فقال ﵊: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)). (١)
ولما رأى رسول الله ﷺ الزحام على تقبيل الحجر قال لعمر: ((يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، فهلل وكبر)). (٢)
وفي الوقت الذي أمر فيه زيد بن ثابت أن يتعلم السريانية (٣)، لم يستطع بنفسه ﵊ أن يُعَلِّم أحد الصحابة الفاتحة، فأمره أن يقول بدلها: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)). (٤)
فأي مراعاة لأحوال المدعوين بعد هذا .. ؟ ! رجل يُؤمر بتعلم لغة غير لغته، وذلك لِما رأى رسول الله ﷺ من حفظه وفطنته، ورجل يأمره بالتسبيح بدل الفاتحة، لِمَا رأى من ضعف ذاكرته .. إنها مراعاة لطباع المدعوين الشخصية، التي فقدها بعض الدعاة والمربين.
وهكذا ينبغي على الداعية أن يكون فطناً لطبيعة المدعو، مدركاً لما ينفعه في تلك الصفة التي يتصف بها، فيؤخر النصيحة، ويرجيء الأمر، ويعجل البيان، ويمسك عن الجواب، كل ذلك وما
стр. 142
يتناسب وطباع المدعو الشخصية، ومزاياه الفطرية في إطار الحكمة والمشروع.
المبحث الثالث مراعاة أحوال المدعوين العلمية:
وفيه مطلبان:
الأول: الأهمية والمقصود:
من الحكمة بمكان: أن يدرك الداعية مستويات المدعوين العلمية، ومخاطبتهم بما يناسبهم، وبما يحتاجون إليه .. فلا يخاطبهم بما يَمَلُّون من سماعه، ولا بما لا يحتاجون إليه.
فليس من الحكمة في شيء: أن يُدعى طلبة علم إلى علم يعلمونه ويدركونه، كأن يشرح لهم حديث جبريل في أركان الإيمان والإسلام، أو يدعوهم إلى التوحيد، وربما كان المدعوون أعلم من الداعي في ذلك، . (١)
كما أنه ليس من الحكمة: أن يُكلِّم الداعية جمهور المسلمين في تفاصيل علمية، كعلم أصول الفقه، أو مصطلح الحديث، أو أنواع كلام الله عند الفِرق، أو في خلافات العلماء، أو في دقائق لغوية، أو طرح شبه الفِرَق الضالة، فإن لهذه المسائل مقاماً غير مقام الدعوة، وغير مقام جمهور الناس، كما ينبغي أن يُهتم بما يلقى في الإذاعات،
стр. 143
والقنوات، وتوظيف برامج علمية وفقهية خاصة بالعامة، وأن يقلل من الدروس التخصصيّة، لأنها ليست من باب الدعوة إلا قليلا، فإن مقامها طلبة العلم في الجامعة والمسجد، ومعظم مشاهدي الفضائيات من العوام الذين سينصرفون عن هذه الدروس، ولا يستفيد منها إلا قلة قليلة من الناس، إلا إذا استطاع المحاضر بأسلوبه أن يبسط المعلومة، ويجذب بعباراته العامة.
والداعية الحكيم، هو الذي يكلم المدعوين بما ينفعهم، مما يناسب مستواهم العلمي، وعلامة الحكمة في ذلك: أن ينصتَ معظم المدعوين، وأن ينتفعوا بما يسمعون.
فإذا كان الناس لا يعرفون أحكام الأركان الخمسة، فهل من الحكمة أن يجول الداعية بالمدعوين في تفصيلات عقدية أو فقهية، لا يفهمونها، وإن فهموها فهي لا تنفعهم في حياتهم العامة.
ومما لا يخف؛ أن للجاهل في الشريعة حكماً، وللعالم بالأمر ... -وهو يخالفه- حكماً آخر.
المطلب الثاني: صور من السنة النبوية في ذلك لقد كان رسول الله ﷺ يراعي أحوال المدعويين العلمية فمن ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، وكشف عورته فيه، وقام أصحاب رسول الله ﷺ ليقعوا فيه .. لا شك أن تصرُّفَهم هذا ليس من الحكمة، لأنهم لم يُقدِّروا حالته من جهتين: حال كونه جاهلاً، وحاله -وقتئذ - وهو حاقن، يريد أن يبول .. ولكن خير الدعاة وسيد الحكماء ﵊، أدرك حاله من الجهل، وأدرك أنه -ساعتئذ- في حالة خاصة، أما الجهل:
стр. 144
فدواؤه التعليم .. وأما الحالة الخاصة -التي كان عليها-: فعلاجها التأخير حتى يفرغ من بوله، ولو كان في المسجد، ولو كان كاشف العورة، لأن مفسدة قطعه من بوله أعظم من مفسدة ما يفعل. فضلاً عن أنه لن يستوعب ما سيقال له.
لذلك بدأ رسول الله ﷺ بمعالجة حاله، ونهى الصحابة أن يتعرضوا له، بل منعهم من أن يقطعوا عليه بوله، فقال: ((لا تُزرِمُوه)).
ثم ما إن انتهت حاله هذه، إلا وبدأ رسول الله ﷺ بمعالجة حاله الأصلية، وهي الجهل، فبدأ يُعلِّمُهُ بكل رِفق، وبكل سهولة، حتى قال الأعرابي قولته المشهورة، التي أضحكت رسول الله ﷺ : ((اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحداً)) (١).
فانظر -يارعاك الله- إلى أثر مراعاة أحوال المدعويين، في محبة الداعي، وقبول دعوته.
وتكلم معاوية بن الحكم السلمي ﵁ في الصلاة، وكان لا يعلم أن الكلام قد حُرِّم فيها، فما إن انتهت الصلاة حتى أتى رسول الله ﷺ فقال له: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). (٢)
стр. 145
فقال معاوية ﵁ وهو يصف ما خرج به من انطباعٍ عن رسول الله ﷺ : ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. (١)
ومع هذا الرفق بمن لا يعلم، كان رسول الله ﷺ يغضب إذا اُنتهكت حرمات الله ممن يعلم.
