وحقيقةُ الهلال أنه حالةُ انعكاس ضوء الشمس على جانبٍ من كرة القمر، وهو الجانبُ الذي ينعكس عليه ضوءُ الشمس، أي هو الجانب المقابِلُ للكرة الأرضية. وذلك الانعكاس يُسَمَّى عند علماء الفلك تولُّدًا، ويسمونه اقترانًا، ويُسمَّى عند عموم العرب - في آخر الشهر - محاقًّا. ولِمعرفتنا وجودَ الهلال عقب المحاق في علم الله طرق:
أولها: رؤيتُه بالبصر رؤيةً لا ريبة تتطرقها، وهذا حسِّيٌّ ضروري، ولا خلافَ في العمل به.
وثانيها: مرور ثلاثين ليلة من وقت استهلال الهلال الذي سبقه، وهذا الطريقُ قطعي تجريبي؛ إذ رصد الناسُ في جميع الأرض وفي كل العصور أحوالَ الهلال، فوجدوه لا يتأخر عن ذلك التقدير من الأيام. وتحقق ذلك لديهم واشتهر، فصار قطعيًّا، وهذا لا خلافَ فيه بين الأئمة.
وثالثها: دلالة الحساب الذي يضبطه المنجمون، أعني العالمين بسير النجوم علمًا لا يتطرق قواعده الشك، وحسابًا تحققت سلامتُه من الغلط، وذلك هو ما يسمى بالتقويم. فإذا ضبط الحسابُ وقتَ وجود الهلال باليوم والساعة، حصل لا محالةَ العلمُ بهذا الشهر القمري؛ إذ جُرِّب التقويم في حساب السنة الشمسية عند الأمم قديمًا وحديثًا في القرون العديدة فلم يُعثر له على غلط، واتبعه المسلمون في أوقات الصلوات وفي أوقات الإمساك والإفطار في رمضان، وجُرِّب عند العرب في حسابُ السنة القمرية كذلك. لكن منع فقهاءُ المذاهب الأربعة العملَ في إثبات الشهر الشرعي بحساب المنجِّمين وأهل التقاويم. (١)
стр. 807
وإن علمَ الناس بوجود الهلال لم يكن له طريقٌ في العصور الماضية سوى "الرؤية، فلذلك قال النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له". (١) وليس في لفظ الحديث صيغةُ قصر الصوم على حالة رؤية الهلال، فقياسُ حساب المنجِّمين على رؤية الهلال قياس جلي. (٢)
стр. 808
وإذا كانت الرؤيةُ بالعين وحدها لا تمكن بعد مضيِّ ساعاتٍ من تكوُّنِ الهلال وبعد خروجه من بقايا شعاع الشمس عند الغروب، كان حسابُ التقويم أولَى من الرؤية؛ لأن تأخر ظهور الهلال للأبصار بعد وجوده بساعات حالةٌ طردية لا أثرَ لها في اعتبار القياس، كما أن تفاوتَ الأعين في رؤيته لا عبرةَ به، فالتفاوت إذن وصفٌ طردي. (١)
وقد يتمكن ضعيفُ البصر من رؤية الهلال بوضع نظارات، فيرى الشيء الذي لم يره قبل وضع النظارات. والنظارات أيضًا متفاوتةٌ في تقريب المرئي، فشتان بين النظارات الاعتيادية التي اعتاد بها أهل الأبصار الضعيفة وبين الناظور المكبر المسمى "مرآة الهند"، بله الناظور المضخم الذي ترصد به النجوم المسمى "تليسكوب". فالتقويم طريقٌ علمي يُكسب الظنَّ القريب من القطع بثبوت الهلال.
وقد اعتبر الشرعُ التقويم في أوقات الصلاة، فلا وجهَ لترك قياس ثبوت شهر الصوم على وقت الصلاة، إذ لا فرقَ بينهما إلا بأوصاف طردية، وهي لا تؤثر في الإجراء الشرعي.
وحاول شهابُ الدين القرافي التفرقةَ بينهما في الفرق الثاني والمائة فلم يأت بطائل، وآل كلامُه إلى أن حديث: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" لا يشمل
стр. 809
العمل بالحساب. (١)
ويرد عليه أن الحديث ليس فيه صيغةُ حصرٍ كما قدمنا، فلا وجهَ لتعطيل قياس التقويم على الرؤية بجامع تحصيل الظن قياسًا جليًّا، فهذا يعضده قولُ مطرف بن عبد الله بن الشخير من فقهاء التابعين (٢) وقول ابن سريج (٣) من أئمة الشافعية ونسبه إلى الشافعي، كما في الإكمال لعياض. (٤) وقد صح أن النبي ﷺ قال: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا"، وأشار بيديه مطلقتَي الأصابع، ثم عاد وعقد أحد إبْهامَيْه في المرة الثالثة". (٥) فكان قوله "إنا أمة أمية. . .
стр. 810
إلخ" من قبيل الإيماء إلى علة قياس [حساب] (١) المنجِّمين المضبوط على رؤية الهلال بالبصر، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا.
ولنا في التعويل على منظار المرصد الفلكي في أشهر بلاد الإسلام، مثل البلاد المصرية، غنيةٌ باعتبار الحساب النجومي.
فعلى قضاة المسلمين والمفتين والقائمين مقامهم في الشؤون الدينية من علمائهم أن يرصدوا بأنفسهم أو بمن يثقون به ظهور الهلال بنظارت المراصد، والذي يثبت به عنده منهم ظهور الهلال بذلك يعلم به جميع بلاد الإسلام بواسطة الإذاعة الدولية.
القاعدة الثانية: يجب التنبيه إلَى أن الأشهر الشرعية القمرية تبتدئ بالليالي، فابتداءُ الشهر الشرعي يكون من وقت غروب الشمس. فغروبُ الشمس في آخر مساء يوم الخميس مثلًا يعتبر مبدأ ليلة الجمعة وهلم جرًّا، بحيث إذا طلع الفجر لا يعتبر الوقتُ الذي بعد طلوعه بمبدأ لليوم الشرعي. ولذلك إذا رُؤِيَ الهلالُ في جزء من أجزاء الليل في بلد إسلامي وجب الصومُ على أهل ذلك البلد، وكلُّ بلد هو في حالة ليل في تلك الساعة، وإذا رُؤِيَ عند طلوع الفجر أو عقب طلوع الفجر في بلد لم يجب على أهل ذلك البلد الصوم.
стр. 811
وكذا القول في الفطر سواء، وحكم تلك الحالة مشمولٌ لقول فقهاء المذاهب الأربعة: أنه إن رُؤِيَ الهلالُ نهارًا فهو لليلة القابلة بدون تفصيل. (١) وفي هذه الحالة يظهر اختلافٌ بين بعض المسلمين في الصوم أو الفطر، وفي إقامة صلاة العيدين، وذلك خطبٌ سهل.
القاعدة الثالثة: مسألة ما إذا خالف التقويم شهادةُ مَنْ يشهدون بأنهم رأوا الهلال: هل تكونُ مخالفتُهم التقويمَ موجبةً استبعادَ شهادتهم برؤيته فيجب ردُّها بالاستبعاد العادي؟
فهذا إنما يُتصور بالنسبة للشهادة برؤية الهلال بمجرد النظر. وقد ذكر فقهاء المالكية أن مخالفة التقويم للشهادة في غير شهادة رؤية الهلال الشرعي توجب ردَّ الشهادة، وأنه لا يجب ردُّ شهادة هلال الصوم وهلال الفطر. (٢) وللشافعية قولان، اختار السبكي قولَ رد شهادة الرؤية بتلك المخالفة. (٣) وكلام فقهاء الحنفية صريح، ولم أقف على قول الحنابلة. (٤)
والوجه الشرعي في نظري أنها تُرد بذلك للاستبعاد العادي؛ (٥) لأن الشهادة
стр. 812
تُرد لاستبعادها (كما في مختصر خليل (١)). وأصلُ ذلك قول النبي ﷺ : "لا يشهد حضري على بدوي". (٢) ولا شك أنه لو ادعى شاهدان أنهما رأيا الهلال في مكان غيم الغيمُ سماءه أن لا تقبل شهادتهما.
