← Общие книги

Общие книги · id 147603

منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر

عدنان العرعور

Полный текст (450 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال ﷺ لعلي: كيف أنت وقوم كذا وكذا، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ... )) (١) وقال لأسامة بن زيد: ((أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله)). وفي رواية: ((أقال لا إله إلا الله وقتلته ... )) (٢) الحديث. وقال ﷺ في أمره بالمعروف - لعلي وفاطمة ﵄ ((ألا تصليان ... )). (٣) بدل أن يقول: ((قوما فصليا)) بصيغة الأمر وقال ﵊ لرجل من الأنصار أرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر فقال ﷺ : ((لعلنا أعجلناك؟ ))، قال: نعم، يارسول الله، قال: ((إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك، وعليك الوضوء)) (٤). وقال ﷺ لمن رمى ماعزاً بوظيف حمار فصرعه - حين فر من ألم الرجم - هلاَّ تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه)) (٥). فليتأمل الداعية قوله ﷺ : ((هلا تركتموه))، وقوله: ((لعله يتوب))، وذلك بعدما قارف ماعز الخطئية، وطلب إقامة الحد .. وبدأ التنفيذ .. ثم يقول ﵊ بعد هذا كله: ((لعله يتوب .. ))، وكم من حديث قال فيه رسول الله ﷺ ((لعل)) .. و ((أرأيتم)) .. مما لا يكاد يحصى.

стр. 317

خلاصة هذا المبحث: أن على الداعي أن يحسن من أسلوبه باستعمال (الضمائر) التي تفيد اشتراكه مع المدعووين، وبتعميم الخطاب، لا بتعيين المخاطبين، وأن يكثر من استعمال أدوات الاستفهام، وألفاظ الرقة واللين، وكلمات الترجي والرفق، مما يضفي على أسلوبه لذة في السماع، وقبولاً من المدعووين، والنصوص في هذا الباب أكثر من أن تحصى. فاللهم اهدنا لمخاطبة الناس بالتي هي أحسن.

стр. 318

المبحث التاسع قص القصص، وضرب الأمثال: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المقصود والأهمية: من حسن الأسلوب الذي أمر الله به؛ قص القصص، وضرب الأمثال من خلال الخطاب الدعوي. فإن للقصص الهادفة والأمثال الواضحة جاذبية في السمع، وأثراً في الفهم، وتأثيراً في النفس. فهي توضح المقصود، وتحكي الواقع، وتدلل على مصداقية الفحوى. لذلك أكثر الله منها في كتابه .. وحث عليها .. وجاء بها رسول الله ﷺ في أحاديثه. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقال: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣] والقصص والأمثال يضفون على الأسلوب عذوبة .. ويهبون له أنساً .. فيجعلون له القبول، ويدفعون عنه السآمة والملل. ولذلك لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكبيرة، وبعض الصغيرة منه من قصة، أو مثال أو أكثر، بل هناك سور كاملة، أو معظم السورة، تحكي قصة كاملة، أو قصصاً، كسورة هود ويوسف والقصص والأنبياء وغيرها.

стр. 319

ولم تتجافى السنة عن القصص والأمثال فهي في ذلك بحر زاخر، وفرات عذب، وسيأتي فصل خاص بذكر بعضها .. المطلب الثاني: شروط القصة، وأمثلة من الكتاب والسنة: من المعلوم أن للقصة والمثال شروطاً وآداباً - ليس هاهنا محل تفصيل لها - من أهمها: -ينبغي أن تكون القصة حقيقية معبرة، وذات معانٍ مؤثرة، وظاهرة المقصود. -أن لا تكون قصيرة مخلة بالمقصود .. ولا طويلة مملة .. -أن لا تطغى القصص على خطاب الداعية، فتنعدم فيه النصوص أو تقل .. ويصبح كالقصاص لا هم له إلا القصص. -أن يتخلّلها تأصيل علمي، وتنبيه إلى المقصود، وتصريح بالفوائد. والمتأمل في قصص القرآن الكريم، يجد هذا فيها واضحاً، ومن ذلك: قول يوسف لإخوانه: ﴿إِنّهُ مَن يَتّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] وقوله: ﴿يَصَاحِبَىِ السّجْنِءَأَرْبَابٌ مّتّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ أَسْمَآءً سَمّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ .. ﴾. الآية [يوسف: ٤٠]

стр. 320

وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ﴾. [يوسف: ٦٧] القصص في القرآن الكريم: لقد وردت القصص في القرآن بأساليب شتى، وعبارات متنوعة، فتارة تستغرق القصة الواحدة السورة بأكملها .. أو معظمها .. وتارة تختصر القصة نفسها في أربعة أو خمسة سطور .. تؤدي الغرض، وتحقق الهدف. فانظر إلى قصة يوسف ﵇ كيف استغرقت السورة بكاملها .. فيكرر قراءتها القاريء دون سآمة، بل يدفعه الشوق بقراءتها للوقوف على أحداثها رغم قراءته لها مراراً ومعرفته بها. وانظر إلى قصة موسى كم تكررت في القرآن، وفي كل مرة تساق بأسلوب جذاب .. ومواقف مثيرة .. وفوائد جديدة، فتارة تكون طويلة، كما في سورة طه، والقصص، وتارة تكون متوسطة كما في الأعراف، والشعراء، وتارة تكون قصيرة كما في سورة المؤمنون والنازعات، وكل هذا التنوع كان لأغراض مقصودة، ودروس معبرة، والمقام - هنا - ليس مقاماً للتفصيل. القصص في السنة: لم تكن السنة النبوية بمنأى عن سرد القصص المعبرة بأسلوب سهل، وخطاب قصير، إلا بعضها، بُغية تسهيلها للفهم والحفظ.

