بالتدريج في صناعتهم، فارتقوا بسبب ثقة الناس بهم إلى أن صاروا زيادة على تصريف النقود يقبلون الأماناتِ والأموالَ المراد توجيهُها للبلدان القاصية، فيحولون دفعها على شركائهم في تلك البلدان، ويسلفون الأموالَ برهن وغير رهن، ويشترون الديونَ فيحتالون على المدينين في مقابل إسقاط قليل. فصار محلُّ الصرف المسمى بالبانكة محلَّ مساعداتٍ مالية، وانقسمت البنوكُ بحسب اشتغالها إلى ثلاثة أقسام:
١ - مستودعات تؤمن فيها الأموال، وللترغيب في الإتيان بالأموال إليها تعطي لأرباب الأموال أرباحًا قليلة تتحصل من التجارة بها.
٢ - مصارف لتحويل أوراق ديون أو صكوك أو ضمانات، أو تصريف نقود البلاد الأجنبية الناقصة رواجًا في مقابل إسقاط من الأصل.
٣ - مروِّجات أوراق، بمعنى أن تجعل رأس المال من الذهب متحصلًا مما دفعه المؤسسون بالاشتراك، أو بوضع الحكومة لها بأيدي أناس مكلفين بها، ثم تروِّج أوراقًا ذات قيم معينة وتُكثر منها بما يتجاوز مقدارَ رأس المال على نسبةٍ مصطلح عليها داخلة تحت القوانين الاقتصادية. (١) وتسلم تلك الأوراق بيد مَنْ يأتِي لها بمال يطلب توجيهَه لجهة من البلاد التي بها فروعٌ لتلك البانكة، أو لمن يريد استخفافَ حمل، أو نحو ذلك، على شرط أنها تَدفع لِمَن يريد قبضَ المقدار المرسوم على تلك الورقة نقدًا عندما يريد ذلك. وتُروِّج كثيرًا منها أيضًا بين شراء سلع أو إسلاف الناس برهن أو في تجارة. وذلك كله على معنى أن حاملَ تلك الأوراق له على البانكة دين بمقدار ما رقم على الورقة من القيمة.
ولما كان من المحقَّق أن لا يتمالأ الناسُ على تصريف جميع الأوراق دفعةً واحدة، كان المقدارُ الموجود من النقد بخزينة البانكة يفي بتصريف ما يُعتاد تصريفُه
стр. 947
يوميّا. فلذلك لم يكن مانعٌ من ترويج أوراق بأكثر من رأس مال البانكة، فتحصل من ذلك الترويج أرباحٌ كثيرة تناسب المقاديرَ الحاصلة من جميع الأوراق، مع أن رأس المال في الواقع دون ذلك. وقد يعرض من الأزمات ما يقتضي تعطيلَ الدفع، إما لإفلاس البانكة، أو لوضع الدولة يدَها على النقود التي في البانكة في أوقات الحروب لصرفها في التجهيزات ونحوها، مما لا بدَّ فيه من المال، والحساب يكون بعد انتهاء الأزمة.
وهذا النوع الثالث من البنوك يتعاطى أعمالَ القسمين الأولين أيضًا، وكلها إما أن تكون من تأسيس الشركات التجارية، أو أفراد التجار، أو تؤسسها الدولة مثل البنك الفرنساوي. (١)
والقسم الثالث منها الذي يروِّج أوراقًا لا بدَّ له من ضمانِ الحكومة واطلاعها على مقدار رأس ماله، وعلى برنامج نظامه مع الاتفاق معها على المقدار الذي يمكن ترويجه من الأوراق على نسبةٍ مصطلح عليها عند علماء الاقتصاد بين رأس المال والترويج، لتحصل بمراقبة الدولة لها وضمانها في أعماله ثقةُ الناس بالأوراق التي تروجها، فتروج بينهم رواجَ النقدين، وليدخل المدلسون لأوراقها تحت قانون العقوبات الصارمة المؤسسة لمدلسي النقود.
فتذاكرُ البنوك هي أوراقٌ مالية مقدرة بمقادير من السكة الرائجة، ويستحق حاملُها قبضَها من البانكة المروجة لها. ولها رواجُ النقود في البلد الذي تأسست فيه، بحيث إنها حججُ ديونٍ مضمونة حالة محصلة على ثقة الناس في الوفاء بها، وتيسير استخلاص ما فيها في كل وقت إلا في أحوال نادرة الحصول.
стр. 948
حكم زكاة الأوراق المالية المعبَّر عنها بتذاكر البانكة:
علمتَ مما تقدم أن أوراقَ البانكة حججُ ديون، فتأخذ في الزكاة أحكامَ زكاة الدَّيْن. (١) وزكاةُ الدين مُلحَقةٌ بزكاة النقدين؛ إذ الدَّينُ مالٌ متقرِّرٌ بذمة المدين يمكنه الوفاءُ به عند طلبه أو لأجل، فهو مال وغنى معتبر. وكان شأنُ الدَّين أن يُزكَّى كلَّ سنة؛ لأنه مالٌ ثابت بمنزلة عين مكنوزة. إلا أن الشارع رخَّص ألا يُزكَّى في بعض أحواله حتى يقبضه ربُّ الدين خشيةَ أن يعترضه ما يمنع قبضَه، كما نقَل ذلك ابنُ شاس في كتاب "الجواهر" وخليل في "التوضيح" عن أشهب ﵀. (٢) ثم الدين باعتبار إجراء الزكاة فيه تختلف أحكامُه، فمنه ما يزكى كلما مر عليه الحول، ومنه ما يزكى عند قبضه من المدين، ومنه ما يُزكى بعد أن يقبضه ربُّ الدَّين ويمر الحول عليه من يوم قبضه.
[والدَّين باعتبار إجراء الزكاة فيه خمسةُ أقسام: دين من وديعة، ودين من تجارة، ودين من قرض، ودين من فائدة، ودين من غصب. (٣) فأما دين الوديعة - وهو المال الذي تحت المودع - فحكمه أن يزكيه المودِع (بالكسر) لكل سنة تمر على أصل اكتساب نصابه، كما صرح بذلك ابن عبد البر في الكافي. (٤) وأما دين التجارة فلا يخلو، إما أن يكون صاحبه التاجر مديرًا أو محتكرًا. فالمدير، وهو الذي يشتري ويبيع ما يشتريه بالسعر الحاضر إذا وجد ربحه، ولا ينتظر نفاقَ الأسواق ولا شدةَ
стр. 949
الرغبات، فهذا حكمُ ديون تجارته كحكم سلعه، فيجعل لنفسه شهرًا من السنة يقوِّم فيه ما عنده من السلع وما عنده من الديون، ويزكي قيمة جميعها كما يزكي ما عنده من العين. (١)
وأما المحتكر وهو الذي لا يبيع السلعَ حتى يجد نفاقًا في السوق وربحًا قويًّا ويترصد الرغبات، فهذا لا يزكي ديونَه حتى يقبضها، ويكون قد مر الحولُ على أصلها. وإذا اجتمعت لتاجر واحد إدارةٌ واحتكار، فقال ابن رشد في البيان: ظاهر المدونة أنه يُغلِّب الإدارةَ على الاحتكار. (٢)
وأما القسم الثالث وهو دين القرض، فحكمه أن يزكَّى زكاةً واحدة عند قبضه ولو مرت عليه سنون إن كان صاحبُه تاجرًا محتكرا. وأما إن كان تاجرًا مديرًا، فقال ابن رشد: ظاهر المدونة أنه يلحقه بديون تجارته، فيقَوِّمه كلَّ سنة ويزكيه. وقال ابن حبيب: لا يلحقه بها، بل هو فيه كالمحتكر. (٣)
وأما القسم الرابع وهو الدين من فائدة (أعني: الذي استفاد ربه كسبه من غير أن يكون قد بذل مقداره أو بدلًا عن مقداره من يده، وذلك مثل أن يرث دينًا، أو يوهب له، أو كان مهر امرأة تقرر بذمة زوجها، أو معين خلع تقرر بذمتها، أو ثمن إجارة الشخص نفسه أو كراء مسكنه، أو يكون ثمن عرض استفاده بوجه من هاته الوجوه وباعه بدين مؤجل)، فهذا لا يزكى ما دام في الذمة حتى يقبض ويحول الحولُ عليه بعد قبضه. قال في الوسالة: "وإن كان الدين أو العَرْضُ من ميراث
стр. 950
فليستقبل حوله بما يقبض منه". (١) ويلحق بهذا القسم أن يكون الدَّيْنُ ثمنَ عرضٍ كان بيده للقنية ثم باعه بدين، فإن كان الدين على الحلول فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضه، ويستقبل به حولًا من يوم قبضه. وإن كان الدين مؤجلًا فلا زكاة عليه حتى يقبضه إن كان مضى حولٌ على يوم التبايع. (٢)
وأما القسم الخامس وهو الدين من غصب (أعني: بقاء المغصوب المثلي بذمة غاصبه إلى أن يدفعه)، فقال ابن رشد: "المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه (كدين القرض) ". (٣)
