← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والمقصود بالوضع المكي: وجود مسلمين ضعفاء مضطهدين بين أظهر الكافرين، لا يسمح لهم بالدعوة، ولا يستطيعون إقامة شعائرهم، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر .. فضلاً عن الجهاد، وإقامة الحدود. فإن وجد قوم من المسلمين كذلك، فيشرع لهم الاقتداء بأفعال الرسول ﷺ بمكة، من أداء ما يستطيعونه من العبادات، والانتهاء عما يستطيعونه من المحرمات. ويجب عليهم الرد الكريم، والصفح الجميل، والعفو عن المؤذين، وكف الأيدي، ويحرم عليهم الرد بالعنف والقتال. قال تعالى: ﴿ .. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ .. ﴾ الآية [النساء: ٧٧] قال ابن تيمية: ((فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة، فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الاخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩])). (١)

стр. 247

المطلب التاسع: حكمة التدرج: من المعلوم أن النفوس طبعت على استثقال التكاليف، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ .. ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦]. وقال ﷺ : ((حُفّت الجنّة بالمكاره .. )) الحديث (١). كما طبعت النفوس على صعوبة ترك ما ألفته من الشهوات والملذات، ومفارقة الأصحاب. قال ﷺ : ((وحُّفّت النّار بالشّهوات)) (٢) ... فإذا نقلت النفس من حال إلى حال، ومن حكم إلى حكم، كان ذلك أدعى للاستجابة، وأسهل لترك المحرمات، وفعل الطاعات. ثم إن المؤمن إذا فعل طاعة أو ترك حراماً لله .. ازداد إيمانه، فتنشطت نفسه لطاعة جديدة، أو هجر لمعصية وهكذا. ذلك لأن الإيمان يسهل أداء الطاعات بل يشوق لها، ويُكرِّه المحرمات، وينفر منها. وهذا هو سر تدرج النبي ﷺ مع وفد أهل الطائف وغيرهم، فقد كانوا يحبون أن يسلموا، ولكنْ؛ استثقل بعضهم خمس صلوات، وغيرها، لضعف إيمانهم، وقربهم من جاهليتهم، التي لا تكليف فيها إلا الشهوات والهوى، فقبل منهم رسول الله ﷺ الإسلام بما اشترطوا، إلى حين استقرار الإيمان في قلوبهم، بأدائهم بعض العبادات، وبصحبتهم المسلمين، وبسماعهم القرآن الكريم، وحضورهم دروس العلم، فإن هذا

стр. 248

سيزيد في إيمانهم، ويزيل جهلهم، الأمر الذي يدفعهم إلى تصحيح وضعهم بأنفسهم، وهذا ما أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: ((سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا .. )) وهذا ما كان. المطلب العاشر: التدرج لا يبيح حراماً، ولا يسقط واجباً . إن تقرير قضية التدرج في منهج الدعوة؛ لا يعني: إسقاط الواجبات، أو إباحة المحرمات. فالواجب واجب إلى قيام الساعة، والمحرم محرم إلى قيام الساعة. فإن قيل: فكيف يرى الحرام ولا ينكره؟ .. قيل: يجوز أن يسكت عنه سكوتاً مؤقتاً إذا كان يعالج ماهو أكبر منه، أو يمهد لإنكاره، وإلا فكيف كان يسكت رسول الله ﷺ عما كان يعلم وجوب تغييره؟ ! كما سبق ذكره في بعض الأمثلة. بهذا يتضح أنّ التدرج: هو منهج دعوي، يخص الداعية، لينقل المدعوين من حال إلى حال، لا أن يبيح لهم ما حرم الله، أو يسقط عنهم ما أوجب الله. ويتضح هذا في صورتين: الأولى: صورة من كان مسلماً، ويعيش بين المسلمين والعلماء، قد عرف التوحيد والشرك، والحلال والحرام، فهذا ليس له في التدرج شأن ولا شيء. الثانية: صورة من كان يريد الإسلام، أو هو حديث عهد بجاهلية، لا يعرف توحيداً ولا شركاً، ولا حلالاً ولا حراماً، فهذا الذي شرع في حقه التدرج، ولا يحاسب إلا على ما بلغه، وأقيمت الحجة عليه فيه.

стр. 249

ويلحق هذه الصورة، من كان غارقاً في جهله، غائصاً في ذنوبه، فيستدرج إلى الخير درجة درجة، وينقذ من الضلال دركة دركة. فالتدرج منهج دعوي، لا مذهب فقهي، يحكم، ويحرِّم، ويبيح. فمن عرف الحرام وواطأه، أثم، ومن ترك الواجب وهو يعلمه فقد عصى، سواء تُدرج معه أو لم يتدرج. وخلاصة هذا المبحث: أن منهجية التدرج في الدعوة إلى الله ما تزال قائمة لم تنسخ، يعمل بها حسب الأحوال، وأن فيها من الحكمة الشيء الكثير، وأن غياب هذه القاعدة من منهج الداعية، فضلاً عما فيه من مخالفة لسنن الله الكونية، وسننه الشرعية، فإن فيه اصطداماً مع واقع ليس من ورائه إلا الفشل، والنفور .. ، فشل الداعية .. ونفور المدعوين، والله الهادي إلى سواء السبيل

стр. 250

المبحث الثامن الدعوة إلى الله ورسوله ﷺ ، لا إلى الأحزاب ورجالها: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المقصود بهذه القاعدة وأدلتها: إن الدعوة تعني: الدعوة إلى الله وحده، وإلى دينه بعامة، وإلى اتباع رسول الله دون غيره. والدعوة إلى الله تعالى؛ أكبر من أن تحصر في دعوة إلى حزب أو جماعة، أو إلى رجل أو رجال، أو شيخ أو شيوخ .. مهما كانوا غير رسول الله ﷺ .. أو إلى مذهب، أو طريقة غير ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان. والدعوة إلى الإسلام؛ أجل من أن تنحصر حول خلاف عقدي غير مكفر، أو خلافات فقهية، أو اجتهادات علمية، أو قضية جزئية. بل هي: دعوة إلى مبادئ وكليات .. لا إلى رجال وأحزاب .. دعوةٌ إلى عبادة الله وحده، والتمسك بدينه، واتباع رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ ... ﴾ الآية [الرعد: ١٤]، فليست لأحد دونه دعوة، كائناً من كان. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبّكَ ... ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]، وليس إلى سبيل زيد أو عمر .. سواء كانوا مسلمين أو كافرين. وقال تعالى: ﴿لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١].