стр. 321

ولما كان من الصعوبة استيعاب دراسة هذه القصص في هذا المبحث .. فإنني أقتصر على التذكير بثلاث منها: الأولى: قصة الثلاثة الذي أغلق عليهم الغار (١) .. ومن تأملها وجدها؛ عظيمة الغايات، كثيرة الفوائد. الثانية: قصة المَلَك ومجيئه إلى الأقرع والأبرص والأعمى (٢) .. وهي واقعة تحتاج إلى تدبر، لما فيها من جليل الأهداف، وعظيم العبر. الثالثة: قصة الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم أتم المائة بالعابد .. ثم أرشده العالم إلى التوبة .. فتاب .. وهي حادثة سامية الأغراض، كثيرة الدروس .. ومن شاء فليراجع مظانها وشرحها (٣). المطلب الثالث: شروط المثال وآدابه، ونماذج من القرآن والسنة: - ينبغي أن يكون المثال واقعياً يدركه معظم المُخاطَبين، ولا ينبغي أن يكون خيالياً لا يدركونه. - أن يكون مُبَسّط الأسلوبِ، سهلَ العبارةِ، مفهوماً لدى المدعوِّين. - أن يكون ذا غايةٍ جليلةٍ، ومقصودٍ واضحٍ. نظرة في أمثلة القرآن الكريم:

стр. 322

حين النظر في أمثلة القرآن الكريم نرى - جلياً - واقعية المثال .. وروعة الأسلوب، وعُمق المقصود، وبساطة الطرح، وسهولة الفهم، ومناسبته لعموم الخلق. لذلك يُحدِثُ المثالُ فهماً عميقاً، وقناعةً قويةً لدى المدعو المنصف. ولو تأملنا مَثَل الله تعالى في عجز الخلق عن الخلق .. ﴿ياأَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]. ولو نظرنا إلى مَثَلِ الله تعالى في اتخاذهم آلهة، واعتمادهم عليها. ﴿مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتاً .. ﴾ الآية [العنكبوت: ٤١]، فمن الذي لا يعرف الذباب .. ؟ ومن الذي لا يعرف العنكبوت .. ؟ ومن الذي لا يفهم المثل .. ؟ . وانظر إلى آيات الله التي ضربها دلالة على خلقه. ﴿أَفَرَأَيْتُم مّا تَحْرُثُونَ* ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الّتِي تُورُونَ، ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧١، ٧٢] فمن الذي لا يعرف الحرث .. ؟ ومن الذي لا يعرف الماء .. ؟ ومن الذي لا يعرف النار .. ؟

стр. 323

وتأمّل مَثَلَ اللهِ في الإنفاق .. ما أعظمه .. وما أدقه .. وما أبسطه .. : ﴿مّثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّئَةُ حَبّةٍ .. ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] فمَنْ مِنْ المخلوقين لا يعرف القمح .. ؟ أولا يعرف السنبلة .. ؟ ومَنْ مِنَ المدعوين لم يفهم هذا المثال .. ولم يتأثر به .. ؟ ! ؟ وانظر مثالَ اللهِ في الذين يحملون العلم ولا يعملون به. ﴿مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُوا التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً .. ﴾ الآية [الجمعة: ٥] فمن الذي لا يعرف الكتب .. ؟ ومن الذي لا يعرف الحِمار وطبعه .. ؟ ! ومن الذي لم يفهم المثال .. ؟ ! ؟ نظرة في أمثلة السنة النبوية: أما الأمثلة في السنة النبوية فلا تختلف في أسلوبها، ومنهجيتها عن القرآن الكريم، من حيث الواقعية، والتصوير، والسهولة، فقد كان رسول الله ﷺ لا ينفك عن ضرب الأمثلة، وتقريب المعاني، بأساليبه المعروفة، وجوامع كلمه المعهودة، وعروضه المشوقة، فانظر - يارعاك الله - إلى مَثَلِه العظيم في تعاون المسلمين ما أروعه، وما أبسطه .. وما أشمله .. وما أصدقه. ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم، وتراحُمِهِم، وتعاطُفِهِم كمثلِ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)) (١).

стр. 324

وتأمل مثل المؤمن في عمله وكلامه وسعيه في قوله ﷺ : ((مَثَلُ المؤمنِ مَثَلُ النّحلة؛ لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً)) (١). ومثَّل رسول الله ﷺ المؤمنَ في عطائهِ ونفعهِ تمثيلاً من واقع الصحابة، ومِمّا يُدركه كل عاقل - عبر الدهور - مَثَله ﷺ في محاورةِ أصحابه ((بالنّخلة)) (٢). وقّلب النظر .. ثم ارجع البصر - بصر القلب - إلى مثل رسول الله ﷺ في تكفير الصلاة للذنوب. قال ﷺ : ((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل به في اليوم خمس مرات، هل يبقي ذلك من دَرَنِه شيئاً، قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يَمْحُو الله بهن الخطايا)) (٣). فانظر كيف جاء التمثيل غاية في الواقعية؟ غاية في جمال العرض؟ المطلب الرابع: الخلاصة والتوجيه: من خلال هذا المبحث يتبين: أن على الداعية الاهتمام بالقصص والأمثال في خطابه .. لكي يكون أسلوبه متنوعاً في الطرح، تحليه القصص المُعبّرة .. وتُجَمِّله الأمثلة الموضحة .. فذلك أدعى للإنصات والفهم، وأقرب للقبول والاستجابة .. وحتى لا يكون جافاً سؤوماً.