فقد طلق ابن عمر زوجته، وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله ﷺ ، فتغيَّظ فيه رسول الله ﷺ ، ثم قال: ((ليراجعها ثم يمسكها حتى تَطْهُر، ثم تحيض فَتَطْهُر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله)). (٢)
حاجة دعاتنا إلى هذا الفقه:
ألقى أحد الدعاة -في إحدى الدول الأوروبية- محاضرة في صفات الله، فكان مما قال: (إن أهل العلم اختلفوا في عدد أصابع الله، هل هي خمس أصابع أو ست .. ؟ وأن رواية الدارقطني فيها: كذا وكذا، ولكن العلة: كذا وكذا).
والناس الحضور من الجهل بمكان، لا يعرفون أركان الإسلام من أركان الإيمان، ولا يمكنهم أن يستوعبوا ما يقال، بل ربما دفعهم هذا إلى التشكيك، واتهام الداعية بالتجسيم، فضلاً عما عليه معظمهم من الذنوب والفسوق.
стр. 146
وأطال وأسهب .. وبدأ الناس يتلفتون .. ماذا يقول الداعية؟ ! ؟ ! .. وبدأت إدارة المسجد تفكر بمخرج من هذه المشكلة، فلا الموضوع يناسبهم، ولا المسألة تفيدهم، إن لم تك تضيعهم أو تنفرهم، وربما أحدث فتنة كبيرة بينهم.
ثم تدخَّل أحد الدعاة، فأنقذ الموقف .. وتكلم عن صفات الله بما يتناسب وَوَضْع المدعوين مما هم فيه من الذنوب، وأَثَرِ الإيمان بهذه الصفات في الرجوع إلى الله. (١)
وهكذا كان خطاب الداعية الثاني، بما يناسب مداركهم العقلية، ومستوياتهم العلمية، وحالاتهم الواقعية، فهم لا يدركون مصطلح الحديث، ولا يناسبهم الكلام في الخلافات الفرعية الدقيقة .. وإنما الذي يناسبهم ويحتاجون إليه هو التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، وهم بحاجة إلى معرفة أركان دينهم، قبل حاجتهم إلى شيء آخر.
فكم نحن بحاجة إلى إعادة النظر في خطابنا الدعوي.
стр. 147
الخلاصة:
إن على الداعية الحكيم أن لا يتكلم إلا بعد أن يعلم مستوى المدعوين العلمي، وحاجتهم الدينية، ويكلمهم بما يناسبهم، والله الهادي إلى الحكمة والسداد.
стр. 148
المبحث الرابع مراعاة أحوال المدعوين الإيمانية:
ما قيل في باب مراعاة أحوال المدعوين العلمية، يقال كذلك في باب مراعاة أحوال المدعوين الإيمانية، والبابان فيهما نوع من الاشتراك والتداخل، ويتضمن هذا المبحث خمسة مطالب:
المطلب الأول: المقصود بأحوالهم الإيمانية:
أي؛ ما يكون عليه المدعوون من الإيمان والكفر، وما عليه المؤمنون أنفسهم من تفاوت فيما بينهم في قوة الإيمان، والإقبال على الرحمن .. ، الأمر الذي يترتب على الداعية ترتيب خطابه، واختيار مضمونه بما يتناسب مع حال المدعوين الإيمانية .. ليتحقق لهم قبول الدعوة، وسرعة الاستجابة، فإن لكل قوم حالاً إيمانية، ولكل حال خطابها الدعوي.
فمن الناس: من ليس فيه ذرة من إيمان بالله، ولا في ألوهيته .. ومنهم الذين ملئت قلوبهم إيماناً .. وبينهما درجات ودركات لا يعلمها إلا الله.
فمن العبث: أن يُخاطبَ الجميع بأسلوب واحد، ومستوى علمي واحد .. وأحكامٍ وحجج واحدة .. دون مراعاةٍ لأحوالهم الإيمانية.
ولما كان لكل فئة خطاب يناسبها، وأسلوب وحجج تتوافق ومستوى إيمانها، كان لابد للداعية من معرفة حالهم الإيمانية قبل مخاطبتهم.
стр. 149
فخطاب الملحدين يختلف تماماً عن خطاب المؤمنين المسَلِّمين، لأوامر الله ، ورسوله ﷺ .
وغير المسلمين يختلفون في معتقداتهم .. فمنهم الدهريون الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومنهم الذين يؤمنون بوجود الخالق .. مع انحرافات فكرية، وضلالات عقدية ..
وكذلك المؤمنون بالله، يتفاوتون من حيث شركهم، وعداوتهم للإسلام.
فلا يجوز للداعية أن يكون غافلاً عن أحوال المدعوين الإيمانية هذه، فيضع -وقتئذ- الأمور في غير محلها.
فليس من الحكمة: أن يتكلم مع الدهرين عن طاعة الله، ومحبة رسوله ﷺ ، والتمسك بالدين، ويحتج عليهم بالآيات والأحاديث، وهم لا يؤمنون برب، ولا يقرون بدين.
وليس من الشرع: أن يتكلم مع أهل الكتاب عن أهمية الصلاة، أو وجوب الحجاب، أو حرمة الاختلاط، أو أحكام الطلاق، وهي من شعب الإيمان، وهم لا يُسلِّمون بالأصل.
المطلب الثاني: تقسيم الناس في الإيمان إلى الأصناف التالية:
الصنف الأول: الدهريون: هم الذين لا يؤمنون برب، ولا رسول، ولا كتاب، ولا دين.
стр. 150
الصنف الثاني: المشركون: هم الذين ما زالوا يعبدون الأصنام، على اختلاف مشاربهم، حتى ساعتنا هذه. (١)
الصنف الثالث: أهل الكتاب: هم الذين يؤمنون بالله خالقاً، وبكثير من الرسل، ولكنهم يشركون بهم، أو بغيرهم، ولا يؤمنون برسالة الإسلام.
الصنف الرابع: الباطنيون: هم الذين انتسبوا إلى الإسلام، والإسلام منهم براء، وغالبهم من الحاقدين على الإسلام، ادعوا الانتساب إليه ليكيدوا به. (٢)
الصنف الخامس: المنافقون: هم الذين يُظهِرون الإسلام، ويُبطِنون الكفر.
والفارق بينهم وبين الباطنيين؛ أنهم لا يظهرون ما يكفرهم .. والباطنيون: يتبنوّن أموراً مكفرة، يدعون إليها، وهم ينتسبون للإسلام.
