منفرين)) (١)، وصدق - والله - رسول الله ﷺ وقد قال هذا لمن أطال الصلاة، فما عساه يقول فيمن يطيل الخطاب، ويسيء الأسلوب؟ ؟ .
وقد جاء أكثر من وفد من كفار قريش إلى النبي ﷺ ، فلم يتغير أسلوب خطابه تأثراً بما كان منهم من قبل من التعذيب، والفجور، والصد عن سبيل الله، وستأتي بقية الأدلة على هذا في باب الرفق من هذا المبحث.
وخشية أن يتأثر موسى ﵊، بما كان عليه فرعون من الكفر الشديد، والظلم الكبير، والعناد والخبث، ذكّره الله بأن لا يتجاوز الأسلوب الحسن في خطابه، وأن لا يلتفت إلى سوابق فرعون من كفر وظلم، وإلى تصرفاته من بطش وإجرام.
ويظهر هذا في قوله تعالى مخاطباً موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ﴾ [طه: ٤٤].
ويظهر كذلك في المحاورة التي جرت بين موسى وفرعون مما ذكره الله في أكثر من موضع (٢).
فإذا كان الأسلوب الحسن واجباً في حق أكفر الكافرين، وأضل الضالين، فكيف بمؤمن مخطئ، أو مسلم منحرف؟ .
لذلك كان من الأمور التي يجب على الداعية أن يلتزمها في دعوته طاعة لله، ومصلحة لدعوته؛ حسن الأسلوب، وثباته على هذا، في كل
стр. 282
زمان ومكان، ومع كل مدعو ومدعوين، دون النظر إلى ما عليه المدعو من الأحوال الإيمانية .. والعدوانية .. والخلقية، ومهما تصرف من تصرف حيال الدعوة، أو الداعي .. لأن حسن الأسلوب أمر شرعي، مفروض على الداعية، لا يتغير بتغير حال المدعو وتصرفاته.
فلا يجوز التصرف في الدعوة، إلا رفقاً بالأفعال، ورقة في التعبير، وعطفاً في التصرف.
المطلب الثاني: القاعدة الثانية: الرفق واللين والتيسير، لا القساوة والغلظة والتعسير
إن من أعظم ميزات الأسلوب الحسن ومعالمه هو: الرفق في المعاملة، والكلمات الطيبة، والعبارات اللينة، والبشاشة حين اللقاء، والبعد عن الجفاء، والتجافي عن الفظاظة، والترفع عن الرد.
وقد مر سابقاً من النصوص ما يغني عن إعادتها من أهمها ما أمر الله به موسى وهارون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا .. ﴾ الآية [طه: ٤٤]
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرّحْمَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣]
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]
وقال ﷺ : ((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) (١).
وقال ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) (٢).
стр. 283
وقال ﷺ : ((ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار: على كل قريب هَيِنٍ سَهْلٍ)) (١).
فإذا كان هذا هو الواجب في أسلوب المسلم في حياته العامة، فمن باب أولى أن يتأكد هذا في أسلوب الدعاة .. لما سبق من بيان أهمية الأسلوب في الدعوة إلى الله تعالى.
ولذلك جاءت النصوص مؤكدة على ذلك:
قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((يا عائشة: إن الله رفيق يُحب الرفق، ويُعطي على الرفق مالا يُعطي على العنف، ومالا يُعطي على ما سواه)) (٢)
وفي رواية: قالت: كنت على بعير صعب، فَجَعَلْتُ أضربه .. فقال لي رسول الله ﷺ : ((عليك بالرفق .. )) الحديث (٣).
стр. 284
وبتعبير تأصيلي بديع، وذكرٍ للسر في ذلك، يقول ﵊: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) (١).
زانه أي: إذا كان الرفق في شيء جعله جميلاً، ومحبوباً، ويكون ذلك؛ بالمعاملة الحسنة، والكلمة الطيبة، والصفح الجميل، وهذا هو الذي يُصلح الأسلوب، ويجعله مقبولاً لدى المدعوين.
شانه: جعله مقبوحاً، ومكروهاً، ويكون بالألفاظ القاسية، والأسلوب الجاف، والتجهم بالوجه، والتأفف من المدعو وأفعاله، مما يؤدي إلى إفساده، وإفساد الدعوة، ونفور المدعوين.
وإذا عوتب رسول الله ﷺ إذ عبس في وجه أحد المدعوين - الأعمى عبدالله بن أم مكتوم - وكان رسول الله ﷺ في ذلك مجتهداً مُقدِّماً مصلحة دعوة صناديد قريش على دعوة عبدالله بن أم مكتوم الأعمى (٢) .. فإذا عوتب رسول الله ﷺ في ذلك، فما حال بعض الدعاة الذين يتجهمون في وجوه الناس .. ويرغون ويزبدون .. وكأن بينهم وبين المدعوين حرباً ضروساً، وعداءاً مستحكماً.
فحريّ بالداعية؛ أن يراجع أسلوبه، فهو نصف النجاح، إن لم يكن معظمه.
стр. 285
المطلب الثالث: القاعدة الثالثة: الشفقة والنصح، لا التوبيخ والفضح .
المدعوون مرضى، والداعية طبيبهم. والطبيب الناصح يكون شفيقاً بالمرضى .. همه معالجتهم، والأخذ بأيديهم إلى طريق الصحة، وإنقاذهم مما هم فيه، ولا يجوز له إلقاء اللوم، ولا فضيحة المريض، ولا التشفي منه، فإن هذا يزيدهم مرضاً على مرض، وضياعاً على ضياع، وهماً على هم، لأجل هذا، وجب أن يكون أسلوب الداعية أسلوب الشفيق بمدعويه، الرحيم بهم.
قال تعالى عن رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
وقال ﷺ : ((الدين النصيحة)) (١).
