، وكان أفضلَ من القراءة في المواطن الثلاثة المذكورة. (١) وحينئذ فتكون قراءةُ القرآن في تلك المواطن إما مكروهةً، وإما مباحةً غيرَ سنة، فتكون مندوبةً في جميعها، أو مندوبة في بعضها دون بعض. وفي حملِ حكمها على أحد الوصفين على الإطلاق أو بالتفصيل خلافٌ بين علماء المذهب ومَنْ وافقهم رحمهم الله تعالى. فذهب مالك وجمهورُ أصحابه إلى أن القراءة في تلك المواطن الثلاثة مكروهة، حكى عنه الكراهةَ ابن بشير (٢) من رواية أشهب وابن الحاجب في المختصر بطريق المقابلة، إذ قال: "وتوجيه المحتضر إلى القبلة مستحبٌّ غير مكروه على الأصح، وكذلك قراءة القرآن عنده". (٣) وصرح بنسبة قول الكراهة إلى مالك خليلٌ في توضيحه وفي مختصره في عداد المكروهات، (٤) وذلك محملُ قول المدونة: "قلت: فهل يقرأ على الجنازة في قول

стр. 785

مالك؟ قال: لا". (١) قال أبو الحسن في شرح المدونة: قال عبد الحق: "لأن ثوابَ القراءة للقارئ، ولا ينتفع به الميت، فلا معنى للقراءة عليه". (٢) وفي سماع أشهب من العتبية: "سئل مالك عن قراءة يس عند رأس الميت، فقال: ما سمعتُ بهذا، وما هو من عمل الناس". (٣) أقول: فمُسْتَنَدُ الكراهة في قول مالك أمران: أحدُهما أن هذا لم يُؤثر في السنة، كما هو صريحُ رواية أشهب في العتبية. الثاني أن مالكًا لا يرى انتفاعَ الميت بقراءة الحي عليه أو له، ولا يرى صحةَ إهداء ثواب القراءة للميت كما يُؤْذِنُ به تعليلُ عبد الحق. وهذا أيضًا قولُ الشافعي. فرجعت القراءةُ على الميت عند مالك إلى أنها فعلٌ قُصِد به القربة، ولم يجعله الشارع قربة فيكون مكروها. والمرادُ بالكراهة أنه يُثاب على تركه، ولا يُعاقب على فعله، كما هو المتبادر من الكراهة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء. وليس المرادُ بالكراهة الحرمة، كما توهمه الشاطبي في "كتاب الاعتصام" مستندًا إلى أن الإمام قد يعبر بالكراهة ويعني بها

стр. 786

الحرمة؛ (١) لأن كلامَ مالك لم يقع فيه لفظُ الكراهة، بل هي من تعبير فقهاء مذهبه تفسيرًا لمراده. وفي السماع هو الكراهة بالمعنى المصطلح عليه في الفقه، ولأن دليل التحريم لا وجودَ له، فحَمْلُ كلام مالك عليه تقوُّلٌ عليه، والإقدامُ على التحريم أمرٌ ليس بالهين، إذا لم تقم عليه الأدلةُ الصريحة. وذهب اللخمي وابن يونس (٢) وابن رشد وابن العربي والقرطبي وابن الحاجب وابن عرفة من أئمة المالكية إلى أن القراءة مستحَبَّةٌ في المواطن الثلاثة، إذا أُريد إهداءُ ثوابِها إلى الميت، بناءً على ما اختاروه واختاره جمهورُ علماء المسلمين من تصحيح انتفاع الميت بما يُهديه له الأحياءُ من ثوابِ قراءة القرآن. (٣) وذلك أيضًا منسوبٌ إلى أبِي حنيفة ﵀، إلا أن أبا حنيفة اشترط أن لا يُقرأ عند الميت إلا بعد

стр. 787

غسله. (١) وتأول هؤلاء قولَ مالك بالكراهة بأنه كرهه لِمَنْ فعله باعتقاد السنن، أي اعتقادُ كونه سنّة. (٢) وذهب عبد الملك بن حبيب (٣) من أصحاب مالك إلى أن قراءة سورة يس عند رأس الميت سنة، وروى في ذلك حديثًا عن النبي ﷺ ، ورواه أيضًا النسائي وأبو داود. (٤) ولم يُنقل عن ابن حبيب رأيٌ في قراءة غير سورة يس، ولا في قراءتها في موطن آخر من مشاهد الجنازة. وذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله - ووافقهما عياض والقرافي من المالكية وبعضُ الحنفية - إلى استحباب القراءة عند القبر خاصة؛ قالوا: لتحصل للميت بركةُ المجاورة كمجاورة دفن رجل صالح. (٥)