стр. 325

كما أن عليه أن لا يكثر من ذلك لكي لا يطغى على الخطاب على حساب العلم والتأصيل، كما يفعله بعض الدعاة فتجد خطابه خالياً من الفوائد العلمية، والتأصيل العقدي، والمنهجي.

стр. 326

المبحث العاشر الدعابة تكون في الأسلوب: الدعابة فن من فنون الكلام، يحلّى بها الأسلوب .. ويلطّف بها الخطاب .. وتُحبّبُ صاحبَها للمدعوين .. انعدامها جفاء، وكثرتها تمييع. فهي كالسكر للشراب، أو الملح للطعام .. قلته تجعل الطعام ممجوجاً .. وكثرته تجعله مكروهاً. وكان رسول الله ﷺ ذا دعابة طيبة .. ولم تكن بالكثيرة التي تذهب الهيبة، وتفقد الخطاب علميته وحجيته .. ولا بالمنعدمة التي توحي بالجفوة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله، إنك تداعبنا قال: ((إني لا أقول إلا حقاً)). (١). وعن أنس بن مالك ﵁، أن رجلاً استحمل رسول الله ﷺ - طلب أن يُركبه على دابة - فقال: ((إني حاملك على ولد الناقة)). فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ : ((وهل تلد الإبل إلا النوق)). (٢).

стр. 327

وعن الحسن ﵁ قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: ((يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز)) قال: فولت تبكي، فقال: ((أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فإن الله تعالى يقول: ﴿﴿إِنّآ أَنشَأْنَاهُنّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً﴾ (١). [الواقعة: ٣٥ - ٣٧] وقد يستهين بعضهم بالإتيان بالدعابة .. بل يمجها، وربما ازدرى من أتى بها، لذلك لا تجد للمداعبة أثراً في خطابه، وذلك جفوة في الطبع، وجهلاً بالسنة. وقد يُكثر من الدعابة آخرون، فيُذهبون بذلك هيبتهم، ويميعون أسلوبهم، إلى درجة عدم الثقة بطرحهم. والحق في ذلك الوسط، وما ورد في السنة من الاعتدال .. وفي اتباع السنة بركة، وفي الدعابة والبشاشة رفق، والله الموفق.

стр. 328

المبحث الحادي عشر من الأسلوب الحسن، استقبال الداعية بوجهه المدعوين، والحركة المعتدلة المعبّرة، وتفاعله مع خطابه . خلق الله العين لتبصر، والأذن لتسمع، والعقل ليفكر، والقلب ليقرر، وكلما أُشركت هذه الحواس جميعاً في الخطاب، وتفاعلت مع الحدث، كان تأثرها أبلغ، وقرارها أصوب. لذلك؛ على الداعية أن لا يكون جامداً في خطابه، ثابتاً في صوته وفي حركة يديه، في كل مقام، سواء كان المقام مهماً خطيراً، أو كان غير مهم. والداعية الحكيم هو: الذي يحرك بخطابه حواس المدعوين كلها. فيكون صوته معتدلاً ومسموعاً، لا هو بالضعيف الذي لا يُسمع، ولا بالقوي الذي يزعج، فيخفضه ويرفعه حين يلزم ذلك حسب متطلبات المعنى، وسياق الخطاب، وفي كل الأحوال ينبغي أن لا يتجاوز صوته الحد المعقول. فعن جابر ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته .. واشتد غضبه .. )) الحديث. وسيأتي بعد قليل بتمامه. ويكون مُقبلاً بوجهه على الناس، فلا يطرق رأسه في الأرض خجلاً بغير لزوم، أو يُثبّت بصره في اتجاه واحد، بل يوزع بصره على الحضور جميعاً، حتى يستشعر كل مدعو أنه يراه، ويشاركه. فعن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء (أي: مطر) كانت من الليل،

стр. 329

فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه، فقال: ((هل تدرون، ماذا قال ربكم؟ ... )) الحديث (١) كما ينبغي أن تكون حركته حسب الدواعي المطلوبة، لأن الحركة المعبرة لها أثر في الفهم، وشدٌ للانتباه، ومشاركة في الخطاب. وكثرة الحركة تشغل عن المعنى، وقلتها نوع من الجمود. ولذلك كان رسول الله ﷺ يستعمل الإشارة بقدر الحاجة المعبرة عما يريد. فعن علي ﵁، قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فجعل يَنْكُتُ الأرض بعود، فقال: ((ليس منكم من أحد إلا وقد فُرِغَ من مقعده من الجنة والنار .. )) الحديث (٢). وعن ابن عباس ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - ثم أشار بيده على أنفه - .. )) (٣) الحديث. وعن أنس بن مالك ﵁، قال: صلى لنا النبي ﷺ ، ثم رقى المنبر، فأشار بيديه قِبَل قبلة المسجد، ثم قال: ((لقد رأيت الآن - منذ صليت لكم الصلاة - الجنة والنار، ممثلتين في قبلة هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر .. )) (٤) الحديث.

стр. 330

ولما خطب ﷺ في حجة الوداع كان في آخر الخطبة يرفع أصبعه السبابة إلى السماء ويَنْكُتُها إلى الناس، ويقول: ((اللهم اشهد .. اللهم اشهد .. اللهم اشهد)) (١). والأحاديث في هذا كثيرة جداً، واللبيب تكفيه الإشارة.