فجعل محور الدين النصيحة، لا الفضيحة، فإن للنصيحة أسلوبها، وللفضيحة طريقها، وشتان بين الطريقين أسلوباً وأثراً.
ومن الخطأ الواضح؛ مايفعله بعض الدعاة من تتبع عثرات المسلمين، وكشف عوراتهم بدعوى ظاهرها زين، وباطنها شين.
وقد قال ﷺ : ((يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قبله لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)) (٢)
стр. 286
بل على العكس من ذلك أمر الإسلام بستر المسلمين.
قال ﷺ : (( .. ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) (١).
ولذلك كان من سنة رسول الله ﷺ ، إذا أحس من أحد خطأ، قام بواجب النصح في الأمر مع ستر عين الفاعل، فكان يقول على المنبر: ((ما بال أقوام .. )) (٢)، فبهذا يؤدي واجب النصح، ويؤدي في الوقت نفسه واجب الستر. وهي موازنة يجب أن يراعيها الدعاة إلى الله، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث الخطاب المطلق.
وقد وردت قواعد في مباحث سابقة تدخل في إطار هذا المبحث منها: نصحح ولانجرح ... ننصح ولانفضح ... وقد شرحت في مكانها مما يغني عن إعادتها (٣).
المطلب الرابع: القاعدة الرابعة: سهولة الأسلوب، وبساطة الطرح، وواقعية التمثيل .
المقصود من الدعوة إلى الله: تبليغ أمر الله ، وفهمه من المدعوين، وليس المقصود: بلاغة الداعية في خطابه، وتنميق عباراته،
стр. 287
وسجع ألفاظه .. وضربه أمثالاً خيالية لا تفهم، وسبكه تراكيب ومصطلحات لا تدرك.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ .. ﴾ الآية [إبراهيم: ٤].
فلم يكتف الله بذكر أن الإرسال كان (بلسان قومهم) بل ذكر العلة في ذلك، وهي: البيان والتوضيح، وسأزيد البحث تفصيلاً في أسلوب القرآن والسنة بعد هذا المبحث.
стр. 288
المبحث الثالث لفتات عن الأسلوب في القرآن الكريم:
لقد جاء القرآن سهل الأسلوب، واضح البيان، متنوع الطرح، ليس فيه تعقيد في التعبير .. ولا فلسفة في العرض، ولا خيالية في التمثيل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠].
وإنما أُتي من لم يفهم القرآن، من جهة ما حلَّ بالعرب من عجمة، وبعدٍ عن لغتهم الأساس، وإلا فأي عربي لا يفهم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ .. ﴾ السورة.
وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ .. ﴾ السورة، فهذا من سهولة ووضوح بيانه ووضوحها.
ولا يَغْمُض سياق القرآن ومقاصده على عربي .. وإنما الذي يغمض، بعض الألفاظ التي هجر استعمالها العرب.
وأمّا بشأن الأسلوب فيتنوع أسلوب القرآن - كما أُلمح إلى ذلك من قبل- فتجد فيه التقرير الصارم، والأمر الجازم، في الوقت الذي تستمتع فيه بالقصص المؤثرة، والأمثال المعبرة، وتسمع منه الأخبار الماضية، والأحكام المحكمة، والأنباء القادمة ... ثم يفاجئك بفتح ناظريك على المشاهد المستقبلة من صور يوم القيامة، ومناظر من الجنة والنار، كأنك تراهما رأي العين .. لتسمع لقطات مما يجري فيهما بين أهليهما .. ﴿وَنَادَوا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ
стр. 289
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]، وتلفي فيه الحوار الممتع، والمناظرة المفحمة، في الوقت الذي يعج بالحجج العقلية، والمؤثرات العاطفية.
كل ذلك بأسلوب يتلمس الناظر فيه، رقة التعبير عند الترغيب، وقوة التأثير عند الترهيب، ويلمحُ فيه كلمات الأنس التي يناجي بها القلوب اللينة، فيضفي عليها شعوراً من الأنس، وطمأنينة بعد القلق.
في الوقت الذي تلتفت فيه عبارات التذكير لتحرك الوجدان، وتغذي الشعور .. ثم تنعطف قوارع الترهيب، فتهدد كيان النفس، وتقذف الرعب في القلب ..
وترى فيه المحكم والمتشابه .. وتلقى فيه المجمل والمفصّل، كل ذلك وهو يتدفق بكلمات حانية .. ووعد صادق .. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ .. ﴾ الآية [النساء: ١٤٧]، ﴿ .. إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، ويهدد بألفاظ قارعة، ووعيد شديد. ﴿ ... وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]
كل ذلك؛ بأسلوب أخّاذ، وعبارات جذابة .. وإيقاع يتناسب مع كل موضوع .. ومع كل ذي روح ونَفَس.
كل ذلك حتى يكون الخطاب شاملاً للخلق، مؤثراً في النفس .. مقيماً للحجة، فمن لم يتأثر بالترغيب .. تأثر بالترهيب .. ومن لم يتحرك قلبه .. تحرك عقله .. للاستجابة. (١)
стр. 290
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
وفي مقام التمثيل انظر إلى أمثال القرآن الكريم ما أروعها في المقصود، وما أيسرها في الفهم، وما أوقعها في النفس، وما أسهلها في التعبير، وما أنسبها لجميع الخلق: ذكورهم وإناثهم، عربهم وعجمهم، بدويهم وحضريّهم (١).
وهكذا كان القرآن الكريم في بيانه؛ سهل الأسلوب .. واضح الطرح .. ، واقعي التمثيل .. يتناسب والناس جميعاً على اختلاف ثقافاتهم وأجناسهم.
стр. 291
المبحث الرابع لفتات عن الأسلوب في السنة النبوية:
وما يقال في هذا الباب عن القرآن الكريم يقال عن السنة المطهرة، فهذا سيد البلغاء، وأفضل من نطق بالضاد، يتكلم بأسلوب يفهمه طبقات الناس جميعاً، حتى بعد أربعة عشر قرناً.