стр. 788

فهذه أربعةُ أقوالٍ للمالكية ولغيرهم من علماء الأمصار، كلها - عدا قول ابن حبيب منها في خصوص سورة يس - تجري في تلاوة الأذكار عند الميت في المواطن الثلاثة، إذا كانت تلك الأذكارُ مما ثبت أنه يُثاب عليه شرعًا، مثل الهيللة والتسبيح بصيغته المأثورة والصلاة على النبي ﷺ . أما الأقوالُ التي لم يثبت في الشريعة ثوابٌ لقائلها ولا هي دعاء للميت، فلا يختلف علماؤنا في كراهة تلاوتها في المواطن الثلاثة، لانتفاء ما عارض دليلَ الكراهة عندهم من رجاءِ الثواب الحاصل من تلاوة القرآن والأذكار المشروعة. وبهذا يظهر أنه لا يوجد مَنْ يقول بأن قراءة القرآن أو الذكر في مواطن الجنازة منكَرٌ حتى يترتَّب على ذلك أن يحتسب المسلمون بتغييره باليد أو باللسان، بل أقصى حكمِها في النهي أن تكونَ من قبيل المكروه، والمكروه لا يغَيَّر على فاعله. وقد جرى عملُ كثيرٍ من بلاد الإسلام على اتباع قول الذين رأَوْا استحبابَ القراءة، فلأهل الْميت الخيارُ بين أن يتَّبعوا السنةَ أو يتبعوا المستحب. قال أبو سعيد ابن لب (١) - كبير

стр. 789

فقهاء غرناطة في عصره، وهو القرن الثامن -: "إن ما يجري عليه عملُ الناس وتقادمَ في عرفهم وعادتهم ينبغي أن يُلتمس له مخرجٌ شرعيٌّ على ما أمكن من وفاق أو خلاف (أي بين العلماء)، إذ لا يلزم ارتباطُ العمل بمذهب معين أو بمشهورٍ من قول قائل". (١) وحكى الموّاق في كتابه عن شيخه ابن سراج (٢) - خاتمة فقهاء غرناطة في آخر

стр. 790

عهدها بالإسلام - "أنه إذا جرت عادةُ الناس بشيء، ولم يكن متفَقًا على تحريمه، فليتركْهم وما هم عليه، وليفعلْ في نفسه ما هو الصواب". (١) وعليه فكلُّ مَنْ يتصدى لِمَنْعِ أقارب الأموات من تشييع جنازتهم بالقراءة، فقد أنكر عليهم بغير علم،

стр. 791

واجترأ عليهم بالتدخل في خاصة أمورهم بدون سبب يحق له ذلك. وإنما شأنُ العالِم في مثل هذا أن يرغِّبَهم في التأسِّي بالسنة، وبيانُ أنها الحالة الفضلى بقولٍ ليِّن، فإن هم تجاوزوا ذلك فحقَّ على وُلاة الأمور في البلدان أن يدفعوا عن أهل الْمآتم عاديةَ مَنْ يتصدى بزعمه لتغيير المنكر دون أن يعلم مِنْ كلِّ مَنْ تزبَّبَ قبل أن يَتَحَصْرَم. (١) هذا حاصلُ الجواب، وقد تضمن البعضَ من أقوال أهل المذهب، (٢) أفتيت به، واقتصرتُ فيه على ذلك دون تطويل ولا تأصيل، لقصد إحاطة أصناف المستفتين بحكم هذه المسألة. وسأُتْبِعه ببيانِ تأصيل أحكامه، (٣) ليزداد أهلُ النظر تفقهًا، فإنهم يحبون أن يلحقوا الفروع بأصولها، ويميزوا عن خليط ثفالها خالصَ منخولها. أفتيتُ بذلك، وأنا محمد الطاهر بن عاشور، شيخ الإسلام المالكي في ١٢ محرم سنة ١٣٥٥ هـ وفي ٤ إبريل ١٩٣٦.