стр. 331

المبحث الثاني عشر تنوع أسلوب الداعية بين الإلقاء والمحاورة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: أنواع الأساليب الخطابية: لما كان الناس يتفاوتون في الفهم، وإعمال الحواس، وكانت الأحداث تتنوع، والمواقف تختلف، كان لابد للداعية من أن يُنّوع من أسلوبه، وأن يبدل في خطابه، حتى يتناسب وجميع المواقف، وحتى لا يكون مملاً، ولكي تصل المعلومة إلى طبقات الناس جميعاً. الأسلوب الأول: الإلقاء . وهو: أن يقوم الداعية، بإلقاء الكلام سرداً، دون مشاركة المدعوين في سؤال أو غيره. وهذا الأسلوب؛ يتناسب وخطبة الجمعة، والموعظة العامة. الأسلوب الثاني: أسلوب السؤال والجواب، ويسمى بـ (الحوار) . وهو: أن يقوم الداعية بمحاورة المدعوين عبر السؤال والجواب، ليصل إلى ما يريد. الأسلوب الثالث: أسلوب طرح مشكلة . وهو: أن يلقي الداعية مشكلة علمية بين يدي الطلاب لإيجاد حل لها، قصد مشاركة المدعوين في الطرح، وتفاعلهم مع الداعية. وهذان الأسلوبان الأخيران، يصلحان في الدروس العلمية، وأحياناً في المواعظ في غير خطبة الجمعة، إذا استطاع الداعية أن يحسن

стр. 332

استعمالهما، فهما يرسخان المعلومة، ويدفعان المدعوين للتفاعل، ويذهبان السآمة والملل (١). وليس من الحكمة في شيء، ثبات الداعية على أسلوب واحد، لا يحيد عنه، ولا يتزحزح، مما يدفع المدعوين إلى الملل والسآمة، وعدم المشاركة، كما يؤدي الأسلوب الرتيب إلى تقليل الفهم، وعدم ترسيخ المعلومة. المطلب الثاني: أمثلة من تنوع الخطاب في الكتاب والسنة: إن المتأمل في كتاب الله يجد هذا الأسلوب جلياً وكثيراً .. وقد ذكرنا قسطاً منه في مبحث (الجدال) فليراجع. وأما في السنة فقد كان سيد الحكماء ﷺ ينوع أسلوبه مستعملاً الأساليب كلها الإلقائية منها .. والحوارية .. وطرح المشكلات. فتارة يكون أسلوبه إلقاءً مرعباً، كأنه يخبر عن العدو: أنه على الأبواب .. فعن جابر بن عبدالله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول:

стр. 333

((صبحكم ومساكم))، ويقول: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين))، ويَقرُن بين أصبعيه السبابة والوسطى. وتارة يكون أسلوبه ﷺ موعظة رقيقة، تقشعر منها الأبدان، وتقف لها الشعور. فعن العرباض بن سارية قال: ((وعظنا رسول الله ﷺ يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إنّ هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: .... )) الحديث (١) وتارة يستعمل أسلوب السؤال والجواب (الحوار) مع تلاميذه. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟ )). قال أبو بكر: ((أنا)). قال: ((فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ )). قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ )). قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ((ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة)) (٢)، وفي رواية، زيادة (في يوم). وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا معاذ: أتدري ما حق الله على العباد؟ )).

стр. 334

قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((أن يعبد الله، ولا يشرك به شيء)). قال: ((أتدري ماحقهم عليه (إذا فعلوا ذلك؟ ))). قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((أن لا يعذبهم)) (١). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ ))، فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ . قال: ((هي النخلة)) (٢). فانظر إلى هذه المحاورات ما أنفعها! وانظر إلى طريقة التدريس هذه ما أرسخها! . فما أحرى علماءنا ودعاتنا: أن يكون رسول الله ﷺ أسوة لهم، وأن يكون أسلوبه منهجاً لهم في الدعوة إلى الله، فـ ﷺ ما أعظمه مدرساً! وما أحسنه داعية! ومن أبدع ما استعمله رسول الله ﷺ ، ما يسمّى اليوم عند التربويين: بخَلْق ـ أو إثارة ـ مشكلة ثم مشاركة الطلاب في حلها.

стр. 335

فقد قال ﷺ مرة لصحابته: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب .. ))، ثم دخل بيته، ولم يبين لهم من هم .. ولا شك أن في هذا إثارة عظيمة لأذهان التلاميذ، الذين يريدون بشغف أن يعلموا من هم هؤلاء السبعون ألفاً، حتى يكونوا منهم. وفي هذا شحذ لأذهانهم، وتحريك لتفكيرهم، وترسيخ للمعلومة في أذهانهم، وهذا الأسلوب أقوى من أن يقال لهم: هم كذا .. وهم كذا .. لذلك بدأت أذهان الطلاب (الصحابة ﵃ تتحرك لحل المشكلة .. فقال بعضهم: نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله، فنحن هم. وقال آخرون: هم أولادنا الذين ولدوا في الإسلام. وقالوا .. وقالوا .. فبلغ النبي ﷺ فخرج. فقال: ((هم الذين لا يَسْترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)) (١).

стр. 336

وحتى سؤاله ﵊ عن الشجرة التي تشبه المسلم في الحديث السابق، فيه استعمال الطريقة الاستجوابية مع طريقة الإثارة. والسنة زاخرة بهذه الأساليب الدعوية التعليمية التربوية الممتعة (١). فما أجدرنا بالاقتداء بها.

