стр. 211
← Общие книги следующие страницы →
Общие книги · id 147603
منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر
عدنان العرعور
Полный текст (450 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 212
الخامس: يجوز للداعية - بل يجب عليه أحياناً - إذا دعت المصلحة، وتعين الأمر، أن يبدأ بالتمثيل، ويبين حكمه، أو يواكبه بالتأصيل، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ولكن ينبغي أن يكون حكيماً حين الحكم على التمثيل.
والقاعدة -هذه- إنما تقرر: الأصل، وطريقة الدعوة بعامة،
إن إغفال العمل بهذه القاعدة من الدعاة دفع كثيراً من المدعوين إلى النفور، إما لعدم فهمهم، وإما لشكهم بالدعاة، ودفع آخرين إلى الحيرة في الأقوال المتعارضة، لأنه لم يتبين له التأصيل الذي يستطيع به الترجيح بين الأقوال.
والناس في السّاحة الإسلامية - كما هو معلوم - متناقضون .. فهذا يقول عن فعل: إنه شرك، والآخر يقول - عن الفعل نفسه -: أنه جائز.
وذاك يقول: عن فعل: إنه بدعة، والآخر يقول عن الفعل نفسه: سنة.
فماذا يكون حال المدعوين غير المؤهلين - أعانهم الله -
وإن الدعوة إلى التأصيل تضع حداً لهذا التناقض، وتبين الحق من هذه الخلافات، وتسهل للدعاة الدعوة، وللمدعوين الهداية، والله المستعان.
стр. 213
المبحث الرابع الموازنة بين الترهيب والترغيب:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المقصود من هذه القاعدة:
جُبلت النفس البشرية على الخوف .. كما فطرت على الطمع .. لذلك كان من منهجية الدعوة إلى الله تعالى؛ أن يثير الداعية هذه الكوامن الفطرية .. ويجعلها تتفاعل مع خطابه الدعوي .. ومن المهم أن لا يغلِّب جانباً على جانب، بل من الخطير أن يفعل ذلك، بل على الداعية أن يوازن في دعوته بين ترهيب الناس وتخويفهم بالله، وبما يكون من عواقب ذنوبهم في الدنيا، وما عليها من العذاب الشديد في الآخرة، وبين ترغيبهم بما عند الله ، من الجزاء العظيم، والنعيم المقيم، وما يفتح الله لهم من الخير، والبركات، والنصر، والتمكين في الدنيا، مما يرغبهم للإقبال على الله، وطاعته، والتوبة إليه، ومحبته.
ولا ينبغي للداعية أن يقتصر على جانب دون جانب، فإن بدأ بالترهيب فينبغي عليه أن يختمه بالترغيب، وإن عكس عكس.
المطلب الثاني: منهج القرآن الكريم من هذه القاعدة:
المتتبع لمنهج القرآن الكريم يجد هذا واضحاً من خلال آياته.
فإذا ما ذكرت الجنة أتبعها الله سبحانه بذكر النار .. وإذا ما ذكر العذاب .. أتبعه بذكر الرحمة والنعيم، وقد يكون هذا في آيات متتالية وقد يكون في الآية الواحدة.
стр. 214
فمن ذلك على سبيل المثال: ما ذكره الله في سورة محمد ﷺ : ﴿مّثَلُ الْجَنّةِ الّتِى وُعِدَ الْمُتّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لّذّةٍ لّلشّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مّنْ عَسَلٍ مّصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]، فبعد هذا الترغيب الجميل، أعقبه بما يخوف النفوس، ويرعب القلوب، فقال: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا مَآءً حَمِيماً فَقَطّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]
ولما ذكر الله العذاب الشديد في سورة الحج بقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ فَالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ يُصَبّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلّمَآ أَرَادُوَا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢].
أعقب هذه الآيات الصارخة بالعذاب، والمرعبة للقلوب، بآيات تنطق بالنعيم المقيم، والاطمئنان العظيم برحمة الله ﴿إِنّ اللهَ يُدْخِلُ الّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]
وإذا ذكر الله صفة من صفاته التي توحي بالرحمة، أتبعها بما يرهب من صفة أو عذاب.
قال تعالى: ﴿نَبّئْ عِبَادِى أَنّى أَنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ * وَأَنّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾. [الحجر: ٤٩، ٥٠]
стр. 215
المطلب الثالث: منهج السنة الكريمة من هذه القاعدة:
لقد كانت سيرة رسول الله ﷺ مع أصحابه كذلك، في الجمع بين الترغيب والترهيب.
فعن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : ((عُرِضَت عليّ الجنّة والنّار آنفاً في عُرْض هذا الحائط .. )) الحديث (١).
ومما قال ﷺ : ((ما من شيء تُوعدُونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرتُ مخافة أن يُصيبني من لفْحِها، وحتى رأيتُ فيها صاحب المحجن يجُرُّ قُصْبَه في النار، كان يَسرِقُ الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلّق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرّة التي ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت جوعاً، ثم جيء بالجنّة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شيء تُوعدُونه إلا قد رأيتُه في صلاتي هذه)) (٢).
ووعظ رسول الله أصحابه مرة، فرهبهم وخوفهم، فأمره الله أن يعود إليهم ويرغبهم (٣).
стр. 216
المطلب الرابع: الحكمة من الموازنة بين الترغيب والترهيب:
ويكمُن سر هذه الموازنة في النفس البشرية، التي طبعت في آن واحد على الخوف والتأثر بالترهيب من جهة، والطمع والاستجابة للترغيب من جهة أخرى، فاتباع هذه القاعدة؛ فيه معالجة عميقة للنفس البشرية في هذا الجانب ..
فإذا أذنب العبد خاف من عذاب الله فراجع نفسه، ثم نظر إلى المخرج .. فإذا رأى باب التوبة مفتوحاً، توجه إلى ربه، وتاب من ذنبه.
والصالح؛ إذا سمع الترهيب حذر من العصيان، وإذا سمع الترغيب ازداد طاعة وطمعاً بما عند الله من النعيم والجنان، وبهذا تتوازن النفس البشرية.