هذه أقسام الديون، وقد تحصل أن منها ما يزكى ولو قبل قبضه وهو دين الوديعة ودين المدير، ومنها ما يزكى عند قبضه. ومنها ما يزكى بعد مرور حول من يوم قبضه. وشرط هذا التفصيل في زكاتها أن لا يكون صاحبه قد ترك قبضه فرارًا من الزكاة. وإنما يُتصور هذا في غير دين الغصب وفي غير دين الوديعة والمدير؛ لأن فيها الزكاة كل سنة، وذلك دين القرض ودين الفائدة ودين المحتكر]. (٤)
فأما إن كان ربُّ الدين يمكنه قبضُه فتركه فرارًا من الزكاة، ففي ذلك طريقتان: الأولَى طريقةُ ابن عبد البر في "الكافي" وابن الحاجب في مختصره عن ابن القاسم أنه تجب فيه الزكاة كلَّ عام، ولم يفصِّلا فيه. والثانية طريقةُ ابن رشد في "المقدمات" بالتفصيل. (٥)
стр. 951
فأما دَيْنُ الفائدة إن كان غير ثمن عرض مستفاد ولا ثمن إجارة بدنٍ أو كراء مسكن، فلا زكاةَ فيه قولًا واحدًا، إن كان قُصد بتأخير قبضه الفرارُ من الزكاة. وأما إن كان ثمنَ عَرْض مستفاد أو ثمن إجارة بدنه أو كراء مسكنه، فابن القاسم يرى زكاتَه لكل حول، وغيرُه لا يرى ذلك. وأما الدَّين الذي هو من ثمن عرض اشتراه للقنية ثم باعه، فإن قَصد بتأخير قبضه الفرارَ من الزكاة، وجبت زكاتُه لكل حول قولًا واحدًا، ولم يتكلم على غيرهما. (١) وتبعه خليل فقال: "ولو فر بتأخيره إن كان عَنْ كَهِبَةٍ أو أرش لا عن مشترًى للقِنْية وباعه لأجَلٍ وعن إجارةٍ أو عرضٍ مفاد قولان". (٢)
والأظهرُ هو ما لابن عبد البر وابن الحاجب من وجوب زكاة ما قُصِدَ بتأخيره الفرارُ من الزكاة مطلقًا؛ لأن إمكانَ القبض يُصَيِّر الدينَ بمنزلة العين الناضة. فتأخيرُ قبضه للفرار من الزكاة مقصدٌ فاسد تجب المعاملةُ بنقيضه، كما قالوا في نظائرها في باب الزكاة، مثل مَنْ فرَّق بين مجتمِعٍ أو جمع بين مفترِقٍ في زكاة الماشية، (٣) ومثل مَنْ باع إبلَه قبل الحول بذهب فإنه يزكي الثمنَ لئلا يصير تحيُّلًا تنهدم به مقاصدُ الشريعة من التشريع. (٤)
стр. 952
[ولم يسم ابنُ عبد البر ولا ابن رشد مخالفَ ابن القاسم في هاته المسألة، وقال ابن الحاجب: "ما لم يؤخر قبضه فرارًا من الزكاة، وخولف"، (١) فقال خليل في التوضيح: "ظاهرُ قوله: وخولف، أن غيره من الأصحاب مخالف له". (٢) ولكن كلام ابن عرفة في مختصره يُشْعِرُ بأن المخالفَ له ظاهرُ المدونة، وفيه بحثٌ لابن غازي (٣) في شفاء الغليل لا نطيل به. (٤) كما أن توجيه صاحب التوضيح لمخالفة مَنْ
стр. 953
خالف ابن القاسم توجيه ظاهر الرد. ولذلك قال اللقاني في حاشية التوضيح: "إن ابن الحاجب يشير إلى أن قول ابن القاسم هو المشهور، ومثله كلام ابن عرفة"]. (١)
على أن صور ما ذكره ابن رشد وخليل في الأنواع التي لا يضرها قصدُ التأخير نادرةٌ جدًّا، ثم إن الديون في الزكاة تارة يعتبر عددها فتزكى على حسابه، وتارة تعتبر قيمتُها. فأما الدين الذي يعتبر عدده فهو الذي يكون في ملاء (٢) وثقة، أي أن يكون المدين قادرًا على أداء جميعه حينئذ. وأما الدين الذي تُعتبر قيمتُه، فهو الذي نقص
стр. 954
ملاءً، ودَيْنُه كدين على المفلس حين تصير مائته خمسين. ففي سماع عيسى عن ابن القاسم في العتبية: "قلت: أرأيتَ لو كان الدينُ لا يُرتَجى قضاؤه، وهو لو باعه الساعةَ بعرض باعه بنصف ثمنه، أو ثلث ثمنه، هل يُحسب ذلك أم لا يُحسب؟ قال: إن كان يجزيه ذلك، حسب الذي يجده (١) وتمام الدين فيما في يديه، وزكَّى ما بقيَ إن كان بقي ما تجب فيه الزكاة. قال سحنون: يزكي قيمةَ الدين ولا يزكي عددَه". (٢) قال ابن رشد في كتاب "البيان والتحصيل": "وقوله إن الدَّيْن الذي لا يُرتَجَى إذا كانت له قيمةٌ يحسب تلك القيمة، ينبغي أن يُحمل على التفسير لِمَا في المدونة، فيكون قوله فيها: إنه لا يُزكَّى الدَّيْنُ الذي لا يُرتجى، معناه إذا لم تكن له قيمة". (٣)
[قلتُ: ومثلُه في شرح أبي الحسن عليها، وعليه درج ابنُ الجلاب (٤) في مختصره. (٥) واعلم أن ذلك لا يختص بالمدير، بل يعم كل دين تجب زكاته، كما أشار
стр. 955
له ابن رشد بقوله: "هذا في المدير الذي يلزمه أن يزكي ماله من الديون". (١) إلا أن الفرق بين المدير وغيره يزكيه ولو كان يبيع دينه بعرض؛ لأن عروض المدير تزكَّى، وأما غير المدير فإنما يزكي قيمة دينه إذا كان يبيعه بالنقدين.
فلْنَرْجِعِ الآن إلى تطبيق هاته الأحكام على أوراق البنوك التي تقرر أنها ديون. فهي إما أن تكون وصلت لمن بيده حسبما وُضع مقدارها في البانكة، فهي حينئذ دينٌ من وديعة، فيجب زكاتُها كلَّ حول مطلقًا. وإما أن يكون قبضها التاجرُ في تجارته، وحُكمُها كذلك إن لم يكن محتكرًا محضًا، وهو نادرٌ جدًا. وإما أن يكون قبَضَها في تجارة احتكار كانت من سلف، أو في إجارة بدن شخص، أو في كراء مسكنه، وهذه لا تُزكَّى إلا بعد قبضها، فإن ترك قبضَها فرارًا من الزكاة وجبت زكاتُها. وإن كانت دُفعت له في فائدة بميراث أو مهر أو أرش جناية، فكذلك على طريقة ابن عبد البر وابن الحاجب دون طريقة ابن رشد، والأُولى أصح. (٢)] (٣)
ولا شك أن هاته الأوراق يمكن قبضُها في غالب الأحوال، فلا يتركه أحدٌ إلا فرارًا من الزكاة، لذلك تجب عليه زكاتُها كلَّ سنة. فإذا عرض ما أوجب تعطيلَ قبضها، فحكمُ زكاتها حينئذ فيه تفصيلٌ يُبَيَّن عند الحاجة إليه. ثم إن زكاتَها إما على قدر عددها وهو الغالب، فإن عرض لها انحطاطٌ في مثل هاته الأزمان المتعاقبة للحرب فإنها تُزكَّى على قيمتها لو صُرفت بالنقود. ولا يلزم أن يكون إمكانُ قبضها
стр. 956
من البانكة التي هي المروجة لها، لِمَا علمتَ من أن القيمةَ تُعتبر ولو بإمكان بيعها للغير بما تجب زكاتُه، كبيع المدين لها بعرض وبيع غيره لها بالنقدين، وكما هو نصُّ سماع عيسى بن دينار وظاهرُ المدونة، واعتمده ابنُ الجلاب. (١)
هذا ومن المقرَّر في الشريعة أن حكمةَ مشروعية الزكاة مواساة الفقير، كما أومأ إليه حديثُ ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن: "فأعْلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم تُؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم". (٢) قال الإمام أبو عبد الله المازري في كتاب "المعلم على صحيح مسلم": "قد أفهم الشرعُ أن الزكاة شرعت للمواساة في مال له بال، ولهذا حد النصاب وكأنه لم ير فيما دونه محملًا، وتلك هي الأموال المعرضة للنماء". (٣)
стр. 957
ومن المعلوم أن الغنى هو قلة الاحتياج للغير بأن يكون بيد صاحبه ما فيه فضلٌ عن قوام حياته بكيفية ثابتة، وذلك كنصاب الحبوب والأنعام، أو بيده ما يصلح أن يكون عوضًا لذلك وهو النقود التي اصطلح البشر على جعلُها أعواضًا لما يُطلب من الأعيان، وكلا القسمين يعتبره الناس مالًا ثابتًا قابلًا للنماء بذاته أو باستعماله.
