٥ - ومنها أن أجنة الأوقاف تقع فيها عقود المساقاة. ومنها عقود الإنزال في الأوقاف لا سيما الرباع، على حسب فتوى ناصر الدين اللقاني والغرقاوي ومَنْ جاء بعدهما، وهو أن تُكرى كراء مؤبدًا بقدر معين لا يتغير، فيصير المستنزل متصرفًا تصرفَ المالك في ملكه.
فهذه عدةُ وسائل لاستثمار عقار الوقف وريعه للمستحق ولغيره. ثم إن تسويغَ هناشير (١) الأوقاف وأطيانها لِمَنْ يزرعها أمرٌ جارٍ في سائر الأقطار، فينتفع المتسوِّغون بفلاحتهم فيها، وينتفع مستحقُّو الأوقاف بأثمان التسويغ.
هل من حق ولاة الأمور منع الناس من الوقف ؟
كل أمة متدينة بالإسلام لا ترضى بإجراء أحوالها على غير أحكام الشريعة الإسلامية، لما في تلك الشريعة من السعة والسماحة، وكل حكومة جعلت الإسلام دينًا رسميًّا للمملكة، فالواجبُ عليها مراعاةُ أحكام الإسلام في تشريعاتها، إذ على ذلك الشرط انعقدت ضمائرُ الأمة التي انتخبتها للحكم.
وإذ قد كان الوقف بنوعيه جائزًا في الشريعة الإسلامية، وكان من عمل الرسول ﷺ وعمل أصحابه، وأجمع عليه علماء الأمة، فليس للملوك ولا للحكام المتشرعين أن يمنعوا الناسَ منه. وليس ذلك من التصرف بالسياسة الشرعية؛ إذ السياسةُ الشرعية هي التصرفُ في عموم مصالح الأمة مما زاد على القضاء، كما أشار له القرافي في السؤال الرابع من كتاب الأحكام، وفي طالعة الفرق الثالث والعشرين والمائتين، ومثله بتدبير أمور المسلمين وحاجاتهم. (٢)
стр. 912
وقد أشار هنالك إلى أن المباحات ليس لولِيِّ الأمر تحجيرُها إلا إذا حفت بها مفسدة، وقد علمتَ مما قدمناه أن الحبسَ لا مفسدةَ فيه، فليس تحجيرُه بحقٍّ لولِيِّ الأمر. على أنه لا يكفي في إثبات كون شيء مفسدةً أن يعتقد ذلك رجلٌ أو رجال، أو يشيروا به على ولي الأمر، فقد قال سهل بن حُنيف ﵁، وهو من أهل بيعة الرضوان: "اتهموا الرأي". (١) فإذن لا بد لولاة الأمور في مثل هذه الحوادث من جمع علماء الشريعة وعرفاء الأمة لينظروا في تحقق صفة الفعل وتطبيق القواعد الشرعية عليه، كما هي قاعدة الشورى. فإذا تبين لهم أن في الفعل مفسدةً عارضة له، فالواجب النظرُ في إزالة العارض. وإن وجدوا العارض ملازمًا للفعل الأصلي، تعين عليهم النظرُ في كثرة الملازمة وندرتها على قاعدة أصل سد الذريعة الذي تقدم آنفًا.
فإن قال قائل: هل لولاة الأمور أن يحيلوا الأمة على الجري على قول ضعيف لبعض العلماء مثل شريح بعدم جواز الحبس؟ قلنا: إن كان القول الضعيف له دليل وجيه، إلا أن دليل غيره أرجح منه، فالواجب استشارة علماء الأمة حتى يشهدوا بأن في الحمل عليه مصلحة معتبرة؛ لأنه يجب على ولي الأمر إن كان من رجال العلم بالفقه والشريعة أن يستشير غيره، لاحتمال أن يخطئ في نظره، وليس الخطأ في مصالح الأمة بالأمر الهين، وإن لم يكن عالِمًا فوجوب الاستشارة عليه أشد، وعدوله عنها تعريض بمصالح الأمة للإضاعة، وذلك ينافي ولاية أمور المسلمين.
فقد اتفق علماءُ الإسلام على أن ولاةَ الأمور لا يجوز لهم التصرفُ في شؤون الأمة بمجرد الشهوة والهوى، بلِ الواجبُ عليهم توخِّي المصلحةَ الراجحة والمساوية. وهذا الحملُ من قبيل ما يُسمَّى عند المالكية بالعمل، إذا أذن به السلطان
стр. 913
أو حكم به ثلاثةُ قضاة من قضاة العدل، ومنه عند الحنفية ما يُسمى بالمعروضات وهي معروضاتُ أبي السعود. (١) وإن كان القولُ الضعيف واهيَ الدليل مختلَّ المدرك، وذلك إذا صار بحيث لو حكم به الحاكم لنقض حكمه، فهذا ليس لولاة الأمور حملُ الناس عليه؛ لأن إلزام ولاة الأمور الناسَ بالجري عليه ضربٌ من الحكم. وقد تقرر أن حكم الحاكم بالقول الواهي المدرك ينقض، ولا يرفع الخلاف.
وأقوال العلماء بالنسبة للمقلدين هي بمنزلة الأدلة الشرعية بالنسبة للمجتهدين، فكما لا يجوز للمجتهد العملُ بالحديث الضعيف، كذلك لا يجوز للمقلد الأخذُ بالقول المرغوب عنه؛ ولأن ضعف الدليل يبعد القول عن الاعتبار شرعًا، وإذا لم يكن معتبرًا شرعًا لم يكن مظنة جلب مصلحة للأمة؛ لأن مصالح الأمة إنما تجلبها الأدلة المعتبرة الشرعية. فالدليل الملغى شرعًا ليس مظنة جلب المصلحة؛ لأن المصلحة تابعةٌ للاعتبارات الشرعية.
ثم إن تصرفات ولاة الأمور قد تكون بطريق القضاء، وقد تكون بطريق الفتيا، وقد تكون بطريق الإمامة، وهي أعم، كما قال القرافي في السؤال الخامس والعشرين من كتاب الأحكام، وفي الفرق السادس والثلاثين. (٢) وعليه فهم في كل باب يجب عليهم الجريُ على ما يشترط في التصرف فيه من وجوب جريانها على الشرع.
стр. 914
ولَمَّا كان فهمُ مثل هذا تصرفًا بالقضاء، إذ يرجع إلى إبطال عقود الناس والتزاماتهم، وإبطالُ العقود من قسم القضاء، فإن المنع من التحبيس لا معنى له إلا القضاء بإبطال ما يقع منه، إذ ليس في قدرة ولِيِّ الأمر منعُ تصريح الناس بصيغ التحبيس والإشهاد به. ولَمَّا آل تصرفُه إلى الحكم بإبطاله صار قضاءً لا محالة، فيلزم أن تتوفر فيه شروطُ القضاء من الدعوى والجواب والثبوت. وإنما يكون تصرفُه سياسةً إذا تعلق بتدابير أحوال عموم الأمة، كزجر العصاة وإسناد الولايات، وتقدير الأمن، وإشهار الحرب، وتنفيذ القانون. أما الحكم بمنع صور من الأحباس مشتملة على شروط مختلف فيها بين مذاهب المقتدى بهم من أئمة الإسلام، فذلك يجري على قواعد التقاضي والنوازل عند المرافعات.
هل صدرت الفتوى بإبطال بعض أنواع الوقف؟ وهل إذا أفتى بذلك من أفتى تكون فتواه صحيحة ؟
قال الفاضل المقترح: "لجأ برقوق إلى علماء المسلمين فأفتوه بحل الوقف الأهلي؛ كما لجأ محمد علي إليهم فأعطوه نفس الفتوى"، إلخ.
أقول: لا شك أن المقرر يشير إلى ما ذكره السيوطي في حسن المحاضرة صحيفة ٢١٦ جزء ٢: "عقد برقوق أتابك العساكر مجلسًا بالقضاة والعلماء؛ وذكر أن أراضي بيت المال أُخذت منه (أي من بيت المال) بالحيلة، وجعلت أوقافًا من بعد الناصر بن قلاوون؛ وضاق بيتُ المال بسبب ذلك. فقال سراج الدين البلقيني: أما ما وُقف على خديجة وعويشة وفطيمة (يعني ما وقف على مَنْ ليس لهم حقٌّ في بيت المال، وأراد بخديجة وعويشة وفطيمة أسماء مسمياتها مجهولة، كما نقول زيد وعمرو، أي ما وقف على حظايا الملوك والأمراء، ولذلك اقتصر على أسماء النساء) فنعم، وأما ما وُقف على المدارس والعلماء والطلبة، فلا سبيل إلى نقضه؛ لأن لهم في الخمس أكثر من ذلك. [فانفصل الأمر على مقالة البلقيني] ". (١)
стр. 915
فالموضوع هو أن تلك الأوقاف من أراضي بيت المال أُخذت منه بالحيلة، أي أخذها الأمراء ووقفوها. فهي أوقافٌ صادرة من غير مَنْ يملك، فرجعت إلى اعتبار صحة تصرف الولاة في أموال بيت مال المسلمين. ولذلك فما أُعطيَ منها لغير مُستحِقٍّ فهو عطيةٌ باطلة، وما أُعطِيَ منها لِمَنْ يستحقه فهو عطية صحيحة؛ لأنه تصرف بوجه شرعي، ولذا علل البلقيني بقوله: "لأن لهم في الخمس أكثرَ من ذلك".