فانظر في باب الترهيب -على سبيل المثال- قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]
وانظر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فى النّارِ عَلَىَ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨].
стр. 217
ولو اقتصر الداعية على هذا الصنف من الآيات من منهج الترهيب ليأس المدعوون، واليأس باب من أبواب الشيطان، يدفع الناس إلى التمادي في الفسوق، أو القنوط من رحمة الله .. ثم النّفور من الداعية والدعوة، وفي كلٍ شر مستطير.
قال تعالى: ﴿إِنّهُ لا يَيْأَسُ مِن رّوْحِ اللهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]
وانظر في الترغيب قوله تعالى: ﴿قُلْ ياعِبَادِيىَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رّحْمَةِ اللهِ .. ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]
وقوله: ﴿إِلاّ مَن تَابَ وءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ اللهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رّحِيماً﴾ [الفرقان: ٧٠]
ولو اقتصر الداعية على منهج الترغيب، لتواكل المدعوون على الرحمة، وقلّ خوفهم من العذاب، وتمادوا في العصيان، وعزفوا عن التوبة، وأصروا على مافعلوا، وفي هذا من الخطر العظيم ما لا يخفى.
قال تعالى: ﴿وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرّوا عَلَىَ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]
لذلك كان من الحكمة الجمع بين الترغيب والترهيب. والموازنة بينهما، تجعل العبد يعيش بين الخوف والرجاء، فإذا عاش المرء هذه الحال لم ييأس من رحمة الله، ولا تواكل عليها، فيستقيم حاله.
خلاصة القاعدة:
стр. 218
إنّ على الداعية أن يوازن في دعوته بين الترغيب والترهيب، وأن لا يركز على جانب دون آخر.
وإنّ غياب هذه القاعدة من منهج الداعية يدفع الناس إلى اليأس، أو النّفور، أو إلى الطمع والتواكل، وفي كل خلل، والله الموفق لكل خير.
стр. 219
المبحث الخامس مخاطبة الناس بما هو من شأنهم، وبما يناسبهم وينفعهم، وبما يقدرون عليه:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المقصود من هذه القاعدة:
هذا المبحث مشترك بين المنهجية، وبين مراعاة أحوال المخاطبين، الذي سبق في الفصل السابق، ونذكر هاهنا شيئاً من التفصيل بما يتناسب والمنهج، وإن حصل تكرار .. فللفائدة والاعتبار.
فإنّ من أعظم منهجية الدعوة إلى الله، أن يراعى فيها مخاطبة الناس حسب ما يلي:
الأولى: أن يخاطبوا بما هو من شأنهم.
على الداعية قبل أن يدعو الناس، أن يحدّد حاجتهم، وما هو من شأنهم، ثم يخاطبهم به.
فإنّ لكل مدعو أو مدعوين حاجتهم الدينية، فمنهم من يحتاج إلى توضيح في العقيدة، ومنهم من يحتاج إلى بيان في العبادات، ومنهم من يحتاج إلى أحكام في المعاملات، ومنهم من يحتاج إلى وعظ وإرشاد و ... وهكذا.
وليس من الحكمة في شيء، أن يُخاطَب الناسُ بما لا يحتاجون إليه، وبما ليس من شأنهم، كمن يزج الناس في القضايا السياسية، وهم لا يعرفون عقيدة، ولا يُحسنون عبادة.
стр. 220
أو يقحمهم في شؤون الولاية، وسياسة الدولة، وهم أضعف من إصلاح شؤونهم الخاصة .. فهل من شأن العامة تقرير شؤون الدولة .. وسياستها العامة والخارجية .. مثلاً؟
وهل من شأن العامة أن تقوم بما يسمى اليوم بـ ((المعارضة)) في وجه الحكومة المسلمة؟ ! ؟ تحدث فتناً، وتنشر فوضى. (١)
إن هذا من شأن السلطان، وأهل الحل والعقد، وليس من شأن كل من هب ودب.
فشأن المدعوين من الكفار؛ دعوتُهم إلى الهداية والإيمان .. وشأن العصاة من المسلمين دعوتهم إلى التوبة .. وشأن من يقع في الشرك دعوتهم إلى تصحيح العقيدة، وإخلاص التوحيد .. وشأن من لا يحسن العبادات تعليمهم إياها .. وشأن الشعوب التي تحررت من نير الكفر بيان أصول الإيمان، وأركان الإسلام لها .. وشأن العقلانيين والعلمانيين دعوتهم إلى مميزات الإسلام، من الشمول والكمال .. ومبادئه من التسليم لأخبار الله، والإذعان لأحكامه .. وشأن المبتدعة بيان أهمية الاتباع، وخطورة الابتداع .. وهكذا شأن الداعية الحكيم، ينظر إلى حاجات المدعوين ويلبيها بدعوته وحكمته.
المطلب الثاني: مخاطبة الناس بما يناسب مستواهم العقلي والثقافي والعلمي .
стр. 221
من المعلوم: أن لكل مدعو مستوى عقلياً وعلمياً، ويشترك الناس بعامة في بعض البيئات بمستوى متقارب، في العلم والتفكير، فعلى الداعية أن يراعي هذه المستويات، ويخاطبهم بما يناسبها.
فمثلاً؛ لا ينبغي له أن يتكلم في عامة أهل المسجد عن قضايا الذرة تفصيلاً، بدعوى وجود الإشارة إلى هذا العلم في القرآن، أو يتكلم معهم في العقلانيات والفلسفة وعلم الكلام، أو يحدثهم قي قضايا علمية رفيعة المستوى، لا يفهمونها، كمسألة هل الاسم هو المسمى؟ ، وهل العدد هو المعدود؟ أو كالخلاف بين العلماء في بعض قضايا العقيدة، أو في دقائق مسائل البيوع، أو في صور من صور النكاح ... وما يلقى في بعض الإذاعات من مثل هذا يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه يتجافى والحكمة تجافياً كبيرًا.
بل يخاطبهم وما يتناسب مع جميع الحضور والمستمعين، فيشرح لهم الآيات الأم، والشاملة (١)،
أو يعلّق على القصص القرآنية، أو يشرح لهم الأحاديث النبوية الجامعة، أو يبيّن لهم الأحكام الكلية، حتى يتناسب خطابه والجميع.