فأما ما يتعلق بإثبات شهر الحج، فقد ظنها كثيرٌ من الناس مسألة معقدة، ولكنها عند التأمل لا إشكال فيها؛ لأن رؤية هلال ذي الحجة بواسطة المرصد تعتبر بحالة مكة وما حولها. فإذا كان حالها ليلًا حينئذ، فهو ابتداء شهر ذي الحجة. وإذا كان حالها حينئذ بعد طلوع الفجر، فابتداء ذي الحجة في الليلة المقبلة؛ لأن أهلَ الحج كلهم يأتون مكة. والحج عبادةٌ يقوم بها الذين يحلون بمكة، فمبدأ تلك العبادة هو الشهر الذي كان مبدؤه بمكة، على نحو ما قررناه آنفًا من أن ابتداء الشهر الشرعي يُعتبر بالنسبة إلى الليل لا النهار.
стр. 813
ثبوت شهر رمضان بالهاتف أو المذياع (١)
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد، فقد كثر سؤالُ مَنْ سألني هل إذا ثبت دخول شهر رمضان بوجه الثبوت الشرعي في بلد وجاء الخبر بواسطة التلفون إلى بلد آخر في الإعلام بثبوته، هل يُعتبر الإخبارُ بالتلفون مثبتًا للشهر فيلزم أهلَ البلد المخبَرين (بفتح الباء) العملُ بذلك الخبر فيصومون، أو لا يُعتَدّ به فلا يلزمهم الصوم؟ وأنا نرى الناسَ يُخبر بعضهم بعضًا بواسطة التلفون في الأمور العادية، فيعتمدون تلك الأخبار ويبنون عليها أعمالًا كثيرة، فهل يبنون كذلك عليها أمورَ عبادتهم؟ وهل يحصل ثبوتُ رمضان إذا بلغ الخبرُ بثبوته بواسطة المذياع (التلفون) من بعض مراكز الإذاعة بالبلاد الإسلامية؟
والجواب أن هذه مسألة قد كثر فيها خوضُ الخائضين، وتخليط الناظرين، يخلطون بين مختلِف الأقوال ومختلف الصور والأحوال. وإنما الفتوى إجادةُ التنزيل، لا كثرة القال والقيل، وإن طرق ثبوت الأمور الشرعية في العبادة والمعاملة غيرُ طرق ثبوت الأمور العادية. فطريقُ ثبوت أوقات الصلوات أذانُ المؤذنين، وإخبار الموقتين، وطريقُ ثبوت طهارة الماء أو ضدها إخبارُ رجلٍ أو امرأة موصوف بالعدالة إن بيَّن الوجه، أو اتفق مع المخبرَ في المذهب. (٢)
стр. 814
وطريقُ ثبوت شهر الصوم أو الفطر الشهادةُ برؤية الهلال ليلةَ ثلاثين من الشهر السابق، إذا كان الرائي رجلين عدلين أو جماعةً مستفيضة، أو بإكمال الشهر السابق ثلاثين يومًا. (١) وطريقُ ثبوت الحقوق شهادةُ عدلين في غير المال، وشهادةُ عدلين أو عدلٍ وامرأتين فيما يرجع إلى المال. (٢) وطريقُ ثبوت العيوب إخبارُ مَنْ له معرفة به، وإن لَم يكن عدلًا. (٣)
وقد يحصل الاطمئنانُ لطريقٍ من طرق الثبوت العادية، ولا يجزئ ذلك الطريقُ في الأمور الشرعية؛ لأن الشريعة قد عيَّنَتْ لثبوت أسباب التكاليف طرقًا خاصة رعيًا لأهميتها، ولِمَا يترتب عليها من المصالح. فلا يجوز لنا أن نتعداها بقياسها على الأمور العادية، وهذا من مزالق الخطأ الذي تزل فيه أقدامُ كثيرٍ من الناس.
ثم إن لأئمة الفقه خلافًا في وجوه طريق ثبوت رمضان، والمشهورُ من مذهب مالك وعامة أصحابه عدا ابن الماجشون (٤) - وهو الذي نتقلده في الفتوى والذي عليه أهلُ تونس وإفريقيا الشمالية - أن طريقَ ثبوت رمضان من قبيل الشهادة. (٥) وهو
стр. 815
وإن كان فيه شائبةُ الرواية وشائبةُ الشهادة، فقد غلب عليه عند مالك شائبةُ الشهادة، لأدلة من السنة الصحيحة، كما بينه شهاب الدين القرافي في الفرق الأول. (١)
ومن مراعاة إجراء أمر المسلمين على انتظام في القطر الواحد أو في سائر الأقطار بقدر الإمكان، ومن اتقاء تعريض عباداتهم إلى ظهور ما يناقضها من تبين كذب الْمخبِر أو توهمه بقدر الإمكان فيما استنبطناه من تعليل قول مالك ﵀، ويترتب على كون طريق ثبوته من قبيل الشهادة أن لا يكون ثبوتُه بواسطة القضاة، وأن يكون ثبوتُه بواسطتهم شبيهًا بالحكم. فلذلك كان المشهورُ عمومَه لسائر
стр. 816
الآفاق إذا ثبت لدى أحد قضاة الأمصار الإسلامية، [فهو] بمنزلة الحكم الذي يرفع الخلاف. (١)
ولذلك أيضًا كان قابلًا لتعيين العمل فيه بأحد المذاهب، من قبل السلطان؛ لأنه بمنزلة تخصيص القضاء بمذهب - فإن القضاء يقبل التخصيص. ومن أجل ذلك، كان العملُ بالقطر التونسي في أمر الصوم والفطر على مذهب مالك، وكان الْمعيَّنُ لإجراء أعمال الرؤية وثبوت الشهور هو قاضي المالكية، مع وجود قاض حنفي بالحاضرة. وكان ثبوتُه عند القاضي المالكي موجِبًا للثبوت العام، بحيث يصوم الحنفي بثبوت الشهر عند القاضي المالكي برؤية عدلين الهلال، (٢) مع أن المذهب الحنفي يشترط في الغالب الشهادة المستفيضة. (٣)
стр. 817
فإذا تقرر هذا، فطريقُ ثبوت الشهر إذا لم يكن على كمال ما قبله هو رؤيةُ الْمكلَّفِ الهلال، أو إخبارُ رجلين عدلين برؤية هلاله ليلة ثلاثين أو بشهادة مستفيضة، وإن لم يكونوا معروفين بالعدالة. فإذا لم تحصل إحدى هاتين الشهادتين، لا يثبت الشهرُ الذي هو سببُ وجوبِ الصوم ثبوتًا شرعيًّا، بحيث تترتب عليه مشروعيةُ مسبَّبِه وهو الصوم.
ثمَّ إن ثبوتَ رمضان شرعًا نوعان: ثبوتٌ عام وهو الغالب، وثبوتٌ خاص وهو نادر. فأما الثبوتُ العام، فهو الثبوتُ عند قاضي البلد بوصف كونه قاضيًا. فذلك الثبوتُ يجب العملُ به على مَنْ في ولاية القاضي، فهذا معنى كونه ثبوتًا عامًّا. وأما الثبوتُ الخاص، فهو الثبوتُ عند شخص في خاصة نفسه، بحيث لا يتعداه إلى غيره إلا إلى أهله كما سيأتي. والمرادُ بالشخص ما يشمل القاضي في خاصة نفسه، لا بوصفه قاضيًا، إذا لم يبلغ طريقُ الثبوت لديه أن يكون طريقًا عامًّا بل خاصًّا.