стр. 337

المبحث الثالث عشر من الأسلوب الحسن؛ عدم الإطالة في الخطاب، وعدم التشقيق والتشدق والتفيهق في الكلام، وعدم تعمد السجع . وفيه مطلبان: الأول: الأهمية والمعاني: طبعت النفوس على الملل، إذا ما طال الخطاب. وفطرت على تشتت الذهن، إذا ما تشعب الموضوع. وجبلت النفوس على كراهية التكلف، ومجِّ كل تشقيق. لذلك يجب أن يكون الخطاب غيرَ طويلٍ ممل .. ولا مُتكَّلف فيه ممجوج، فإن ذلك مفضٍ إلى ملل المدعوين، ونفورهم، وفي ذلك خسارة للجميع في أوقاتهم، وجهدهم. فأما التطويل: فمعروف، وضابطه؛ حاجة الناس، وإقبالهم وسآمتهم. وأما التشقيق فهو: حشو الكلام وتكراره. وأما التشدق والتفيهق (١): فهو التكلف في إخراج الكلام، والتوسع فيه من غير احتياج واحتراز، ليظهر أنه متكلم بليغ، وليوحي للناس أنه خطيب بارع، حتى ليبدو من عباراته أنه متكبر في كلامه. والسجع: الكلام المقفى، المتشابه المخارج، وليس بشعر.

стр. 338

وقيل: هو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر (١). المطلب الثاني: موقف السنة من هذه الأمور: ولقد نهى رسول الله ﷺ عن هذا كله، عن الإطالة، والتشدق، والتشقيق .. إلخ، وكان يحب جوامع الكلم قال ﵊: ((أوتيت جوامع الكلم)) (٢). والجوامع: هي العبارات الموجزة البليغة، ذوات المعاني الواسعة (٣). وقالت العرب: ((خير الكلام ما قل ودل، ولم يَطُل فيُمل)). فالداعية الحكيم: هو الذي: قلّ كلامه، وعظم تأثيره. قال ﵊: ((إن طول صلاة الرجل، وقِصَرَ خطبته، مَئِنَّة (٤) من فقهه)) (٥). أي: كلما قصرت الخطبة، وعظم معناها، وأُبلغ في تأثيرها، كان ذلك دلالة على فقه الداعية ووعيه. فالتطويل، والتشقيق، والتشدق، والتفيهق، كلُّ ذلك كان في الخطاب مكروهاً.

стр. 339

فقد قام أحد الصحابة يخطب بين يدي رسول الله، فشقق في الخطبة (١)، فقال له الرسول ﷺ : ((اسكت أو اجلس)). وقام ابن مسعود ﵁ فأوجز، وأبلغ، وأفاد. فقال رسول الله ﷺ : ((أصاب ابن أم عبد، أصاب ابن أم عبد، وصدق، رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد)) (٢). وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة؛ الثرثارون والمتشدِّقون والمُتفْيْهقون))، قالوا: يا رسول الله: قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ ، قال: ((المتكبرون)) (٣). وأما تعمد السجع، والغوصُ في الكتب القديمة، لاستخراج خطب مسجوعة، ومواعظ منمقة، لا يفقه منها المدعوون، سوى نغمات تُردّد، وعبارات مسجوعة في الأذن ترجّع (٤)، فليس هذا من الحكمة في شيء. فعن ابن عباس قال: (( .. حدّث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين ... فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك)) (٥)، يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب.

стр. 340

والنهي المذكور عن التشقيق والسجع و .. : إنما هو المتكلف منه، والمتفيهق فيه على حساب المعنى، وبساطة التعبير، وفهم المدعوين. وأما إذا كان سلساً غير مُتكلفٍ فيه، لا يُعقِّد الجمل، ولا يُعسِّر الفهم، فلا بأس به، فهو- والحال هذه - من مزينات الكلام، وقد استعمله رسول الله ﷺ ، فخرج بأبدع ما يمكن، فمن ذلك: قوله ﷺ : ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، ومجري السحاب .. )) (١) الحديث. وقوله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن نفس لا تشبع .. )) (٢) الحديث. وقوله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده)) (٣) الحديث.

стр. 341

الفصل الثاني: في الوسائل بعامة وبخاصة المعاصرة: أنواعها .. وأحكامها: وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول في الرابط بين الغايات، والطرق، والوسائل . وفيه مطلبان: المطلب الأول: المقصود من ذلك: للإنسان في حياته غايات، ولكل غاية طرق متبعة، ولكل طريق وسائل معينة. فالسفر: قضية، غايتها تكون معروفة لدى المسافر: تجارة، أو سياحة، أو غيرها. وطريق السفر معروف، لا يمكن سلوك غيره، وإن تعدد. والوسيلة: هي التي يستعان بها في الطريق للوصول إلى الغاية، وتكون من المادة: كالتراب .. والحديد .. والورق .. أو تكون دابة، أو مركبة على اختلاف أنواعها، أو من الزاد، أو السلاح، أو المال، وقد تكون؛ خطابية .. كالموعظة والمحاورة .. وما شابه ذلك. وإذا أردنا تطبيق ذلك في الدين: فنجد أن للدين؛ غايات، وطرقاً، ووسائل.

стр. 342

فأما غايات الدين: فطلب رضوان الله، والنجاة من عقابه، والفوز بجائزته. وهذا أمر توقيفي، منصوص عليه، لا مجال فيه لعقل أو اجتهاد، قد بينه الله في كتابه، ورسوله ﷺ في سنته. قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوَا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ .. ﴾ الآية [المائدة: ٣٥]، فهذا صريح في أن الغاية اتقاء الله، وابتغاء رضوانه. وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَىَ دَارِ السّلامِ .. ﴾ الآية [يونس: ٢٥]. فهي الغاية. وقال تعالى: ﴿يَقَوْمِ إِنّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنّ الاخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]. وقال تعالى عن الصحابة: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا .. ﴾ الآية [الفتح: ٢٩] فالقرار، والمستقر، والمقام، هو: الغاية. وقال ﷺ : ((ألا إن سلعة الله غالية .. ألا إن سلعة الله الجنة .. )) (١)، وغاية المشتري هي: السلعة، وهي هاهنا الجنة. وأما طرق ذلك فهي: توحيده، وعبادته كما شرع، وطاعته في ما أمر ونهى، من الإيمان برسله واتباعهم، وإقامة الصلاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام .. فهذه كلها طرق موصلة إلى الغاية. والطرق إلى الله بهذا المعنى: فهي توقيفية، لا مجال فيها للاجتهاد، ويحرم فيها الابتداع.