وبهذا يتضح أن ليس مورد فتوى البلقيني على الأوقاف الأهلية أو العامة. وهذا الذي ذكره البلقيني قدرٌ مشترك يتفق فيه المذهب المالكي والمذهب الشافعي. وقد ذكر المسألةَ صاحبُ المعيار في نوازل الأحباس في مسألة تحبيس السلطان أحمد بن أبي سالم الجنان على ضريح جده، وذكر أن علماء فاس - البجائي والعمراني والمزذغي والعبدوسي والمزجلدي - أفتَوْا ببطلان ما حبسه السلاطين من عقار بيت المال إذا كان على غير المصارف المستحقة في بيت المال من أولادهم وأقاربهم بما هو مبسوط من صحيفة ٢٠٦ إلى صحيفة ٢١٠ من الجزء الرابع من المعيار من الطبعة الحجرية الفاسية. (١)
وأما ما ذكره من أن العلماء أفتوا للمرحوم محمد علي باشا خديوي مصر، فهو يشير إلى فتوى صدرت من مفتي الإسكندرية خاصة. وحاصل تلك الفتوى أن ولِيَّ الأمر له أن يمنع الناس من تحبيس أملاكهم فيما يستقبل سدًّا للذريعة واستنادًا لقول مَنْ قال بمنع الوقف؛ لأن أمر الأمير متى صادف قولًا مجتهدًا فيه نفذ. هذا حاصلها.
стр. 916
وهي فتوى مختلة المبنى من جهتين: إحداهما أن استناده لسد الذريعة باطلٌ لِما ذكرناه آنفًا من أن الذريعة ثلاثةُ أقسام، ولا يشتبه على الناظر أن الحبس إذا كان قد يقصد منه المُحبِّسُ حرمانَ الوارث هو من القسم الثاني من الذريعة المجمع على عدم سده لاتفاق العلماء على قبول الحبس، في حين أن الذريعة المذكورة ملازمة له على رأي هذا المفتي من وقت وجوده. وأما الجهة الثانية، فهي قوله استنادًا لقول مَنْ قال بمنع الوقف، إذ قد علمت أن هذا القول لا يصح الاستنادُ إليه لشذوذه.
стр. 917
الصاع النبوي (١)
حقيقٌ على علماء الإسلام أن يتهَمَّمُوا بضبط الأسماء التي يُناط بها أمرٌ أو نهيٌ في الدين ضبطًا يساير مختلفَ الأعصار والأمصار، كي تجريَ أمورُ الديانة على سبيل واضحة بينة، لا يعتريها ترددٌ ولا يخالجها انبهام. وحقٌّ على الأمة أن تطالبَ علماءها ببيان ذلك لها، حتى تكون على بينة من الأمر، وحتى تجريَ أعمالُها في أمور دينها على طريقة سواء، وإن اختلفت الأسماء وتباعدت الأقطار والأنحاء.
ولا يحسبنَّ أحدٌ من أولئك أو هؤلاء أن في إجراء تلك الأعمال على إجمالٍ أو إبهامٍ معذرةً لهم في الوفاء بحق التكليف، ولا أن في الأخذ بالاحتياط والأحوط كفايةً لهم؛ لأن ذلك لا يتأتَّى في كثير من الأحوال، ولأن الاحتياطَ عبارةٌ عن عمل يصير إليه العلماء عند تعذُّر أو تعسُّر العمل بأمر مضبوط. فهو من فروع ما يسمى في علم الأصول الاستدلال، وإنما يُصار إلى الاستدلال عند استفراغ الجهد في طلب الدليل، ثم العجز عن تحصيله.
فأما الأخذ بالأحوط، فهو عبارةٌ عن اختيار أحد الأمرين المتعارفين عند عدم ظهور وجهٍ يرَجِّحُ اعتبارَ أحدِهما دون الآخر. فيكون الأخذُ بالأحوط طريقًا من طرق الترجيح عند التعارض، وهو آخر المرجِّحات. وإنما يصار إلى الترجيح إذا تعارض دليلان، ولا تعارضَ قبل البحث عن الدليل وعن معارضه.
وقد جرى تقديرُ نصب زكاة الحبوب والثمار وزكاة الفطر وكفارات الأيمان وفدية الصيام وغير ذلك بالصاع والمد والوسق، فكانت من الأسماء الشرعية المجهول مسماها اليوم عند طوائف جمة. وقد نشأ هذا الجهلُ من تفريط المسلمين في
стр. 918
ضبط كثير من أمور دينهم، وتغلب العادات والاصطلاحات عليهم في شؤون مجتمعهم. فإذا نظرنا إلى الزكاة وجدنا أهلَ كل بلد لا يضبطون مقدارَ النقود الرائجة عندهم من الذهب والفضة بمقدار الدينار والدرهم الشرعي، ولا يضبطون مقاديرَ المكاييل الرائجة عندهم بما هو المطلوبُ في إخراج الزكاة، داخلين في ذلك كله على التسامح ومحكِّمِينَ الأسماءَ دون المسمَّيَات والألفاظَ دون المعاني.
المخالفة في مقادير المكاييل المستعملة في كثير من بلاد المسلمين ومقادير المكاييل الشرعية:
كان الاختلافُ في مقادير المكاييل وفي تقديرها على المكيال المعتبر شرعًا من القدم مما اختلف فيه علماءُ الإسلام اختلافًا نشأ عن إهمالِ العمل بالمكاييل الشرعية في كثير من الأقطار. لقد كانت هذه المعضلةُ من المسائل التي دارت بين الإمام مالك بن أنس وأبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ﵏.
قال عياض في المدارك: "سأل أبو يوسف مالكًا عن الصاع، فقال مالك: خمسة أرطال وثلث، فقال: ومن أين قلتم ذلك؟ فقال مالك لبعض أصحابه: أحضروا ما عندكم من الصاع، فأتى أهلُ المدينة أو عامَّتُهم من المهاجرين والأنصار وتحت كل واحد منهم صاع. فقال: هذا صاع ورثته عن أبي عن جدي صاحب رسول الله ﷺ ، [فقال مالك: هذا الخبر الشائع عندنا أثبتُ من الحديث]. فرجع أبو يوسف إلى قوله"، (١) يعني: وقد كان يقول بقول أبي حنيفة: إن الصاع النبوي ثمانية أرطال. فلذلك كان المنقولُ عن أبِي يوسف في الفقه الحنفي أنه قال: الصاعُ خمسةُ أرطال وثلث، خلافًا لأبِي حنيفة. (٢)
стр. 919
نشأة الصاع النبوي وما ظهر بعده من الأصواع:
لا شك في أن الصاع النبوي هو صاع أهل المدينة الذي كان متداولًا عندهم لما هاجر إليهم النبي ﷺ إذ لم يُنقل في كتب السنة والسيرة أن النبي ﷺ وضع لهم مكيالًا غيَّر به مكيالَهم الذي ألفاهم عليه. وأخرج النسائي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المكيالُ مكيالُ أهل المدينة، والوزنُ وزنُ أهل مكة". (١) وإن قولَه في الدعاء لهم: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم" - كما في حديث الموطأ (٢) - يزيدنا يقينًا بهذا.
فالصاع الشرعي هو صاع المدينة الموجود في زمن النبي ﷺ . والمدُّ هو مد أهل المدينة؛ إذ به جرت التقاريرُ الشرعية. وبلادُ العرب معروفة بقلة الأقوات فيها وبقناعة أهلها، وذلك يقتضي أن تكون مكاييلُهم صغيرة. ويُسمَّى المد أيضًا المَكُّوك (بفتح الميم وتشديد الكاف)، كما في حديث الثلث عند النسائي. (٣) وكانت وحدةُ المكاييل عندهم المد، ومن أربعة أمدادٍ يكون الصاع.
وقد استمر الصاعُ النبوي مكيالًا لأهل المدينة إلى زمن هشام بن المغيرة المخزومي أمير المدينة في خلافة هشام بن عبد الملك الأموي، فجعل هشام لهم مُدًّا أكبرَ من المد النبوي وصاعًا على نحو ذلك المد، ويُسَمَّى المدَّ الهشامي والمدَّ
стр. 920
الأعظم. (١) أخرج النسائي عن السائب بن يزيد (من الصحابة المتوَفَّى في سنة ٨٦ هـ) أنه قال: "كان الصاع على عهد رسول الله ﷺ مُدًّا وثُلُثًا بمدكم اليوم، وقد زيد فيه". (٢)
ثُمَّ لمَّا انتشر الإسلامُ في الأقطار استمر أهلُ كل قطر على الكيل بمكاييلهم المتعارَفَة، فتكاثرت المكاييلُ في بلاد الإسلام كثرة شديدة. ولا نشك في أن دواعيَ لم نطلع عليها دعت بعضَ أمراء المدينة إلى إحداث مكاييل في المدينة لم تكن في الزمن النبوي ولا في مدة لخلفاء: أحدث هشام بن المغيرة أمير المدينة مدًّا وصاعًا أكبر من مد النبي ﷺ وصاعه، وهما المعروفان بمد هشام وصاع هشام، وبالمد الأعظم والصاع الأعظم، وأحدث عمر بن عبد العزيز مدًّا دُعيَ بالمد العمري.