стр. 792

قراءة القرآن في محطة الإذاعة (١) السؤال: " ما قولكم - حفظكم الله - في حكم إذاعة القرآن الحكيم بواسطة المذياع المعبّر عنه بالراديو الذي تكاثر أخيرًا بالبيوت، ومحلات التجارة، والمقاهي، وديار البغاء والحانات بصورة لا تمرّ بشارع إلا وتسمع من هاته الأماكن بواسطة هذا المذياع كلام الرحيم الرحمن الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدِّعًا من خشية الله، وفي الغالب أنّ هاته الآلة تعبث بالقرآن الكريم، وتقطّع حروفه بسبب تغيير أمواج المحطة، خصوصًا عند مزاحمة محطة إذاعة بروكسل لمحطة القاهرة؟ وما قولكم - أبقاكم الله - في حكم التالي لكتاب الله تعالى في محطة الإذاعة المتعمِّدة إذاعة القرآن بسائر أماكن اللهو والفساد، لأنّ التالي لكلام الله بمحطة الإذاعة ليس قصده التدبُّر في آياته، وليس غرضه من إذاعته نشر الدين كما يزعم بعضهم، بل القصد سماع صوت التالي بنغماته وألحانه، لأنّ أرباب محطات الإذاعة لا يختارون لإذاعة القرآن الكريم، الذي هو قول فصل وما هو بالهزل، إلا صاحب الصوت الرخيم؟ وإن قيل بجواز ذلك فما حكم استماع القرآن من المذياع الذي يظهر أنه منافٍ لما هو مطلوب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]، مع أنّ

стр. 793

جُلَساء المقاهي والحوانيت غالبهم ممن لا يشتغل إلا بأحجار الطاولة والدومينو والكارطة [الورق] ولهو الحديث، مع أنّ الله يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وبعضهم يشتغل بشرب الدخان عند تلاوة القرآن الكريم بالمذياع. وقد ذكر الشيخ الأمير (١) في مجموعه في باب الجمعة أنه يحرم تعاطي ما له رائحة كريهة في المسجد والمحافل، وعند قراءة القرآن الكريم يشتدّ التحريم لما في ذلك من عدم التعظيم لكتاب الله. ورأيت بعدد ١٦ من مجلة "هدى الإسلام" من سنتها الثانية أنّ وزارة الأوقاف أصدرت أوامرَها لرجال البوليس بالتنبيه على أصحاب محطات الإذاعة بمصر بعدم إذاعة القرآن الكريم في محطاتها منعًا لقراءته في الأماكن التي لا يليق بكرامة القرآن إذاعته فيها. ونشر هذا الأمر في بعض جرائد القاهرة التي صدرت في ٣٠ يوليو سنة ١٩٣٣. وفي العدد المذكور صرح بحرمة قراءة القرآن في الراديو الأستاذ علي فكري الأمين الأول لدار الكتب المصرية. كما رأيت بالمجلة نفسها فتوى من الشيخ محمد سليمان مخيمر من علماء مصر قال فيها: إنّ قراءة القرآن بالراديو من أكبر الكبائر. ونشرت مجلة "الهداية الإسلامية" مسامَرة في الموضوع للعلّامة المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقًا، أثبت فيها أنّ المسموع بواسطة الراديو هو قرآن حقيقة، وقال: إنّه يجوز في الأماكن غير الممتهنة، ويمنع فيها بالاختصار. وهنا ربما يقال: إنّ التحرُّز من المكان الممتهن غير ممكن ضرورة أنّ لكل مشترك أن يستمع ما بالراديو، ولا شكّ أنّ غالبهم من أصحاب المحلات الممتهنة، فهل يقال حينئذٍ بالمنع مطلقًا سدًّا للذريعة التي هي من قواعد المذهب؟

стр. 794

وقد نشر بجريدة "النهضة" الغرّاء بعدد ٣٨٠١ ما يدلّ على أنَّ اللجنة المكلفة بمراقبة الإذاعات ردّت على فضيلة شيخ الجامع الأزهر منعَ إذاعة القرآن بالراديو، ورجّحت جانبَ الفوائد التي تنجز من الإذاعة، على ما يقتضيه التحرير. جوابُكم السامي وكلمتكم الأخيرة في هذا الموضوع الذي يتعلّق بأقدس شيء لدينا معاشر المسلمين، وهو كلام الله القديم، ومعجزته الباقية لنبيه الكريم، حتى يعتمد عليها عمومُ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. أفيدونا مأجورين، والله يحرس مهجتكم، وعليكم السلام". من الفقير إلى ربه حسن ابن الغربية العدل ببنزرت، وفقه الله. في ٣ ربيع الثاني ١٣٥٥، وفي ٢٣ جوان سنة ١٩٣٦. الجواب [تمهيد: استحباب سماع القرآن] أمّا بعد، فقد اطلعت في عدد ٨٧٨٠ من جريدة الزهرة الغرّاء على سؤال موجه إليّ من الفاضل ابننا الشيخ السيد حسن بن الغربية العدل بمدينة بنزرت عن حكم إذاعة القرآن الكريم بواسطة المذياع (الراديو) وعن حكم قارئ القرآن بمركز الإذاعة (الجهاز المذيع) وحكم استماع القرآن من تلك الآلة في الأماكن المشتملة على اللهو، أو على ما لا يليق شرعًا. والجواب أنّ سماع القرآن أمرٌ مرغَّب فيه، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وحُمِل الأمر عند المالكية والجمهور على النَّدْب، وعند الحنفية على الوجوب الكفائي، وذلك بناءً على أنَّ المراد بالقراءة في الآية القراءة في غير الصلاة، وهو أحدُ تأويلاتٍ كثيرة في الآية بين قريب وبعيد. (١) وإذا كان القارئ