ولا شك أن الديون المتقررة في الذمم الصحيحة هي أموالٌ ضرورةَ إمكان قبضها. وهذه الأوراق المالية وإن كانت ديونًا، إلا أنها قاربت النقدين في سرعة الرواج ودوامه، بحيث يُحصِّل مَنْ هِيَ بيده طلباتِه من دون احتياج إلى استخلاصها من ذمم مَن هي في ذمته، أعني البانكات، ومن دون احتياج المبذولة إليه إلى البحث عن ملاء أصحابها وصحة التداين بها. ولو قيل بإسقاط الزكاة عنها لتعطلت زكاةُ ثروة عظيمة عن المسلمين، وذلك ما لا يرضاه هذا الدينُ المبين.
[وبهذا يُعلم أن مَنْ أفتى بسقوط الزكاة عن هاته الأوراق قياسًا على سكة الجلود (١) لم يُصَوَّرْ له حقيقةٌ هاته الرقاع حتى يعلم الفرق بين بينها وبين المقيس عليه؛ لأن شرطَ القياس انتفاء الفارق المعتبر؛ لأن تلك الجلود مظلمة وليس لها رأس مال يرجع عليه، فلذلك لا مطمعَ لصاحبها في استخلاص مقدارها. وإن كانت أوراقُ البانكة قد شاركتها في اعتبار رواجها كرواج النقدين، فإنما ذلك لشدة ثقة الناس بالدين، كما علمت. على أن هذا الرواج لا يخرج ماهية الدين عن أصلها الشرعي، وإذا لم يزدها قوةً لا يُكسبها ضعفًا.
стр. 958
والعجبُ لِمَن جعل أوراق البنوك عروضًا، فزعم أن لا زكاةَ فيها حتى تكون تجارة. وهل سمعنا أن أحدًا يتخذ هاته الأوراق للتجارة في أعيانها فتجد عنده رزمًا للبيع! ولو كانت كذلك لكانت الورقة ذات ألف فرنك تساوي خمسة صانتيمات نظرًا إلى كونها قطعةً من الكاغد عليها صورة، ولمَا كان وجهٌ للتفاوت بين ورقة ذات ألف فرنك وورقة ذات خمسمائة فرنك مستويتين حجمًا وتلوينًا. وكيف يُقدَم على الإفتاء بسقوط الزكاة عن ثروة عظيمة رائجة متعامَلٍ بها في معظم البلاد؟ ] (١)
محمد الطاهر ابن عاشور
باش مفتي المالكية بتونس
جمادى الأولى سنة ١٣٤٩ هـ
стр. 959
لحوق الأوراق النقدية بأصناف الزكاة (١)
أما بعد، حمدًا لله على ما شرع من سننه وأحكامه، وقيض للفقه في الدين من جهابذةِ أعلامه، وكشف لهم مشكلَ المعاني مسفرًا عن لثامه، والصلاة والسلام على رسوله غيث الكون المخمد لقتامه، والمقرب دين الفطرة على أطراف تمامه، وعلى آله وأصحابه الواقفين عند حدوده، المتسمين باتسامه،
فقد كثر في أندية أهل العلم دورانُ الكلام على إجراء الزكاة في الأوراق المالية، وكثر التردُّدُ في إلْحاقها بالأصناف المزكاة أو المعفاة، فتوقف كثيرٌ من الطائفة العلمية في محصولها بإلحاق فروعها بأصولها. وقد تقدم إلينا بعضُ الأصحاب والأبناء الأنجاب في أن نكتب في ذلك ما قررناه لهم غيرَ مرة، فوجب أن نقيِّد لهم ما أحاط به العلم، وبلغ إليه الفهم.
وقد كتبنا في تفريع ذلك ما فيه مقنعٌ لِمَنْ يروم الوقوفَ عند القواعد المسلَّمة في كتب الفروع، ونشر ذلك بجريدة "الوزير" الغراء. (٢) وبقيت لنا لمحةٌ شطرَ مقصد الشريعة من الزكاة، أردنا أن نقدمها أيضًا لأهل النظر حتى ينبجس لكلا الفريقين شِرْبٌ محتضر، فنقول:
стр. 960
لا شك أن لهذه الحوادث المكانَ الأسمى لدى علماء الفقه في الدين، لأن عبء الخطأ فيها محمولٌ على عواتقهم. كيف وقد أُودعت لديهم أمانةُ حفظ الدين وفهمه ليؤدوها في أمثال هذه الأحوال؟ ! وهل يظهر مصداقُ كونِ الشريعة الإسلامية صالحةً لكل زمان ومكان إلا لما تستنبطه أفهامُ علمائها؟
فإن الفقيه في الدين هو أحقُّ الناس بأن يكون عالِمًا بحاجات أهل زمانه ومصالحهم، والحريص على حفظ مقاصد الشريعة بتفصيل مجملاتها؛ لأن أسس الدين قد أحكمها الله تعالى يوم قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وتفاريع قواعد الأحكام قد كفانا مهمَّها الأئمة ﵃، وتعذر أو كاد الالتحاقُ بشأوهم. غير أن هناك مقامًا لا مناصَ للعالم الفقيه من الثبات به، ألا وهو مقام الإلحاقُ المعبَّرُ عنه بتحقيق المناط، المعرَّفُ في أصول الفقه بأنه إثباتُ العلة في آحاد صورها، والمعبَّر عنه عند الفقهاء بتطبيق الكلية على الجزئية، وهو النوعُ من الاجتهاد الذي لا ينقطع ما دام دينُ الإسلام ودامت له علماؤه. (١)
ولقد اشترط الأصوليون في المجتهد أن يكون قد أحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها، بحيث اكتسب قوةً يفهم بها مقصودَ الشارع مما شرعه. ولا يخفى لزومُ اشتراط مقدار من هذا المعنى في الاجتهاد الصغير، أعني تحقيق المناط؛ لأن الأحكام متشابهة، ولا يكاد يميزها إلا مَنْ حصلت له تلك الملكةُ بمقدار الاستطاعة.
ولو أن أهلَ العلم اصطلحوا على الاجتماع عند حلول هذه المشكلات وتدارسوها وتفاهموا فيها، حتى يصير قولُهم فيها سواء، وكلمتهم واحدة، ثم أوقفوا الناسَ عند مرسى سفائن أفهامهم من بحار الشريعة، لكفُوا النَّاسَ همَّ الترداد وأغنوهم عن متابعة من يهيم في كل واد.