وأحسبهم ما أحدثوا ذلك إلا لتيسير سرعة كيل الأعطية من بيت المال، وما يؤخذ على التجار وأهل الخراج من الأرزاق العائدة إلى بيت المال. ولكنهم كانوا لقرب العهد ولدقة الضبط في مأمن من المخالفة لمقدار الصاع النبوي، ولذلك نجدهم يقدرون تلك الأصواعَ المتداولة بينهم بما يوازي الصاعَ النبوي.
فلما اتسعت الأقطارُ وتباعدت العهود، تطرقت الغفلةُ أو الجهالة رويدًا بمقدار الانتساب بين مكاييل الأمصار وبين الصاع النبوي، ومن ثم تجد الفقهاء إذا أرادوا أن يقدروا المكاييل الشرعية قارنوها بمقادير مكاييل أمصارهم وموازينها من مكي وشامي وبغدادي وأندلسي، كما يراه المزاول كتب الفقه.
стр. 921
ومن العجب أن زجت الغفلةُ ببعض أهل العلم في اعتقاد أن الأخذَ بما هو محقق الوفرة أسلم؛ لأنه أحوط؛ لأن فيه يتحقق مقدارُ الصاع النبوي وزيادة! وقد غفلوا عما يفوت بذلك من فضل اتباع السنة، وعما يجر إليه ذلك من الإجحاف؛ إذا كانت بعضُ المكاييل الرائجة أو التي ستوجد ناقصةً عن مقدار الصاع النبوي.
وقد روى البخاري في كتاب الأيمان عن منذر بن الجارود عن أبي قتيبة البصري عن مالك عن نافع، قال: "كان ابن عمر يعطي زكاةَ رمضان بِمُدِّ النبي ﷺ المدِّ الأول، وفي كفارة اليمين بمدِّ النبي ﷺ . قال أبو قتيبة: قال لنا مالك: مدُّنا أعظمُ من مدكم (يعني البركة والفضل)، ولا نرى الفضل إلا في مد النبي ﷺ . وقال لي مالك: لو جاءكم أميرٌ فضرب مُدًّا أصغرَ من مد النبي ﷺ بأي شيء كنتم تعطون؟ قلت: كنا نعطي بمدِّ النبي ﷺ ، قال: أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مد النبي؟ " (١)
وفي "المعيار" نقل جوابَ الحفار والقاضي (٢) عن سؤال عن العمل بقول فقيه قال إن زكاة الفطر بالوزن إعطاءُ أربعةِ أرطالٍ من الطعام ما نصُّه:
"وأما الفقيه الذي قال إن زكاة الفطر تخرج بالوزن أربعة أرطال، فقد أخلَّ بقاعدة شرعية. فإنه لو استفتاه رجلان يجب على أحدهما قمح؛ لأنه قوتُ بلده، فأفتاهما بأن يخرج كلٌّ منهما أربعةَ أرطال، فقد جزمنا بأن أحدهما خالف السنة؛ لأن الصاع النبوي إن كان يسع أربعة أرطال من الشعير، فإنه يسع أكثرَ من ذلك من القمح والعكس بالعكس. فإنا وجدنا أهلَ المدينة لا يختلفون في أن مده ﷺ ليس
стр. 922
أكبر من رطل ونصف ولا أقل من رطل وربع. وقال بعضُهم: هو رطل وثلث، وليس هذا اختلافًا، ولكنه على وزانة المكيل من تمر أو بُرٍّ أو شعير". (١)
ضبط مقدار الصاع النبوي بوجه عام:
والسبب الجامع لهذه الحال هو فقدان المسلمين جامعةً إسلامية ترسم لهم أمورَ دينهم ويصدرون عن أمرها، وتفاقم ذلك بعد انحلال الخلافة الإسلامية وتشتت الممالك وتباعد الأقطار. لذلك كان واجبًا على علماء كلِّ قطر أن يحرروا مقدارَ الصاع النبوي على المكاييل المتداولة عندهم. وقد ضبط عبد الملك بن حبيب لذلك ضابطًا صالِحًا لسائر الأقطار، فقد نقل عنه القبابُ أن مقدارَ الصاع النبوي أربعُ حفنات باليدين جميعًا بكفِّ الرجل الذي ليس بعظيم الكفين، والمد حفنةٌ كذلك. وزاده شراحُ المختصر تقييدًا بأن تكون اليدان غيرَ مقبوضتين، ولا مبسوطتين. (٢) ولا يخفى على عاقل أن أكُفَّ البشر لم تنقص عما كانت في زمن النبي ﷺ ، ولا ادعى أحدٌ من العلماء الخائضين في هذا الباب تناقصَها.
ضبط مقدار الصاع النبوي بمكيال تونس الحالي:
الصاع النبوي لا خلافَ في أنه أربعةُ أمداد بالمد النبوي، وقد ضبط فقهاؤنا مقدارَه بضابط لا يتخلف، وذلك فيما حكاه ابنُ رشد في البيان والتحصيل من كتاب الزكاة في أجوبته أن المشهورَ أن المدَّ النبوي وزنُ رطلٍ وثلث، قال: "واختُلِف في قدر المد بالوزن، فقيل زِنَتُه رطلٌ وثلث وهو المشهور في المذهب؛ قيل بالماء، وقيل
стр. 923
بالوسط من البر". (١) وقد جزم الشيخُ ابن أبي زييد في الرسالة في باب الوضوء على أن التقدير بالماء إذ قال: "وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد"، (٢) وهو وزن رطل وثلث، فتعين أنه اختار أن الوزن بالماء، فيكون ترجيحا.
قال فقهاؤنا الرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية عشرة دراهم وثلثا درهم من الدرهم الذي ضُرب في مدة عبد الملك بن مروان. وقد جعل وزنه ستةَ دوانق، والدانق ثماني حبات وخُمُسَا حبة من وسط الشعير، فوزن الدرهم خمسون حبة وخُمُسَا حبة من وسط الشعير. وشرطوا أن يكون كلُّ شعيرة منها مقطوعةَ الطرفين الزائدين على حجم الحبة. (٣)
وإنِّي قد وزنتُ هذا العددَ من الشعير على الصفة المذكورة، فكان ثلاثة غرامات بميزان اليوم. كما وزنت درهمًا عتيقًا ضُرب في صدر الدولة العباسية وهو عندي، فوجدته ثلاثة غرامات أيضًا. وبذلك تحقق أن الدرهم الشرعي يزن ثلاثة غرامات بميزان تونس اليوم، فتكون الأوقية الشرعية اثنين وثلاثين غرامًا، ويكون المد النبوي الذي هو أربعة أمداد يزن ألفين وثمانية وأربعين غرامًا، وذلك من الماء.
стр. 924
ومن المعلوم أن ميزان الليترة التي هي وحدة المكاييل التونسية في هذا الزمان هو ألف غرام من الماء المغلَّى، فيكون الصاعُ النبوي يسع ليترتين ونصفَ عُشُر الليترة، وهذا مما لا مريةَ فيه. ثم إنا اعتبرنا هذا بضابط ابن حبيب، فكِلْنَا أربعَ حفنات بكفَّيْ رجل متوسِّط اليدين غير مقبوضتين ولا مبسوطتين، فوجدنا ذلك يعادل ليترتين ونصف عُشُر الليترة. وقد صدرت الفتوى مني بتقدير الصاع النبوي بهذا المقدار من عام ١٣٤٤ هـ وهلم جرًّا، ونُشِرت بجرائد تونس وبمصر وبجرائد ومجلات المغرب والمشرق في عدة سنين، وتلقاها أهلُ العلم بالقبول.