فمن الذي لا يفهم قوله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) (١).
ومن الذي لا يعي قوله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم .. لا يظلمه، ولا يحقره .. )) (٢) الحديث.
وقوله: ((كل المسلم على المسلم حرام ... )) (٣) الحديث.
وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات .. )) (٤) الحديث.
وإنما أُتي المسلمون من بعدهم عن اللغة العربية.
وكان من أسلوب رسول الله ﷺ ؛ إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه (٥).
стр. 292
وكان يفصّل في كلامه ويتأنى في إلقائه فعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ : كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه (١).
وكان يضرب لهم الأمثلة الجميلة من واقعهم فيفهمونها، ويدركون مدلولها، فضرب لهم مثلاً عن المؤمن ((السنبلة تستقيم مرة وتخر مرة)) (٢).
وقال ﷺ : ((مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كمثل صاحب المسك، ونافخ الكير .. )) (٣) الحديث.
وقال ﷺ : ((مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين)) (٤) الحديث.
فمن من الصحابة ومنا - بعد ألف وأربعمائة سنة - لا يعرف السنبلة، ولا يعرف بائع المسك، ولا يعرف الغنم؟ .
وغير ذلك من الأمثلة البديعة التي لا تكاد تحصى في السنة .. كل ذلك كان بأسلوب ممتع .. وعبارات سهلة .. وتعبير مفهوم .. وعرض حسن، ونطق جميل .. فأين نحن اليوم - معشر الدعاة من هذا؟ ! ؟ -، وسأتعرض إلى بعضها في مبحث الأمثال. (٥)
стр. 293
المبحث الخامس أخطاء بعض الدعاة في الأسلوب:
ومن هذه النصوص يعلم خطأ الذين يخطبون .. أو يدرسون أو يكتبون بأسلوب معقد، ويختارون الكلمات الصعبة .. وكثير من المسلمين ــ وبخاصة شباب الصحوة ــ لا يفهم ما يكتب، ولا يعي ما يسمع، بل تحتاج خُطب بعضهم وكُتبه، إلى وجود قاموس لغوي، بجوار السامع أو القارئ، وكأنّ المسألة مسألة مبارزة بالألفاظ، وتحد في التعبير.
ولا تكاد تخرج من خُطب كثير منهم أو دروسهم بفائدة تُذكر، أو بعبارات تُحفظ .. همه سرد المعلومات، وليس تبسيطها، والإكثار منها، لا التأكد من فهمها (١).
إن سهولة الأسلوب، وبساطة الطرح، وعذوبة الألفاظ، تدفع الناس إلى الاستماع، فالتعلم .. فالتأثر .. فالعمل.
وإن صعوبة الأسلوب، وتعقيد الطرح، يدفع الناس للإعراض .. ولا يخفى ما يترتب على ذلك.
وأسوأ من هذا ما كُتب باسم (العقيدة) بألفاظ أفلاطونية، وعبارات فلسفية .. فضلاً عما فيها من مخالفات شرعية، وتكلف ما
стр. 294
أمرنا الله تعالى به، ولا رسوله ﷺ ، بعيدين عن هدي الكتاب والسنة في العقيدة، وما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، والأئمة الأربعة ﵏ مما يسمى بالعقيدة السلفية الصافية (١).
стр. 295
المبحث السادس في إثارة العاطفة، وتحريك العقل:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أهمية ذلك:
من جمال أسلوب الداعية، وجذبه الناس إلى الاستماع له .. وتأثرهم به .. أن يتضمن أسلوبه ما يثير العاطفة .. ولا يطغى عليه .. ومن قوة حجة الداعية، ومتانة أسلوبه، أن يحتوي على ما يحرك العقل، ولا يقتصر عليه.
فمن الناس؛ من هم أصحاب عاطفة، يتأثرون بما يثير الوجدان، ويتلمس القلوب .. ومنهم من يتأثر بالقناعات العقلية، والقضايا الفكرية.
وبناءاً على هذا؛ فإن من حكمة الداعية؛ أن يعم بخطابه الصنفين؛ العاطفيين والعقلانيين، وأن يشمل بأسلوبه الطرفين.
لأن اقتصار الداعية في أسلوبه على إثارة العاطفة، وخلو خطابه مما يحمل على التفكير .. من إيرادات عقلية، وقضايا فكرية، يحمل فريقاً من المدعوين على الإعراض عن الاستماع .. والاستخفاف بالداعية.
واقتصار الداعية في أسلوبه، على تحريك العقل، والطرح الفكري. يدفع فريقاً كبيراً من الناس إلى الملل، والإعراض عما يقال، لعدم فهمه ما يطرح.
стр. 296
المطلب الثاني: التوازن بين خطاب القلب والعقل في القرآن الكريم:
ونظراً لأهمية هذا التوازن في مخاطبة الناس، فقد جاء القرآن الكريم متوازناً توازناً بديعاً في هذا الشأن، فقد تضمن الأسلوب القرآني هذين الأمرين.
فانظر إلى هذه النصوص، وهي تطرح البرهان، وتثير العقل.
﴿أم اتخذواءَالِهَةً مّنَ الأَرضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَآءَالِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا .. ﴾ [الأنبياء الآيتان: ٢١، ٢٢].
﴿قُلْ لّوْ كَانَ مَعَهُءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاّبْتَغَوْا إِلَىَ ذِى الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢].
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
فما أبدعها من إلزامات عقلية، وما أصدقها من براهين فكرية .. تخضع لها العقول الصحيحة، ويُسلّم لها الفكر السليم!
وانظر إلى الجانب الثاني، جانب النصوص التي تثير وجدان الإنسان، وتحرك عاطفته، بأسلوب رقيق، وعبارات مؤثرة.