стр. 251

فليس لنا أسوة يجب اتباعها، والتأسي بها، ويُدعى إليها، غير رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَىَ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّىَ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] فليس للمسلمين منهج، ولا طريقة غير منهج المؤمنين وطريقتهم يوم نزل القرآن، والمؤمنون المقصود بهم في هذه الآية - بالضرورة الشرعية، والتاريخية، والواقعية - هم صحابة رسول الله ﷺ ، ثم من تبعهم على منهجهم. فمن دعا إلى غير كتاب الله تعالى، وإلى غير سنة رسوله ﷺ ، وإلى غير منهج الصحابة، كانت دعوته دعوة حزبية مردودة، وهي دعوة إلى السُّبل مرفوضة. قال تعالى: ﴿وَأَنّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلا تَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وجاء تفسير هذه الآية عن المصطفى ﵊ أحسن تفسير، فعن عبدالله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: ((هذا سبيل الله))، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: ((هذه سبل))، قال يزيد: متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم

стр. 252

قرأ: ﴿وَأَنّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلا تَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الّذِينَ فَرّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] المطلب الثاني: الأخطاء الدعوية المخالفة لهذه القاعدة: ومع هذا الوضوح في النصوص نجد بعض الدعاة، يتصور الدعوة تصوراً خاطئاً، سواءً كان ذلك في فكره، أو في مسلكه الدعوي. ويمكن تلخيص الانحرافات الدعوية فيما يلي: الخطأ الأول: الدعوة إلى حزبية معينة .. أو غير معينة كثير من الدعاة يدعون الناس إلى حزبية محدثة، أو طريقة مبتدعة، أو جمعية مخصوصة، أو مذهبية ضيقة، وهم وإن كانوا يستظلون بظل الإسلام، ويدعون إليه بعامة، ولكنهم غافلون أو متغافلون عما في الدعوة الحزبية من حصر لشمول الإسلام، وتحجير لواسعه، وأنه لا يجوز الدعوة إلى الحزبية أصلاً. وإذا كان لا بد من الدعوة إلى جماعة، أو سلوك مسلك - والأمر كذلك - فأحق الجماعات بذلك، وأفضل المسالك؛ الجماعة التي نزل

стр. 253

عليها هذا القرآن، ففهمته وأدركت توجيهاته، وتلقت الدين غضاً طرياً، نقياً أبيض من معلمه الأول، الذي قام ﵊ على تعليمهم، وتزكيتهم، حتى قبلهم الله عنده من خيرة عباده الصالحين، وزكاهم في كتابه المبين، بأقوى عبارة، وأوضح بيان، قال تعالى عنهم: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التّقْوَىَ وَكَانُوَا أَحَقّ بِهَا وَأَهْلَهَا .. ﴾ الآية [الفتح: ٢٦] أي: ألزم الله الصحابة كلمة لا إله إلا الله .. كلمة التوحيد .. فكانوا أصدق من حملها .. وكانوا أهلاً لهذا الحمل. وقال تعالى مخاطباً الصحابة، ومن تبعهم على مسلكهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ .. ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠] فالمعنيُّ الأول بهذا الخطاب: هم أصحاب النبي ﷺ ، فهؤلاء الذين يدعى إلى طريقهم، ولا يدعى إلى طريق غيرهم أبداً. وكل دعوة إلى طريقة أو حزب، أو جماعة غير هذه الجماعة فهي دعوة إلى ((السبل))، وإلى تفريق الأمة. الخطأ الثاني: الدعوة إلى شيخ أو شيوخ، أو زعيم أو زعماء . إن احترام العلماء، وإجلال الشيوخ، من الواجبات في الدين، غير أن حصر الدين في بعضهم، والدعوة إليه، أو إلى مبادئه وأحكامه وطروحاته كأنه معصوم، ضلالٌ في الدين، وانحرافٌ عن صراطه. قال تعالى: ﴿اتّبِعُوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ وَلا تَتّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مّا تَذَكّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]

стр. 254

وفضلُ العالم، وحسنُ قيادته، وتضحيتُه وتقواه وعلمُه شيء، وإيجاب اتّباعه، والتمحور حوله، وحول أتباعه، شيء آخر. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصّىَ بِهِ نُوحاً وَالّذِيَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىَ وَعِيسَىَ أَنْ أَقِيمُوا الدّينَ وَلا تَتَفَرّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِيَ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] ولذلك لم يأمر الله تعالى في كتابه، ولا رسوله ﷺ في سنته باتباع سنة رجل غير سنة الأنبياء، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... ﴾ الآية [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .. ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. فإن كل إنسان غير رسول الله غير معصوم، وإن كل مخلوق غير رسول الله ليس بأسوة، بل إن رسول الله عتب على أبي بكر ﵁، عندما اختلف مع اليهودي، في أفضلية رسول الله على موسى عليهما الصلاة والسلام، فقال ﵊: ((لا تفضلوني على موسى))، وفي رواية: ((لا تخيروني)) (١). وسر هذه المعاتبة؛ أن لا يكون الخلاف بيننا وبين اليهود حول أفضلية الأعيان، أمحمد أفضل أم موسى عليهما الصلاة والسلام. ومن جميل ما يحتج به في هذا المقام، ما حصل في غزوة أحد عندما وقف أبو سفيان فقال: ((أفي القوم محمد .. أفيكم أبو بكر .. أفيكم

стр. 255

عمر .. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تجيبوه)) .. ثم قال أبو سفيان: ((أُعْلُ هُبل))، فقال النبي ﷺ : ((ألا تجيبوه؟ ! ؟ )) (١). فانظر؛ لما قال أبو سفيان: أفيكم محمد .. أفيكم أبو بكر .. أفيكم عمر .. نهى رسول الله ﷺ عن إجابته، ولما قال: ((أُعْلُ هُبل))، قال النبي ﷺ : ((ألا تجيبوه))، والسر في ذلك؛ أن أبا سفيان لما تعرض للأشخاص أمر النبي ﷺ بعدم إجابته، لأن بقاء الإسلام لا يتعلق ببقاء الأعيان، وأنه قائم سواء بقي هؤلاء الأعيان أحياء، أو ما توا. ولما تعرض أبو سفيان ﵁ للتوحيد .. إلى لب العقيدة: ((أُعْلُ هبل)) أمر الرسول ﷺ بإجابته: ((الله أعلى وأجل)). فَمَن الرجالُ بعد موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم؟ ! ؟ .. حتى يُدعى إليهم .. ؟ ، ومن الرجال بعد أبي بكر وعمر، حتى يُنصَّبوا محاور للأمة .. ؟ ، قال شيخ الإسلام: ((وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي ﷺ ، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله، وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام، أو تلك النسبة ويعادون)) (٢). وقد قال من قبله الأئمة الكرام مثل هذا؛ منهم: الإمام أبو حنيفة، فقد قال: ((لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه)). (٣)