стр. 343

ومن أهم الطرق؛ الدعوة إلى الله . قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِىَ أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] فقد جمعت الآية بين الغاية وهي: الوصول إلى الله. وبين الطريق إلى ذلك، وهي: الدعوة إلى سبيله، وكلاهما توقيفي، لا مجال فيهما للرأي. فقوله: ﴿سبيلي﴾، كقوله: ﴿صراطي﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَنّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلا تَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. الآية [الأنعام: ١٥٣] فـ (السبيل) و (الصراط) لا يكونان إلا توقيفيّين بلا شك، ولولا ذلك لما أمر الله باتباعهما. قال تعالى: ﴿فاتبعوه﴾: وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ومخالفته حرام. ويؤكد ذلك؛ أن الله حذر من مخالفته باتباع (السبل) وهي الطرق الأخرى، التي يُظن: أنها موصلة إلى الله، والتي لم يشرعها الله أو رسوله ﷺ ، وهذا هو ((الابتداع))، الذي شدد الله في تحريمه. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مّنَ الدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾. [الشورى: ٢١] وقال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَرَهْبَانِيّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللهِ﴾. الآية [الحديد: ٢٧] وقال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد)) (١).

стр. 344

وبناءً على هذه النصوص وغيرها: فإن كل طريقة - يُبتغى بها وجه الله وعبادته - من غير ما شرع الله، أو رسوله ﷺ ، فهي مبتدعة، وهي محرمة (١). ولذلك جاء تفسير (السُّبل)، في قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا السُّبل﴾ (بالضلالات) (٢). ووضح هذا مجاهد أوضح بيان، فقال: ((السُّبل، البدع والشبهات)) (٣). والصواب: أن لفظة (السُّبل) أعم من حصرها في بدعة أو طريق، بل هي عامة في كل سبيل غير سبيل الإسلام والسنة، كالمظاهرات الهمجية، والانقلابات العسكرية، والتفجيرات الجماعية، وما شابه ذلك، مما سيبين في بابه إن شاء الله. وفي هذا المقام؛ يرد حديث النبي ﷺ : ((ليس منا من عمل بسنة غيرنا)) (٤).

стр. 345

والمقصود: أنه لا يُدعى إلى الإسلام .. ولا تقوم دولة الإسلام إلا بما شرع الإسلام .. ومن ذلك الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وما عدا ذلك، فابتداع وسراب. وأما الوسائل في الدين: فهي التي يستعان بها على تبليغ دين الله، وتعليمه، وإقامته، وعلى أداء العبادات (الطرق)، فقد تكون جماداً كمكبر الصوت للصلاة والخطب، والورق للتعليم، أو تكون وسيلة نقل للحج، أو تكون أسلوبية: كالدرس، والمحاضرة، والكتاب، وهكذا، وسيأتي تفصيل ذلك. المطلب الثاني: الخلاف بين أهل العلم في حكم الطرق والوسائل: ثمة إشكال بين العلماء والدعاة حول توقيفية الوسائل والطرق الدعوية. ومن أسباب هذا الخلاف وغيره: الحكم المجمل على القضايا المجملة، دون تفصيل وضبط للمقصود، أو تعريف للألفاظ، فتتداخل الأمور، فيحكم كل فريق على المسائل المجملة والمتداخلة من الزاوية التي يراها، والتعريف الذي تبناه، فيقع الاختلاف. وكلما فُصّلَت المسائل، وضُبط التعريف، ووُضعت الضوابط، كان ذلك أبْيَنَ للمقصود، وأبعدَ عن الخلاف. وسبب الخلاف هاهنا أن كلمة ((الوسائل)): تطلق تارة على الطرق التعبدية، كالصلاة، والحج .. فيقال: هذه وسائل للتقرب من الله.

стр. 346

وتارة تطلق على مااصطلح عليه بالتعريف السابق، أي: على الأمور المادية وغيرها مما يستعان بها على أداء الطرق. فمن أطلق كلمة الوسائل على الطرق التعبدية، كالصلاة ذهب إلى توقيفها .. ومن أطلق كلمة ((الوسائل)) على الأمور المادية ذهب إلى أنها اجتهادية. وبناءً على ماسبق؛ فالصواب إن أريد بالوسائل الطرق الشرعية للعبادة فهي توقيفية .. وإن أريد بها الأمور المادية، والأسلوبية فهي غير توقيفية. وكذلك الأمر نفسه في مسألة: الطرق الدعوية. وبهذا التقسيم والتعريف للطرق والوسائل، يمكن إزالة اللبس فيما وقع من خلاف بين العلماء، وتنازع بين الدعاة، في كون الوسائل ((الطرق)) توقيفية أو اجتهادية. وإليك تفصيل ذلك وأدلته في المبحث التالي:

стр. 347

المبحث الثاني في الوسائل الدعوية، وتعريفها، وأنواعها: قد سبق بيان الفرق بين الغاية، والطريقة، والوسيلة، وسيبين في هذا الفصل؛ تعريف الوسيلة، وحكمها تفصيلاً، لأنها هي المقصود الأساس في هذا الفصل، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف الوسيلة، وأنواعها: الوسيلة لغة: القربى والوصلة و .. ، ويقال: توسل فلان إلى فلان بوسيلة، أي: تسبب إليه بسبب (١). فالوسيلة إذن هي: السبب الموصل إلى المقصود، أو المعين على ذلك. والوسيلة اصطلاحاً هي: الأداة، أو السبب، أو الطريقة التي يستعان بها على تبليغ الدعوة. وهي نوعان: مادية: تتكون من المادة: كالحديد، والورق، والتراب، وغيرها، مثل مكبر الصوت، والمنبر، والشريط، وما شابه ذلك. النوع الثاني: العملية (الأسلوبية): وهي طريقة متبعة مخصوصة بالبيان والتعليم والبلاغ: كالدرس، والمحاورة، والمناظرة، والدورة العلمية، وما شابه ذلك. وهي تشترك مع الأسلوب في هذا المعنى .. غير أن إفرادها هاهنا، يُبين المقصود، ويُوضح المسلك الدعوي.