الصنف السادس: الضالون: هم المسلمون الذين رضوا بالله رباً، وبالقرآن كتاباً من رب العالمين، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، ولكنهم لم يفهموا الإسلام على حقيقته، فانحرفوا انحرافات مختلفة ومتفاوتة.
стр. 151
فمنهم من وقع في الشرك .. ومنهم من سقط في ضلال وابتداع وخرافات .. وفي بعضهم ضعف شديد في الإيمان، وإعراض عريض عن الاتباع .. وكثير منهم أصحاب أهواء، وكثير منهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .. كالخوارج، والمعتزلة وغيرهم من أمثالهم، ويدخل في هذا الصنف المتحررون. (١)
الصنف السابع: العُصاة: هم المسلمون الذين غلب عليهم الفسق، وطغت عليهم المعصية، وهيمنت عليهم شهواتهم وأهواؤهم، حتى أصبحت تُلازِمهم، فلا يهتمون بدين، ولا يُفكرون بتوبة، وهؤلاء فيهم ضعف في الإيمان شديد، ولكنهم يقرون بذنوبهم، ولايستحلونها.
الصنف الثامن: المقتصدون: هم الذين يأتون بالواجبات، ويجتنبون المحرمات، ولكنهم لا يسارعون في الخيرات، وإذا ما وقعوا في بعض الذنوب لم يصروا عليها، ويسارعون إلى التوبة، وهؤلاء لم يكتمل الإيمان عندهم، فهم متفاوتون فيه حسب أعمالهم.
الصنف التاسع: الأخيار: هم الذين أتوا بالواجبات على وجهها، وبمعظم النوافل، واجتنبوا محارم الله أو تابوا منها توبة نصوحاً، يأتون يوم القيامة ليس عليهم شيء.
стр. 152
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
ولهذه الأصناف تفصيلات كثيرة، وأحوال متنوعة، وأحكام مختلفة، ولكل أدلة شرعية، وشواهد واقعية، ولولا خشية الإطالة لسردت أدلة ذلك من الكتاب والسنة. ولكن ليس هاهنا محل تفصيلها،
المطلب الثالث: المقصود من هذا التقسيم:
المقصود من هذا التقسيم؛ أن يكون الداعية على بينة من أصناف الناس، وأحوالهم الإيمانية، ومواقفهم الاعتقادية، وأن يَختار لكل صنف خطابه، وما يناسب اعتقاده، ومستوى إيمانه، فيُخاطب الدهرين: في إثبات وجود الخالق ، ويقيم البراهين على ذلك ..
ويُخاطِب أهل الكتاب في صحة رسالة الإسلام، وبعثة الرسول ﷺ ، ووجوب الإيمان بالرسل جميعاً ..
وأما الضالون؛ فيُخاطَبون بتصحيح المرجعية، ووجوب الاتباع، واجتناب الهوى، وقواعد معرفة الحق، ومعنى الدليل.
ويُخاطِب المسلم العاصي يما يزيد من إيمانه، وبما يُحببه بالله تعالى ورسوله ﷺ ، ثم يُخاطَب بمقتضى هذا الإيمان، وهذه المحبة .. ويُرغَّب في ذلك ويُرهَّب، ويُدعى بطرق زيادة الإيمان .. والتنبه إلى سبل الشيطان.
وهكذا، لكل صنف طريقتُه، ولكل مستوى مقالُه. (١)
стр. 153
المطلب الرابع: تنوع خطاب القرآن بما يتناسب وهذه الأصناف:
عند تتبع أساليب القرآن في خطاب الناس؛ نجد القرآن الكريم قد خاطب هذه الأصناف كلها، كلاً حسب إيمانه، وكلاً بما يناسب تفكيره ومعتقده.
فخاطب الدهريين: بإثبات وجود الخالق، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيئٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. [الطور: ٣٥]
وقال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مّبِينٍ﴾. [لقمان: ١١]
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]
وحاجَّ إبراهيمُ ﵇ الدهريَّ بقول: ﴿فَإِنّ اللهَ يَأْتِى بِالشّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذِى كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. [البقرة: ٢٥٨]
وخاطب القرآن المشركين بما يناسبهم في عقائدهم. فقال تعالى:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنّ اللهُ فَأَنّىَ يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]
لأنهم كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية .. ويشركون في الألوهية فألزمهم الله بمقتضى الربوبية أن لا يشرك به .. لأن العبادة تصرف لخالق هذا الكون والمتصرف فيه، ولا تصرف لغيره من المخلوقات كائناً ما كانت.
стр. 154
وقال سبحانه: ﴿إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]
وقال سبحانه: ﴿وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]
وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلّ مِمّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥]
وخاطب أهل الكتاب بما يناسبهم، ومعتقداتهم، وما يقرون به من توحيد الربوبية، وإيمانهم ببعض الرسل، والكتب، فقال لهم سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]
وقال تعالى: ﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ .. ﴾. الآية [المائدة: ٧٧]
وقال سبحانه: ﴿مّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ وَأُمّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الايَاتِ ثُمّ انْظُرْ أَنّىَ يُؤْفَكُونَ﴾. [المائدة: ٧٥]
وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىَ شَيْءٍ حَتّىَ تُقِيمُوا التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ .. ﴾. الآية [المائدة: ٦٨]
فانظر كيف أمرهم باتباع ما يعتقدون صحته، ولم يأمرهم مباشرة في هذه الآية باتباع القرآن، لأن اتباعهم للتوراة الصحيحة سيجعلهم يؤمنون بالقرآن.
كما في قوله ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا* إِلا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]
وكذلك في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾. [الحجر: ٤٩، ٥٠]
المطلب الخامس: مراعاة السُّنة لأحوال الناس الإيمانية:
ولم تخرج السنة عن هذه المنهجية القرآنية العظيمة، فقد خاطبت كل صنف بما يناسب إيمانه، ولو أمعنّا النظر في السُّنة لِجَمْعِ مثلِ هذا لعجزنا، ولا بأس بذكر قليل من ذلك على سبيل التذكير والتنبيه.