أما الصاع المستعمل في تونس قديمًا قبل تصيير مكاييلها إلى وحدة الليترة، فقد تردد بعضُ أهل العلم من التونسيين في نسبته من الصاع النبوي. فرأيتُ للعلامة القاضي الشيخ إسماعيل التميمي (١) في جواب له من خمس مسائل سئل عنها، منها تعيين ما يلزم في زكاة الفطر بصاع تونس، فأجاب بقوله: "الذي سمعناه من شيوخنا أن الصاع النبوي، هو بكيل تونس صاعٌ وثلثُ صاع. واختبرته بِمُدٍّ عندي فوجدته صحيحًا، واختبروه أنتم إن شئتم بالحفنات. نقل القباب عن ابن حبيب أن الصاعَ النبوي أربعُ حفناتٍ باليدين جميعًا بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين". (٢)
وظاهرُ هذه العبارة أن الصاع النبوي يَعْدِل صاعًا وثلثًا تونسيًّا، فإذا كان ذلك مرادَه، كان الشيخُ غيرَ متحققٍ مقدارَ الصاع من صاع تونس؛ لأنه ذكر أنه اختبر صاع تونس بِمُدٍّ عنده، ولم يثق بصحة تقدير المد الذي عنده حتى يجعله أصلًا يُرجَع إليه. فلذلك أحال السائلَ على اختبار ذلك بنفسه، وعلى الرجوع إلى التقدير بالحفنات. ويحتمل أن يكون مرادُه أن الصاع النبوي إذا نُسب إلى صاع تونس كان
стр. 925
يعادل صاعٌ وثلثٌ منه صاعًا تونسيًّا، فيكون قوله "بكيل تونس"، أي بصاع تونس، وعلى كل حال فالشيخ غير متحقق.
ووقع في خطبة جمعة آخر رمضان من خُطَب العلامة شيخنا سيدي سالم بو حاجب (١) عند ذكر زكاة الفطر ما نصُّه: "وهي صاعٌ بصاع نبينا ﷺ ، أي أربعة أمداد، ويوافقه الصاع المعروف الآن بهاته البلاد". وهذا يخالفُ ما نقله الشيخ
стр. 926
إسماعيل التميمي عن مشائخه، ولم يذكر الشيخ مستندَه في ذلك هو، ولم نطلع على كلامه هذا إلا بعد وفاته ﵀، ففاتنا أن نراجعه في ذلك. وقد كان الشيخ حيًّا في وقت صدور التقدير المحرَّر عني وسنين بعده، ولم يغير ذلك هو، ولا راجعني فيه أحدٌ من أهل العلم. (١)
والتحقيقُ أن صاعَ تونس الذي كان معروفًا قبل تغيير المكاييل يسع ثلاث ليترات وثلث الليترة، وإن شئت قلت ثلاث ليترات وسبعة أجزاء من تجزئة الليترة إلى عشرين جزءًا، فيزيد على ما يسعه الصاع النبوي بمقدار ليترة واحدة وثلاثة أعشار الليترة. فالصاعُ التونسي هو مقدارُ صاعٍ وثلث بالصاع النبوي، وهذا يوافق الاحتمالَ الثاني في عبارة الشيخ إسماعيل التميمي، وأن الأربع الحفنات المرجوع إليها في تقدير الصاع النبوي لا تملأ صاعًا تونسيا.
خاتمة
إن مكاييلَ بلاد الإسلام أو معظمَها خالفت الصاعَ النبوي منذ أزمان عتيقة، وكانت الغفلةُ عن ضبطه تغر أهلَ بلاد المغرب، يحسبون أن كلَّ صاع يأتيهم من المشرق هو صاع نبوي.
стр. 927
وربما كان بعضُ الحجيج يأتِي بمكاييل من المدينة المنورة أو مكة المشرفة، تُنسب إلى المد والصاع النبوي وما هو بموافقه. ففي المعيار للونشريسي من جواب الحفار: "والحاج الذي جلب المدَّ من المدينة إن كان صادقًا، فالمدُّ الذي جلب يُقطع بأنه ليس على مقدار مدِّه ﵇؛ إذ مقدارُه على ما عبر ستُّ عشرة أوقيةً من القمح، والمعوَّلُ عليه في مقداره ما يعلم من الأئمة المقتدى بهم". (١)
стр. 928
زكاة الأموال (١)
اصطلح أهلُ تونس على أن جعلوا يوم عاشوراء هو يوم إخراج زكاة أموالهم، والظاهر أنهم اعتبروا في ذلك أن المحرم هو مبدأ السنة العربية الإسلامية الهجرية. ولعلهم كانوا في هذه الأقطار يبتدئون في المحرم عقدَ شركات التجارة، وتنتهي عنده المحاسبات بين الشركاء وتقويم سلع التجارة.
ولعلهم في تعيينهم شهرًا لإخراج زكاة الأموال تابعون لاصطلاح سابق في صدر الإسلام، يشير إليه ما رواه الإمام مالك ﵀ في الموطأ في باب الزكاة في الدين: أن عثمان بن عفان ﵁ كان يخطب فيقول: "هذا شهرُ زَكاتِكُم، فَمَنْ كان عليه دينٌ فلْيُؤَدِّ دَيْنَه، حتَّى تَحْصُلَ أموالُكم فتؤدون منها الزكاة". (٢) قال شراحه: وذلك
стр. 929
في شهر رجب. (١) ولم يتكلم شراحُ الموطأ في هذا الأثر بكلام شاف؛ فمنهم من سكت، ومنهم مَنْ أجمل، وذلك دليلُ حيرتهم فيه. وذكر أبو الوليد الباجي في المنتقى احتمالاتٍ في المراد منه كلُّها مدخولة. (٢)
وكلامُ الموطأ صريحٌ في أن هذا الكلام كان يتكرر من عثمان في هذا الشهر من كل عام، لقول الراوي: "كان يقول". فقول عثمان: "فمن كان عليه دين" إلخ، يعين أن يكون مرادُ عثمان بقوله "زكاتكم" زكاةَ النقدين وما في معناهما من التجارة
стр. 930
والديون. فيدلنا ذلك على أن المسلمين كانوا قد جعلوا شهرَ رجب مبدأَ العام التجاري، ففيه يعقدون عقودَ القراضات، ويتحاسبون على الديون. وهذا من المعروف في كل قطر أن يكون لهم شهرٌ يعتبرونه مبدأ سنةِ نوعٍ من المعاملات، نظيرَ ما عندنا بتونس في أكرية الرباع وفي أكرية الأرضين.
فمَنْ لم يكن ضابطًا لمبدأ حول النقدين عنده (ويكثر عدمُ الضبط في ذلك) يصير إلى الحول المعين عند أصحاب المعاملات، فيزول الإشكالُ الذي عرض لشرَّاح الموطأ في هذا الأثر. ولولا أن أهلَ تونس في القديم اعتبروا هذا المعنى كما اعتبره الذين خاطبَهم الخليفةُ الثالث، لمَا جاز لأحدٍ تأخيرُ زكاته إلى وقت معين إذا كان قد مضى على النصاب عنده عام، فإن مرورَ الحول على نصاب زكاة المال المقتنَى يختلف باختلاف أحوال اجتماع نُصب الأموال عند أربابها. والأمر سهلٌ إذا عسر ضبطُ مبادئ الأعوام بالنسبة لغالب الناس، فيُجعل يومُ عاشوراء هو وقت زكاة النقدين والتجارة.
فأما زكاة النقدين، فهي في الذهب والفضة المسكوكين، وفي قطع الذهب والفضة غير المُعَدَّة للباس المأذون فيه شرعًا، إذا مر عليها حولٌ وهي في ملك صاحبها. فأما الذهبُ فتجب فيه الزكاةُ إذا بلغ منه مقدارَ عشرين دينارًا شرعيًّا فصاعدًا، مضى عليها الحول. والدينار الشرعي وزنُه أربعةُ غرامات وعشرون سنتغرام من الذهب الخالص غير المخلوط. وحيث كانت السكةُ الذهبية في ممالك العالم المتمدن مخلوطةً على نسبة تسعين غرامًا وأربعين سنتغرام من سكة الذهب المعروفة، أعني مقدار أربع عشرة قطعة وخُمُسَيْ قطعة من قطع اللويز، وذلك صرفُ ألف وتسعمائة وخمسين فرنكًا فصاعدًا بحساب رواج اللويز (١) اليوم في صرفه بسكة الفضة أو بكوارط البنك. (٢) وإذا كان الذهبُ أكثرَ خلطًا بالنحاس كذهب تونس
стр. 931
المصوغ المعبَّر عنه بذوق تسعة، يكون النصابُ منه ضعفَ هذا المقدار تقريبًا، ويُخرِجُ المزكِّي على جملة ما عنده من الذهب رُبُعَ العشر، أعني اثنين ونصفًا في المائة.
وأما الفضة فنصابُها مائتا درهم، والدرهم وزنُه ثلاثةُ غراماتٍ من الفضة الخالصة. وحيث كانت الفضة المسكوكة في الممالك المتمدنة مخلوطةً بنسبة ٨٣ جزءًا ونصف في المائة من الفضة وستة عشر جزءًا ونصف في المائة من النحاس، فنصابُ الفضة ستمائة غرام فضة خالصة، فإذا زيد عليها ما يعادل ما في الفضة من الخلط يكون نصابُ الفضة ٧٠٠ غرام من سكة الفضة، وذلك مقدارُ سبعمائة فرنك فصاعدًا من سكة فرنسا وتونس الفضية الرائجة الآن بالمملكة التونسية. وعلى هذا التقدير يجري العملُ في بلاد الإسلام بنسبة صرف الغرام من الفضة، ويخرج المزكي عن ذلك ربع العشر.
واعلم أن المرجع في تقدير نصاب الزكاة للدرهم الشرعي، وهو الذي يساوي ثلاثةَ غرامات من الفضة الخالصة، وهذا الدرهم هو المسمَّى بدرهم الكيل. وإنما سمي بدرهم الكيل؛ لأن الخليفة عبد الملك بن مروان ﵀ جعل الدرهمَ الشرعي هو وحدةَ المكاييل. قال فقهاؤنا: الدرهمُ الشرعي هو المسمَّى بدرهم الكيل، وهو خمسون حبةٍ وخُمُسَا حبة من مطلق الشعير. وسمي درهم الكيل؛ لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان (أي بتحقيقه)، ولأنه تُقَدَّر به المكاييلُ الشرعية من أوقية ورطل وصاع ومد.
أما درهم النقد فأصنافٌ شتَّى في العصور المختلفة من عصور الإسلام، كما هو الحال في المكاييل. والدرهم الشرعي هو درهمٌ من دراهم النقد في عصر الدولة الأموية والدولة العباسية، والعبرةُ بالدرهم الذي بينته. وأما تذاكر البانكة المعبَّرُ عنها بالكوارط، فإنها تعتبر مقاديرُها المرسومة عليها، فالنصابُ من كوارط بنك فرانسا والجزائر هو مقدارُ سبعمائة فرنك فأكثر، ويخرج عنها ربع العشر، أعني اثنين ونصفًا في المائة. وذلك لأن الكوارط هي في الأصل بمنزلة ديونٍ وأماناتٍ عند
стр. 932
شركات البنوك مع إمكان قبض مقدار ما يُرسم بها، فبذلك كان لها حكمُ المال الناض على قول ابن القاسم ﵀ في مثل هذا النوع من الديون حسب تحقيق نحارير المذهب، كابن عبد البر وابن رشد وخليل وابن عاشر. ثم إن هذه الديون المعبر عنها بكوارط البانكة بلغت بسبب قوة الثقة بالشركات المدينة بها وضمان الحكومات فيها إلى أن صار لها من الرواج بين الناس مثلُ ما للنقدين، فكانت جديرةً بأن تأخذ أحكامَ النقدين، إذ الأحكامُ منوطةٌ بالمعاني لا بالألفاظ.
وأما زكاة التجارة، فالتجارة قسمان: إدارة واحتكار. وأما الإدارة فهي غالبُ أنواع التجارة التي يقرر أصحابُها أرباحًا مناسبة لإقامة تجارتهم، بحيث يكثر عندهم البيعُ وتجديد السلعة. فهؤلاء يقوِّمون سِلَعَهم في مبدإ كل عام، فإذا بلغت قيمتُها حدَّ النصاب بأحد النقدين - وهو في تونس الفرنك؛ لأنه الرائج في التعاقد - فيُخرجون زكاتَها ربعَ العشر. وكذلك أرباحُهم الناضَّة بأيديهم أو المؤمنة في البنوك، يزكونها إذا مضى حولٌ على رأس المال. وكذلك الديونُ التي لهم على الناس إذا كانت في محلَّ ثقة وأمانة مع إمكان استخلاصها، ويطرحون الديونَ التي عليهم من جملة أموالهم، ويزكون ما فضل بعد طرح الديون. (١)
وأما الاحتكار فهو المعبَّرُ عنه في اصطلاح التجار بالتجارة الميتة التي يطلب أصحابُها أرباحًا عظيمة، حيث لا يبيعون إلا قليلا. فهؤلاء لا يزكون إلا إذا باعوا السلعةَ بعد حول فأكثر من اليوم الذي زكُّوا فيه أثمانَها، فيكون عامُ كلِّ واحد من هؤلاء متعددًا. فلكل سلعة نصابُ عامِها الخاص بها، فيجب عليهم ضبطُ ذلك بالتحرير لئلا يؤخِّروا زكاةَ كلِّ سلعة باعوها عن وقت وجوب زكاتها.
стр. 933
ومصارفُ الزكاة مجموعةٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] , وهم الذين يبعثهم الأمير لاستخلاص الزكاة وكتابة مقاديرها ونحو ذلك، فيأخذون أجورهم على خدمتهم من أموال الزكاة. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهم الذين دخلوا في الإسلام حديثًا، ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي عتق العبيد، ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، وهم الذين عليهم ديونٌ في غير معصية، أو في معصية وثبتت توبتُهم منها، ولم تكن لهم أموالٌ فاضلة تُدفع منها ديونُهم ولو كانت لهم عروضٌ تكفي عيالهم، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو الغريب إذا لم يجد مالًا في بلد غربته في طريق سفره. (١)
واعلم أنه يجوز للإنسان أن يعطيَ زكاتَه إلى أقاربه الذين لا تجب عليه نفقتُهم، ويجوز للمرأة أن تعطيَ زكاةَ مالها لزوجها الفقير أو المدين. ويُعْطَى لكلِّ واحدٍ من مصارفها ما يكفيه لدفع السبب الذي لأجله استحقَّ الزكاة. و [اعلم] (٢) أن زكاة النقدين تُوَزَّع في البلد الذي فيه المالك، والمراد بالبلد هو الموضع الذي ينضبط بالعرف بأنه بلد، إذ قد تكون الأرضون شاسعةً لا سُكَّانَ فيها، وهي تابعةٌ لمدينة أو قرية كالهناشير التابعة للبلدان، أو تكون حولها وعن بعد منها أحياء أو بيوت، فموضعُ الوجوب ما كان بلدًا، أو قرية، أو قرى متجاورة، أو أحياء، هي أقرب لموضع المزكي.
стр. 934
وأما نقلة الزكاة إلى موضع غير الموضع الذي وجبت فيه، ففيه صور:
١ - الصورة الأولى: أن يكون أهلُ الموضع أغنياء، أو يكون المحتاجون فيهم قليلًا جدًّا، قال مالك: يجوز أن تُنقل الزكاةُ إلى البلد الذي فيه المساكين، ويُنقل ما فضل عن فقراء البلد إلى فقراء البلد الآخر. (١)
٢ - الصورة الثانية: أن يكون في بلد الوجوب فقراء، ويكون في بلد آخر مجاعة أو حاجة، فيجوز نقلُ الزكاة إلى البلد الذي فيه المجاعة حتى يستغني فقراؤه، ولا يُعطى منها فقراءُ البلد الذي وجبت فيه الزكاة إذا كان فقرُهم لم يبلغ مبلغَ الحاجة أو المجاعة.
٣ - الصورة الثالثة: أن يفضل من مقدار الزكاة ما هو زائدٌ على حاجة فقراء البلد الذي وجبت فيه الزكاة، فهذا يُنقل إلى فقراء بلد آخر. ثم إن المزكِّي إذا دفع زكاتَه لفقراء بلدٍ غير البلد الذي وجبت فيه الزكاةُ في الصورة التي لم يُؤْذَنْ له فيها بنقل الزكاة أجزأه ذلك، ولكنه فعل مكروهًا، وهو قولُ ابن القاسم ﵀. (٢)
وحرره الفقير إلى ربه محمد الطاهر ابن عاشور
شيخ الإسلام المالكي لطف الله به
في ٣٠ ذي الحجة ١٣٥٥، وفي ٣ مارس من سنة ١٩٣٧.
стр. 935
زكاة الحبوب (١)
لَمَّا صدرت مني الفتوى في زكاة الحبوب التي نشرتْها مجلةُ "الهداية الإسلامية" الغراء في الجزء ٣ من المجلد ١١، ورد عليَّ أربعةُ أسئلة من بعض أهل العلم يتطلب زيادةَ البيان، فأردتُ أن أبسطها هنا زيادةً في التبيين، ورجاء للتهمم بمقام "مَنْ يرد الله به خيرا يفقّهْه في الدين". (٢)
أولها: في بيان حال ما شاع على ألسنة بعض طلبة العلم يتناقلونه أن النصاب الشرعي لزكاة الحبوب والثمار هو قفيزان بالقفيز التونسي الذي هو مائة واثنان وتسعون صاعًا بالصاع التونسي.
والجواب عن هذا أن النصاب هو ما بينته في الفتوى، فإني اعتبرت فيه التقدير الشرعي على المذهب المالكي المستند في تقديره إلى صاع المدينة المأثور عن النبي ﷺ ، وهو الذي سماه مالك ﵀ في الموطأ المد الأصغر والمد الأول أيضًا، ويقابله المد الأكبر وهو المد الهشامي المنسوب إلى هشام بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو يساوي مُدَّيْن من المد النبوي.
والنصابُ خمسة أوسق شرعية، وهي ستة أقفزة وربع قفيز بالقفيز الشرعي. وذلك المقدار قد صيرتُه إلى المكيال التونسي المستعمل الآن والمشتهر في كثير من العالم بقاعدة الرجوع إلى تصيير الصاع النبوي إلى ما يسعه من الماء، وتصيير ذلك المقدار من الماء إلى ميزان الأوقية والدرهم الشرعي.
стр. 936
ولا التفاتَ إلى غير ذلك من التقادير التي عالجها كثيرٌ من الناس فلم يحصلوا على طائل، إذ انتشروا في طرق التقريب بأسماء المكاييل المختلفة باختلاف العصور والبلدان، مع أن أسماء المكاييل والموازين غيرُ منضبطة المسمَّيَات ولا متحدةٍ في بلدان المسلمين، فهنالك المدني والمكي والبغدادي والشامي والقرطبي والقيرواني والمصري والتركي وفروعها.
وحسبُك أن لنا في القطر التونسي في القديم عدةَ مكاييل وموازين تتحد أسماؤها وتختلف مسمياتُها باختلاف المدن واختلاف أصناف المكيلات والموزونات، فيوجد القفيز التونسي والقفيز الباجي لكيل الحبوب، ويوجد المطر التونسي والمطر السوسي لكيل الزيت، ويوجد الرطل العطاري والرطل الخضاري. فالمرجع إلى التقدير الشرعي، فهو الذي يتضح به الواجبُ في الزكاة.
ثانيها: طلب توجيه الفرق بين عدم اعتبار مصاريف الأرض في مثل الكراء والتسميد بالفسفاط وبالغبار حيث جعلناها غير موجبة لإخراج نصف العشر، وبين اعتبار الشريعة السقي بالآلات والدواليب والماء المشترَى موجبة لإخراج نصف العشر في زكاة الحبوب والثمار.
والجواب أن بيان الفرق في ذلك أن المنصوصَ في السنة الصحيحة والذي أخذ به أئمة فقهاء الأمصار أن لا ينقص المقدار الواجب في زكاة الحبوب والثمار عن العشر إلى نصف العشر إلا فيما يُسقَى بالدواليب والنواعير ونحوها مما فيه نفقة على جلب الماء للسقي، ولم يلتفتوا إلى مصاريف الخدمة والغبار مع أنها لا تخفى. وكذلك التسميد بالفسفاط وغيره، وكذلك الحرث والدرس بالآلات التي تستدعي نفقات.
وتوجيهُ ذلك فيما يظهر لي أن تسميد الأرض واستعمال الآلات الحديثة للحصد والدرس لا يتوقف عليه حصول الحب والثمار، بل إنما يزيد به المقدار المتحصل منهما أو يفيد الفلاح سرعة في استحصال نتائج فلاحته بحيث يستطيع
стр. 937
بيعها باكرًا والأمن عليها من العاهات ومن التلاشي وإعادة حرث أرضه باكرًا. وذلك كله يستفيد منه الزارع أو الغارس زيادة ثروة، مثل استفادة فرص التجارة، فيتعين الأداء على ذلك المتحصل، ولا وجه للنقص منه. فهو كالأداء على أرباح التجارة؛ لأنها أموالٌ مستفادة من بزيادة العمل.
بخلاف السقي بالماء المجلوب بالآلات أو بالثمن؛ فإن السقي يتوقف عليه وجود الزرع والثمر، إذ لا يوجدان بدون ماء، فالماء مع الأرض هما الركنان لتكوين الزرع، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٣, ٦٤]، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨, ٦٩]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩)﴾ [عبس: ٢٤ - ٢٩].
فجعل الأصلَ صبَّ الماء وشق الأرض، وكان شأن الماء أن يجعل في الأرض بدون كلفة، فهو ينزل عليها مطرًا أو ينساق إليها سيحًا أو واديًا. فكان الإنفاق على جلب الماء للزرع أو الغرس يكلف صاحبه كلفًا غير معتادة في الغالب، وهو مضطر إلى ذلك الإنفاق لتحصيل الزرع إذ بدونه لا ينبت. فلذلك كان حريًّا بالحط عن جالبه من المقدار الواجب أداؤه في الزكاة.
وبهذا التقرير يظهر الفارقُ بين الماء المجلوب بالدواليب وبين التسميد بالفسفاط والخدمة بالآلات الجديدة، وهو فارقٌ مؤثّرٌ يمنع قياسَ هذه على ذلك، وإن تساويَا في أصل الكلفة والنفقة.
ثالثها: بيان إخراج القيمة عينًا عِوضًا عما وجب دفعُه في زكاة الحبوب والثمار، وذلك أن الأصل هو أن تُدفع الزكاةُ من عين ما وجبت فيه، لكن إذا أجبر المزكي على دفع القيمة - كما هو واقع في دفع العشر عندنا بتونس - فذلك مجزئ، نص عليه في المدونة. على أن ابن القاسم روى عنه صاحباه أبو زيد ابن أبي الغَمر
стр. 938
وعيسى بن دينار أنه يجزء إخراجُ الثمن نقدًا بدلًا عن الحبوب والأنعام دون العكس ولو بدون جبر، إلا أنه رآه مكروهًا، وفي هذه الرواية توسعة على الناس اليوم.
ويشهد لصحة هذه الرواية ما ثبت في الصحيح أنَّ معاذ بن جبل ﵁ قال لأهل اليمن: "ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابِ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَة، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ". (١) وكتب أبو بكر ﵁ في فريضة الصدقة: "ومن بلغت عنده في الصدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنه تقبل منه بنت لبون ويُعطى شاتين أو عشرين درهمًا". (٢)
رابعها: أن مَنْ كان ثمره كله نوعًا واحدًا سواء كان من جيد التمر أو من رديئه هل يخرج الزكاة من عين ثمره أو يخرجها من وسط أنواع التمر؟ وهذه مسألة نبه عليها ابنُ الحاجب في المختصر بقوله: "وفي الثمار ثالثها المشهور إن كانت مختلفة فمن الوسط، وإن كانت واحدًا فمنه". (٣) قال شراحه:
القول الأول: أنه يؤخذ من الوسط مطلقًا كالماشية، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، ورواه ابن نافع، وهو ظاهر الموطأ (يعني فيما رواه مالك ﵀ في زكاة ما يخرص من ثمار النخيل والأعناب عن زياد بن سعد عن ابن شهاب أنه قال: "لا
стр. 939
يُؤخذ في صدقة النخل الْجُعرور، ولا مصرانُ الفارة، ولا عذقُ ابن حبيق، قال: وهو يُعد على صاحب المال، لا تؤخذ منه الصدقة". (١) وقد تكون في الأموال ثمار لا يؤخذ الصدقة منها، من ذلك البُردى وما أشبهه، لا يؤخذ من أدناه كما لا يؤخذ من خياره، وإنما تؤخذ من أوساط المال).
القول الثاني: يؤخذ من الموجود مطلقًا، وهو قول أشهب؛ لأن الأصل إخراجُ زكاة كلّ مال منه، واستثنى الشرعُ الماشيةَ فلا يؤخذ الرديء منها، فيبقى ما عداها على الأصل.
القول الثالث: إن كان التمر نوعًا واحدًا أُخذ منه جيدًا كان أو رديئًا، وإن كان أكثرَ من نوع أُخذ من الوسط. وهذا قولُ ابن القاسم، وروايتُه في المدونة. (٢) وهو المشهور، وبه الفتوى. ولذلك قال خليل: "وأُخِذَ من الحب كيف كان، كالتمر نوعًا أو نوعين، وإلا فمن أوسطهما". (٣)
إلا أن قولَ خليل "أو نوعين" سهو، ولذلك انتقده الحذاقُ من شراحه، والصواب: كالتمر نوعًا واحدًا، وإلا فمن أوسطها. (٤)
стр. 940
التعامل بالأوراق المالية (١)
نشرت جريدة "العصر الجديد" (ص ٣، العدد ٦، ٢٣ شوال ١٣٣٨/ ١٩٢٠) الأسئلة الآتية حول الأوراق المالية:
ما هو حكم "الكوارط" المالية في الصرف؟ وهل النسيئة فيها تمنع أم لا؟ وهل المنع عند اعتبارها عروضًا يتحقق في النسيئة مفاضلة أم لا؟ وما العلة في التحرم عند إلحاقها بالنقدين: هل التعليل بالذات للنقدية أو اتخاذها أثمانًا؟ وما هي أحكام الضرورة فيها؟
فأجاب المصنف بما يلي:
حكم الربا في التعامل بالأوراق المالية:
يطلق الربا في اصطلاح الفقهاء على معان:
أحدها: ربا الجاهلية، وهي الزيادة في الدين لأجل التأخير.
الثاني: التفاضل في بيع الشيء بجنسه من أجناس وردت في السنة، (٢) وسُمِّيَ ربا الفضل.
الثالث: التأخير في بيع الشيء بجنسه من تلك الأجناس، وسُمِّيَ ربا النسيئة.
стр. 941
الرابع: البيوع التي تؤول إلى الربا، وهي التي تعتريها تهمة كون التعامل بها على الصفات المذكورة فيها، لأجل التوصل إلى نوع من أنواع الربا المتقدمة.