стр. 795

حسن الصوت زادت قراءتُه السامع خشوعًا ورقّةَ قلب، وذلك مما يدعو إلى الخير. وأدلةُ ذلك كثيرة، أوضحُها ما في صحيح البخاري أن النبي ﷺ استمع لقراءة أبي موسى الأشعري ﵁، وأبو موسى غير شاعر بذلك، وكان أبو موسى حسن الصوت، فقال له رسول الله من الغد: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود"، فقال أبو موسى: "لو علمتُ أنك تسمع إلَيَّ يا رسولَ الله لحبَّرت قراءتِي تحبيرًا، أي: لزدتها تحسينًا". (١) وليس بنا أن نتعرّض ها هنا للخلاف في قراءة القرآن بالأصوات الحسنة التي لا تخرج عن أدب القرآن، فإنّ الكلام في ذلك يطول. وليس من غرض السائل ولا جمهور المتطلّبين معرفةُ الحكم الشرعي في قراءة القرآن بطريق المذياع خاصة، بل نحن نبني الآن على ما جرى عليه عملُ علماء المسلمين في سائر الأقطار من استحباب القراءة بالأصوات الحسنة غير المنافية لحروف القرآن وآدابه، جريًا على قول أئمةٍ من أعلام المذهب المالكي مثل الإمام سحنون وعمرييه: موسى بن معاوية، وابن الرشيد، وابن اللّبّاد، وابن التبّان من أعيان القيروانيين. (٢) وهو مختارُ أعلام من الأندلسيين، مثل ابن رشد وابن العربي

стр. 796

وعياض، وهو قولُ الحنفية والشافعية. (١) ولَمْ تزل رغبةُ المسلمين متوفرةً في سماع القرآن بأحسن وجوه آدابه، لا سيما إذا كان القارئ من ذوي الأصوات الحسنة. وقد كان معظمُ الناس لا يجد إلى استقراء هؤلاء سبيلًا لاستدعاء ذلك كلفةً مالية، فإذ قد يسّر الله للناس ما كان عسيرَ الحصول بما ألهم إليه صاحبَ الاختراع الذي استعان بآثار مصنوعات الله، فليحمدوا الله على ذلك.

стр. 797

ثمّ إنّ لقراءة القرآن آدابًا مرجعُها إلى إجلال كلام الله وتوقيره، والتأدب عند سماعه. ولذلك فلنتكلَّمْ على ما يعرض لهذا السماع من العوارض التي هي مثارُ جدال بين المانع والمجيز، ممن اختلفوا في هذه المسائل، والخلف بين الناس غير عزيز. وينحصر الغرضُ في مبحثين: المبحث الأول في حكم تصدي القارئ للقرآن بمركز الإذاعة ، والمبحث الثاني في حكم سماع السامعين قراءة القرآن من آلة الإذاعة. في حكم تصدي القارئ للقرآن بمركز الإذاعة: فأمَّا المبحث الأول فإنه يجوز للقارئ أن يتصدّى للقراءة في مركز الإذاعة لقصد سماع قراءته في جميع الجهات التي يكون لها اتصالٌ مع مركزه، سواء أكان تصدّيه بأجر أم بدونه؛ لأنّ الصحيحَ عندنا جوازُ أخذِ الأجرة على قراءة القرآن، فإنّها من أسباب تكثير قرائه وسامعيه. (١) ولا حاجةَ إلى التعرّض إلى شروط القراءة في القارئ ومكانه؛ لأنّ ذلك لا يختص بالموضوع المبحوث فيه.