فأما طريقُ الثبوت العام، فيحصل بثلاثة وجوه: [الأول: ] حصوله بشهادة عدلين أو جماعة مستفيضة عند القاضي برؤية الهلال. (١) الثاني: حصوله بخطاب قاضي بلد آخر إياه بثبوت رؤية هلال رمضان عنده، إذا توفرت في ذلك شروطُ خطاب القضاة. (٢) الثالث: حصولُه بنقل ناقل للقاضي أن الشهر ثبت في بلد آخر حضره الناقل. وهذان الوجهان الأخيران مبنيان على القول بأن ثبوته في موضع يعم سائر الأقطار، إذا نقل إلى قضاتها وهو المشهور، خلافًا لمن قال إن لكل قوم رؤيتهم. (٣)
стр. 818
فإن كان الناقلُ ناقلًا عن رؤية عدلين، فلا بد أن يكون الناقلُ عدلين أيضًا باتفاق علماء المذهب؛ لأنه من باب نقل الشهادة، ونقلُ الشهادة يشترط فيه ما يشترط في أصله المنقول. (١) فالشهادة في الأمور التي لا يُقبل فيها أقلُّ من عدلين لا يكون نقلُها إلا بعدلين، وثبوتُ رمضان من هذا النوع كما تقرر. وإن كان الناقلُ ناقلًا عن شهادة مستفيضة، فقد اختلف علماء المذهب (إذ ليست المسألة بمنصوصة في الأمهات).
فالذي ذهب إليه الشيخ أبو عمران الفاسي (٢) وابن رشد في المقدمات وخليل في التوضيح وبهرام (٣) في الشامل وابن فرحون في شرح مختصر ابن الحاجب وهو ظاهرُ مختصر خليل، أنه لا بد أن يكون الناقلُ للقاضي عن الشهادة المستفيضة عدلين. إلا إذا وجه القاضي من تلقائه عدلًا يستكشف له الخبرَ عن ثبوت الشهر في
стр. 819
بلد ما، فحينئذ يعمل القاضي بخبره ويثبت به الشهرُ ثبوتًا عامًّا - قاله ابن رشد في المقدمات؛ (١) لأن ذلك العدل حينئذ قائمٌ مقامَ القاضي في تلقِّي الثبوت عن شهادة البلد الآخر، فكان بمنزلة القاسم، والذي يوجهه بدلًا منه للتحليف. وكلُّ ذلك يكفي فيه العدلُ الواحد، فأخرجوه من حكم نقل الشهادة.
والتحقيق أن الاكتفاء بالواحد في توجيه القاضي عدلًا مِنْ قِبَلِه يستكشف له لا يختص بهذه الصورة، بل يجري في سائر الصور. وقال أحمد بن مُيَسِّر (٢): يُقبل العدلُ الواحد في النقل عن الشهادة المستفيضة، ويثبت به الشهرُ عند القاضي. واختاره الشيخ ابن أبي زيد وابن يونس والباجي، وجعلوه من باب الخبر لا من باب نقل الشهادة. (٣)
وإن كان الناقلُ نقلَ ثبوتَ الشهر عند قاضي بلد آخر، فحكمُه كحكم النقل عن الشهادة المستفيضة عند الفريقين من الفقهاء المذكورين آنفًا، عدا أبا الوليد الباجي فلم أر له فيه قولا.
وأما طريقُ الثبوت الخاص، فيحصل بالوجه الثالث من الوجوه الثلاثة المذكورة في طريق الثبوت العام. وإن الأقوال في صوره هي عينُ الأقوال التي
стр. 820
ذكرناها آنفًا، إلا أن ابن رشد يرجح في الثبوت الخاص الاكتفاءَ بالعدل الواحد، (١) فينضم في هذا إلى قول ابن ميسر وموافقيه.
وقد ظهر أن القولين في قبول نقل العدل الواحد عن الشهادة المستفيضة وعن الثبوت لدى قاضي بلد آخر كلاهما مشهور. والذي نتقلده ونفتي به أن أرجحَ القولين، الجاري على قواعد المذهب، هو قولُ أبي عمران وموافقيه مِن اشتراطِ كون الناقل عدلين في صور النقل كلها. أما بالنسبة للثبوت العام الذي هو الأهم عند الناس، فلأن الثبوت عند القاضي ضربٌ من الحكم كما تقدم. فطريقهُ الشهادة، وحكم النقل عن الشهادة كحكم الشهادة، وحكم النقل عن الثبوت عند القاضي كحكم نقل حكم القاضي، وحكم القاضي لا يثبت إلا بشاهدين. ولهذا اختار ابنُ رشد فيه قولَ من اشترط نقل العدلين؛ إذ قد استقر المذهبُ على اعتبار طريق الثبوت العام للشهر شهادة، وأن ثبوته العام حكم. (٢)
وأما بالنسبة للثبوت الخاص، فالقولان متقاربان من جهة النظر. ولكن الأرجح قولُ أبي عمران أيضًا؛ لأن النقلَ فيه نقلُ شهادة، فيجري على حكم الشهادة على الشهادة، ونقلُ الثبوت لدى القاضي نقلُ حكمٍ مع إلغاء الفارق بين الثبوت العام والثبوت الخاص. ألا ترى أن المذهبَ لم يفرق بينهما في صورة ما إذا رأى العدلُ الواحد الهلالَ وأخبر بذلك رجلًا أنه لا يثبت بخبره دخولُ رمضان عند المخبَر (بفتح الباء) ولا يصوم بخبره؟
стр. 821
فإذا تقرر هذا، فالإخبارُ بواسطة التلفون يلزم أن تعرضه على قاعدة ثبوت الشهر شرعًا، ولا تُجريه (١) على اعتبارات الناس في مخاطباتهم العادية. فإذا كان الإخبارُ بالتلفون واردًا إلى قاضي البلد الذي لم يُرَ فيه الهلالُ، فإن كان ذلك الْمخبِر (بالكسر) قاضيًا في بلد ثبت لديه الشهر، وكان الْمخبَرُ (بالفتح) قد تحقق صوتَه أو اصطلحا على علامةٍ بينهما لم يطلع عليها غيرُهما كما نفعله في تونس في علامة الرسائل البرقية المنبئة برؤية هلال رمضان، فذلك الخطابُ التلفوني يثبت به الشهرُ عند الْمخاطَب (بفتح الطاء). وهو من باب خطاب القضاة. والمصير إلى التخاطب بالرسائل البرقية (التلغراف) في ذلك أولَى، وأبعدُ عن الريبة. وكذلك إذا كان المخبِرُ (بالكسر) نائب القاضي المخبر، مثل إخبار قضاة الكور لقاضي الجماعة.
وإن كان المخبِر (بالكسر) غيرَ قاض ولا نائبًا عن المخبَر (بالفتح)، فيُشترط في قبوله لدى القاضي المخبَر (بالفتح) أن يكون خبرَ عدلين معروفين بالعدالة لدى القاضي المخبَر (بالفتح) يخبرانه بأن عدلين يعرفان عدالتَهما رأيا الهلال، أو أن جماعةً مستفيضة رأته، أو أنه ثبت لدى قاضي البلد الذي به المخبران. ويلزم أن يتحقق القاضي الْمخبَر (بالفتح) صوتَهما، وأن يكون إخبارُهما بصريح الشهادة بكونهما سَمِعَا من العدلين أو من المستفيضة أو من القاضي الذي ثبت لديه الشهر. (٢)
واعلم أنه كما يثبت الشهرُ عند القاضي وعند كل مَنْ له ولايةٌ تُخوله الإعلانَ بثبوت الشهر إذا تلقى الإعلامَ بذلك من القاضي أو نوابه مثل العمال ونوابهم في البلدان والبوادي على الطريقة التي يتلقون بها أوامرَ رؤسائهم في معتاد أشغالهم، كما يثبت عند عامة الناس بالعلامات الاصطلاحية المؤذنة بثبوت الشهر، مثل طلق
стр. 822
المدفع وإيقاد السرج بالمنارات وضرب الطبول ليلًا، فكلُّ ذلك يقوم مقامَ قول القاضي للناس أنه قد ثبت عندي دخول الشهر.
