← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. وقال تعالى عن إبراهيم ﵊: ﴿فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للهِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] والحلمُ شعبةٌ أساسٌ من شعب الصبر. قال أهل اللغة: الحلم: الأناة والعقل، وحَلُم: تأنّى وسكن عند غضب، أو مكروه، مع قدرة، وقوة. والحليم: الذي لا تستخفه الأفعال المؤذية، ولا يستفزه الإغضاب (١). وقد أفاد العلماء: أن العلم والفقه، يكونان قبل الدعوة، ليكون الداعية ذا بصيرة قبل أن يخطو في دعوته، حتى لا يزل. (٢) ويكون الصبر، أثناء الدعوة، لكي يتحمل ردود فعل المدعوين، من أذى واتهام، ولكي يستمر في دعوتهم، ولا يتضجر منهم، ولا ينقطع عنهم .. ويكون الحلم بعد الدعوة، كي لا يحقد على من سخر منه، أو استخف به، ولا ينتقم ممن آذاه. بل على الداعية أن يتوقع الأذى، وأن يعد له عدته من الصبر والحلم، فهذه هي عزائم الأمور، لا غير ذلك من التضجر والحقد، ومد اليد والانتقام التي هي سبب الخور، والفشل. لأجل هذا أمر الله الدعاة بالصبر على ما يلقونه من أذى.

стр. 107

قال تعالى حاكياً قول لقمان لابنه: ﴿ .. وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىَ مَآ أَصَابَكَ إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾. [لقمان: ١٧] ولما أمر الله تعالى نبيه بالدعوة إليه، أرشده إلى وجوب الصبر فيها، فقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل: ١٠] ونبه الله رسوله ﷺ والدعاة من بعده، بما كان من أمر نبي الله يونس ﵊ إذ لم يصبر في دعوته فكان من أمره ما كان. فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ .. ﴾ الآية [القلم: ٤٨] إذ خرج من سعة الدعوة والأنوار، إلى ضيق بطن الحوت والظلمات. وهكذا شأن كل من لا يصبر على الدعوة إلى الله، ويستبدل سلاح العنف والتطرف والمواجهة، بسلاح (١) الصبر والحلم. وهؤلاء الذين يتعجلون في المواجهة، إنما تعجلوا فيها، لأنهم فشلوا في مجال الدعوة، ولم يصبروا عليها، فتحولوا إلى المواجهة، فكان الفشل أبشع، والنتائج أشنع. ولم يكتف الله بالأمر بالصبر في الدعوة والحلم فيها، بل أمر بمقتضاهما من عدم الرد على أذى المدعوين، وعدم الالتفات إليهم،

стр. 108

قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَىَ بِاللهِ وَكِيلاً﴾. [الأحزاب: ٤٨] أي: امض في دعوتك، وثابر في تبليغك، متوكلاً على خالقك، غير ملتفت إلى عناد المعاندين من الكافرين، وخداع المخادعين من المنافقين، ولا تكترث بأذاهم، ولا تنشغل عن دعوتك بكيدهم. وهكذا كانت سيرة الأنبياء من قبل، لا يعرفون في سبيل الدعوة إلى الله عنفاً، ولا انتقاماً .. إلا صبراً وغفراناً، ولذا لم نجد نبياً من الأنبياء، واجه - من يدعوهم - بالقوة المادية في مقام الدعوة على الإطلاق، قال تعالى منبهاً نبيه الكريم ومن تبعه إلى ذلك: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] فهذا نوح ﵊، مكث في قومه تلك المدة الطويلة، ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يضرب أحداً، ولم ينتقم من أحد، على كثرة ما أوذي، وعلى شدة ما سُخر منه. وكذلك الأنبياء؛ إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام جميعاً، لم يُعرف عنهم إلا الحلم على الناس، والصبر على أذاهم. وأما رسول الله ﷺ وصحبه الكرام فقد ضربوا المثل العظيم، والقدوة المثلى في الصبر، والحلم على الذين آذوهم في الدعوة إلى الله تعالى، مع القدرة على أخذ الحق. فعن عائشة ﵂ قالت: ((ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه

стр. 109

شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ) (١). ومن ذلك ما جرى يوم فتح مكة وغيرها من المواقف النبيلة، والأخلاق الرفيعة، من العفو والصفح بل والإكرام، بعد ما فعل أهل مكة بالنبي ﷺ وصحبه ما فعلوا. ولما كان الاستعجال ناقضاً من نواقض الصبر، فقد حذر الله منه أشد التحذير بكافة أصنافه. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لّهُمْ .. ﴾. الآية [الأحقاف: ٣٥] أي: ليكن الرسل الأولون قدوتك في الصبر على الدعوة إلى الله، وعدم الاستعجال لهم، قال القرطبي: ((ولا تستعجل لهم، قال مقاتل: بالدعاء عليهم، وقيل: في إحلال العذاب بهم)) (٢) وكذا قال ابن كثير. (٣) وقال البقاعي في نظم الدرر: ((ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل، ليصلح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر: فقال: ﴿ولا تستعجل لهم﴾، أي: تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوءهم في غير حينه الأليق به)). (٤)

стр. 110

قال سيد قطب عند تفسير هذه الآية: ((ألا إنه لطريق شاق .. طريق هذه الدعوة، وطريق مرير، حتى لتحتاج نفس كنفس محمد ﷺ في تجردها وانقطاعها للدعوة، وفي ثباتها وصلابتها، وفي صفائها وشفافيتها، تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر، وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين، نعم، وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة، وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر، وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة، من رحيق العطف الإلهي المختوم)). (١) بل ذهب الإسلام إلى أبعد من هذا .. ذهب إلى منع الدعاء عليهم حال الدعوة وعدَّ ذلك صورة من صور الاستعجال، فقد أخرج البخاري عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ قال: ((كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلاّ الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)). (٢) ففي هذا الحديث العظيم؛ منع استعجال الدعاء - مجرد الدعاء على كفار قريش - وطلب النصر من الله عليهم ((ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا)).

стр. 111

لأنه يدل على تضجر المسلمين، وعدم تحملهم تكاليف الدعوة .. لذلك لم يستجب لهم رسول الله ﷺ طلبهم وحكم عليهم -لما طلبوا الدعاء-أنهم مستعجلون: ((ولكنكم تستعجلون)). ومن أجمل ما يخط هنا -بعد أن خُط في سيرة رسول الله ﷺ العطرة- أن رهطاً من (دوس) قد أسلموا، فدعوا قومهم (دوساً) فأبوا الإسلام، فقدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن دوساً عصت وأبت، فادع على دوس، فقيل: هلكت دوس. قال ﷺ : ((اللهم اهد دوساً وائت بهم)). (١) فجاؤوا يستبقون إلى الإسلام)). (٢) فانظر كيف جاؤوه يطلبون الدعاء على قومهم .. فدعا لهم. فهداهم الله، فما أحوجنا -معشر الدعاة- إلى هذا الخلق. كما حذر الله الدعاة من ردود الفعل، وسلوك مسلك الرعونة، والخفة في الاستجابة لاستفزازات المدعوين، الأمر الذي يتنافى والصبر. فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنّ وَعْدَ اللهِ حَقّ وَلا يَسْتَخِفّنّكَ الّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] واستفتاح الله الآية بالصبر، فيه إشارة إلى اتخاذ الوقاية من الاستخفاف به.