стр. 798

وإذا تبيّن أنّ تصدِّيه للإذاعة بالقراءة مباح، فلا ينقض حكمَ الإباحة ما عسى أن يبلغ مدى صوت القارئ إلى سامعٍ يكون على حالةٍ تجعله غير كامل الأهلية لسماع القرآن، أو إلى مكانٍ غير لائق، بل يكفي في جواز فعلِه كونُ الغالب على قراءته أن ينتفع بها المسلمون على اختلاف مقاصدهم وقابليتهم ومبالغ نياتهم. فمراعاة الآداب في ذلك واجبةٌ على السامعين، وليس القارئ بمسؤول عنها. وقد قرأ النبي ﷺ بحيث يسمعه المشركون، (١) وقرأ عبد الله بن مسعود ﵁ في مقام إبراهيم بمسمَع من المشركين. (٢) وقرأ أبو بكر ﵁ بمسجده الذي اتخذه بباب داره في مكة، فكانت نساءُ المشركين وصبيانُهم وعبيدهم يقفون عند مسجده يُعجَبون من رقة صوته. وإذ قد تبيّن أنّ الغالبَ في التصدِّي للقراءة بمركز الإذاعة هو حصولُ النفع بها الذي يغتبط به جمهورُ المسلمين، وكان من النادر إفضاءُ ذلك إلى ظهور صوت القارئ في مواضع قد توجد فيها حالةٌ تقتضي حكمَ مخالفة الأَوْلَى (٣) أو الكراهة أو الحرمة ولو عن غفلة من بعض السامعين، وبعض تلك الأحوال أندر من بعض،

стр. 799

كان ذلك الإفضاءُ من قبيل الذريعة الملغاة في الشريعة لندرة ترتُّب المنهيِّ عنه عليها إذا نسبناه لما يترتب عليها من المنافع؛ إذ قد قرَّر أئمة أصول الفقه والفقه أن ليس كلُّ ذريعة يجب سدُّها. (١) فإنَّ الشريعة الغَت ذريعة غراسة العنب مع أنها ذريعة لعَصْر الخمر، وألغت ذريعةَ التجاور في البيوت مع أنها تكون ذريعة للزنا، وألغت ذريعةَ حفر الآبار مع أنها يتردّى فيها الناسُ والحيوان. فإنّ حكمَ الذريعة إلى الفساد إن لم تكن فيها مصلحة، غيرُ حكم الذريعة المشتملة على مصلحة وهي تفضي إلى مفسدة. ويتدرّج النظرُ حينئذٍ في مراتب المصالح والمفاسد، وحينئذٍ يقتصر حكمُ التحريم أو الكراهة على الصورة الواقع فيها بسبب الكراهة أو التحريم عند وقوعها ويخاطَب بالمؤاخذة عليها. فتعين أن يكون القارئُ غيرَ ممنوع من القراءة لأجل خلوِّ بعض السامعين لصوته عن آداب سماع القراءة، وتأخذ أحوال السامعين أحكامها المناسبة لها كما سيأتي. وقد قال الحسن البصري: "لو تركنا الطاعةَ لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا"، قال ابن عرفة: "أي لأسرع في ديننا النقصُ والاختلال". (٢) وأمّا ما عسى أن يقع من تقطيع بعض كلمات القرآن أو الفصل بين آياته باضطراب الجو أو بغلبة بعض الأصوات التي تدخل في أمواج الجو فتغلب على صوت القارئ، فلا مؤاخذةَ فيه على القارئ؛ إذ ليس ذلك من فعله. (٣)

стр. 800

في حكم سماع السامعين قراءة القرآن من آلة الإذاعة: وأمّا المبحث الثاني ففي حكم التصدِّي لسماع قراءة القرآن من آلة المذياع، والسامع لا يخلو عن أن يكون مسلمًا أو غير مسلم: فالسامع المسلم إذا كانت الآلة التي يسمع منها في محل لائق لأَنْ يُقرأ فيه القرآن، فسماعُه أمرُ حسن، كما تقدم. والمسلمون عند سماع القرآن مراتبُ كثيرة متفاوتة في الفضل بمقدار التفاوت في حضور القلب ومراعاة الآداب، وفي تدبر معاني القرآن والاستنباط منها لمن هو أهل لذلك، وفيما يحصل من الخشية والعظة لمن وفّقه الله لذلك. وقد أشار السائل إلى آيات من القرآن مقصودٌ منها أعلى تلك المراتب، ولا يخلو مسلمٌ من أن يحصل له خيرٌ عند سماع القرآن. فإن كان السامع في محل غير لائق بقراءة القرآن - وعدم اللياقة أيضًا متفاوتٌ بين ما هو على خلافُ الأَوْلَى وبين ما هو على الكراهة وما هو على الحرمة - فينبغي في مواضع الانبغاء، أو يجب في مواضع الوجوب أن يقطع السامعُ الاتصالَ الجوي بينه وبين المركز الذي يأتي منه صوتُ قارئ القرآن إلى أن يتحقق انقضاءُ القراءة أو تبدّل حالة المحل. وأحسب أنّ معظمَ المسلمين يتوقَّون سماعَ قراءة القرآن في هذه الأحوال، فإن كان منهم مَنْ يجهل أو يذهل فيجب على المسلمين أن يذكِّر بعضهم بعضًا. وأمّا السماع في حالة تقطيع بعض كلمات القرآن أو الفصل بين بعض آياته بسبب غَلَبَة بعض الأصوات، فذلك لا مؤاخذةَ على السامع منه، ولا يوجب منع سماعه؛ لأنه ينتفع بسماع ما سلم من ذلك. ومثلُ هذا ما يعرِض لسامع القرآن من الخروج عن مجلس القراءة، ثم يرجع فيجد القارئ قد تجاوز الآيات التي تركه عندها. وأما السامع غير المسلم: فإن كان يفهم العربية، فسماعُ القرآن يرشده إلى مزايا الإسلام ويقرِّبه منه. وقد أجاز مالك أن يُقرأ القرآن على غير المسلم، رجاءَ اهتدائه إلى الإسلام. وقد قرأ النبي ﷺ القرآن على المشركين في مكة وفي المدينة. (١) وليس في