стр. 348

والوسيلة؛ ليس لها تأثير في الغاية غالباً، لا في المضمون الدعوي المقدم، ولا في طريقة التعبد، ولا في فحوى الدعوة. وإنما أثرها في الأداء، لزيادة التوضيح، وحفظ المعلومة، وتوسيع رقعة الدعوة، وتسهيل القيام بها، وما شابه ذلك. المطلب الثاني: حكم الوسائل وضوابطها: الناس في حكم الوسائل الدعوية: طرفان ووسط .. طرف؛ جعل الأصل الإباحة المطلقة، ثم أطلق لنفسه العنان في استخدام كل ما يستطيعه من وسيلة، دون النظر إلى ضوابط شرعية، أو مفاسد دينية. فاستعمل وسائل محرمة، كالمعازف، والتصوير من غير ضرورة. وطرف ضيّق المسألة، فجعل الأصل المنع والتوقيف، ولا يبيح وسيلة إلا بنص. وفي هذين الطرفين؛ مجانبةٌ للصواب لا تخفى .. فالمبيحون بإطلاق .. وقعوا في ما حرم الله من إباحة المحرم، ، ومذهب المانعين يؤدي إلى تعطيل المصالح، وعرقلة الدعوة. ومن المعلوم: ألا دعوة إلى الله بما حرم، وإلا كنا (مكيفليين) (١)، غير متبعين في هذا شرع رب العالمين.

стр. 349

كما أنه لا توقيف في الشرع لمادة يستعان بها على أمر مشروع، والمانعون أول من يخالف هذا في مسلكهم الدعوي. والوسط الحق: أن الأصل في الوسائل بنوعيها .. - المادية والعملية - الإباحة، إلا ما ورد الدليل بمنعه، وهي اجتهادية، يخضع استعمالها لقواعد المصالح والمفاسد. فيبنى المسجد من طين، ومن حجر، ومن حديد، وإسمنت، بما يتناسب وأحوال الزمان، والمكان، والناس. وأما الزخرفة - على سبيل المثال - فهي - لاشك - وسيلة، ولكنها لا تجوز، لورود النهي عن ذلك (١). المطلب الثالث: الأدلة على أن الأصل في الوسائل الإباحة: والأدلة على ذلك صريحة في الكتاب والسنة، من ذلك: الأول: قوله تعالى في باب وسائل الجهاد: ﴿وَأَعِدّوا لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فعدة الحرب المتنوعة تعدّ من الوسائل .. وإطلاق الأمر، وعدم تقييده بوصف، يدل على الإباحة المطلقة، ما لم يرد دليل يستثني، أو يحرم، ولو لم تكن الوسائل اجتهادية، لما جاز صنع سلاح إلا بدليل شرعي خاص به.

стр. 350

وكفى بهذا دليلاً على ذلك. الثاني: قوله ﷺ : ((الخيل لثلاثة؛ لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر .. )) الحديث (١). ولا شك؛ أن الخيل ليست طريقة - حسب التعريف السابق - ولا غاية، بل هي وسيلة من الوسائل، وقد علق الحديث حكمها بنية صاحبها وغايته، مما يدل على أن الأصل فيها الإباحة، وأن حكم الوسائل حكم غاياتها، كما قعده الفقهاء، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. المطلب الرابع: ضوابط استخدام الوسيلة الشرعية: لكي تبقى الوسيلة مباحة على الأصل، لابد من ذكر ضوابط لها، حتى لا يُتجاوز في استعمالها، فتصبح محرمة. الأول: الأصل جواز استعمال الوسائل، وعدم منعها، إلا إذا ورد نهي عنها، أو ترتب على استعمالها مفسدة، وقد سبق الاستدلال على ذلك. الثاني: يتأكد استعمال الوسيلة عند ورود نص بالحث عليها، أو عندما يُفوّت بتركها مصلحة، أو يجلب مفسدة، فحينئذ لا ينبغي التخلف عنها. كإعداد القوة للقتال، ووجود الكهرباء في المسجد. فأما الأول: فقد ورد فيه النص، وأما الثاني: فتتحقق باستعمالها مصالح، ولا يترتب على ذلك أدنى مفسدة.