стр. 222
المطلب الثالث: مخاطبة الناس بما ينفعهم، وبما يقدرون عليه، وبما هو واجب عليهم:
المقصود من هذا المبحث: أن يُخاطب المسلمون بما ينفعهم، وبما يقدرون على فعله، وبما أوجبه الله عليهم.
ولا يخاطبون بما لا ينفعهم في دين أو دنيا، ولا بما يعجزون عن فعله، كأن يفصل لهم في أحكام الإماء، أو يخوض معهم فيما حدث بين الصحابة، ومن بعدهم من خلاف واقتتال، مثيراً بذلك الفتن.
أو يقحمهم في الحكم على الأعيان السابقين أو اللاحقين، كالحكم في خلاف علي مع معاوية ﵄، والحكم على الحجاج أو يزيد بن معاوية، وما شابه هذه المسائل.
أو يُفصِّل لهم ما فعله بعض السلاطين وغيرهم من السابقين أو اللاحقين، مما لا يترتب عليه عقيدة ولا علم ولا عمل.
أو يثير فيهم فتناً نائمة، كفتنة خلق القرآن، وحوادث لا أول لها.
أو يطرح عليهم شُبه الفِرَق الضالة، ثم يحاول الرد عليها، وقد اندثرت هي وأصحابها.
المطلب الرابع: التفصيل في معالجة أحوال المسلمين، والإجمال بما يفعله الكافرون .
من أعظم توفيق الله للداعية؛ أن يتوجه لإصلاح شأن المسلمين، ومعالجة أمراضهم، بوضع دواء لكل داء بالتفصيل.
стр. 223
وإذا ما احتاج الداعية إلى الكلام عن الكافرين وخططهم، وما يكيدون بالمسلمين، فعليه الإيجاز والإجمال.
وهذه هي الوسطية التي عليها منهج القرآن والسنة، فلا تفصيل في شأن الكافرين، ولا تعليق لكل ما يحصل بالمسلمين بأعدائهم، ولا إغفال لكيدهم.
إن إغفال الكلام عما يفعله الكافرون ويخططون له مخالف لمنهج القرآن، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الايَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].
وقد ذكر لنا الله في كتابه عن كيد الكافرين وأفعالهم، لكن ذلك كان بالإجمال.
قال تعالى: ﴿إِنّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾. [الطارق: ١٥ - ١٧]
وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾. [النساء: ٢٧]
وقال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لا يَرْضَىَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء: ١٠٨]
فهذه النصوص وأمثالها، تحدثت عن الأعداء وعن كيدهم، ولكن دونما تفصيل ولا تخويف، مع التعقيب على ذلك، بالعلاج الرباني، بتقوى الله والصبر ولوازمهما.
стр. 224
خطورة الإسهاب والتفصيل عن العدو:
إن الإسهاب والتفصيل بما يكيده الأعداء، له خطورته على المسلمين، ذلك لأن المسلمين ضعفاءُ في إيمانهم، جاهلون بدينهم، ليس لديهم من الحصانة الإيمانية، والمناعة التوكلية، ما يقيهم شرور عدوهم، وليس لديهم من القوة المادية مايؤهلهم للصمود المعنوي في وجه أعدائهم، مما يزيدهم التفصيل وهناً على وهن.
إذ أنّ لسان حال كثير من المسلمين يقول: أنّى لنا الانتصار على الأعداء، ونحن بهذا الضعف، وهم بهذه القوة الهائلة؟ .
لذلك كان من الواجب على الداعية - لرد كيد الأعداء - أن يبدأ بإصلاح حال المسلمين، وأن يسعى لتأهيل المسلمين معنوياً، بإصلاح أحوالهم، وتقوية إيمانهم، ومعالجة أدوائهم، وتثبيت توكلهم على الله ، وتوحيد كلمتهم، ورص صفوفهم.
فهذا هو الذي ينفعهم ويثبتهم، ويمكّنهم في أرضهم، وينصرهم على عدوهم، وهذه هي عوامل النصر الحقيقية، ولو كان الأعداء على ما كانوا عليه من القوة.
وقد حذر الله من هذا، وذلك حين انهزم المسلمون في أحد، فراح رسول الله ﷺ يقنت في صلاته على الكافرين ويلعنهم، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ .. ﴾ الآية (١) [آل عمران: ١٢٨]
فكف رسول الله ﷺ عن القنوت عليهم.
стр. 225
لأن تعليق ما يصيب المسلمين من كوارث بعدوهم فحسب، له خطورته الكبيرة على تفكير المسلمين، فضلاً عن مخالفته لهدي القرآن الكريم في أن ما يصيب المسلمين إنما هو بما كسبت أيديهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
الشتم لا يصد عدواً ولا يعالج مسلماً:
وبعض الدعاة يلجأ إلى الشتم واللعن والصراخ، ظناً منه أن هذا يحمل المسلمين على التصدي للعدو، أو يردع العدو، غافلاً عن أن هذا لا ينكأ عدواً، ولا يصلح مسلماً.
والخلاصة: أن هذه قضية منهجية جديرة بالتأمل والتبني من قبل الدعاة، وتتلخص هذه المنهجية بما يلي:
الأولى: الاهتمام بالمسلم قبل لقاء العدو تربية وإعداداً، وبعد لقائه ـ ـ ــ إن انتصر المسلم ــ شكراً لله وعرفاناً، وإن لم ينتصر .. فموعظة واعتباراً ومراجعة للنفس وإصلاحاً.
الثانية: تعليق كل ما يحصل بالمسلم من كوارث كونية، أو هزائم، أو مصائب، بنفسه وذنبه.
الثالثة: عدم تبرئة الكافرين من الخبث والكيد، والكلام عن هذا على سبيل الإجمال.
стр. 226
لأن معالجة أوضاع المسلمين، ورد كيد أعدائهم، لا يكون باللعن والسب، والتهويل وحكاية ماهم عليه، من الكيد والمكر والقوة، وإغفال إصلاح المسلمين ومداواة عللهم .. إن هذا ليس من منهج الدعوة إلى الله في شيء، بل هو يوهن عزائم المسلمين، ويثبط هممهم.