стр. 256

وقال الإمام مالك: ((ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ )). (١) وللإمام الشافعي أقوال كثيرة في هذا الشأن منها قوله: (فاتبعوها - أي السنة - ولا تلفتوا إلى قول أحد) (٢). وقال الإمام أحمد - عندما استشاره امرء في تقليد أحد العلماء في عصره -: ((لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا ... )) (٣) مفاسد الدعوة إلى الرجال: ومما لا شك فيه أنه منذ أن بدأت الدعوة في الأمة إلى الرجال، بدأ التفرق في الدين، ووقع التنازع بين المسلمين. وفي الدعوة إلى الأعيان مفاسد كثيرة غير التفرق، ليس هاهنا محل تفصيل لها .. ويكفي منها شراً؛ أنها تحصر الدين في رجل غير كامل ولا معصوم، فيضيع الدين .. فضلاً عن أنها تفرق الأمة، وتُحزِّب المسلمين، وتُحدثُ بينهم فتناً .. والواقع أكبر شاهد على ذلك، فقد طارت كل طائفة بشيوخها، ودعت كل فرقة إلى زعمائها .. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأشنع من هذا، من يوالي ويعادي للاختلاف في الأشخاص، وفي الحكم عليهم، ويجعل هذا دينًا يدين لله به.

стр. 257

وهذا غير ما يجب من الموالاة لعموم المسلمين. الخطأ الثالث: حصر الدعوة في جزئية من الدين . الدين الإسلامي: عقيدة، وشريعة، وعبادة، ومعاملات، وأخلاق .. وهو لا ينحصر في جزء دون جزء، ولا تكون الدعوة حول شعبة دون الشعب، بل للدّين كلّه، حسب ما فُصِّل من قبل في باب: فقه التدرج والأولويات. لكن المقصود هاهنا؛ ما يقوم به بعض الدعاة من الاهتمام بجزء من الدين، يجعله محور دعوته، صباحه ومساءه، ليله ونهاره .. يرتحل لأجله، .. ويظعن لأجله .. ولا يلتفت إلى غيره، ولا إلى حال المدعوين وحاجاتهم، ويرى فيه الدين كله، كالدعوة إلى الجهاد، أو تبديع المبتدعين، أو الرد على الطوائف الضالة، على أنه الدين كله، ولا يهتم بالدعوة إلى غيره، كالتوحيد .. وحسن الخلق .. فمن استجاب له فذاك، وإلا كان ضالاً منحرفاً ... الخ. كأن الدين عنده يقف على أصبع واحد كمحاربة الابتداع، والجهاد، إذا توقف سقط الإسلام كله .. فلا دعوة .. ولا تربية .. ولا تعليم .. إلا ما يدعو إليه. وأشنع من هذا؛ من يوالي ويعادي على جزئية من الدين، أو خلاف بين أهل السنة - عقديًا كان أو غيره - فيأمر بهجر المخالف، فيفرق الصف لأجل هذا الخلاف، وينشئ الفتنة.

стр. 258

ويدخل في هذه الأخطاء؛ الدعوة إلى المذهبية الفقهية، والخلافات الاجتهادية (١)، التي ليس مقامها مقام الدعوة .. ولا يجوز للداعية أن يجعلها محل اهتمام في دعوته، ولا يجعل دعوته محلاً لنصر مذهبه الفقهي، أو الانتصار للخلافات الفقهية، وأن يُشغل المدعوين بها، وإذا كانت الخلافات ضرورة من ضرورات الاجتهاد، فليست ضرورة من ضروريات الدعوة .. بل ولا محوراً من محاورها، فإن محلها دروس العلم، ومجالس العلماء، وليس محلها منابر المساجد، ومنصات الدعوة (٢). ومن أمثلة ذلك: الاختلاف في رؤية الهلال، وأحكام سجود السهو، وحكم صيام يوم السبت نفلاً، وما شابه ذلك، مما هو محل خلاف بين أهل العلم، مما لا يكاد يحصى ولا يعد. والداعية الحكيم؛ لا يتعرض لمثل هذا إلا ماكان فيه حاجة ملحة، وبحكمة، وإنما يبدأ دعوته بأصول الإيمان، وأركان الإسلام، وما سبق بيانه تفصيلاً، مما يغني عن إعادته. المطلب الثالث: خطورة هذه الأخطاء:

стр. 259

تتجلى خطورة هذه الأخطاء -الدعوة إلى التجمعات- الدعوة إلى الأعيان -الدعوة إلى جزئيات من الدين - فيما يلي: الأول: فهم الدين من قبل المدعوين فهماً خطأ. الثاني: التعصب؛ إما لهذه التجمعات أو الأعيان، أو التمحور حول القضايا الجزئية بدل التجمع حول الدين كله. الثالث: التفرق في دين الله. الرابع: ما يجره هذا التعصب والتفرق من مفاسد لا تخفى على كل مسلم إلا من فقد بصيرته، ومن ذلك النزاعات المفسدة، والخلافات المشغلة، وضياع الأوقات، وهدر الجهود. الخامس: استغلال هذا من المتربصين بالإسلام والمسلمين، وتوظيفه لصالح الدعوات المناهضة للإسلام. المطلب الرابع: خلاصة هذا المبحث: أن تكون دعوة الداعية إلى سبيل الله لا إلى سبيل غيره، ولو كان مسلماً، ويدعو إلى سنة رسول الله والاقتداء به ﷺ دون غيره، ولو كان إماماً .. وأن لا يحصر دعوته في حزبية، أو مذهبية، أو طريقة، أو شخص، أو جزء من الدين يجعله محور دعوته، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 260