стр. 112

قال البقاعي في تفسيره: ((ولا يستخفنك))، أي: يحملنك على الخفة، ويطلب أن تخف باستعجال النصر، خوفاً من عواقب تأخيره، أو بتفتيرك عن التبليغ)) (١)، وقريباً من هذا قال معظم المفسرين. وقال سيد في الظلال عقب الآية ﴿ولا يستخفنك .. ﴾: ((إنه الصبر، وسيلة المؤمنين في الطريق الطويل الشائك، الذي قد يبدو أحياناً بلا نهاية، والثقة بوعد الله الحق، والثبات بلا قلق، ولا زعزعة، ولا حيرة، ولا شكوك، .. الصبر والثقة والثبات على الرغم من اضطراب الآخرين، ومن تكذيبهم للحق، وشكهم في وعد الله. ذلك أنهم محجوبون عن العلم، محرومون من أسباب اليقين، فأما المؤمنون الواصلون الممسكون بحبل الله، فطريقهم هو طريق الصبر والثقة واليقين: مهما يطل هذا الطريق، ومهما تحتجب نهايته، وراء الضباب والغيوم! )). (٢) ومن مفسدات الصبر التي يجب على الداعية أن يحذر منها؛ الغضب، لذا يجب على الداعية أن يحذر منه أشد الحذر، لأنه يفقد الإنسان سيطرته على أفكاره، وألفاظه، وتصرفاته، فيدفعه إلى أفعال تفسد عليه دعوته، وتُنفِّر منه مدعويه. لذلك نهى رسول الله ﷺ القاضي أن يقضي وهو غضبان. قال ﵊: ((لا يقضي حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان)). (٣)

стр. 113

ولما طلب أحد الصحابة وصية من رسول الله ﷺ قال: أوصني، قال: ((لا تغضب))، فردد مراراً ((لا تغضب)). (١) فهذه وصية رسول الله ﷺ في عدم الغضب لكل مسلم .. فكيف بالداعية .. فأولى بذلك ثم أولى. وقبل مغادرة هذا الباب ينبغي التنبيه إلى أمرين. الأول: التفريق بين مقام الدعوة الذي وسيلته الصبر على الأذى، والحلم بالمدعوين، وبين مقام القضاء والسلطان الذي من حقه الحكم والعقاب. فهذان بابان مختلفان، يخلط بينهما كثير من الناس، فلا يفرقون بين وجوب الصبر في الدعوة إلى الله، والحلم على المدعوين، وبين مقام القاضي والسلطان في حال الاعتداء. وعدم التفريق بينهما أوقع كثيراً من الدعاة في وضع الأمور في غير محلها، وفي اضطراب في التصرف، وانحراف في المنهج. الأمر الثاني: أن الصبر والحلم لا يتأتيان بقراءة الكتب، وحضور الدروس، والاستماع إلى المحاضرات، وإنما يحتاجان إلى تدرب عليهما، ولا يتم ذلك إلا بالتربية، وما يقع من كثير من الناس من عدم الصبر والتضجر والانتقام، والتصرفات المنحرفة إلا لفقدان التربية على ذلك .. وربما فقد ذلك كثير من الشيوخ أنفسهم، وفاقد الشيء لا يعطيه، لذا وجب الاهتمام البالغ بالتربية في منهجنا العملي الدعوي.

стр. 114

آثار الصبر والحلم: مما لا يخفى أن للصبر ثماراً عظيمة، وآثارًا حميدة في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا؛ فهي التوفيق في تبليغ الدعوة، والنصر على خصومها. قال تعالى: ﴿إِنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. [الأنفال: ٤٦] والمراد بالمعية هاهنا المعية الخاصة وهي النصر. وقال ﷺ : ((وأن النصر مع الصبر)) (١). وما صبر قوم إلا أفلحوا .. وما تضجر قوم وغضبوا إلا ندموا. ولولا فضل الله على الأنبياء بعامة، وعلى نبينا بخاصة بالصبر، لما قامت دعوة، ولما بلغنا دين. الثمرة الثانية: محبة الله للصابرين، ومن أحبهم الله أيدهم في الدنيا، ورفع منزلتهم في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ﴾. [آل عمران: ١٤٦] وأما أجر الصبر في الآخرة، فهو أعظم وأطيب. قال تعالى: ﴿إِنّمَا يُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مّرّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا .. ﴾ [القصص: ٥٤] الثالثة: ينير الطريق، ويثبت الداعية.

стр. 115

قال تعالى عن المؤمنين: ﴿قَالُوا رَبّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. [البقرة: ٢٥٠] وقال ﷺ : ((والصبر ضياء)). (١) ولا يَقِلُّ الحلم ثمرةً في الدنيا والآخرة عن الصبر، ولولا خشية الإطالة لسردنا ثمراته، وأدلة ذلك. ومن أجمل ثمار الحلم؛ محبة المدعوين له، وعدم وجود ردود فعل من الحليم تعرقل دعوته. وشتان بين داعية صابر حليم، محبوب بين الناس، مقبول الدعوة، وداعية متضجر، لئيم الطبع، ينتقم من الناس، ويكْفَهرُّ في وجوههم. الصفة الرابعة للداعية: العفو والصفح: لاشك أن من لوازم الصبر العفو، ومن مقتضيات الحلم التسامح، لكن إفراد هاتين الصفتين بالذكر، كان لما لهما من أهمية بالغة في قبول دعوة الداعية أو ردها. فقد مضت سنة الدعوة إلى الله؛ في حصول الأذى بالمدعو، ونزول الضراء به، وقد طبعت النفوس على الإعراض عن المؤذي، أو الانتقام منه، وجبلت نفوس المدعوين على رد دعوة المنتقم، والنفور منه، فيخسر حينئذ الداعية، ويفر المدعوون، وتتوقف الدعوة، ولا تتم هداية المخلوقين. لذلك أمر الله الداعية بالعفو والتسامح مع المدعوين، حتى تكون القلوب صافية، والنفوس كريمة، فيقبل المدعوون على الدعوة،