ومنهج الدعوة يهدف إلى بناء الفرد على الإيمان، والتوكل الصادق على الرحمن، بالتزكية والعلم، مع جواز الإشارة إلى أعمال الكافرين، وكيدهم والتحذير من ذلك بالإجمال، على مبدأ هذه القاعدة المذكورة: يفصل في معالجة أحوال المسلمين، ويُجمل في بيان كيد الكافرين.
стр. 227
المبحث السادس جواز المداراة في الدعوة إلى الله، وحرمة المداهنة:
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المقصود من المداراة والمداهنة .
مما لا شك فيه: أن الداعية سيتعرض إلى حالات محرجة، ومواقف صعبة، يحتاج فيها إلى حسن تصرف، وموازنة بين المصالح والمفاسد، ونظر ثاقب في عواقب الأمور.
لأجل هذا شرع الله المداراة، وحرم في الوقت نفسه المداهنة.
والمداراة: هي التلطف بالمخطئ، وعدم مصارحته أو مفاجأته بحكم عمله، أو قوله، أو بالحكم عليه رجاء هدايته.
أو: هي جواز تأخير البيان من أجل التغيير، انتظار فرصة أفضل، إذا لم يترتب على التأخير مفسدةٌ أعظم. (١)
أو: هي تأخير بيان الحق دفعاً لمفسدة أكبر، أو طلباً لمصلحة شرعية أعظم، دون أن يتضمن هذا السكوت تأييداً لباطل، أو إبطالاً لحق، مع إنكار القلب في هذا كله، والعزم على الإنكار حين الاستطاعة، حسب المستطاع.
وهذا مما أباحه الإسلام، ومن الأدلة على ذلك ماروته عائشة ﵂: أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: ((بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة)) فلما جلس تطلّق النبي ﷺ في وجهه وانبسط
стр. 228
إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل، قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ياعائشة متى عهدتني فحّاشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شرّه)) (١).
والمداهنة: هي قول الباطل، مسايرةً لقائلهِ أو فاعله، أو المشاركةُ فيه مصانعةً لأهله، أو السكوتُ عنه مع القدرة على القول أو الفعل، أو الامتناع عن قول الحق مع القدرة عليه، لمصلحة غير شرعية، شخصية كانت أو غيرها (٢).
وقيل: المداهنة: إظهار خلاف ما يبطن، مسايرةً لأهل الباطل (٣).
وقيل: هي كتمان الحق في مقام يجب بيانه (٤).
وهذا مما حرمته الشريعة، وشنعت على فاعله، وجعلته كبيرةً من الكبائر، قال تعالى: ﴿وَدّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩].
وقال سبحانه: ﴿إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَىَ مِن بَعْدِ مَا بَيّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]
وقال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ... ﴾ [آل عمران: ١٨٧]
стр. 229
وقال ﷺ : (( .. وتجدون من شرار الناس: ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه ... )) (١).
وقال ﷺ : ((من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار .. )) (٢)
والخلاصة من هذه القاعدة:
أن يكون لدى الداعية منهج واضح، في معالجة المواقف الحرجة، وموازنةٌ بين المصالح والمفاسد في الدعوة إلى الله، وما يلحق الداعية من أذى، وما يترتب عليه من إثم الكتمان والخروج من المآزق مخرجاً شرعياً، كحل مؤقت، لموقف معين، وهو هاهنا المداراة، وحتى لا ينزلق في المداهنة التي تفقد الثقة به، وتعطل دعوته، فضلاً عن حسابه عند ربه.
المطلب الثاني: موقف الدعاة في هذا الباب والوسطية:
الدعاة في هذا الباب - باب المدارة والمداهنة- بين: إفراط وتفريط واعتدال.
فمنهم؛ من فتح باب المداهنة على مصراعيه، فباع الحق بثمن بخس، طلباً لرضى الناس، أو لمتاعٍ دنيوي زائل، فسقط في غضب الله، وأبطل عمله، فحُرم التوفيق، وخسر الأجر.
стр. 230
ومنهم؛ من فقد الفقه- فقه الدعوة إلى الله- وظن أن المداراة مداهنة، وأن كل تلطف، أو كلمة طيبة، أو خلق حسن مع العاصي أو المخالف، هو مداهنة، ويرى أن كل سكوت مؤقت عن الخطأ - بغية إصلاح ما هو أعظم، أو انتظار فرصة أفضل، أو التدرج مع المدعوين تمييع، ومداهنة.
وهؤلاء؛ فقدوا الحكمة، وخالفوا الشرع، فغلظت قلوبهم، وساءت أخلاقهم، وقست عباراتهم مع الناس، فنفروا العباد، وأساءوا إلى الدين، وضيعوا كثيراً من المصالح، وجلبوا كثيراً من المفاسد عليهم، وعلى الدعوة، ولم يكتفوا بذلك، بل عابوا على غيرهم حكمتهم، واتهموهم بـ (المداهنة) والـ (التلون) لتلطف فعلوه، أو لكلام طيب مع العاصي أو المخالف أظهروه، أو لبيان حق لمصلحة شرعية أخروه، واحتجوا بعموم النهي عن ذي الوجهين، وبعموم الأمر بالصدع بالحق، متغافلين عما أمر الله به من الحكمة، وما كان من سيرة رسول الله ﷺ في مثل هذه المواقف .. من الرفق والكلام الطيب .. وتأخير البيان لمصلحة جلية، وما شابه ذلك، وقد سبق من الأدلة على هذا مما يغني عن تكراره.
المطلب الثالث: عواقب غياب هذه القاعدة:
إن عواقب إهمال هذه القاعدة من قاموس الداعية، جر على المداهنين ضياع دينهم، وفقدان ثقة الناس، وعدم مبالاتهم بهم، فضلاً عما ينتظرهم من حساب ربهم.