المبحث التاسع وفيه قواعد منهجية متنوعة . بقي بعض القواعد الدعوية المتفرقة، التي لا تندرج تحت باب مستقل، ومن ذلك: المطلب الأول: القاعدة الأولى: جواز ترك المستحب لتأليف الناس، ورغبةً في قبولهم الدعوة إلى الله . المستحب: هو الذي يؤجر فاعله، ولا يعاقب تاركه (١) .. مهما كان سبب الترك مالم يكن جاحداً مستهزئاً، فإذا رأى الداعية: أن هذا المستحب مكروه عند الناس، لجهلهم بالسنة، ويصدهم عن الدعوة، جاز له ترك هذا المستحب، بل ربما وجب عليه ذلك الترك، لما يتحقق من مصالح عظيمة، كقبول الدعوة، وما يترتب على ذلك من؛ تصحيح عقائدهم، وإصلاح عباداتهم، واستقامة أحوالهم. وفي هذا من المصالح التي لا تفوت لأنها أكبر بكثير من مصلحة المستحب التي يمكن تفويتها لأجل المصلحة الكبرى. وهذا الترك؛ ليس من الرياء في شيء، كما يظن بعض الناس، بل هو مقتضى قواعد المصالح والمفاسد، وقد ذُكِرت هذه القواعد من قبل مما يغني عن إعادتها.

стр. 261

ثم إن تارك المستحب لا يعاقب، فكيف إذا ترك المستحب لوجه الله ، فلعله مأجور بهذا الفعل وإن تركه، فقد قال ﷺ : ((من ترك أمراً لله عوضه الله خيراً منه)) (١). كما يشرع للداعية تأخير الواجب المطلق (٢) لتحصيل ما هو أوجب، أو تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة، وقد فعل هذا رسول الله ﷺ أكثر من مرة، لمصلحة الدعوة تارة، ولمصلحة المسلمين تارة أخرى، من ذلك مشروعية الجمع بين الصلاتين رفعاً للحرج. وأما في باب الدعوة فكامتناعه ﷺ عن قتل عبدالله بن أبي بن سلول، وقد استحق ذلك، وصرح رسول الله ﷺ أن العلة في ذلك، خشية أن تشوه سمعة المسلمين ((دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)) (٣) وكتأخير رسول الله ﷺ قتل ثمامة ﵁ قبل أن يسلم، وقد استحق القتل، رجاء دعوته، وتحسين سمعة المسلمين خارج منطقتهم (٤).

стр. 262

فلو أن داعية أتى قوماً من المسلمين، قد تفشى فيهم الشرك، وكثر فيهم الابتداع .. وهو إن أتى ببعض المسنونات في الصلاة أو غيرها، اتهم بتهمة لا يقبل منه - بعدها - قول، ولا ينصت له في نصيحة. فعليه - والحال هذه - ترك هذه المسنونات، أو تأخير الواجب المطلق، مادام في الأمر سعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب، بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين، أعظم من مصلحة مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت، لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متماً، وقال الخلاف شر)) (١)

стр. 263

المطلب الثاني: القاعدة الثانية: عدم إثارة ماضي المدعوين، وعدم تذكيرهم بسوابقهم، وإلقاء اللوم عليهم . من أجمل اللفتات المنهجية، التي يجب على الدعاة أن تكون نصب أعينهم، عدم إثارة ماضي المدعوين، وما كان فيها من سوابق، من فساد أو اعتداء أو ظلم .. وأن يكلموهم كأنهم أبناء اليوم، طاويين صفحة الماضي، مجتنبين التلاوم، فاتحين صفحة للمستقبل. لذلك فتح الله باب التوبة على مصراعيه، ووعد بالغفران عن الذنوب كلها .. كمّاً ونوعاً .. إذا ما تاب العبد من ذنوبه، وأقبل على ربه قال تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رّحْمَةِ اللهِ إِنّ اللهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً .. ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]. بل وعدهم الله بأكرم من هذا وأفضل .. وعدهم بتبديل السيئات حسنات، كما جاء في آخر سورة الفرقان. ولذلك كان الإسلام يَجُبُّ ما قبله، ولا يفتح صفحة حساب عن الأعمال السابقة، مهما كانت كثرة وقباحة. غير أنه من الجائز للداعية ذكر الماضي على سبيل الإجمال والتخويف والتصحيح، لا على سبيل اللوم والتفضيح، ولدفع المدعوين نحو التوبة، كأن يقول: إن ماضينا يحتاج إلى توبة .. إن من رحمة الله أنه لا ينظر إلى سوابقنا. لو كشفت أعمالنا لأنتنت رائحتنا .. دعونا ندفن الماضي بما فيه، ونفتح مع الله صفحة جديدة .. ، وهكذا.

стр. 264

وقد قال يوسف لإخوته الذين فعلوا به ما فعلوا: ﴿لا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ .. ﴾ الآية [يوسف: ٩٢] والتثريب: اللوم، فما اكتفى ﵊، بأن قال: لا ألومكم .. بل قال كذلك، وأدعو الله أن يغفر لكم. ومن جميل ما ذكر لنا رسول الله ﷺ في مسألة ترك التلاوم: تحاجج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قد قدِّر عليَّ قبل أن أُخلق)). فقال رسول الله ﷺ : ((فحجّ آدم موسى مرتين)) (١). إن العمل بهذه القاعدة، يفتح المجال رحباً أمام المدعوين للاستجابة .. وإن إثارة الماضي، تدفع نحو اليأس والفتور، وتثير فيهم شعور الإحباط والقنوط، وتدفعهم نحو الصدود والإعراض، بل على الإنسان أن يفتح باب التوبة، والرجاء، والخوف من الرجوع إلى الماضي، ويغلق باب اليأس والقنوط.

стр. 265

المطلب الثالث: القاعدة الثالثة: عدم الإنكار على من عمل بفتوى عالم من المعلوم أنّ ثمّة مسائل كثيرة مختلف فيها بين أهل العلم، وعلىلداعية أن يَعلم في هذا الصّدد ثلاثة أمور: الأول: العلم بالمسائل الاجتهادية، والتفريق بينها وبين الأمور المنكرة. الثاني: لا إنكار في الأمور الاجتهادية، شريطة أن يكون الاجتهاد صادراً ممن هو أهل لذلك. الثالث: جواز المناصحة في الأمور الاجتهادية المختلف فيها. فإذا وُجد من يعمل بفتوى عالم معتبر، فلا يجوز للداعية أن ينكر عليه، وأن يعدّه فاسقاً فاعلاً للمنكر، إذا كان الداعية يرى رأياً مخالفاً لهذا، بل يحق له ــ في هذه الحال ــ أن يَنصَح، ويُبيّن، وشتّان بين الإنكار وبين النّصح والبيان. مثال ذلك أن يرى داعية عورة وجه المرأة، ورأى نساءً يكشفن وجههنّ، وهنّ مقتنعات ديناً برأي من يرى جواز كشف الوجه، فلا يجوز له أن يعدّ هذا مُنكراً، وأنّهنّ فاسقات، بل عليه أن يُبيّن الصواب، وينصح بالحكمة والموعظة الحسنة، ويَصلُح هاهنا القاعدة التالية: (نَنْصَح ولا نُنْكِر). أو (نُبيّن ولا نُعنِّف).