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينَءَامَنُوَا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلا يَكُونُوا كَالّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
﴿مّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وءَامَنْتُمْ .. ﴾ الآية [النساء: ١٤٧]
﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٢٧]
стр. 297
﴿وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبيتَاً﴾ الآية [النساء: ٦٦].
ومن جميل ما تضمنه القرآن الكريم: أن يحوي النص الواحد على مايثير العقل، ويحرك العاطفة، ومن ذلك:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْلّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١].
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىَ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦].
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].
فانظر - يا رعاك الله- كيف حرك الله العقل بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم .. ﴾ أي: ما رأيكم؟ - وهو تحريك للعقل، وإثارة للفكر - كيما يحمله هذا الأمر على التذكير، ويدفعه إلى التفكير، فيما لو حصل ما نبه الله إليه، من استدامة الليل، أو استدامة النهار.
الأمر الذي يدفعه إلى مزيد من الإيمان، ومزيد من شكر الله على نعمه.
ثم كان طرح الأمر طرحاً مثيراً للعاطفة .. يدفع إلى الخوف من الله: أن يجعل ﴿الليل سرمداً .. ﴾، ﴿النهار سرمداً﴾ .. ﴿أخذُ السمع﴾ .. ﴿أخذُ البصر﴾ .. ﴿ختمُ القلب﴾.
стр. 298
وفي هذا؛ تحريك للوجدان، لخشية الرحمن، والالتجاء إليه، والإيمان بربوبيته، وأنه بيده كل شيء، وهو قادر على كل شيء .. والإيمان بألوهيته .. حتى يُعبدَ وحده .. ولا يُلجأ إلى أحد سواه ..
وتأمل قوله تعالى: ﴿أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ الله .. ﴾ الآية [النمل: ٦٢]
كيف جمع بين خطاب العقل، ومناجاة القلب.
ففي قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر﴾، وقوله: ﴿أإله مع الله﴾، محاكاة عقلية .. وقضية فكرية .. فإذا لم يكن يستطيع ذلك إلا الله، فلِمَ اللجوء إلى غيره .. ؟ ! ؟
فهل لكم عقول تفكر؟ أو قلوب تعقل .. ؟ ! أيكون مع هذا الإله العظيم، الذي هو على كل شيء قدير، آلهة ضعفاء، يردّون ما أخذ الله منكم، أو يجيبونكم إن لم يجبكم الله؟ ! ؟
ومن خلال هذا الطرح العقلاني، يسوق الله ذلك بأسلوب عاطفي، يناجي به القلوب، ويحرك به الوجدان.
فَذِكْر الله في خطابه (المضطر)، و (كشف السوء)، و (الدعاء) فيه مخاطبة للأفئدة، ومناجاة للعاطفة، لأن الاضطرار، وكشف الضرر، تتأثر بها القلوب، ويستفيض لها الوجدان ..
﴿أَفَلا يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤]
اللهم اجعلنا من المتدبرين.
ولو أردنا تتبع هذا في القرآن الكريم، لطال بنا المقام طولاً بعيداً عن المقصود.
стр. 299
المطلب الثالث: التوازن بين العقل والعاطفة عند الرسل:
وكذلك نهج الرسل هذا المنهج العظيم، منهج الموازنة في الخطاب بين العقل والعاطفة.
فانظر إلى إبراهيم ﵊، وهو يجمع بين مخاطبة القلب والعقل إذ يقول: ﴿يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يَبْصِرُ .. ﴾ الآية [مريم: ٤٢].
ففي قوله: يا أبت .. مخاطبة للقلب، وإثارة للعاطفة.
وفي قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يَبْصِرُ .. ﴾ خطاب للعقل، وحض على التفكير.
وفي مثل هذا المقام نجد هارون يقول لأخيه موسى عليهما الصلاة والسلام: ﴿يَبْنَؤُمّ ... ﴾.الآية [طه: ٩٤]
ولا يخفى مافي هذا الخطاب الرقيق، من تحريك لوجدان موسى عليهما الصلاة والسلام.
ويقول يوسف ﵊ لمن معه في السجن ﴿يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ القَهَار * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلآ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَءَابآؤُكُمْ مَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]
وقد تضمن هذا الأسلوب عاطفة .. وعقلانية .. وتقريراً ..
ففي قوله ﷺ : يا صاحبي السجن: عاطفة؛ إذ لم يجد شيئا آخر يحرك به عاطفتهم تجاهه إلا صحبة السجن.
стр. 300
وفي قوله: أرباب متفرقون ... ، تحريك للعقل، ونجش للتفكير.
وفي قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وءَابَآؤُكُمْ﴾ تقرير وحكم.
المطلب الرابع: السنة ومخاطبة العقل والقلب:
لم يكن أسلوب الرسول ﷺ إلا مستمداً من القرآن ومن إخوانه الرسل، فقد كانت سنته ﷺ في خطابها، تجمع بين حض العقل والتفكير، ومناجاة الوجدان والقلب بما يحركهما .. ومن ذلك:
ما أجاب به رسول الله ﷺ الشاب الذي استأذنه بالزنى: فقال له: ((هل ترضاه لأمك .. هل ترضاه لأختك .. )) (١) الحديث.
فهذا خطاب للوجدان والفطرة.
ومن ذلك ما كان ﵊ يقوله لأصحابه: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد .. )) (٢) الحديث.
وهل ثمة عاطفة أبلغ من هذه.
واتضحت العاطفة الحانية في أفعاله ﷺ وضوحاً ساطعاً، وذلك في تقبيله للأولاد، وعدم ضربه أحداً من المسلمين .. وعفوه عمن آذاه ..
وأسلوب الداعية لا يقتصر على الكلام بل يشمل الفعال كذلك، بل ربما كانت أدل على المقصود.
стр. 301
وأما في مقام العقل، ففي سنته الشيء الكثير .. فمن ذلك؛ قوله ﷺ عندما سئل: أيأتي أحدنا شهوته وله أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ .. )) (١) الحديث.