стр. 231
كما أن غياب هذه القاعدة من قاموس الجُفاة، جر على الدعاة سوء السمعة، وتشويه الدين عند الجهلاء، ونفور الناس، ظناً منهم أن فعل هؤلاء الدعاة من الدين، فضلاً عما أحدثوه من تراجعات شديدة في سير الدعوة إلى الله.
والله المستعان على الاعتدال.
стр. 232
المبحث السابع في التدرج، وفقه الأولويات:
وفيه تسعة مطالب:
المطلب الأول: المقصود بالتدرج وفقه الأولويات:
لا تنفصل قضايا الدعوة واحدة عن الأخرى انفصالاً تاماً، فإن مسألة التدرج في المأمورات والنهي عن المحرمات من باب فقه الأولويات، ومن باب مراعاة حال المدعوين كذلك، ولكن التدرج يفارقهما في مراعاة حال المدعو إيمانياً، ونفسياً، وواقعياً، من حيث المادة العلمية نفسها.
فمن الضروري جداً؛ أن يكون لدى الداعية منهجٌ واضح في قضية التدرج مع المدعوين، وفقهٌ في الأولويات التي ينبغي للداعية أن يقدمها ويراعيها، كي تؤدى الدعوة إلى الله على وجهها الصحيح، ولتتناسب وفطر الناس التي فطرهم الله عليها، ولكي يوفق إلى اختيار الأهم فالأهم، إذا ما تزاحمت لديه الأمور، واجتمعت عليه في آن واحد القضايا.
فالتقعيد في هذا الباب، والفقه فيه، يعطي الداعية تصرفاً سليماً في المواقف، وترتيباً لأولويات دعوته، مما يحفظ عليه وقته وجهده، فينتفع وينفع، ويزرع .. فيثمر .. وإلا تخبط في دعوته، فيَضيع ويُضيّع .. ويزرع .. فلا يثمر ..
والمقصود بالتدرج: الانتقال بالمدعو من الأسهل إلى الأصعب، ومن كلية إلى أخرى، ومن الكليات إلى الجزئيات، ومن الدعوة النظرية إلى
стр. 233
الدعوة العملية التطبيقية، ومن الإيمان إلى الأعمال، ومن التوحيد إلى العبادات.
والانتقال به في باب المحرمات، من محرم إلى آخر .. ومن تحريم الكبائر إلى تحريم الصغائر، حتى يصل المدعو إلى مرتبة التكيف مع كل توجيه، والانصياع لكل أمر.
والتدرج سنة كونية، وشرعية، لأنها تتوافق والفطرة التي فطر الله الناس عليها.
فإن طبيعة البشر، تأبى قبول الأحكام جملة واحدة، أو الامتناع عن المحرمات مرة واحدة، وذلك لما ألفته النفس واعتادت عليه من العادات في جاهليتها، واستثقال ما هو جديد من العبادات، لذلك يصعب على النفس ترك ما ألفته من تلك العادات، ويشق عليها تجنب ما اعتادته من الشهوات، دفعة واحدة، لذلك جاءت سنة التدرج الشرعية، موافقة تماماً لسنة الله الكونية.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ فِى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ... ﴾ الآية [الفرقان: ٦].
لذلك سَنَّ الله سبحانه التدرج مع عباده في كثير من القضايا .. في المأمورات، وفي المنهيات .. وكذلك سنَّه رسول الله ﷺ .
وأما الاشتراك بين التدرج وفقه الأولويات، فذلك لأن فقه الأولويات يعني التدرج من الأهم إلى المهم .. فالتوحيد - مثلاً - أعظم العبادة، فكان لا بد من تقديمه على كل عبادة، لأنه لا تستقيم عبادة إلا به، فهذا تدرج وأخذ بالأولويات، فهو يشبه الوضوء للصلاة.
стр. 234
ولما كان الشرك أعظم الذنوب، كان لابد من تقديم النهي عنه على كل ذنب، فهذا تدرج وأخذ بالأولويات، وهكذا تتداخل هاتان القاعدتان، وتتشاركان.
والمقصود تمثيلاً: أنّه إذا أسلم رجل .. أو إذا جاء داعية إلى قوم قد تركوا الواجبات .. وفعلوا المحرمات، فلا يطلب منه (منهم) فعل الواجبات كلها دفعة واحدة، ولا ترك المحرمات كلها دفعة واحدة .. وإنما يطلب منه (منهم) التوحيد .. ثم الصلاة، ثم الزكاة، وينهى عن الكبائر .. كبيرة كبيرة ..
وأما إذا كان الرجل حديث الإسلام، أو القوم الذين ضعف إيمانهم .. على استعداد لتقبل فعل معظم الطاعات، وترك معظم المنهيات فيبلغون والحال هذه .. لكن كم من امرئ أفاد أنه على استعداد .. ثم سرعان ما انتكس.
المطلب الثاني: التدرج في المأمورات واحدة واحدة وأدلة ذلك:
من أوضح ما يبين قضية التدرج في الواجبات، نزول القرآن على مراحل، وعدم نزوله دفعة واحدة، لأن هذا التتابع والتدرج يثبت الأفئدة، ويجعلها تعي ما يقال لها، لذلك لما استغرب الكفار نزول القرآن منجماً، قال لهم سبحانه مخاطباً رسوله ﷺ : ﴿ ... كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ .. ﴾ الآية [الفرقان: ٣٢]، ويبين هذا؛ ما كان من سيرة الأنبياء في مسلكهم الدعوي، فقد كانوا يدعون الناس إلى توحيد الخالق، ونبذ الشرك، قبل
стр. 235
الأمر بكثير من العبادات، ولا التعرض إلى كثير من المحرمات التي يتعاطاها المدعوون.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الْطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فإذا استقر الإيمان في القلوب، وخلصت النفوس بالتوحيد، نقلت إلى أداء الأركان، واحداً بعد الآخر .. أي: إلى العبادات، عبادة تلو أخرى.
وإذا كان الإيمان هو القاعدة، فإن العبادات هي مثبتاتها، فهي تثبت الإيمان وتزيده، وأثناء التدرج بالعبادات، يكون التدرج بالانتهاء عن المحرمات، ذلك لأن العبادات تعين على ترك المنكرات.