وأما إخبارُ الناس بعضهم بعضًا بواسطة التلفون بأنه قد ثبت الشهر، فيجري على ما قررناه في طرق الثبوت الخاص بعد تحقق صوت المخبِر أو المخبِرين (بالكسر) على الخلاف، وذلك الخبرُ يقصر حكمُه على الْمخبَر (بالفتح)، فيجب عليه العملُ به في خاصة نفسه ويأمر أهله به، فإن أبوا أن يعملوا به فقيل يُجبرهم، نقله عبد الحق عن ابن الماجشون. وقال ابن بشير: لا يجبرهم، ولا يشيع ذلك في الناس فيوقعهم في حيرة، ولو أشاعه في الناس لم يجب عليهم الصومُ بخبره، ولم يجزئهم إذا صاموا بخبره؛ لأن الثبوت العام لا يكون إلا من تلقاء قاضي البلد أو نوابه الموجهين من قبله أو المأمورين منه. (١)
وهذا مقامٌ يغلط فيه كثيرٌ من الكاتبين والناظرين والعاملين عند قصد العمل به، فيختلط عليهم حكمُ الثبوت العام بحكم الثبوت الخاص، وربما أفتوا السائلين بدون تثبت فغروهم. فينبغي التيقظُ والتثبت في ذلك، لئلا يصبح أمرُ المسلمين فوضى، ولئلا يتسور على الخطط الشرعية مَنْ ليس من أهلها. (٢)
стр. 823
وأما حكمُ ثبوت رمضان بواسطة المذياع (الراديو) من بعض مراكز الإذاعة في البلاد الإسلامية، فإن إذاعةَ الراديو الخبرَ بثبوت رمضان في بلد مركز الإذاعة لا يثبت به رمضان عند السامعين ثبوتًا شرعيًّا يترتب عليه وجوبُ الصوم، لكون المخبِر بذلك واحدًا ولا يُعرف حالُه في العدالة، ولا هو موجَّهٌ مِنْ طَرف قاضي البلد، ولا من طرف أميرها. فإذا سمعه الرجلُ في خاصة نفسه لا يجب عليه الصوم، وإذا سمعه القاضي لا يبني عليه ثبوتَ الشهر الثبوتَ العام. ومَنْ يصبح لأجله صائمًا، فلا اعتدادَ بصومه، وهو كصيام يوم الشك.
فإذا اصطلح قضاةُ أمصار الإسلام التي بها مراكزُ إذاعة على تنظيم الإخبار بثبوت الشهر لدى أحدهم بواسطة المذياع، فيلزم أن يعيِّن كلُّ واحد منهم رجلًا يُوجَّه من طرف القاضي للإخبار بأن الشهر ثبت عند القاضي، ويجعلوا علامةً لفظية يصطلحون عليها، لا يطلع عليها غيرُ القضاة المتخابرين، وتُجدَّدُ لكل شهر من أشهر العبادة.
فإذا نطق المخبِرُ الموجَّه من طرف القاضي في مركز الإذاعة بخبر ثبوت الشهر أردف خبرَه بالنطق بتلك العلامة، فيكون ذلك من قبيل خطاب القضاة، مثل معرفة الخط ومعرفة الختم والشكل. فحينئذٍ يثبت الشهرُ لدى القاضي المخاطَب (بالفتح)، وهو يعلم به أهلَ ولايته على الطرق المعتادة في الإعلام التي أشرنا إليها آنفًا.
أفتيت بذلك وأنا محمد الطاهر ابن عاشور
شيخ الإسلام المالكي بتونس
وحرر في ١٤ شعبان سنة ١٣٥٥ هـ و ٣٠ أكتوبر ١٩٣٦ م.
стр. 824
النسب [في الفقه الإسلامي] (١)
القسم الأول: معلومات تمهيدية
أهمية النسب في مباحثات الفقه:
١ - أحكام النسب من أهم مباحث الفقه؛ لأن الشريعة وجهت عنايتها إلى ضبط وتحديد أحواله وأحكامه، وتمييز صحيحه من باطله. فخلصته مما ألصقته به عوائد العرب في الجاهلية وعوائد الأمم الضالة، من تغيير لحقيقته بتشريعات وهمية زائفة مثل التبني والتآخي، ومثل الحلف والولاء المعطيين أحكام النسب من إرث، وعقل، وتبعة، ونحوها، وذادت عنه ما اصطُلح على إبطاله في الجاهلية من نحو الخُلع (بضم الخاء) (٢) وأصَّلت أصولًا لا تترك مسلكًا لما يلتبس على المسلمين فيه من مشتبهات عن قصد أو عن غلط مثل ما يسمى بالتنزيل.
وهذا المبحث - على أهميته ودقة أصوله - غيرُ مُعَنْونٍ له بعنوان خاصٍّ به شامل لأحكامه، ولكنه أشتاتٌ في فصول الدعاوى والبيانات والإقرارات. فله في
стр. 825
كتب الفقه الحنفي بابان فرعيان: باب ثبوت النسب، وباب دعوى النسب. وله في الفقه المالكي الاستلحاقُ التابع لباب الإقرار، وفي الفقه الشافعي باب دعوى النسب من كتاب الدعاوى والبينات، وعبر الغزالي في الوجيز بلفظ المستلحق ولفظ الاستلحاق دون العنوان به. (١)
اقتضاء الفطرة العناية بالنسب:
٢ - إن النسب آصرة متينة من أواصر البشر، ألهمهم الله تعالى العناية بها والدفاع عنها وتعزيزها، لحكمة إلهية تعلقت بها إرادتُه لبقاء النوع الإنساني. فبالنسب تكونت العائلة، ومن العائلات تكونت القبيلة فالأمة.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤]، أي فجعل البشر ذوي نسب وذوي صهر، فذوو النسب الأبناء والآباء والأمهات، وذوو الصهر أقرباء ذوي الأنساب. فذوو النسب المتولدون من زوجات الذكور، مثل بنت الابن فهي ذاتُ نسبٍ لأبيها وجدها ولأمها، وبنت البنت ذاتُ نسب لأبوي أمها وذات صهر لمن عداهما من أصولهما وفصولهما.
فشمل الصهرُ الأخوال؛ إذ هم ذوو صهر للآباء. وشمل الأخوة للأم؛ إذ هم ذوو صهر للآباء أيضًا. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]، فعَطَفَ "وجعلناكم شعوبًا" على جملة "خلقناكم" مشيرًا إلى أن تكوُّن الشعوب والقبائل ناشئٌ عن خَلق الذكر والأنثى. فالنسب منبثِقٌ عن قرارة السلالة التي تناسل منها الذكورُ والإناث.
ومصدرُ النسب الأمومة، فكان بذلك آصرةً فطرية؛ إذ لا يخلو أحد عن أبوين. وإلى النسب تنضوي أواصرُ القرابة بمراتبها الكثيرة، وأواصر المصاهرة
стр. 826
بفروعها وأفنانها. فلأجل ما أودع الله في الفطرة البشرية من قابلية التناسل، جعل في الفطرة داعيةَ التزاوج بين الذكر والأنثى، لينساق المرءُ إلى السبب ثم إلى المُسَبَّبِ بحكمة خفية. فنشأ عن ذلك بالتدرج نظامُ الزوجية والقرابة، ونشأت عوائدُ الأسر والعائلات. ولِمُراعاتها في النفوس حصلت سننُ البر، والصلة، وحماية الحقيقة (أي العائلة وأهل البيت والقبيلة الشامل لها)، فكانوا يقولون: فلان حامي الحقيقة. (١)
الأوهام التي علقت بالنسب:
٣ - ثم عَلِقت بآصرة النسب أوهامٌ من مبالغة أو زهادة، فأفسدت منها بعضَ ما كان صالِحًا في أصل الفطرة، فطرأت على الناس في مختلف العصور وتعاقب القرون أحداثٌ وأحوالٌ بين الأمم والقبائل جعلتْ من عدة أحوالٍ في النسب شكوكًا، وأخضعته لأهواء حتى صيّرت منه عبثًا ولعبًا.
