← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٥٩ - القَطعة: يتوهم بعض العامة أن من يعقه ابنُه أو يتمادى في الخبث والشطارة أنه يستطيع أن يقطع نسبَه من نفسه، وربما ذهب الواحدُ منهم إلى العدولِ المنتصبين للإشهاد فأشهدهم بذلك. وبعضُ جَهلة المنتصبين [للإشهاد] يكتب لهم ذلك، وقد يريد الواحد منهم الإشهاد بالتبرؤ من تبعات ابنه، وهو يحسب أن ذلك قطعٌ لنسبه. ويسمون ذلك قَطعة، كما رأيتُه مقيَّدًا بخط شيوخنا. وتوجد في بعض مجموعات التوثيق لعدول تونس صورةُ كتب من هذا القبيل. (١) وهو عبث، إذ ليست تبعاتُ أحدٍ بلازمة لغيره في أحكام الشريعة الإسلامية، إلا ما ألزمه الشرع مثل الديات. وفي نظم العمل الفاسي وشرحه، (٢) نقلًا عن مختصر النهاية، (٣) أنه أشار فيه إلى وثيقة في هذا المعنى، ونبه على عدم الحاجة إليها.

стр. 877

القسم الخامس: آثار النسب ٦٠ - للنسب اعتباراتٌ متنوعة، فهو صفة شرعية تَقرر من أصول الشريعة وجوب حفظه، وهو سبب تترتب عليه مُسَبَّبَاتٌ عدة، وهو شرطٌ في ترتب أمور مشروطة به. وله اعتبارٌ آخر، وهو كونُه أثرًا من آثار الفراش بعصمة الزوجية، أو بملكية الأمة لمالكها. فللنسب آثارٌ يقتضيها وجودُه باختلاف هذه الاعتبارات. ٦١ - فهو باعتباره صفةً شرعية له آثارٌ تترتب عليه يكون هو علةً لها، وأهمها قاعدةُ حفظ النسب التي هي إحدى الكليات الست (المنوط بحفظها معظمُ أحكام الشريعة الإسلامية)، فوجوب حفظه أثرٌ عام من آثاره في مواطن تحققه (وهذا مبحث أصولي ليس من مباحثنا). ٦٢ - وهو باعتبار كونه سببًا تترتب عليه مسبَّبَاتٌ كثيرة هي آثارٌ له، منها عدمُ صحة نقله ولا إسقاطه، ولا تعجيز في إثباته. ومنها أنه سببُ إرثٍ للمال وإرث للولاء، وأنه سببُ استحقاقِ دم القتيل أو ديته بالأخذ أو بالعفو، وأنه سببُ التحمل بنصيب عن الدية الواجبة على أولياء القاتل أو الجارح (على تفصيل في ذلك)، وأنه سببُ وجوب نصيب من أيمان القسامة في القتل، وأنه سبب تحريم التزوُّج في مراتبه في القرابة والصهر، وأنه سبب وجوب الإرضاع على الأم أو على مَنْ يستأجره الأب، وأنه سببُ استحقاق الحضانة أو التربية (على مراتبها)، وأنه سببُ الولاية في النكاح، وأنه سببُ الولاية على مال الصغير للأب باتفاق وللجد عند الحنفي. ومنها أنه سبب الإنفاق كما هو مفصَّل (وهذه كلها لها مباحث مختصة بها)، ومنها أنه سبب عتق العبد إذا ملكه أحد أبويه وإن علَوْا، أو أحد أولاده وإن سفلوا، أو أخوه مطلقًا (وهذا يندرج في مبحث العتق).

стр. 878

٦٣ - وهو باعتباره شرطًا تتوقف عليه بعضُ الأحكام مثل صحة حج المرأة التي لا زوجَ لها المشروط بأن يكون معها محرم من ذي نسب أو صهر. (وتفصيله في مبحث الحج). وللنسب آثارٌ أخرى متفرقةٌ في دواوين التفسير والسنة والفقه وآداب الشريعة، ويجدر أن تُذكر مسائلُ منها في هذا المبحث. وهي حقوقٌ بين مَنْ تجمعهم آصرةُ النسب، وهي الحفظ ، و البر ، والصلة. الحفظ: ٦٤ - قد جعله الله في جبلة الأبوين، وجعل نصيبًا منه في جبلة ذوي القربى على تفاوتها. ومن آثاره أحكام الحضانة، والنفقة، وولاية الدم. ولم يستكثر التشريعُ تفاريعَه اكتفاءً بالوازع الطبيعي. تكون كلُّ قبيلة وعشيرة يدًا واحدة في التناصر والتظاهر على كل مَنْ سواهم في إظهار الحق (١) (يعني هم أوْلَى بذلك من بقية المسلمين). البر: ٦٥ - يجب على المرء بر والديه أي الإحسان إليهما وترك ما يؤذيهما من قول أو فعل يباشرهما به ولو كانا كافرين، وتجب عليه طاعتهما فيما يأمران به إن لم يكن معصيةً؛ فإنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق. (٢) إذا اختلف أبواه فيما يأمرانه به مما تجب الطاعةُ فيه، قَدّم ما تأمر به الأم (٣) وفي المالكي المشهور تساوي الأبوين في البر. وعن المحاسبي: أجمع العلماء على تفضيل الأم على الأب في البر (٤) (أي إذا لم يمكن

стр. 879

الجمع بين طاعتهما). واختُلف في الجدين: هل هما كالأبوين؟ وارتضى بعضُ العلماء أنهم دون الأبوين، وأنهم لا يبلغون مبلغَ الأبوين. (١) وفي الشافعي الجد والجدة كالأبوين، قاله في إذنهما له في الجهاد (٢) (وعقوق الوالدين هو أذاهما وعصيانهما) (٣) ٦٦ - قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يخرج إلا بقول والديه، إلا إذا اضطر المسلمون إليه، فإذا اضطروا إليه فليخرج. (٤) فلا يجوز أن يجاهد إلا بإذن الأبوين إذا قام بالجهاد مَنْ قد كفاه الخروج، فإن لم يكن مَنْ يكفي بدفع العدو فعليه الخروج بغير إذن الأبوين. وهذا الحكم خاصٌّ بالجهاد، لِما فيه من التعرض للقتل وفجيعة الأبوين به. فأما التجارات والتصرفات في المباحات التي ليس فيها تعرضٌ للقتل، فليس للأبوين منع ابنهما منه. (٥) والجد والجدة مثلُ الأبوين عند فقد الأبوين؛ يقدم في الإذن الأقوى من الأجداد والجدات. (٦) ٦٧ - إن كان الأبوان ممن يجب الإنفاقُ عليهما على الابن، لم يجز للابن أن يسافر إلا إذا ترك ما يكفي للإنفاق على الأبوين أو أحدهما مدة مغيبه أو مَنْ يتعهد بذلك.

стр. 880

في المالكي موافقة في الجهاد، فإن أراد سفرًا لتجارة يرجو به ما يحصل له في الإقامة فلا يخرج إلا بإذنهما. وإن رجا أكثر من ذلك وهو في كفاف، وإنما يطلب ذلك تكاثرًا، فهذا لو أذنا له لنهيناه؛ لأنه غرض فاسد. وإن كان المقصود منه دفعَ حاجات نفسه أو أهله بحيث لو تركه تأذى بتركه، له مخالفتهما لقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار". (١) وكما يُمنع من إذايتهما يمنعان من إذايته؛ فإنه لو كان معه طعامٌ إن لم يأكله هلك وإن لم يأكلاه هلكا قَدَّم ضرورتَه عليهما. (٢) في الشافعي والحنبلي، لا يسافر في مباح ولا نافلة إلا بإذنهما. (٣) الصلة: ٦٨ - صلةُ الرَّحِم (أي قرابة النسب من جانب الآباء والأمهات) واجبة، ولو بسلام وتحية وهدية، ومعاونة الأقارب، والإحسان إليهم، والتلطف بهم، والمجالسة إليهم، والمكالمة معهم. ويزور ذوي الأرحام غبًّا كل جمعة أو شهر (٤) (أي بحسب دنو الرحم وبعدها وبحسب الأحوال). في المالكي الواجبُ من صلة الرحم هو فيمن قرابَتُه تنشر الحرمة، بحيث لو كان أحدُهما ذكرًا والآخر أنثى حَرُمت عليه، فتجب صلةُ الرحم بين الخال وابن

стр. 881

الأخت وشبه ذلك. وفيما بعد هذا، فهي مطلوبةٌ على سبيل الندب في ابن العم وفي كل مَنْ يجمعك وإياه أبٌ أو أم قريب أو بعيد. (١) وذلك قرابةُ المؤمنين لا الكافرين إلا برَّ والديه. (٢) وفي حديث الموطأ والصحيحين أن عمر بن الخطاب كسا أخًا له مشركًا حلَّةً سِيَرَاء أعطاها إياه النبي ﷺ . (٣) قال الباجي في شرحه لهذا الحديث: "وقد أباح النبي ﷺ لأسماءَ أن تصل أمَّها وقد قدمت عليها مشركة". (٤) فجعل ما فعله عمر من هذا القبيل. قال عياض: اختُلِف في حد الرحم التي تجب صلتها، فقيل: كل ذي رحم محرَم، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتها. وقيل: هو عام في كل ذي رحم من ذوي الأرحام في الميراث وهو الصواب. (٥) والمرادُ بالميراث ضبط مقدار القرابة، وهي التي تكون سبب ميراث. وليس المراد الميراث بالفعل؛ إذ قد يكون لأحد ذوي الأرحام مانع من الميراث كالرق، ولا يمنع ذلك من صلته ومن ذلك صلة ذي الرحم الكافر عند القائلين بها.

стр. 882

٧١ - إذا كان ذو الرحم كافرًا، لا يسقط حقُّ صلته لقول النبي ﷺ : "إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أَبُلُّها ببلاها"، يعني أصلها بصلتها" (١) (يعني آل الحكم بن أبي العاص، وكانوا يومئذ مشركين) (٢)

стр. 883

الوقف وآثاره في الإسلام [تقديم] الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد، فقد عرض عليَّ الماجد الفاضل السيد مدير تحرير جريدة النهضة الغراء عددًا من جريدة الأهرام صادرًا في ٢٦ جمادى الثانية وفي أوت [أغسطس] الفارطين، ولفت نظري إلى ما نُشِر فيه من اقتراح قدمه السيد عبد الحميد عبد الحق - أحد أعضاء مجلس النواب المصري - بطلب إصدار قانون في تحجير انعقاد الوقف المعبَّر عنه بالأهلي (الحبس الخاص في اصطلاح أهل تونس)، (١) واستند لعلل ذكرها في اقتراحه الذي سنأتي على نصه. وسألني إبداءَ رأي من موافقة الأنظار الشرعية، أو معارضتها لِما تضمنه ذلك الاقتراح. وعلى تقدير أن لا يرى النظرُ مانعًا منه، فهل تنجرُّ مصلحةٌ للقطر التونسي إذا أُجري فيه مثلُ ذلك المقتَرَح؟ فأجبته لذلك متكلِّمًا على موقع الوقف وما ينشأ عنه من الآثار في الأمة الإسلامية، مع مسايرة اقتراح الفاضل عضو مجلس النواب من حيث ما اشتمل عليه من التعليل التشريعي والاقتصادي.

стр. 884

نص ما به من الاقتراح الذي في جريدة الأهرام قال النائب المحترم في اقتراحه: "زال الوقف الأهلي من جميع بلاد الدنيا إلا من مصر، فقد بقي فيها عاملًا من أكبر عوامل الشقاء والظلم والتعاسة والحرمان، ومثارًا للشكايات، ومنشأً للخصومات وفساد الأخلاق وخراب الأرض والديار، وتمكين المرابين من رقاب المستحقين. إن أضرار الوقف أولًا: فالوقف حجر ليس فقط على المستحقين، بل على الأعيان، فهو يفرض غرامة وحجْرًا قسريًّا على أشخاص عقلاء ومتمتعين بكامل الأهلية، ويخرج الأعيان نفسها من التعامل أو من مجموع الثروة فيجعلها في حكم غير الموجودة لا تصلح للضمان ولا للثقة، ولو أُطلِقت الحرية في الوقف لكان هذا مصير جميع أطيان القطر، وهكذا نحن نجري سريعًا نحو الحجر على جميع سكان القطر، وعلى إخراج جميع ثروته من التعامل، وهي نتيجة تخالف العقل. ثانيًا: لا شك أن نظام الوقف أدى إلى عكس الغرض الذي قصده الواقفون من ضمان عيش هنيءٍ للمستحقين، ففي سنة ١٩٢٦/ ١٩٢٧ بلغت المبالغ المحجورة تحت يد وزارة الأوقاف فقط نحو مليون جنيه، حالة أن استحقاق المحجور عليهم في السنة مائة واثنان وعشرون ألف جنيه. ثالثًا: أنه قد ارتفعت المصلحة في الإصلاح وحلت المصلحة في الاغتيال، لأن من يدير لحساب نفسه ليس كمن يدير لحساب غيره، وقد أدى نظام الوقف إلى خراب الدور والأماكن الموقوفة، فعددُ الأماكن التي تنتظر عليها الوزارة كان ثلاثين وتسعمائة وسبعة آلاف منها ألفان خمسة وعشرون مكانًا خرِبًا أو في حكمه، وأكثر الباقي يسير نحو الخراب. وقس على ذلك الأراضي الزراعية، فإنه ثبت أن من ضمن الأطيان المنتظرة عليها وزارةُ الأوقاف واحد وثلاثون ألفًا وخمسمائة وأربعة وعشرون فدانًا فاتها الإصلاح فأصبحت بورًا. رابعًا: أنه يؤدي إلى تجزئة الوقف إلى أجزاء صغيرة تنعدم معها كلُّ منفعة.

стр. 885

خامسًا: ومن أضراره كثرةُ الخصومات والشكايات وانتشار البغضاء بين الأهل والأقارب، وإفساد المستحقين بنشر البطالة بينهم، لأن العمل للناظر، والمستحق يعيش عيشة المحال على المعاش ولو كان في ريعان الشباب. سادسًا: أنه يجبر الإنسان على البقاء في الشيوع، ويعطي الفرصةَ لبعض الواقفين الواقعين تحت تأثيرات غير مشروعة لمخالفة الفرائض الشرعية، بحرمان ذوي الفروض، أو إيثار بعض الورثة على بعض، أو تضمين وقفياتهم شروطًا تعسفية لم تصدر إلا عن شهوات ذاتية كاشتراط عدم زواج البنت أو إبعاد الأهل أو عدم زواج الزوجة أو حرمان أولاد البطون، إلى غير ذلك. غير أن أصحاب المصالح الذين ينتفعون من نظام الوقف لا حجةَ لهم إلا التحكك بالدين، والدين بريء منهم. ويكفي أن نذكر للرد عليهم أن الوقف ليس نظامًا إسلاميًّا، بل إنه كان موجودًا عند قدماء المصريين وعند الرومان وعند الإفرنج عامة فتخلصوا منه جميعًا ولم يبق إلا في مصر. وأقوى ردٍّ عليهم أن القاضي شُريْحًا - وهو من كبار التابعين ومن أعظم فقهاء الإسلام - يقول بعدم جواز الوقف أصلًا، وأن الإمام أبا حنيفة يرى أن للواقف أن يرجع عن وقفه وينحل حتمًا بعد وفاته وتوزع رقبته ومنفعته بين الورثة. وفي مصر نفسها لجأ برقوق إلى علماء المسلمين فأفتوه بحل الوقف الأهلي، كما لجأ محمد علي باشا إليهم فأعطوه نفس الفتوى. ومما جاء في فتواهم أن الوقف من الأمور التي وقع فيها خلاف أئمة الاجتهاد وأن أمر الآمر متى صادف فصلًا مجتهدًا فيه نفذ أمره، أي وجب امتثاله والامتناع عن مخالفته. وبما أن الوقف الخيري الغرض منه صدقة من الصدقات، وهو مما يحث عليه، كما أنه هو الأصل في الشريعة الإسلامية، فإننا نحبذه، فضلًا عن أنه لم يبلغ من الكثرة ما يخشى منه، وبما أن حل الوقف تعترضه مشاكل كثيرة، فإننا نكتفي في هذا المشروع بمنع الوقف الأهلي من وقت صدور هذا القانون".

стр. 886

هذه خلاصةُ الاقتراح الذي قدمه النائب المحترم إلى مجلس النواب، ويليه إبداءُ رأينا في هذا الموضوع المهم بتفصيلٍ لا يدع للشبه مجالًا. أصل التملك قبل الإسلام: كان من أصول الحضارة البشرية من أقدم أزمان التاريخ أن يدأب المرءُ إلى تحصيل ما يحتاجه لقوام أود حياته وسلامته؛ فهو يصيد القنيصة لطعامه، ويجتني الثمرة ليتفكه بها، ويحطب حطبًا ليوقد عليه، ويبني البيت أو الخص ليقيَه الْحَرَّ والقر، ويجاور حوضَ الاء خشيةَ العطش، ويرتبط الفرس ويعد السلاح ليدافع به، ويقتني الجَزْعَ (١) والرياش وفريد قلائد الذهب والفضة ليتحلى بها. وهو في سعيه لنوال كل أولئك يتجشم عَرَقَ القِرْبَةِ، (٢) ومشقة الكد، وخطر الخوف، ووحشة الاغتراب. وهو يعمد أيضًا إلى السبق إلى البَريرِ (٣) والنَّبِق، والجلوس في الظل، وتحويل ساقية من الوادي إلى زرعه.

стр. 887

وكان ذلك التعب وذلك الاحتيال يدعوه إلى التكثُّر مما يتطلبه والتحفظ على ما يفضل عن حاجته، ادخارًا لشدائد الأزمان أو تباعد المكان، وتطلُّبًا للراحة بقدر الإمكان، "كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ الْعِرَاقِيِّ تَفْهَقُ". (١) وقد رأى الإنسانُ ذلك الكدَّ الذي نال به ما سعى إليه وتلك الحيلة التي سبق بها غيره يتناول ما تناوله، يخول له حقَّ الاختصاص بنواله، وكونه أولَى به ممن جاء بعده. فإذا امتدت إليه أيدي الطامعين رأى عملهم ظلمًا، وحمى غضبه وقام إلى مدافعتهم، كما قال زهير: ومَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حِيَاضِهِ بِسِلَاحِهِ ... يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظلَمِ (٢) أي: لا يظن أن مسالَمَتَه الناسَ كافيةٌ له عن الذود عن حياضه؛ لأنه لو ترك الناس فالناس لا يتركونه، هذا مراد الشاعر من المصراع الثاني. ثم ارتقى بالإنسان اعتقادُ أحقيتِه بما اكتسبه إلى أن رأى لنفسه الحقَّ في التصرُّف فيما حصله بكدِّ يمينه تصرُّفًا مطلقًا لا يقبل تدخُّلَ متدخِّل، إذ قدر أن التدخلَ في شأنه ما هو إلَّا محاولةٌ لانتزاع بعضِ حقه. وقد عجب أهلُ مدين أن جاء رسولُهم شعيبٌ يضَيِّق عليهم بعضَ أصناف المعاملة المشتملة على مفاسد، حين لم يفقهوا حكمةَ التشريع، ولم يفهموا من منعه إلا تدخلَه في شؤونهم، فشافهوه بالإنكار والتهكم به، فيما حكى عنهم القرآن: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧].

стр. 888

فالاستفهامُ في قوله: "أصلاتك" استفهام إنكاري، وهو حكايةٌ مساوية لكلامهم، والتأكيداتُ وصيغةُ الحصر في قوله: "إنك لأنت الحليم الرشيد" المفيدة معنى: أنت الرشيد وحدك بلا شك، أي: وبقية الناس سفهاء؟ تلك قرينةٌ على قصد التهكم. مقصد الشريعة الإسلامية في تصريف الأموال اختصاصُ المالك بما يملكه وتصرفه فيه بوجوه التصرف - المعبَّر عنه بحرية التصرف - أصلٌ طبيعي كما علمت، وهو أيضًا أصلٌ شرعي، دليله قول النبي ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق". (١) لكن الشريعة قيدت هاته الحرية بقيود قليلة راجعة إلى حفظ مقاصد الشريعة في الأمة، إما لدرء مفسدة عامة مثل معاملة الربا، أو مضرة خاصة كما حجر الإسلام على السفيه مباشرة التصرف لدفع مفسدة الإسراف الذي يجعل صاحبَ المال في أضرار جمة، وكما منع بيع شيء لأحد على شرط أن لا يبيع لغيره، فإن المشتري بذل ماله لرغبته في الشيء المبيع. فإذا اشترط عليه البائعُ ذلك الشرط قبله مُكرَهًا لأجل الرغبة، ثم صار ذلك في المستقبل ضررًا عليه قد يعطل عليه الانتفاع بثمنه عند الحاجة أو عند العجز عن الانتفاع بمنافعه. وبيان أسباب هاته التقييدات ومرجعها إلى أصول الشريعة، وليس هنا محل بسطه. وفيما عدا تلك التقييدات المعلومة، أبقت الشريعةُ التصرفاتِ الْمِلكية (٢) على احترامها أو حريتها. ولذلك كان آخر أقوال الرسول ﵇ في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام". (٣) وفي الموطأ أن عمر ﵁ لمَّا حمى أرضًا لرعيِ

стр. 889

إبل الصدقة قال: "وايْم الله، إنَّهم (أي القبائل التي كانت ترعى أرض الحمى قبل أن يتخذها عمر حمًى) ليرون أنِّي قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده لولا المالُ [أي الإبل] الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا". (١) ومن أكبر مقاصد الشريعة في الأموال تيسير دورانها على آحاد الأمة، وأن لا تكون في طائفة معينة يتلقاها الفرعُ عن أصله. وإني فهمت الإشارة إلى هذا المقصد من قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] (الدُّولة بضم الدال، العاقبة في المال، أي: التعاقب فيه من واحد إلى آخر). (٢) فلأجل هذا شرع الإسلامُ للأموال حكمين: حُكمًا خاصًّا بحياة المالك، وحكمًا خاصًّا بما بعد موته. فجعل المالكَ في حياته حرَّ التصرف فيما ملك حثًّا للناس على السعي في الاكتساب لتوفير ثروة الأمة بالعمل، وجعل مالَه بعد موته موزَّعًا في طائفته.

стр. 890

فقد شُرِع في صدر الإسلام فرضُ الوصية للوالدين والأقربين، (١) ثم نُسِخَ بشرع المواريث المبين في الكتاب والسنة، وجُعِل للمالك حريةُ التصرف في ثلث ماله فيما يعينه له من بعد موته. فكان إقدامُ الشريعة على تنفيذ مقصدها من دوران الأموال مجعولًا في حالة ما بعد الموت؛ لأن مكتسِبَ المال قد قضى منه مرغوبَه في حياته من إنفاق أو كنز، وصار تعلقُه بماله بعد الموت تعلقًا ضعيفًا، فصار علمُه بتشريع قسمته بعد موته لا يثبطه عن السعي والكد في تنميته مدةَ حياته؛ لأن تفكير المرء في مصير ماله بعد وفاته أضعفُ من تفكيره في مصيره في حياته. على أن الشريعة لم تنس رفقَها بالناس، فجعلت مالَ الحيِّ بعد موته صائرًا إلى أقرب الناس إليه، وذلك مما تطيب به نفسُ صاحبِ المال في مدة حياته، وراعت في مقدار القرب الأحوالَ الغالبة ومظنةَ الود والميل، وإلى ذلك أشار القرآن في قوله تعالى عقب آية الفرائض: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. الوقف في نظر الشريعة الإسلامية: عرّف أبو عمر بن عبد البر (٢) الوقفَ في كتابه المسمى بالكافي بقوله: "هو أن يتصدق المالك لأمره بما شاء من [ربعه ونخله وكرمه وسائر] عقاره، لتجري غلاتُ ذلك وخراجاتُه ومنافعُه في السبيل الذي سبَّلها فيه مما يقرب إلى الله تعالى، ويكون الأصل موقوفًا لا يُباع ولا يُوهبُ ولا يورث عنه أبدًا ما بقي منه شيء". (٣)

стр. 891

والحبس من مبتكَرَات الإسلام، وهو من الاصطلاحات الإسلامية الجليلة، ولا يُعرف له نظيرٌ في الجاهلية. قال ابن رشد في المقدمات: "لا يُعرفُ جاهليٌّ حبس دارَه على ولده أو في وجه من الوجوه المتقرَّبِ بها إلى الله تعالى، وإنما فعلت الجاهليةُ البحيرةَ والسائبةَ والوصيلة والحامي". (١) وعن الشافعي ﵀: "الوقف من خصائص هذه الأمة، ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهلية". (٢) قلت: ليس في البحيرة ونحوها ما يشبه الحبسَ، إلا البحيرة التي يُمنع لبنُها فلا تُحلب إلا للطواغيت، (٣) فلها بالحبس شبهٌ ضعيف. والوقف غير موجود أيضًا في شريعة التوراة ولا في المسيحية. وكان أول وقف في الإسلام وقف عمر بن الخطاب، ففي صحيح البخاري عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إني أصبتُ

стр. 892

أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفسَ عندي منها فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبستَ أصلها وتصدقتَ بالثمرة، فتصدق بها عمر أنه لا يُباعُ ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضعيف، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متموِّل". (١) وقد وقف النبي ﷺ سهمَه بخيبر وأرض مخيريق. (٢) فشريعةُ الإسلام حين شرعت الوقف وأباحته لاحظت قاعدة عامة، وهي قاعدة حرية تصرف المالك في ملكه حال حياته، وهي حرية مطردة إلا فيما يفضي إلى مضرة عامة أو مضرة خاصة، كما تقدم. ولاحظت قاعدةً ثانية، وهي أن تمليك العطية يقبل من الشروط على المُملَّك (بفتح اللام) ما يُقبل مثلُه في المعاوضات، بعلة أن المُمَلَّك لم يُعطِ عوضًا من ماله في مقابلة ما أخذه، فهو منتفِعٌ بما صار إليه على كل حالة صار بها إليه. فالواقفُ صرم الشيءَ الموقوفَ عن ملكه وملَّكه للموقوف عليه تمليكًا مشروطًا بشروط، فلم تحصل مضرةٌ للمُعطِي، إذ هو طيبُ النفس بما صنع، ولا للمُعطَى (بالفتح) إذ هو مستفيدٌ بمال لم يكن من قبل ماله. ولذلك اتفق جمهورُ فقهاء الإسلام الذين تقلدت الأمةُ مذاهبهم على إجازة أصل الوقف ولزومه للواقف على شروط مرعية مختَلَفٍ فيها بينهم ترجع إلى تحقيق مكمِّلات المقاصد الشرعية في أنظارهم وبحسب مبلغ اجتهادهم. ولم يشذَّ عن ذلك إلا شريحٌ (٣) إذ منع انعقادَ الحبس، واحتج بِما رُويَ أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا

стр. 893

حبسَ عن فرائض الله"، (١) وما روي عن ابن عباس من طريق عبد الله بن لهيعة أن رسول الله ﷺ قال: "لا حُبْسَ بعد سورة النساء"، (٢) يعني آيةَ الفرائض، وإلا أبو حنيفة إذ نُقِلَ عنه موافقةُ شريحٍ في عدم جواز الحبس أصلًا، قال الزيلعي: "وهذا هو المنقولُ عنه قديمًا، ونُقل عنه أنه جائز، أي: مباح، لكنه غير لازم، فللواقف الرجوعُ عنه حالَ حياته، وإذا مات لا يلزم ورثتَه، ويورث عنه بعد موته، وهذا هو الصحيح عن أبي حنيفة". (٣)

стр. 894

واعلم أن أئمةَ مذهبه قائلون كلهم بجواز الوقف ولزومه. وقد اتفق علماء الأمة من المائة الثانية إلى الآن على عدم العمل بهذين القولين، وعلى ضعف مدرَكهما وتزييف الحديث الذي اعتضدا به. (١) واعلم أن المرادَ بالجواز هنا الجوازُ المقابل للمنع، أي ليس الوقفُ ممنوعًا. وليس المراد بالجواز الإباحة؛ لأن حكم الوقف الندب؛ لأنه عطية، ففيه نفعٌ للمعْطَى. قال عياض في المدارك وابن رشد في المقدمات: قيل لمالك: إن شريحًا لا يرى الحبسَ، ويقول: لا حبس عن فرائض الله، فقال مالك: "رحم الله شُرَيْحًا! تكلم ببلاده ولم يدر ما صنع أصحابُ رسول الله ﷺ ، ولم يرد المدينة فيرى آثارَ الأكابر من

стр. 895

أزواج النبي ﷺ وأصحابه والتابعين بعدهم، وما حبسوا من أموالهم، وهذه صدقات النبي ﷺ سبع حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاطَ به خُبرًا". (١) قال ابن رشد: وهذه المسألة ناظر فيها مالك "أبا يوسف صاحب أبي حنيفة بحضرة الرشيد، فقال (مالك لأبي يوسف): هذه أحباسُ رسول الله وصدقاته ﷺ ينقلها الخلفُ عن السلف قرنًا بعد قرن، فقال حينئذ أبو يوسف: كان أبو حنيفة لا يراها جائزة، وأنا أقول جائزة". (٢) أقول: ولذلك كان الأرجحُ من تفريعات مذاهبهم في هذا الباب جاريًا على مراعاة أصل قاعدة جواز العطايا، وذلك في كل فرع يقتضي إمضاءَ شروط الواقفين ولا ينافي مقصد الشريعة من الوقف. قال المالكية: يتبع شرط الواقف إذا لم يشترط شيئًا حرامًا. ولهذا منع جمهورُ فقهاء الإسلام تحبيسَ المرء على نفسه ثم على من يعينه بعد موته، ومنعوا التحبيسَ المشترط فيه الانتفاعُ بكامل غلة الحبس أو معظمها. وضيقوا في شروط تولِّي المحبِّس الحوزَ لمحاجيره إذا كانوا صغارًا، وفي شروط رجوع الشيء المُحبَّس إلى حوز المُحبِّس بعد مضيِّ مدة الحوز؛ لأن ما لاحظوه كله مقصودٌ منه التفادي عن التذرع للتوصل إلى التصرف في المال بعد الموت الذي هو منافٍ لأصل الشريعة في تقييد حرية الأموال كما مر آنفًا. (٣) ولم يشذ عن ذلك إلَّا أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، إذ رأى الحبسَ صحيحًا لازمًا في معظم الأمور التي منعها الجمهور مما أشرنا إليه. وزاد عليهم صورةً غربيةً،

стр. 896

وهي أن يحبسَ المرءُ على نفسه مدةَ حياته، ثم لمن يعينه بعد وفاته. وسنبدي القولَ في هذا الرأي في المبحث الخامس، فجمهورُ الفقهاء كانوا وسطًا عدلًا بين طرَفَيْ التضييق الذي وقع في قول شريح والتوسيع الذي وقع في قول أبي يوسف. انقسام الحبس: قسم فقهاؤنا الحبسَ باعتبار المحبَّسِ عليه إلى ثلاثة أقسام: الأول: المحصور المعيَّن كالحبس على زيد مدة حياته. الثاني: المحصور غير المعيّن، كالحبس على أناس وذرياتهم. الثالث: غير المحصور ولا يكون إلا غير معيّن، وهو الحبس على من لا يُحاطُ بهم كالفقراء والغزاة والقناطر والمساجد وطلبة العلم. وهذا التقسيم لا أثرَ له إلا في كيفية قسمة الربح، ووقت استحقاق المستحق. وقد اصطلح أهلُ تونس أخيرًا على تسمية القسمين الأولين بالحبس الخاص وتسمية الثالث بالحبس العام، واصطلح أهلُ مصر على تسمية الأولين بالحبس الأهلي وتسمية الثالث بالحبس الخيري. وليصطلحْ كلُّ قوم على ما شاؤوا، فإن ذلك لا أثر له. فإن الذين أجازوا الحبسَ أجازوا نوعيه، ومَنْ شذَّ عن ذلك - مثل شريح - منع الجميع، فلا يصح التفصيلُ بين نوعَيْ الحبس بأن يبطل أحدُ نوعيه ويُقَرَّرَ الآخر. ثم إن الوقف الخاص أو الأهلي هو الذي كان أعظمَ سبب لإيجاد الوقف الخيري؛ لأن غالبَ الأوقاف تبتدئ بالوقف على الأقارب والطبقات الخاصة، ثم تعقب على جهات البر العامة؛ لأن إيجادَ قولٍ بإباحة أحد الصنفين ومنع الآخر إحداثُ قولٍ ثالث بعد إجماع الأمة على قولين. وهذا النوع من الإحداث في حكم خرق الإجماع عند كثير من علماء أصول الفقه، ولنا فيه نظر، ولكنا ذكرناه هنا جريًا على قولهم. (١)

стр. 897

هل الوقف من الإسلام ؟ قد وقع في كلام الفاضل المقترِح أن الوقف ليس نظامًا إسلاميًّا، فتعيَّن أن نشرح الرادَ من كونه ليس نظامًا إسلاميًّا، فإن هذه عبارة توهم أنه يخالف نظُمَ الإسلام. وقد عللها بقوله: "بل إنه كان موجودًا عند قدماء المصريين"، إلخ. وكونُه كان موجودًا عند المصريين والرومان لا يقتضي نفيَ كونه نظامًا إسلاميًّا؛ لأن الإسلام حين شرع الوقف لم تكن له علاقةٌ بنظم المصريين ولا الرومان، (١) وحينئذٍ فوجودُه عند الأمم السابقة على الإسلام لا يزيد مشروعيتَه في الإسلام إلا قوة. وقد ثبت في المبحث السابق أن الوقف نظام إسلامي بحت، وأنه لم يكن معروفًا للعرب في الجاهلية. وقد ثبت بالسنة أن عمر ﵁ حبس ثمغًا وصرمة بن الأكوع، والمائة سهم التي له بخيبر، وقد اشتمل على الصنف الأهلي، فإنه جاء في نص وقفه: "للفقراء وفي القربَى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل"، (٢) ولا شك أن ذوي القربَى هم قرابةُ عمر.

стр. 898

وبعد، فليست المداركُ منحصرةً في الكتاب والسنة، فإن القياسَ أعظم المدارك الإسلامية، وإن الحبسَ صرفُ مالك المال مالَه عن ملكه إلى ملك غيره في حياته، فهو مثل الهبة والصدقة، وإن في كليهما مضرةً لورثته بتنقيص التركة، وإنه ليس في شيء منهما تغييرٌ للمواريث، إذ المواريثُ لا تُتصوَّر إلا بعد الموت كما قدمناه في المقدمة، فلا نجد معنًى في قياس الشريعة يمنع من انعقاد الوقف. وأما ما استند إليه شُريحٌ من اشتمال الوقف على تغيير المواريث، وما رُويَ أنه ﷺ قال: "لا حبْسَ بعد سورة النساء"، فنقول: إن الحبس الأهلي ليس فيه تغييرُ المواريث؛ لأنه تفويتُ المال في الحياة، إذ الحبس يُشترطُ في لزومه عند المالكية وعند معظم العلماء أن يقع الحوزُ في حياة المحبِّس وصحته وملائه. وأما المواريث، فإنما تكون فيما تركه الميتُ من ماله بعد موته. ثم الحبسُ الأهلي قد يكون على غير الورثة، وهذا لا إشكالَ في كونه لا يخالف المواريث. وقد يكون على الورثة على الفريضة الشرعية حتى الزوجية، وأن مَنْ مات عن وارث فحقُّه لورثته، وهذا قريبٌ من الأول. وقد يكون على بعض الورثة دون بعض، كالذي على الذكور دون الإناث. وهذا قد تكلم الأئمةُ في جوازه ومنعه، والذي عليه الانفصالُ أنه يمضي، ولكن المحبس يُؤاخَذُ بنيته في ذلك. وقد نُقل عن مالك ﵀ القولُ ببطلان الحبس الواقع فيه التنصيصُ على إخراج البنات أو المتزوجات منهن، وهي روايةُ ابن القاسم عنه. قال ابن القاسم: "فإن حازه المحبَّسُ لهم مضى". (١) وروى علي بن زياد التونسي عن مالك أنه مكروه، وفُسرت الكراهةُ بكراهة التنزيه وبكراهة التحريم. واختار محقِّقُو المذهب المالكي روايةَ علي بن زياد، كما اختاره اللخمي وعياض وكثيرٌ من المالكية، وبذلك جرى القضاءُ والفتوى. (٢)

стр. 899

إلا أن هذا الخلافَ ليس منظورًا فيه إلى التعليل بمخالفة الفرائض، بل إلى قاعدة تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية. وهي مسألةٌ ذاتُ خلاف من أصلها، خلافًا مستندًا لما رواه النعمان بن بشير أن أباه بشير بن سعيد الخزرجي جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله إني نحلت ابني النعمان شيئًا وإن أمه قالت لي: أشهِدْ على ذلك رسولَ الله. فقال له النبي ﷺ : "أكُلَّ ولدك نحلته مثله؟ " قال: لا، قال رسول الله ﷺ : "ارتجعه" (١) وفي رواية: "لا تُشهِدْني على جور"، (٢) ولأن إخراجَ البنت يشبه فعلَ الجاهلية من عدم توريث البنات، كما قال مالك ﵀. (٣)

стр. 900

وبعد هذا كله، فليس وجودُ الفساد في بعض الأحباس مما يقتضي إبطالَ أصل الحبس، وإلا لزم أن تبطل الهبةُ والصدقة؛ فإن القائلين بمنع التحبيس على بعض الأولاد دون بعض قائلون أيضًا ببطلان الهبة لبعض الولد، وهي التي ورد فيها حديث النعمان بن بشير. وما يكون من الحبس على غير الورثة لا يتهم فيه المحبس على قصد تغيير المواريث؛ لأن التحويز المشترَط عند عامة الفقهاء يدفع هاته التهمة، إذ لا يُظنُّ بأحدٍ أن يخرج ماله في صحته نكايةً بوارثه. نعم، تقوم التهمةُ المذكورة على رأي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة القائل بصحة وقف الواقف شيئًا على نفسه ثم من بعده ممن يعينه، والقائل بصحة شرط الواقف في وقفه أن يبقى حوزُ الموقوف في يده إلى موته، فيصير بعده لِمَنْ عَيَّنَه. وهذا رأيٌ اختص به أبو يوسف، ولم يوافقه عليه أحدٌ من علماء المذاهب، وفيه مجالٌ من النظر يجول في قاعدة اعتبار المقصد أو اللفظ. فأما تحبيسُ المرء على نفسه ثم على مَنْ يعيِّنه، فهو مخالفٌ لأصل الحبس في الشريعة الإسلامية؛ لأن أصلَ الحبس على اختلاف كيفياته إنما هو من العطايا، وماهيةُ العطية أنها إخراجُ مالكِ المال شيئًا من ماله عن ملكه إلى غيره، فأيُّ معنى للتحبيس على النفس؟ ولذلك قال فقهاء المالكية ببطلان حبس مَنْ حبس على نفسه وعلى غيره، ولم يزالوا يحكمون بفساد هذا النوع من الحبس عندما يقع التخاصمُ فيه لدى قضاة المالكية. (١) وأما شرطُ المحبِّس الانتفاعَ بغلة ما حبَّسه مدةَ حياته فهو في معنى الحبس على النفس؛ لأنه عطيةٌ لا يستحقها المعطَى إلا بعد موت المعطِي، فهو في معنى الوصية،

стр. 901

فيقتضي أن لا يمضي إلا في ثلث تركة المحبس وعلى غير وارث، وإلا لكان تغييرًا للمواريث. وإن نظرنا إلى اللفظ وجدناه قد عبر عنه بالحبس، واعتضد بجعل المحبِّس نفسَه كواحد من المحبَّس عليهم؛ إذ حجر على نفسه بيعَ ما حبسه ورهنه، وبذلك خالف الوصية، وكذلك التحبيس مع اشتراط عدم التحويز، فغلَّب أبو يوسف اللفظ على المقصد. ولعلنا نعضد هذا التغليب بأن فيه بناءً على أصل حرية الأموال، لكن هذا التغليب ضعيف من حيث النظر، إذ العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، فهو تغيير للمواريث لا محالة، أو حرمان للوارث أصلًا، ولأن حريةَ التصرف في الأموال لها حدٌّ قد خرج عنه هذا النوع من التحبيس. غير أن فقهاء الحنفية استحسنوا قولَه، وجعلوا القضاء به، لِمَا فيه من تيسير التحبيس على الناس ترغيبًا في حصول المنافع الراجعة لمراجع خيرية من مصالح المسلمين. فلو اشتُرِط تحويزُ المحبَّس عليهم في حياة المحبِّسين لانكفَّ كثيرٌ منهم عن التحبيس؛ لأن خلعَ المالكِ ملكَه عن نفسه أمرٌ صعب على النفوس. ولذلك قلد قولَ أبي يوسف كثيرٌ من الناس في أحباسهم، وكأنهم رأَوْا هذا التحبيسَ لا يخلو من مرجع عام بعد الأعقاب أو بعد نفس المحبِّس، فكرهوا أن يَحُولوا بين تلك المصارف الخيرية وبين منفعة هاته الأحباس. هذا ملاكُ الاجتهاد والترجيح في قول أبي يوسف ومَنْ رجحه. والتحقيقُ أن قول أبي يوسف منافٍ لقصد الشريعة من إبطال حرية التصرف في المال في حالة ما بعد الموت، مع ضعف مُدْرَكه بعدم وجود نظيرٍ له في أحباس السلف، وفيه تهمةُ قصد المحبِّسين حرمانَ بعضِ الورثة دون بعض؛ لأنهم لمَّا عَلَّقُوا إنجازَ التحبيس إلى ما بعد الموت فقد صاروا يراعون حالةَ الميراث لا محالة. بقي أن يقال: إن الحبس الذي يشتمل على إعطاء بعض الأولاد دون بعض، أو حرمان الزوجة إذا تسلط على جميع المال أو على معظمه، كان فيه تهمةُ قصدِ حرمان مَنْ أُخرج من الورثة. فنقول: هو لا يندرج تحت قاعدة مخالفة مقصد الشريعة في إبطال المواريث؛ لأن المحبِّسَ لم يُعَلِّقْه على موته، ولكنه يندرج تحت قاعدة المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، وهي قاعدةٌ من قواعد الفقه غير المطردة

стр. 902

عندنا. (١) ولذلك اختلف العلماء في العطية التي قُصد منها حرمانُ الوارث، وقد فرضها فقهاؤنا في الوصية، والمشهور من المذهب عدمُ الالتفات إلى قصدِ المتبرِّع حرمانَ وارثه. ليس الوقف حجرًا على الرشداء: أكبرُ شُبهةٍ عرضت لصاحب اقتراح إبطال الوقف أنه قال: "إن الوقف حجر على المستحقين فيه، وهم أشخاصٌ عقلاء أهل للتصرف"، يقصد بذلك أنه مخالف لقواعد الشريعة حيث تخص الحجر بالسفهاء. وهذا الكلامُ سفسطة؛ لأن مسمَّى الحجْر هو منعُ شخصٍ من التصرف التام في الأشياء التي يملكها ملكًا تامًّا، بأن يكون تصرفُه دون تصرف غيره مِمَّنْ لا منع عليه - وأسبابُ الحجر مقررة في كتب الفقه والقوانين. أما تحديد التصرف في الأشياء بحسب الالتزامات والشروط المتفق عليها بين المتعاقدين - وهي التحديدات الجعلية - أو بحسب التحديدات الشرعية، فليس بحجر؛ إذ من الواجب الوقوفُ عند الحدود التي تعاقد عليها الناس. وذلك من الوفاء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وفي الحديث الصحيح: "المسلمون

стр. 903

عند شروطهم، إلا شرطًا أحلّ حرامًا أو حرَّم حلالًا"، (١) فأشار هذا الحديثُ إلى صنفيْ التحديدات، أعني التحديدات الجعلية الناشئة عن الوفاء بالشروط، والتحديدات الناشئة عن التعيينات الشرعية. ألا ترى أن منعَ المكتري من التصرف في ذات المحل بالهدم والبناء ليس من الحجر، وأن منع الشريك من تغيير المحل المشترك بدون إذن شريكه ليس من الحجر، وأن اشتراطَ المقارض على عامل القراض ضمانَ الخسارة شرطٌ باطل ولو رضِيَ به العامل، ولا يُعدُّ ذلك حجرًا على المتقارضين، وأن اشتراطَ ربِّ الأرض على عامل المغارسة أن يبني جدارًا يسيج به البستان شرطٌ باطل ولو رضيا به، ولا يعد ذلك حجرًا عليهما؟ فمستحق الحبس بمثابة المكتري قد صار إليه حقُّ الانتفاع بريع العقار دون ملك ذاته على شروط مبينة يضعها المحبِّس، فإن رضي المحبَّس عليه بذلك التحبيس قبله، وإلا فليرجعه إلى ربه. هل في الوقف مصلحة أو مفسدة ؟ المصلحة ما فيه الصلاح العام أو الخاص، والمفسدة ما فيه الفساد أي الضرر العام أو الخاص. فكون الفعل مصلحة أو مفسدة له معنيان: أحدهما: أن يترتب عليه صلاح خالص أو فساد خالص، أي فيه صلاح حيثما وقع، كالإيمان بالله والرسول، وحماية بيضة الإسلام، ويكون فيه فساد حيثما وقع كالشرك بالله، وتكذيب الرسول ﵇، وإهلاك الحرث والنسل.

стр. 904

وثانيهما: أن يترتب عليه صلاح مخلوط بالفساد، أو فساد مخلوط بصلاح، للخصوص أو العموم. والأقسام كثيرة، أمثلتهما غير عسيرة كإحراق عمر بيت رويشد الثقفي الذي جعله مأوى للدعارة، فذلك صلاحٌ مخلوطٌ بإفساد مال ينتفع به الناس. وكشرب الخمر والمقامرة، فهما فسادٌ مخلوط بصلاح بشهادة قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]. والشرائعُ جاءت لجلب الصلاح ودفع الفساد، فقد حكى اللهُ عن بعض رسله قوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وإذا تمحضت المصلحة أو المفسدة، فحكم الشريعة جلبُ المصلحة ودرء المفسدة بدون تردد، وإذا اختلطت المصلحةُ والمفسدة فحكمُ الشريعة اعتبارُ الأرجح من الأمرين استنباطًا من قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. وربما اعتبرت الشريعةُ جانبَ المفسدة وإن كانت مرجوحة، إذا كان رجحان المصلحة على المفسدة غيرَ قوي، ولذلك قال أئمة الأصول: درءُ المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح. (١) ثم المصلحة والمفسدة قد تكونان ذاتيتين للفعل، وقد تعرضان للفعل عروضًا. فإن كانتا ذاتيتين، كان للفعل حكمٌ مستمر مناسب لِمَا فيه من قوة المصلحة أو المفسدة، فيكون الفعل ركنًا من الدين أو واجبًا أو مندوبًا، ويكون بالعكس كبيرةً أو

стр. 905

حرامًا أو مكروهًا. وإن كانت المصلحة أو المفسدة عارضتين لفعل في بعض الأوقات كان الفعل ذريعة، فيأخذ حكمًا عارضًا مناسبًا لعروض المصلحة أو المفسدة له، وذلك هو الأصل المسمى في أصولنا بسد الذريعة، أي ذريعة الفساد. والذي استقر عليه أمرُ العلماء أن الذريعةَ إن غلب إفضاؤها إلى الفساد وجب سدُّها، كما عدل رسول الله ﷺ عن تجديد الكعبة على قواعد إبراهيم، وقال لعائشة: "لولا حدثانُ قومك بكفر، لبنيتُ الكعبةَ على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين". (١) وإن ندر إفضاؤها إلى الفساد أُلغيت ولا تسد، كما ألغى الشرعُ ذريعةَ زراعة العنب إلى عصره خمرًا، وألغى ذريعةَ حفر الآبار إلى ما قد يسقط فيها من إنسان أو حيوان لندرة وقوع ذلك. فالحبسُ في حد ذاته - أي: بقطع النظر عما يعرض له من مقاصد المحبسين السيئة - هو مصلحةٌ واضحة، لِمَا فيه من الصلة، وإحداث المودة بين المعطي والمعطى، وإغاثة الملهوف، وإغناء المحتاج، وإقامة كثير من مصالح المسلمين، وتسديد ضرورياتهم العامة. فقد أغنت الأحباسُ خيرَ غناءٍ عن المسلمين في عصور كثيرة، لا سيما العصور التي أساء فيها ولاةُ الأمور التصرفَ في أموال بيت المال وبذورها وأفقروا بيت المال. فلولا أن وجد المسلمون في تلك الأحوال أوقافَ أسلافهم على إقامة مصالحهم فسددوا بها ضرورياتهم، للحق بهم ضررٌ كثير وفساد كبير. وقد أظهر

стр. 906

المسلمون في العصور المظلمة إعراضًا عن الوقوف بأبواب أُناسٍ لا يَعبؤون بمصالحهم، ولا يعدون العدد لنوائبهم، وكرمًا عن مناقشتهم الحساب فيما جالت فيه أيديهم، فاعتبروا بيت المال كالمعدوم، وانبرى أهلُ الفضل منهم لإقامة مصالح العموم. وذلك مما يسجله لهم التاريخُ في مقام السخاء والشمم، والصبر على الأذى، واجتناب أسباب الفتنة والثورة وشق العصا. فإذا نظرنا إلى الحبس باعتبار ما يعرض له من المقاصد السيئة نجده أنواعًا: الأول: الحبس على المصالح العامة، المسمى بالحبس العام وبالخيري، وهذا لا يُتَّهمُ فاعلُه على قصد حرمان الوارث، ولا على تغيير المواريث. الثاني: الحبس على نوع معين من الأجانب عن المحبس، وهذا قريب من الأول. الثالث: الحبس على بعض الأبناء دون بعض، أو على شروط تخالف الفريضة، كاشتراط التَّأَيُّم في استحقاق الأنثى من البنات، واشتراط أن يكون الذكرُ والأنثى سواء. وهذا قد يُتَّهم فاعلُه بأنه تذَرَّع به إلى تغيير أحكام الميراث، فعاجل بإعطاء ماله لورثته على مقادير مخالفة لما يأخذونه لو مات. وهذه التهمة غير ملتفت إليها شرعًا؛ لأن تحويز العطية في حياته وصحته ينفي عنه قصدَ تغيير الميراث، إلا أناسًا لهم حالاتٌ نادرة لا يُلتفت إليها في التشريع. فليس الحبس مما اشتمل في ذاته على مفسدة معتبرة شرعًا؛ لأنه لو كان مشتملًا على مفسدة في ذاته لما أباحه الإسلام وندب إليه. فبقي علينا أن ننظر هل طرأت على الحبس عوارضُ في عصرنا جعلته مشتملًا على مفسدة؟ وقد ادعى الفاضل المقترح أن الوقف مشتملٌ على مفاسد. ونحن لا نتكلم على المفاسد التي يؤذن كلامه باعتبارها ذاتية للوقف، مثل كون الوقف حجرًا على المستحق، وحجرًا للعقار الموقوف؛ لأن تلك الصفات ثابتة للوقف من وقت مشروعيته. وقد ألغتها الشريعة، فدل إلغاؤها على أن ما يُتخيل فيها من مفسدة الحجر أمرٌ وهمي، وقد أشرنا إلى إبطاله في كلامنا آنفا. وإنما نتكلم على ما يُشعر به

стр. 907

كلامُه من المفاسد الطارئة على الأوقاف، وهي اضطرابُ هناء عيش مستحقيه، وتجزئة ريع الوقف أجزاء صغيرة، وكثرة الخصومات بين المستحقين، وإجبار المرء على البقاء في الإشاعة، ومخالفة الفرائض الشرعية، ليس كمن يدير لحساب نفسه. فأما اضطرابُ هناءِ عيش المستحقين للوقف فقد استَدَلَّ عليه بكثرة الأموال المحجوزة تحت يد وزارة الأوقاف عن مستحقي الأوقاف في مصر في سنين حتى بلغت في عام ١٣٢٧ هـ إلى مليون جنيه. ولم أدر مرادَه بهذا: هل كان هذا الحجز لأجل مطالب على المستحقين؟ فإذا كان كذلك، فكم على الأملاك من عقلة ومن حجز، ولولا أن تلك العقارات وقفٌ لبيعت على المدينين، إذ لا فرقَ بين تداين مالك الرقبة وتداين مالك المنفعة. وإن كان لأجل غيبة بعض المستحقين، فذلك حفظٌ لأموالهم. وعلى كل تقدير لا يستطيع أحدٌ أن يظهِرَ فرقًا من هذه الناحية بين ما يعرض لمالك رقاب العقار وبين ما يعرض لمستحق ريع الوقف. وأما تجزئةُ الوقف أجزاء، فذاك في أوقاف قليلة، وهي الأوقاف التي ليس فيها ترتيب الطبقات. أما معظم الأوقاف فهي جاريةٌ على شرط ترتيب الطبقات، بمعنى أن الأبناء لا تدخل مع الآباء، وأن مَنْ مات عن أبناء خلفوه في حظه من الوقف. فهذا النوعُ لا يرد عليه المصيرُ إلى أجزاء صغيرة. على أن النوع الآخر - وهو الوقف على الذرية كلهم - لا يخلو عن فائدة؛ لأنه يحصل من أنصباء مجموع أفراد العائلة الواحدة مالٌ له بال. وأما تصرفُ الناظرين، فهذا خللٌ يمكن تلافيه بأن لا تجعل على الأوقاف نظارٌ إلا في الأحباس الخيرية، أعني العامة، وفي صورة ما إذا أساء المستحقون التصرفَ في الوقف بالإهمال أو إرادة إبطال الوقفية، وفيما إذا اشترط الواقف إسناد وقفه لنظر مَنْ عيَّنه بالشخص أو بالوصف. وأما الأحباسُ الأهلية فللمستحقين التصرفُ بأنفسهم، أو بإقامة وكلاء عليهم. وذلك هو مقتضى المذهب المالكي، خلافًا للمذهب الحنفي الذي يرى

стр. 908

نصبَ الناظر على كل وقف. ولكن هذا المذهب لا يلزم الجريُ على مقتضاه، إذا تبينت المصلحة في الجري على غيره من مذاهب الأئمة. وإذا ظهر لزوم بقاء نظار الوقف، فليكَوِّنوا لهم إدارة. وأما كثرةُ الخصومات، فقدرٌ مشترَك في الحقوق التي فيها شركاء. وأما الإجبار على البقاء على الإشاعة، فليس كذلك؛ لأن لمستحقي الوقف قسمتَه قسمةَ انتفاع. ويُجبر على القسمة مَنْ يأباها على قواعد المذهب المالكي، فيجب إجراءُ أحكام الوقف على مقتضى هذا المذهب. وإذ قد نفينا عن الوقف الخاص ما يُتوهم منه أنه مشتمِلٌ على مفاسد، فنحن نحيل بيانَ ما فيه من المصالح على ما يشتمل عليه الفصل بعد هذا. وأما مخالفة الفرائض الشرعية، فهذا ما استند إليه شريح، وزيفه جمهرةُ الفقهاء فزاف. هل الوقف خرمٌ لنظام الاقتصاد العام ؟ قال حضرة النائب المقترح: "إن عدد الأوقاف الأهلية في تزايد، فهو يجري سريعًا نحو الحجر على جميع سكان القطر، وعلى إخراج جميع ثروته من التعامل". ومرجع هذه النظرية إلى أن الوقف مانعٌ للأمة من التداين، ومن حيث إن الأوقاف لا تصلح لأن تكون رهنًا في البنوك وعند المرابين. ولعل هذا ينقلب تأييدًا لفائدة الوقف، وترغيبًا فيه؛ إذ لا يخفى ما في تداين أمة ضعيفة يداينها أصحابُ رؤوس أموال قوية من الخطر المهدِّد لها بالإفلاس. وقد رأينا ما للأوقاف من الفائدة للأمة في أمثال هاته الأحوال، فإن أرضها لم يسلم منها من مزاحمة المنافسين فيها من أصحاب رؤوس الأموال إلا الأرضون الموقوفة وقفًا أهليًّا، وأما الأرضون المملوكة فقد خرجت من أيدي أربابها اختيارًا بالبيع وبالرهن، مع عدم الوفاء بالدفع المفضي إلى أن يباع المرهون بالاختيار أو بالحكم. على أن الثقة التجارية قد تحصل بوفرة أموال الأمة بوفاء تجارها بالتزاماتهم، وبإجراء تجارتهم على الأساليب العصرية، فإن كثيرًا من الأمم ذوات الثروة ليس

стр. 909

لتملك الأرض فيها اعتبار قوي. على أن علم الاقتصاد السياسي يصرح بأن الثروة عبارةٌ عن الأشياء النافعة القابلة للتداول، وأن أصول إحداث الثروة هي الأرض والعمل ورأس المال، وأن رأسَ المال هو السلع والأمور الضرورية للأمم، وأن للعمل شروطًا كثيرة، وأن الأرض إنما تُعتبر في إحداث الثروة من حيث إنها مادةُ استثمار طبيعية. فيتضح من ذلك أن أرض الوقف أصلٌ من أصول الثروة في نظر علم الاقتصاد، وأن وقفيتها لا تحول دون الاستثمار منها، كما سنوضحه في المبحث الآتي. أما مسألةُ رهن الأملاك عند الحاجة للمال، فهي من توابع مباحث الاقتصاد، غير أنها لا يُنظر إليها في المرتبة الأولى. وقد يرهن الإنسان عند الحاجة معملًا، أو سهام سكة حديدية، أو مقادير من الذهب، أو نحو ذلك من كل ما يمكن الوفاءُ منه. وذكر السيد المقترِح من المفاسد الراجعة إلى خرم نظام الاقتصاد أن في الوقف تحجيرًا على مستحقيه في تمام التصرف في أملاك مورثيهم، فيصيرون عالة على الهيئة الاجتماعية إلخ. وجوابه أن من سعة الشريعة ومناسبة عمومها لسائر الأمم، وصلوحيتها لمختلف العصور والأجيال والأحوال، أن تجد في أحكامها ما يلائم تلك المختلفات. والرشداء صنفان: صنفٌ له مقدرة على إدارة أمواله وتنميتها بكده وعمله، وصنفٌ لا يقدر إلا على حفظ ماله من التلف، إلا أن هذا الصنف لم يبلغ بهم الحال إلى السفه أو العجز. فكما أن الأولين من مصلحتهم أن يكونوا ممنوعين من تفويت ما هو لهم؛ لأنهم لو أُطلق لهم التصرفُ لتعرضت أموالهُم للنفاد في ضائقات مالية تمر عليهم، أو نوائب زمنية تعتريهم. ولكنهم إذا لم يجدوا سبيلًا إلى تفويت الأحباس تجلدوا لمعاناة تلك الكوارث بما استطاعوا، ووجدوا من غلق باب الحيلة في وجوههم معذرةً لأنفسهم في الصبر والجلد، فحُفظت ثروتُهم لهم ولأعقابهم.

стр. 910

وكم رأينا من نوائب مرت على بعض العصور، فكان للحبس فيها منافعُ جمعة أبقت على ثروة البلاد. والناس أكيسُ من أن يفكروا في منع أبنائهم وأعقابهم من مطلق التصرف في أموالهم ما لم يكونوا لمَحوا بوارقَ الأخطار تنذرهم بسوء المستقبل، والحبس لا يمنع مَنْ يكون من مستحقيه ذا مقدرة على تنمية المال من أن يكتسب لنفسه ثروةً مما يحصله من حظه من ريع الوقف. على أن هنالك أسبابًا لانتفاع المستحق ذي المقدرة بعقار الحبس: ١ - منها إمكانُ قسمة الحبس قسمة انتفاع، فإنها مما يُجبَرُ عليه المستحقون في المذهب المالكي، ومما يمكن الاتفاقُ عليه بينهم في نظر المذهب الحنفي، أو تقع المهايأة. (١) فمن سعة الشريعة الإسلامية أن كان التملك فيها نوعين: تملك أعيان بمنافعها، وتملك منافع فقط، لتصلح الشريعة بذلك لأصناف الناس ومختلف الأحوال. ٢ - ومنها أن من الواقفين مَنْ يجعل البيع للمستحقين عند الاحتياج أو عند اجتماع كلمتهم على البيع، فيصير المشتري مالكًا لذلك المناب الذي اشتراه، ويزول عنه وصف الحبسية. ٣ - ومنها أن أرض الوقف إذا لم يقدر المستحق على حرثها يسوغها من يحرثها، وكذلك ريع الوقف. ٤ - ومنها أن أرض الوقف يصح فيها عقدُ المغارسة، فتسلم لِمَنْ يغرسها شجرًا إذا كانت أصلحَ للغرس منها للحرث، وبعد بلوغ الأشجار حدَّ الإثمار تقسم الأرض والشجر بين الواقف والغارس على النسبة التي يغارسها لمثلها على اختلاف عوائد الأقطار.

стр. 911

٥ - ومنها أن أجنة الأوقاف تقع فيها عقود المساقاة. ومنها عقود الإنزال في الأوقاف لا سيما الرباع، على حسب فتوى ناصر الدين اللقاني والغرقاوي ومَنْ جاء بعدهما، وهو أن تُكرى كراء مؤبدًا بقدر معين لا يتغير، فيصير المستنزل متصرفًا تصرفَ المالك في ملكه. فهذه عدةُ وسائل لاستثمار عقار الوقف وريعه للمستحق ولغيره. ثم إن تسويغَ هناشير (١) الأوقاف وأطيانها لِمَنْ يزرعها أمرٌ جارٍ في سائر الأقطار، فينتفع المتسوِّغون بفلاحتهم فيها، وينتفع مستحقُّو الأوقاف بأثمان التسويغ. هل من حق ولاة الأمور منع الناس من الوقف ؟ كل أمة متدينة بالإسلام لا ترضى بإجراء أحوالها على غير أحكام الشريعة الإسلامية، لما في تلك الشريعة من السعة والسماحة، وكل حكومة جعلت الإسلام دينًا رسميًّا للمملكة، فالواجبُ عليها مراعاةُ أحكام الإسلام في تشريعاتها، إذ على ذلك الشرط انعقدت ضمائرُ الأمة التي انتخبتها للحكم. وإذ قد كان الوقف بنوعيه جائزًا في الشريعة الإسلامية، وكان من عمل الرسول ﷺ وعمل أصحابه، وأجمع عليه علماء الأمة، فليس للملوك ولا للحكام المتشرعين أن يمنعوا الناسَ منه. وليس ذلك من التصرف بالسياسة الشرعية؛ إذ السياسةُ الشرعية هي التصرفُ في عموم مصالح الأمة مما زاد على القضاء، كما أشار له القرافي في السؤال الرابع من كتاب الأحكام، وفي طالعة الفرق الثالث والعشرين والمائتين، ومثله بتدبير أمور المسلمين وحاجاتهم. (٢)

стр. 912

وقد أشار هنالك إلى أن المباحات ليس لولِيِّ الأمر تحجيرُها إلا إذا حفت بها مفسدة، وقد علمتَ مما قدمناه أن الحبسَ لا مفسدةَ فيه، فليس تحجيرُه بحقٍّ لولِيِّ الأمر. على أنه لا يكفي في إثبات كون شيء مفسدةً أن يعتقد ذلك رجلٌ أو رجال، أو يشيروا به على ولي الأمر، فقد قال سهل بن حُنيف ﵁، وهو من أهل بيعة الرضوان: "اتهموا الرأي". (١) فإذن لا بد لولاة الأمور في مثل هذه الحوادث من جمع علماء الشريعة وعرفاء الأمة لينظروا في تحقق صفة الفعل وتطبيق القواعد الشرعية عليه، كما هي قاعدة الشورى. فإذا تبين لهم أن في الفعل مفسدةً عارضة له، فالواجب النظرُ في إزالة العارض. وإن وجدوا العارض ملازمًا للفعل الأصلي، تعين عليهم النظرُ في كثرة الملازمة وندرتها على قاعدة أصل سد الذريعة الذي تقدم آنفًا. فإن قال قائل: هل لولاة الأمور أن يحيلوا الأمة على الجري على قول ضعيف لبعض العلماء مثل شريح بعدم جواز الحبس؟ قلنا: إن كان القول الضعيف له دليل وجيه، إلا أن دليل غيره أرجح منه، فالواجب استشارة علماء الأمة حتى يشهدوا بأن في الحمل عليه مصلحة معتبرة؛ لأنه يجب على ولي الأمر إن كان من رجال العلم بالفقه والشريعة أن يستشير غيره، لاحتمال أن يخطئ في نظره، وليس الخطأ في مصالح الأمة بالأمر الهين، وإن لم يكن عالِمًا فوجوب الاستشارة عليه أشد، وعدوله عنها تعريض بمصالح الأمة للإضاعة، وذلك ينافي ولاية أمور المسلمين. فقد اتفق علماءُ الإسلام على أن ولاةَ الأمور لا يجوز لهم التصرفُ في شؤون الأمة بمجرد الشهوة والهوى، بلِ الواجبُ عليهم توخِّي المصلحةَ الراجحة والمساوية. وهذا الحملُ من قبيل ما يُسمَّى عند المالكية بالعمل، إذا أذن به السلطان

стр. 913

أو حكم به ثلاثةُ قضاة من قضاة العدل، ومنه عند الحنفية ما يُسمى بالمعروضات وهي معروضاتُ أبي السعود. (١) وإن كان القولُ الضعيف واهيَ الدليل مختلَّ المدرك، وذلك إذا صار بحيث لو حكم به الحاكم لنقض حكمه، فهذا ليس لولاة الأمور حملُ الناس عليه؛ لأن إلزام ولاة الأمور الناسَ بالجري عليه ضربٌ من الحكم. وقد تقرر أن حكم الحاكم بالقول الواهي المدرك ينقض، ولا يرفع الخلاف. وأقوال العلماء بالنسبة للمقلدين هي بمنزلة الأدلة الشرعية بالنسبة للمجتهدين، فكما لا يجوز للمجتهد العملُ بالحديث الضعيف، كذلك لا يجوز للمقلد الأخذُ بالقول المرغوب عنه؛ ولأن ضعف الدليل يبعد القول عن الاعتبار شرعًا، وإذا لم يكن معتبرًا شرعًا لم يكن مظنة جلب مصلحة للأمة؛ لأن مصالح الأمة إنما تجلبها الأدلة المعتبرة الشرعية. فالدليل الملغى شرعًا ليس مظنة جلب المصلحة؛ لأن المصلحة تابعةٌ للاعتبارات الشرعية. ثم إن تصرفات ولاة الأمور قد تكون بطريق القضاء، وقد تكون بطريق الفتيا، وقد تكون بطريق الإمامة، وهي أعم، كما قال القرافي في السؤال الخامس والعشرين من كتاب الأحكام، وفي الفرق السادس والثلاثين. (٢) وعليه فهم في كل باب يجب عليهم الجريُ على ما يشترط في التصرف فيه من وجوب جريانها على الشرع.

стр. 914

ولَمَّا كان فهمُ مثل هذا تصرفًا بالقضاء، إذ يرجع إلى إبطال عقود الناس والتزاماتهم، وإبطالُ العقود من قسم القضاء، فإن المنع من التحبيس لا معنى له إلا القضاء بإبطال ما يقع منه، إذ ليس في قدرة ولِيِّ الأمر منعُ تصريح الناس بصيغ التحبيس والإشهاد به. ولَمَّا آل تصرفُه إلى الحكم بإبطاله صار قضاءً لا محالة، فيلزم أن تتوفر فيه شروطُ القضاء من الدعوى والجواب والثبوت. وإنما يكون تصرفُه سياسةً إذا تعلق بتدابير أحوال عموم الأمة، كزجر العصاة وإسناد الولايات، وتقدير الأمن، وإشهار الحرب، وتنفيذ القانون. أما الحكم بمنع صور من الأحباس مشتملة على شروط مختلف فيها بين مذاهب المقتدى بهم من أئمة الإسلام، فذلك يجري على قواعد التقاضي والنوازل عند المرافعات. هل صدرت الفتوى بإبطال بعض أنواع الوقف؟ وهل إذا أفتى بذلك من أفتى تكون فتواه صحيحة ؟ قال الفاضل المقترح: "لجأ برقوق إلى علماء المسلمين فأفتوه بحل الوقف الأهلي؛ كما لجأ محمد علي إليهم فأعطوه نفس الفتوى"، إلخ. أقول: لا شك أن المقرر يشير إلى ما ذكره السيوطي في حسن المحاضرة صحيفة ٢١٦ جزء ٢: "عقد برقوق أتابك العساكر مجلسًا بالقضاة والعلماء؛ وذكر أن أراضي بيت المال أُخذت منه (أي من بيت المال) بالحيلة، وجعلت أوقافًا من بعد الناصر بن قلاوون؛ وضاق بيتُ المال بسبب ذلك. فقال سراج الدين البلقيني: أما ما وُقف على خديجة وعويشة وفطيمة (يعني ما وقف على مَنْ ليس لهم حقٌّ في بيت المال، وأراد بخديجة وعويشة وفطيمة أسماء مسمياتها مجهولة، كما نقول زيد وعمرو، أي ما وقف على حظايا الملوك والأمراء، ولذلك اقتصر على أسماء النساء) فنعم، وأما ما وُقف على المدارس والعلماء والطلبة، فلا سبيل إلى نقضه؛ لأن لهم في الخمس أكثر من ذلك. [فانفصل الأمر على مقالة البلقيني] ". (١)

стр. 915

فالموضوع هو أن تلك الأوقاف من أراضي بيت المال أُخذت منه بالحيلة، أي أخذها الأمراء ووقفوها. فهي أوقافٌ صادرة من غير مَنْ يملك، فرجعت إلى اعتبار صحة تصرف الولاة في أموال بيت مال المسلمين. ولذلك فما أُعطيَ منها لغير مُستحِقٍّ فهو عطيةٌ باطلة، وما أُعطِيَ منها لِمَنْ يستحقه فهو عطية صحيحة؛ لأنه تصرف بوجه شرعي، ولذا علل البلقيني بقوله: "لأن لهم في الخمس أكثرَ من ذلك". وبهذا يتضح أن ليس مورد فتوى البلقيني على الأوقاف الأهلية أو العامة. وهذا الذي ذكره البلقيني قدرٌ مشترك يتفق فيه المذهب المالكي والمذهب الشافعي. وقد ذكر المسألةَ صاحبُ المعيار في نوازل الأحباس في مسألة تحبيس السلطان أحمد بن أبي سالم الجنان على ضريح جده، وذكر أن علماء فاس - البجائي والعمراني والمزذغي والعبدوسي والمزجلدي - أفتَوْا ببطلان ما حبسه السلاطين من عقار بيت المال إذا كان على غير المصارف المستحقة في بيت المال من أولادهم وأقاربهم بما هو مبسوط من صحيفة ٢٠٦ إلى صحيفة ٢١٠ من الجزء الرابع من المعيار من الطبعة الحجرية الفاسية. (١) وأما ما ذكره من أن العلماء أفتوا للمرحوم محمد علي باشا خديوي مصر، فهو يشير إلى فتوى صدرت من مفتي الإسكندرية خاصة. وحاصل تلك الفتوى أن ولِيَّ الأمر له أن يمنع الناس من تحبيس أملاكهم فيما يستقبل سدًّا للذريعة واستنادًا لقول مَنْ قال بمنع الوقف؛ لأن أمر الأمير متى صادف قولًا مجتهدًا فيه نفذ. هذا حاصلها.
следующие страницы →