стр. 266

المطلب الرابع: القاعدة الرابعة: اغتنام المواسم، وتخير الأوقات، واستغلال الأحداث: وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أهمية هذه القاعدة، وأثرها على المدعوين . من المعلوم؛ أن في دين الإسلام مواسم إيمانية، وأن للناس مناسبات كثيرة، ولقاءات مختلفة، ويقع في كون الله وفي الناس أحداث متنوعة. فمن منهج الداعي: أن يضع هذه المواسم والمناسبات والأحداث نصب عينيه، لاغتنامها في دعوة الناس، وتبليغهم شريعة الله، في كل موسم وحدث بما يناسبه، وكل قوم وما يحتاجون إليه. ذلك لأن كثيراً من الناس لا يذهبون إلى حضور المحاضرات، ولا يقصدون سماع المواعظ والدروس .. ولكنهم يحضرون هذه المناسبات فكان من الحكمة استغلال هذه المواسم والمناسبات التي لا يخفى أثرها على بصير. فإذا أحسن الداعية التصرف حيالها .. استفاد كثير من الناس من هذه المناسبات، فإن للنفس البشرية استعدادات وإقبالاً، ولها انكماش وإدبار، فينبغي للحكيم: أن يستغلها حين إقبالها، وأن ينتظرها حين إدبارها، ويستعد لاستقبالها.

стр. 267

المسألة الثانية: الأمور التي يجب على الداعية أن يراعيها في هذه المناسبات: الأول: ينبغي للداعية أن يتنبه إلى أن هذه الأوقات والمجالس، ليست مفتوحة له على مصراعيها، سواءً في كمّ الكلام، أو نوعه، أو وقته. بل يقبل على الناس ساعة إقبالهم، ولا يثقل عليهم ساعة انشغالهم، ولا يدبر عنهم ساعة استعدادهم وإقبالهم. فأما الإقبال عليهم ساعة استعدادهم وإقبالهم، فإن ذلك يجعلهم ينصتون إنصاتاً جيداً، ويستجيبون استجابة طيبة .. وأما الإثقال عليهم ساعة انشغالهم؛ فإن ذلك يدفعهم إلى الملل، أو النفور. وأما الإدبار عنهم ساعة استعدادهم، ففيه تضييع للفرص، وعدم استغلالها استغلالاً حسناً .. مما يفوت مصالح كثيرة، ويضيع الناسُ أوقاتهم بغير ذكر الله .. ولا يدركون حِكَمَ ولا حُكْمَ هذه المناسبات. الثاني: أن يختار لكل موسم أو مناسبة ما يناسبها، من الموضوع وأسلوب الخطاب، ففي مناسبة الأفراح يذكرهم بنعم الله بعامة، وبنعمة هذه المناسبة بخاصة.

стр. 268

وفي مناسبة الأتراح يذكرهم بقضاء الله وقدره، والإيمان به، والتسليم له، وبالصبر وما لأهله من أجر عظيم، وهكذا في كل مناسبة وموسم بما يناسب المقام. قال تعالى لموسى ﵊: ﴿وَذَكّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ .. ﴾ الآية [إبراهيم: ٥]. وأيام الله: نعم الله، ووقائع الأحداث الماضية المهمة (١). واستغلال الأحداث هدف من أهداف الداعية. والمقصود بالأحداث: مايقع على المدعوين وفي كون الله من أحداث مختلفة، وكوارث كونية: كالأمطار، والزلازل، والكسوف، والحرائق، والمجاعات، والظلم، والاحتلال. فيكون الداعية على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدات المادية، والمنشطات المعنوية، حتى يستشعر المدعوون: بأن داعيتهم مهتم بشؤونهم، راع مصالحهم، وأن كلامه -من قبل- لم يكن من لسانه دون قلبه، بل وافق فعله دعوته، وعمله علمه. ولا يجوز للداعية أن يقف مكتوف الأيدي، مشلول الحركة، يحوقل (٢) دون عمل مفيد، أو دعوة نافعة، فَينْفُر الناس عنه بعد ذلك، ولا يقبلون دعوته. ومن الممتع جداً؛ أن يتأمل الداعية تنجيم القرآن، كيف كان ينزل في كل مناسبة بما يناسبها، ليكون ذلك أدعى إلى الاهتمام، وأوثق في

стр. 269

ثبات المعلومة، والتفاعل مع الحدث، وأوقع في النفس، ولمعرفة حكم الحدث والتصرف حياله تصرفاً سليماً. ففي حادث الإفك على عائشة ﵂، نزلت أحكام كثيرة - كما في سورة النور - مما كان له أثر نفسي بالغ على المسلمين - وقتئذ - وهم ينتظرون فَرَجَاً لهذه الفتنة الدهماء. وانظر إلى إبراهيم ﵊، ماذا صنع؟ مستغلاً مناسبة عيد مرّ بقومه .. فلما طلبوا منه الخروج معهم، اعتذر قائلاً: ﴿إِنّى سَقِيمٌ﴾ ثم ﴿فَرَاغَ إِلَىَءَالِهَتِهِمْ .. ﴾ الآيات [الصافات: ٨٩ - ٩١] وانظر إلى يوسف ﵇ حين استغل حاجة المسجونين له، ليبلغهم دعوة الله، فقال: ﴿يَصَاحِبىِ السّجْنِءَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. وانظر إلى رسول الله ﷺ كيف كان يعظ المسلمين في كل موسم بما يناسبه، فإذا أقبل رمضان أقبل عليهم، يعظهم فيه، ويبين لهم فضائله، وأحكامه، والأدلة أشهر من أن تُدَوَّن. وإذا حضر موسم الحج واجتمعت الأمة، وعظهم وبلغهم أحكام الله التي تناسبهم، من بقاء هذا الدين وأمميته، فمما قال في موسم حجة الوداع: (( .. إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم. كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ... وربا الجاهلية موضوع. وأول رباً أضع رِبَانا رِبَا عمي العباس ... فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم

стр. 270

فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهم بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به. كتاب الله ... اللهم اشهد .. اللهم اشهد)) (١) ثلاث مرات. وإذا دنا عشر ذي الحجة: ذكرهم بما يفعل فيه فقال: ((مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)) يعني العشر. قال: قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء)). (٢) وإذا اقترب يوم عاشوراء: ذكرهم بصيامه، وقال ﵊ في هذه المناسبة: ((هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر)) (٣). ولما حصل كسوف الشمس خطب فيهم، وحثهم على مايفعل فيها فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتموهما فكبروا. وادعوا الله وصلوا وتصدقوا. يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد! والله! لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً .. )) الحديث (٤).

стр. 271

وإذا حضرت مناسبة لمسلم أو لمسلمين، تكلم ﵊ بما يناسبها، وبما ينفعهم فيها. فعن عائشة ﵂: زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال: ((ياعائشة، ما كان معكم لهو، فإنَّ الأنصار يعجبهم اللهو))، وفي رواية؛ فقال: ((فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف، وتغني؟ ))، قلت: تقول ماذا؟ ، قال: تقول: أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم (١) ولما رأى المرأة التي كانت تبكي على القبر قال: ((اصبري))، ثم قال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٢). وأرسلت إليه إحدى بناته تخبره باحتضار ابنها، فذكرها بما يجب أن يقال: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب)) (٣). ولو تتبعنا مثل هذا في القرآن والسنة لطال بنا المقال، ووقعنا في مخالفة ما ننصح به - في هذا المقام - من عدم الإطالة، حتى لا يقع ملل أو سآمة. الأمر الثالث: الذي ينبغي أن يراعيه الداعية في باب استغلال المناسبات: هو تقدير الكلمة كمّاً ووقتاً.

стр. 272

من حكمة الداعي أن يقدر كلمته كماً ووقتاً بما يتناسب وحال المدعوين .. وذلك حتى لا يوقع المجتمعين في حرج من وقتهم. أو من مناسبتهم، فإنهم - في الأصل -لم يجتمعوا لهذه الكلمة، وإنما جاءت عرضاً، فلا ينبغي له أن يطيل عليهم، فيصيبهم الملل، وتغشاهم السآمة .. فينتظرون انتهاء الكلمة بفارغ الصبر، -وحينئذ- لا يستفيدون شيئاً. والناظر في مواعظ رسول الله ﷺ ، يجد أنها غاية في القصد، وغاية في البلاغة والتأثير. وهذا معنى قوله ﷺ : ((أوتيت جوامع الكلم)) (١) ولو قدرنا خطبة النبي ﷺ في عرفة، لما زادت عن دقائق معدودة، وكذلك في المناسبات الأخرى لا تزيد عن هذا. وعن ابن عباس ﵁ قال ناصحاً أحد تلاميذه: (( ... ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فَتُمِلُّهُم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه .. )) (٢). المسألة الثالثة: خلاصة هذا المبحث: أن يستغل الداعية ما يمر بالمسلمين وبواقعهم من مناسبات وأحداث، وأن يتكلم فيها بما يناسبها من غير إملال، ولا إثقال. والله الهادي إلى سواء الصراط.

стр. 273

الباب الثالث الأساليب والوسائل الدعوية . الفصل الأول: الأساليب الدعوية: تمهيد في الفرق بين المنهج والأسلوب من الواضح ما هو المقصود بصفات الداعية، وأحوال المدعوين، ولكن قد لا يكون واضحاً الفصل بين المنهج والأسلوب. وكما سبق بيانه أن المنهج: هو الطريق الثابت الذي يسير عليه الداعية، في معالجة الأحوال والمواقف .. بقواعد واضحة، ومعالم محدودة، كقاعدة: الإيمان قبل الأعمال والأحكام، ومعلم: اختيار المواسم والمناسبات ... وغير ذلك مما سبق بيانه في أبوابه. وأما الأسلوب: فهو طريقة الخطاب، وأسلوب الحوار، ونهج التعبير .. مما يتضمن من اختيار الألفاظ، وتركيب العبارات، ونوع الكلمات، من لين وقسوة، ورفعِ الصوت وخفضه، وما شابه ذلك .. فكله يدخل في إطار الأسلوب. بهذا يتبين المقصود من الأسلوب. والفارق بينه وبين المنهج. مثال عن المنهج والأسلوب: لما قدم موسى ﵇ على فرعون كان المنهج: هو تقديم الدعوة إلى الإيمان بالله. من توحيد الربوبية بأن الله: هو الخالق والرازق

стр. 274

والمحيي والمميت، وبيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، ثم بيان ما عليه فرعون من الكفر والضلال، وإقامة الحجة على ذلك، بالبينة العقلية .. والاستدلال الواقعي .. والحجة المادية .. من المعجزات التي أتى بها موسى .. وما شابه ذلك، ثم الدعوة إلى عبادة الله وحده .. فهذا يدخل في إطار المنهج. وأما الأسلوب: فكان الرفق بالرجل، واللين معه في الكلام .. واستعمال أسلوب المحاورة الهادفة، والمجادلة بالتي هي أحسن .. والتذكير بالمصير، والتخويف من الجبار .. وما شابه ذلك. وقد جاء الحديث عن هذا الفصل في ثلاثة عشر مبحثاً.

стр. 275

المبحث الأول أهمية الأسلوب وأثره في الدعوة: لا يخفى على بصير ما للأسلوب من أهمية بالغة في استجابة المدعوين، وقبول الحق، وانتشار الدعوة، ولم يبعد النُجعة من عزى للمادة والمنهج نصف النجاح، وللأسلوب النصف الآخر. ولبيان ذلك؛ لنتصور خطيباً يتكلم عن موضوع مهم كالتوحيد، بمنهج سليم، وقواعدَ صحيحة، من حيث الموضوع، ومن حيث التدرج بالمدعوين، ومن حيث طرحُ الأدلة. إلا أنه كان فظاً في كلماته، عابساً في سحنته، ضعيفاً في صوته، أو عالياً جداً في نبراته، ركيكاً في عباراته، فوضوياً في ترتيب أفكاره، مرتفعاً في مستوى عرضه، معقداً في تركيب جمله .. يختار الألفاظ الصعبة .. والأسلوب الهجومي. فإذا كان هذا الداعية كذلك، أو فيه بعض ذلك، فهل يكون موفقاً في دعوته .. ؟ مقبولاً لدى المدعوين .. ؟ كلا؛ بل سيكون خاسراً في دعوته، ومنفراً الناس عنه رغم صحة منهجه. ولنتصور داعية: لين الكلمات، بشوش الوجه .. معتدل الصوت، فصيح النطق، جميل العبارات، مرتباً في أفكاره، بسيطاً في عرضه، يضرب لهم الأمثلة الجميلة، ضمن القواعد السليمة، بكلمات مفهومة، وجمل واضحة، يبتسم في وجوههم .. ويسع جميع المدعوين ببصره .. كأنه مع كل حاضر .. ويخاطب كل مستمع. فكم سيكون موفقاً في دعوته .. ؟ مقبولاً لدى المدعوين؟ ! ! .

стр. 276

إنه سيكون ناجحاً في دعوته نجاحاً عظيماً .. محبوباً لدى المدعوين .. لأن النفس البشرية طبعت على حب الكلمة الطيبة، والإنصات للأسلوب الحسن، والتأثر به، والاستجابة لصاحبه. فرب كلمة طيبة كان لها وقع في النفس أكثر من خطب جمعة .. ورب كلمة فظة صدت قوماً عن الهداية .. لذلك قال ﵊: ((الكلمة الطيبة صدقة)) (١). فكم من دعوة صحيحة، فشلت لسوء أسلوب أصحابها .. وكم من دعوة باطلة، سمعت لحسن أسلوب دعاتها. إن الأسلوبَ الحسن، والكلمةَ الطيبةَ، ليجريان مع دم السامع .. في عروقه، فتفتح سمعه .. وتشد بصره .. وتشرح صدره، وتلين فؤاده .. وتغذي نفسه بغذاء القبول .. وتدفع قلبه للتذكر والخشية .. ثم الاستجابة .. إذا كان الله يريدها له .. ﴿لعله يتذكر أو يخشى .. ﴾ فهل نحن مدركون؟ ! ؟ . إن إهمال مسألة الأسلوب دفع الدعوة إلى الوراء، وصد كثيراً من الناس عن الحق.

стр. 277

مثل الداعية ذي الأسلوب الحسن: والداعية كالطبيب، والمدعوون هم المرضى .. فكما أن الطبيب الصادق لا ينظر إلى أصل المريض ولونه .. ونسبه .. ودينه .. بل يعامل الجميع بصدق، ورفق، واهتمام، وأسلوب حسن. فكذلك الداعية الحكيم؛ يجب أن يعامل جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، بارهم وفاجرهم، كبيرهم وصغيرهم، عزيزهم وصعلوكهم .. معاملة طيبة، وأن يخاطبهم بأسلوب حسن، دون النظر إلى سوابق لهم، أو إلى ما هم عليه من الفجور. فإن من السلبيات التي تقع في الأسلوب؛ تأثر الداعية بما يكون عليه المدعو من فساد وفجور .. وما يقوم به من ردود فعل تجاه الداعية. الأمر الذي يدفع بعض الدعاة إلى التجاوب مع هذا الاستفزاز، وتغيير أسلوبه، بألفاظ شديدة .. وصوت مرتفع .. وسحنة متجهّمة، إما بغير شعور، وإما ظناً منه أن مثل هؤلاء لا ينفع معهم إلا الشدة، ولا يرتدعون إلا بالغلظة .. وما ذكر هاهنا، وماسيأتي من نصوص تبين - بلا شك - خطأ هذا التصرف. والمقصود من هذا؛ اهتمام الداعية بأسلوبه، وتركيز المربين والعلماء على إصلاح أساليب الدعاة، لما للأسلوب من أثر كبير في نجاح الداعية، وقبول دعوة الحق.

стр. 278

ونظراً لأهمية هذا الفصل، فسنذكر فيه بعض القواعد، التي تعين الدعاة في أسلوبهم، والله نسأل السداد والتوفيق.

стр. 279

المبحث الثاني قواعد في الأسلوب الدعوي: وفيه؛ أربعة مطالب: الأول: الأمر من الله ورسوله ﷺ بإحسان الأسلوب: لمّا كان لحسن الأسلوب، والكلمة الطيبة، وطيب العشرة، الأثرُ الطيب، والثمرُ اليانع، في حياة الناس بعامة، حث الله الأنبياء، والدعاة والناس أجمعين عليه. قال تعالى: ﴿وَهُدُوَا إِلَى الطّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ .. ﴾ الآية [الحج: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً .. ﴾. الآية [البقرة: ٨٣] فإذا كان هذا الأمر بعامة ولعامة الناس، فمن باب أولى أن يكون للداعية منه نصيب وافر، وبخاصة في مقام الدعوة. ولذلك أكد الله على حسن الأسلوب في مقام الدعوة، بغض النظر عن حال المدعو، أياً كان في مقامه، أو دينه، أو كفره. فقال: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ .. ﴾ الآية [النحل ١٢٥]. ومع ما اتصف به رسول الله ﷺ من الرفق واللين .. وحسن العشرة، بشهادة الله له ﴿وَإِنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] مع هذا كله، حذّره الله من عواقب سوء الأسلوب، وغلظة العشرة، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]. وجاءت السنة لتؤكد حسن الأسلوب بصورة أشمل، وبتعبير أعم. يشمل كل مخلوق، ويعم كل معاملة.