стр. 351

الثالث: أن لا يُتجاوز في الوسيلة مهمتها، حتى لا تصبح الوسيلة غاية في ذاتها، إذ غايتها إعانة الناس. فالمنارة - مثلاً - وسيلة، مهمتها توسيع رقعة الأذان، ويمكن أن تكون وسيلة للدلالة على المسجد، فلا يجوز بناؤها بحجم كبير، وزخرفتها زخرفة بالغة، تخرج بذلك عن كونها وسيلة لرفع الأذان، أو للدلالة على المسجد، فتصبح غاية في نفسها، يتباهى بها أصحابها .. حتى وجد من ينكر وجود مسجد بلا منارة كبيرة، أو منبر غير مرتفع، أو غير مزخرف. ودليل ذلك: أنه يخشى من تجاوز الحد في الوسيلة مع الزمن أن تصبح طريقة تعبدية، فتكون بدعة .. وتحريم البدع معلوم من الدين بالضرورة، أو لما يكون فيها من الإسراف، وضياع الجهد والمال فيما لا طائل وراءه. الرابع: أن لا يكون لها أثر في المادة الدعوية - أو الأمر الديني نفسه. أي: لأجل التمثيلية، تُغير بعض عبارات الممثل عنهم، أو لأجل طول المنبر وعظمه تقطع الصفوف، وما شابه ذلك، فتكون هناك مخالفات شرعية واضحة. الخامس: جواز استعمال الوسيلة التي حرمت سداً للذريعة، عند تحقق المصلحة، وعلى قدر الحاجة، وأن لا يترتب عليها المفسدة التي حرمت لأجلها.

стр. 352

ثمة وسائل جاء النص من الكتاب والسنة بتحريمها، كاستعمال الناقوس، والتصوير، والمعازف، والنظر إلى النساء. غير أن التحريم - كما هو معلوم - إما أن يكون لذات الشيء كالزنى، والخمر .. وإما أن يكون سداً للذريعة؛ كالتصوير سداً لذريعة الشرك، والمضاهاة، وكالنظر إلى النساء سداً لذريعة الفاحشة. فما كان سداً لباب ذريعة، أبيح عند تحقق المصلحة الراجحة، بشرط أن لا يترتب على العمل به تلك المفسدة التي حُرِّم لأجلها. فمثلاً: النظر إلى النساء محرم سداً لباب ذريعة الفاحشة، ومع ذلك فقد أباح الشرع النظر إلى المخطوبة، لتحقق مصلحة راجحة، ولانتفاء تحصيل مفسدة الفاحشة. قال ابن تيمية: ((النهي إذا كان لسد الذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة)) (١). السادس: أن لا يكون أصل الوسيلة شعاراً للكافرين، كبناء المساجد على شكل كنائس النصارى، كما هو الحال في بعض البلدان، أو استعمال الناقوس أو الجرس، للتنبيه على بدء أمر شرعي كالأذان، أو الصلاة. ودليل ذلك قوله ﷺ : ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (٢). وقوله ﷺ : ((ليس منا من عمل بسنة غيرنا)) (٣).

стр. 353

المطلب الخامس: أن حكم الوسائل حكم مقاصدها: الوسيلة إذا لم تكن محرمة فحكمها حكم غايتها، فإذا كانت الغاية مشروعة، وكانت الوسيلة غير منهي عنها، شرعت الوسيلة، كاستخدام مكبر الصوت في الأذان، فإن الغاية تبليغ الأذان، وهو غاية مشروعة، ولم يرد نهي عن استخدام مكبر الصوت، فتشرع - حينئذ - هذه الوسيلة، ويؤجر المرء عليها. وأما إذا كانت الغاية مذمومة، فلا تشرع لها أي وسيلة كانت. وهذا أمر مسلم به عند كل ذي عقل .. فلا يجوز استخدام آلة لقتل معصوم، أو لصنع الخمر، وما شابه ذلك، فعلى مستخدمها إثم لأن غايتها لا تشرع. والمقصود: أنه يحرم استعمال الوسيلة إذا كانت محرمة، أو كانت غايتها محرمة، ولو كانت هي مباحة. وباختصار تباح الوسيلة بشرطين: ١ - أن تكون مباحة في أصلها (لم يرد نص بتحريمها). ٢ - أن تكون غايتها: مباحة.

стр. 354

المبحث الثالث حث الإسلام على استخدام الوسائل: مع أن الأصل في الوسائل الإباحة، فإن الإسلام حث على استخدامها، ورغب فيها، بل أمر أحياناً ببعضها، وجعل لصاحبها بها أجراً، وحذر من التهاون فيما فيه حاجة، أو مصلحة. ويكفي دليلاً في هذا الجانب، إنزال الكتب على الأنبياء، وأمر العباد بحفظها، ونشرها بين الناس، وشهرة هذا الأمر، يغني عن ذكر أدلته. ومن ذلك: أن أول آيات نزلت، ذكرت وسيلة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله، ألا وهي: القلم. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبّكَ الأكْرَمُ * الّذِى عَلّمَ بِالْقَلَمِ﴾. [العلق: ٣ - ٤] وأقسم الله بالحبر والقلم والكتابة، فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (١) [القلم: ١] وهذه كلها وسائل دعوية عظيمة. بل؛ إن الله كتب التوراة بيده (٢).

стр. 355

وأمر الله تعالى: باستخدام الوسائل الممكنة في الجهاد في سبيل الله، بقوله: ﴿وَأَعِدّوا لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ .. ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]. وهذا يعني: وجوب تطوير السلاح، بما يتناسب وكل حال، لأن الله أطلق الأمر، ولم يقيده، وأناطه بالاستطاعة، وما دام المسلمون يستطيعون التطوير، فهو واجب عليهم. وقال تعالى: ﴿وَعَلَىَ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، والضامر: هو الدابة المجهزة للسفر (١). ففي هذا؛ إشارة واضحة إلى تجهيز الوسيلة، والاهتمام بها. بل جعل عليها أجراً، كما سبق بيانه في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((الخيل لثلاثة: لرجل أجر .. ولرجل سِتر .. ولرجل وِزر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، لأهل الإسلام في مرجٍ وروضة، فما أكلت من ذلك المرج، أو الروضة من شيء، إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها، وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها، فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها، وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات ... )) (٢). وقال ﷺ : ((الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)) (٣).
следующие страницы →