стр. 116

ويقبلونها، ولا ينفرون منها، أو يواجهونها؛ فقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] وقال تعالى مخاطباً المسلمين عامة، والدعاة خاصة: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّىَ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. [البقرة: ١٠٩] لذلك كان لزاماً على الداعية إلى الله أن يتحلى بالعفو، وأن يتصف بالتسامح. وسرُّ ذلك: أن بعض المدعوين يكونون جهلاء، وأصحاب أهواء، ويرون أن دعوتهم هو تدخل في شؤونهم الخاصة، وحجز لحريتهم المطلقة. فيقومون بردود فعل قولية، وأحيانا عملية .. تجاه الداعية من شتم، أو ضرب، أو سخرية، أوحقد. والعفو والتسامح في مقام الدعوة يعني: مسح ما يعلق بالقلب من أثر الأذية، وغسل ما في النفس من حب الانتقام، والإقبال على المدعوين بوجه طلق، ونفس رضية، كأن شيئاً لم يكن منهم، فلا يكون في نفس المدعو حقد على من آذاه، ولا رغبة بالانتقام ممن أضر به، بل كلما أوذي عفا، وكلما تضرر سامح. قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ﴾. [آل عمران: ١٣٤] وقال ﷺ : (( .. وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزاً)) الحديث (١). وسئل رسول الله ﷺ عن أفضل الإيمان، قال: ((الصبر والسماحة)) (٢).

стр. 117

وهذان خلقان من أعظم أخلاق المسلم، فمن باب أولى أن يتحلى بهما الداعية. ولا أدل على ذلك؛ مما كان بين الأنبياء جميعاً وأقوامهم، وما بين رسول الله محمد صلى الله عليهم وسلم وقومه بخاصة .. فمع الأذى الكبير الذي أصابه ﷺ وأصحابه ﵃ من كفار قريش، كان شعارهم: العفو، وكانت سجيتهم التسامح. وقصة رسول الله ﷺ مع أهل الطائف الذين ردوه، وآذوه حتى أدموه، وسخروا منه مشهورة معلومة (١). فما زاده ذلك في دعوته إلا ثباتاً، وما زاده فيهم إلا عفواً وإحساناً، وكان يردد في مثل هذه المواقف قولته المشهورة: ((اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)) (٢). وموقفه ﷺ من أهل مكة يوم فتحها في العفو عن أهلها الذين آذوه وصحبه أشد الإيذاء، أشهر من أن تسجل في مثل هذا البحث، وقد سجلت في سجل التاريخ الإسلامي الخالد. (٣)

стр. 118

وقد عفا رسول الله ﷺ عن الأعرابي الذي شد ثوبه حتى أثرت حاشيته في عنقه ﷺ (١). وقصة الذي أراد أن يقتل رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة معلومة، إذ جاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بالشجرة، فأخذ سيف رسول الله وقال من يمنعني منك؟ قال: ((الله))، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: ((من يمنعك مني؟ ))، قال: كن كخير آخذ، قال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟ ))، قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك ... فخلى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه، قال: قد جئتكم من عند خير الناس ... )) الحديث (٢) فانظر كيف عفا عنه، بعدما كاد أن يقتله، وأصر على كفره .. فاللهم هب لنا فقها وعفواً. وعفا .. وعفا ... عليه صلوات ربي وسلامه إلى يوم يبعثون. والتحلي بالعفو والتسامح له ثمار عظيمة، منها: -طيب نفس الداعية، وانشراح صدره، فإن العفو والتسامح يجعل النفس طيبة، مما يدفعها إلى مزيد من العطاء، ومزيد من الإقبال على الناس، ولو كانوا من المؤذين، وعدم التسامح يبعث الكمد في النفس بالحقد، ويغري القلب بحب الانتقام، الأمر الذي يدفع النفس إلى التراجع، ثم الانزواء عن الناس، وعن الدعوة، وفي ذلك من الخسارة ماهو معلوم لكل عاقل.

стр. 119

-محبة الناس للداعية، والإقبالُ عليه، بل والدفاعُ عنه. -الأجر العظيم عند الله تعالى. الصفة الخامسة: التواضع والمخالطة: كلما كان الداعية محبوباً لدى المدعوين، كانت استجابتهم لدعوته أكبر، واجتماعهم حوله أكثر. ولا شيء يحبب الداعية إلى المدعوين كالتواضع، لذا أمر الله به .. وحرم ضده وهو التكبر، ولا يظهر التواضع إلا بالاختلاط بالناس .. لذلك أمر الله بهما. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ... ﴾ الآية. [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعّرْ خَدّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً .. ﴾ الآية [لقمان: ١٨]. وقال ﷺ : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر .. )) (١) الحديث. وقال ﷺ : ((وما تواضع أحد لله إلا رفعه)) (٢) الحديث. وكان ابن عمر يدخل السوق لا يبيع ولا يشتري، لكن ليسلم على الناس، فكانوا إذا رأوه استبشروا، وانكبوا عليه، يستفتونه فيفتيهم ويحل قضاياهم (٣).

стр. 120

ولا شيء يساعد في نشر الدعوة، وتوسيع رقعتها، كالاختلاط بالناس، ومعرفة أحوالهم، والوقوف مع متطلباتهم، ومدارسة مشكلاتهم. لذلك قال رسول الله ﷺ : ((المسلم الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)). (١) وقد مضت سنة الأنبياء في تواضعهم، ومخالطتهم في معايشهم، وفتح أبوابهم، وتوسعة صدورهم. ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، فكان ﷺ يخالط أصحابه فيزوج عزبهم، ويعود مريضهم، ويتفقد أحوالهم، ويشيّع ميتهم، ويعين فقيرهم، بل كان يعود المريض من أعدائه فقد عاد رسول الله ﷺ ابناً ليهودي .. ، فعن أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: ((أسلم))، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ ، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار)). (٢) وكانت الأَمَة تأخذ بيده بالمدينة فيطاوعها، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((إن كانت الأَمَة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فتنطلق به في حاجتها)). (٣)

стр. 121

فإن شئت أن يكون طبيباً رأيته طبيباً، وإن شئت أن تراه مصلحاً بين الناس كان مصلحاً، وإن شئت أن تجده بائعاً وشارياً كان كذلك. وحسبك أن امرأة شكت إليه قلة جماع زوجها (١). وزار صاحباً له وكان في البيت غلام، قد حبس طيراً له في قفص فمات، فحزن عليه، فقال له الرسول ﷺ مداعباً ومواسياً: ((يا أبا عُمير .. ما فعل النُغَيْر؟ ! ؟ )). (٢) فانظر - أيها الداعية وفقك الله - إلى هذا الصنيع ما ألطفه، وإلى هذا التصرف ما أبدعه .. سيدُ الخلق .. وسيدُ الرسل .. وسلطانُ الدولة يداعب صبياً .. ويواسي ولداً .. في ماذا؟ ! .. في عصفور فقده .. فما أحرى العلماء والدعاة إلى مثل هذا الخلق. وجاءه - مرة - رجل ليشكو له انطلاق بطن أخيه، فأمره أن يسقيه عسلاً ... ، فعن أبي سعيد أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: ((اسقه عسلا)) ثم أتى الثانية، فقال: ((اسقه عسلا))، ثم أتى الثالثة فقال: ((اسقه عسلا))، ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: ((صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا)) فسقاه فبرأ. (٣) فانظر إلى هذا التواضع الجم، والمخالطة النافعة. أُيسأل رسول الله ﷺ سيد الخلق، ورئيس الدولة- عن مرض يستحي المرء من إخبار الناس

стр. 122

به .. أيداعب رسول الله ﷺ ولداً، ويزور خادماً، ويمشي مع جارية في حاجتها، وهو الرسول العظيم، والقائد الكبير، والسلطان المهيب. ذلكم هو التأديب الذي أدبه الله ، ووعظه به قائلاً: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. وحذره من مغبة الكبر، والجفاء مع المدعوين، فقال له: ﴿وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ .. ﴾ الآية. [الأنعام: ٥٢] ولما اجتهد النبي ﷺ في مسألة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ﵁ فعبس في وجهه، جاءه التأديب الرباني ﴿عَبَسَ وَتَوَلّىَ* أَن جَآءَهُ الأعْمَىَ ... ﴾. (١) [عبس: ١، ٢] فهل عاتب رسول الله ﷺ - بعد ذلك - الأعمى، وهل وجد عليه .. أو اتخذ منه موقفاً .. إلا موقف الإكرام والمحبة .. وانظر -يا رعاك الله- إلى هذا التواضع، والمخالطة، وماكان لهما من أثر عظيم في نفوس أصحابه، صدقاً، وتربية، وعملاً، جعلتهم خير أمة أخرجت للناس.

стр. 123

وليس ببعيد أن يعزى أسباب تلك الفجوة بين الناس بعامة والشباب بخاصة من جهة، وبين العلماء والدعاة من جهة أخرى، إلى انعزال بعض الدعاة والعلماء، وإغلاق أبوابهم، وعدم مخالطتهم الناس، وتأففهم من الجلوس مع عوام الناس وفقرائهم، وحدثاء الأسنان، الأمر الذي أحدث فجوة، تغلغل من خلالها الأفكار الفاسدة، والمناهج المنحرفة (١). بينما لو كان العالم الرباني مخالطاً للمدعوين، متابعاً للمتربين، لأدرك الأخطار أول وهلة، ولعالج الانحراف حين حدوثه، كالطبيب المتابع لمرضاه، وأما إذا أعرض الداعية أو المربي، وانعزل عن المدعوين، تفشى الداء، وصعب بعد ذلك العلاج، كالطبيب المهمل لمرضاه. الصفة السادسة: حسن الخلق، وطيب العشرة أهمية حسن الخلق بعامة، وفي مجال الدعوة بخاصة: لا توجد صفة شخصية للإنسان أفضل من حسن الخلق، ولا صفة تحبب الناس به أعظم من طيب العشرة. فقد طبع الناس على حب حسن الخلق، ولو كان من كافر، وعلى كراهية سوء الخلق، وعلى النفور من صاحبه، كائناً من كان. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]

стр. 124

ولا يجد الإنسان مدخلاً لقلوب الناس، كما يجده في حسن الخلق، ولا سبيلاً للاجتماع بهم والتآلف معهم، مثل طيب العشرة. إن حسن الخلق تاج الإنسان، وجماله المعنوي. ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رُدِّيت بُرداً إن الجمال معادن ومناقبٌ أورثن حمداً وقال آخر: البس جديدك إني لابس خُلُقي ... ولا جديد لمن لا يلبس الخُلُقا فإذا تحلى به الداعية، أضفى شعوراً من الارتياح في نفوس المدعوين، وقبولاً كبيراً لدعوة صاحبه (١). وكم قُبلت عند الناس دعوةٌ باطلة .. لتلبيس صاحبها بنعومة ألفاظه، ولطف معشره، وكم ردت دعوة صحيحة لجفاف صاحبها، أو لسوء خلقه! وفوق ما لحسن خلق الداعية من أثر في قبول الدعوة، فإن لحسن الخلق أثراً بالغاً في بناء المجتمعات، وصفاء قلوب أهلها، وهذه من مهمة الدعاة إلى الله، والدعاة هم البناة الحقيقيون للمجتمعات. والمجتمعات لا تبنى بعقيدة مجردة عن الخُلُق، ويخطئ من يظن ذلك، فلا بد أن يواكب العقيدة خلق يربط الناس، ويشد ما بينهم. وإذا كانت العقيدة لَبنات المجتمع، فإن الخُلُق ملاطها.

стр. 125

وبعبارة أخرى: إن التوحيد، والتقوى، والعبادة، والدعوة المجردة عن الخلق، لا تؤلف جماعة، ولا تقيم مجتمعاً سعيداً، وإذا كان الناس سينفضون عن رسول الله لو كان فظاً غليظاً -وحاشاه ﷺ من ذلك- فمن باب أولى أن ينفضوا عمن هو دونه. ولهذا جاءت النصوص محذرة المسلمين بعامة، والدعاة بخاصة من مغبة سوء الخلق، لما يجر من فساد على الدعوة بخاصة، والمجتمع بعامة. قال تعالى محذراً الدعاة، وفي مقدمتهم سيدهم ﵊ من عاقبة سوء الأخلاق: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فإذا كان هذا الخطاب لرسول الله ﷺ الذي هو سيد الموحدين، وسيد المتقين، وسيد العابدين .. فكيف بغيره.؟ ! ؟ إن الغفلة عن أهمية حسن الخُلُق في مقام الدعوة، دفع كثيراً من الناس إلى النفور من أصحابها، والصد عن الهداية، فهل نحن معتبرون؟ ! ولا غرو -بعد هذا البيان- أن كان لُبُ بعثة النبي ﷺ ، إتمام مكارم الأخلاق. قال ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)) (١)، وفي رواية (مكارم الأخلاق). معنى حسن الخلق، وطيب العشرة:

стр. 126

إن حسن الخلق وطيب المعشر، لا يظهر في خطبة جمعة، أو إلقاء محاضرة، أو تأليف كتاب. إنما هو ممارسة عملية، وخلق فعلي، يظهر في تصرفات الفرد ومواقفه. فهو سماحة في المعاملة، وعفو عن الإساءة، وبشاشة في الوجه، وطيب في الكلام، ورقة في العبارات، ورحمة بالضعفاء، وإجلال للوجهاء، واحترام للعلماء. وهو كذلك، كف الأذى، وبذل الندى، ولين الجانب، وحسن الظن، والتماسُ العذر، وتتبعُ الحسنات، وتواضع مع الإخوان، وتغاضٍ عن السيئات، وترفعٌ عن الانتقام. ولو وضعت صفات المسلم والداعية كلها في باب حسن الخلق، لما أُبعدتِ النُجعة، ولا أخطأ الباحث. نصوص وصور من حياة الرسول ﷺ في حسن الخلق: ونظراً لما للخُلُق الحسن من أثر بالغ في حياة الناس، ومجتمعاتهم بعامة، وفي دعوة الداعية بخاصة. جاءت النصوص متواترةً بالحث على كل شعبة من شعب الخُلق الحسن والتحذير من ضدها. وورد عن رسول الله ﷺ وصحبه من المواقف الصادقة، والحكايات المؤثرة، ما يترجم معنى حسن الخلق عمليًا، بما يثلج الصدور، ويجعلها أسوة لكل الدعاة إلى يوم القيامة. ولما كان المقام لا يسمح بالسرد والإطالة، فللذكر يُكتفى ببعضها للإشارة. قال تعالى: ﴿وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. [القلم: ٤]

стр. 127

وللآية تفسيران جميلان: الأول: أن شخصية النبي ﷺ تتصف بالخلق العظيم. والثاني: أن ما عليه النبي ﷺ من شريعة ومنهج، ومعاملات ومسلك، هو خلق عظيم. قال ابن عباس: ﴿وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ إنك على دين عظيم وهو الإسلام، وكذلك قال مجاهد وأبو مالك والسدي والربيع، وكذا قال الضحاك وابن زيد. (١) وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. [الأعراف: ١٩٩] وقال سبحانه: ﴿الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ﴾. [آل عمران: ١٣٤] وعن أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً)) (٢). وسُئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: ((كان خلقه القرآن)). (٣) قال العلماء معنى هذا: أن النبي ﷺ كان يتأسى بالقرآن، فما من خُلق أُمر به في القرآن إلا فعله، وما من خلق نُهي عنه إلا انتهى عنه. (٤)

стр. 128

طائفة من أقوال الرسول ﷺ في حسن الخلق: يجدر بنا قبل مغادرة هذا المبحث، أن نختمه بخاتمة مسك، بطائفة عطرة من أقوال رسول الله ﷺ ، تبين أهمية حسن الخلق. -فعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء)) (١). -وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، قال: ((تقوى الله وحُسْنُ الخُلُقِ))، وسئل عن أكثر ما يُدخِلُ الناس النار فقال: ((الفَمُ والفَرْجُ)) (٢). -وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أَحْسَنُهُم خُلُقاً)) (٣). - وعن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خُلُقُهُ)) (٤).

стр. 129

وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن المؤمن ليدرك بحُسْنِ خُلُقِهِ درجة الصائم القائم)) (١). الصفة السابعة: حسن التصرف، وحكمة الجواب، والإعراض عن الجاهلين: من البدهي أن يتعرض الداعية لمواقف صعبة، ولإحراجات كثيرة، فالناس تتنوع مشاربهم، وتختلف مقاصدهم، وتتفاوت أساليبهم .. فمنهم من يطلب الحق ويتجاوز في الأسلوب .. ومنهم من لا يحسن السؤال والخطاب .. ومنهم من يتعنت .. ومنهم من يترصد الألفاظ .. ويُحَمِّلُها مالا تحتمل. ومنهم من يتعمد الإحراج، ويُبيِّتُ السوء .. لتشويه سمعة الداعي، وقذفه بالتهم، لإرباك دعوته، وإشغاله عنها، حسداً وبغياً. وقد كان ذلك في عهد رسول الله ﷺ ويكون في كل عهد، ومع كل داعية. أمثلة مما حدث مع رسول الله من هذه المواقف: حكم رسول الله ﷺ بين ابن عمته الزبير ورجل، فكان الحُكْمُ لصالح الزبير .. فقال الرجل: أن كان ابن عمتك. (٢) أي: أحكمت له، لأنه ابن عمتك .. نعوذ بالله من سوء الظن، فما كان من النبي ﷺ إلا أن شدد في الحكم، وأعرض عن التهمة.

стр. 130

ولما وزّع رسول الله ﷺ الغنائم، قال له رجل يقال له: ذو الخويصرة: يا رسول الله اعدل - وفي رواية اتق الله -. فقال رسول الله ﷺ : ((ويلك. ومن يعدل إن لم أعدل)) (١). ثم حذر النبي ﷺ منه ومن أصحابه ولم ينتقم منه، نعوذ بالله من النفاق. وشد أعرابي جبة رسول الله ﷺ حتى أثرت حاشيتها في عنقه، طالباً وفاء دينه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء)). (٢) نسأل الله حسن المعاملة. وقد كان رسول الله ﷺ بهذه التصرفات الخلقية العظيمة يعطي دروساً تربوية في الأخلاق لأصحابه. لذلك يجب على الداعية أن يكون متنبهاً إلى هذا الأمر، منضبطاً في ألفاظه، متوازناً في تصرفاته، وأن يكون حذراً، من أن يتصرف تصرفاً يعيق دعوته، أو يتلفظ بألفاظ يستغلها المترصدون، ليجعلوا منها حديث المجالس، ووسيلة للتنفير من الداعية، وهم عن سبيل الله يصدون، وهم يشعرون أو لا يشعرون .. ولا شك أن هذا يؤثر على شخصية الداعية

стр. 131

وعطائه، ويعرقل مسيرة دعوته، فخطأ الداعية مضاعف، وتصرفاته مشاعة، وكلماته مذاعة. قواعد في حسن الإجابة ومعالجة هذا الأمر: الأولى: التريث في الإجابة، والتأني في التصرف، وعدم الاستجابة لردود الفعل. الثانية: ضبط النفس حين الغضب، وكبح جماح الانتقام للنفس. ويعين على ذلك: استشعار خطورة توقف الدعوة، لأجل هذا التصرف .. وتقديم حظ الدعوة على حظوظ النفس، واحتساب الأجر عند الله . الثالثة: تقدير المصالح والمفاسد، وذلك بالتفكر في مقصود السائل، والتبصر في الإجابة، والفهم العميق لمدلولها، والنظر في التصرف، وما ينتج عنه من عواقب. الرابعة: جواز الأخذ بالمداراة والتورية حين الحاجة الملحة. والمداراة طريقة مشروعة، لرفع الحرج، ودفع المفاسد، وهي: السكوت عن قول الحق سكوتاً مؤقتاً لأجل التغيير، لا لأجل المداهنة. أو هي التلطف بالمخطئ دون مواجهة، وعدم مصارحته بحقيقة فعله، طلباً لمصلحة شرعية، أو دفعاً لمفسدة أكبر، أو انتظار فرصة إصلاح أفضل. (١)