ولما سئل عن العدوى: أرأيت البعير الأجرب يكون في الإبل ... فيجر بها، فقال ﷺ : ((فمن أعدى الأول)) (٢).
وسألته امرأة عن حكم الحج عن أمها التي ماتت فأجابها: (( ... أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ .. اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)). (٣)
فهذه خطابات تحرك العقل .. وتدفع نحو التفكير.
وهكذا ينبغي للداعية الحكيم - حتى يكون خطابه مؤثراً - أن يتضمن خطابه الدعوي إثارة للعاطفة، وتحريكاً للفكر .. فيجمع بهذا بين الأمرين، فإذا خاطبهم عاطفياً أيده بالأدلة المقنعة .. والحجج الدامغة .. وإذا خاطبهم بما يثير العقل .. حلاّه بالإثارة الوجدانية .. والمناجاة القلبية.
فإن محركات العقل، تدفع إلى الاقتناع والتسليم.
وإن مناجاة القلب، لها أثر في الاستجابة والاطمئنان.
وبهذا يكون الداعية قد حقق الموازنة، وخاطب جميع الأصناف، ولبّى حاجاتهم النفسية المركبة من العقل المفكر، والقلب المقرر، والله نسأل: عقولاً نيرة، وقلوباً صادقة، إنه ولي ذلك وأهله.
стр. 302
المبحث السابع التذكير بأيام الله، وذكر المنافع والمضار في الخطاب الدعوي .
وفيه ثلاثة مطالب:
الأول: المقصود والأهمية:
طبع الإنسان على حب المنافع، والاستجابة لأسبابها، وكراهية المضار، والنفور من سبلها .. كما طبع على الغفلة عما ينفعه وعما يضره، وعلى نسيان نعم الله تعالى، ومَكْرِه وعقوبته، وما فعل الله بالمسرفين من الأقوام السالفة، وما جازى به المطيعين من الخيرات والبركات، قال تعالى: ﴿ .. وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ .. ﴾ الآية [البقرة: ٢٣١]
لهذا أمر الله موسى بتذكير بني إسرائيل بنعم الله فقال له: ﴿وَذَكّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ .. ﴾ الآية [إبراهيم: ٥].
قال ابن كثير: ((أي بأياديه ونعمه عليهم، في إخراجه إياهم من أسر فرعون، وقهره، وظلمه، وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من النعم)) (١).
ذلك لأن النفس البشرية تستروح إذا أحست بمصلحتها .. وتنفر إذا تأكدت مضرتها .. فيدفعها ذلك إلى الاستجابة لما فيه الخير .. والنفور مما فيه ضرر، لذلك كان على الداعية أن لا يغفل عن ذلك، فضلاً عن تقرير ذلك في الكتاب والسنة.
стр. 303
وقال القرطبي: ((أي: قل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: بنعم الله (١)، وقاله أبي بن كعب، ورواه مرفوعاً (٢) أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون، ومن التيه إلى سائر النعم، وقد تسمى النعم: الأيام)) (٣).
وأمر الله تعالى رسوله ﷺ بالتحدث بنعم الله، فقال سبحانه:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]
المطلب الثاني: ذكر ذلك في القرآن الكريم:
رغم جلال قدر الله سبحانه، وعظيم سلطانه، وأن أمره ونهيه لا يكونان إلا عن علم، وحكمة، ومصلحة للعباد، ومع ذلك؛ نجد الأسلوب القرآني يذكر مثل هذا، رحمة بالعباد، وحباً باستجابتهم.
فيقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَئَامَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]
ويقول سبحانه: ﴿وَأَلّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا .. ﴾ الآية [الجن: ١٦]
ويقول تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ .. ﴾ الآية [الحج: ١٣]
стр. 304
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيّنُ اللهُ لَكُمُ الايَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]
وقال تعالى معللاً نهي أولياء المرأة عن الإعضال (١): ﴿ .. ذَلِكُمْ أَزْكَىَ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
وقد كاد أن يكون ثلث القرآن الكريم يقص أيام الله في الذين خلو من قبل، انتقاماً منهم، أو إنعاماً عليهم.
المطلب الثالث: سيرة الأنبياء في هذا:
وهكذا مضت سنة الرسل بالعمل بهذه القاعدة ((التذكير بالمنافع والمضار)).
قال نوح ﷺ : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً﴾ [نوح: ١٠ - ١١]
ولما أمر الله موسى ﵇ بتذكير قومه بأيام الله كما سبق، سارع موسى ﵊ لامتثال موعظة ربه والعمل بها.
قال تعالى عقب ذلك مباشرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ... ﴾ الآية [ابراهيم: ٦]
стр. 305
واعتذر هارون لموسى إذ لم يتبعه خشية تفرق بني إسرائيل، فقال: ﴿إِنّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [طه: ٩٤] وقد كانت هذه - وقتئد - في رأي هارون مصلحة واضحة.
وقد مضت السنة العطرة، بهذا المنهاج المستقيم، بذكر فوائد بعض العبادات:
فمن ذلك؛ قوله ﷺ : ((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل به كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ ))، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)) (١).
وقوله ﷺ : ((والصيام جُنَّة)) (٢)، أي: وقاية من الشرور، وحفظ من الزلل.
وقوله ﷺ : ((صيام ثلاثة أيام من كل شهر تذهب وحر الصدر)) (٣).
وقال ﷺ : ((خمس بخمس))، قيل: يا رسول الله، ما خمس بخمس؟ قال: ((ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر، ولا طففوا المكيال إلا حبس عنهم النبات وأخذوا بالسنين)) (٤).
стр. 306
وقال ﷺ : ((داووا مرضاكم بالصدقة)) (١).