فعالجتها الحكمةُ الإلهية بالإصلاح الديني بواسطة الرسل والأنبياء ومَنْ تبعهم من صالحي الحكماء، حتى أزاحت عنه ما ألصقه به أهلُ الجاهلية وغيرُهم من الذين امتلكتهم الأهواء والأوهام: خلطوا آصرةَ النسب بالأكاذيب والتدليس، فأرجعته شريعةُ الإسلام إلى المنهج الأقوم الذي فطره الله به. فلذلك لم تترك ثغرةً من الثُّغُرِ التي ينساب منها الباطلُ إليه إلا سدتها سدًّا محكمًا، وأوضحت ما تنقشع به ظلمةُ الباطل والشك.
стр. 827
فالنسب المعتبر شرعًا هو النسب الذي تُساوِقُ أحوالُه وأحكامُه الحقَّ الذي أراده الله لتكوين الأسرة. وقوانينُ حماية النسب في الشريعة تنضوي إلى أصل كلِّيٍّ من كليات الشريعة، وهو أصلُ حفظ الأنساب، أحد الكليات الضرورية الخمسة أو الستة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال. قيل: وحفظ العرض. (١) فيأتِي حفظُ النسب في المرتبة الرابعة متدرجًا تدرجًا طبيعيًا.
وجاء في كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" أن مقصد حفظ النسب هو انتسابُ النسل إلى أصله في نفس الأمر، وهو النسب الكامل شرعًا، وأن عده في الضروري ناظر لأهمية شأنه؛ إذ إن دخول الشك عليه يفيت الداعي النفسي الباعث على الذب عنه وحياطته والقيام عليه بما به بقاؤه. وأن حفظه عند التحقيق من قبيل الحاجي ولكنه شبيه بالضروري. (٢)
وإلى ذلك الأصل ترجع الأحكامُ الشرعية الحائمة حول حياطته من الانخرام والشك في واقعيته، مثل تشريع الزواجر على الاعتداء عليه، كحد الزنى وتعزير الاغتصاب. وشرع عدة الوفاة، وإيجاب الإشهاد على النكاح عند العقد أو قبل البناء (على الخلاف). وقد تقرر من قواعد الفقه أن الشارع متشوِّفٌ لِلَحاق النسب. (٣)
عناية الشريعة بحفظ النسب:
٤ - ولاعتناء الشريعة بحفظ النسب تكرر فيها الأمر بحفظه عن تطرُّق الشك إليه، والتحذير من ذرائع التهاون به، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ
стр. 828
فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب: ٤]. وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة حرام عليه"، (١) وقال: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فقد كفر"، (٢) وقال النبي ﷺ : "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامَكم" رواه الترمذي (٣) (واتفق أهلُ السنة على أن قوله: "فالجنة عليه حرام" وقوله: "فقد كفر" مؤَوَّل لقصد التغليظ). ولمراعاة هذا المقصد، اتفق فقهاء الأمصار على اعتبار الأحوال النادرة في إلحاق النسب، كما أشار إليه القرافي في الفرقين ١٧٥ و ٢٣٩. (٤)
واختلفوا فيما اشتدت ندرته، وقد توسع الحنفي في ذلك، كما في مسألة لحاق ولد المشرقي بالمغربية مع تعذر التقاء الزوجين، وكما في مسألة زوجة المجبوب إذا جاءت بولد بعد أن فرق القاضي بينهما بسنتين فما دونهما أن الولد يلحق بالزوج المجبوب. (٥)
стр. 829
وجعلت الشريعةُ أحكامَ بُطلان ما حاد عن قوانين الشريعة، مثل النسب الناشئ عن الزنَي، وعن الاستبضاع، وعن البغاء، وعن إلاطة البغايا أنسابَ ما يولد لهن بِمَنْ يرينه من الذين يغْشوْنَهن. (١)
стр. 830
القسم الثاني: معنى النسب لغة، وحقيقته الشرعية، وأنواعه
معنى النسب:
٥ - جرت عادةُ المؤلفين في كتبهم العلمية إذا تصدَّوْا إلى بيان معاني الألفاظ الاصطلاحية أن يبتدئوا بذكر معنى اللفظ في الاستعمال اللغوي حقيقةً أو مجازًا، السابق على نقله إلى المعنى الاصطلاحي.
وأصلُ لفظ النسب: مصدر نَسَب، أي: أخبر بأن أحدًا ابنٌ لأبٍ معين أو أم معينة، أي: مولودٌ من امرأة معينة في عصمة رجل معين أو في مِلكه. قال الراغب: "النسب والنسبة اشتراكٌ من جهة أحد الأبوين، وذلك ضربان: نسبٌ بالطول، كالاشتراك من الآباء والأبناء. ونسبٌ بالعَرْض، كالنسبة بين بني الإخوة وبني الأعمام". (١)
ولم يُعَرِّج الفقهاءُ على تحديد حقيقة النسب، ولعلهم غُنُوا بشهرة معناه في الاستعمال عن التكلف لتحديده. ولكن الصنيعَ العلمي - وخاصة فقه الأحكام - يوجب تحديدَه؛ لأن تحديد المعاني العلمية يُكسِبُ الناظرَ فيها والمتفقِّهَ في أحكامها كمالَ بصيرةٍ بما يجمع صورها وتفاريعها. والأحكام المنوطة بلفظ النسب كثيرة، كقول الفقهاء: مَنْ نفى رجلًا من نسبه وجب عليه حدُّ القذف. (٢)
стр. 831
حقيقة النسب:
٦ - حاول بعضُ الكاتبين تعريفَ النسب شرعًا بأنه " [حالةٌ] (١) حكمية إضافية بين شخص وآخر، من حيث إن الشخص انفصل عن رحم امرأة هي في عصمة زواج شرعي أو ملك صحيح ثابتين أو مشبِهين الثابت، للذي يكون الحَبَل من مائه (وهذا نسب المولود لأمه ولأبيه دون مانع شرعي يمنعه، كاللعان في الحرة والنفي في الأمة، فيدخل نسبُ المولود إلى أمه الملاعِنة بعد أدائها أيمان اللعان) أو بينه (أي الشخص) وبين كلِّ مَنْ علا في ولادة أحد الأبوين (الأجداد للآباء والأجداد للأمهات) أو بكونهما (أي الشخصين) مولودين من والدة واحدة (وهذا نسبُ الأخوين الشقيقين أو للأم)، أو بين شخصين والدتهما في عصمة شخص أو في ملك وليست في عصمة آخر بنكاح (وهذا في الأخوين الشقيقين واللذين للأب وأبناء الأعمام)، حاصلة تلك الحالة بثبوت شرعي أو بادعاءٍ لا يبطله الشرع (كالادعاء الباطل الذي يخالف أحكام الشريعة، أو تكذبه العادة، أو يكذبه مَنْ له حقٌّ في تكذيبه) ".
стр. 832
فقولنا (١): "حالة" جنس، أي: معنى وكيفيةٌ قائمة بذات. وقولنا: "حُكْمية" يُعنى به الحالةُ التقديرية، أي الاعتبارية، وهي التي يقدرها الإدراكُ ويعتبرها المعتبر، ولا تُدرَك بالحس. وذلك كالطهارة والقضاء، فهي ليست حسيةً كالسواد والبياض، ولا عقليةً كالعلم والقدرة.
وقولنا: "إضافية" معناه أن تلك الحالة لا يتعقلها الإدراكُ إلا بتعقِّل شيئين يتعلق مفهومُها بهما، مثل الأبوة بين الأب وابنه، والصداقة بين الصديقين.
وقولنا: "من حيث. . ." إلخ، أي إضافية من هذه الحيثية، لإخراج حالة أخرى بين شخصين من حيثية أخرى، مثل محبة الأم ابنَها والابنِ أمَّه.