стр. 961
مشروعية الزكاة:
من المقرر أن الله تعالى شرع الأحكام لمصالح الخلق وحفظ نظام العالم لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وعليه فالأحكامُ الشرعية منوطةٌ بِحِكَمٍ وعلل ترجع إلى حفظ مصلحة أو درء مفسدة، قال الشاطبي في أول كتاب المقاصد من الموافقات إن اختيار أكثر الفقهاء أن أحكام الله تعالى "معللة برعاية مصالح العباد"، وأن المعتمد في ذلك استقراءُ الشريعة؛ إذ وجدناها تُعَلِّل تفاصيلَ الأحكام نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وهو استقراء مفيد للقطع، وهو الذي ثبت به القياسُ والاجتهاد عند علماء الإسلام. وعليه فتكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات"، وبسط ذلك بما لا حاجة إلى التطويل به. (١) ثم قال في مسألة تالية إن المصالح هي "ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان، وتمام عيشه، ونيل ما تقتضيه أوصافه [الشهوانية والعقلية على الإطلاق] ". (٢)
إذا تقرر هذا، فاعلم أن حكمةَ مشروعية الزكاة هي المواساة؛ قال المازري في المعلم: "وقد أفهم الشرعُ أنها (أي الزكاة) شُرعت للمواساة، وأن المواساة إنما تكون فيما له بال من الأموال، فلهذا حَدَّ النُّصُبَ كأنه لم ير فيما دونها محملًا [لذلك، ثم وضعها في الأموال النامية] ". (٣) وكأنه [(أي الشرع) لم ير فيما دون النصاب ما
стр. 962
يصلح] للفقير لسد خلته، حتى ينتظم عيشُه كما انتظم عيش الأغنياء، وحتى لا يلجئه الاضطرارُ إلى ارتكاب ما يفضي إلى فساد النظام.
قلت: قد أومأ الشرع إلى أن علتها - أعني مظهر حكمتها - هو الغنى، لما ورد في حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن: "فأَعْلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم تُؤخذ من أغنيائهم وتُرد على فقرائهم". (١) فقوله: "تُؤخذ من أغنيائهم" إيماءٌ، وهو من مسالك التعليل، وعرفوه وعرفوه بأنه اقتران الوصف بحكم لو لم يكن مسوقًا للتعليل لكان ذكره عبثًا. فالغنى هو قلة الاحتياج للغير بالتحصيل على واحد من ثلاثة أشياء:
أولها: ما يدفع الحاجةَ بذاته، كالطعام الذي يُستخرج من الأرض والحيوان، واللباس الذي يستنتج من الحيوان، قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥]، وقال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠].
ثانيها: ما يدفع الحاجة بتعويضه، كالقدر الزائد على حاجة الإنسان مما ذكرناه، فإنه يستبدل بذلك القدر غيره مما يحتاج إليه، وهو أصلُ التبايع. وقد كان العرب يتبايعون بالتمر والطعام والحيوان، ويدفعون ذلك أثْمَانًا في العقار، وصدقات في الزواج، ويتداينونها ويقضون بها الديون. وكان لهم مع ذلك الفضة والذهب، وهو أقل. قال زهير:
تُعفَّى الكُلُومُ بِالْمِئِينَ وَأَصْبَحَتْ ... يُنَجِّمُهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِمُجْرِمِ (٢)
ثالثها: ما اصطلح البشر على جعله عِوضًا للأشياء، بحيث إن مَنْ يبذله يستجلب به ما يحتاج إليه مهما دعت الحاجةُ بدون تريث، وذلك النقدان. فنتحصَّلُ
стр. 963
من هذا أن الغنى يكون إما بمال ثابت، أو آيل إليه. واحترزنا بالثابت عما يُسرع إليه الاضمحلال، كالبقول والثمار الرطبة، وعما لا تتوافر فيه الرغباتُ في جميع الأحوال، كالفواكه والتوابل والعسل.
ويُؤخذ من كلام الفقهاء ضابطٌ لِمَا اهتدينا إليه من حقيقة المال الذي يحصل به الغنى، وذلك أن يشتمل هذا المالُ على وصفين وقعا في كلامهم:
أحدهما: أن يكون ذا بال، قال المازري: "المواساة إنما تكون فيما له بالٌ من الأموال". (١)
ثانيهما: أن يكون قابلًا للنماء؛ لأن المال إذا لم يكن قابلًا للنماء أخذ في النقص فالنفاد، فيكون الغنى به ناقصًا مضمحلًا. قال ابن العربي في القبس: "الزكاة مختصة بالأموال النامية، أو المعرضة لذلك". (٢) وقال المازري في المعلم: "قيل: سميت الزكاة زكاة؛ لأن أصلَ الزكاة في اللغة النماء، وهو الزيادة. والزكاة أداءٌ مُقرَّرٌ على الأموال المعَرَّضة للنماء". (٣)
стр. 964
فمظنة الوصف الأول هي التي أوجبت تقديرَ النُّصُب (جمع نصاب) حتى يكون المالُ ذا بال، نظرًا لقول المازري فيما تقدم: "وكأنه (أي الشرع) لم ير فيما دونها (أي النصب) محملًا (أي للزكاة) ". ومظنةُ الوصفِ الثاني هي التي أوجبت تخصيصَ الزكاة بأجناس دون أخرى.
والأجناس (١) هي الحرث من حبوب وثمار مقتاتة، كالتمر والزيتون. وزكاة هذا الجنس ثابتة في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ إذ الصحيح أن الحق هو "الصدقة المفروضة"، وهذا أحدُ ثلاثة أقوال ذكرها ابنُ العربي في أحكامه، وقال إنه رواية "ابن وهب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية". (٢) والماشيةُ وزكاتها ثابتة من السنة، ولم يتعرض لها القرآن. والعين من ذهب وفضة؛ لأنهما قيمةُ الجنسين المتقدمين، وزكاتُهما ثابتٌ بعضُها بالسنة وهي الفضة، وبعضُها بالإجماع المستند للقياس وهو الذهب.
قال مالك ﵀ في الموطأ: "السنةُ التي لا اختلافَ فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا عينًا، كما تجب في مائتي درهم"، (٣) فقال عليه ابن عبد البر في التمهيد: "إنما قال السنة عندنا إذ لم يثبت عن النبي ﷺ شيءٌ في تحديد نصاب
стр. 965
الذهب، وما يروى في ذلك فهو روايةٌ مقدوحٌ فيها". (١) وقال المازري: "فأما العين فقد حد في نصاب الفضة منه خمس أواقي. وذكر ذلك في الحديث دون الذهب؛ لأن غالبَ تصرفهم كان بها. وأما نصاب الذهب فهو عشرون دينارًا، والمعول في تحديده على الإجماع". (٢)
وقد اعتمد الصحابةُ في تقدير نصابه على مقدار صرفه بالفضة، ولذلك أشار في الموطأ بقوله: "كما تجب في مائتي درهم".
المعنى الموجب للزكاة:
وقد أشار المازري إلى شرح معنى النماء هذا في الأجناس المزكاة فقال: "فمن ذلك ما ينمي بنفسه كالماشية والحرث، ومنها ما ينمي بتغيير عينه وتقليبه كالعين"، (٣) ويعني بتغيير العين دفع مقدار منه، يعني فيما إذا بيع يأتي بأكثر مما دفع فيه، وذلك بالتقليب والترويج. [وقال: ] "وكما فُهم من الشريعة معنى تحديد النصاب (وهو الغنى)، فُهِم أيضًا أن ضربَ الحول في العين والماشية عدلٌ بين أرباب الأموال والمساكين؛ لأنه أمدٌ الغالبُ حصولُ النماءِ فيه، ولا يجحف بالمساكين الصبرُ إليه. ولهذا المعنى، لم يكن في الثمر والحب حول؛ لأن الغرضَ المقصودَ منه النماء، والنماء يحصل عند حصوله". (٤)
стр. 966
قلت: وبمقدار تكرر النماء تتكرر الزكاة، ألا ترى الحبَّ والتمر يُزَكَّيان مرةً واحدة، ثم لا تُعاد عليهما الزكاةُ ببقائهما مدخَرَيْن؟ بخلاف الماشية والعين فيزكيان؛ لأنه مظنة تكرر النماء فيهما.
هذا وقد ألْحقوا بهذه الأجناس كلَّ ما شاركها في الوصف، وهو كونُه غنى قابلًا للنماء أو معرَّضًا لذلك، مما لم يُنصَّ عليه في الكتاب والسنة. وذلك بطريق القياس، وسواءٌ في ذلك أكان الوصفُ متحقِّقًا في الخارج أو متحقِّقًا في التقدير، وذلك ديونُ التجارة ونحوها، كما يأتي تفصيلُه في زكاة الدين. (١) قال ابن عبد البر في الكافي: "فمتى عوض بغيرها (الأجناس المتقدمة) من العروض معناها بالتجارة وطُلب بالتصرف فيها النماءُ والزيادة، حُكِم لها بحكمها". (٢)
فيُستخلص من جميع ما قدمنا أن الزكاة مشروعةٌ لأجل الغنى الحاصل بالمقدار والنماء، في أجناس يُعد تحصيلُها محصلًا لما يحتاج إليه الإنسان، أو صالِحًا للمعاوضة به مع الغير بما يحصل من الأمور المحتاج إليها، أو بكونه قيمةً لطرد التعامل بها. فكلُّ مال من هذا القبيل يُعَدُّ صاحبُه غنيًّا في مصطلح جمهور البشر، ويجدر بأن يُلحق بأقرب الأجناس لها شبهًا مما ورد النصُّ فيه من الكتاب أو السنة أو أقوال الأئمة، كما ألحق الصحابةُ الذهبَ بالفضة، وألحق الفقهاءُ بعدهم عروضَ التجارة وديونَها لقبولها للنماء. (٣)
وقد نبَّهنا الشارعُ الحكيم على صحة هذا المعنى بطريق قياس العكس، حيث أسقط الشارع الزكاة على الذهب والفضة المتخذين حليًّا نظرًا إلى انقطاع معنى قصد النماء. قال ابن العربي في أحكام القرآن عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
стр. 967
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]: "إن قصدَ التَّملك لمَّا أوجب الزكاةَ في العروض، وهي ليست بمحلٍّ لإيجاب الزكاة، كذلك كان قصدُ قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليًّا يُسقط الزكاة، فإن ما أوجب ما لم يجب يصلح لإسقاط ما وجب، [وتخصيص ما عم وشمل] ". (١) وقال في القبس: "فإذا خرج المالُ عن أصله من النماء إلى القنية، فقد عدل به عن جهة النماء"، (٢) فلذلك قلنا بسقوط الزكاة في الحليِّ المتخذ للقنية.
وعليه فلا يبعد أن يقول أحدٌ بمشروعية الزكاة في أوراق البانكة كزكاة النقدين، بأن تكون زكاتُها أوسعَ من زكاة الديون، فتجب فيها في كل عام على قدر قيمة رواجها في الصرف، حيث صار لها من الرواج ما للنقدين، وجُعِلتْ ثمنًا للأشياء، وقُصد بتقليبها النماء، وكان تحصيلُها غنًى معتبرًا. وهي وإن كانت في الأصل حججًا تُحَمِّل البنوك بمقدار ما فيها كما بيناه في غير هذا، (٣) ولكن عرض لها من ثقة الناس بملأ المدين بها مع ضمان الحكومة وإجرائها مجرى النقدين في الرواج، كانت لذلك كالنقدين. (٤) إلا أن رواجَها خاصٌّ بحكومتها، أو بالبلاد التي
стр. 968
لحكومتها فيها اعتبارٌ قوي.
وهذا تفصيلُ ما ألمحنا إليه فيما كتبناه سلفًا بقولنا: "على أن هذا الرواجَ لا يخرج ماهية الديون عن أصلها الشرعي، وإذا لم يزدها قوة لا يكسبها ضعفًا"، (١) إذ نبهنا بذلك على أنها أجدرُ بالزكاة من أقوى أصناف الديون التي نص عليها المتقدمون؛ لأنها تفوقها في الرواج، لنردَّ بذلك على خطأ مَنِ اعتقد أن ذلك الرواجَ يُخرجها عن صفات الديون المنصوص على زكاتها، ويقربها شبهًا بالجلود التي يضربها السلاطين عند إفلاس خزائنهم، ويظلمون الرعايا؛ يجبرونهم على ترويجها.
وليس يلزم بحسب التعقل انحصارُ ثمنية الأشياء في خصوص الذهب والفضة معدنين يشاركهما في المعدنية الرصاصُ والصُّفْرُ، (٢) وبشاركهما في اللون واللمعان الزجاج وغيره، ولذلك لم يكن لهما فضيلة إلا باصطلاح البشر على جعلهما ثَمَنيْن للأشياء من قبل كتابة التاريخ. ولا شك أن ذلك ناشئٌ عن صعوبة التعاوض بالأعيان لما فيها من عسر التجزئة ومن ثقل الحمل، ومن اختلاف الأغراض، مع ما في الذهب والفضة من الرغبة للتجمل بهما من قديم تمدن البشر.
ولا شك أن الذي يستفضل أشياء عن حاجته يميل إلى الترف، فكان من الترف عندهم التجملُ بالذهب والفضة لجمالهما، ولقلة المقدار الموجود منهما في
стр. 969
العالم. ولذلك رغب فيهما مَنْ كان متفضلًا، فباع ما فضل عنه بمقدار منهما، فإذا احتاج لأصول الأشياء باع ما لديه من الذهب والفضة للمتفضل بمقدار ما يحصل به على محتاجه.
فبتكرر هذا التعليل تعُورِفَا في التعاوض فصارا الثُمنِيَّيْن، ألا ترى أن المتقدمين كانوا يتعاملون بهما نقارًا ومصوغين، (١) ثم شاع ذلك مع تقادم العصور، حتى تُنُوسِيَ المقصد، وحتى أُشربت نفوسُ الناس حبَّ هذين النقدين لذاتهما، وتنوسي السببُ لكونهما صارا علامة على التفضل والغنى؟ وتعاقدت الضمائرُ على اعتبارهما ثَمنين لسائر الأشياء، وصار التعامل بأعيان الأشياء المعبر عنه بالتعاوض يقل رويدًا رويدًا بمقدار تقدم الحضارة في عصر أو قطر، وكثر التعامل بالنقدين.
وإنما لم يقع التعامل بغيرهما مما هو دونهما - كالرصاص والنحاس - لكثرة وجوده، فلا يمكن حصر مقداره حتى تنضبط الثروة، إذ يمكن لكل أحد أن يقطع منه كميةً فيصبح ذا ثروة وذلك فساد؛ إذ المراد أن تكون الثروةُ حقيقية لا تحصل إلا في مقابلة بذل الأشياء. ولم يقع التعاملُ بما فوقهما كاللؤلؤ والحجارة الكريمة لعز وجودهما، فلا يحصل من الكمية الرائجة منهما ما يسدد أثمانَ الأشياء.
ثم إن للذهب والفضة بعد ذلك خصائصَ مبينة في علم الاقتصاد السياسي: منها سهولةُ التجزئة، ومنها عدمُ قبولهما لاضمحلال عينهما لطول الزمان عند الخزن أو الدفن في الأرض. ومنها اتحادُ جنسهما في الصفة ما لم يُضف إليهما غيرُهما، بخلاف غيرهما فإن منه الجيدَ والرديء. ومنها عسرُ تدليسهما لظهور الغش عليهما بسهولة. وفي هذه الأوصاف ربما فارقتهما تذاكرُ البنوك، إلا أن هذه الأوصافَ يشبه أن تكون أوصافًا طردية لا مدخلَ لَها في التعليل لمشروعية الزكاة. والله أعلم.
стр. 970
جواز تصريف رقاع الديون مع التعجيل بإسقاط (١)
السؤال:
ما هو حكم تصريف الرقاع الدَّينية كالكمبيالات بالبنوك بمعجل وإسقاط بعض الحق مع الضرورة وعدمها؟ (٢)
الجواب:
فالجواب عن تصريف أوراق الديون أن الأوراق تارة يصرفها التاجر أو المالي المعروف لدى البانكة الموثوق لديها بذمته، بمعنى أن يعمر ذمته بدين لتلك البانكة، ويمضي بخطه في ورقة "كمبيال" ويسلمه لتلك البانكة، فتدفع له المال الذي بالورقة مع إسقاط. وهذه معاملة ربوية، لأنه يسلم من يده دينًا بمائة - مثلًا - لمدة أشهر، ويقبض الآن ثمانية وتسعين مثلًا.
وتارة تكون الورقة حجة دين لأحد على غيره، فيريد رب الدَّين رهن ما بالورقة لدى البانكة فتأخذها منه وتسلم له مقدارَ ما بها مع إسقاط، وهو أكثرُ تصريف أهل التجارة. وهذا من رهن الدين مع توكيل المرتهن على استخلاصه، وليس هو من بيع الدين، لأن بيعَ الدين لا رجوع به على البائع عند مطل المدين المشتري، أو حدوث إفلاسه بعد البيع.
стр. 971
وأما تصريف أوراق الديون لدى البنوك، فالمرجع فيه على المصرف لها عند تعطيل الدفع، وليس هو من الحوالة كما قد يُتوهم؛ إذ الحوالة إنما تكون على أصل دين سابق ولا دين سابق هنا، ولأن الحوالة لا رجوع فيها على المحيل، وهذا فيه الرجوع كما علمت. والذي يصح رهنه لا يجوز بيعه؛ إذا الرهن بذل من له البيع ما يباع، وفي مختصر ابن الحاجب: "ويجوز رهن الدين من المديان وغيره". (١)
وحيث كان رهنًا، فإن قبض الراهن من المرتهن نقدًا أو عروضًا فظاهر، ما لو لم تكن هناك زيادة فيما يأخذه ربُّ الدين على ما يدفعه، وهو سلف جر نفعًا، وهو حرام.
وإن قبض الراهن أوراق بنوك، فهو رهن الدين مع كون عوض الرهن دينًا ولم يمنعوه، وإنما الممنوع ما فيه الزيادة، ولا يأتي فيه ما قيل في بيع الدين بالدين لانتفاء العلة التي تقدمت عن المازري. (٢) غير أن هنالك اعتبار الزيادة في قيمة أحد الدينين على الآخر عند وقوع الاستخلاص، وهي من باب السلف الجار نفعًا. هذا والجمع بين الرهن وبين توكيل المرتهن على استخلاصه واستيفاء دينه منه صحيح، لنصِّهم على جواز توكيل الراهن للمرتهن على بيع المرهون عند حلول أجل الدين، (٣) إذا سلم ذلك مما يجعله وكالةَ اضطرار، (٤) كما هنا؛ لأن
стр. 972
الناس يفعلون ذلك مختارين، وهذا أخفُّ عليهم من تولي الاستخلاص بأنفسهم، وليس ذلك بالجائي لهم من رب الدين. والفرق بينه وبين وكالة الاضطرار على بيع المرهون ظاهرٌ لمن تأمله، فلا نطيل به.
стр. 973
جواز القرض برهن (١)
السؤال: قد جرت عادة أرباب معاصر الزيتون بغالب جهات المملكة بأن يقرضوا شيئًا من المال لمالكي الزياتين، وهؤلاء يلتزمون بعصر غلة زياتينهم بماكيناتهم. وبعد العصر يطرح بقيمة المال المقترض زيتًا من المتحصل. كما جرت العادة - أيضًا - بأن يقرضوا لطائفة من تجار حب الزيتون مقدارًا من المال، وفي مقابل ذلك يكونون ملتزمين بعصر ما اشتروه من الحب في معصرة المقرض، ومن متحصل الزيت يسترجعون مالهم الأصلي مع معين كراء العصر، وفي بعض الأحيان يزيد المقترض من ماله الخاص في صورة ما إذا لم يوف متحصل الزيت بالخلاص. وحيث إن ظاهر فقه هذه المسألة هو باب سلف جر نفعًا، فالمرغوب إفتاؤنا في ذلك.
الجواب:
إن هذه المعاملة على الوجه المذكور إذا وقعت عن رغبة من مالك غلة الزيتون، سواء كان مالكَ الأصل أو خضارًا أو تاجرًا في الغلة، لاحتياجه إلى المال ليكمل به أعماله الفلاحية أو التجارة، فدفع له صاحبُ المعصرة (الماكينة) مالًا واشترط عليه أن يأتيَه بمتحصل الغلة، سواء كان معيَّنَ المقدار أو غير معين ليعصر في معصرة المقرض بالأجر المتعارف دون زيادة لأجل القرض، فهذه المعاملة من قبيل القرض، أي السلف، وهي جعلُ غلة الزيتون توثقةً لذلك القرض، فيصير مسمَّى هذه المعاملة هو مسمى القرض برهن؛ إذ العقود تُعطى الأسماء الشرعية باعتبار المسميات والمواهي.
стр. 974
وغلال الزيتون يجوز رهنُها، ولا يضر عدمُ تحقق المقدار المتحصل؛ لأن الغرر في الرهن مغتفر. ولا يضر عدمُ حوزها في وقت القرض؛ لأن الرهن ينعقد ولو تأخر قبضُ المرهون، (١) فإن الغلة لا تحاز مرة واحدة، بل تُجنى بعد النضج بطنًا بعد بطن. وحيث كانت غلة الزيتون إنما تُقصد لزيتها، فالمقصود من التوثقة هو الزيت الحاصل من عصرها، فلذلك لزم أن يكون عصرُ الغلة عند المقرض تحقيقًا لمبادرة الحوز بقدر الإمكان.
ثم إن محل النظر ومناط السؤال هو ما في هذه المعاملة من انجرار منفعة لصاحب المعصرة الذي هو المقرض، وهي منفعةُ أجرة عصر ذلك الزيتون في معصرته. فإذا نظرنا إلى هذه الأجرة وجدنا المقترض لا مندوحةَ له عن دفعها، سواء عصر في معصرة مقرضه أم في معصرة رجل آخر. ولو قدرنا أن هذا المقترض لم يقترض، ولم يرغب في عصر زيتونه وباعه حبًّا، فلا شك أنه يبيعه بثمن ناقص عن ثمن الزيت نقصًا بنسبة ما يزاد في ثمن الزيت من مصاريف العصر والخزن، وهذا أمر معلوم. فهذه الأجرة من هذا الوجه غيرُ مسبَّبة عن القرض، بل هي مسببة عن وجود غلة الزيتون، وناشئة عن ثمنها، وكائنة فيه تقديرًا. فهي في هاته الحالة منفعة للمقرض لا مضرة فيها على المقترض، ولم يتكلفها لأجل القرض.
ثم إنا نجدها راجعةً إلى المقترض في مقابلة عمل العصر ومصاريفه، فالمقترض من هذه الجهة كواحد من الناس الذين يعصرون في تلك المعصرة، فلم تبق فيها من فائدة للمقرض إلا فائدة تحقق وجود مقادير من الزيتون لتشغيل معصرته. ولو كلف المقرض أن يعصر زيتون المقترض بدون أجر لكان ذلك ضررًا يدخل على المقرض لما تستدعيه المعاصرُ من نفقات وأجور الخدامة، فتبين من هذا أن في مثل هذه المعاملة منفعتين:
стр. 975
١ - منفعة تنجر للمقترض، وهي سهولةُ وجدان مَن يقرضه المال بدون إعنات ولا مراباة، ولولا هذا الشرط لما وجد مَنْ يقرضه إلا المرابين المفحشين. فبهذه المعاملة تنجرُّ له الأرباحُ الناتجة عن عمل زيتونه، ويسلم من مخالب المرابين ومن إثم المعاملات الربوية، وهذه منفعةٌ ضعيفة للمقترض.
٢ - ومنفعة حاصلة للمقرض، وهي وجدانُ ما يشَغل به معصرتَه بانتظام، وهذه منفعة عظيمة في جانب المنفعة الحاصلة للمقترض، لما تقدم من أن صاحب المعصرة لا يعدم من يعصر في معصرته بدون هذه المعاملة، إلا أن ذلك لا ينتظم أو لا يطرد.
فصارت هذه المنفعةُ من منافع السلف المشتركة بين المقرض والمقترض. وإذا كانت المنفعةُ المنجرة عن السلف مشتركةً بين المقرض والمقترض، ففي المذهب المالكي خلافٌ في جوازها، وإليها أشار ابن الحاجب في مختصره وخليل في شرحه المسمى بالتوضيح، ولنذكر كلامهما ممزوجًا المتن بالشرح، قال: "وشرطه (أي القرض) أن لا يجر منفعةً للمقرض، (١) أي سواء تمحَّضت للمقرض أو اشترك فيها مع المقترض، أعني أن تكون المنفعةُ لهما على السواء، أو منفعة المقرض أكثر. وأما إذا كانت منفعةُ المقترض أكثر، فسيتكلم عليها [المصنف]، (٢) أي في قوله الآتي: وفي سلف السايس (٣). ثم قال: "وفي سلف السايس بالسالم في زمن المسغبة، والدقيق والكعك للحاج بدقيق في بلد بعينه قولان، (٤) والمشهور المنع في المسألتين، والشاذ لسحنون"، (٥) أي بالجواز، "وقيد اللخمي المشهورَ بما إذا لم يقم دليلٌ على إرادة نفع المستسلف فقط، وأما إذا قام فيجوز". (٦)
стр. 976
وأصلُ المسألة في تبصرة اللخمي في باب بيوع الآجال، ونصُّه: "قال مالك في الحاج يتسلف الدقيق أو السويق أو الكعك يحتاج إليه، ويقول: أُوفِيكَهُ بموضع كذا ببلد آخر، لا خيرَ فيه. ولكن يتسلف ولا يشترط، وقال سحنون في الحمديسية (١): لا بأسَ بذلك للحاج ونحوه للضرورة، ولولا الشرط لم يسلفه، وهو أحسن". (٢)
وقصدهم من المنفعة المنجرة للمقرض في هاتين المسألتين هي منفعة أخذ السالم مع كون السلف سائسًا، ومنفعة قبض الطعام في البلد الذي يريده المقرض دون أن يقبله في حيث يشاء المقترض.
ونحن إذا نظرنا إلى ما تشتمل عليه هذه المعاملةُ نجدها ترجع إلى اعتبار الحاجي القريب من الضروري، فإن خضَّارة غلة الزيتون تكثر حاجتهم إلى اقتراض المال لإقامة خدماتهم، وأصحاب المعاصر بحاجة إلى إيجاد الزيتون ليعصر في معاصرهم كل يوم لئلا تضيع نفقاتهم، وأجور عمال المعاصر في بعض الأيام التي لا يحلب لهم فيها الزيتون، فيؤول بهم ذلك إلى خسائر طائلة، ولو حرم أصحاب المعاصر من هذه المعاملة لأعرض أكثرهم عن هالته الحرفة، فيحل فيها غير المسلمين،
стр. 977
ويضطر أصحاب الزياتين إلى التعامل معهم وتلحق من ذلك أضرار شديدة تخل بالحاجي من ثروة المسلمين، لا حاجة إلى التطويل ببيانها فإنها لا تخفى.
ففي منعهم من هاته المعاملة إدخالُ أضرار عليهم، وليس في المنع من هاته المعاملة منفعةٌ لخضَّارة غلة الزياتين، بل تدخل عليهم من منعها أضرارٌ كثيرة. فكانت هاته المعاملة منفعة عظيمة للمقترضين، ومنفعة قليلة للمقرضين، وفيها مصلحةٌ عامة، وهي إعانة الناس على العمل وانتشال الخضارة من الاقتراضات الربوية.
ومراد سحنون بالضرورة الحاجة الأكيدة؛ لظهور أن إسلاف الحاج الكعك والدقيق ليس من الضروري بالمعنى الأصولي الذي هو حفظ أحد الكليات الخمسة، لظهور أن الحاج لم ينحصر قوته في تلك المعاملة، بل هو يرجع إلى الحاجي. ولو كان ضروريًّا بالمعنى المشهور لم يقع فيه خلاف، ولذلك اعترض ابنُ عرفة في مختصره على أبي الطاهر ابن بشير حكاية الخلاف في إسلاف القمح السائس بالسالم في المسغبة، قائلًا: "لم يحك غير ابن بشير في المسغبة إلا الجواز"، (١) يعني لأن المجاعة توجب الهلاك. وعليه فسحنون اعتبر الحاجة، فحكم بالجواز وألغى انجرار المنفعة. والقول المشهور نظر إلى انجرار المنفعة من السلف، ولم يعتبر الحاجة. ومدرك سحنون أقوى، ولذلك قال اللخمي: إن قول سحنون حسن.
فإذا تقرر هذا، فقد جرى عمل الناس في هاته المعاملة أخذًا وإعطاء على خلاف المشهور، بل على ما يجيزه سحنون، فلو وقع التقاضي في بعض هذه المعاملات لحكمنا بفسخها على المشهور. وأما في غير مقام التقاضي، فلا ينبغي التعرض للناس بإبطالها، لما تكررت به فتوى أبي سعيد بن لب أن ما جرى عليه عمل الناس وتقادم في عرفهم وعاداتهم ينبغي أن يُلتمس له مخرج شرعي على ما أمكن من وفاق أو
стр. 978
خلاف؛ إذ لا يلزم ارتباط العمل بمذهب معين أو بمشهور من قول قائل، ولما حكاه المواق عن شيخه ابن سراج أنه إذا جرت عادة الناس بشيء ولم يكن متَّفَقًا على تحريمه، فليتركهم المرء وما هم عليه وليفعل في نفسه ما هو الصواب عنده.
ووجه ذلك أن حمل الناس على إبطال ما عملوا به يرجع إلى قاعدة تغيير المنكر، وشرك تغيير المنكر أن يكون الفعل مجمعًا على إنكاره بين علماء الأمة، فإذا كان عمل الناس جاريًا على قول عالم متبحر، فلا يتعرض لهم فيه بإبطال.
стр. 979
ملحق
المحْوَر الثَّالِث
стр. 980
المصطلح الفقهي في المذهب المالكي (١)
محمد الفاضل ابن عاشور
[مقدمة: المصطلح الفقهي وترجمة القوانين الأجنبية]:
إن تلك الثروة الطائلة: من الألفاظ الدقيقة والتعابير الحكيمة التي تذخر بها كتب الحقوق والعلوم القانونية المحررة باللغة العربية في العصر الحاضر، لتدل بسلامتها، وأصالتها، ووضوحها، وسلامة تعبيرها، وإحكام تحريرها، على أن الذين تعاطوا الدراسات الحقوقية، أرادوا أن يبرزوا فيها أفكارَهم الجديدة في المناحي التي افتتحوها بدراساتهم، أو أن يعرضوا ما تعلقت هممُهم بعرضه من النظريات القانونية المتولدة عن لغات غير لغتنا، والناشئة في ثقافات غير ثقافتنا، قد وجدوا من اللغة العربية استعدادًا لتلقِّي تلك المعاني والأنظار، ويسرًا في التعبير عنها يغبطهم عليه الذين حاولوا مثلَ ذلك في نواح أخرى من الفكر والعلم.
وليس ذلك إلا راجعًا إلى أن الألفاظ والتعابير التي هرع إليها القانونيون المحدثون ليصوغوا فيها ما لهم من الأفكار والأنظار على النحو الذي أرادوا، قد
стр. 981
وجدوا فيها من السعة والدقة والإحكام والتنسيق والتفصيل، ما كفاهم المؤنة، ووضع عنهم الحرج؛ إذ مكَّنهم لكل فكرة مهما كانت مخترعةً غريبة عن المعروف في بابها مِنْ قالب تعبير دقيق واضح الانطباق عليها، مُؤَدٍّ لتفاصيلها ومجملاتها، في غير قصور ولا نَبوة ولا حاجة إلى مقارنة أو تسديد. وهذا راجعٌ لا محالةَ إلى أن الفقهاء الذين اشتغلوا من قبلُ بتلك الناحية قد كانوا على جانب من سعة المادة، وحسن التصريف لها، والبراعة في تحميلها المعاني والأفكار التي جعلوها معارضَ لها. وذلك ما سهل للذين جاؤوا من بعدهم أن يجدوا القوالبَ التعبيرية وافرةَ الجهاز، متينة التصرف، مذلَّلَةً لاحتمال المعاني التي أرادوا حملها عليها.
فالناقلون الأولون لنصوص القوانين الأجنبية ونظرياتها - منذ مائة سنة أو تزيد - لم يتوصلوا إلى ما أبدعوا في ما نقلوا إلا بفضل ذلك الكنز الغالي من المصطلحات الفقهية الذي وجدوه بين أيديهم، فأقبلوا ينفقون منه إنفاق مَنْ لا يخشى الفقر. نعم، لقد فاز المتأخرون من القانونيين بذلك الكنز، وأفادوا من معادنه النفيسة صياغةً بديعة للقوانين، ومن درره ترصيعًا عجيبًا لبحوثها ودراساتها. فكيف استطاع الأسلاف الذين أورثونا ذلك الكنز الثمين أن يجمعوا تلك الثروةَ من النفائس التي كنزوها، بعد ما أنفقوا منها طويلًا غير مغلولة أيديهم إلى أعناقهم؟
وإن الذي يتتبع المصطلحاتِ التي يتصرف فيها اليوم رجالُ القانون ويتأمل في الرجوع بها إلى أوضاعها واستعمالاتها في كتب الفقه القديمة، ليَتَبَيَّنُ له أنها استُمِدَّت من المصطلح الفقهي المشترك، المشاع بين المذاهب الفقهية المختلفة، كما استفادت من المصطلحات الخاصة التي ينفرد بها بعضُ المذاهب عن بعض، فما من مذهب من المذاهب الفقهية المدوَّنة إلا للمصطلح الخاص به أثرٌ في إمداد البحوث القانونية المعاصرة.
