← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأسلوبها، ومنهجيتها الدعوية، وسنتناول هذا كله من خلال المباحث الثمانية التالية:

стр. 177

المبحث الأول الدعوة إلى الإيمان قبل الأعمال والأحكام: وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: معنى هذه القاعدة: المقصود من هذه القاعدة؛ أن تُقَدَّم الدعوة إلى الإيمان، بمفاهيمه وأصوله، على الدعوة إلى العبادات والمعاملات، من حلال وحرام، في المأكولات، والملبوسات، وغيرها، وتطبيقُ هذه القاعدة هو الأصل في مقام الدعوة، وبخاصة لمن فقد الإيمان، أو حصل له فيه خلل أو ضعف، وليست هذه القاعدة مطردة في كل حال ولا في كل مقام وليس لها دور في مقام التعليم والفقه، وسيأتي تفصيل هذه الحالات. المطلب الثاني: الحكمة من هذه القاعدة وثمرتها: يَكْمُنُ سر هذه القاعدة؛ في أن الإيمان يدفع صاحبه إلى المسارعة إلى التصديق بالخبر .. ماضياً كان أو أُنُفاً، والامتثال للحكم صعباً كان أو سهلاً، والاستجابة للطلب فعلاً كان أو تركاً، والقيام به بسهولة، ويسر، ونشاط، وشوق. ومن أهم ذلك؛ العقيدة والعبادة، فإنهما إذا بُنيتا على إيمان واحتساب، سُلِّم للعقيدة بكل قبول ويقين دون شك ولا تردد، وأديت العبادة برغبة وطمأنينة، دون تعنت ولا استثقال، بل وَجد المرء فيها راحته، وقرة عينه.

стр. 178

ومما هو معلوم؛ أن الإيمان يزيد وينقص، فكلما نقص الإيمان، استثقل صاحبه الأعمال، وأعرض عنها، وشق عليه ترك المحرمات، وكلما ازداد الإيمان، ازداد المدعو تسليماً للعقيدة، واستجابة للأحكام، وإقبالاً على الأعمال، واستسهل ذلك، بل استمتع به وتلذذ .. دون عناء كبير من الداعية في الدعوة لكل أمر، فإن الداعية إذا بنى دعوته على الإيمان، لم يجد تعنُّتاً من المدعوين في الاستجابة والتسليم ... كما يجده لو بدأ بالأعمال والأحكام قبل الإيمان. ولذلك قال ﷺ : (( .... وجُعلت قرّة عيني في الصلاة)) (١). لأنها بنيت على إيمان واحتساب، وتسليم ورغبة. وكان ﷺ يقول لبلال -إذا حان وقت الصلاة-: ((أرحنا بها يا بلال)) (٢)، فانظر الفارق بين ((أرحنا بها))، وبين: ((أرحنا منها)) وهي لسان حال كثير من الكسالى في كل زمان. فكل هذا ثمرة الإيمان قبل الأحكام. وأما عندما تؤدى العبادة بلا إيمان، أو بإيمان ضعيف، فيستثقلها صاحبها، ويؤديها على كره، وبغير خشوع. قال تعالى عن المنافقين: ﴿إِنّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوَا إِلَى الصّلاةِ قَامُوا كُسالىَ يُرَآءُونَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ

стр. 179

قَلِيلاً * مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَىَ هَؤُلآءِ وَلا إِلَى هَؤُلآءِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣] وقال سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاقُوا رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦] أي: إن أداء الصلاة لثقيل، وإن فعلها لشاق، على الذين لا يؤمنون بها، ولا يخشعون فيها، وذلك لفقدان الإيمان بالعبادة المؤداة كما هو الحال عند المنافقين، أو لضعفه فيها عند المسلمين الكسالى. علاوة على هذا؛ فإن الإيمان شرطٌ لقبول العمل، وزيادته تدفع صاحبها إلى الإقبال على العمل الصالح، والانتهاء عن العمل الفاسد بصدق، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤]. ولأجل ذلك كان رسول الله ﷺ يذكرهم بالإيمان في كل مناسبة، فمن ذلك قوله: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) (١)، المطلب الثالث: مثل العبادة عند قوي الإيمان، وعند ضعيفه: إن مثل الذي يؤدي العبادة عن كره وضعف إيمان، ومثل الذي يؤديها عن إيمان واحتساب، كمثل رجلين: رجل تزوج من لا يحب، ورجل تزوج ممن يحب.

стр. 180

فأما الأول: فلا يُقبِل على أهله إلا كُرْها، من غير رغبة ولا استمتاع، ولا يشعر بطمأنينة معها، وينتظر بفارغ الصبر مفارقتها، وإذا فارقها شعر براحة، وفارقها بغير حسرة، ولا تمنٍ في الرجوع إليها. وأما الذي تزوج من يحب، فإنه يُقبِل على زوجته برغبة ولهفة، وشوق واستمتاع، ولا يحب فراقها، وإذا فارقها فارقها على كره وحسرة، وفي نفسه شوق للعود إليها. وهكذا من أقبل على الطاعة، بإيمان مسبق، أقبل عليها بحب وشوق، وفارقها على كره .. ومن أقبل على الطاعة، بغير إيمان أو بضعف فيه، أقبل عليها على كره، وأداها بمشقة، وفارقها على فرح. ويظهر هذا جليا في أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن تبعهم من الصالحين في خشوعهم في عباداتهم، وشوقهم لها، وقصصُ الصالحين في ذلك كثيرة، فمنهم من دخل في صلاة وأجري له عمليةٌ جراحية (١)، ومنهم: الذي هدم المسجد وهو يصلي ولم يشعر (٢) ومنهم .. ومنهم .. وكل ذلك بموجِب الإيمان القوي الذي سبق العبادة، فدفعهم إلى هذا ... وكذلك يظهر جليا التقصير في المنافقين ومن تبعهم في أعمالهم ... وذلك لانعدام الإيمان أو لضعفه كما سبق بيانه. المطلب الرابع: أدلة ((الإيمان قبل الأعمال والأحكام)) ودعوة الرسل:

стр. 181

سبق أن ذُكر: أن الإيمان يقذف في القلب حب الاستجابة، والمسارعة إلى الطاعة، والحلاوة في العبادة، واللذة في المناجاة .. لذلك أمر الله به قبل الأعمال، وكان سبحانه يُذكّر المؤمنين به قبل أمره ونهيه. قال تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِى نَزّلَ عَلَىَ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِىَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ الآية [النساء: ١٣٦]. فقدّم سبحانه الأمر بالإيمان على كل عمل. وقال تعالى: ﴿﴿قُل لّعِبَادِىَ الّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصّلاةَ .. ﴾ الآية [إبراهيم: ٣١]. أي: ما دمتم آمنتم، وبنيتم قواعد دينكم .. فابدؤوا بالأعمال، فإنها من لوازم إيمانكم. ومثل هذا كثير في القرآن الكريم، ومنه كل كلام لله فيه: ((يا أيها الذين آمنوا ... ))، فنداء المؤمنين بوصفهم، يثير في النفس كوامن هذا الوصف، وهو هاهنا، ((الإيمان)) الذي يدفع نحو الاستجابة لما بعد النداء، من أمر أو نهي .. ومثل ذلك قوله تعالى -بعد أن يأمر أو ينهى-: ﴿ .. ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ .. ﴾ الآية [التحريم: ٢]. فمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتأثر بموعظة، ولا يستجيب لطلب.

стр. 182

وهذا سر قول الكافرين لأنبيائهم: ﴿قَالُوا سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الْوَاعِظِينَ﴾. [الشعراء: ١٣٦] ولذلك كان الأنبياء يَدعُون إلى الإيمان قبل الأحكام، -ورأس الإيمان التوحيد- ويمكثون السنين الطوال في هذا .. وقد مكث رسول الله ﷺ في قومه ثلاث عشرة سنة، يدعو إلى الإيمان، ويُربِّي أتباعه على زيادته، دون أن يتعرض لمعظم الأحكام، أو ينهى عن معظم المحرمات، وكان بعض أصحابه يمارسون ماعُدّ بعد ذلك من الكبائر، كالخمر، والميسر وما شابه ذلك، ولم ينههم عنها، قبل أن يتوطن الإيمان في قلوبهم. فلما وقر الإيمان في القلوب، وذلت لبارئها النفوس، أمرهم بالعبادات .. ثم بين لهم أحكام المعاملات .. ونهاهم عن المحرمات. ولم ينزل تحريم الخمر إلا بعد ثلاث سنوات خَلَوْنَ من هجرته ﵊ إلى المدينة. ولما نزل تحريمه، سارع المسلمون إلى الاستجابة، لِمَا سبق فيهم من الإيمان. فعن أنس قال: كان لنا خمر غير فَضِيخِكُم هذا الذي تسمونه الفَضِيخ (١)، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وماذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلاس يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل. (٢)

стр. 183

وقصة نساء الأنصار حين نزول آية الحجاب مشهورة. فعن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأُول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ﴾ [النور: ٣١]، شققن مُرُوطَهُنَّ (١) فاختمرن بها)). (٢) وكل هذه الاستجابات، كانت لسبق الإيمان الأحكام، ولو أنهم أمروا باجتناب المحرمات قبل الإيمان لما أطاعوا. فقد قالت عائشة أم المؤمنين ﵂ .. : إنما نزل أول مانزل منه (أي القرآن) سورة من الُمفصَّل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ((بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر)).، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده .. (٣) قال: ((فأخرَجَتْ له المصحف فَأَمْلَتْ عليه آي السور)). فانظر إلى هذا التأصيل لهذه القاعدة من عائشة ﵂ .. ولما رأى ابن عمر ﵁ إعراض الناس عن الأحكام، وعدم العمل بالقرآن -رغم حفظهم له- علَّلَ ذلك بمخالفة مضمون هذه القاعدة، وأن الأحكام سبقت عند هؤلاء الإيمان، فلم يعملوا بالأحكام حق العمل، فقال ﵁: ((لقد عشنا بُرْهةً من دهرنا،

стр. 184

وأحدُنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وآمِرَهَا وزَاجِرَها، وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تَعَلَّمُونَ أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالاً يُؤتى أحدُهُم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ، ما يَدْرِي ما آمِرُه ولا زاجِرُه، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثُرُه نَثْرَ الدَّقَلِ)) (١) الحديث. قلت: كل هذا بسبب أن القرآن سبق الإيمان. المطلب الخامس: صور من تطبيق هذه القاعدة: إن لتطبيق هذه القاعدة حالاتٍ وصوراً خاصة بها من ذلك: الصورة الأولى: كون المدعو غير مؤمن .. فهذا يُدعى إلى الإيمان بالإجمال، ومقتضياته: من التوحيد والإذعان، والتسليم والانقياد، ويُدعى إلى أصول الإسلام العامة .. قبل دعوته إلى العبادات، وفرعيات الدين، والحلال والحرام. فإن استجاب؛ تُدرِّج معه في تبليغه الأحكام - كما سيُبيَّن في باب التدرّج - مع الاستمرار في الجرعات الإيمانية، ليزيد إيمانه. وليس من الحكمة في شيء دعوته أو مناقشته في بعض الأحكام الإسلامية، وبخاصة الفرعية منها؛ كحقوق المرأة، والحجاب، والإرث، وهو كافر بالأصل كله.

стр. 185

غير أنه يجوز ذلك حيناً على سبيل بيان محاسن الإسلام، كعدالة الإسلام في توزيع الإرث، واحترام المرأة، وفوائدِ بعض الواجبات كالحجاب، ومضارِ بعض المحرمات كالخمر، ولكن على سبيل الإجمال. الصورة الثانية: كون المدعو مسلماً، غير أن فيه جهلاً، وتقصيراً وعصياناً ، فأمثال هؤلاء يُدعون إلى زيادة الإيمان بالله ورسوله ﷺ ، والتفصيل في مقتضيات الإيمان، ولوازمه، من الاستجابة والتسليم، ويدعون بالترغيب والترهيب .. قبل أن يقال لأحدهم: هذا حرام، وهذا حلال، والمشكلة ليست في عدم علمه بذلك، - فهو يعلم ذلك- وإنما المشكلة في قلة إيمانه، وضعف استجابته، وإصلاح هذا لا يتم بمجرد إخباره عن حُكم يعلمه، بل لا بد من معالجة أسباب ذلك، وهي هاهنا ضعف الإيمان. المطلب السادس: قاعدة الإيمان قبل الأعمال والأحكام، لا تمنع تبليغ الحلال والحرام: إن تقرير هذه القاعدة في منهج الداعي، لا يعني: ألا يخبر الناس بالحلال والحرام، وإنما يعني: أن يقدم في مقام الدعوة الإيمان على التحريم والتحليل في مقام الدعوة. لأن الإيمان قاعدة الأعمال، كما هي الحال في قواعد البناء، إذ لا يمكن أن يُقام بناء إلا على قواعد، وكذلك في الإسلام، لاتقوم الأعمال

стр. 186

بلا إيمان، وإلا كان العامل منافقاً، وإن كان مؤمناً بلا أعمال كان مرجئاً. (١) والقاعدة؛ ليست مطردة في كل حال، ومع كل مدعو، فقد يكون من الحكمة مواكبةَ الإيمان بالأحكام، ويلزم أحياناً تقديم بيان بعض الأحكام إذا تعيّن ذلك، أو لزم تحذير المدعو مباشرة من المحرم الذي يتعاطاه. لكن القاعدة تقرر: أن الأصل في الدعوة البدء بدعوة الناس إلى الإيمان، والقناعة والتسليم، ثم بعد ذلك يُدعون إلى الأحكام. المطلب السابع: تطبيق هذه القاعدة على أهل العصر: نظراً لبعد العهد الذي بين زماننا وعهد النبوة. وما مر على الأمة من رزايا، وما دُسّ فيها من بلايا، وما حدث من التأثر بالآخرين، وما فُتح على الناس من الدنيا .. نظراً لهذا ولغيره .. فقد ضَعُفَ الإيمان في قلوب كثير من المسلمين، الأمر الذي دفعهم إلى استثقال العبادات، وصعوبة هجر المنكرات، وتخلى كثير من المسلمين عن التمسك بدينهم، بل عن أداء بعض الأركان، وتفشى في الأمة سراً وجهاراً العصيان، ورغم هذا

стр. 187

كله ما يزال وللأسف بعض العلماء والدعاة في مقام الأحكام .. يُصْدِرُون للناس وعلى الناس الأحكام، وكأنّ الناس على درجة من الإيمان توازي درجة الصحابة، بل وضعوا أنفسهم في مقام قضائي، كأنهم يعيشون في دنيا تختلف عن الدنيا التي يعيش فيها الآخرون. فَفَرّ الناس منهم وهم لا يشعرون، وهم مازالوا على منابر الأحكام، ومنصات القضاء يصولون ويجولون. فلعلّ هذا من أسرار جفاء الناس عن الطاعة، واستثقالهم العبادة، وعدم استجابتهم للأحكام. لذا بات من الضروري جداً؛ أن يعيد هؤلاء الدعاة النظر في هذا المسلك، وأن يعملوا بهذه القاعدة المنهجية ((الإيمان قبل الأعمال والأحكام)) حتى يقوى الإيمان، فيرجع الناس ليسمعوا الأحكام، ويعملوا بها. المطلب الثامن: سبل زيادة الإيمان: يُستحسن -قبل مغادرة هذه القاعدة- ذكرُ بعض سُبل زيادة الإيمان التي تُعين العبد على الإقبال على الرحمن، وأداء ما افترضه من الواجبات والأركان. والانتهاءِ عن العصيان، وتُسهِّل على الداعية الدعوة، وقبول المدعوين لها. ومن المعلوم من نصوص الكتاب والسنة، وما عليه أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص. قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الّذِينَ آمَنُوَا إِيمَاناً .. ﴾ الآية [المدثر: ٣١].

стр. 188

وقال تعالى: ﴿الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وكلما ازداد الإيمان، ازداد العبد صلاحاً وإقبالاً على ربه، وكلما نقص وضعُف، اقترب العبد من السوء، وأعرض عن ربه. من الوسائل التي تزيد الإيمان: - الأولى: التركيز على بيان صفات الله جميعها .. من العلم والسمع والبصر والحكمة و ... وبيان مقتضى الإيمان بها، وما يثمر من المحبة لله، والخشية منه، والوقوف عند حدوده، ومراقبته. قال تعالى: ﴿الرّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَللهِ الأسْمَآءُ الْحُسْنَىَ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ودعاء العبد بأسماء الله -وهو مؤمن بها، مدرك لمعناها- يَهَبُه لذة المناجاة، ويزيده قربة من ربه. -الوسيلة الثانية: تبيين مصالح الطاعة، ومفاسد المعصية العامة والخاصة، فإن مقتضى حكمة الله أن لكل حكم مصلحةً بالغة في طاعته، ومفسدةً عظيمة في مخالفته، ومن ذلك ما يُدْرك، ومنه ما لا يُدْرك: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. ولا يحل لمخلوق الخروج من شرع الله، سواءً أدرك الحكمة من ذلك أو لم يدرك، وسواءً حصّل مصلحته الظاهرة أو لم يحصّلها.

стр. 189

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. -الوسيلة الثالثة: الدعوة إلى محبة الله ، ومحبة رسوله ﷺ ، والرغبة في لقاء الله ، ولقاء رسوله ﷺ ، وذلك بذكر نعم الله على الإنسان، وفضل رسوله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبّاً للهِ .. ﴾ الآية [البقرة: ١٦٥]، وقال سبحانه: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ ... ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]. وقال ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما .. )) الحديث. (١) وقال ﷺ : ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه .. )) الحديث. (٢) - الوسيلة الرابعة: الدعوة إلى تأمل خلق الله بعامة، وخلق الإنسان بخاصة. قال تعالى: ﴿إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لايَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ * الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ... ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]

стр. 190

وقال تعالى: ﴿وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لّلْمُوقِنِينَ * وَفِيَ أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١] -وقال ﷺ : ((تفكروا في آلاء الله -وفي رواية: خلق الله-، ولا تتفكروا في الله)) (١). - الوسيلة الخامسة: استعمال أسلوب الترغيب والترهيب، وذلك بذكر جزاء المطيعين الصالحين، وجزاء المخالفين المفسدين. وهذا أسلوب القرآن الكريم في دعوته، وأسلوب الرسل، وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليهم وسلم جميعاً، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث الموازنة بين الترغيب والترهيب من منهجية الدعوة. - الوسيلة السادسة: الحث على أداء العبادات، فإن العبادات -بعامة، وبعضها بخاصة كقيام الليل- تزيد في الإيمان. قال تعالى في الحديث القدسي: ((وما تَقرَّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَسَاءَتَه)) (٢). -الوسيلة السابعة: تلاوة القرآن وسماعه والتفكر فيه وفهمه.

стр. 191

قال تعالى: ﴿إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] -الوسيلة الثامنة: مصاحبة الأخيار، ومجانبة الأشرار. ولربما كانت هذه الوسيلة من أهم الوسائل تأثيرا في الإنسان، في زيادة إيمانه أو نقصانه. وفضلاً عن النصوص من الكتاب والسنة التي تبيَّن هذا، فإن الشاهد الواقعي يؤكد تأثير الصحبة وبخاصة في مقتبل العمر .. وقد قال تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنّا كُنّا غَاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢]، وقال: ﴿وَمَآ أَضَلّنَآ إِلاّ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٩]. وقال ﷺ : ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل)). (١) - الوسيلة التاسعة: استحضار مصير الإنسان، وعدم الغفلة عنه، والتذكير باليوم الآخر، وما يكون فيه من مواقف ومآل، فهو من أعظم الواعظين، ومن أفضل سبل زيادة الإيمان، والناظر في كتاب الله يجد من هذا اللون الكثير، فكم مرة قرن الله الإيمان باليوم الآخر بنفسه سبحانه؟ ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ .. ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وكم مرة ختم الآيات بـ ((وإليّ المصير))، ((وإلى الله المصير))، وهكذا.

стр. 192

وقال ﷺ : ((أكثروا من ذكر هادم اللذات)) (١). وقال ابن مسعود: ((كفى بالموت واعظاً)) (٢). وللإيمان وسائل كثيرة لزيادته .. وهذه من أهمها. (٣)

стр. 193

المبحث الثاني التعليم والبلاغ، لا الحكم والحساب: وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: المقصود من هذه القاعدة المنهجية وأدلتها: إن المقصود من هذه القاعدة المنهجية: أن يتولى الداعية إبلاغ الناس وتعليمهم، قبل أن يحاسبهم ويصدر الأحكام عليهم، ثم يقوم بتنفيذها .. بلا ورع ولا رويّة. إن غاية الإسلام: هداية الناس، وتعليمهم، لا محاسبتهم والحكم عليهم وتنفيرهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرّسُلِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] وحتى حين إعراضهم عن الاستجابة، فإن مهمة الداعية لا تتجاوز التبليغ والتعليم. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاّ الْبَلاغُ .. ﴾ الآية [الشورى: ٤٨] وقال سبحانه: ﴿فَإِن تَولّيْتُمْ فَإِنّمَا عَلَىَ رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢]

стр. 194

وأصرح من هذا أن الوكالة على العباد ليست من شأن الدعاة قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ .. ﴾ الآية [الأنعام: ١٠٧] وقال: ﴿إِنّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنّاسِ بِالْحَقّ فَمَنِ اهْتَدَىَ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَإنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] بل أشد من هذا: أن رد الله تعالى أمر الوكالة لنفسه، فقال سبحانه: ﴿إِنّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] وقال سبحانه: ﴿فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] أي: أن مرجعَ الحكم، ومآلَ الفصلِ يرجع إلى الله تعالى. فالرسل والأنبياء والدعاة من بعدهم لم يُوكَّلوا على الناس، وإنما وُكِّلوا على دعوة الناس، وفرق كبير بين الأمرين. قال تعالى: ﴿وَالّذِينَ اتّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] وقال تعالى: ﴿إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىَ بِرَبّكَ وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٥] وحدود الدعوة: لا تتجاوز البشارة والنذارة، وما تتضمن من بلاغ وتعليم، وقد حصرها سبحانه في هذا. فقال تعالى محدداً مهمة الرسل في الدعوة: ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ مُبَشّراً وَنَذِيراً﴾ [الإسراء: ١٠٥/الفرقان: ٥٦]

стр. 195

ورغم صراحة هذه النصوص في تحديد مهمة الداعية، نجد كثيراً من الدعاة يظنون أنهم مسئولون عن البشر، إن لم يهتدوا، وعن محاسبتهم إن لم يستجيبوا، فراحوا يحكمون عليهم، وينفذون الحكم، رغم صراحة قوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] إن الباحث في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لن يجد نصاً واحداً يأمر كل مسلم بالحكم على العباد، بل النصوص تترى تأمره بالدعوة، وتحذره من الحكم، وأنه لله وحده. قال تعالى: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ومن أقوى ما يسجل في هذا الباب موعظة لكل داعية، وعبرة لكل من يتجاوز التعليم والبلاغ إلى الحكم على العباد. ما حكاه لنا ﷺ : ((كان رجلان في بني اسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً، فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً أو كنت على ما في يدي قادراً، وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار)) قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته (١).

стр. 196

إن هذا العقاب الرادع من الله لمخالفته منهج الدعوة إلى الله، وتنصيب الداعية نفسه مكان الله يصدر الأحكام؛ فهذا لا يدخل الجنة .. وهذا لا يغفر له .. وهذا .. ! ! فهل بعد عقوبة إحباط العمل من عقوبة؟ ! ؟ . إن غياب هذه القاعدة الشرعية عن كثير من الدعاة، جعلهم يتجاوزون حدود الدعوة إلى محاسبة العباد الحكم عليهم، تكفيراً وتفسيقاً .. تصنيفاً وتبديعاً .. بل وتقتيلاً، مما له عواقب سيئة في الدنيا والآخرة (١). وترى جُلَّ همه تتبع العثرات .. وتصيّد الهفوات .. ثم الفضح والتشهير ... ثم الحكم والتنفيذ ... المطلب الثاني: عمل الأنبياء بهذه القاعدة: تتجلى هذه القاعدة في منهج الأنبياء الذين لم تتجاوز طريقتهم الدعوية ما ذكرنا. فهذا نوح ﵊ مكث تلك المدة الطويلة، لا يتجاوز التبشير والإنذار، وتعليم من آمن واهتدى.

стр. 197

وهذا ﵊ لم يتجاوز مع فرعون، وقومه هذه الحدود، رغم ما توفر له من العدد والعدة، وخرج مع قومه سراً سرياً .. دون أن يُقيم الأحكام فيهم .. فهل كان جاهلاً بهذا؟ أم كان جباناً .. سبحانك؛ اللهم اهدنا إلى منهج الأنبياء. وأما رسولنا الكريم عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقد ضرب - كالعادة - المثل الذي يُحتذى، سواء كان مع المسلمين أو مع غيرهم .. فنجده بمكة لم يُنفِّذ حكماً واحداً على مسلم، أو غيره، لأن مقام مكة كان مقام دعوة، وليس مقام ولاية أو قضاء. ولما دخل مكة لعمرة القضاء لم يغير فيها شيئاً، ولم يحرك فيها ساكناً، ولم يُزِحْ صنماً من مكانه. وحتى في المدينة، وبعد أن تولى رسول الله ﷺ الخلافة والحكم والقضاء، نجد أثر هذه القاعدة في معاملته الدعوية مع أصحابه. وحديث الذي بال في المسجد مشهور، إذ قام الصحابة ليحكموا عليه، وينفذوا الحكم .. ولكن رسول الله ﷺ بعد أن نهاهم عن ذلك، أقبل عليه يعلمه ولا يوبخه، ويرشده ولا يحكم عليه، رغم ما فعل من وضع نجاسة في المسجد، وكشف عورة. (١) ولما تكلم معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة، أقبل رسول الله ﷺ عليه، يعلمه ويقول له: ((إن هذه الصلاة ... )) (٢). وليس المقصود؛ عدم الحكم على من لم يسلم بالكفر، ولا على

стр. 198

من لم يهتد بالضلال فهذا باب آخر. وبهذا يتبين أن الأصل في مهمة الدعاة البلاغ والتعليم، والإعراض عن والحكم والمحاسبة والتنفيذ. المطلب الثالث: تطبيق هذه القاعدة على أهل هذا العصر: خلال هذه القرون التي مرت على المسلمين بعُجَرِها وبُجَرِها، وقع جهل عظيم في المسلمين في عقيدتهم وعبادتهم وأحكام معاملاتهم، فوقعوا - لجهلهم- في الابتداع والشركيات، وغشيتهم المحرمات، وانحرفت بهم الأهواء. فهم الآن أحوج إلى التعليم من أي شيء آخر. وأما ما يفعله بعض الدعاة، من إصدار الأحكام على أعيان المسلمين الجهلة، بالكفر والشرك والابتداع، دون تعليمهم، وإقامة الحجة عليهم .. بدعوى أنهم في بلاد المسلمين، وأن وجودهم فيها يغني عن إقامة الحجة عليهم، فليس من الحكمة في شيء، وما درى هؤلاء الذين يحكمون على الناس: أن كثيراً من دعاتهم هم الذين جَهَّلوهم، وجعلوا لهم الشرك توحيداً، والبدعة عبادة. لذا كان لزاماً على الدعاة العمل بمقتضى هذه القاعدة؛ التعليم قبل الحكم: التي أقيم لها الدليل من الكتاب والسنة بما سبق ذكره. المطلب الرابع: مفاسد الخروج عن هذه القاعدة:

стр. 199

مما ينبغي أن يُعلم: أن في الخروج عن هذه القاعدة مفاسدَ عظيمة منها: - انشغال الداعية والناشئ عن التعلم والتعليم، بالحكم والقضاء، فلا يَتعلَّم ولا يُعلِّم. - الانشغال بالقيل والقال، والدخول في الردود، مما يزيده جهلاً على جهله، وقساوةَ قلبٍ، وجفاءَ طبعٍ، وبذاءةَ لسانٍ، ولم تنفعهم أحكامهم في هداية الناس شيئاً. - نفور المدعوين. مما لاشك فيه أن الحكم على الأعيان ينفرهم .. وأن تعليمهم ودعوتهم يجعلهم يُقبلون على الداعية والدعوة. -المحاسبة بين يدي الله على الحكم. من المعلوم -في دين الله- أن كل مَن يَصدر منه فعل أو قول سيحاسب عليه .. قال تعالى: ﴿مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وقال سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنّهُمْ مّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]. المطلب الخامس: بيان مهمة الداعية الأساسية . مما سبق يتبين أن مهمة الداعية الأساسية تتلخص في خمس عبارات. هي التبليغ لا الحكم .. والتصحيح لا التجريح .. والتعليم لا القضاء (التنفيذ) .. والدعوة لا المحاسبة .. والنصيحة لا الفضيحة.

стр. 200

هذه هي المحاور التي يجب على الداعية الاهتمام بها .. والإعراض عن مضاداتها. فإن مهمته الأساسية معرفة حال المدعو .. لا معرفة حكمه، كي يرتب أوراقه ويوجه خطابه. ولمّا لم يكن من مهمة الداعية الحكم على المدعوين، كان عليه إثم في حكمه، وكان ذلك أكبر إذا أخطأ. ﴿ ... فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. ومن أفضل ما يُسطر هاهنا -نصيحةً للدعاة- القواعد التالية: الأولى: إذا حكمْتَ سُئِلْتَ، وإذا تَعلّمتَ هُديتَ، وإذا دعوْتَ أجرتَ. أي: إذا حكمت -أيّ حكم- على أي إنسان، فسوف تُسأل بين يدي الله عن حُكمِك. وأما إذا تعلّمتَ فسوف تهتدي .. وإذا دعوتَ فسوف تُؤجر - بالشروط الدعوية - فشتَّان بين المساءلة بين يدي الله ، وبين الأجر العظيم. القاعدة الثانية: نُصحّح ولا نُجرّح. ينبغي على الداعية أن ينصب همه على تصحيح الأخطاء ومعالجتها .. لا على تجريح الأعيان والتشهير بهم .. وبخاصة إذا كانوا علماء عاملين، أو حكاماً مسلمين، فإن تجريحهم وإن أخطأوا مفض إلى مفاسد عظيمة، وفتن كبيرة، ومشغل عن الأساس (١). وليكن شعار الداعية:

стр. 201

نُبلّغ ولا نَحكُم .. نُصحّح ولا نُجرّح .. نُعلم ولا نَقضي (ننفذ) .. نَدعو ولا نُحاسب .. نَنصح ولا نَفضح .. وأمّا الحكم والتصنيف (١)، والتجريح والتشهير، فله أحكامه، وله رجاله من أهل العلم، وأولي الأمر. المطلب السادس: الحكمةُ من هذه القاعدة وخلاصتُها: تتجلى الحكمة في هذه القاعدة؛ أن المخطئ أو العاصي لا يعدو أن يكون أحد ثلاثة: إما مجتهد .. أو مؤمن زل به لسان أو قدم، وهو حسن النية، صحيح العقيدة، سليم المنهج .. وإما جاهل متكاسل. وإما قاسي القلب معاند. ودعوة هؤلاء كلهم لا تصلح بالحكم عليهم وفضحهم .. وتجريحهم والتشهير بهم. فأما المجتهد؛ فالتكلم فيه مهما كان خطؤه ظلم وعدوان، إلا إن كان اجتهاده مبناه مذهب، أو نحلة باطلة. وأما المخطئ فأمره معروف.

стр. 202

وأما الجاهل: فإن حكم عليه - وهو لا يعلم حكم ما يخالف فيه- كان الحكم ظلماً إذا لم يبين له، ولم يُعّلم. ثم إن الجاهل: إذا ما حُكم عليه - وهو لا يعلم- كان ذلك الحكم منفراً له عن الدعوة ... إذ يفاجأ بالحكم عليه بأنه كافر أو فاسق، أو مبتدع، وهو يظن أنه من المهتدين. وأما التبليغ والبيان، فيدفعه إلى الإنصات، ثم المعرفة، ثم الهداية إن شاءها الله له. وأما قاسي القلب المعاند: فإن الحكم عليه -في مقام الدعوة- لا يزيده إلا عناداً ونفوراً .. وأما التعليم فيفتح الله به قلبَه، والتبليغ يخفف من عناده .. فبهذا الواقع -فضلاً عما سُرد من الأدلة الشرعية- تتبين الحكمة البالغة من هذه القاعدة. فالحكم لا يزيل جهلاً، ولا يهدي ضالاً، والبلاغ والتعليم هما اللذان يزيلان الجهل، ويهديان الضال بإذن الله .. فهل من معتبر! ! ! والخلاصة: إن على الداعية أن ينشغل بالتعلم والتعليم، والدعوة والتبليغ عن الحكم على الناس ومحاسبتهم، أياً كان هذا الحكم بالكفر، أوالفسق، أوالتبديع. ففي التعلم والتعليم والدعوة كل خير، وفي الانشغال بالحكم والمحاسبة انحراف عن صراط الأنبياء في الدعوة إلى الله، والله المستعان. ومن الجدير ذكره هاهنا؛ أن هذه القاعدة لا تعني أن لا أحكام على الناس في الإسلام، وأن الرسل لم يحكموا على المخالفين لهم، بل

стр. 203

يوجد في الإسلام أحكام وقضاء وتنفيذ، ولكن المقصود؛ أن لا يبدأ الداعية بالحكم على العباد، وأن لا يكون شغله الشاغل، بل هذا ليس من مهمته، وليترك هذا للعلماء، والقضاة، وولاة الأمر، وينشغل بالبيان والتعليم، والدعوة والتبليغ، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 204

المبحث الثالث الدعوة إلى الأسس والتأصيل، قبل الفروع والتمثيل: وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: المقصود من هذه القاعدة المنهجية الدعوية: هذه هي القاعدة الثالثة من قواعد المنهج الدعوية، وهي قاعدة عظيمة النفع، كبيرة الأثر. والمقصود بالأسس: ثوابت الإيمان، وأصول الدين، وقواعده العامة، والمعاني الكلية لها: كتوحيد الربوبية والألوهية، وصفات الله بالإجمال، كما وردت في القرآن، ومعنى الشرك والعبادة، والسنة والاتباع والابتداع، وبيان مقتضيات هذه الأصول وأسسها، وشروطها ونواقضها، والمقصود بالتأصيل: تعليم الناس إياها وتربيتهم عليها حتى يكونوا مؤصلين على أسس ثابتة، وقواعد متينة. والمقصود بالفروع: فروع المسائل، ولو كانت في العقيدة، وحوادث الأعيان، وحكايات الأحوال، والخلافات الفقهية والعقدية بين أهل السنة، وما شابه ذلك (١) كرؤية الرسول ربه ليلة المعراج، هل هي رؤية

стр. 205

حقيقة أم منامية؟ والحكم على بعض الأمور من كونها سنة أو بدعة، كعدد صلاة التراويح، وصلاة التسابيح. والمقصود بالتمثيل: أحكام المسائل التي يفعلها المسلمون، وما يكون من تفريعات الأصول وتطبيقاتها. والمقصود بالقاعدة: أن يبدأ الداعية دعوته بأصول الدين، وقواعده العامة، قبل الدعوة إلى الفروع، وإصدار أحكام على التمثيل مما يفعله الناس، أو الدعوة إليهما، وهم لا يعلمون أصول الدين. كمن يثير فيهم مسألة أول الخلق .. أيهما كان العرش أم الكرسي؟ أو مسألة الملائكة أفضل أم البشر؟ ، وهم لا يعلمون معنى الشرك، ولا يعلمون كثيرًا من أحكام الأركان والواجبات. أو يلقي عليهم أحكام المسائل التي يخالفون فيها الشرع، وهم لا يعلمون معاني أصولها، كمن يحكم على المصافحة بعد الصلاة بالبدعة، وعلى قول بعض المسلمين لبعضهم (تقبل الله منكم) عقب الصلاة، وهم لا يعرفون ما معنى الابتداع! ! ولا خطورته ولا أدلته .. المطلب الثاني: أهمية هذه القاعدة وأدلتها .

стр. 206

تأتي أهمية هذه القاعدة من كون التأصيل أساساً للفروع والتمثيل، كأساس البيت للجدران والسقف .. وهل تقام الجدران؟ ويزين البيت؟ ويفرش الأثاث؟ من غير أساس؟ فسرعان ما ينهار. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ * تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] ومن الواضح في سيرة رسول الله ﷺ العلمية، أنه كان يعلم أصحابه الأصول، ويدعوهم إليها، قبل أن يعلمهم فروع المسائل. ففي باب (الشرك) أَصَّلَ رسول الله ﷺ أصلاً واضحاً، عندما سئل عن أعظم الذنب، فقال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) (١)، فقد أغنى هذا التعريف عن مجلدات. وفي باب (الابتداع)، أصل لهم رسول الله ﷺ أصلاً عظيماً، فقال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد)) (٢). فهذا التأصيل قبل أن يحكم على كل بدعة. ومن أجمل ما أَصَّله النبي ﷺ في باب (الشهادة)، عندما سئل عن الشهيد، فقال: ((مَنْ قاتل لتكون كلمةُ الله هي العُليا، فهو في سبيل الله)) (٣).

стр. 207

وأَصَّلَ لهم في باب (الخمر) أصلاً فقال: ((كل مُسْكر خمر، وكل خمر حرام)) (١). فمهما تنوعت طرق الصنع، واختلفت مادة المصنوع، فمرجعها إلى هذه القاعدة العظيمة. لما استوعب أصحاب النبي ﷺ الأصول في العقيدة والعبادات والمحرمات، سهل عليهم -بعد ذلك- الحكم على التمثيل، حيثما وجد، وكيفما جاء، وممن فعله. المطلب الثالث: ثمار التأصيل: يتبين مما سبق أن للتأصيل ثماراً منها: الأولى: يُصبح لدى المسلم مَلَكة فقهية في معرفة أحكام التمثيل، فمن علم تعريف البدعة، أدرك -بنفسه- بدعاً كثيرة دون الحاجة إلى زيادة بيان، وهكذا في كل تأصيل وتمثيل. الثانية: إنّ حُسن طرح التأصيل وبيانه، يُسهّل على الداعية -فيما بعد- الحكم على كثير من المسائل التي يفعلها المدعوون مما يخالف الشرع، ويصبحون أَفْضَلَ قبولاً لأحكام التمثيل إذا ما سمعوها. الثالثة: إن الدعوة إلى التأصيل لا تجد معارضة كما تجد الدعوة إلى التمثيل، إذ تجد معارضة شديدة من الناس، لذا كانت الدعوة إلى التأصيل أيسر للداعية، وأبعد عن الصدام والعرقلة.

стр. 208

الرابعة: إن الحكم على التمثيل لا ينتهي، ففي كل ساعة أحداث، وفي كل يوم بدع، ولكل قوم عادات، فلو أراد الدعاة أن يتتبعوا كل هذا في دعوتهم، لانشغلوا وأشغلوا. وأما الدعوة إلى التأصيل فهي: تَعلُّمٌ لأحكام التمثيل كلِّه، مما يوفر الوقت، ويدخر الجهد، ومن تعلم التأصيل سهل عليه الحكم على التمثيل، ولا عكس. المطلب الرابع: القاعدة وأهل هذا الزمان: إن الوضع اليوم يختلف اختلافاً كبيراً عما كان عليه الناس في عهد النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ ، لما كان يخبر الصحابة عن فعل أنه شرك .. أو أنه بدعة .. كان الصحابة يعلمون معنى الشرك وما حكمه .. ويعلمون ما معنى الابتداع وما حكمه .. ولا يحتاجون لأدلة على ذلك، لأن كلام النبي ﷺ هو دليل بذاته. وأما في زماننا، فلا الداعي هو النبي ﷺ ، ولا المدعوون هم الصحابة في العلم والتأصيل والفهم .. فهم يفارقون الصحابة في هذا الأمر بأمرين: الأول: أن معظمهم لا يفهم ما يقال له .. لأنهم فقدوا كثيراً من معاني الألفاظ الشرعية وأحكامها، كمعنى؛ الألوهية، والشرك، والابتداع .. مثلاً .. فهو يأتي الشرك .. في الوقت الذي يلعن المشركين. الثاني: إن فهموا ما يقال لهم ما استجابوا، لاعتقادهم عدَم صحة ما يلقى عليهم، وقد اعتادوا سنين على هذه البدع مثلا، فإذا بهم يُفاجأون

стр. 209

بمن يُبيِّن لهم مخالفة أعمالهم للشرع. فضلاً عن شكهم بالأدلة التي تلقى عليهم، أو بفهمها. يساعدهم على هذا علماء الضلال، ودعاة البدعة. وما لم ينتبه الداعية لهذا .. فسيزرع الفتن .. ويحصد الصدود. ومن هذا؛ يُعلم خطأ من ينهى - في زماننا - عن الشيء، والمدعوون لا يعلمون معناه، فلا هم -والحال هذه- فهموا التأصيل، ولا هم اقتنعوا بحكم التمثيل. كمن ينهى عن بعض الشركيات، ويحكم على الفاعل بالشرك، أو ينهى عن بدعة، ويحكم على الفاعل بالابتداع، والمدعوون لا يعلمون معنى الشرك ولا معنى الابتداع .. بل هم بشركهم هذا، وبدعتهم هذه، يظنون أنهم يتقربون إلى الله تعالى. بل إنّ هذا الفعل من الداعي سيزيد الناس نفوراً عنه .. والصواب: أن يبين الداعية معنى الأصل، الذي تتعلق به المسألة، التي يريد بيانها، أو النهي عنها، تمهيداً للكلام عن المسألة .. ونقلاً للمدعوين من مرحلة إلى أفضل. (١) المطلب الخامس: الأمور التي يجب أن يراعيها الداعية عند بيان التأصيل، ومفاسد الخروج عنها . ينبغي على الداعية أن يراعي في تطبيق هذه القاعدة الأمور التالية:

стр. 210

الأول: بساطة الطرح، وسهولة التعبير، مما يسهل على المدعوين فهمه، وذلك حتى يزال الجهل، وتُقام الحجة، وتحصل الاستجابة، لأن مسائل التأصيل قد صيغت - من قبل- صياغة صعبة الفهم على أهل عصرنا. الثاني: أن يركز على الاستدلال من الكتاب والسنة، مستشهداً على ذلك بأقوال أهل العلم من الأئمة، وليَحْذر من ذِكر الأدلة مجردة عن أقوال الأئمة، فيشكُ المدعوون في فهمه .. أو يذكر أقوال الأئمة دون الأدلة .. فلا يطمئنون لعلمه، لأن وَقْعَ النصوص عند العامة له تأثير بالغ في نفوسهم، ثم تأتي أقوال العلماء لتُطَمْئِن المدعوين إلى صحة فهم الداعي. الثالث: أن يبدأ بتوضيح الأصل، بإيراد أمثلة وقعت في العهد الأول في الإسلام، ثم بضرب أمثلة حدثت في العصور المتتابعة .. حتى إذا فهم المدعوون وأدركوا معنى التأصيل، ضرب لهم أمثلة من واقعهم، ولو بدأ بضرب الأمثلة من واقعهم لنفروا من ذلك. وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، وما أكثر مافي السنة من قصص ماضية. ((بَيْنَما رجل ممن كان قبلكم ... )) (١). فإذا كان المدعوون مبتلين بالابتداع مثلاً، وأراد أن يحدثهم عنه .. فبعد توضيح التأصيل، وبيان معنى الابتداع وخطورته، حتى إذا ما اطمأن الداعية إلى أن المدعوين فهموا ذلك وهضموه .. بعد هذا يضرب لهم أمثلة مما حدث في عهد رسول الله ﷺ .. كالنفر الثلاثة الذين حرم بعضهم على

стр. 211

نفسه النكاح، والنوم، وأوجب بعضهم على نفسه الصوم (١) حتى إذا شعر الداعي أن المدعوين عقلوا ذلك .. ضرب لهم أمثلة من واقعهم (٢). الرابع: أن لا يتعدى حكمه على الأقوال والأفعال إلى الحكم على الأعيان مادام داعية حتى لا يثيرهم ويمنعهم من الفهم والقبول.

стр. 212

الخامس: يجوز للداعية - بل يجب عليه أحياناً - إذا دعت المصلحة، وتعين الأمر، أن يبدأ بالتمثيل، ويبين حكمه، أو يواكبه بالتأصيل، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ولكن ينبغي أن يكون حكيماً حين الحكم على التمثيل. والقاعدة -هذه- إنما تقرر: الأصل، وطريقة الدعوة بعامة، إن إغفال العمل بهذه القاعدة من الدعاة دفع كثيراً من المدعوين إلى النفور، إما لعدم فهمهم، وإما لشكهم بالدعاة، ودفع آخرين إلى الحيرة في الأقوال المتعارضة، لأنه لم يتبين له التأصيل الذي يستطيع به الترجيح بين الأقوال. والناس في السّاحة الإسلامية - كما هو معلوم - متناقضون .. فهذا يقول عن فعل: إنه شرك، والآخر يقول - عن الفعل نفسه -: أنه جائز. وذاك يقول: عن فعل: إنه بدعة، والآخر يقول عن الفعل نفسه: سنة. فماذا يكون حال المدعوين غير المؤهلين - أعانهم الله - وإن الدعوة إلى التأصيل تضع حداً لهذا التناقض، وتبين الحق من هذه الخلافات، وتسهل للدعاة الدعوة، وللمدعوين الهداية، والله المستعان.

стр. 213

المبحث الرابع الموازنة بين الترهيب والترغيب: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المقصود من هذه القاعدة: جُبلت النفس البشرية على الخوف .. كما فطرت على الطمع .. لذلك كان من منهجية الدعوة إلى الله تعالى؛ أن يثير الداعية هذه الكوامن الفطرية .. ويجعلها تتفاعل مع خطابه الدعوي .. ومن المهم أن لا يغلِّب جانباً على جانب، بل من الخطير أن يفعل ذلك، بل على الداعية أن يوازن في دعوته بين ترهيب الناس وتخويفهم بالله، وبما يكون من عواقب ذنوبهم في الدنيا، وما عليها من العذاب الشديد في الآخرة، وبين ترغيبهم بما عند الله ، من الجزاء العظيم، والنعيم المقيم، وما يفتح الله لهم من الخير، والبركات، والنصر، والتمكين في الدنيا، مما يرغبهم للإقبال على الله، وطاعته، والتوبة إليه، ومحبته. ولا ينبغي للداعية أن يقتصر على جانب دون جانب، فإن بدأ بالترهيب فينبغي عليه أن يختمه بالترغيب، وإن عكس عكس. المطلب الثاني: منهج القرآن الكريم من هذه القاعدة: المتتبع لمنهج القرآن الكريم يجد هذا واضحاً من خلال آياته. فإذا ما ذكرت الجنة أتبعها الله سبحانه بذكر النار .. وإذا ما ذكر العذاب .. أتبعه بذكر الرحمة والنعيم، وقد يكون هذا في آيات متتالية وقد يكون في الآية الواحدة.

стр. 214

فمن ذلك على سبيل المثال: ما ذكره الله في سورة محمد ﷺ : ﴿مّثَلُ الْجَنّةِ الّتِى وُعِدَ الْمُتّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لّذّةٍ لّلشّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مّنْ عَسَلٍ مّصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]، فبعد هذا الترغيب الجميل، أعقبه بما يخوف النفوس، ويرعب القلوب، فقال: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا مَآءً حَمِيماً فَقَطّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ولما ذكر الله العذاب الشديد في سورة الحج بقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ فَالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ يُصَبّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلّمَآ أَرَادُوَا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢]. أعقب هذه الآيات الصارخة بالعذاب، والمرعبة للقلوب، بآيات تنطق بالنعيم المقيم، والاطمئنان العظيم برحمة الله ﴿إِنّ اللهَ يُدْخِلُ الّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] وإذا ذكر الله صفة من صفاته التي توحي بالرحمة، أتبعها بما يرهب من صفة أو عذاب. قال تعالى: ﴿نَبّئْ عِبَادِى أَنّى أَنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ * وَأَنّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾. [الحجر: ٤٩، ٥٠]

стр. 215

المطلب الثالث: منهج السنة الكريمة من هذه القاعدة: لقد كانت سيرة رسول الله ﷺ مع أصحابه كذلك، في الجمع بين الترغيب والترهيب. فعن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : ((عُرِضَت عليّ الجنّة والنّار آنفاً في عُرْض هذا الحائط .. )) الحديث (١). ومما قال ﷺ : ((ما من شيء تُوعدُونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرتُ مخافة أن يُصيبني من لفْحِها، وحتى رأيتُ فيها صاحب المحجن يجُرُّ قُصْبَه في النار، كان يَسرِقُ الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلّق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرّة التي ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت جوعاً، ثم جيء بالجنّة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيء تُوعدُونه إلا قد رأيتُه في صلاتي هذه)) (٢). ووعظ رسول الله أصحابه مرة، فرهبهم وخوفهم، فأمره الله أن يعود إليهم ويرغبهم (٣).
следующие страницы →