وبقيةُ القيود ذُكرت لانطباق التعريف على المعرَّف، وهو النسب المعتدُّ به شرعًا، ومعاني القيود ظاهرة.
أصناف النسب وأسماؤها الجارية في كلام الفقهاء:
٧ - وأصناف النسب: صُلب، ورحم، وعصابة، وقُعْدُد، وقرابة. فالصلب النسبُ الذي بين الآباء والأبناء عَلَوْا أو سفلوا. والرحم أصله النسب بين الأبناء والأمهات كذلك، ويطبق على نسب ذوي الرحم، وهو النسب الذي بين أصول الأمهات وهم الأجداد والجدات للأم وإن علوا، وبين فصول الأمهات من الإخوة للأم وإن سفلوا وأطراف الأمهات من الأخوال والخالات وأبنائهم.
والقُعْدُد (بضم القاف وسكون العين وضم الدال) هو درجة القرب من الجد الأكبر من جهة الأب ما علا. (٢) يقال: فلان سواء مع فلان في القعدد من فلان، أي
стр. 833
في القرب من أدنَى جد. ويقال: فلان أقعَدُ من فلان، أي: أقرب منه إليه. (١) ويقولون: (٢) يرث الولاءَ الأقعدُ من عصبة الميت صاحب الولاء. (٣)
ويجري ذكر ذلك في أبواب كثيرة، كشهادة أحد بأنه عاصب لميت، فيجب أن يعرف الشهود قربه من الميت في الجد الذي يجتمع معه فيه ابنُ عم بدرجة أو درجتين. (٤) ويقول الفقهاء في عفو أولياء الدم: "عَفْوُ بعض أولياء الدم يُسْقِط القصاصَ ما لم يكن الذي عفا أبعدَ في القعدد". (٥) ويقولون في الميراث بالولاء: "إن الولاء للأقعد من عصبة الميت صاحب الولاء". (٦)
والقرابةُ: النسب الأعم، وهو الشامل لذوي الصلب وذوي الأرحام، ولو بعيدًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس: "لم يكن بطن من قريش إلا كان النبي ﷺ فيهم قرابة"، (٧) فلا شكَّ أن بعض تلك القرابة غير دُنْيَا.
стр. 834
القسم الثالث: طريقة ثبوت النسب
مصادر استنباطها:
٨ - قواعدُ ثبوت النسب قواعد كلية مستقرأة من أدلة الشريعة ومن مستَنْبَطَات أئمة الفقهاء بعضَ الأدلة من بعض. (١) وطرقُ إثباته بعضُها طرق تعمُّه وغيرَه من الحقوق مثل البينة، وشهادة السماع، والإقرار، وحكم القاضي، وبعضها يختص مثل الفراش، والاستلحاق. وقد أعمل أئمةُ الحنفي دليلَ الاستحسان في مسائل كثيرة من النسب، (٢) وخاصة في مسألة لحاق ولد المشرقي بالمغربية، (٣) ومسألة المرأة يتزوجها الرجل ويطلقها عقبَ العقد بلا مهلة مع تحقيق عدم إمكان الوطء وتلد طفلًا ستة أشهر من وقت العقد فيلحق به الولد. (٤)
وهي أحكام جاءت على خلاف القياس ولا نصَّ فيها، فأُجريت فيها القواعدُ الشرعية في أنظار الذين استنبطوها. وذلك الإجراء يندرج في الاستحسان عند مَنْ يفسر الاستحسان بما تندرج فيه تلك المسائل النادرة. ويخالفهم في ذلك مَنْ لا يعتبرون الاستحسانَ مثل الشافعية، أو مَنْ يفسرونه بما لا يسع تلك الصورَ مثل المالكية. وقد قال المَوَّاق: إن باب النسب أكثره محمولٌ على الاستحسان. (٥)
стр. 835
وقد تَحصَّل بالاستقراء أن طرقَ ثبوت النسب في المذهب الحنفي سبعة، وهي: الفراش، والحمل الحاصل في مدة تحقق الفراش، والبينة، والدعوة بدون بينة، وإقرار من إليه انتساب النسب (ويسمى الاستلحاق)، وحَوزُ النسب، والسماع. ويزاد عليها في المذاهب الأخرى القافة، وحكم القاضي. فيصير مجموع الطرق تسعة.
مبنى النسب:
٩ - " مبنى النسب على الخفاء". (١) في الفقه المالكي فروع يُستقرى منها ما يوافق هذه القاعدة، كقولهم في المعتدة إذا ولدت ولدًا دون أقصى أمد الحمل: يلحق بصاحب العدة ولا يضر إقرارُها بأن عدتها انقضت، قال التتائي: "لأن دلالة القرء على براءة الرحم أكثرية، ولأن الحامل قد تحيض". (يجوز أن تكون كلمة مبنى مصدرًا ميميًّا، وأن تكون اسم مكانٍ مجازيٍّ).
ومعناه أن نسب النسل إلى أصله يكثر فيه أن يخفى على أصله فلا يتفطن لحصوله، وتعتوره أحوالٌ كثيرة من شأنها الخفاءُ على مَنْ له في النسب حق أو عليه فيه حق؛ لأن العلوق الذي هو منشأ النسب لا تشعر به المرأة التي حصل فيها، فضلًا عن تحديد وقت حصوله وضبط المدة التي تمضي عليه.
ومن أسباب خفائه أن أحكام الشريعة فيه دقيقة؛ لأن الحكم الواحد منها تتجاذبه أدلة متعارضة، يحتاج المجتهد إلى الجمع بينها أو ترجيح بعضها على بعض.
ومن أسباب خفائه تعددُ أصحاب الحق فيه من الأبوين وأصولهما، ومن القرابة، زيادةً على حق الله تعالى. "فلذلك يعفى فيه عن تناقض الدعوى، ويعذر فيه بالجهل". (٢) في المالكي موافقة؛ لأن الأصل أن الجهل عذر، لذلك كانت المسائل
стр. 836
التي لا يُعْذَرُ فيها بالجهل محصورة في تسع وثلاثين نظمها الشيخ بَهْرامُ الدميري. (١) وزدتُ عليها عشرًا.
الطريق الأول: الفراش:
١٠ - الفراش مرجع ثبوت النسب الشرعي؛ (٢) لأن النسب يتسلسل من الولادة إذ بها تثبت بنوة المولود للتي ولدته، وتلك البنوة تثبت للرجل الذي اختص بتلك الوالدة بموجب عقد نكاح أو بملكية رق شرعيين سابقين قبل علوق الحمل الذي نشأ عنه ذلك المولود، أو أقرهما الشرعُ بعد الوقوع والنزول على بنوّته، فذلك الاختصاصُ يُسَمَّى فراشًا، أُطلِق عليه ذلك الاسم على طريق الكناية عن اختصاص خاص للرجل بالمرأة، ذلك لأن شأن المضاجعة الشرعية أن تكون في الفراش.
والفراش اسم لما يُفترش ليُنام عليه؛ لأن المضاجعة في الفراش شأنُها أن تكون بتمكن واطمئنان، إذ لا يَخشى المتضاجعان من جرائها اعتداءً عليهما مِمَّنْ لا يرضى بذلك، ولا شيوعَ القالة عليهما ولا الإنكار. ثم شاع لفظُ الفراش في غير معناه الكنائي، فصار في العلاقة الشرعية التي تربط بين الرجل والمرأة. (٣) وجاء إطلاقُه كذلك في قول النبي ﷺ : "الولد للفراش"، (٤) وهو مرويٌّ عن النبي ﷺ بالاستفاضة، رواه عنه بضعةٌ وعشرون من أصحابه ﵃، (٥) وهو في قصة تخاصم عبد بن زمعة مع سعد بن أبي وقاص في إلحاق ابن وليدة زمعة (واسمه عبد الرحمن) بزمعة بن قيس العامري من قريش، (٦) قضى النبي ﷺ بإلحاقه بزمعة قال: "هو لك يا
стр. 837
عبدُ بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر". (١)
١١ - قال العيني من الحنفية: "قال أصحابُنا: الفراشُ كنايةٌ عن الزوج. ويقال الفراش وإن كان يقع على الزوج فإنه يقع على الزوجة أيضًا؛ لأن كلَّ واحد منهما فراشٌ لصاحبه". (٢) فقول النبي ﷺ : "الولد للفراش"، أي: للزوج، واللام للاختصاص.