ولكن الذي يبدو من مقارنة المصطلحات الخاصة بعضها ببعض، في مجال رواجها على أقلام القانونيين المعاصرين، أن المذهبَ المالكي من بين سائر المذاهب الإسلامية، قد كان أقوى إمدادًا، وأوسع أثرًا من غيره في ذلك المجال.
стр. 982
[المصطلح الفقهي بين الوضع اللغوي والنقل الشرعي]:
هذه التأملاتُ والاعتبارات هي التي ترجع بنا إلى وضع المصطلح الفقهي المشترك بين عامة المذاهب الإسلامية، ثم إلى الفوارق التي نشأت في ذلك المصطلح بين مذهب ومذهب، وإلى مناشئ تلك الفوارق، ثم إلى ما كان للمذهب المالكي بالخصوص في تلك الفوارق من مميزات، وما كان لمميزاته من اقتضاءٍ خاص لِمَا انفرد به من المصطلحات، لِمَا شاع من الرجوع إليها أكثر من غيرها في علوم القانون.
لَمَّا كان علمُ الفقه أولَ متكوِّن من روح الثقافة الإسلامية، وكان متصلًا مباشرةً بالكتاب والسنة، فلا جرم كان بذلك هو المظهرَ الأول لما أحدث الإسلامُ من تطور في اللغة العربية، تطورًا جعله الإمامُ جلال الدين السيوطي موضوعَ النوع العشرين من كتاب "المزهر" الذي ترجمه بمعرفة الألفاظ الإسلامية وبناه على فصل من قيِّم كلام أحمد بن فارس. (١)
стр. 983
وإذا كان أحمد بن فارس يجزم بأن ألفاظًا من اللغة العربية نُقلت عن مواضع إلى مواضع أخرى بسبب ما شرع الإسلام من شرائع (ومن تلك الألفاظ: المؤمن، والكافر، والمنافق، والفاسق، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، من كل ما أحدث الإسلام من ماهيته ما لم يكن معروفًا عند العرب من قبل، حتى أصبحت الألفاظ تدلُّ عليه)، ويجعل ذلك شأنَ أبواب الفقه كلِّها وشأن سائر العلوم كالنحو والعروض والشعر، فإن علماءَ أصول الفقه يقفون من هذا الذي جزم به ابن فارس موقفَ تحقيق وتفصيل.
فجاء معاصرُه القاضي أبو بكر الباقلاني يُنكر هذا النقلَ للألفاظ من معنى إلى معنى وينفيه، مدعيًا أن الشرعَ لم يضع شيئًا، وإنما استعمل الألفاظَ في مسمَّيَاتها اللغوية المعروفة من قبل، ولم يعتبر معنى جديدًا، إلا أنه اشترط لتحقيق ماهية الشيء شروطًا ربما لم تكن مشترَطةً فيه من قبل. (١) وإنما حدا بالقاضي أبي بكر إلى هذا الموقف قصدٌ جدلِيٌّ، بَيَّنه شهاب الدين القرافي في شرح التنقيح، (٢) مع الفرار من القول بأن القرآن والسنة قد خاطبا الناسَ بما لا يفهمون.
فنشأت من موقفه ذلك أنظارٌ ومناقشات، وذهبت طائفةٌ إلى التمسك باختلاف الوضع الشرعي عن الوضع اللغوي تمامًا وهم المعتزلة، وقالوا إن المعاني
стр. 984
الشرعية مواليدُ جديدة، فلا بد لها من أسماء تدل عليها بوضع جديد. وذهب جماعةٌ من أهل السنة إلى التمسك بموقف الباقلاني، ومنهم أبو نصر ابن القشيري والقاضي عياض.
وذهب جمهورُ أهل السنة - من أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والإمام الرازي وابن الحاجب والقرافي والبيضاوي والسبكي - إلى أن اختلافَ الدلالتين بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي إنما كان على طريقة الاستعمال المجازي بدون نقل، بل بمراعاة المناسبة بين المعنيين، واعتمادًا على القرائن الصارفة عن المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي.
ولم يُهمل هؤلاء وجهةَ نظر القاضي أبي بكر، فقصروا وقوعَ النقل على المعاني الشرعية الفرعية، والتي هي موضوعُ علم الفقه دون المعاني الشرعية الأصلية، التي هي موضوعُ علم العقائد. فأقروا بأن الإيمانَ والإسلام مستَعْمَلان في معناهما اللغوي، بخلاف مثل الصلاة والزكاة مما استعمل في غير معناه الأصلي.
ووقف سيفُ الدين الآمدي بين هاتين الطريقتين، غيرَ جازم بترجيح إحداهما على الأخرى. (١)
هذا هو موقفُ الأصوليين من المصطلحات الشرعية، ويعنون بها الألفاظَ التي ورد استعمالُها في لسان الشرع الأصلي - أي في القرآن والسنة - للتكاليف العملية التي جاء بها الدين، مثل الصلاة والصوم والزكاة.
أما ما عدا ذلك مما شمله كلامُ أحمد بن فارس من المصطلحات التي وضعها أهلُ العلوم ومنهم الفقهاء في ما استنبطوه وفصلوه، فقد كان لهم منها موقفٌ آخر: لم يختلفوا في أنها منقولةٌ عن معانيها اللغوية الأصلية، إن المشكل الذي حمل الباقلاني ومَنْ بعده على أن يحترزوا من القول بالنقل في الألفاظ الشرعية المستعمَلة في الكتاب
стр. 985
والسنة هو مشكِلٌ غيرُ وارد فيما يخص الألفاظَ التي استعملها أصحابُ العلوم من الفقهاء وغيرهم. فلا نزاعَ حينئذ في أن الألفاظ التي استعملها الفقهاء هي مصطلحاتٌ عرفية خاصة بطائفة معينة مثل الكسر في الفرائض (العَرَض) بمعنى المنقول والأصل في مقابلته. وشأنُ الفقهاء في ذلك شأنُ غيرهم من طوائف أصحاب العلوم، كما استعمل العروضيون السبب والوتد، أو استعمل الحكماء الجوهر والعرض والحيز.
وقد قرر الأصوليون في ذلك كله أنه نقلٌ من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي نقلًا مجازيًّا للمناسبة بين المعنيين، ثم اشتهر عند تلك الطائفة حتى أصبح باشتهاره مستغنيًا عن القرينة. فلا يتبادر إلى الذهن عند إطلاق اللفظ بين تلك الطائفة إلا المعنى المنقول إليه، فصار حقيقةً عندهم تسمى الحقيقة العرفية. وهي التي قسمت إلى عرفية عامة، مثل إطلاق الدابة على الحمار أو الفرس، باختلاف الأقطار، وعرفية خاصة، مثل الألفاظ التي اصطُلح عليها أهل العلوم والصناعات. وبذلك أصبحت الحقيقة مقسمة إلى ثلاث أقسام: لغوية وشرعية وعرفية، كما ذهب إليه السبكي في جمع الجوامع، (١) أو إلى أربعة بتقسيم العرفية إلى عامة وخاصة، كما درج عليه القرافي في التنقيح. (٢)
ويُستخلص من هذا أن المصطلح الفقهي يتألف من قسمين من تلك الأقسام هي: الحقيقة الشرعية، والحقيقة العرفية الخاصة، وأن ما للحقائق الشرعية من قرب من الحقائق اللغوية، ومتانة الالتصاق بها، حتى قيل إنها غيرُ منقولة أو إنها معتمدة على مناسبات قوية بين المعنيين، وهو الذي ضمن لها الوضوحَ والمتانة والأصالة، زيادةً على أن نقلها بأحكم الوسائل البلاغية قد جنبها عيبَ التعقيد المعنوي الذي هو من قوادح فصاحة الكلام، وأن إجراءها في سياق الكلام الذي وردت فيه قد أعطاها من حسن التناسق وبديع النظم ما بعدت به عن النبوات التي تحصل عادةً