ففي هذه النصوص من السنة النبوية، دلالة واضحة على ما ذُكر، من أهمية ذكر المصالح والمفاسد في أسلوب الدعوة.
стр. 307
المبحث الثامن متنوع في صيغ الأسلوب .
ثمة صيغ متنوعة للأسلوب الناجح، لا ينبغي للداعية أن يغفل عنها، وهي لا تنحصر تحت باب أو مبحث قد جمعتها تحت هذا المبحث العام وقسمتها إلى خمسة مطالب، من ذلك:
المطلب الأول: الخطاب بصيغة الجمع باستعمال (نا) المتكلم، لا بضمائر المخاطبة، كالتاء مع ميم الجمع، أو الكاف .
فلا يقل الداعية مثلاً: - في حال النصح وتصحيح الخطأ -: (أنت) أو أنتم أيها المسلمون فعلتم .. وأنتم قصرتم .. وانهزمتم، وعليكم أن تتوبوا إلى الله .. وأن تتبعوا سنة رسول الله ﷺ ، وهذه من ذنوبكم وأفعالكم، وما شابه ذلك.
بل يقل: نحن المسلمين قصرنا، ولو فعلنا .. ولو تبنا ..
أو يخاطبهم بأداة الشرط: من فعل كذا .. كان له كذا .. أو كان عليه كذا.
أو يخاطبهم بصيغة مطلقة: لو تاب المسلم أو المسلمون .. ولو فعل المسلمون ... وهكذا.
لأن في صيغة المخاطب (أنتم) نوع من الاتّهام للمدعوين، والتبرئة للنفس وتزكيتها، مما يدفع بعض المدعوين لعدم الإنصات، بل والنقد .. مما الداعية بِغِنىً عنه.
стр. 308
وأما في الصيغة الثانية: صيغة المتكلم، وفي الصيغة المطلقة، فإن المخاطبين يستشعرون بتواضع الداعية، وأنه منهم ومعهم، يصيبه ما يصيبهم، ويناله ما ينالهم، مما يدفعهم للتفاعل معه.
ولا يحتجّ محتج ببعض الآيات التي خاطبت الناس بـ (ميم الجمع)، لأن المخاطِب هو الله .. وفرق كبير بين خطاب الرب العظيم، وخطاب عبد غير معصوم، ولا يمكن أن يجتمع الله سبحانه مع خلقه في فعل أو ضمير، في سياق التكليف أو التأديب.
ومع ذلك؛ نجد الخطاب المطلق والمشروط بالأفعال والأقوال في كتاب الله كثيراً دون تعيين.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَىَءَامَنُوا وَاتّقَوا ... ﴾ الآية [الأعراف: ٩٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء: ٦٦].
المطلب الثاني: الخطاب المطلق:
من المستحسن للداعية أن يُعمِّم في خطابه، وأن يطلق في عباراته دون أن يُخصِّص أقواماً، أو يُعيِّن أفراداً، ولو كانوا قائمين على الخطأ، أو مستمرين في العصيان.
ويمكنه - عند الحاجة - أن يعلق الأحكام بالأفعال، وأن ينيطها بالأقوال.
وهذا أسلوب دأب عليه القرآن الكريم.
فقال تعالى: ﴿ .. أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]
стр. 309
وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣]
وقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ .. ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]
فيلحظ البصير أن الله علق الأحكام بالأفعال والأقوال، ولم يذكر أسماء أصحابها.
وهذا هو الأصل إلا عند الحاجة الملحة.
وكذلك مضت السنة المطهرة على صاحبها أزكى الصلاة والسلام بعدم ذكر اسم المخالف أو المنصوح إلا بالتعريض، والعموم ..
فما أكثر ما كان رسول الله ﷺ يقول: ((ما بال أقوام .. )) (١).
ومع أن المقصود خطاب أقوام قاموا بالمخالفة التي دعت النبي لتوجيه خطابه إليهم .. ومع ذلك؛ لم يذكر النبي ﷺ : أسماءهم، فمن ذلك:
قوله: ((ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله .. )) (٢) الحديث.
وقوله: ((ما بال رجال يحضرون الصلاة معنا بغير طهور .. )) (٣) الحديث.
стр. 310
وقوله: ((ما بال رجال كلما نفرنا في سبيل الله، تخلف أحدهم، عندهن .. )) (١) الحديث.
ورأى رسول الله ﷺ أقواماً لا يحسنون الوضوء، ويَدَعون مواضع من أرجلهم لا يصيبها الماء، فقال: ((ويل للأعقاب من النار)) (٢).
فلم يحكم عليهم، ولا على أعقابهم، بل؛ لم يذكر أسماءهم، ولم يقل: ((ويل لكم))، أو ((ويل لأعقابكم)) مستعملاً كاف الخطاب.
وكان ﷺ يتكلم - أحيانا - بـ (نا) المتكلم، وهو لم يفعل الفعل، كما في خطبة الوداع: ((وأول ربا أضع ربانا - ربا عباس بن عبدالمطلب -)) (٣)، والنبي ﷺ ما رابى قط.
فانظر إلى عظم هذه الأفعال التي فعلها هؤلاء المخطئون وما يفعله المنافقون؛ من الصلاة بغير طهور، ومن تركهم الجهاد واقترافهم لبعض الذنوب، فضلاً عن أذية بعضهم للرسول ﷺ ، ومع هذا كله .. لم يذكر أسماءهم، ولم يحذر من أعيانهم.
ولكنه ﷺ كان يحكم على الأعمال ويصححها. فمن هذا وغيره تستنبط القاعدة: ((نُصحّح ولا نُجرّح))، فهل من مدّكر ممن يخالف هذا؟ اللهم هُداك.
стр. 311
فعلى هذا؛ لا يجوز ذكر الأسماء بالسوء في المجالس العامة، فضلاً عن ذكرها على عامة الناس، إلا ما كان منه في ضرورة قصوى .. كدفع مفسدة جلية .. أو جلب مصلحة كبيرة.