قال تعالى: ﴿إِنّ الصّلاةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ .. ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا .. ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣].
وقال ﷺ : ((صوم ثلاثة أيام من الشهر تذهب وحر الصدر)) (١).
وَحَرَ الصدر: أي تطهير القلب من الدنس، وما يلحقه من الأدران المعنوية من حقد وحسد، وماشابه ذلك.
وقال ﷺ : ((الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ مابين السماء والأرض، والصلاة نور،
стр. 236
والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)) (١).
فالبدء بالدعوة إلى الإيمان .. تأسيس واطمئنان، والتثنية بالعبادات .. ذكر وتثبيت، والنهي عن المنكرات .. تطهير وتزكية.
ومن أوضح ما يبين قضية التدرج ما أمر به رسول الله معاذاً حين أرسله إلى اليمن.
فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب)) (٢).
المطلب الثالث: التدرج في المأمور نفسه:
ولم تقتصر سنة التدرج بين الكليات كالتوحيد، ثم العبادة فحسب .. بل كان التدرج في الكلية نفسها، أي: كان التدرج في التوحيد نفسه، وفي الصلاة نفسها.
стр. 237
فأول ما حُرم الشرك الأكبر، ولم ينههم الرسول ﷺ عن الشرك الأصغر إلا في المدينة.
فعن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) (١).
ففي هذا الحديث وغيره، دلالةٌ على أن الصحابة كانوا يحلفون في المدينة بآبائهم، فلو كان شركاً أكبر، وقد نهوا عنه أول الأمر، لما وقعوا فيه بعد الهجرة، وبخاصة من أمثال عمر ﵁.
وأصرح من هذا؛ قوله ﷺ : ((إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: ((لا تقولوا ما شاء الله، وما شاء محمد)) (٢)
وأول ما شرعت الصلاة ركعتين ركعتين في مكة، ودون النوافل، ثم زيدت في الحضر، ثم شرعت النوافل.
فعن عائشة ﵂ قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأولى)) (٣)
ولم تكن الصلاة أول ما شرعت على هيئتها آخر الأمر، فكان المسلمون يتكلمون في صلاتهم، ثم أمروا بالإمساك عنه، بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
стр. 238
قال ابن كثير: ((وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، فعن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية ﴿وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت)) (١)
وكذلك الصيام نقل فيه المسلمون من حال إلى حال.
فعن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال ... وقال في الصوم: فإن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى ﴿يَأَيّهَا الّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤]، فمن شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر فطر، ويطعم كل يوم مسكينا أجزأه ذلك، وهو حول فأنزل الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، إلى قوله ﴿أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز، اللذين لا يستطيعان الصوم، وساق الحديث (٢).
стр. 239
ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على أن التدرج كان في تعليم الناس التوحيد نفسه، وأن النبي ﷺ لم يعلمهم التوحيد كاملاً، ولا الصلاة دفعة واحدة على هيئتها الأخيرة.
والمقصود من هذا: أن التدرج يكون من كلية إلى كلية، كما يكون في الكلية نفسها من حال إلى حال.
المطلب الرابع: التدرج في النهي عن المحرمات:
كما كان التدرج في المأمورات من توحيد وعبادات، كان كذلك في تحريم المحرمات، فلم تُحرَّم المحرمات في بدء الدعوة، ولا حُرِّمت -بعد ذلك - دفعة واحدة، بل كانت تُحرَّم واحدة تلو الأخرى.
وقد كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يتعاطون بمكة محرمات؛ من خمر وميسر وغير ذلك، مما عده الإسلام بعد ذلك من الموبقات، دون أن ينهاهم الإسلام - وقتئذ - عن شيء منها، وهذا أمر مشهور لا يحتاج إلى شواهد، فتعاطي الصحابة الخمر حتى في المدينة مشهور ومعروف (١).
فقد بدأ الإسلام بتحريم الشرك، ثم الكبائر، ثم الصغائر.
قال تعالى: ﴿ ... قُلْ إِنّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلآ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مآبِ﴾. [الرعد: ٣٦]
وقال تعالى: ﴿ ... وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ وَلا تَكُونَنّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧].
стр. 240
ثم نزل بعد ذلك تحريم المحرمات بالتدرج دون تفصيل -بادئ الأمر- ولا تعميم.
قال تعالى: ﴿قُل لاّ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَيّ مُحَرّماً عَلَىَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنّ رَبّكَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
قال القرطبي: أعلم الله في هذه الآية بما حرم .. والآية مكية، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة، وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والنطيحة والخمر وغير ذلك، وحرم رسول الله ﷺ بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير)) (١).
المطلب الخامس: التدرج في نفس المحرم:
كذلك كان يُتدرج في المحرم نفسه، من حال إلى حال، والتدرج في تحريم الخمر أشهر من أن نذكره هنا.
فعن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ .. ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَءَامَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ .. ﴾
стр. 241
[النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لايقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت هذه الآية ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، قال عمر: انتهينا. (١)
ولما كان التدرج بتحريم الزنى ممتنعاً واقعياً، حُرم عليهم الزنى، وسكت عن متعة النساء، ثم حرّمت .. ثم أبيحت في ظرف معين .. ثم حرمت إلى الأبد. (٢)
المطلب السادس: التدرج سُنّة لم تُنسخ:
فإن قيل: إن التدرج كان قبل نزول الأحكام، وفرض العبادات، وقد تمت الأحكام، وفرضت العبادات، فلا تدرج اليوم.
قيل: أولاً: إن التدرج منهج مرحلي، وطريقة دعوية، لا تنسخ كأحكام الحلال والحرام المعرضة للنسخ.
ثانياً: إنه لا دليل على نسخ التدرج لمن يحتاجه، ودعوى تمام الشريعة لا تتعارض مع بقاء سنة التدرج في بعض الأحوال، ومع بعض الأعيان، بل لو قيل: إن من تمام الشريعة، وكمالها، وجمالها بقاء سنة التدرج .. لكان صحيحاً، وذلك ليتناسب هذا الدين وأحوال الناس كافة .. ولو سُلِم بأن التدرج منسوخ .. فكيف ستعامل هذه الشعوب المسلمة التي خرجت مما
стр. 242
وقع فيها من الفتن، وهي لا تعلم عن دينها شيئا، أتريدون أن نلقي عليهم الإسلام جملة واحدة حتى ينفروا؟ .. سبحانك! ! ! .