فقد كان رسول الله ﷺ يخاطب أهل الكتاب بغير ما كان يخاطب به كفار قريش؟ ؟ .
فخاطب اليهود بوجوب التزامهم التوراة الصحيحة، وعدم التحريف فيها، فلو أنهم التزموها لآمنوا.، ومن ذلك: لما جاءه اليهود بزانٍ منهم، فقال الرسول ﷺ : ((أنْشُدُك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ )) (١).
وخاطب وفد نجران في إبراهيم أنه لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً.
стр. 157
وكان قد كتب لهم ((أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ... )). (١)
فانظر كيف خاطبهم بتوحيد الألوهية مباشرة، لأنهم مُقرّون بتوحيد الربوبية.
وكان يخاطب من عصى من أصحابه بالإيمان، وبالتذكير بمحبة الرحمن.
فعن عبد الله بن مغفل أن رجلاً لقي امرأة بغياً في الجاهلية، فجعل يلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت المرأة: مه، فإن الله قد ذهب بالشرك، وقال عفان مرة: ذهب بالجاهلية، وجاءنا بالإسلام، فولى الرجل، فأصاب وجهه الحائط، فشجه، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ((أنت عبد أراد الله بك خيراً، إذا أراد الله بعبد خيراً عجل له عقوبة ذنبه، وإذا أراد بعبد شراً أمسك عليه بذنبه، حتى يوافى به يوم القيامة كأنه عَيْر)). (٢)
ولا أدَلَّ على ذلك من الرسائل التي كان يرسلها رسول الله ﷺ إلى ملوك وسلاطين الشعوب، فقد كان يخاطبهم بالإيمان، وبدخول
стр. 158
الإسلام: فخطابه لكسرى المجوسي، لم يكن كخطابه للنجاشي من أهل الكتاب، ورسائله أشهر من أن تسطر هاهنا. (١)
ومن أجمل ما يسطر هاهنا؛ مفارقة خطاب رسول الله ﷺ بين من في قلبه إيمان، وبين من خوي قلبه من الإيمان، وكان ذلك بين مادية سراقة، وإيمان عمر ﵄:
لما تبع سراقةُ بن مالك رسولَ الله ﷺ ساعة الهجرة إلى المدينة ليقبض مكافأة قريش ... فلما أدرك سراقةُ النبي طلب منه النبي ﷺ أن يعمي عنه، وله مكافأة مالية هي أقرب إلى الخيال -يومئذ- منها إلى الحقيقة .. قال له رسول الله ﷺ : ((كأني بك قد لبست سواري كسرى)). (٢)
ودخل عمر على رسول الله ﷺ . وقد أثّرت الحصير في جنبه فبكى عمر، فقال رسول الله ﷺ : ((ما يبكيك؟ )) فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله! ! !
فقال له رسول الله ﷺ : ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)). (٣)
فجواب رسول الله ﷺ الأول لسراقة، اختلف اختلافاً كبيراً عن جوابه لعمر .. فالأول كان وعداً بالدنيا .. والآخر وعداً بالآخرة .. فلماذا اختلف الخطاب؟ ! ولماذا لم يقل لسراقة ستُسْلم وستكون لك الجنة ...
стр. 159
ولماذا لم يَقُل لعمر ستكون أميراً عظيماً، وسلطاناً مهيباً، وستملك ما تحت قدم قيصر وكسرى؟ .
ذلك لأن رسول الله ﷺ كان في دعوته وإجاباته مستحضراً حال المدعو الإيمانية ...
فأما سراقة فلم يخرج لاحقاً رسول الله ﷺ إلا للمال، ونفسيته نفسية غير إيمانية، فهو لا يقيم وقتئذ للإيمان والجنة وزناً، فلا يناسب أن يقال له: ستكون مؤمناً، وستدخل الجنة، لأن نفسيته - يومئذ - كانت نفسية دنيوية، وقصده من اتباع النبي كان قصداً مادياً، فناسب أن يَعِدَهُ الرسول ﷺ بالمادة (سواري كسرى) التي هي مقصده الأول وقتئذ، ومعلوم عند سراقة أمانة رسول الله وصدقه .. وأنه إذا وعد وفى.
وأما عمر ﵁ فنفسيته نفسية إيمانية، لا تقيم للدنيا وزناً، أمام رضا الله تعالى وجنته، فناسب أن يخاطب نفس عمر بما يناسبها، فقال له: ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة)).
كما يَصْلُحُ هذا شاهداً قوياً لما سبق ذكره في باب مراعاة أحوال المدعوين الشخصية والنفسية.
ويدخل في هذا الباب كذلك؛ المسلمون الحديثو عهد بالجاهلية، إذ لا يكون خطابهم كخطاب المؤمنين السابقين بالإيمان، أو الذين وُلدوا في الإسلام، كما لا يكون خطاب الصغار كخطاب الكبار.
ذلك لأن الإيمان والعلم لا يكونان عند حديثي العهد، كما يكونان عند المؤمنين السابقين بالإيمان.
стр. 160
فمن ذلك، ما وقع من الأحداث في أول قيام الإسلام في المدينة، فقد قارف ماعز ﵁ ذنبًا، فجاء إلى رسول الله ﷺ معترفاً بِذنبه، طالباً إقامة الحد عليه، وكان الإسلام -وقتئذ- كله حديث عهد بالمدينة، فراح رسول الله ﷺ يُعرض عنه .. رغم مصارحة ماعز ﵁ بفعله (١). كل ذلك تقديراً للظروف العامة التي يمر بها الإسلام، والظروف الإيمانية التي يمر بها المسلم الحديث العهد، وما يكون منه من الذنوب.
стр. 161
المبحث الخامس مراعاة أحوال المدعوين النفسية، وظروفهم الخاصة، وحاجاتهم الملحة .
من أفضل ما يتحلى به الداعية، إدراكُ ما عليه المدعوون من حالة نفسية خاصة، أو ظرف طارئ، وما يكون عادة بينهم من التفاوت في المنازل.
فإذا كان ثمة زلزال، أو حريق .. وحصل هلع، ووقع هرع، وتكشفت النساء، واختلطن بالرجال، فليس من الشرع أن يعاب عليهن، وهن لم يقصدن ذلك، أو يقف الداعية- وقتئذ- ليعظهن في حلال وحرام، والأمر فيه موت، وشغل عما هو فيه.