стр. 132

والسكوت عن قول الحق لا يعني: جواز قول الباطل، أو المداهنة فيه. والقاعدة في ذلك: إذا كنت لا تستطيع قول الحق فلا تقل الباطل. والتورية شعبة من شعب المداراة. وهي: أن يقال كلام حق يقصد به شيء، ويفهم منه شيء آخر، ولا يتعارض ظاهر الكلام مع مقصوده. (١) ويُشترط أن لا يُفهم من التورية باطلٌ، وإنما كلام يقال، لا يجلب مفسدة، بل يدفع مضرة. الخامسة: الإجابة بصورة مجملة أو مشروطة، كمن يسأل: إذا أمرنا السلطان بأمر هل نطيعه؟ فيقول: إن أمرك السلطان بشرع وعدل فأطع، وإن أمرك بمعصية وظلم فلا تطع. السادسة: الإعراض والسكوت قال تعالى: وإذا خاطبكم وقال ﷺ ((رحم الله إمرأً قال خيراً أو سكت)) أمثلة من أجوبة النبي ﷺ الحكيمة، وتصرفاته الحسنة. لقد كان رسول الله ﷺ أسوةً عظيمة، في حسن التصرف، وحكمة الجواب، فكل أجوبته حكيمة، وكل تصرفاته عظيمة، فمن ذلك: أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : ((متى الساعة يا رسول الله؟ قال: "ما أعددتَ لها؟ "، قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت")) (٢).

стр. 133

فانظر إلى هذا الجواب الحكيم، وكيف صرف رسول الله السائل عما لا ينفعه إلى ما ينفعه .. دون أن يشعر السائل. فلو قال له رسول الله ﷺ : لا أعلم متى يوم القيامة، فلربما وقع في نفس الأعرابي ما وقع، ولربما قال ما قال .. لقرب عهده بالجاهلية، أو لجهله. فكان من الحكمة صرف الأعرابي عن سؤاله الذي لا ينفعه جوابه، إلى جواب ينفعه في دينه وآخرته، وينفع الأمة من بعده، فقال له ﵊: ((وما أعددتَ لها؟ ؟ )). فانصرف الأعرابي عن سؤاله .. وانشغل بما ينفعه عما لا ينفعه. فصلى الله وسلم عليه ما أحسنه من معلم! ! ولما بال الأعرابي في المسجد، وهمّ أصحاب النبي ﷺ به، ومنعهم رسول الله ﷺ ، قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، قال له ﷺ : ((لقد تحجرتَ واسعاً)) (١) بدل أن يقول له: ((لقد قلت باطلاً)). فما أعظمه ﷺ من مربٍّ! ؟ ولما طالبه أحدهم بقضاء الدين فأغلظ، فَهَمَّ به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ : ((دعوه فإن لصاحب الحقِّ مقالاً)) ثم قال: ((أعطوه سِنّاً مثل سِنِّه، قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سِنِّه، فقال: أعطوه .. فإن من خيركم أحسنكم قضاء)). (٢)

стр. 134

ففي قوله ﷺ ((دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً)) تهدئة لنفسية المطالب الثائرة، إذ أحس أن رسول الله ﷺ يُقِرُّ له بحقه ... ولما سمع بقضائه جملاً أفضل من جمله، انطفأت ثورته تماما وهدأ، ف ﷺ ما أطيبه عِشْرَة. ولو أردنا أن نتتبع تصرفات النبي ﷺ ، وأجوبته، لطال بنا المقام عن المقصود. ومن أجمل ما يُروى في حُسْن الجواب عن بعض الحكماء: أن خليفة رأى في المنام: أن أسنانه وأضراسَه كلَّها سقطت، فسأل مُعبِّراً، فقال له: يا أمير المؤمنين: كل أهلك وأقربائك يموتون قبلك. فحزن الخليفة حزناً شديداً .. فسأل مُعبِّراً آخر: فقال المعبِّر: يا أمير المؤمنين هون عليك ... إن تأويل الرؤيا: ((أنك أطول أهلك عمراً))، فسُر الخليفة، وفرج عنه. والمتأمل للجوابَيْن: يجدهما بمعنى واحد، غير أن الأول: لم يكن حكيماً في جوابه، مع صوابه .. والثاني: كان حكيماً في جوابه، وانظر - يا رعاك الله- الأثر. وبهذا يتبين: أن المقصودَ من هذا الباب: حكمةُ الجواب، والتلطفُ بالخطاب، وليس المقصودُ أن يقول الباطل، ويُداهن فيه، ولكن يمكن للداعية أن يتحلى بشيء من الحكمة والرَوِيَّة، والتفكير بعواقب الأمور، ليقول الحق، بقالب مقبول، وعبارة مسموعة، وعلى الله قصد السبيل.

стр. 135

الفصل الثاني المدعوون وأحوالهم وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول أهمية مراعاة المدعوين وأحوالهم: المدعوون هم العنصر الأساس من عناصر الدعوة إلى الله .. إذ ما شُرعت الدعوة إلا لأجلهم، وما أُرسلت الرسل إلا لدعوتهم. لذا يجب الاهتمام بهم، ودراسة حالاتهم، والتصرف تجاهها بما يناسبها، مما يقرره الشرع الحنيف. فمن العبث الدعوي: أن يلقى الكلام على عواهنه، بدعوى التبليغ -مجرد التبليغ- دون النظر إلى حال المدعوين، وأن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر -مجرد الأمر والنهي- دون معرفة واقعهم. ومن الخطأ الدعوي الواضح: ما يفعله بعض الدعاة، من عدم مراعاة أحوال المدعوين، فترى أحدَهُم يحفظ خطبة جمعة، أو موعظة، أو يحضر محاضرة، ثم يلقيها في كل زمان ومكان، على كل المدعوين، رغم اختلاف مستوياتهم الإيمانية، والعلمية، والعقلية. وربما ألقى محاضرة أو خطبة منقولة من قرون .. دون أن يغير في ألفاظها، أو يبدل في أسلوبها .. سواء كان المدعوون مثقفين علماء .. أو عوامًا جهلاءَ، وسواء كان لها مناسبة .. أو لم يكن لها مناسبة.