стр. 801

القرآن إلا ما هو هدى وتنوير للقلوب التي قُدِّر لها أن تحلّ فيها الهداية، وكله مما يحق للمسلم أن يفتخر به. فإن فرضنا أن يكون السامعُ غير المسلم مطبوعًا على السُّخرية بما لا موجب فيه، فذلك نزَق منه لا يؤاخذ به غيرُه، ولا يُعتدّ به في تشريع الأحكام. وإن كان غير المسلم لا يفهم العربية، فمرور تلك القراءة على سمعه كمرور الصوت على من يمشي في الطريق لا يعبأ به ولا يفهمه. وهذا في الغالب يعدل عن سماعه إلى سماع ما هو أعنى. هذا ما لاح لي في جواب سؤال السائل، أفتيتُ به، وأنا محمد الطاهر ابن عاشور، شيخ الإسلام المالكي، لطف الله به. في ٢١ ربيع الثاني، وفي ١١ جويلية سنة ١٣٥٥ هـ/ ١٩٣٦ م

стр. 802

ثبوت الشهر القمري (١) ورد إلى المصنف السؤال الآتي من "المجلس الإسلامي الأعلى" بالجزائر: "اتخذت الجزائر في نطاق الحرص على وحدة المواسم الدينية في العالم الإسلامي موقفًا يرمي إلى اتخاذ تقويم قمري يعتمد الحساب الفلكي، فما موقفُ الشريعة من ذلك؟ "، فأجاب بما يلي: الجواب: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. هذا تعريف عرف الله به المسلمين ببعض حكمه في خلق نظام الشمس والقمر. لذلك صرف الذين سألوا عن السبب لظهور الهلال دقيقًا، ثم أخذ ضوئه في التزايد حتى يصير بدرًا، ثم أخذه يتناقص بضوئه إلى المحاق، وأرشدهم الله إلى ما هو أولى لهم أن يعرفوه في حكمة أحوال الهلال، مما معرفته تنفعهم؛ لأنها التي تفيدهم تقدير تحول

стр. 803

الهلال إلى أحوال. فكان هذا الجواب جاريًا على ما يُسمى في علم البلاغة بالأسلوب الحكيم، وهو إجابةُ الطالب بغير ما يتطلب، تنبيهًا له على أن ما أجيب به أولَى له بالقصد. فالمعنى في هذه الآية: الأولَى بهم أن يعلموا أن أحوال الأهلة مواقيت للناس، أي: مواقيت لجميع الناس؛ لأن جميع الناس يتمكنون من التوقيت بها، بخلاف أحوال الشمس فإن حلولها في بروج السماء غير واضح للأبصار. وقد عُلم أن الأهلةَ مواقيتُ للصيام من سابق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فإن شهر رمضان معروفٌ أنه يبتدئ بهلالٍ وينتهي بهلال. وإنَّ حقَّ تقليلِ الخلاف بين أحوال المسلمين يقتضي أن لا يُغفلَ عن تغير الأحوال عما كانت عليه في القرون الماضية، حين كان اتصالُ أخبار البلدان وتعرفُهم لأحوالهم بطيئًا جدًّا ومعرَّضًا للشك والنسيان، لضبط ما فات من أيام وساعات، وذلك يضطرهم إلَى مبادرة كل بلد بأخذ ما يحصل لديه من ثبوت الشهر الشرعي. (١)