أو كان المسلمون في بلد تحت الاضطهاد، كما كان الأمر في عهد الحكم الشيوعي، فعليه أن يقدر ظروفهم، وأن لا يحملهم مالا يطيقون.
وقد عذر الله الذين لا يستطيعون الهجرة إلى ديار الإسلام نظراً لظروفهم الخاصة.
﴿إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِىَ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً * إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾. [النساء: ٩٧ - ٩٨]
стр. 162
وقال تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَالّذِينَ آوَوا وّنَصَرُوَا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]
فكل هذه الأحكام تقديراً لظروفهم الخاصة.
ففي صحيح البخاري أن أبا ذر لما أسلم أمره رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه فقال له: ((ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري)). (١)
أي: أمره رسول الله ﷺ أن يمكث في أهله، ولا يهاجر الآن، حتى ينتصر الرسول ﷺ ويتمكّن في الأرض.
وذلك تقديراً لظرفه الخاص، إذ لم يكن أبو ذر من أهل مكة، ولم يكن له ناصر منهم، فيؤذونه أذى كبيرًا، فطلب منه رسول الله ﷺ ذلك.
كما لا يجوز للداعية، إغفال منازل الناس، ومقاماتهم الخاصة، وعليه مراعاتها، وفي الأثر عن عائشة ﵂: ((أنزلوا الناس منازلهم)) (٢).
وقال ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)) (٣).
стр. 163
والمقصود من الحديث: أنه إذا سقط من عُرِفَ عنه التُّقى، أو الوجاهة، في زلة أن يُعفى عنه، ويُغض الطرف عن زلته.
قال الإمام الشافعي: ((وذوو الهيئات الذين يقالون في عثراتهم: هم الذين ليسوا يُعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة)). (١)
وفي هذا تقدير واضح لبعض الظروف التي يمر بها الناس.
ولما قدم عدي بن حاتم الطائي إلى رسول الله ﷺ استضافه، وقدم له وسادة إكراماً له، فهو ابن كريم مشهور. (٢)
والمقصود؛ تقدير ذوي الهيئات .. ومن كان وجيهاً، أو سلطانا، فلا يستحسن مناصحته أمام الناس، بل لابد أن يكون على انفراد، وبأسلوب لا يدفعه إلى الاعتزاز بسلطته، أو استخدامها إذا لم ترُق له الموعظة.
قال ﷺ : ((من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمر فلا يُبْدِ له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له)). (٣)
وأهدت إحدى زوجات النبي ﷺ للنبي طعاماً، وكانت ليلته عند بعض نسائه، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها بيدها يد الخادم فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، ويقول: ((غارت أمكم)) وقال:
стр. 164
"كلوا" وحبس الخادم والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة، وحبس المكسورة. (١)
أي: أخذ من بيت التي كسرت القصعة قصعة سليمة، وأرسلها للزوجة صاحبة القصعة المكسورة.
ومع بساطة هذه القصة، إلا أنها لا تخلوا من مدلول عظيم على سمو خلقٌ النبي ﷺ ، وتقديره لأحوال الناس، وظروفهم الطارئة.
ولو فعل أحد العلماء مثل هذا الفعل أمام رسول الله ﷺ ، لكان فيه من الاستهجان وتجاوز حدود الأدب الشيء الكثير، ولكن النبي ﷺ أدرك -وقتئذ- حالتها الخاصة، وما ثار فيها من غَيْرة النساء التي تُفقِدُهُن عقلَهن، وحُسنَ التصرف، فما زاد أن قال: ((غارت أُمّكم)).
ومر رسول الله ﷺ بامرأة تبكي على ولدها، فقال: ((اتقي الله واصبري))، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بَوَّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٢).
ولا شك أن كلمتها (إليكَ عني) كلمة كبيرة على أحدنا، فكيف إذا قيلت لرسول الله ﷺ ؟ ! ؟
ولكن النبي ﷺ سيد الحكماء، أدرك ما كانت المرأة عليه من حالة خاصة، فضلاً عن أنها لم تعرفه .. فأعرض عنها، بل أعرض عن تعليمها، لأنها في حال لا يُمَكّنها من القبول والفهم، فلما جاءته وكانت
стр. 165
في نفسية غير نفسيتها الأولى، أقبل عليها الرسول ﷺ يعظها ويعلمها ولا يعاتبها.
ولما نزلت الآيات بتبرئة عائشة ﵂ في حادثة الإفك، قالت لها أمها: قومي فاحمدي رسول الله ﷺ ، فقالت: ((لا والله؛ لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله ). (١)
ولا شك أن هذا القول لا يتناسب، ومقام الرسول ﷺ ، ولو كان مع أحدنا، لوجد في نفسه ما وجد.
ولكن النبي ﷺ سيد الدعاة أدرك حالها الخاصة، فلم يجد في نفسه عليها، بل لم يعاتبها مجرد عتاب على هذا التصرف.
وانظر -يا رعاك الله- إلى هذا الحدث مع رسول الله ﷺ ... وتأمل ما فيه من الحكمة في مخاطبة المدعو بما يناسب حاله.
جاء شاب إلى النبي ﷺ فقال: ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: ادنه فدنا منه قريباً، قال: فجلس، قال: "أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم" قال: "أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم" قال "أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم" قال: "أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم" قال: "أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: "ولا الناس
стр. 166
يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه، وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحَصِّن فَرْجَه" قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. (١)
لقد أدرك رسول الله ﷺ حالته الخاصة، فلقد كان يتصارع في نفس الشاب شهوة عارمة، وإيمان صادق، ولم ير الشاب -وقتئذ- حلاً لهذا الصراع، وَفَضَّاً لهذا النزاع .. إلا إذناً مؤقتاً من النبي ﷺ يتجاوز به حدود الشرع مؤقتا .. ثم يرجع إلى الشرع.