١٢ - تصير الزوجة فراشًا بمجرد العقد، ولا يُشترط إمكانُ الوطء. في المالكي الفراش زوجةُ الرجل وأمته الموطوءة منه ببينة أو بإقراره بوطئها. (٣) وقال عياض في إكمال المعلم: "قيل إن إطلاق الفراش على الزوج لا يُعلم في اللغة" (٤) (يعني أن الفراش الزوجة، أو السُّرِّيَّة). وعليه يتعين تقديرُ مضاف، أي لذي الزوجة أو ذي الأمة السرية.
وقال الراغب: "وكُنِّي بالفراش عن كل واحد من الزوجين"، (٥) أي زوج الحرة ومالك الأمة قياسًا على الحرة. وهذا الأظهر؛ لأن الفراش حالة إضافية بين الرجل والمرأة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقد قضى ابن الخطاب بأن الأمة تصير فراشًا لمالكها بثبوت وطئه إياها، أو بإقراره
стр. 838
بأنه وطئها. (١) ولا تكون الأَمَةُ فراشًا بمجرد الملك دون الوطء. (٢)
في الشافعي موافق المالكي، (٣) وفي الحنبلي موافقهما. (٤)
١٣ - تكون الأَمَةُ أمُّ الولد فراشًا، وأُطلق عليها اسم الفراش (تسامُحًا)، وتوصف بفراش غير قوي. (٥)
١٤ - الحنفية: الفراش أربع مراتب: أقوى، وقوي، ومتوسط، وضعيف. فالأقوى هو فراش المعتدَّة من طلاق بائن. وُصف بأقوى؛ لأنه يثبت به النسب، ولأن الولد فيه لا ينتفي عن أبيه، إذ نفيُ نسبه لا يكون إلا بلعان، واللعان لا يتأتَّى؛ لأن شرط اللعان قيام الزوجية. والقويُّ فراشُ الزوجة المعتدة من طلاق رجعي؛ فإن فيه ثبوتَ النسب، وينتفي باللعان.
والمتوسط فراشُ أمِّ الولد؛ لأنه يثبت فيه النسب بدون ادعاء، ولكنه ينتفي عنه بنفي السيد أن الولد منه. والضعيف فراشُ الأمة (غير أمِّ الولد)؛ لأنه لا يثبت النسب فيه إلا بادعاء السيد. (٦) هذا مجرد اصطلاح للحنفية، ولا ينبني عليه خلافٌ في الأحكام.
стр. 839
في المالكي: تصير الأمة فراشًا بوطء مالكها إياها ببينة أو إقراره، ولو لم تلد. (١) في الشافعي موافق المالكي. (٢) في الحنبلي موافقهما. (٣) وجعله في "الدرر" ثلاثَ مراتب: قوي وضعيف ووسط. فالقوي فراش الزوجة، والضعيف فراش الأمة، والمتوسط فراش أم الولد. (٤)
١٥ - لا تكون الأمة فراشًا بمجرد الملك حتى تلد ولدًا من مالكها، ويعترف به مالكها، فيما تأتي به بعد ذلك الولد من أولاد ملحقون به. (٥) في المالكي يشترط مع الفراش بعقد الزواج أو بثبوت الملك إمكان الوطء، فإن لم يمكن الوطء لم يلحق الولد بالرجل. (٦) وقد تقدم في أول القسم الثالث من هذا المبحث أن قولَ أبي في هذا المسألة مستنِدٌ إلى الاستحسان الذي لا يعتبره جمهورُ الأئمة.
ووجه الاستحسان أن الشرع يتشوَّفُ لإثبات النسب؛ فإن إلحاقه ولدًا لغير أبيه أقلُّ ضررًا من قطع نسبه، على أن الشرع أعطى له فرصةَ نفي النسب عند علمه بالولادة.
في الشافعي والحنبلي: موافق المالكي (ونستدل لهم بأن القطع بفوات المقصد الشرعي يصرف هذه الحالة عن مسلك المناسبة والإخالة الذي هو من مسالك العلة، والذي هو وصف ظاهر منضبط يحصل عقلًا من ترتيب الحكم على ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة).
стр. 840
فإن كان الوصف خفيًّا أو غير منضبط، فهو المظنة، وهي أضعف. فأما إن فات مقصدُ الشارع قطعًا، فهو غيرُ معتبَرٍ إلا عند الحنفية، خلافًا لغيرهم. وليس قولُ الحنفية مستندًا لنص حتى يمكن ادعاءُ أنه حكم تعبدي، كاستبراء جارية اشتراها بائعها في مجلس واحد بحيث لم يغب بها. ويستثنى من ذلك أمةُ المعتوه والمجنون، فولداهما لاحقان بِمَنْ يملكها لتعذر الدعوة منهما. (١)
١٦ - لا يُشترط في ثبوت الفراش للحرة ولا للأمة إمكانُ الوطء، فلو عقد مشرقيٌّ على مغربية أو بالعكس، أو ملك أمةً مستوفاة كونَها أمَّ ولد، وبقي كلٌّ من الزوجين في وطنه ثم أتت المرأة بولد لستة أشهر أو أكثر من العقد، لحق الولدُ بالزوج، وكذلك إن أتت الأمة المتحقق كونُها فراشًا بولد من وقت تحقق كونها فراشًا. (٢)
ودليلُ هذا الاستحسان، لأن النسب يُحتال لإثباته، فيكتفى فيه بالإمكان العقلي، وهو احتمالُ أن يصل إليها الزوجُ أو السيد بطريقة ما. ولهذا خالف هذا الحكمُ حكمَ مَنِ ادعت أنها ولدت ممن عقد عليها أو ملكها منذ أقل من ستة أشهر. (٣)
أقول: هذه اشتهرت عن الحنفية بمسألة لحاق نسب ابن المغربية بالمشرقي، وجعلها علماء أصول الفقه مثالًا لصورة التعليل بالوصف المقطوع بخلوه عن المقصد الشرعي، فلم يعتبره إلا الحنفية. (٤) الفراش حوز النسب، وبه تثبت بنوة المولود لأمه، ويتعين شخص الولد بشهادة القابلة. (٥)
стр. 841
مَنْ غاب عن زوجته فبلغها موته أو طلاقه، فظنت وقوع ذلك واعتدت وتزوجت بآخر وولدت أولادًا، ثم تبين خلافُ ما بلغها وكانت قد ولدت أولادًا، فالأولاد للثاني. (١)
الثاني: الحمل:
١٧ - الحمل منشأ النسب، فكان حريًّا بضبط أحواله الشرعية للاعتداد به (٢) (مبدأً ونهاية). فأقلُّ مدة الحمل بالجنين ستةُ أشهر، وأقصى مدة بقائه في بطن أمه سنتان، (٣) وهذا مذهبُ الحنفية. لا خلاف بين علماء الإسلام في أن أقل مدة الحمل ستةُ أشهر، للإجماع على ذلك.
وأما أقصى مدة الحمل ففيها اختلافٌ كثير؛ ففي المالكي أقصى أمد الحمل خمسُ سنين، (٤) وبه القضاء. (٥) وفي الشافعي أكثرُ مدة الحمل أربعُ سنين، (٦) وفي الحنبلي مثلُ الشافعي. (٧) ولا دليلَ لواحد من هذه المذاهب من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس.
واحتج الحنفيةُ بقول عائشة المرويِّ في سنن الدارقطني وسنن البيهقي، (٨) فهو أمثلُ ما رُوِيَ في هذا الباب، وهو قولُ صاحبيه.