стр. 804

ثم إن تبين أن ثبوتَه في بعض البلدان سابقٌ على ثبوته عند أهل بلد آخر، فأدلةُ السنة وأقوالُ المذاهب الأربعة جرت على أن لا عبرةَ باختلاف المطالع؛ أي: مطالع الأهلة (أعني وجود الاستهلال). فلو صام أهلُ بلدٍ تسعةً وعشرين يومًا برؤية الهلال في بلدهم، وصام أهلُ بلدٍ آخر ثلاثين يومًا بالرؤية، فإن الذين صاموا تسعةً وعشرين يومًا يجب عليهم قضاءُ صيام يوم. قال الحنفية: "هذا قولُ أكثر المشايخ". (١) وقال المالكية: هذا هو المشهور، (٢) وقال الشافعية: في المسألة قولان مصححان. (٣) وقال الحنابلة: لا خلافَ في أن رؤيةَ أهلِ بلدٍ تَلزم بقيةَ البلدان. (٤)

стр. 805

وبِهذا يُعلم أن ما ادعاه الحفيدُ ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد" وابن جزي في كتابه "القوانين الفقهية" من الإجماع على اعتبار اختلاف المطالع بين البلاد النائية جدًّا، مثل الأندلس من الحجاز، (١) ادعاءٌ غير صحيح؛ لأن الخلافَ واقعٌ في اعتبار المطالع بين البلدان النائية. والراجحُ عدمُ اعتبار اختلاف المطالع فيها، فكيف يُدَّعَى الإجماعُ على اعتبار اختلاف المطالع بين البلدان النائية جدًّا؟ وبهذا تأصل أصلٌ للنظر في هذه المسألة تتفرع عنه قواعد: القاعدة الأولى: النظر في كيفية ثبوت الشهر. لا شك أن الصوم عبادةٌ مقصودة لذاتها، وأن له حكمةً عظيمة أطلعنا الله على شيء منها، وهو أعلم بما لم نطلع عليه. وجعل الله لهذه العبادة وقتًا تقع فيه، وهو الشهرُ المسمَّى رمضان من الأشهر الشرعية التي قدر الله نظامَها يوم خلق السموات والأرض، (٢) فقال تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣, ١٨٤]، ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ثم قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فحصل من مجموع هذا تعيينُ العبادة المفروضة وتحديدُها، وتعيينُ زمانها. وبهذا كان شهر رمضان وقتًا لأَنْ تُصام أيامُه من مبدإ الشهر إلى نهايته، فوجب على الناس تعيينُ هذا الشهر مبدأ ونهاية. وكان الناسُ يوم نزول القرآن يعرفون الشهرَ بتجدد ضوء الهلال عقب محاقه.

стр. 806

وحقيقةُ الهلال أنه حالةُ انعكاس ضوء الشمس على جانبٍ من كرة القمر، وهو الجانبُ الذي ينعكس عليه ضوءُ الشمس، أي هو الجانب المقابِلُ للكرة الأرضية. وذلك الانعكاس يُسَمَّى عند علماء الفلك تولُّدًا، ويسمونه اقترانًا، ويُسمَّى عند عموم العرب - في آخر الشهر - محاقًّا. ولِمعرفتنا وجودَ الهلال عقب المحاق في علم الله طرق: أولها: رؤيتُه بالبصر رؤيةً لا ريبة تتطرقها، وهذا حسِّيٌّ ضروري، ولا خلافَ في العمل به. وثانيها: مرور ثلاثين ليلة من وقت استهلال الهلال الذي سبقه، وهذا الطريقُ قطعي تجريبي؛ إذ رصد الناسُ في جميع الأرض وفي كل العصور أحوالَ الهلال، فوجدوه لا يتأخر عن ذلك التقدير من الأيام. وتحقق ذلك لديهم واشتهر، فصار قطعيًّا، وهذا لا خلافَ فيه بين الأئمة. وثالثها: دلالة الحساب الذي يضبطه المنجمون، أعني العالمين بسير النجوم علمًا لا يتطرق قواعده الشك، وحسابًا تحققت سلامتُه من الغلط، وذلك هو ما يسمى بالتقويم. فإذا ضبط الحسابُ وقتَ وجود الهلال باليوم والساعة، حصل لا محالةَ العلمُ بهذا الشهر القمري؛ إذ جُرِّب التقويم في حساب السنة الشمسية عند الأمم قديمًا وحديثًا في القرون العديدة فلم يُعثر له على غلط، واتبعه المسلمون في أوقات الصلوات وفي أوقات الإمساك والإفطار في رمضان، وجُرِّب عند العرب في حسابُ السنة القمرية كذلك. لكن منع فقهاءُ المذاهب الأربعة العملَ في إثبات الشهر الشرعي بحساب المنجِّمين وأهل التقاويم. (١)