ومنه يدرك المسلم الواعي؛ خطأ من يذكر الأسماء على المنابر .. ويشهر بهم في المجالس .. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الوقت الذي نجد رسول الله ﷺ لا يسمي الذين يخطئون، نجده ﷺ يسمي أهل الفضل والعلم على الملأ.
فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبيُّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) (١).
وحديث العشرة المبشرين بالجنة مشهور.
فعن سعيد بن زيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: ((عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبدالرحمن بن عوف في
стр. 312
الجنة ولو شئت لسميت العاشر)) قال: فقالوا: من هو؟ ، فسكت، قال: قالوا: من هو؟ ، فقال: ((سعيد بن زيد)) (١).
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حُضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح)) (٢).
المطلب الثالث: في استخدام الداعية أسلوب الاستفهام، والترجي:
ينبغي على الداعية أن يغلب على عباراته الاستفهام سواء كان تقريرياً .. أواستفهامياً .. أواستنكارياً .. أوتعجبياً، وأن يكثر من ألفاظ الترجي كـ (لعلّ) ولفظة (أرأيت) و (رُبّ) .. بدل الخطاب التقريري، والاستنكاري المباشِرَيْن. (٣)
ذلك لأنّ استعمال أساليب الاستفهام، وألفاظ الترجي، في الخطاب أبلغ تأثيراً، وأقل أثراً سلبياً، ولو كان يتضمن نقداً مباشراً، لعدم استساغة الخطاب الاستنكاري والتقريري المباشِرَيْن.
стр. 313
فبدل أن يقول: لا يجوز للمسلم أن يُدخّن.
أو: يحرُم انتهاك حُرمات الله في رمضان.
يقول الداعية: أيليق بالمسلم أن يُدخّن .. ؟ ! ؟ .
أو: أيجوز انتهاك حُرمات الله .. وفي رمضان .. ؟ ! ! .
وبدل أن يقول: ستلقى الله على هذه الحال الآثمة
أو ستكون سيئاتكم تغلب حسناتكم.
يقول: كيف سنلقَى ربنا، ونحن على هذه الحال؟ ! ؟
أو: هل ستكون حسناتنا أرجح من سيئاتنا؟ !
وبدل أن يقول: أنتم لا تحبون الله ورسوله.
أو: يجب أن تحبوا الله ورسوله.
يقول: ألا تحبون الله ورسوله؟ ! !
أو: هل يفعل هذه المخالفة من يحب الله ورسوله؟ ! ؟ .
أو يقول: لعلنا نتوب إلى الله .. أو: أرأيتم لو تبنا إلى الله .. وهكذا.
وانظر - رحمك الله - إلى قول إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر بعد أن استنفذ كافة أساليب الخطاب الدعوي؛ من استفهامات وترجي، وإثارة للعاطفة والعقل .. قال مرهباً بأسلوب مفعوم بالشفقة والخوف عليه: ﴿قال يَأَبَتِ إِنّى أَخَافُ أَن يَمَسّكَ عَذَابٌ مّنَ الرّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم: ٤٥]، فانظر إلى كلمة (أخاف) و (يمسك) اللتين تقطران شفافية وتخوفاً، ومثله قول أخيه هود ﵊ لقومه الذين أذاقوه ما أذاقوه من صنوف الأذى: ﴿إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥]
стр. 314
والمقصود: أن يضع الداعية أداة الاستفهام قبل خطابه، وكلمات الرجاء والترجي في كلامه، وما شابه ذلك، حتى يُحْلِيَ أسلوبه، فلا يكون مراً، ويُرَطّب خطابه، حتى لا يكون جافّاً ..
المطلب الرابع: القرآن الكريم وأسلوب الاستفهام والترجي:
والمتأمل لأسلوب القرآن الكريم يجده مشحوناً بهذا الأسلوب الهادف، والتعبير الممتع .. حتى مع الكافرين .. ومع أشد الناس عداوة لله وللمؤمنين.
فاقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ .. ﴾. [القلم: ٢٥ - ٢٦]
استفهامان متتاليان .. يهزان الضمير، ويحرضان العقل .. ويقرران الحق، بأسلوب مقبول، وتعبير مثير، يدفع العاقل للإقرار والتسليم.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣]
وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٦٧].
وقال تعالى مراراً: ﴿أَءِلَهٌ مّعَ اللهِ .. ﴾.
وقال تكراراً: ﴿أرأيتم .. ﴾، ﴿أرأيت .. ﴾.
وقال كثيراً: ﴿لعلّ .. ﴾، ﴿لعلّهم .. ﴾.
стр. 315
وفي هذه التعابير ما لا يخفى من التأثير النفسي على السامع أو القارئ، لأن النفس تكره التقريع المباشر، والاتهام الصريح، ولو كانت مذنبة، ومقرّة بذلك في نفسها.
لذلك جاء هذا الأسلوب مقرراً للحقائق، مراعياً حال المخاطبين، فجمع بين قول الحق، وحسن العرض.
فاللهم اهدنا لأحسن الأساليب، إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
المطلب الخامس: السنة وأسلوب الاستفهام والترجي:
وقد سلك الأنبياء في خطابهم هذا المسلك.
قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللهِ شَكّ .. ﴾ الآية [إبراهيم: ١٠]
وقال إبراهيم ﷺ : ﴿مَا هَذِهِ التّمَاثِيلُ الّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ .. ﴾. [الأنبياء: ٥٢]
وقال: ﴿أَإِفْكًاءَالِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦]
وقال موسى ﵊: ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧].
وقال أيضاً ﵊: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ .. ﴾ الآية [الصف: ٥]
فانظر - رحمني الله وإياك - ما أعظم هذا التقرير، وما أبدع هذا العرض: قول الحق، بأسلوب مقبول، وطرح مؤثر.