ثالثاً: إن التدرج كان لعلة، فإذا زالت زال، وإذا وجدت وجد.
وعلته: وجود مجتمعات جاهلية تدعى إلى الإسلام.
أو: وجود مسلمين حديثي عهد بجاهلية.
ووجود هذه الأصناف - وهي علة التدرج - ما زالت قائمة، وستبقى إلى يوم القيامة، وببقائها تبقى سنة التدرج، لذلك يشرع في حق هؤلاء التدرج؛ ولو بعد ثبوت الأحكام الشرعية.
فلو قدر أن رجلاً يريد أن يسلم، واستثقل ترك الخمر، فلا مانع أن يسلم، ولو بقي على ذنبه، أو استثقل الحج، فيقال له أسلم، ثم يكون بعد ذلك مايكون، أو إذا أرادت امرأة أن تسلم على أن لا تتحجب، فيقال لها: أسلمي، ولو بقيت سافرة.
وبهذا يتبين خطأ ما فعله بعضهم: عندما أرادت امرأة الإسلام .. قيل لها: إن الإسلام يبيح تعدد الزوجات، فامتنعت عن الإسلام.
ولما أراد رجل أن يسلم، قيل له: إن الإسلام يضرب عنق من ارتد، فلم يسلم.
والحكمة؛ أن يفتح لهم باب الإسلام على ما هم عليه إلا الكفر، ثم يُتدرج معهم في أحكام الدين واحدة تلو الأخرى حتى يثبتوا.
رابعاً: قد تدرج الرسول ﷺ في بعض الحالات بعد نزول الأحكام، وهذا ما سنفصله في المطلب التالي.
стр. 243
المطلب السابع: التدرج في حالات خاصة:
المقصود من هذا المطلب: جواز التدرج مع أقوام دون أقوام، وأفراد دون أفراد، لظرف طارئ، أو لحالة خاصة، كما هو الحال مع المسلمين الذين كانوا يخضعون للحكم الشيوعي، وغيرهم ممن جهلوا دينهم، ودب فيهم ما دب من الشركيات، وانتشر ما انتشر فيهم من البدع، والمحرمات.
ومثل هذه المجتمعات، لم تنعدم عبر التاريخ، حتى في عصرنا، فقد وُجد في مثل هذه المجتمعات مسلمون، لا يعرفون أركان الإسلام، فكيف بأدائها وأحكامها (١).
فليس من الحكمة؛ نقلُ مثلِ هؤلاء إلى الإسلام بجملته، بدعوى أنهم مسلمون، وأن الشريعة كملت، بل لا بد من أخذهم بقاعدة التدرج .. التوحيد .. فالعبادات، واحدة بعد الأخرى .. والنهي عن المحرمات .. الأعظم فالأعظم حسب أحوال العباد.
وكذلك حُكمُ من أراد دخول الإسلام، فلا تلقى عليه العبادات، والمنهيات دفعة واحدة.
وقد سبق ذكر حديث معاذ لما أرسله الرسول ﷺ إلى اليمن، فقد أمره بالتدرج بعد ثبوت الأحكام.
ومن أروع ما يستدل به على تقدير ظروف بعض المدعوين حدثان في عهد النبوة.
стр. 244
الأول: (حديث وفد ثقيف)، عن وهب قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول: ((سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا)). (١)
وعن نصر بن عاصم عن رجل منهم: أنه أتى النبي ﷺ ، فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه (٢).
الثاني: كان أبو حذيفة ﵁ قد تبنى سالماً قبل تحريم التبني، فلما نزلت آية الحجاب كبر على أبي حذيفة دخوله على زوجته، وصعب عليه مفارقته، فأفتاهم الرسول ﷺ بإرضاعه.
فعن عائشة ﵄ قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله: إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، (وهو حليفه) فقال النبي ﷺ : ((أرضعيه)) قالت: وكيف أرضعه؟ وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: ((قد علمت أنه رجل كبير)) (٣).
ففي هذين الحدثين، دليل واضح على بقاء حكم التدرج، لمن دخل في الإسلام، وبعد ثبوت الأحكام في الدين، فإن المسألة لا تتعلق بأصل
стр. 245
دين الإسلام، وإنما تتعلق بدين الرجل نفسه، وحاله، وقوة إيمانه، ومدى استجابته.
فلو أن لعائلة غير مسلمة اليوم متبنى، وأرادت الإسلام، وصعب عليهم مفارقته، قيل لهم: أرضعوا المتبنى، وليبق معكم.
ولو أن امرءاً قال: أُسلم وأؤدي بعض العبادات دون بعض، ولا أنتهي عن المحرمات كلها، أو بعضها، لقيل له: أسلم .. لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً (١).
المطلب الثامن: الوضع المكي لم ينسخ:
من المعلوم أن المجتمعات ليست واحدة في أحوالها فهناك المجتمع المكي .. والمجتمع الدعوي .. والمجتمع الحبشي .. والمجتمع الحجاجي .. والمجتمع الإسلامي .. إلى غير ذلك من أنواع المجتمعات التي لكل واحد منها أحواله، وأحكامه، ومواقفه.
لذلك تتأكد حكمة بقاء منهجية التدرج لتتناسب وهذه المجتمعات كل حسب حاله، وبخاصة في المجتمع المكي.
стр. 246
والمقصود بالوضع المكي: وجود مسلمين ضعفاء مضطهدين بين أظهر الكافرين، لا يسمح لهم بالدعوة، ولا يستطيعون إقامة شعائرهم، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر .. فضلاً عن الجهاد، وإقامة الحدود.
فإن وجد قوم من المسلمين كذلك، فيشرع لهم الاقتداء بأفعال الرسول ﷺ بمكة، من أداء ما يستطيعونه من العبادات، والانتهاء عما يستطيعونه من المحرمات.