стр. 807

وإن علمَ الناس بوجود الهلال لم يكن له طريقٌ في العصور الماضية سوى "الرؤية، فلذلك قال النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له". (١) وليس في لفظ الحديث صيغةُ قصر الصوم على حالة رؤية الهلال، فقياسُ حساب المنجِّمين على رؤية الهلال قياس جلي. (٢)

стр. 808

وإذا كانت الرؤيةُ بالعين وحدها لا تمكن بعد مضيِّ ساعاتٍ من تكوُّنِ الهلال وبعد خروجه من بقايا شعاع الشمس عند الغروب، كان حسابُ التقويم أولَى من الرؤية؛ لأن تأخر ظهور الهلال للأبصار بعد وجوده بساعات حالةٌ طردية لا أثرَ لها في اعتبار القياس، كما أن تفاوتَ الأعين في رؤيته لا عبرةَ به، فالتفاوت إذن وصفٌ طردي. (١) وقد يتمكن ضعيفُ البصر من رؤية الهلال بوضع نظارات، فيرى الشيء الذي لم يره قبل وضع النظارات. والنظارات أيضًا متفاوتةٌ في تقريب المرئي، فشتان بين النظارات الاعتيادية التي اعتاد بها أهل الأبصار الضعيفة وبين الناظور المكبر المسمى "مرآة الهند"، بله الناظور المضخم الذي ترصد به النجوم المسمى "تليسكوب". فالتقويم طريقٌ علمي يُكسب الظنَّ القريب من القطع بثبوت الهلال. وقد اعتبر الشرعُ التقويم في أوقات الصلاة، فلا وجهَ لترك قياس ثبوت شهر الصوم على وقت الصلاة، إذ لا فرقَ بينهما إلا بأوصاف طردية، وهي لا تؤثر في الإجراء الشرعي. وحاول شهابُ الدين القرافي التفرقةَ بينهما في الفرق الثاني والمائة فلم يأت بطائل، وآل كلامُه إلى أن حديث: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" لا يشمل

стр. 809

العمل بالحساب. (١) ويرد عليه أن الحديث ليس فيه صيغةُ حصرٍ كما قدمنا، فلا وجهَ لتعطيل قياس التقويم على الرؤية بجامع تحصيل الظن قياسًا جليًّا، فهذا يعضده قولُ مطرف بن عبد الله بن الشخير من فقهاء التابعين (٢) وقول ابن سريج (٣) من أئمة الشافعية ونسبه إلى الشافعي، كما في الإكمال لعياض. (٤) وقد صح أن النبي ﷺ قال: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا"، وأشار بيديه مطلقتَي الأصابع، ثم عاد وعقد أحد إبْهامَيْه في المرة الثالثة". (٥) فكان قوله "إنا أمة أمية. . .

стр. 810

إلخ" من قبيل الإيماء إلى علة قياس [حساب] (١) المنجِّمين المضبوط على رؤية الهلال بالبصر، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. ولنا في التعويل على منظار المرصد الفلكي في أشهر بلاد الإسلام، مثل البلاد المصرية، غنيةٌ باعتبار الحساب النجومي. فعلى قضاة المسلمين والمفتين والقائمين مقامهم في الشؤون الدينية من علمائهم أن يرصدوا بأنفسهم أو بمن يثقون به ظهور الهلال بنظارت المراصد، والذي يثبت به عنده منهم ظهور الهلال بذلك يعلم به جميع بلاد الإسلام بواسطة الإذاعة الدولية. القاعدة الثانية: يجب التنبيه إلَى أن الأشهر الشرعية القمرية تبتدئ بالليالي، فابتداءُ الشهر الشرعي يكون من وقت غروب الشمس. فغروبُ الشمس في آخر مساء يوم الخميس مثلًا يعتبر مبدأ ليلة الجمعة وهلم جرًّا، بحيث إذا طلع الفجر لا يعتبر الوقتُ الذي بعد طلوعه بمبدأ لليوم الشرعي. ولذلك إذا رُؤِيَ الهلالُ في جزء من أجزاء الليل في بلد إسلامي وجب الصومُ على أهل ذلك البلد، وكلُّ بلد هو في حالة ليل في تلك الساعة، وإذا رُؤِيَ عند طلوع الفجر أو عقب طلوع الفجر في بلد لم يجب على أهل ذلك البلد الصوم.
следующие страницы →