فأما إجراء أحكام الربا بالمعنى الأول على المعاملة فيها، فلا حاجة للتنبيه عليه لوضوحه، إذ كل ما أدى إلى انتفاع المتسلف ممن سلفه فهو حرام، سواء كان التعامل بالنقدين أم بغيرهما.
وأما إجراء أحكام الربا بالمعنيين الثاني والثالث، فهو متصور فيها؛ إذ لا يقصد التعامل بذواتها حتى تباع الورقة بورقتين أو تباع الورقة بمثلها نسيئة، وإنما النظر إلى قيمتها.
وأما إجراء أحكام الربا بالمعنى الرابع، فهو محل النظر ومناط السهم من الوتر، ولا بد أن نلم بما يحتمل من صور التعامل بها ثم ننزله على أحكامه ونلهم شارده بزمامه. وذلك أن إعطاء الورقة قد يكون في شراء أشياء، وقد يكون لقبض قيمتها نقدًا، وقد يكون مبادلة لها بورقة أو أوراق أخرى. وفي كلٍّ إما أن تُعطى الورقة لِمن هي دين عليه، أعني "البانكة" التي روجتها أو تُعطى لغيرها. فتلك سِتُّ صور.
فأما تسليمها لمن هي دينٌ عليه، أعني "بانكتها"، فإن كان لقبض قيمتها عينًا فهو اقتضاء دين وهو صحيح، وإن كان لقبض أوراق أخرى تساويها فهو استبدال حجج، كما يكون له دين على آخر في صك واحد فيستبدلانه بصكوك متعددة وهو جائز.
وقد يُتوهم بادئ النظر أنه فسخُ دينٍ في دين، ولكن لا توجد حقيقةُ فسخ الدين في الدين منطبقةً عليه؛ لأن تلك الحقيقة عبارةٌ عن أن يكون شيء في ذمة شخص فيفسخه شيء آخر لا يتعجله ربُّ الدين، أي بتجديد دين آخر عوضه. وإنما يقع ذلك غالبًا مع اختلاف جنسيْ الدَّينين، وقد يكون مع اتحادُهما بزيادة في الثاني ليُتوصَّل في الحالين إلى المراباة مستورة تحت صورة دين جديد. (١)
стр. 942
وعُلِّل منعُه بما ذكره الإمام المازري في شرح التلقين بأن التأخير لا يقع غالبًا إلا وقد زاد المدينُ لرب الدين في مقدار ما يعطيه له لو عاوضه عن دينه بدون تأخير، وهذه الزيادة في القيمة لأجل التأخير كسلف جرَّ نفعًا. (١) وعليه فلما اتحد الدينان وانتفت الزيادةُ انتفت العلة، وكان ذلك مجرد استبدال حجة ولا قصد لتجديد التداين. وأما تسليمها للبانكة لشراء أشياء فذلك جائز؛ لأن بيع الدين بغير جنسه جائز بشروط، وهي موجودة.
وأما تسليم هاته الأوراق لغير من هي عليه، أعني التعامل بها مع غير "البانكة" المروجة لها، فإن كان التعامل بها في شراء سلع، فهو بيع الدين بغير جنسه، وقد علمت جوازه. وإن كان لقصد قبض دين مخالف لما وقع به التداين، أعني أنه مخالف لما وقع عليها كأخذ ذهب عن ورقة رقم عليها أنها ذات فرنكات، فهو جائز لا محالة؛ لأنه من صرف ما في الذمة في غير جنسه مع حلول الدين.
стр. 943
وأما إن دفعها في عين مماثلة لما رقم عليها كأخذ فرنكات عن ورقة رقم عليها أنها ذات فرنكات، فهنا اختل منه شرطُ اختلاف الجنس. إلا أنهم عللوا وجهَ القول بمنع بيع الدين بجنسه بأن الشأن فيه إن بيع بجنسه أن يباع بأقل، فيكون سلفًا بمنفعة. وهذا التعليل مبنيٌّ على ما هو متعارف في الديون؛ إذ لا يقصد مشتريها إلا الحطَّ من مقدارها، وإلا فما فائدةُ دفع مثل قيمتها مع أن أقل ما يكلفه الدين أن يسعى لطلبه من المدين؟
أما هذا النوع الذي نحن بصدده فإن مشتريه يقصد مقاصدَ شتى من قبض تلك الأوراق؛ لأن رواجها ورواج العين متساويان، فقد انتفت عنه علةُ المنع. وأما تبادلها مع غير مَنْ هي عليه - أعني صرفَ بعضها ببعض من أوراق "بانكة" واحدة - فهو بين الدين بالدين، لكن مع اتحاد الجنس.
والممنوع من بيع الدين مصوَّرٌ في كلام الفقهاء بما اختلف فيه المدينان، كأن يكون لزيد دينٌ على عمرو، فيبيعه لبكر، ويبيع بكر الذي له على خالد لزيد، ومعلَّلٌ بما فيه من الغرر؛ إذ لا يدري أي المدينين أسبق قضاء وأدوم ذمة وأقل مطلا. فإذا اتحد المدين، فقد انتفت الحقيقة؛ إذ لا بد في بيع الدين من تحقق ثلاثة أشخاص. ولا يقال إنه من ابتداء الدين بالدين؛ لأن حقيقته أن تعمر ذمةُ أحدهما في مقابلة تعمير ذمة الآخر، غير سابق تقرر أحد المدينين على الآخر، وهو الفرق بين ابتداء الدين بالدين، وبين كلٍّ من فسخ الدين في الدين وبيع الدين.
فابتداء الدَّيْن بالدين تعمر به الذمتان عند المعاوضة لا قبلها، كما في التوضيح وغيره. (١). ومن المعلوم أن هاته الأوراق ديونٌ متقررة سابقة على وقت المبادلة،
стр. 944
فالتبادل بها من بيع الدين بالدين مع اتحاد المدين لا ضير فيه. وأما صرفُها بأوراق "بانكة" أخرى، فههنا يظهر بيعُ الدين بالدين، إلا أنه لمَّا كان الضمانُ متحدًا، وهو ضمان الدولة - كما علمت في المقدمة (١) - كان اتحادُ الضمان قائمًا مقامَ اتحاد المدين، لانتفاء الغرر وانتفاء تهمة قصد الزيادة المعلل بهما منع بيع الدين بالدين، كما تقدم عن المازري.
стр. 945
زكاة "تذاكر البانكة" [الأوراق المالية] (١)
الحمد لله، طالعت في مجلة "الهداية الإسلامية" الغراء في جزئها الحادي عشر من المجلد الثاني صفحة ٦٢٥ سؤالًا عن حكم زكاة الأوراق المالية حرره السيد فهمي أبو كرورة. ولكون هذه المسألة من أجل المسائل التي يتطلع إليها أهلُ الإسلام لمعرفة حكم الشرع فيها لانتشار التعامل بهذه الأوراق، رأيت من المتعين الجوابَ عن هذا السؤال على حسب قواعد المذهب المالكي بغاية ما يمكن من قلة التطويل، وإن كان هذا الغرضُ يحتاج إلى إفاضة القول فيه في مناسبة أخرى.
[معنى الأوراق المالية المعروفة بتذاكر البانكة]:
لَمَّا كان تصورُ المحكوم عليه بكنهه مما يجب تقديمُه قبل التصدي لتفصيل أحكامه، فمن الواجب أن نبسط بيان ماهية هاته الأوراق المعبَّر عنها عندنا بتذاكر البانكة، حتى يكون إلحاقُ الحكم بها بعد ذلك أمرًا سهلًا لا يكلفك عملًا جزلًا، ويكون القول في ذلك قولًا فصلًا، فما هي البانكة وأوراقها؟
البانكة كلمة "طليانية" [إيطالية]، وهي في اللغة الفرنسية بنك [banque]، والجمع بانكات أو بنوك. ومسماها في الأصل محل الصرف، إلا أن الصيارفة توسعوا
стр. 946
بالتدريج في صناعتهم، فارتقوا بسبب ثقة الناس بهم إلى أن صاروا زيادة على تصريف النقود يقبلون الأماناتِ والأموالَ المراد توجيهُها للبلدان القاصية، فيحولون دفعها على شركائهم في تلك البلدان، ويسلفون الأموالَ برهن وغير رهن، ويشترون الديونَ فيحتالون على المدينين في مقابل إسقاط قليل. فصار محلُّ الصرف المسمى بالبانكة محلَّ مساعداتٍ مالية، وانقسمت البنوكُ بحسب اشتغالها إلى ثلاثة أقسام:
١ - مستودعات تؤمن فيها الأموال، وللترغيب في الإتيان بالأموال إليها تعطي لأرباب الأموال أرباحًا قليلة تتحصل من التجارة بها.
٢ - مصارف لتحويل أوراق ديون أو صكوك أو ضمانات، أو تصريف نقود البلاد الأجنبية الناقصة رواجًا في مقابل إسقاط من الأصل.