فتَقَدَّم إلى النبي ﷺ ليستأذنه بالزنى بكل صراحة، وأدرك النبي ﷺ حال الشاب، فلم يتوجه إليه بموعظة إيمانية، فضلاً عن أن يُعنِّفه أو يُوَبِّخه أو يطرده، لأن الشاب كان ممتلئاً إيماناً، ولولا ذلك لزنى دون إذن النبي ﷺ وعلمه، وما دفعه إلى الاستئذان إلا الإيمان. فراح النبي ﷺ يُذَكِّرُهُ بما في هذا العمل من مفسدة أخلاقية عظيمة .. تستبشعها الفطر السليمة، وتستقبحها النفوس العفيفة .. إذ أن المسألة ليست مسألة حرام فحسب ... بل فيها مفاسد أخرى، فكأن النبي ﷺ يقول له: إذا استأذنت لك من الله ... فكيف نحصل على الإذن من آباء المزني بهن، وإخوانهن، وأعمامهن، وأخوالهن .. وإذا أذنت لك بالزنى بقريبات هؤلاء .. فهل ترضى أن آذن لهم فيزنوا بقريباتك ...
ولما بدأ الشاب يشعر أن لا مجال للإذن، ولا سماح بالإثم .. سارع رسول الله ﷺ إلى تثبيته بدعاء، يثلج الصدور .. ويطمئن القلوب .. ويهدئ الأنفس ((اللهم اغفر ذنبه .. وطَهِّر قلبه .. وحَصِّن فَرْجَه)) (٢)
стр. 167
ولو ذهبنا نتتبع النصوص من الكتاب والسنة، في تقدير ظروف المدعوين، لطال بنا المقام، واللبيب يكفيه الإلمام.
стр. 168
المبحث السادس مراعاة حاجات المدعوين:
من الضروري للداعية الحكيم: أن يراعي حاجات الناس، من فقر، ومرض، ونكاح، وأن لا يتجاهلها، بل يكون قوي الملاحظة في ذلك مع المدعوين.
فقد خرج رسول الله ﷺ مرة، فإذا بأبي هريرة ﵁ في الطريق، وقد خرّ على وجهه من الجَهْد والجوع، فقال له: "يا أبا هر" فقلت: لبيك رسول الله وسعديك، فأخذ بيدي فأقامني. وعرف الذي بي، فانطلق بي إلى رحله، فأمر لي بعُسّ من لبن، فشربت منه، ثم قال: ((عد فاشرب يا أبا هريرة)). (١)
ومن أعظم الفوائد الدعوية في هذا الحدث:
تَفَطُّن رسول الله ﷺ إلى حال أبي هريرة، وعدم تجاهل حاجته ...
ومن بديع ما يذكر هنا: أن أحد الصحابة جامع زوجته في رمضان، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا .. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين .. ؟ قال: لا .. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا .. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بِعَرَقٍ فيها تمر ((والعَرَقُ: المِكْتَل)) قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟
стр. 169
فوالله ما بين لابتيها، -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه .. ثم قال: ((أطعمه أهلك)). (١)
فما أحوجنا إلى هذا الفقه العظيم .. وإلى تقدير ظروف المدعوين، إذ انقلب الذنب عليه -لصدقه ولحاله- نعمةً .. فهل من مدّكر.
ولما أدرك رسول الله ﷺ حاجة أحد الصحابة -ممن كان يخدمه- في الزواج قال له: ((يا ربيعة ألا تتزّوج؟ )) (٢).
وأشهر من هذا كله: أن النبي ﷺ كان يأمر الأئمة أن يخففوا من الصلاة، معللاً ذلك بقوله ﷺ : ((أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلّى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة)). (٣)
ولا شك أن غنى الفقير، وزواجَ الأعزب، وشِبَعَ الجائع، مطلبٌ عظيم، وحاجة ملحةٌ، لا ينبغي للداعية أن يغفل أو يتغافل عنها.
стр. 170
المبحث السابع مراعاة أحوال الناس العامة، وما اعتادوا عليه:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المقصود بأحوال الناس العامة:
أي ما هم عليه في دينهم وبلدهم وطريقة تعاملهم، وما اعتادوه في حياتهم، وورثوه من آبائهم.
فقد يكون قوم حديثو عهد بإسلام، اعتادوا محرماً -يعلمون أنه محرم أو لا يعلمون- لا يُمكنهم الانفصال عنه في عشية أو ضحاها.
وقد يكونون في ضعف واضطهاد، لا يمكنهم القيام بشعائر الإسلام كلها، أو يكونون في حال قوة واستقرار، أو حال علم ودين، أو حال جهل وفجور.
فلابد للداعية أن يكون بصيراً بواقع الناس، عالماً بأحكام هذا الواقع .. فكما أن لكل قوم حالاً .. فإن لكل حال حكاً ومقالاً.
المطلب الثاني: تقسيم عادات الناس إلى ثلاثة:
الأول: ما اعتادوه مما هو مُحرَّم، لكنه مما عمّ فيهم وطم، كاعتياد النساء السفور والاختلاط، وسماع المعازف وَشرب الدخان، وما شابه هذه المحرمات، كما هو الحال في بعض البلاد.
الثاني: ما اعتادوه مما سكت عنه الشرع، لا يحرمه ولا يوجبه، ومن ذلك؛ ما اعتادوه في أطعمتهم وألبستهم وولائمهم وأفراحهم، وأدويتهم، وطرق بنائهم، وما شابه ذلك.
стр. 171
القسم الثالث: ما اعتادوه من الأخلاق الفاضلة، مما حث عليه الشرع حثاً عاماً، دون تقييد أو تخصيص، كالكرم والمروءة، وإغاثة الملهوف، والتعاون في حاجات المجتمع، وما شابه ذلك.
ولا بد للداعية قبل أن يخوض غمار الدعوة إلى الله تعالى؛ أن يكون على إدراك واقعي، وعلم شرعي، وحكمة دعوية في هذه العادات، حتى يضع الأمور في مواضعها، وينزل الأحكام على وقائعها، وحتى لا يتعرض لِمَا يُوقِف دعوته، ويُعرقل مسيرته.
لأن التعرض لعادات الناس دون حكمة، مُفْضٍ في كثير من الأوقات إلى الفتنِ، واتهامِ الداعية، ومؤذنٌ بعزله عن المجتمع، وتوقفه عن دعوته.