стр. 842
دليلُ أقل مدة الحمل الإجماع: رُوي أن امرأة تزوجت فولدت لستة أشهر من يوم تزوجت، فأُتِيَ بها عثمانَ ﵁، فأراد أن يرجمها أو أمر برجمها، وسأل الناسَ فقال له علي ﵁: "إن تُخاصِمْكم بكتاب الله تَخْصُمْكم، قال تعالى : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. فالحملُ ستةُ أشهر، والفصالُ أربعة وعشرون شهرًا". وفي رواية أن عثمان سألَ الناس، فقال له ابن عباس ما ذُكر آنفًا، وأن عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس، وخلَّى سبيلَ المرأة. (١)
وقد انعقد الإجماعُ على أن أقل مدة الحمل ستةُ أشهر. (٢) وأما أقصى مدةِ الحمل عند الحنفية، فلِمَا رواه الدارقطني والبيهقي في سننهما أن عائشة ﵂ قالت: "ما تزيد في الحمل سنتين قَدْرَ ما يتحول ظل عود المغزل". (ظلُّ المغزل مَثَلٌ للقلة؛ لأنه في حال الدوران أسرعُ زوالًا من سائر الظلال). (٣)
(وتظهر فائدة هذه المسألة في لحاق الولد المحمول به من زوجة أو من سُرِّيَّة إذا ولد لأقل من أدنى مدة الحمل. وفي إبطال دعوى المعتدة الحامل أن حملها مستمر إذا تجاوزت مدةُ حملها أقصى أمد الحمل من وقت تحققه) (٤)
стр. 843
١٨ - لا بد في إثبات لحاق نسب المولود من أن تلده المرأة بعد مضيِّ أقلِّ مدة الحمل منذ وقتِ العقد على الزوجة (أي وقت حصول الملك على الأمة). (١) هذا الحكم مجمع عليه. (٢)
١٩ - يثبت نسبُ الولد تلده زوجةٌ معتدة بحيضٍ أو بأشهر في طلاق رجعي، وإن ولدته لأكثر من سنتين من يوم المفارقة (٣) ولو لعشرين سنة فأكثر، لاحتمال أن تكون طهرت في أثناء العدة وعلقت بحمل بعد طهر، وأن تكون ظنت نفسَها آيسةً واعتدت بالأشهر، فظهر أنها غير آيسة (أي وإنما تأخر حيضُها عدة أشهر فظنت نفسها آيسة، وهذا يحصل كثيرًا للمرأة إذا قاربت إبان الإياس) وعلقت بحبل بعد أن حاضت. ويعتبر حملُها مراجعةً من زوجها؛ لأنه اعتبر بمنزلة وطئه إياها - إلا إذا أقرت بمُضِيِّ عدتها في مدة تحتمل ذلك، فالعمل على إقرارها - ويعتبر حملُها مراجعة. (٤) أي لأن المطلقة الرجعية لها حكمُ الزوجة فحملها في مدة المدة يُحمل على الحلال - لانتفاء الزِّنَى عن المسلم ظاهرًا - فيحمل على أن مفارقها قاربها فيكون الحمل منه. (٥) فهذه المرأة معتبرة فراشًا لمفارقها ما لم ينفه مفارقها بلعان، وإن تناكرا في أنها ولدت المولود فعليها البينة. (٦)
في المالكي إن أتت المعتدةُ بولد بعد العدة لدون أقصى أمد الحمل - وهو خمس سنين على المشهور - لحق بالمطلِّق إلا أن ينفيَه بلعان، ولا يضرها لو كانت أقرتْ بأن عدتها انقضت (إن كانت معتدة بالأقراء)؛ لأن دلالةَ القرء على براءة
стр. 844
الرحم أكثرية، ولأن الحامل قد تحيض. ولو تزوجت قبل الخمس سنين بأربعة أشهر فولدت لخمسة أشهر من نكاح الثاني، لم يلحق الولدُ بواحد منهما. (١)
٢٠ - الزوجة المطلقة بتاتًا، حرة كانت أو أمة، إذا جاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الطلاق يثبت نسبه إذ لا يجوز أن تكون المرأة علقت به قُبيل صدور الطلاق (لأن المبتوتة لا يُقدم مطلِّقُها على قربانها، ولا هي تمكنه من نفسها حملًا للمسلمين على صلاح الديانة).
في المالكي موافقة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فجَعلَهن مؤتمَناتٍ على ما في أرحامهن، إلا إذا ادعت المرأة دعوى مستبعدة. (٢) وفي الشافعي مثلُ المالكي، (٣) وفي الحنبلي مثلُه. (٤)
وقيل يثبت لتصوره العلوق في حين صدور الطلاق، وصوبه صاحبُ الجواهر إلا إذا ادعاه المطلق فيلحق به؛ لأن دَعوته شبهةُ عقد لإمكان أن يكون قاربَها في العدة ظنًّا منه بأنها كالرجعية، ولو لم تصدقه المرأة في أنه منه. وحمل الخلاف على اختلاف الرواية. (٥)
٢١ - المطلقة إذا لم تكن بالغةً بل كانت مراهقة (أي مقاربة البلوغ) - وأقلُّ ذلك أن تكون بنتَ تسع سنين فأكثر (ولم تظهر بها علامةُ البلوغ) - يثبت نسب الولد الذي تلده لمدة أقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق، سواء كان الطلاق رجعيًّا أم بائنًا؛ لأن عدتها ثلاثة أشهر وأقل مدة الحمل ستة أشهر، فمجموع ذلك تسعة أشهر. فإن ولدته لأكثر من تسعة أشهر، لم يثبت نسبه لكون الحمل حصل بعد
стр. 845
العدة. (١) هذا، وإن اختلف الزوجُ والزوجة في مدة الحمل بعد الولادة، فادعت الأكثرَ وادعى الأقل، فالقولُ للزوجة بلا يمين. (٢)
٢٢ - لو باع المالك أمةً فولدت لأقل من ستة أشهر منذ بيعت فادعى هذا البائع أن المولود ابنه، يثبت نسبُه إليه (فيفسخ البيع ويرد الثمن؛ لأن أم الولد لا تباع).
لكن إن ادعى مشتري الأَمَة أن المولود ابنُه قبل أن يدعيَه البائع، ثبت نسبُ المولود لمشتري أُمِّه، لوجودِ ملكه لها وكونها أمَّ ولده بإقراره. ولا يلحق الولد بالبائع؛ لأنه قد استقر لحاقُه بمشتري الأمَة الذي ادعاه (أي فيرجح قولُ المشتري؛ لأنه معضودٌ بالسبق وبالحوز، ولأن بيع البائع إياها يقتضي إقرارًا بأنها ليست أم ولد.
وأما كونُ الولادة لأقل من ستة أشهر منذ اشتراها هذا المشتري، فذلك من إعمال دليل الإمكان، لاحتمال أنه وطئ الأمة قبل أن يشتريَها، وأنه إنما اشتراها لذلك السبب. وإن كان بيعُه إياها يقتضي بطريق الاستلزام أنه مقِرٌّ بأنها ليست أمَّ ولده؛ لأن الشأن أن أمَّ الولد لا تُباع، وذلك الاقتضاءُ يناقض ادعاءه أنه ابنُه، لكن اغتُفِر له هذا التناقضُ استحسانًا على خلاف القياس. فلو تداعياه في وقت واحد، رجَح ادعاءُ البائع أن ادعاءه دِعوةُ استيلاد وادعاء المشتري دِعوةُ تحرير، ودِعوة الاستيلاد أوْلَى من دِعوة التحرير. (٣)
في المالكي: أما الصورة الأولى فالمالكي موافقها، وأما صورة تداعي بائع الأمة ومشتريها فقواعد المذهب المالكي تخالفها، وقد يشملها قولُ خليل: "وإلا لحق به". (٤)