стр. 280

فقال ﷺ : ((ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)) (١). فتنكير كلمة ((شيء)) تفيد العموم في كل قضية، ومع كل مخلوق، إنساناً كان أو حيواناً. وقال ﷺ : ((الكلمة الطيبة صدقة)). (٢) وقال ﷺ : ((وتبسمك في وجه أخيك صدقة)). (٣) ومن عظم مايسطر هاهنا من خلق النبي ﷺ مع أشد الناس عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين، مما يبرز سماحة هذا الدين وقصده الاصلاح، عن عائشة ﵂ أن يهود أتو النبي ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله وغضب عليكم. قال ﷺ : مهلاً ياعائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش. قالت: أولم تسمع ماقالوا؟ قال: أولم تسمعي مقلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في)) (٤) وحذر رسول الله ﷺ من تنفير الناس من الدعوة، بالتصرفات السيئة، والأسلوب الفظ، والكلمات القاسية، فقد قال ﷺ : ((إن منكم

стр. 281

منفرين)) (١)، وصدق - والله - رسول الله ﷺ وقد قال هذا لمن أطال الصلاة، فما عساه يقول فيمن يطيل الخطاب، ويسيء الأسلوب؟ ؟ . وقد جاء أكثر من وفد من كفار قريش إلى النبي ﷺ ، فلم يتغير أسلوب خطابه تأثراً بما كان منهم من قبل من التعذيب، والفجور، والصد عن سبيل الله، وستأتي بقية الأدلة على هذا في باب الرفق من هذا المبحث. وخشية أن يتأثر موسى ﵊، بما كان عليه فرعون من الكفر الشديد، والظلم الكبير، والعناد والخبث، ذكّره الله بأن لا يتجاوز الأسلوب الحسن في خطابه، وأن لا يلتفت إلى سوابق فرعون من كفر وظلم، وإلى تصرفاته من بطش وإجرام. ويظهر هذا في قوله تعالى مخاطباً موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ﴾ [طه: ٤٤]. ويظهر كذلك في المحاورة التي جرت بين موسى وفرعون مما ذكره الله في أكثر من موضع (٢). فإذا كان الأسلوب الحسن واجباً في حق أكفر الكافرين، وأضل الضالين، فكيف بمؤمن مخطئ، أو مسلم منحرف؟ . لذلك كان من الأمور التي يجب على الداعية أن يلتزمها في دعوته طاعة لله، ومصلحة لدعوته؛ حسن الأسلوب، وثباته على هذا، في كل

стр. 282

زمان ومكان، ومع كل مدعو ومدعوين، دون النظر إلى ما عليه المدعو من الأحوال الإيمانية .. والعدوانية .. والخلقية، ومهما تصرف من تصرف حيال الدعوة، أو الداعي .. لأن حسن الأسلوب أمر شرعي، مفروض على الداعية، لا يتغير بتغير حال المدعو وتصرفاته. فلا يجوز التصرف في الدعوة، إلا رفقاً بالأفعال، ورقة في التعبير، وعطفاً في التصرف. المطلب الثاني: القاعدة الثانية: الرفق واللين والتيسير، لا القساوة والغلظة والتعسير إن من أعظم ميزات الأسلوب الحسن ومعالمه هو: الرفق في المعاملة، والكلمات الطيبة، والعبارات اللينة، والبشاشة حين اللقاء، والبعد عن الجفاء، والتجافي عن الفظاظة، والترفع عن الرد. وقد مر سابقاً من النصوص ما يغني عن إعادتها من أهمها ما أمر الله به موسى وهارون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا .. ﴾ الآية [طه: ٤٤] قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرّحْمَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال سبحانه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] وقال ﷺ : ((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) (١). وقال ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) (٢).

стр. 283

وقال ﷺ : ((ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار: على كل قريب هَيِنٍ سَهْلٍ)) (١). فإذا كان هذا هو الواجب في أسلوب المسلم في حياته العامة، فمن باب أولى أن يتأكد هذا في أسلوب الدعاة .. لما سبق من بيان أهمية الأسلوب في الدعوة إلى الله تعالى. ولذلك جاءت النصوص مؤكدة على ذلك: قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ الآية [النحل: ١٢٥] وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((يا عائشة: إن الله رفيق يُحب الرفق، ويُعطي على الرفق مالا يُعطي على العنف، ومالا يُعطي على ما سواه)) (٢) وفي رواية: قالت: كنت على بعير صعب، فَجَعَلْتُ أضربه .. فقال لي رسول الله ﷺ : ((عليك بالرفق .. )) الحديث (٣).

стр. 284

وبتعبير تأصيلي بديع، وذكرٍ للسر في ذلك، يقول ﵊: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) (١). زانه أي: إذا كان الرفق في شيء جعله جميلاً، ومحبوباً، ويكون ذلك؛ بالمعاملة الحسنة، والكلمة الطيبة، والصفح الجميل، وهذا هو الذي يُصلح الأسلوب، ويجعله مقبولاً لدى المدعوين. شانه: جعله مقبوحاً، ومكروهاً، ويكون بالألفاظ القاسية، والأسلوب الجاف، والتجهم بالوجه، والتأفف من المدعو وأفعاله، مما يؤدي إلى إفساده، وإفساد الدعوة، ونفور المدعوين. وإذا عوتب رسول الله ﷺ إذ عبس في وجه أحد المدعوين - الأعمى عبدالله بن أم مكتوم - وكان رسول الله ﷺ في ذلك مجتهداً مُقدِّماً مصلحة دعوة صناديد قريش على دعوة عبدالله بن أم مكتوم الأعمى (٢) .. فإذا عوتب رسول الله ﷺ في ذلك، فما حال بعض الدعاة الذين يتجهمون في وجوه الناس .. ويرغون ويزبدون .. وكأن بينهم وبين المدعوين حرباً ضروساً، وعداءاً مستحكماً. فحريّ بالداعية؛ أن يراجع أسلوبه، فهو نصف النجاح، إن لم يكن معظمه.

стр. 285

المطلب الثالث: القاعدة الثالثة: الشفقة والنصح، لا التوبيخ والفضح . المدعوون مرضى، والداعية طبيبهم. والطبيب الناصح يكون شفيقاً بالمرضى .. همه معالجتهم، والأخذ بأيديهم إلى طريق الصحة، وإنقاذهم مما هم فيه، ولا يجوز له إلقاء اللوم، ولا فضيحة المريض، ولا التشفي منه، فإن هذا يزيدهم مرضاً على مرض، وضياعاً على ضياع، وهماً على هم، لأجل هذا، وجب أن يكون أسلوب الداعية أسلوب الشفيق بمدعويه، الرحيم بهم. قال تعالى عن رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال ﷺ : ((الدين النصيحة)) (١). فجعل محور الدين النصيحة، لا الفضيحة، فإن للنصيحة أسلوبها، وللفضيحة طريقها، وشتان بين الطريقين أسلوباً وأثراً. ومن الخطأ الواضح؛ مايفعله بعض الدعاة من تتبع عثرات المسلمين، وكشف عوراتهم بدعوى ظاهرها زين، وباطنها شين. وقد قال ﷺ : ((يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قبله لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)) (٢)
следующие страницы →