وقال مؤمن سورة يس:
﴿ءَأَتّخِذُ مِن دُونِهِءَلِهَةً ... ﴾ الآية [يس: ٢٣].
стр. 316
وقال ﷺ لعلي: كيف أنت وقوم كذا وكذا، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ... )) (١)
وقال لأسامة بن زيد: ((أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله)).
وفي رواية: ((أقال لا إله إلا الله وقتلته ... )) (٢) الحديث.
وقال ﷺ في أمره بالمعروف - لعلي وفاطمة ﵄ ((ألا تصليان ... )). (٣) بدل أن يقول: ((قوما فصليا)) بصيغة الأمر
وقال ﵊ لرجل من الأنصار أرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر فقال ﷺ : ((لعلنا أعجلناك؟ ))، قال: نعم، يارسول الله، قال: ((إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك، وعليك الوضوء)) (٤).
وقال ﷺ لمن رمى ماعزاً بوظيف حمار فصرعه - حين فر من ألم الرجم - هلاَّ تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه)) (٥).
فليتأمل الداعية قوله ﷺ : ((هلا تركتموه))، وقوله: ((لعله يتوب))، وذلك بعدما قارف ماعز الخطئية، وطلب إقامة الحد .. وبدأ التنفيذ .. ثم يقول ﵊ بعد هذا كله: ((لعله يتوب .. ))، وكم من حديث قال فيه رسول الله ﷺ ((لعل)) .. و ((أرأيتم)) .. مما لا يكاد يحصى.
стр. 317
خلاصة هذا المبحث:
أن على الداعي أن يحسن من أسلوبه باستعمال (الضمائر) التي تفيد اشتراكه مع المدعووين، وبتعميم الخطاب، لا بتعيين المخاطبين، وأن يكثر من استعمال أدوات الاستفهام، وألفاظ الرقة واللين، وكلمات الترجي والرفق، مما يضفي على أسلوبه لذة في السماع، وقبولاً من المدعووين، والنصوص في هذا الباب أكثر من أن تحصى.
فاللهم اهدنا لمخاطبة الناس بالتي هي أحسن.
стр. 318
المبحث التاسع قص القصص، وضرب الأمثال:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المقصود والأهمية:
من حسن الأسلوب الذي أمر الله به؛ قص القصص، وضرب الأمثال من خلال الخطاب الدعوي.
فإن للقصص الهادفة والأمثال الواضحة جاذبية في السمع، وأثراً في الفهم، وتأثيراً في النفس.
فهي توضح المقصود، وتحكي الواقع، وتدلل على مصداقية الفحوى.
لذلك أكثر الله منها في كتابه .. وحث عليها .. وجاء بها رسول الله ﷺ في أحاديثه.
قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]
وقال: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣]
والقصص والأمثال يضفون على الأسلوب عذوبة .. ويهبون له أنساً .. فيجعلون له القبول، ويدفعون عنه السآمة والملل.
ولذلك لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكبيرة، وبعض الصغيرة منه من قصة، أو مثال أو أكثر، بل هناك سور كاملة، أو معظم السورة، تحكي قصة كاملة، أو قصصاً، كسورة هود ويوسف والقصص والأنبياء وغيرها.
стр. 319
ولم تتجافى السنة عن القصص والأمثال فهي في ذلك بحر زاخر، وفرات عذب، وسيأتي فصل خاص بذكر بعضها ..
المطلب الثاني: شروط القصة، وأمثلة من الكتاب والسنة:
من المعلوم أن للقصة والمثال شروطاً وآداباً - ليس هاهنا محل تفصيل لها - من أهمها:
-ينبغي أن تكون القصة حقيقية معبرة، وذات معانٍ مؤثرة، وظاهرة المقصود.
-أن لا تكون قصيرة مخلة بالمقصود .. ولا طويلة مملة ..
-أن لا تطغى القصص على خطاب الداعية، فتنعدم فيه النصوص أو تقل .. ويصبح كالقصاص لا هم له إلا القصص.
-أن يتخلّلها تأصيل علمي، وتنبيه إلى المقصود، وتصريح بالفوائد.
والمتأمل في قصص القرآن الكريم، يجد هذا فيها واضحاً، ومن ذلك:
قول يوسف لإخوانه: ﴿إِنّهُ مَن يَتّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]
وقوله: ﴿يَصَاحِبَىِ السّجْنِءَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ أَسْمَآءً سَمّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ .. ﴾. الآية [يوسف: ٤٠]
стр. 320
وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ﴾. [يوسف: ٦٧]
القصص في القرآن الكريم:
لقد وردت القصص في القرآن بأساليب شتى، وعبارات متنوعة، فتارة تستغرق القصة الواحدة السورة بأكملها .. أو معظمها ..
وتارة تختصر القصة نفسها في أربعة أو خمسة سطور .. تؤدي الغرض، وتحقق الهدف.
فانظر إلى قصة يوسف ﵇ كيف استغرقت السورة بكاملها .. فيكرر قراءتها القاريء دون سآمة، بل يدفعه الشوق بقراءتها للوقوف على أحداثها رغم قراءته لها مراراً ومعرفته بها.
وانظر إلى قصة موسى كم تكررت في القرآن، وفي كل مرة تساق بأسلوب جذاب .. ومواقف مثيرة .. وفوائد جديدة، فتارة تكون طويلة، كما في سورة طه، والقصص، وتارة تكون متوسطة كما في الأعراف، والشعراء، وتارة تكون قصيرة كما في سورة المؤمنون والنازعات، وكل هذا التنوع كان لأغراض مقصودة، ودروس معبرة، والمقام - هنا - ليس مقاماً للتفصيل.
القصص في السنة:
لم تكن السنة النبوية بمنأى عن سرد القصص المعبرة بأسلوب سهل، وخطاب قصير، إلا بعضها، بُغية تسهيلها للفهم والحفظ.