ويجب عليهم الرد الكريم، والصفح الجميل، والعفو عن المؤذين، وكف الأيدي، ويحرم عليهم الرد بالعنف والقتال.
قال تعالى: ﴿ .. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ .. ﴾ الآية [النساء: ٧٧]
قال ابن تيمية: ((فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة، فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الاخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩])). (١)
стр. 247
المطلب التاسع: حكمة التدرج:
من المعلوم أن النفوس طبعت على استثقال التكاليف، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ .. ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦].
وقال ﷺ : ((حُفّت الجنّة بالمكاره .. )) الحديث (١).
كما طبعت النفوس على صعوبة ترك ما ألفته من الشهوات والملذات، ومفارقة الأصحاب.
قال ﷺ : ((وحُّفّت النّار بالشّهوات)) (٢) ...
فإذا نقلت النفس من حال إلى حال، ومن حكم إلى حكم، كان ذلك أدعى للاستجابة، وأسهل لترك المحرمات، وفعل الطاعات.
ثم إن المؤمن إذا فعل طاعة أو ترك حراماً لله .. ازداد إيمانه، فتنشطت نفسه لطاعة جديدة، أو هجر لمعصية وهكذا.
ذلك لأن الإيمان يسهل أداء الطاعات بل يشوق لها، ويُكرِّه المحرمات، وينفر منها.
وهذا هو سر تدرج النبي ﷺ مع وفد أهل الطائف وغيرهم، فقد كانوا يحبون أن يسلموا، ولكنْ؛ استثقل بعضهم خمس صلوات، وغيرها، لضعف إيمانهم، وقربهم من جاهليتهم، التي لا تكليف فيها إلا الشهوات والهوى، فقبل منهم رسول الله ﷺ الإسلام بما اشترطوا، إلى حين استقرار الإيمان في قلوبهم، بأدائهم بعض العبادات، وبصحبتهم المسلمين، وبسماعهم القرآن الكريم، وحضورهم دروس العلم، فإن هذا
стр. 248
سيزيد في إيمانهم، ويزيل جهلهم، الأمر الذي يدفعهم إلى تصحيح وضعهم بأنفسهم، وهذا ما أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: ((سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا .. )) وهذا ما كان.
المطلب العاشر: التدرج لا يبيح حراماً، ولا يسقط واجباً .
إن تقرير قضية التدرج في منهج الدعوة؛ لا يعني: إسقاط الواجبات، أو إباحة المحرمات.
فالواجب واجب إلى قيام الساعة، والمحرم محرم إلى قيام الساعة.
فإن قيل: فكيف يرى الحرام ولا ينكره؟ .. قيل: يجوز أن يسكت عنه سكوتاً مؤقتاً إذا كان يعالج ماهو أكبر منه، أو يمهد لإنكاره، وإلا فكيف كان يسكت رسول الله ﷺ عما كان يعلم وجوب تغييره؟ ! كما سبق ذكره في بعض الأمثلة.
بهذا يتضح أنّ التدرج: هو منهج دعوي، يخص الداعية، لينقل المدعوين من حال إلى حال، لا أن يبيح لهم ما حرم الله، أو يسقط عنهم ما أوجب الله. ويتضح هذا في صورتين:
الأولى: صورة من كان مسلماً، ويعيش بين المسلمين والعلماء، قد عرف التوحيد والشرك، والحلال والحرام، فهذا ليس له في التدرج شأن ولا شيء.
الثانية: صورة من كان يريد الإسلام، أو هو حديث عهد بجاهلية، لا يعرف توحيداً ولا شركاً، ولا حلالاً ولا حراماً، فهذا الذي شرع في حقه التدرج، ولا يحاسب إلا على ما بلغه، وأقيمت الحجة عليه فيه.
стр. 249
ويلحق هذه الصورة، من كان غارقاً في جهله، غائصاً في ذنوبه، فيستدرج إلى الخير درجة درجة، وينقذ من الضلال دركة دركة.
فالتدرج منهج دعوي، لا مذهب فقهي، يحكم، ويحرِّم، ويبيح.
فمن عرف الحرام وواطأه، أثم، ومن ترك الواجب وهو يعلمه فقد عصى، سواء تُدرج معه أو لم يتدرج.
وخلاصة هذا المبحث: أن منهجية التدرج في الدعوة إلى الله ما تزال قائمة لم تنسخ، يعمل بها حسب الأحوال، وأن فيها من الحكمة الشيء الكثير، وأن غياب هذه القاعدة من منهج الداعية، فضلاً عما فيه من مخالفة لسنن الله الكونية، وسننه الشرعية، فإن فيه اصطداماً مع واقع ليس من ورائه إلا الفشل، والنفور .. ، فشل الداعية .. ونفور المدعوين، والله الهادي إلى سواء السبيل
стр. 250
المبحث الثامن الدعوة إلى الله ورسوله ﷺ ، لا إلى الأحزاب ورجالها:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المقصود بهذه القاعدة وأدلتها:
إن الدعوة تعني: الدعوة إلى الله وحده، وإلى دينه بعامة، وإلى اتباع رسول الله دون غيره.
والدعوة إلى الله تعالى؛ أكبر من أن تحصر في دعوة إلى حزب أو جماعة، أو إلى رجل أو رجال، أو شيخ أو شيوخ .. مهما كانوا غير رسول الله ﷺ .. أو إلى مذهب، أو طريقة غير ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان.
والدعوة إلى الإسلام؛ أجل من أن تنحصر حول خلاف عقدي غير مكفر، أو خلافات فقهية، أو اجتهادات علمية، أو قضية جزئية.
بل هي: دعوة إلى مبادئ وكليات .. لا إلى رجال وأحزاب .. دعوةٌ إلى عبادة الله وحده، والتمسك بدينه، واتباع رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ ... ﴾ الآية [الرعد: ١٤]، فليست لأحد دونه دعوة، كائناً من كان.
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبّكَ ... ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]، وليس إلى سبيل زيد أو عمر .. سواء كانوا مسلمين أو كافرين.
وقال تعالى: ﴿لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١].