стр. 136

ومما لا شك فيه: أن المدعوين ليسوا في الاستجابة سواء، ولا في الفهم، ولا في العلم، ولا في التدين .. كذلك، فمخاطبتهم على حد سواء، ليس من الحكمة في شيء. فقد يكون المدعوون في زمن عمت به البلوى ببعض المخالفات الشرعية، التي أصبحت عندهم كالعادة وهم لا يعلمون، كما هو الحال في قضية الحجاب، وبعض المعاملات المحرمة التي تفشت في بعض البلاد، فمخاطبة هؤلاء لا تكون كمخاطبة من عرف حرمة ذلك، وفعلَه متعمداً. ولقد وجدنا رسول الله ﷺ يخاطب طبقات الناس كلها، كلاً حسب دينه، وحسب علمه، وحسب استجابته، وحسب إمكانه. وحسبك دليلاً على هذا قوله تعالى: ﴿لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وسعها: العقلي، ووسعها: العلمي، ووسعها البدني ووسعها ... إلخ. وقد كان رسول الله ﷺ والرسل من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يراعون أحوال المدعوين مراعاة حكيمة، ويعالجونها معالجة ناجعة. وسنتعرض في هذا الفصل إلى معظم أحوال المدعوين المتنوعة، وإلى شيء من الحكمة في مراعاتها، وما في الكتاب والسنة من أمثلة على ذلك.

стр. 137

المبحث الثاني مراعاة طباع المدعوين الشخصية . وفيه ثلاثة مطالب: الأول الأهمية والمقصود: إنَّ مما لا شك فيه، أن الله فطر الناس على صفات متفاوتة، وسجايا متنوعة، وإدراكات متباينة. فمنهم صاحب الحس المرهف، والطبع الرقيق، الذي يتأثر بالعاطفة، ويستجيب للموعظة .. ومنهم العقلاني ذو التفكير، الذي يناسبه الطرح العقلي، والاستدلالات الرياضية .. ومنهم الذي يؤخذ بالترغيب .. ومنهم الذي يتأثر بالترهيب .. ومنهم المسالم المنصت .. ومنهم المجادل العنيد .. ومنهم المتعالم .. ومنهم المتجاهل .. ومنهم القوي .. ومنهم الضعيف. وقد يكون لبعضهم ظروف مؤقتة، تمنعه من الإدراك، وتحول دونه ودون الاستجابة، كمصيبة مفاجئة، أو خسارة فادحة، أو حالة نفسية معينة. ومما لا شك فيه أن مُقتضى الحكمة، ونفع الخطاب. أن تُراعى هذه الطباع، وأن يُهْتَمَّ بخطاب كل صنف بما يناسبه، في إطار الشرع الحنيف. والناظر في أسلوب القرآن الكريم: يجد تنوعاً عجيباً في الأسلوب، وتفاوتاً بديعاً في الطرح، ومعالجة ناجحة لكل أصناف البشرية.

стр. 138

قال سيد في الظلال: ((كان هذا القرآن يُواجه به النفوس في مكة، ويروضها حتى تسلس قيادها، راغبة مختارة، ويرى أنه كان يواجه النفوس بأساليب متنوعة، تنوعاً عجيباً .. تارة يواجهها بما يشبه الطوفان الغامر، من الدلائل الموحية، والمؤثرات الجارفة .. وتارة يواجهها، بما يشبه السياط اللاذعة تلهب الحس، فلا يطيق وقعها، ولا يصبر على لذعها! وتارة يواجهها بما يشبه المناجاة الحبيبة، والمسارَّة الودودة، التي تهولها المشاعر، وتأنس لها القلوب .. ! وتارة يواجهها بالهول المرعب، والصرخة المفزعة، التي تفتح الأعين على الخطر الداهم القريب .. ! وتارة يواجهها بالحقيقة في بساطة، ونصاعة، لا تدع مجالاً للتلفت عنها، ولا الجدل فيها .. وتارة يواجهها بالرجاء الصبوح، والأمل الندي، يهتف لها ويناجيها .. وتارة يتخلل مساربها، ودروبها ومنحنياتها، فيلقي عليها الأضواء التي تكشفها لذاتها، فترى ما يجري في داخلها رأي العين، وتخجل من بعضه، وتكره بعضه، وتتيقظ لحركاتها، وانفعالاتها التي كانت غافلة عنها! .. ومئات من اللمسات، ومئات من اللفتات، ومئات من الهتافات، ومئات من المؤثرات .. يطلع عليها قارئ القرآن، وهو يتبع تلك المعركة الطويلة، وذلك العلاج البطيء، ويرى كيف انتصر القرآن على الجاهلية في تلك النفوس العصيّة العنيدة)). (١) وهكذا ينبغي أن يكون أسلوب الداعية متنوعاً، يتناسب وكل موقف؟ ويتوافق مع كل نفس، وما فيها؛ من قدرات خَلْقية، وصفات

стр. 139

مكتسبة. غير مُغْفِل لحال المدعو، ولا لصفاته الفطرية، ولا مزاياه الشخصية. ولولا خشية الإطالة، لسردت الكثير من الشواهد .. ولا يفوتنا أن نذكر أمثلة للتذكير. فانظر كيف تتغلغل هذه الآيات في النفس البشرية، لتوحي إليها قدرة بارئها في معرفة ما يجري داخلها. ﴿وَاعْلَمُوا أَنّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. [الأنفال: ٢٤] ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وانظر كيف تُشعر الآيات التالية: هيمنة الله على ملكوته؛ بالعلم والقدرة والسمع والبصر، وبمراقبة الله للعبد في كل حين، وفي كل قول وفعل: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] والخبير هاهنا: هو العالم بخفايا الأمور، والمطلع على دقائق الأشياء. ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَآ إِلاّ هُوَ ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. [ق: ١٨]

стр. 140

﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلّ أُنثَىَ وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. [الرعد: ٧ - ١٠] المطلب الثالث: تنوع خطاب الرسول بما يتناسب وطباع المدعوين: وتعطينا السُّنة صُوراً واقعية، وتصرفاتٍ عملية في مخاطبة المدعوين، بما يتناسب مع طباعهم الفطرية، وأحوالهم الخاصة. ومن ذلك: لما رأى رسول الله ﷺ ما بأبي ذر من ضعف، نَصَحَهُ أن لا يقترب من الإمارة، وقال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة ... )) (١) الحديث. ولما رأى من خالد بن الوليد ما رأى من القوة، والمكر المحمود، جعله قائداً مقدماً في ذلك على من هم أفضل منه كأبي بكر وعمر وغيرهما ﵃ أجمعين. ولما أخطأ خالد ﵁ في قتل بني خزيمة، قال ﵊ على الملأ: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) (٢) ولم يعزله، رغم فعله هذا، لما رأى فيه من القوة على الأعداء، الأمر الذي يحتمل منه مثل هذا الخطأ. ولما رأى رسول الله ﷺ من أبي بكر من القوة الإيمانية، والعدل بين الناس، والقدرة القيادية، مهّد له بالخلافة، وقدمه لها.