٣ - مروِّجات أوراق، بمعنى أن تجعل رأس المال من الذهب متحصلًا مما دفعه المؤسسون بالاشتراك، أو بوضع الحكومة لها بأيدي أناس مكلفين بها، ثم تروِّج أوراقًا ذات قيم معينة وتُكثر منها بما يتجاوز مقدارَ رأس المال على نسبةٍ مصطلح عليها داخلة تحت القوانين الاقتصادية. (١) وتسلم تلك الأوراق بيد مَنْ يأتِي لها بمال يطلب توجيهَه لجهة من البلاد التي بها فروعٌ لتلك البانكة، أو لمن يريد استخفافَ حمل، أو نحو ذلك، على شرط أنها تَدفع لِمَن يريد قبضَ المقدار المرسوم على تلك الورقة نقدًا عندما يريد ذلك. وتُروِّج كثيرًا منها أيضًا بين شراء سلع أو إسلاف الناس برهن أو في تجارة. وذلك كله على معنى أن حاملَ تلك الأوراق له على البانكة دين بمقدار ما رقم على الورقة من القيمة.
ولما كان من المحقَّق أن لا يتمالأ الناسُ على تصريف جميع الأوراق دفعةً واحدة، كان المقدارُ الموجود من النقد بخزينة البانكة يفي بتصريف ما يُعتاد تصريفُه
стр. 947
يوميّا. فلذلك لم يكن مانعٌ من ترويج أوراق بأكثر من رأس مال البانكة، فتحصل من ذلك الترويج أرباحٌ كثيرة تناسب المقاديرَ الحاصلة من جميع الأوراق، مع أن رأس المال في الواقع دون ذلك. وقد يعرض من الأزمات ما يقتضي تعطيلَ الدفع، إما لإفلاس البانكة، أو لوضع الدولة يدَها على النقود التي في البانكة في أوقات الحروب لصرفها في التجهيزات ونحوها، مما لا بدَّ فيه من المال، والحساب يكون بعد انتهاء الأزمة.
وهذا النوع الثالث من البنوك يتعاطى أعمالَ القسمين الأولين أيضًا، وكلها إما أن تكون من تأسيس الشركات التجارية، أو أفراد التجار، أو تؤسسها الدولة مثل البنك الفرنساوي. (١)
والقسم الثالث منها الذي يروِّج أوراقًا لا بدَّ له من ضمانِ الحكومة واطلاعها على مقدار رأس ماله، وعلى برنامج نظامه مع الاتفاق معها على المقدار الذي يمكن ترويجه من الأوراق على نسبةٍ مصطلح عليها عند علماء الاقتصاد بين رأس المال والترويج، لتحصل بمراقبة الدولة لها وضمانها في أعماله ثقةُ الناس بالأوراق التي تروجها، فتروج بينهم رواجَ النقدين، وليدخل المدلسون لأوراقها تحت قانون العقوبات الصارمة المؤسسة لمدلسي النقود.
فتذاكرُ البنوك هي أوراقٌ مالية مقدرة بمقادير من السكة الرائجة، ويستحق حاملُها قبضَها من البانكة المروجة لها. ولها رواجُ النقود في البلد الذي تأسست فيه، بحيث إنها حججُ ديونٍ مضمونة حالة محصلة على ثقة الناس في الوفاء بها، وتيسير استخلاص ما فيها في كل وقت إلا في أحوال نادرة الحصول.
стр. 948
حكم زكاة الأوراق المالية المعبَّر عنها بتذاكر البانكة:
علمتَ مما تقدم أن أوراقَ البانكة حججُ ديون، فتأخذ في الزكاة أحكامَ زكاة الدَّيْن. (١) وزكاةُ الدين مُلحَقةٌ بزكاة النقدين؛ إذ الدَّينُ مالٌ متقرِّرٌ بذمة المدين يمكنه الوفاءُ به عند طلبه أو لأجل، فهو مال وغنى معتبر. وكان شأنُ الدَّين أن يُزكَّى كلَّ سنة؛ لأنه مالٌ ثابت بمنزلة عين مكنوزة. إلا أن الشارع رخَّص ألا يُزكَّى في بعض أحواله حتى يقبضه ربُّ الدين خشيةَ أن يعترضه ما يمنع قبضَه، كما نقَل ذلك ابنُ شاس في كتاب "الجواهر" وخليل في "التوضيح" عن أشهب ﵀. (٢) ثم الدين باعتبار إجراء الزكاة فيه تختلف أحكامُه، فمنه ما يزكى كلما مر عليه الحول، ومنه ما يزكى عند قبضه من المدين، ومنه ما يُزكى بعد أن يقبضه ربُّ الدَّين ويمر الحول عليه من يوم قبضه.
[والدَّين باعتبار إجراء الزكاة فيه خمسةُ أقسام: دين من وديعة، ودين من تجارة، ودين من قرض، ودين من فائدة، ودين من غصب. (٣) فأما دين الوديعة - وهو المال الذي تحت المودع - فحكمه أن يزكيه المودِع (بالكسر) لكل سنة تمر على أصل اكتساب نصابه، كما صرح بذلك ابن عبد البر في الكافي. (٤) وأما دين التجارة فلا يخلو، إما أن يكون صاحبه التاجر مديرًا أو محتكرًا. فالمدير، وهو الذي يشتري ويبيع ما يشتريه بالسعر الحاضر إذا وجد ربحه، ولا ينتظر نفاقَ الأسواق ولا شدةَ
стр. 949
الرغبات، فهذا حكمُ ديون تجارته كحكم سلعه، فيجعل لنفسه شهرًا من السنة يقوِّم فيه ما عنده من السلع وما عنده من الديون، ويزكي قيمة جميعها كما يزكي ما عنده من العين. (١)
وأما المحتكر وهو الذي لا يبيع السلعَ حتى يجد نفاقًا في السوق وربحًا قويًّا ويترصد الرغبات، فهذا لا يزكي ديونَه حتى يقبضها، ويكون قد مر الحولُ على أصلها. وإذا اجتمعت لتاجر واحد إدارةٌ واحتكار، فقال ابن رشد في البيان: ظاهر المدونة أنه يُغلِّب الإدارةَ على الاحتكار. (٢)
وأما القسم الثالث وهو دين القرض، فحكمه أن يزكَّى زكاةً واحدة عند قبضه ولو مرت عليه سنون إن كان صاحبُه تاجرًا محتكرا. وأما إن كان تاجرًا مديرًا، فقال ابن رشد: ظاهر المدونة أنه يلحقه بديون تجارته، فيقَوِّمه كلَّ سنة ويزكيه. وقال ابن حبيب: لا يلحقه بها، بل هو فيه كالمحتكر. (٣)
وأما القسم الرابع وهو الدين من فائدة (أعني: الذي استفاد ربه كسبه من غير أن يكون قد بذل مقداره أو بدلًا عن مقداره من يده، وذلك مثل أن يرث دينًا، أو يوهب له، أو كان مهر امرأة تقرر بذمة زوجها، أو معين خلع تقرر بذمتها، أو ثمن إجارة الشخص نفسه أو كراء مسكنه، أو يكون ثمن عرض استفاده بوجه من هاته الوجوه وباعه بدين مؤجل)، فهذا لا يزكى ما دام في الذمة حتى يقبض ويحول الحولُ عليه بعد قبضه. قال في الوسالة: "وإن كان الدين أو العَرْضُ من ميراث
стр. 950
فليستقبل حوله بما يقبض منه". (١) ويلحق بهذا القسم أن يكون الدَّيْنُ ثمنَ عرضٍ كان بيده للقنية ثم باعه بدين، فإن كان الدين على الحلول فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضه، ويستقبل به حولًا من يوم قبضه. وإن كان الدين مؤجلًا فلا زكاة عليه حتى يقبضه إن كان مضى حولٌ على يوم التبايع. (٢)
وأما القسم الخامس وهو الدين من غصب (أعني: بقاء المغصوب المثلي بذمة غاصبه إلى أن يدفعه)، فقال ابن رشد: "المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه (كدين القرض) ". (٣)
هذه أقسام الديون، وقد تحصل أن منها ما يزكى ولو قبل قبضه وهو دين الوديعة ودين المدير، ومنها ما يزكى عند قبضه. ومنها ما يزكى بعد مرور حول من يوم قبضه. وشرط هذا التفصيل في زكاتها أن لا يكون صاحبه قد ترك قبضه فرارًا من الزكاة. وإنما يُتصور هذا في غير دين الغصب وفي غير دين الوديعة والمدير؛ لأن فيها الزكاة كل سنة، وذلك دين القرض ودين الفائدة ودين المحتكر]. (٤)
فأما إن كان ربُّ الدين يمكنه قبضُه فتركه فرارًا من الزكاة، ففي ذلك طريقتان: الأولَى طريقةُ ابن عبد البر في "الكافي" وابن الحاجب في مختصره عن ابن القاسم أنه تجب فيه الزكاة كلَّ عام، ولم يفصِّلا فيه. والثانية طريقةُ ابن رشد في "المقدمات" بالتفصيل. (٥)