ذلك لأن تخليَ الناس عن عاداتهم -ولو كانت محرمة- ليس بالأمر الهين، فمن الصعوبة بمكان أن يستجيبوا بموعظة أو موعظتين.
المطلب الثالث: أحكام هذه العادات:
فأما عادات الناس التي حث عليها الشرع، فيُثني الداعية على الناس فيها خيراً، ويُشجعهم على الاستمرار عليها، ويَذْكُر لهم ما فيها من الخير والنفع، وما يترتب عليها عند الله من الأجر والعطاء، كي يستمروا عليها، ولا يتخلوا عنها.
وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالثناء على العادات الحميدة، ولو فعلها الجاهلون.
стр. 172
قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاّ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ ... ﴾ الآية [آل عمران: ٧٤]
وقد أثنى النبي ﷺ على بعض أفعال الجاهلية، من ذلك: التحالف الذي كانوا يفعلونه على عمل الصالحات، كحلف المطيَّبين (١)، وحلف الفَضول (٢)، وقال ﷺ : ((شهدت حلف المطيَّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حُمْرَ النَّعَمِ، وأني أنكثه)) (٣).
والمقصود؛ جواز شكر غير المسلمين على مايفعلونه من أعمال خيرية.
وأما عاداتهم الدنيوية: التي سكت عنها الشرع، فلا يتعرض لها الداعية، من قريب أو بعيد، سلباً ولا إيجاباً.
فإن النبي ﷺ ، لَمَّا تعرض لعادتهم في تأبير النخل، أفادهم بعد ذلك: أنه رأيٌ رآه، وليس أمرًا دينيًا أمر به، فقال ﷺ : ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)). (٤)
وأما عاداتهم التي حرمها الشرع، واسْتَمْرَأَتْها أنفسهم، واعتادت عليها طباعهم، وانتشرت في مجتمعهم، فيراعي في النهي عنها ثلاث:
стр. 173
الأولى: عدم التعرض لها كلها دفعة واحدة، والبدء بالأهم، فالأهم -أي بالتدرج-.
فإذا رأى في المجتمع مثلا اختلاطاً وكشفاً لوجه المرأة، -وهو يرى عورة وجه المرأة-، فليس من الحكمة أن يبدأ بالأمرين.
وإنما يَختَار الأخطر، وهو الاختلاط، ويُؤَخِر الكلام عن كشف الوجه.
الثانية: أن يتعرض للعادة، دون التعرض لأصحابها، والحُكم عليهم.
ففي مثالنا السابق؛ يذكر خطورة الاختلاط وحرمته، وما يفضي إليه من مفاسد عظيمة، ويضرب أمثلة مطلقة غير معينة.
ولا يتعرض للمُختلطين بالحُكم عليهم، كأن يقول: المُختلطون ديوثون، أو فاسقون، أو قليلو مروءة .. إلى غير ذلك من الأوصاف والأحكام المنفِّرة، والتي تكون -أكثرَ الأحيان- غيرُ صحيحة.
الثالثة: أن يلتزم منهج التغيير الذي سنبينه لاحقاً.
ومن ذلك: اختلاف طريقة النهي عن المحرم الذي شاع بين الناس واعتادوه-، ومنهم من لا يعلم حرمته، أو غير مقتنع بها- اختلافها عن طريق النهي عن محرم يتعاطاه بعضهم، والناس له كارهون.
المطلب الرابع: مراعاة السنة لعادات الناس في التغيير:
تتجلى سيرة رسول الله ﷺ في هذا تجلياً واضحاً في كثير من عادات الجاهلية.
стр. 174
ومن ذلك؛ ما اعتاده الناس قبل الإسلام، من الزنى، والتمتع بالنساء، فحرم الإسلام الزنى، وسكت سكوتاً مؤقتاً عن متعة النساء .. ثم حرمها .. ثم أباحها في بعض الظروف الخاصة التي مرت بالمسلمين .. ثم حرمها إلى الأبد (١) ..
وهذا الأمر؛ وإن كان يدخل في باب التدرج بالمحرمات، ولكن لم يكن إلا تقديراً لظروف القوم الخاصة، وما اعتادوا عليه طوال حياتهم .. فمن الصعوبة بمكان أن يتخلوا عنه بسهولة، لذلك راعى الإسلام حالهم، ولم يتغافل عن ظرفهم.
وسيأتي تفصيل ذلك وأدلته في فصل (منهج الدعوة، مبحث التدرج).
وخلاصة هذا الباب: أن يراعي الداعية ظروفَ المدعوين، وأن لا يكن غافلاً عنها. فإن الدعوة إلى الله ليست دعوةً خاليةً، ولا مقالة نظريةً .. بل هي دعوةٌ عملية، وممارسةٌ واقعية، لا تغفل عن ظروف الناس، ولا عن أحوالهم .. بل هي تُعالج هذه الأحوالَ في إطار الشرعِ الُمطهَّر، تحت ظل الحكمة البالغة.
стр. 175
الفصل الثالث منهجية الدعوة
مما لا شك فيه أن للدعوة إلى الله تعالى، منهجيةً مبنيةً على أسس راسخة، وسبلاً بيّنة من الكتاب والسنة، واجبة الاتباع، لا تخضع لعواطف الناس، ولا تتأثر بأهوائهم، ولا تستجيب لاستخفافاتهم، بل هي منهجٌ مرسوم على بصيرة عظيمة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِىَ أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
وإن إغفال الالتزام بهذا المنهج، جرَّ على المسلمين مصائبَ مؤلمةً، وكوارثَ كبيرة، وتراجعاتٍ دعويةً مؤسفة.
وما سبق ذكره في هذا البحث، كان بياناً لصفات الداعية، ومراعاةً لأحوال المدعوين.
لكن؛ كيف تُعالج هذه الحالات معالجة منضبطة؟ وماهي ضوابط هذا المنهج؟ هذا هو الذي سيُتعرض إلى بعضه في هذا الفصل.
فما هو المنهج؟ .. وما المقصود منه .. ؟
المنهج: هو الأصول والقواعد الدعوية التي يجب على الداعية أن يراعيها في دعوته، لتحقيق الحكمة، لكي يوفق في مسيرته، وتثمر دعوته.