стр. 141

فقال ﵊: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)). (١) ولما رأى رسول الله ﷺ الزحام على تقبيل الحجر قال لعمر: ((يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، فهلل وكبر)). (٢) وفي الوقت الذي أمر فيه زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية (٣)، لم يستطع بنفسه ﵊ أن يُعَلِّم أحد الصحابة الفاتحة، فأمره أن يقول بدلها: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)). (٤) فأي مراعاة لأحوال المدعوين بعد هذا .. ؟ ! رجل يُؤمر بتعلم لغة غير لغته، وذلك لِما رأى رسول الله ﷺ من حفظه وفطنته، ورجل يأمره بالتسبيح بدل الفاتحة، لِمَا رأى من ضعف ذاكرته .. إنها مراعاة لطباع المدعوين الشخصية، التي فقدها بعض الدعاة والمربين. وهكذا ينبغي على الداعية أن يكون فطناً لطبيعة المدعو، مدركاً لما ينفعه في تلك الصفة التي يتصف بها، فيؤخر النصيحة، ويرجيء الأمر، ويعجل البيان، ويمسك عن الجواب، كل ذلك وما

стр. 142

يتناسب وطباع المدعو الشخصية، ومزاياه الفطرية في إطار الحكمة والمشروع. المبحث الثالث مراعاة أحوال المدعوين العلمية: وفيه مطلبان: الأول: الأهمية والمقصود: من الحكمة بمكان: أن يدرك الداعية مستويات المدعوين العلمية، ومخاطبتهم بما يناسبهم، وبما يحتاجون إليه .. فلا يخاطبهم بما يَمَلُّون من سماعه، ولا بما لا يحتاجون إليه. فليس من الحكمة في شيء: أن يُدعى طلبة علم إلى علم يعلمونه ويدركونه، كأن يشرح لهم حديث جبريل في أركان الإيمان والإسلام، أو يدعوهم إلى التوحيد، وربما كان المدعوون أعلم من الداعي في ذلك، . (١) كما أنه ليس من الحكمة: أن يُكلِّم الداعية جمهور المسلمين في تفاصيل علمية، كعلم أصول الفقه، أو مصطلح الحديث، أو أنواع كلام الله عند الفِرق، أو في خلافات العلماء، أو في دقائق لغوية، أو طرح شبه الفِرَق الضالة، فإن لهذه المسائل مقاماً غير مقام الدعوة، وغير مقام جمهور الناس، كما ينبغي أن يُهتم بما يلقى في الإذاعات،

стр. 143

والقنوات، وتوظيف برامج علمية وفقهية خاصة بالعامة، وأن يقلل من الدروس التخصصيّة، لأنها ليست من باب الدعوة إلا قليلا، فإن مقامها طلبة العلم في الجامعة والمسجد، ومعظم مشاهدي الفضائيات من العوام الذين سينصرفون عن هذه الدروس، ولا يستفيد منها إلا قلة قليلة من الناس، إلا إذا استطاع المحاضر بأسلوبه أن يبسط المعلومة، ويجذب بعباراته العامة. والداعية الحكيم، هو الذي يكلم المدعوين بما ينفعهم، مما يناسب مستواهم العلمي، وعلامة الحكمة في ذلك: أن ينصتَ معظم المدعوين، وأن ينتفعوا بما يسمعون. فإذا كان الناس لا يعرفون أحكام الأركان الخمسة، فهل من الحكمة أن يجول الداعية بالمدعوين في تفصيلات عقدية أو فقهية، لا يفهمونها، وإن فهموها فهي لا تنفعهم في حياتهم العامة. ومما لا يخف؛ أن للجاهل في الشريعة حكماً، وللعالم بالأمر ... -وهو يخالفه- حكماً آخر. المطلب الثاني: صور من السنة النبوية في ذلك لقد كان رسول الله ﷺ يراعي أحوال المدعويين العلمية فمن ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، وكشف عورته فيه، وقام أصحاب رسول الله ﷺ ليقعوا فيه .. لا شك أن تصرُّفَهم هذا ليس من الحكمة، لأنهم لم يُقدِّروا حالته من جهتين: حال كونه جاهلاً، وحاله -وقتئذ - وهو حاقن، يريد أن يبول .. ولكن خير الدعاة وسيد الحكماء ﵊، أدرك حاله من الجهل، وأدرك أنه -ساعتئذ- في حالة خاصة، أما الجهل:

стр. 144

فدواؤه التعليم .. وأما الحالة الخاصة -التي كان عليها-: فعلاجها التأخير حتى يفرغ من بوله، ولو كان في المسجد، ولو كان كاشف العورة، لأن مفسدة قطعه من بوله أعظم من مفسدة ما يفعل. فضلاً عن أنه لن يستوعب ما سيقال له. لذلك بدأ رسول الله ﷺ بمعالجة حاله، ونهى الصحابة أن يتعرضوا له، بل منعهم من أن يقطعوا عليه بوله، فقال: ((لا تُزرِمُوه)). ثم ما إن انتهت حاله هذه، إلا وبدأ رسول الله ﷺ بمعالجة حاله الأصلية، وهي الجهل، فبدأ يُعلِّمُهُ بكل رِفق، وبكل سهولة، حتى قال الأعرابي قولته المشهورة، التي أضحكت رسول الله ﷺ : ((اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحداً)) (١). فانظر -يارعاك الله- إلى أثر مراعاة أحوال المدعويين، في محبة الداعي، وقبول دعوته. وتكلم معاوية بن الحكم السلمي ﵁ في الصلاة، وكان لا يعلم أن الكلام قد حُرِّم فيها، فما إن انتهت الصلاة حتى أتى رسول الله ﷺ فقال له: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). (٢)

стр. 145

فقال معاوية ﵁ وهو يصف ما خرج به من انطباعٍ عن رسول الله ﷺ : ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. (١) ومع هذا الرفق بمن لا يعلم، كان رسول الله ﷺ يغضب إذا اُنتهكت حرمات الله ممن يعلم. فقد طلق ابن عمر زوجته، وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله ﷺ ، فتغيَّظ فيه رسول الله ﷺ ، ثم قال: ((ليراجعها ثم يمسكها حتى تَطْهُر، ثم تحيض فَتَطْهُر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله)). (٢) حاجة دعاتنا إلى هذا الفقه: ألقى أحد الدعاة -في إحدى الدول الأوروبية- محاضرة في صفات الله، فكان مما قال: (إن أهل العلم اختلفوا في عدد أصابع الله، هل هي خمس أصابع أو ست .. ؟ وأن رواية الدارقطني فيها: كذا وكذا، ولكن العلة: كذا وكذا). والناس الحضور من الجهل بمكان، لا يعرفون أركان الإسلام من أركان الإيمان، ولا يمكنهم أن يستوعبوا ما يقال، بل ربما دفعهم هذا إلى التشكيك، واتهام الداعية بالتجسيم، فضلاً عما عليه معظمهم من الذنوب والفسوق.
следующие страницы →