← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

مَنْ غاب عن زوجته فبلغها موته أو طلاقه، فظنت وقوع ذلك واعتدت وتزوجت بآخر وولدت أولادًا، ثم تبين خلافُ ما بلغها وكانت قد ولدت أولادًا، فالأولاد للثاني. (١) الثاني: الحمل: ١٧ - الحمل منشأ النسب، فكان حريًّا بضبط أحواله الشرعية للاعتداد به (٢) (مبدأً ونهاية). فأقلُّ مدة الحمل بالجنين ستةُ أشهر، وأقصى مدة بقائه في بطن أمه سنتان، (٣) وهذا مذهبُ الحنفية. لا خلاف بين علماء الإسلام في أن أقل مدة الحمل ستةُ أشهر، للإجماع على ذلك. وأما أقصى مدة الحمل ففيها اختلافٌ كثير؛ ففي المالكي أقصى أمد الحمل خمسُ سنين، (٤) وبه القضاء. (٥) وفي الشافعي أكثرُ مدة الحمل أربعُ سنين، (٦) وفي الحنبلي مثلُ الشافعي. (٧) ولا دليلَ لواحد من هذه المذاهب من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس. واحتج الحنفيةُ بقول عائشة المرويِّ في سنن الدارقطني وسنن البيهقي، (٨) فهو أمثلُ ما رُوِيَ في هذا الباب، وهو قولُ صاحبيه.

стр. 842

دليلُ أقل مدة الحمل الإجماع: رُوي أن امرأة تزوجت فولدت لستة أشهر من يوم تزوجت، فأُتِيَ بها عثمانَ ﵁، فأراد أن يرجمها أو أمر برجمها، وسأل الناسَ فقال له علي ﵁: "إن تُخاصِمْكم بكتاب الله تَخْصُمْكم، قال تعالى : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. فالحملُ ستةُ أشهر، والفصالُ أربعة وعشرون شهرًا". وفي رواية أن عثمان سألَ الناس، فقال له ابن عباس ما ذُكر آنفًا، وأن عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس، وخلَّى سبيلَ المرأة. (١) وقد انعقد الإجماعُ على أن أقل مدة الحمل ستةُ أشهر. (٢) وأما أقصى مدةِ الحمل عند الحنفية، فلِمَا رواه الدارقطني والبيهقي في سننهما أن عائشة ﵂ قالت: "ما تزيد في الحمل سنتين قَدْرَ ما يتحول ظل عود المغزل". (ظلُّ المغزل مَثَلٌ للقلة؛ لأنه في حال الدوران أسرعُ زوالًا من سائر الظلال). (٣) (وتظهر فائدة هذه المسألة في لحاق الولد المحمول به من زوجة أو من سُرِّيَّة إذا ولد لأقل من أدنى مدة الحمل. وفي إبطال دعوى المعتدة الحامل أن حملها مستمر إذا تجاوزت مدةُ حملها أقصى أمد الحمل من وقت تحققه) (٤)

стр. 843

١٨ - لا بد في إثبات لحاق نسب المولود من أن تلده المرأة بعد مضيِّ أقلِّ مدة الحمل منذ وقتِ العقد على الزوجة (أي وقت حصول الملك على الأمة). (١) هذا الحكم مجمع عليه. (٢) ١٩ - يثبت نسبُ الولد تلده زوجةٌ معتدة بحيضٍ أو بأشهر في طلاق رجعي، وإن ولدته لأكثر من سنتين من يوم المفارقة (٣) ولو لعشرين سنة فأكثر، لاحتمال أن تكون طهرت في أثناء العدة وعلقت بحمل بعد طهر، وأن تكون ظنت نفسَها آيسةً واعتدت بالأشهر، فظهر أنها غير آيسة (أي وإنما تأخر حيضُها عدة أشهر فظنت نفسها آيسة، وهذا يحصل كثيرًا للمرأة إذا قاربت إبان الإياس) وعلقت بحبل بعد أن حاضت. ويعتبر حملُها مراجعةً من زوجها؛ لأنه اعتبر بمنزلة وطئه إياها - إلا إذا أقرت بمُضِيِّ عدتها في مدة تحتمل ذلك، فالعمل على إقرارها - ويعتبر حملُها مراجعة. (٤) أي لأن المطلقة الرجعية لها حكمُ الزوجة فحملها في مدة المدة يُحمل على الحلال - لانتفاء الزِّنَى عن المسلم ظاهرًا - فيحمل على أن مفارقها قاربها فيكون الحمل منه. (٥) فهذه المرأة معتبرة فراشًا لمفارقها ما لم ينفه مفارقها بلعان، وإن تناكرا في أنها ولدت المولود فعليها البينة. (٦) في المالكي إن أتت المعتدةُ بولد بعد العدة لدون أقصى أمد الحمل - وهو خمس سنين على المشهور - لحق بالمطلِّق إلا أن ينفيَه بلعان، ولا يضرها لو كانت أقرتْ بأن عدتها انقضت (إن كانت معتدة بالأقراء)؛ لأن دلالةَ القرء على براءة

стр. 844

الرحم أكثرية، ولأن الحامل قد تحيض. ولو تزوجت قبل الخمس سنين بأربعة أشهر فولدت لخمسة أشهر من نكاح الثاني، لم يلحق الولدُ بواحد منهما. (١) ٢٠ - الزوجة المطلقة بتاتًا، حرة كانت أو أمة، إذا جاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الطلاق يثبت نسبه إذ لا يجوز أن تكون المرأة علقت به قُبيل صدور الطلاق (لأن المبتوتة لا يُقدم مطلِّقُها على قربانها، ولا هي تمكنه من نفسها حملًا للمسلمين على صلاح الديانة). في المالكي موافقة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فجَعلَهن مؤتمَناتٍ على ما في أرحامهن، إلا إذا ادعت المرأة دعوى مستبعدة. (٢) وفي الشافعي مثلُ المالكي، (٣) وفي الحنبلي مثلُه. (٤) وقيل يثبت لتصوره العلوق في حين صدور الطلاق، وصوبه صاحبُ الجواهر إلا إذا ادعاه المطلق فيلحق به؛ لأن دَعوته شبهةُ عقد لإمكان أن يكون قاربَها في العدة ظنًّا منه بأنها كالرجعية، ولو لم تصدقه المرأة في أنه منه. وحمل الخلاف على اختلاف الرواية. (٥) ٢١ - المطلقة إذا لم تكن بالغةً بل كانت مراهقة (أي مقاربة البلوغ) - وأقلُّ ذلك أن تكون بنتَ تسع سنين فأكثر (ولم تظهر بها علامةُ البلوغ) - يثبت نسب الولد الذي تلده لمدة أقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق، سواء كان الطلاق رجعيًّا أم بائنًا؛ لأن عدتها ثلاثة أشهر وأقل مدة الحمل ستة أشهر، فمجموع ذلك تسعة أشهر. فإن ولدته لأكثر من تسعة أشهر، لم يثبت نسبه لكون الحمل حصل بعد

стр. 845

العدة. (١) هذا، وإن اختلف الزوجُ والزوجة في مدة الحمل بعد الولادة، فادعت الأكثرَ وادعى الأقل، فالقولُ للزوجة بلا يمين. (٢) ٢٢ - لو باع المالك أمةً فولدت لأقل من ستة أشهر منذ بيعت فادعى هذا البائع أن المولود ابنه، يثبت نسبُه إليه (فيفسخ البيع ويرد الثمن؛ لأن أم الولد لا تباع). لكن إن ادعى مشتري الأَمَة أن المولود ابنُه قبل أن يدعيَه البائع، ثبت نسبُ المولود لمشتري أُمِّه، لوجودِ ملكه لها وكونها أمَّ ولده بإقراره. ولا يلحق الولد بالبائع؛ لأنه قد استقر لحاقُه بمشتري الأمَة الذي ادعاه (أي فيرجح قولُ المشتري؛ لأنه معضودٌ بالسبق وبالحوز، ولأن بيع البائع إياها يقتضي إقرارًا بأنها ليست أم ولد. وأما كونُ الولادة لأقل من ستة أشهر منذ اشتراها هذا المشتري، فذلك من إعمال دليل الإمكان، لاحتمال أنه وطئ الأمة قبل أن يشتريَها، وأنه إنما اشتراها لذلك السبب. وإن كان بيعُه إياها يقتضي بطريق الاستلزام أنه مقِرٌّ بأنها ليست أمَّ ولده؛ لأن الشأن أن أمَّ الولد لا تُباع، وذلك الاقتضاءُ يناقض ادعاءه أنه ابنُه، لكن اغتُفِر له هذا التناقضُ استحسانًا على خلاف القياس. فلو تداعياه في وقت واحد، رجَح ادعاءُ البائع أن ادعاءه دِعوةُ استيلاد وادعاء المشتري دِعوةُ تحرير، ودِعوة الاستيلاد أوْلَى من دِعوة التحرير. (٣) في المالكي: أما الصورة الأولى فالمالكي موافقها، وأما صورة تداعي بائع الأمة ومشتريها فقواعد المذهب المالكي تخالفها، وقد يشملها قولُ خليل: "وإلا لحق به". (٤)

стр. 846

وفي الشافعي، قال صاحب الدرر الحنفي: (١) "قال الشافعي: لا يثبت النسب للبائع المدعي؛ لأن بيعه إقرارٌ بأنها أَمَةٌ (أي ليست أم ولد)، فبالدِّعوة صار متناقضًا ما لم يصدقه المشتري (أي فسقطت الدعوى بالتناقض). الطريق الثالث: البينة: ٢٣ - اتفقوا على أن النسب لا يثبت بشهادة عدل واحد ويمين، (٢) ولا بشهادة امرأتين ويمين. (٣) واختلفوا في ثبوت النسب بشهادة عدل وامرأتين: فأكثر الأئمة على أنه لا يثبت بشهادة عدل وامرأتين. وقال أبو حنيفة يثبت بشهادة عدل وامرأتين؛ لأن أصله أن شهادة عدل وامرأتين تُقبل فيما عدا الحدود من الحقوق. (٤) يثبت النسبُ بشهادة عدلين ذكرين وبشهادة رجل وامرأتين عدول، (٥) هذا عند الحنفية والحنابلة. وفي المالكي لا يثبت النسب بشهادة رجل وامرأتين؛ إذ لا تُقبل شهادةُ عدل وامرأتين إلا في الأموال. (٦) وفي الشافعي مثلُه. (٧) الطريق الرابع: الدعوة: ٢٤ - الدِّعْوة (بكسر الدال) تختص في لغة جمهور العرب بادعاء النسب، وأما المفتوحة الدال فهي الدعاء للطعام. (٨) وعَدِيُّ الرِّباب يفتحون الدال فيها، ويكسرون دال دعاء الطعام. والمفتوح الدال أصلُه مصدر للمرة، من الدعاء مطلقًا،

стр. 847

وهو أيضًا اسم الدعاء إلى الطعام. والدِّعوة في الفقه الحنفي اسمٌ لدعوى بنوة أبناء الإماء؛ لأنهم يقسِّمونها إلى دِعوة استيلاد ودعوة تحرير. (١) ٢٥ - الدِّعوة نوعان: دِعْوةُ استيلاد، ودِعْوةُ تحرير. فدعوة الاستيلاد هي ادعاء نسب المولود الذي كان الحمل به في وقت ملك المدعي الأمة. ودعوة التحرير ادعاء بنوة مولود لم يكن العلوقُ به في زمن ملك المدعي للأمة أو المولود. (٢) إذا ولدت سُرِّيَّة، توقف إثباتُ نسب المولود لمالكها على دِعوة المالك؛ لأن فراش الأمة ضعيف. (٣) جمهورُ المذاهب يقولون: لا تُشترط في تحقيق فراش الأمة الدِّعوة، (٤) ففي المالكي، إذا أقر السيد بوطء أمته فما ولدته لم ينفه ويدَّعِ استبراءً بحيضة لم يطأ بعده، فلا يلحقه. (٥) في الشافعي (٦) والحنبلي مثلُه. (٧) ٢٦ - إذا كانت أمة مشركة بين اثنين فأكثر، فاستولدها الجميع، لا يثبت نسبُ المولود لأحد إلا بدِعوته؛ لأن وطء أحد الشركاء بدون أن تتمحض له الأمة وطءٌ حرام. (٨) فإذا ادعاه الجميع (أو أكثر من واحد)، فقد التبس طريقُ الثبوت لواحد معين، فيرجح من سبق بادعائه. فإذا كان وقت الادعاء متحدًا يُصار إلى الترجيح، فيرجح الأب ١، والمسلم ٢، والحر ٣، والذمي ٤، والكتابي ٥، على الابن ١، والمرتد

стр. 848

٢، والعبد ٣، والحربي ٤، والمجوسي ٥ (على هذا الترتيب)، ولا عبرةَ بوفرة الأنصباء في الشركة. والذي يلحق به الولد يضمن للشريك حصته من قيمة الأمة وعُقْرِها. فإن حصل الاستواء في الأوصاف التي يرجح بها، فالمولود لاحقٌ بالجميع، فهو ابن للجميع يرث من كلٍّ إرثَ ابن، ويرث جميعُهم منه إرث أبٍ واحد. (١) في المالكي لا يلحق ابنٌ بأكثر من أب واحد، (٢) وعند الالتباس تُدعى القافة. (٣) وقد يقضى لأحد بمال شخصين يطآن أمة مشتركة بينهما في طهر، ودُعِيت إليهما القافة، فلم تعينه لأحدهما، فإن الولد إذا بلغ يتبع مَنْ يشاء فيلحق به، فإذا مات الابن قبل أن يبلغ ويتبع أحدهما قسمَا ماله. (٤) في الشافعي لا يلحق ابنٌ بأكثرَ من أب، (٥) وفي الحنبلي كذلك. (٦) الطريق الخامس: الإقرار بالنسب: ٢٧ - الإقرارُ بالنسب يُخصُّ باسم الاستلحاق في اصطلاح المالكي. ولم يكن معنونًا بعنوان الاستلحاق في كتب المتقدمين من المالكية، بل كانت مسائله مندرجةً في باب الإقرار. وربما جرى لفظ لحق أو استلحق في كلامهم، ووقع ذلك في عبارة مالك ﵀. (٧)

стр. 849

وأولُ مَنْ عنون مسائلَ هذا الباب بعنوان الاستلحاق، هو الشيخ ابن الحاجب. (١) وربما جرى لفظُ الاستلحاق في بعض كتب الفقه الشافعي غيرَ مقصود به لقب. (٢) ولقبُ الاستلحاق جاء من اللحاق الذي يُطلق في كلام العرب بمعنى الانتساب، كقول النابغة يخاطب خارجةَ بن سنان: إنّا أناسٌ لَاحِقُونَ بَأَصْلِنَا ... فَالْحَقْ بِأَصْلِكَ، خَارِجَ بْنَ سِنَانِ (٣) وقال: وَلَحِقْتُ بالنَّسَبِ الَّذِي عَيَّرْتَنِي ... وَتَرَكْتُ أَصْلَكَ يَا يَزِيدُ ذَمِيمَا (٤) أي أنا منسوبون إلى قومنا بني مرة، فانتسب أنت إلى بني مزينة. والسين والتاء في لفظ استلحق للتأكيد، مثل السين والتاء في استجاب للدلالة على تأكيد المعنى. أصلُ أحكام الاستلحاق مروي في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زَمعة منّي فاقبضْه، قالت: فلما كان عامُ الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص، وقال: ابن أخي قد عهد إلي فيه، فقام عبدُ بن زمعة فقال: أخي وابنُ وليدة أبي وُلد على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسولَ الله، ابنُ أخي كان قد عهد إلَيَّ فيه، فقال عبدُ بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي وُلد على فراشه، فقال النبي ﷺ : "هو لك يا عبدُ

стр. 850

ابنَ زمعة"، ثم قال النبي ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر"". (١) وقد تقدمت الإشارة إلى أن هذا الحديث مرويٌّ بالاستفاضة. ٢٨ - يصح إقرار الرجل بالوالد وبالوالدين وإن عَلَوْا، (٢) ويصح إقرارُ المرأة بالوالدين. (٣) لا يُعمل إقرارُ المرأة بولد في ثبوت نسبه لها ولو صدقها الولد، لكنهما يتوارثان به. (٤) في المالكي لا يلحق النسب إلا باستلحاق الأب، (٥) واحتج له بأن الأبَ لا يُنَزَّل غيرُه في تحقق الإصابة بمنزلته، (٦) ولأن الشارع متشوفٌ لإلحاق النسب. ولولا أن الشارع خصه بالأب، لكان استلحاقُ الأم أولَى؛ لأنها اشتركت مع الأب في ماء الولد وزادت عليه الحملَ والرضاع. (٧) وأولَى من هذه التفرقة أن نقول لم يُجعل للأم الاستلحاق؛ لأن بنوة المولود من أمه تثبت بالمشاهدة فلا يُتصور حصولُ جهل بانتسابه إليها، ولأن بنوةَ المولود لأمِّه ليست بنسب وإنما هي رحم. وفي الشافعي أن الأخ يستلحق، دليله ما في حديث عائشة من قول عبد بن زمعة: "أخي وابن وليدة أبي"، وابن الأخ يستلحق (٨) (كأنه قياس على استلحاق

стр. 851

الأخ)، ويصح استلحاق المرأة في أحد وجهين (ولم يذكروا الأرجح منهما). وفي الحنبلي لا يقبل إقرار المرأة في النسب. (١) ٢٩ - الإقرار بالبنوة تثبت به بُنوةُ المقر له لمقِر شروط ثلاثة: أولها أن يكون المقر له مجهول النسب، أي لا يُعلم له أبٌ في البلد الذي ولد فيه أو في بلد انتقل إليه من البلد الذي ولد فيه إن أمكن البحثُ عن نسبه فيه. الثاني أن يكون سن المقر له بحيث يمكن أن يولد لمثله. الثالث أن يصدقه المقر له إن كان مميزًا، فإن انتفى أحد هذه الشروط يثبت النسب بالإقرار ويُعمل به في استحقاق المال كالإرث. (٢) في المالكي الموافقة على الشرطين الأولين دون الشرط الثالث، فلا عبرة بتكذيب المقر له ولا بتكذيب أمه. (٣) وفي الشافعي موافقُ الحنفي، وزيادةُ أن يكون المستلحِقُ حائزَ النسب أو يستلحقه جميعُ الورثة. (٤) ومعنى كونه حائزَ النسب أنه لا مُنازِعَ فيه. (٥) وفي الحنبلي مثلُ الشافعي. (٦) ٣٠ - لا يثبت النسبُ بإقرار الوارث إلا إذا كان الوارثُ رجلين أو رجلًا أو امرأتين، (٧) أي فيصير إقرارُهما شهادة وتجري عليه أحكامُ البينة قبولًا وردًّا. في المالكي لا يثبت إلا إذا كان المقِر رجلين كالشهادة. (٨) في الشافعي والحنبلي يثبت

стр. 852

النسب بإقرار جميع الورثة ولو انفرد واحد بالإرث أو كان أنثى؛ لأن جميع الورثة يقومون مقامَ الميت فيما له وما عليه حتى النسب. (١) ٣١ - تثبت أبوةُ أحد لمن أقر بأبوته إن كان المُقِرُّ مجهولَ الأب، وتثبتُ بُنُوةُ الولد للأم للمرأة التي تقر بأنه ابنها. وتثبتُ أمومة المرأة للذي أقر بأنها أمُّه بالشروط الثلاثة المتقدمة. (٢) [و] لا يثبت النسبُ بالإقرار بجد، أو ابن ابن، أو أخ، أو عم. (٣) ٣٢ - مَنْ أقر بأخ له بعد موت أبيه لم يثبت للمقر له نسب للأب الميت ولا للأخ المقر، ولكنّ المقَرَّ له يشارك المقر في نصيبه من الإرث (لأن إقراره مقبول في حق لنفسه فقط فلا يثبت به النسب لأن النسب لو ثبت به لكان حملًا على غير المُقِر). (٤) حكى ابن قدامة في المغني الإجماع على أن إقرار بعض الورثة بنسب أحد إلى المورث لا يثبت به نسبه إلى المورث. (٥) في المالكي موافقة، قال المقَّري: "إقرار الوارث الذي يحوز المال (أي الميراث) بالنسب (متعلق بإقرار) قال مالك والنعمان: شهادة، فلا يثبت النسب (بمجرد الإقرار)، ويثبت الميراث (أي ما يقتضيه إقرار المقر في نصيب المقر) ". (٦) وقال أيضًا: "إقرار الوارث بالنسب لا يثبت به النسب عند مالك والنعمان، وقالا: إقراره يوجب شركةَ المقر له في ماله (أي في نصيب المقر له). وقال محمد: إذا لم يثبت النسب لم يثبت المال لأن المال في ضمن النسب. قال المقري: ولا أدري كيف يثبت الفرع من انتفاء الأصل. (٧)

стр. 853

في الشافعي لا يصح هذا الإقرار؛ لأن الميراث فرع على النسب، والنسب لم يثبت فلم يثبت الإرث، (١) ولأن ما أدى وجوده إلى نفيه انتفى من أصله. (٢) وتُعرف هذه المسألة عند الشافعية بمسألة الدَّوْر الْحُكْمي، وعدوه من موانع الميراث. (٣) وهذا ما لم يكن المُقِرُّ منفردًا بالإرث، فإن انفرد بالإرث أُعمل إقرارُه بالنسب وإن كان واحدًا أو أنثى. وفي الحنبلي مثل الشافعي. (٤) ٣٣ - إذا أقر بعد موت أخيه بابنٍ لأخيه الميت، لا يثبت نسبُ الابن للميت، ولكنّ المقر له يحجب المقر عن إرث الأخ الميت. ولا يلزم غيره ممن لم يُقر من الورثة. (٥)

стр. 854

٣٤ - مَنِ ادعى لقيطًا أنه ابنُه ثبت إليه، سواء كان المدعي هو الملتقط أو غيره. فإن ادعاه اثنان أو أكثر رجح السابق بالادعاء، فإن استوَوْا رجح الملتقط على غيره، فإن استوَوْا فهو ابن لهم كلِّهم إذا كانوا خمسةً فأقل، فإن كانوا أكثر لا يلحق بأكثر من خمسة. ودليل هذا الاستحسان؛ لأنه إقرارٌ للصبي بما ينفعه، وإن كان القياسُ أن لا تصح الدعوى. أما الملتقط فلتناقض حاله؛ لأن البنوة تنافي طرحه. وأما غير الملتقط، فلأن دعواه إبطال لحق الملتقط في حفظ اللقيط، وإبطال لحق المسلمين في حفظه إن لم يكن ملتقط. (١) في المالكي لا يُلحق اللقيط بالاستلحاق لا لملتقطه ولا لغيره إلا ببينة تشهد بأنه ولد فلان، أو إذا بين المستلحق وجهًا لطرحه كمن يتوهم ما يزعمه كثير أن الذي لا يعيش له ولد إذا طرحه عاش ويثبت ذلك الوجه بالبينة. (٢) ٣٥ - من مسائل المالكي أنه إن أقر وارثٌ - وهو عدل - بوارث آخر معه، فإن إقراره يصير شهادةً من أجل عدالته، فيعتبر شاهدًا للذي أقر له بأن له نسبًا للميت. فيحلف المقر له معه ويرث ما يقتضيه النسب المقر به؛ لأن الإرث مال، فيعمل فيه بشاهد ويمين، ولا يثبت النسب؛ لأن النسب لا يثبت بشاهد ويمين، ولذلك يرث حظه كاملًا بمقتضى ذلك النسب. ولا يثبت النسب فيما عدا ذلك، قاله ابن الحاجب وتبعه خليل في المختصر. (٣) وهو منسوبٌ إلى الباجي وابن شاس والقرافي، ونسبه في النوادر إلى ابن المواز، واختاره ابن رحال والتسولي.

стр. 855

وهو خلافُ ما وقع في المدونة أن المقَرَّ له لا يرث حظَّه كاملًا بمقتضى النسب المشهود به، وإنما له نقص من حصة المقِر نقصًا بسبب الإقرار. (١) وذلك ما درج عليه خليل في التوضيح وابن عرفة في مختصره (٢) وقال عبد الباقي إنه المذهب. (٣) فحينئذ لا يكون إقرار الوارث العدل صائرًا إلى شهادة (واعلم أنه إذا كان للميت ثابتَ النسب بشهادة شاهدين فشهادة المقر ملغاة) (٤) في الشافعي الميراث فرع على النسب، فإذا لم يثبت النسبُ لا يثبت الإرث. (٥) في الحنفي تدل مسألةُ تصديق بعضِ ورثة الميت معتدتَه من وفاته في دعواها أن الحمل منه إذا تم نصاب الشهادة بعدد المقرين، وأن النسب ثابت بذلك، (٦) تدل على أن الإقرار يصير شهادة. ٣٦ - قال المالكية: لا يعتبر في الاستلحاق تحقق تزوج المستلحِق (بالكسر) بأم المستلحَق (بالفتح) أو تملكه أمه إن كانت أُمُّهُ أَمَةً. قال ابن عبد السلام: "لأنهم اعتبروا في هذا الباب (الاستلحاق) الإمكان وحده ما لم يقم دليلٌ على كذب المقر". قال سحنون: "يعتبر ذلك، وهو خلاف المشهور". (٧) قال المالكية: يصح استلحاق أحدٍ ميتًا. (٨) ويصح استلحاق أحدٍ كبيرًا، ولا يشترط تصديق المستلحَق على أصح الطرق في المذهب. (٩)

стр. 856

الطريق السادس: حوز النسب: ٣٧ - حَوزُ النسب آيلٌ إلى ثبوت الفراش في فروع المذهب الحنفي (كما تقدم في الفقرة ١٦). لو قال زوجُ امرأة لصبي معهما لا يعبّر عن نفسه: هذا الصبي ابني من امرأة أخرى، وقالت زوجته: هو ابني من رجل آخر، ثبتت بنوتُه لهما. وإن كان الولد في يد الرجل فقط أو يد المرأة فقط وكل يدعيه، فالزوج مصدَّقٌ دون الزوجة، إلا إذا أتت الزوجةُ بامرأة شاهدة على ولادة الزوجة إياه فيكون ابنها أيضًا بهذه الشهادة. وإن كان الصبي مميزًا يعبر عن نفسه، فهو ابن للذي يصدقه الصبي منهما. (١) في المالكي لا يُتصوَّرُ هذا الفرع؛ إذ لا اعتدادَ باستلحاق المرأة. والشافعي يظهر أنه لا يخالف الحنفي على أحدِ قولين في قبول استلحاق المرأة (كما تقدم في الفقرة ٢٩). وفي الحنبلي لا يُقبل إقرارُ المرأة في النسب. (٢) ٣٨ - قال المالكية: الناس مصدَّقون في أنسابهم إذا عُرِفوا بالنسب وحازُوه كحيازة الأملاك (أي بأن ينسب نسبًا إلى نفسه وينسبه الناس إليه). وقال التتائي: "ينبغي تقييدُ هذا بغير دعوى الشرف (يعني دعوى مَنْ لم يُعرف هو ولا آباؤه بالشرف)، والمراد بالشرف النسب القرشي لا خصوص ذرية الحسن والحسين ابني فاطمة ﵃. (٣) في الشافعي موافقُ المالكي، (٤) وفي الحنبلي موافقه. (٥)

стр. 857

الطريق السابع: شهادة السماع (١): ٣٩ - شهادةُ السماع هي شهادةُ جمعٍ لا يُتَصوَّر (في العادة) تواطؤهم على الكذب، بأن يكون عددُ الشهود مستفيضًا دون اشتراط عدالة آحادهم. (٢) يثبت النسب بشهادة السماع من خبر جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب (أي في العادة) بلا شرط عدالة. (٣) في المالكي موافقة في النسب وغيره (٤) من أمورٍ سبعةٍ وعشرين. (٥) ويُشترط في ثبوت النسب بشهادة السماع أن يكون المشهود له حائز النسب؛ لأن القاعدة في المذهب المالكي أن شهادة السماع تنفع الحائزَ ولا يُفتكُّ بها من يد حائز. (٦) وفي الشافعي موافقة في ثمانية أمور: منها النسب إلى القبيلة والأب، وكذا إلى الأم في الأصح. (٧) وفي الحنبلي موافقة في اثني عشر أمرًا مختلفة، (٨) وبعضُ هذه الأمور الثمانية مغاير لبعض بين المذاهب، وبعضها متفق بينها انظر تفصيله في مواضعه.

стр. 858

الطريق الثامن: القافة: ٤٠ - هذه المسألة غريبة لم يعطها الفقهاء ما هي خليقة به من البيان والتفصيل، وقد اتفق جمهور العلماء على الاعتداد بها في الجملة طريقًا لإثبات بعض النسب في بعض الأحوال الغامضة. وهذا طريق لم يثبته الحنفية. وكلمة قافة جمع قائف، ووزنها فَعَلَة كجمْع ساحر على سَحَرَة وكامل على كَمَلَة، وعين الكلمة واو قلبت همزةً بعد ألف فاعِل. والقائف الذي يتتبع الآثار ويتعرف منها الذين سلكوها، وَيعرف شبهَ الرجل بأبيه وأخيه، (١) والفعلُ قافه إذا تبع أثره يقُوفه. وأما القيافة فاسم لنوع من الفراسة، وهي من علوم العرب، كالعيافة والزَّجْر. صيغت على وزن فِعالة؛ لأنها كالصنائع. واشتهر بها في العرب بنو مُدْلِج (بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام وجيم ي آخره)، وهو بطن من بطون كنانة. وكانت شائعة أيضًا في بني أسد بن خزيمة يتوارثونها بالسجية، وتقوى فيهم بالعناية والمعالجة شأن القُوى النفسانية. وقد توجد قوةُ القيافة في بعض الناس من غير هذين البطنين، فقد روى عبد الرزاق أن عمر بن الخطاب دعا رجلًا قائفًا من بني كَعْب. (٢) وسيأتِي أن ابن عباس دعا قائفًا يسمى ابن كلدة. (٣) وثبت أن عمر بن الخطاب كان قائفًا في الجاهلية. (٤) وتُعرف كفاءة القائف للقيافة بالتجربة بأن يُعرَض ولدٌ بين ثلاثة أصناف من النساء ليس فيهن أمه، ثم يعرض في صنف رابع فيهن أمه، فإن أصاب في الكل قُبِل

стр. 859

قوله بعد ذلك. (١) وشاع إطلاقُ هذا الاسم بصيغة الجمع؛ لأنهم كانوا يَدْعُون للقيافة نفرًا ولا يقتصرون على واحد. ٤١ - ولم يرد في السنة ما يشهد لاعتبار القيافة على الجملة إلا حديثُ عائشة أن رسول الله ﷺ دخل تَبْرُق أساريرُ وجهه، فقال: "ألم ترَيْ أن مُجَزِّزًا لمُدْلجِي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ورأى أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضُها من بعض؟ " (٢) وفي هذا الحديث إشعارٌ باعتبار القافة في الجملة، ولذلك اتفق جمهور الفقهاء على الاستدلال به للاعتداد بالقافة في تعيين نسب مَنْ يُشَكُّ في نسبه إذا تعذر طريقٌ آخر لإثبات نسبه؛ لأن رسول الله ﷺ لا يُظهر السرورَ بما ليس من الحق في شيء. وأقول: وجهُ الاعتبار بالقافة على الإجمال أنها يُتعرف بها قوةُ تشابه النسل بأصوله من أب أو أم. ويشهد لاعتبار ذلك على الجملة ما وقع في حديث سهل بن سعد في الصحيح أنه لما تم اللعان بين عُوَيمِر العجلاني وزوجته وهي حامل قال النبي ﷺ : "إن جاءت به أحمر قصيرًا كأنه وَحَرَةٌ فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاءت به أَسْوَدَ أعْيَن ذا أَلْيَتَيْن فلا أراه إلا قد صدق عليها". قال سهل فجاءت به على المكروه من ذلك. (٣)

стр. 860

إلا أن هذا الشبه قد يكون شبهًا بالأبوين الأدْنَين، وقد يكون بالآباء والأمهات الأبْعَدِين. فوجودُ المشابهة مظنة الانتساب، وأما عدمُ المشابهة فلا دلالة له على انتفاء الانتساب كما دل عليه قول النبي ﷺ في حديث الموطأ والصحيحين أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله: "وُلِد لي غلامٌ أسود فقال: "هل لك من إبل؟ قال نعم، قال "ما ألوانها؟ " قال: حُمْر، قل: "هل فيها من أَورَقَ؟ " قال نعم قال: "فأنّى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق قال: "فلعل ابنك هذا نزعه"". (١) فلما لم تنضبط المشابهة، ولم يكن لها حدٌّ محدود، لم تجعلها الشريعةُ بينةً إلا عند الضرورة وفي حالة الاحتياط، كما ورد في حديث استلحاق ابنِ وليدة زَمعة من قول النبي ﷺ : "هو أخوك يا عبدُ بن زمعة"، وقال لسودة بنت زمعة: "احتجبي منه"، لِمَا رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص. (٢) ولذلك أثبت الاحتجاجَ بالقافة على الإجمال مالكٌ والشافعي وأحمد والأوزاعي، روي عن عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء (٣) والليث بن سعد، (٤) ورُوِيَ عن عمر أيضًا خلافُ ذلك وعن علي. (٥) وقد دعا عمر في خلافته القائف في ولد من امرأة تداعاه رجلان من زمن الجاهلية، ولم يعمل بقول القائف لاضطرابه، رواه مالك في الموطأ. (٦) وقضى بها أبو موسى الأشعري. (٧) وروى ابن حزم بسنده عن ابن عباس انتفى من ولد، فدعا له ابنَ كلدة القائفَ فقال له: أَمَا إنه ابنُك فادعاه ابن عباس. (٨) ولا تُعرف آثارٌ صحيحة منضبطة للقضاء بالقافة.

стр. 861

٤٢ - ويظهر أن العمل بالقافة قد انقطع منذ قرون، فلذلك لا نجد في كتب الوثائق تعرضًا لصفة عقد وثيقة لأعمال القافة (في كتب التوثيق التي بين يدي). وما في كتاب الفائق لابن راشد القفصي - وهو من فقهاء القرن الثامن - من صفة كتب وثيقة بإشهاد قائف (ذكرها في الورقة الخامسة من كتاب العدة)، فلا أحسب ذلك إلا تصويرًا لمجرد التفقه. ويظهر أن تعطيلَ العمل بالقافة نشأ عند تفرق قبائل العرب في الأمصار، وتناسيهم خصائصَهم، يُشعر بهذا ما نقله البرزلي أن الشيخ ابن أبي زيد سئل: "إذا لم توجد القافة فكيف نصنع؟ فأجاب: القافة يوجدون ويُرحل إليهم". (١) فكلامُه يفيد وجودَهم في زمنه مع تفريق وقلة، وذكر الزقاق أن العمل بفاس جرى بعدم إعمال القافة. (٢) ٤٣ - لا يعمل بقول القائف في إثبات النسب لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، أي والقيافة لا يحصل بها العلم. وليس مناط الاستدلال وقوعَ فعل "تقف" الذي هو مشتقٌّ من الأصل المشتقة منه القيافة؛ إذ ليس مرادًا به معنى القيافة المبحوث فيها، فلا تتَوَهّم. وليس في حديث المدلجي دليلٌ على وجوب الحكم بقول القافة؛ لأن أسامة كان نسبُه لأبيه زيد بن حارثة ثابتًا قبل ذلك، ولم يحتج النبي ﷺ في ذلك إلى قول أحد؛ وإنما تعجَّبَ النبِيُّ ﷺ من إصابة مجزز. وكانت الجاهليةُ تقدح في نسب أسامة بن زيد؛ لأن أسامة كان أسود، وكان زيد أبوه أبيض. فلما قضى القائف بإلحاق نسبه - وكانت العربُ تعتمد قولَ القائف - فرح رسولُ الله ﷺ لكونه زجرًا لهم على الطعن في النسب. (٣)

стр. 862

وإنما القيافةُ حدسٌ لا يجوز في الشريعة. (١) يعني أن ظاهرَ حديث القيافة يتعين تأويلُه؛ لأن القيافة مخالِفةٌ لأصل الأدلة الشرعية، فلا يُقبل الاحتجاجُ بها إلا بدليل لا احتمالَ فيه. ٤٤ - في المالكي يعمل بالقافة في خصوص تعيين نسب أولاد الإماء إلى آبائهم إذا وقع التردد في إلحاقهم، دون أولاد الحرائر (أي فيما يحدث من القضايا في ذلك في الإسلام لا فيما كان من بغايا الجاهلية فإن القافة تعمل فيهم). وهذا هو المشهور، وجرى به العمل. (٢) وإنما خُصت القافةُ بأولاد الإماء؛ لأن الإماء يكثر فيهن الاشتباه. قال الباجي: "يجوز أن يشترك السيدان في ملك الأمة (أي ويطؤها كلاهما جهلًا أو تعجلًا للاستبراء أو غلبةَ شهوة)، ويجوز أن يشتريها الرجل ولم يستبرئها من الأول، وذلك ممنوع في الحرة (أي لأن الحرة لا ترضى بمثل ذلك ولا يُتصور مثلُه في صور العدة). فلما كثرت أسبابُ الاسترقاق في الإماء دون الحرائر، اختص أولادُهن بحكم القافة". (٣) والمراد بالحرائر الزوجات، وبالإماء المملوكات، فلو كانت الأمة زوجةً لا يثبت نسبُ أولادها لأبيهم بالقافة. (٤) وإنما تنظر القافة لأبٍ حيٍّ اتفاقًا، ولابن حي على الأظهر. فلو كان أحدهما ميتًا لا يعرض على القافة ولو كان لم يفسد، (٥) وإنما تلحق القافة بالآباء لا بالأمهات. (٦)

стр. 863

٤٦ - قال أبو حنيفة: يحكم بالولد الذي يدعيه اثنان لهما، وكذلك إذا تداعته امرأتان. (١) والأصل أن تكون القافة رجلين فأكثر، فإذا لم يوجد إلا واحدٌ قُبل على المشهور؛ لأن أصلَ القافة من باب الخبر الذي فيه شائبةُ الشهادة (أي في اعتبار اثنين) وإنما تنظر القافة في المولود صحيح تام إذا ولد ولادة معتادة. (٢) وإذا أشركتِ القافةُ في المولود أبوَيْن، أو أشكل عليهم الأمرُ وقالوا لا نعلم لمن هو، فالولد يوالِي مَنْ شاء، فمن والاه يكون أبًا له، أو يوالِي كلَا الرجلين المتنازعين إذا كان بالغًا (ويَنتظرُ مَنْ هو دون البلوغ)، (٣) فإذا والَى الرجلين كان ابنًا لهما جميعًا على قول ابن القاسم. (٤) ولو لم توجد القافة يوقف الولد إلى أن يكبر فيوَالِي مَنْ شاء. (٥) في الشافعي يُعمل بالقافة في أبناء الحرائر كأبناء الإماء، (٦) ويوافق المالكي فيما عدا ذلك. وإذا ترددت القافةُ أو ألحقوه بأكثر من أب واحد، فله أن ينتسب إلى مَنْ شاء بعد بلوغه، وينتظر بلوغه. (٧) في الحنبلي موافقُ الشافعي، لكن إذا ألحقته القافة بأكثر من واحد لحق بهم وإن أشكل عليهم أمره ضاع نسبه (٨) (وينسب إلى أمه كابن اللعان). واتفقت المذاهبُ الثلاثة على اشتراط عدالة القائف وذكورته وحريته، وعلى الاتفاق بواحد إذا لم يتيسر اثنان. (٩)

стр. 864

الطريق التاسع: حكم القاضي: ٤٦ - يوجد في كتب الحنفي عَدُّ حكم القاضي من طرق ثبوت النسب، نظرًا إلى أن حكم القاضي لا يخلو عن مستَنَدٍ يرجع إلى أحد الطرق السبعة المتقدمة. وإنما عددناه طريقًا مع أنه لا يخلو عن الاستناد إلى طريق من الطرق المتقدمة، نظرًا إلى أن الحكم قد لا يُذكر فيه مُستَنَدُ الحاكم. والأكثر على أن ذلك لا يقدح في حكمه، كما ذكره فقهاء المالكي، وأصلُه قول سحنون: يُقبلُ قولُ القاضي فيما اشتمل عليه مجلس حكمه. ولأن مستنده قد يكون مختلفًا في اعتباره مستندًا، فإذا حكم بمقتضاه ارتفع الخلافُ فيه، وكان الحكم طريقَ الثبوت. فلو لم نعدَّ الحكم من طرق الثبوت، لكان الكلام غير واف بصور ثبوت النسب. وفي الفقه المالكي يكثر التنبيهُ في نوازل النسب على أن حكم القاضي بالإرث لمدعي النسب في الأحوال المختلف فيها يمضي. فإذا وقع الاستظهارُ بحكم قاضٍ بثبوت نسب أحدٍ غيرِ مذكورٍ فيه مُستَنَدُ الحاكم لم يسع القاضي - المُستظهَر لديه بذلك الحكم - إلا أن يقول: ثبت ذلك بحكم القاضي فلان. وفي "معين المفتي على جواب المستفتي" لمحمد بن عبد الله المعروف بكور مفتي (المتوفَّى سنة ١٠٣٠ هـ) مفتي أسكوب في كتاب الشهادة: "لو قام المدعي بأنه وارث فلان، وأقام شاهدين قالا إن قاضي بلد كذا قضى بأن فلانًا وارثُ فلان لا وارث له سواه، وأشهَدَنا على قضائه ولا ندري بأيِّ سبب قضى بورثته، قُضي له بالميراث؛ لأن قضاء القاضي يُحمل على الصحة ما أمكن، ولا ينقض بالشك كما في الخانية". (١) وفي المالكي: لا يُخِل بحكم القاضي عدم ذكر مستند الحكم. (٢)

стр. 865

٤٧ - حكم القاضي بثبوت نسب ينفذ على المحكوم عليه وعلى غيره ممن لم يدخل في الخصومة؛ لأن الحكم على الحاضر حكمٌ على الغائب في النسب وفي مسائل أخرى، استُقْرئ منها تسعٌ وعشرون. (١) وفي المالكي حكم القاضي بثبوت النسب لا تعجيزَ فيه على المحكوم عليه، فللمحكوم عليه أن يطلب إعادةَ الخصومة في تلك الدعوة، إذا جاء بما ينفعه مما لم يكن أدلَى به من قبل. ولذلك عدوا ستةً (٢) لا تعجيزَ فيها، منها النسب. (٣) فالحكم بثبوت النسب على المنازِع فيه لا يفيد إلا قطعَ الاحتجاج بما دُحض من الحجج المعروضة، وإلّا انتفاعَ المحكوم له باستمرار حوزه للنسب. وقد عنون الفقهاء عن ذلك الحكم في النسب ونحوه بعنوان عدم التعجيز؛ لأنهم أجرَوْا كلامَهم فيه بمناسبة ذكر التعجيز. (٤) ولا ينسحب الحكم إلا على الخصمين ومَنْ جاء من قِبلهما. (٥)

стр. 866

ويُعبَّر عن هذا النفوذ بأنه حكم على الكافّة، أي أنه لا يقتصر على المضيِّ عليه (أي ولا على مجرد ثبوت الحق للمقضِىِّ له، إن لم يكن له خصم ولا منازع)، بل يتعدى إلى كافة الناس (ممن يريد معارضةَ ذلك الثبوت) (١) والمراد بالغائب مَنْ لم يخاصم في النازلة المقضي فيها أصلًا، أو لم يحضر عند صدور الحكم من القاضي. وفسروه بأنه مَنْ ثبتت غيبتُه بالبينة، سواء كان غائبًا وقت إقامة الشهادة أو بعدها وبعد التزكية، وسواء كان غائبًا عن المجلس أو عن البلد. وأما إذا أقر عند القاضي، فإنه يقضى عليه وهو غائب؛ لأن له أن يطعن في البينة، وليس له أن يطعَنَ في الإقرار عند القاضي. (٢) القضاء بالقرعة في النسب وغيره: ٤٨ - لا تُعمل القرعة (٣) في إثبات النسب بحال عند أبي حنيفة؛ (٤) إذ لا تكون القرعة طريقًا لاستحقاق حق. وقد رُويَ أن عليًّا حين كان باليمن قضى بالقرعة في إثبات النسب، وأن رسول الله ﷺ أُخْبِر بذلك فلم ينكره. وفي سند هذا الخبر متكلَّم. (٥) وإنما خُصت القُرعة بقسمة الرِّباع (٦) بعد تعديل الأقسام وتقويمها، بقصد تطييب قلوب المتقاسمين، وليس الاستحقاق منوطًا بها؛ لأن استحقاق الشركاء

стр. 867

ثابتٌ قبل القسمة، ولذلك لو قسم القاضي بغير قرعة جاز. (١) ويجوز إعمالُ القرعة بالتراضي بين أصحاب الحق عند المشاحة، (٢) أي فيما هو حق لهم خاصة. في المالكي تُعمل القرعة في تمييز من يعتق من أبناء السيد من إمائه أمهات أولاده، إذا أقر بأن أحد أبنائهن ولده وتعذر استفسارُه، فيعتق مَنْ خرجت له القرعة. فإذا كان الأبناءُ أبناء أمة واحدة عُتق الأصغر وثلثَا الأوسط وثلثُ الأكبر وعتقت أمُّهم. (٣) واعتُبرت عند مالك (٤) والشافعي (٥) وأحمد (٦) في تعيين ما اشتبه من أبناء سادة الإماء لئلا يبقى الولد عبدًا تابعًا لأمه إذا جُهل أبوه؛ فإن الشريعة متشوفةٌ إلى الحرية. (٧) ويُعمل بالقرعة في السفر بإحدى نسائه، وفيمن أوصى بعتق عدة أعبد من ماله ولم يسع ثلثه عتق جميعهم. (٨) وعد في التبصرة المواضع التي تعمل فيها القرعة اثنين وعشرين موضعًا (٩) ولا يثبت بها نسب. (١٠) في الشافعي (١١) والحنبلي (١٢) موافق المالكي.

стр. 868

٤٩ - فهذه تسعةُ طرق لثبوت النسب شرعًا وفاقًا وخلافًا، وهي متفاوتة في قوة الكشف عن الحق في نفس الأمر بحسب ما يستطاع بجهد الحاكم. وهي على تفاوتها بريئةٌ عن الوَهَم والصُّنع باليد، إذ الأوهام مدحوضةٌ في اعتبار الشريعة الإسلامية. (١) فإذا لم يُستطع الوصول إلى إثبات النسب من أحد هذه الطرق اعتُبرت دعوى النسب ضائعة، وكانت مما يفصل فيه يوم القيامة. ٥٠ - فمن أجل هذا لم تُعتبر القرعة في إثبات النسب عند جمهور أهل العلم، (٢) وألْغى الشارعُ ما كان قبل الإسلام من جَعْل التبني طريقًا نسبيًّا يوجب الإرث. (٣) قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] الآيات، ونُسخ ما كان في صدر الإسلام من اعتبار التآخي طريقًا نَسَبِيًّا، وما كان من التوارث بالولاء بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، نسخها قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥ والأحزاب: ٦]. وجُعل لبعض الأواصر بعضُ آثار النسب لا جميع آثاره، فالرضاعُ مِثْلُ النسب في تحريم التزوج، والولاء مِثْلُ النسب في أنه لا يُباع ولا يوهب، وأمومةُ أزواج النبي ﷺ للمؤمنين مثلُ النسب في تحريم التزوج وفي وجوب البر. وأخوةُ المسلمين بعضهم لبعض مثلُ النسب في وجوب البر والنصيحة، قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا يؤمن أحدُكم

стр. 869

حتى يُحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه". (١) وليس لها حكم الأخوة بما عدا ذلك، قال النبي ﷺ لأبي بكر لما خطبه في ابنته عائشة: "أنت أخي [في دين الله وكتابه]، وهي حلال لي". (٢) فهذه اعتباراتٌ لها بعضُ خصائص النسب شبهت به فيها، وليس لها حكمُ النسب باطراد.

стр. 870

القسم الرابع: مبطلات النسب وما لا يبطله تمهيد: ٥١ - أصل تقَوُّم ماهية النسب الشرعي هو التولُّد المعبَّرُ عنه بالتناسل وبالنسل وبالسُّلالة (بضم السين)، [وهو] عبارة عن الحالة الجبلية الفطرية التي هي حصول ماء الرجل في رحم المرأة حصولًا معتبرًا شرعًا كما تقدم. فلكون قيام حقيقته هو الحالة الطبيعية، كان النسبُ غيرَ قابل لتغيير ماهيته بنقل ولا بإسقاط ولا بقضاء. ولا يكون القضاءُ بإلحاق نسب بأحدٍ إلا كشفًا عن تحقق ماهية النسب في نفس الأمر بحسب طرق ثبوته. ولذلك كان تبني رجلٍ أو امرأة ابنًا غيرَ متولد منهما (ويُسمّى الدَّعِيَّ) باطلًا شرعًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب: ٤]. (١) ثم إن هذا التكون الطبيعي لا يكون معتدًّا به في نظر الشرع بحيث تترتب عليه آثارُ النسب في أحكام الإسلام، إلا إذا توفرت في حصوله شرائطُ الإباحة الشرعية لحصوله، أي في حالة إباحة الشرع وقوعَ ماء الرجل في رحم المرأة أو حالة تقرير الشرع ذلك الوقوعَ بعد حصوله. فإذا حصل في حال تحريم حصوله، ولم يجوزه الشرعُ بعد حصوله، لم يكن نسبًا معتدًّا به شرعًا، ولا تترتب عليه أحكامُ النسب في الشريعة، وكان مجردَ تولد طبيعيٍّ كتولد البهائم، ولقاعدة: المعدوم شرعًا كالمعدوم حسّا.

стр. 871

سوى أن جمهورَ فقهاء الإسلام رأَوْا تحريمَ تزوج الرجل امرأةً تُحُقِّقَ أنها خُلقت من مائه في زناه بأمها، وهو قول مالك (١) وأبي حنيفة (٢) وأحمد، (٣) خلافًا للشافعي (٤) وابن الماجشون من المالكية، في خصوص جواز تزوج الرجل امرأة تخلقت من مائه من زِنًى، (٥) دون تزوج المرأة ابنَها الذي حملت به من زِنًى فالإجماع على تحريم تزوجها إياها. (٦) مبطلات النسب: ٥٢ - النسب بين أحد وآخر له أحوال ثلاثة: إما ثابت أي معلوم حصوله، وإما مَحُوز أي مشهور بين الناس أو جارٍ على ألسنتهم دون علم لهم بحصوله، وإما محكوم به في قضية نزاع. ٥٣ - فالثابت هو الذي حصل بإقرار أحدٍ بأن شخصًا آخر مجهول النسب من قبلُ ابنٌ له، أو بادعاء شخص أن ولدًا ولدته أمَتُه هو ابنُه منها (أو بإلحاق القافة الولد بالمنسوب إليه، إذا وقع الشكُّ في انتسابه إليه أو إلى غيره مع إمكان ذلك (عند مَنْ يرى العمل بالقافة). وهذا لا يبطله شيء، لأن الإقرارَ بالنسب لا يرتد بالرد، (٧) فيثبت وينفذ على الكافة. وبهذا يجمع بين قولهم فيمن أقر لغلام مجهول النسب بأنه ابنه أنه يثبت نسبه إذا صدقه الغلام إذا كان مميزًا، (٨) وبين قولهم: المقر له إذا كذب

стр. 872

المقِرَّ بطل إقراره إلا في النسب؛ (١) لأن مرادهم بذلك التكذيب أنه كان قبل ثبوت النسب. ٥٤ - وأما المحوز فهو نسبُ مَنْ يولد لذي فراشٍ صحيح، وهو فراش الحرة أو الأمة. فإن كان ابنَ الحرة لم يبطل نسبه لأبيه إلا باللعان فيه بشروط (وللِّعان مبحث خاص)، وإذا نفى حملًا لمعتدة من طلاقه البائن فإنه يتعذر اللعان. وهذا عند الحنفية؛ لأن اللعان لا يقع إلا بين زوجين لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. والمطلقة البائنة ليست بزوجة، فلا تجري الملاعنة معها، وبذلك يكون الحملُ لازمًا للمطلِّق. في المالكي لا تعجيزَ في النسب إثباتًا ولا نفيًا. (٢) وصورة عدم تأَتِّي اللعان أن المعتدة في طلاق بائن يجري بينها وبين مطلقها اللعان، إذا كان فيها حمل أو ولدت ولدًا ينفيه عن نسبه؛ لأن المطلق يدفع باللعان نسبًا يريد الانتفاءَ منه فلا بد من اللعان. (٣) ولا متمسَّك للمخالف بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]؛ لأن علة مشروعية اللعان هي نفي نسب تحقق أنه ليس منه، فتعطيل اللعان من حملها إبطالٌ لحكمة اللعان. ولأن المطلقة كانت زوجة فيُطلق عليها اسم الزوجة باعتبار ما كان والقرينة واضحة، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. ولأن لفظ الأزواج خرج مخرجَ الغالب؛ لأن رمي المرأة بعد أن تطلق نادر الوقوع، ولأن سبب نزول الآية في قضية قذف رجل امرأته بالزنى لا في نفي حمل. وأما اللعان لِنفي الحمل، فثبت بالسنة في قضية عويمر العجلاني.

стр. 873

في الشافعي موافق المالكي، (١) في الحنبلي موافقهما، كما يؤخذ من القرطبي. (٢) وإن كان ابنَ أمَةٍ أمِّ ولد أو غيرها يبطل نسبُه لأبيه بأن ينفي سيدُها أن يكون ابنَه اعتمادًا منه على استبراءٍ محقق لم يطأ بعده (وللاستبراء أحكام في مبحث العدة)، والاستبراء هو طلب معرفة براءة الرحم. وذلك يكون بحيضة معتادة إن كانت من ذوات الحيض، أو بمضي شهر إن لم تكن كذلك. ٥٥ - والمحكوم به هو الذي وقع فيه التداعي أو الادعاء فحُكِمَ لمَن ادعاه بمقتضى دِعوته، وهذا لا يبطله شيء؛ لأن القضاءَ بالنسب ينفذ على الكافة (كما تقدم في الفقرة ٤٨) (٣) ما لا يبطل به النسب: ٥٦ - النسب لا يحتمل (أي لا يَقبل شرعًا) النقضَ بعد ثبوته بطريق من طرق الثبوت المعتبرة شرعًا. وفي المالكي مخالفة؛ لأن النسب لا تعجيزَ على مدعيه ولا على المدَّعَى عليه به، سواء كان لإثباته أو لنفيه. فإذا ثبت نسبُ أحدٍ بوجه، وادعى غيرُه نفيَ ذلك النسب، كان لِمُدَّعِي نفيِه حقُّ الطعن في طريق ثبوته (٤) (إن كان له حق الادعاء في ذلك). فالإقرار بالنسب لا يرتد بالرد بالنسبة لما يلزم المقِر؛ لأنه تعلق به حق المقَر له. (٥)

стр. 874

ولو باع عبدًا وُلد عنده، ثم ادعى أنه ابنه، ثبت نسبه، ورد بيعُه إياه؛ لأن النسبَ لا يقبل النقض والبيع يقبل النقض. (١) ٥٧ - وبالأَوْلَى لا يحتمل النسبُ النقلَ بعوض، ولا بدون عوض. وعن ابن بطال حكايةُ الإجماع على أن النسب لا يجوز تحويله، (٢) لقول النبي ﷺ : "الولاء لُحْمة كلحمة النسب، ولا يباع ولا يوهب"، (٣) فجعل الولاءَ مشبَّهًا بالنسب في أنه لا يُباع ولا يوهب. ما يتوهم أنه يقطع النسب: يتوهم مَنْ لا علمَ لهم أن المرءَ يستطيع أن يقطع ابنه أو من له نسب، بالخلع أو القطع. ٥٨ - الخلع: وُضعت في طبعة (اللسان) ضمة على الخاء، ولعله اسم مصدر. فأما المصدر القياسي فيجب أن يكون بفتح الخاء. كان أهلُ الجاهلية يخلعون مَنْ يغضبون عليه، أي يبطلون انتسابه فيهم. فكان الرجل فيهم يأتي بابنه إلى الموسم ويقول: "ألا إني قد خلعت ابني، فإن جَرَّ لم أضمن وإن جُرَّ عليه لم أطلب". (٤) وهذا المخلوع يقال له خليع، وقد جاء ذكرُه في شعر ينسبه بعضُ الرواة إلى امرئ القيس في معلقته، وينسبه الأكثرون إلى تأبط شرًّا وهو قوله:

стр. 875

وَوَادٍ كَجَوْفِ الْعَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُه ... بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كَالْخَلِيعِ المُعيَّلِ (١) وكان أولياءُ الرجل وعشيرتُه في الجاهلية يؤاخَذون بجناية مولاهم. فإذا كان أحدٌ منهم شاطرًا خبيثًا، فأراد أولياؤه أن يتبرَّؤُوا مِنْ أن يُؤاخَذُوا بجنايته، أظهروا ذلك للناس، وسَمَّوْا فعلَهم ذلك خلعًا والمتبَرَّأ منه خليعًا، فلا يؤاخَذون بجنايته ولا يؤاخَذُ هو بهم. (٢) وفي الحديث: "وقد كانت هُذيلٌ خلعوا خليعًا لهم في الجاهلية فقتلته خزاعة"، اغترارًا بأنه لا يقوم بدمه أحد، فوداه النبي ﷺ من ماله يوم الفتح، وأعلم الناسَ بأن الخلع لا عبرةَ به. (٣)

стр. 876

٥٩ - القَطعة: يتوهم بعض العامة أن من يعقه ابنُه أو يتمادى في الخبث والشطارة أنه يستطيع أن يقطع نسبَه من نفسه، وربما ذهب الواحدُ منهم إلى العدولِ المنتصبين للإشهاد فأشهدهم بذلك. وبعضُ جَهلة المنتصبين [للإشهاد] يكتب لهم ذلك، وقد يريد الواحد منهم الإشهاد بالتبرؤ من تبعات ابنه، وهو يحسب أن ذلك قطعٌ لنسبه. ويسمون ذلك قَطعة، كما رأيتُه مقيَّدًا بخط شيوخنا. وتوجد في بعض مجموعات التوثيق لعدول تونس صورةُ كتب من هذا القبيل. (١) وهو عبث، إذ ليست تبعاتُ أحدٍ بلازمة لغيره في أحكام الشريعة الإسلامية، إلا ما ألزمه الشرع مثل الديات. وفي نظم العمل الفاسي وشرحه، (٢) نقلًا عن مختصر النهاية، (٣) أنه أشار فيه إلى وثيقة في هذا المعنى، ونبه على عدم الحاجة إليها.

стр. 877

القسم الخامس: آثار النسب ٦٠ - للنسب اعتباراتٌ متنوعة، فهو صفة شرعية تَقرر من أصول الشريعة وجوب حفظه، وهو سبب تترتب عليه مُسَبَّبَاتٌ عدة، وهو شرطٌ في ترتب أمور مشروطة به. وله اعتبارٌ آخر، وهو كونُه أثرًا من آثار الفراش بعصمة الزوجية، أو بملكية الأمة لمالكها. فللنسب آثارٌ يقتضيها وجودُه باختلاف هذه الاعتبارات. ٦١ - فهو باعتباره صفةً شرعية له آثارٌ تترتب عليه يكون هو علةً لها، وأهمها قاعدةُ حفظ النسب التي هي إحدى الكليات الست (المنوط بحفظها معظمُ أحكام الشريعة الإسلامية)، فوجوب حفظه أثرٌ عام من آثاره في مواطن تحققه (وهذا مبحث أصولي ليس من مباحثنا). ٦٢ - وهو باعتبار كونه سببًا تترتب عليه مسبَّبَاتٌ كثيرة هي آثارٌ له، منها عدمُ صحة نقله ولا إسقاطه، ولا تعجيز في إثباته. ومنها أنه سببُ إرثٍ للمال وإرث للولاء، وأنه سببُ استحقاقِ دم القتيل أو ديته بالأخذ أو بالعفو، وأنه سببُ التحمل بنصيب عن الدية الواجبة على أولياء القاتل أو الجارح (على تفصيل في ذلك)، وأنه سببُ وجوب نصيب من أيمان القسامة في القتل، وأنه سبب تحريم التزوُّج في مراتبه في القرابة والصهر، وأنه سبب وجوب الإرضاع على الأم أو على مَنْ يستأجره الأب، وأنه سببُ استحقاق الحضانة أو التربية (على مراتبها)، وأنه سببُ الولاية في النكاح، وأنه سببُ الولاية على مال الصغير للأب باتفاق وللجد عند الحنفي. ومنها أنه سبب الإنفاق كما هو مفصَّل (وهذه كلها لها مباحث مختصة بها)، ومنها أنه سبب عتق العبد إذا ملكه أحد أبويه وإن علَوْا، أو أحد أولاده وإن سفلوا، أو أخوه مطلقًا (وهذا يندرج في مبحث العتق).

стр. 878

٦٣ - وهو باعتباره شرطًا تتوقف عليه بعضُ الأحكام مثل صحة حج المرأة التي لا زوجَ لها المشروط بأن يكون معها محرم من ذي نسب أو صهر. (وتفصيله في مبحث الحج). وللنسب آثارٌ أخرى متفرقةٌ في دواوين التفسير والسنة والفقه وآداب الشريعة، ويجدر أن تُذكر مسائلُ منها في هذا المبحث. وهي حقوقٌ بين مَنْ تجمعهم آصرةُ النسب، وهي الحفظ ، و البر ، والصلة. الحفظ: ٦٤ - قد جعله الله في جبلة الأبوين، وجعل نصيبًا منه في جبلة ذوي القربى على تفاوتها. ومن آثاره أحكام الحضانة، والنفقة، وولاية الدم. ولم يستكثر التشريعُ تفاريعَه اكتفاءً بالوازع الطبيعي. تكون كلُّ قبيلة وعشيرة يدًا واحدة في التناصر والتظاهر على كل مَنْ سواهم في إظهار الحق (١) (يعني هم أوْلَى بذلك من بقية المسلمين). البر: ٦٥ - يجب على المرء بر والديه أي الإحسان إليهما وترك ما يؤذيهما من قول أو فعل يباشرهما به ولو كانا كافرين، وتجب عليه طاعتهما فيما يأمران به إن لم يكن معصيةً؛ فإنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق. (٢) إذا اختلف أبواه فيما يأمرانه به مما تجب الطاعةُ فيه، قَدّم ما تأمر به الأم (٣) وفي المالكي المشهور تساوي الأبوين في البر. وعن المحاسبي: أجمع العلماء على تفضيل الأم على الأب في البر (٤) (أي إذا لم يمكن

стр. 879

الجمع بين طاعتهما). واختُلف في الجدين: هل هما كالأبوين؟ وارتضى بعضُ العلماء أنهم دون الأبوين، وأنهم لا يبلغون مبلغَ الأبوين. (١) وفي الشافعي الجد والجدة كالأبوين، قاله في إذنهما له في الجهاد (٢) (وعقوق الوالدين هو أذاهما وعصيانهما) (٣) ٦٦ - قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يخرج إلا بقول والديه، إلا إذا اضطر المسلمون إليه، فإذا اضطروا إليه فليخرج. (٤) فلا يجوز أن يجاهد إلا بإذن الأبوين إذا قام بالجهاد مَنْ قد كفاه الخروج، فإن لم يكن مَنْ يكفي بدفع العدو فعليه الخروج بغير إذن الأبوين. وهذا الحكم خاصٌّ بالجهاد، لِما فيه من التعرض للقتل وفجيعة الأبوين به. فأما التجارات والتصرفات في المباحات التي ليس فيها تعرضٌ للقتل، فليس للأبوين منع ابنهما منه. (٥) والجد والجدة مثلُ الأبوين عند فقد الأبوين؛ يقدم في الإذن الأقوى من الأجداد والجدات. (٦) ٦٧ - إن كان الأبوان ممن يجب الإنفاقُ عليهما على الابن، لم يجز للابن أن يسافر إلا إذا ترك ما يكفي للإنفاق على الأبوين أو أحدهما مدة مغيبه أو مَنْ يتعهد بذلك.

стр. 880

في المالكي موافقة في الجهاد، فإن أراد سفرًا لتجارة يرجو به ما يحصل له في الإقامة فلا يخرج إلا بإذنهما. وإن رجا أكثر من ذلك وهو في كفاف، وإنما يطلب ذلك تكاثرًا، فهذا لو أذنا له لنهيناه؛ لأنه غرض فاسد. وإن كان المقصود منه دفعَ حاجات نفسه أو أهله بحيث لو تركه تأذى بتركه، له مخالفتهما لقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار". (١) وكما يُمنع من إذايتهما يمنعان من إذايته؛ فإنه لو كان معه طعامٌ إن لم يأكله هلك وإن لم يأكلاه هلكا قَدَّم ضرورتَه عليهما. (٢) في الشافعي والحنبلي، لا يسافر في مباح ولا نافلة إلا بإذنهما. (٣) الصلة: ٦٨ - صلةُ الرَّحِم (أي قرابة النسب من جانب الآباء والأمهات) واجبة، ولو بسلام وتحية وهدية، ومعاونة الأقارب، والإحسان إليهم، والتلطف بهم، والمجالسة إليهم، والمكالمة معهم. ويزور ذوي الأرحام غبًّا كل جمعة أو شهر (٤) (أي بحسب دنو الرحم وبعدها وبحسب الأحوال). في المالكي الواجبُ من صلة الرحم هو فيمن قرابَتُه تنشر الحرمة، بحيث لو كان أحدُهما ذكرًا والآخر أنثى حَرُمت عليه، فتجب صلةُ الرحم بين الخال وابن
следующие страницы →