والمقصود من القواعد المنهجية: إرشادُ الداعية في طريقه، وضبطُ مسلكِه الدعوي، ومعالجةُ أحوال المدعوين، لإعطاء كل حال موقفها
стр. 176
وأسلوبها، ومنهجيتها الدعوية، وسنتناول هذا كله من خلال المباحث الثمانية التالية:
стр. 177
المبحث الأول الدعوة إلى الإيمان قبل الأعمال والأحكام:
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: معنى هذه القاعدة:
المقصود من هذه القاعدة؛ أن تُقَدَّم الدعوة إلى الإيمان، بمفاهيمه وأصوله، على الدعوة إلى العبادات والمعاملات، من حلال وحرام، في المأكولات، والملبوسات، وغيرها، وتطبيقُ هذه القاعدة هو الأصل في مقام الدعوة، وبخاصة لمن فقد الإيمان، أو حصل له فيه خلل أو ضعف، وليست هذه القاعدة مطردة في كل حال ولا في كل مقام وليس لها دور في مقام التعليم والفقه، وسيأتي تفصيل هذه الحالات.
المطلب الثاني: الحكمة من هذه القاعدة وثمرتها:
يَكْمُنُ سر هذه القاعدة؛ في أن الإيمان يدفع صاحبه إلى المسارعة إلى التصديق بالخبر .. ماضياً كان أو أُنُفاً، والامتثال للحكم صعباً كان أو سهلاً، والاستجابة للطلب فعلاً كان أو تركاً، والقيام به بسهولة، ويسر، ونشاط، وشوق.
ومن أهم ذلك؛ العقيدة والعبادة، فإنهما إذا بُنيتا على إيمان واحتساب، سُلِّم للعقيدة بكل قبول ويقين دون شك ولا تردد، وأديت العبادة برغبة وطمأنينة، دون تعنت ولا استثقال، بل وَجد المرء فيها راحته، وقرة عينه.
стр. 178
ومما هو معلوم؛ أن الإيمان يزيد وينقص، فكلما نقص الإيمان، استثقل صاحبه الأعمال، وأعرض عنها، وشق عليه ترك المحرمات، وكلما ازداد الإيمان، ازداد المدعو تسليماً للعقيدة، واستجابة للأحكام، وإقبالاً على الأعمال، واستسهل ذلك، بل استمتع به وتلذذ .. دون عناء كبير من الداعية في الدعوة لكل أمر، فإن الداعية إذا بنى دعوته على الإيمان، لم يجد تعنُّتاً من المدعوين في الاستجابة والتسليم ... كما يجده لو بدأ بالأعمال والأحكام قبل الإيمان.
ولذلك قال ﷺ : (( .... وجُعلت قرّة عيني في الصلاة)) (١).
لأنها بنيت على إيمان واحتساب، وتسليم ورغبة.
وكان ﷺ يقول لبلال -إذا حان وقت الصلاة-: ((أرحنا بها يا بلال)) (٢)، فانظر الفارق بين ((أرحنا بها))، وبين: ((أرحنا منها)) وهي لسان حال كثير من الكسالى في كل زمان.
فكل هذا ثمرة الإيمان قبل الأحكام.
وأما عندما تؤدى العبادة بلا إيمان، أو بإيمان ضعيف، فيستثقلها صاحبها، ويؤديها على كره، وبغير خشوع.
قال تعالى عن المنافقين: ﴿إِنّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوَا إِلَى الصّلاةِ قَامُوا كُسالىَ يُرَآءُونَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ
стр. 179
قَلِيلاً * مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَىَ هَؤُلآءِ وَلا إِلَى هَؤُلآءِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣]
وقال سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاقُوا رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]
أي: إن أداء الصلاة لثقيل، وإن فعلها لشاق، على الذين لا يؤمنون بها، ولا يخشعون فيها، وذلك لفقدان الإيمان بالعبادة المؤداة كما هو الحال عند المنافقين، أو لضعفه فيها عند المسلمين الكسالى.
علاوة على هذا؛ فإن الإيمان شرطٌ لقبول العمل، وزيادته تدفع صاحبها إلى الإقبال على العمل الصالح، والانتهاء عن العمل الفاسد بصدق، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤].
ولأجل ذلك كان رسول الله ﷺ يذكرهم بالإيمان في كل مناسبة، فمن ذلك قوله: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) (١)،
المطلب الثالث: مثل العبادة عند قوي الإيمان، وعند ضعيفه:
إن مثل الذي يؤدي العبادة عن كره وضعف إيمان، ومثل الذي يؤديها عن إيمان واحتساب، كمثل رجلين: رجل تزوج من لا يحب، ورجل تزوج ممن يحب.
стр. 180
فأما الأول: فلا يُقبِل على أهله إلا كُرْها، من غير رغبة ولا استمتاع، ولا يشعر بطمأنينة معها، وينتظر بفارغ الصبر مفارقتها، وإذا فارقها شعر براحة، وفارقها بغير حسرة، ولا تمنٍ في الرجوع إليها.
وأما الذي تزوج من يحب، فإنه يُقبِل على زوجته برغبة ولهفة، وشوق واستمتاع، ولا يحب فراقها، وإذا فارقها فارقها على كره وحسرة، وفي نفسه شوق للعود إليها.
وهكذا من أقبل على الطاعة، بإيمان مسبق، أقبل عليها بحب وشوق، وفارقها على كره .. ومن أقبل على الطاعة، بغير إيمان أو بضعف فيه، أقبل عليها على كره، وأداها بمشقة، وفارقها على فرح.
ويظهر هذا جليا في أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن تبعهم من الصالحين في خشوعهم في عباداتهم، وشوقهم لها، وقصصُ الصالحين في ذلك كثيرة، فمنهم من دخل في صلاة وأجري له عمليةٌ جراحية (١)، ومنهم: الذي هدم المسجد وهو يصلي ولم يشعر (٢) ومنهم .. ومنهم .. وكل ذلك بموجِب الإيمان القوي الذي سبق العبادة، فدفعهم إلى هذا ...
وكذلك يظهر جليا التقصير في المنافقين ومن تبعهم في أعمالهم ... وذلك لانعدام الإيمان أو لضعفه كما سبق بيانه.
المطلب الرابع: أدلة ((الإيمان قبل الأعمال والأحكام)) ودعوة الرسل: