← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الذين كانوا يتبنون حماية رسول الله ﷺ ، وبالتالي فالذي يسلم فيها يدخل في حماية زعمائها تبعا لأمر رسول الله. ولهذا الموفف كان لا بد من القضاء على رسول الله ﷺ لاجتثاث الفتنة من جذورها، وعلى رواية الزهري أن قريشا اتخذوا هذا الموقف علانية. مما جعل أبا طالب يرى أنه عاجز عن حماية محمد ابن أخيه. لقد أقدم على خطوة حاسمة حيث دعا بني هاشم وبني عبد المطلب ليحملوا مسؤولياتهم كاملة في حماية رسول الله ﷺ ، ومن موقع زعامته لبني هاشم وبني عبد المطلب. استجاب له الجميع لذلك، فحملوا سلاحهم من منطق العزة القبلية والأنفة العشائرية. إننا أمام ظاهرة فريدة أن تقوم قيادة مشركة بقواعدها في حماية قيادة إسلامية وتتحمل مسؤولية هذه الحماية. ولو كانت قد تؤدي إلى فتح معركة وحرب مع الفريق الآخر، وما يمكن أن تقدم هذه القيادة على هذا الموقف لولا المركز الرفيع الذي يتمتع به رسول الله ﷺ في قبيلته. ولم يقف أبو طالب عند هذا الحد. بل طمع أن ينظم كل بني عبد مناف - على شركهم - إلى حلفه، واعتبر تخلفهم عن نصرة محمد ﷺ مطعنا كبيرا في نخوتهم الجاهلية، إذ يقول: أرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما أغمرا للقوم في أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفهما صفر (١) ونلاحظ هنا أن الحركة الإسلامية قد نالت هذه الحماية دون أن تقدم أي تنازل عن عقيدتها. بل تمت الحماية لمحمد ﷺ وهو يدعو إلى الإسلام، ويسفه أحلام قريش، ويحارب عقيدتها، لقد كانت الحماية لشخصه ولحرية

стр. 107

دعوته حتى ولو كانت الدعوة ضد معتقدات حماته. وهذا من غرائب ما روى التاريخ. وقد تتكرر هذه الصورة في واقعنا المعاصر في حالتين: الحالة الأولى: أن تتضارب مصالح الجاهلية، فلا يرى فريق منها مجالا لضرب مصلحة الفريق الآخر إلا بحماية الدعاة إلى الله. وهذا ما نجده أحيانا حين تلجأ أمريكا على سبيل المثال إلى إعطاء الحرية للدعاة المسلمين كي يقفوا في وجه النفوذ الشيوعي في منطقة من المناطق وهذه الحالة لا تعني أن يطمئن المسلمون إلى هذه المواقف. بل تعني أن يستفيدوا منها. لأنه ما إن يظهر خطر المد الإسلامي إلا ويتغير الموقف من هذه الدولة أو أزلامها في السلطة. ويحس هذا العدوان الخطر الأكبر هو المد الإسلامي. الحالة الثانية: أن يسود الفكر الديمقراطي حقيقة في أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، ويتحرك المسلمون بالدعوة انطلاقا من هذه القوانين والمبادىء. واستفادة منها في حرية التبليغ. فتضيق الجاهلية ذرعا بهذه الدعوة فتحاول خنقها. فلا عجب أن يوجد فريق من هذه الجاهلية يحمي الدعوة الإسلامية ويساندها طالما أنها لا تتجاوز مجال البيان والكلام. وخاصة إذا كان هذا الفريق يمت بصلة قربى أو مصلحة للمسلمين، وسواء أكانت هذه الحالة أو تلك، فليس للحركة الإسلامية في هذا المجال أن تطمئن لهذه الحماية، بل عليها أن تتحرك في أطر ثلاثة: الإطار الأول: أن تستفيد من هذه الحماية أقصى حدود الاستفادة في التبليغ والبيان. الإطار الثاني: أن تكون يقظة، فلا تقدم مقابل هذه الحماية أي تنازل عن عقيدة أو تراجع عن فكرة لمجاراة هؤلاء الذين يقدمون الحماية أو مجاملتهم. الإطار الثالث: أن تصمت عن النيل منهم وشتمهم بصفتهم كفارا، طالما أنهم يناصرون الدعوة. بل لا غرابة أن ثثني على مواقفهم وتمدح شجاعتهم دون أن يصل الئناء إلى عقيدتهم.

стр. 108

السمة الثامنة والعشرون الحصار الاقتصادي والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة وحلفائها وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: .. فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدأ ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل ... وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم إلى أبي طالب ودخلوا معه شعبه، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا .. وقطعت قريش عنهم الأسواق حتى كان يسمع صوت أبنائهم ونسائهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا ... قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ ، وأمره أن يأتي بعض فرشهم (١)). لقد أصبح قتل رسول الله ﷺ هدفا بحد ذاته لدى المشركين. فهل يغامر الحلفاء للنبي ﷺ بتمزيق صف مكة من أجله؟ وإلى أي مدى يسيرون في هذا المضمار؟ وكان الحصار وكانت المقاطعة محك الاختبار. لقد كان الأمر قبل المقاطعة أمرا سهلا وميسورا. فلا تعدو الحماية حمية وأنفة من هذين البطنين أن تتنازل عن رجل من أبنائها لقبائل أخرى. لكن القطيعة والحصار وجها ضربة مجهضة لهذين البطنين وعزلهم عن مكة كلها، وأنزل بهم الجوع والعري ورسم لهم طريق الإبادة. إننا لا نستغرب

стр. 109

هنا أبدأ موقف المسلمين وصبرهم. فمن خلال العقيدة نجد مفهوم الأجر والثواب يوم القيامة، ونعيم الجنة بعدها كفيلين باستمرار المسلمين على خطهم وثباتهم على محنتهم وابتلائهم. لكن الأمر يختلف تمام الاختلاف بالنسبة للمشركين. فلا بد أن يتساءلوا فيما بينهم. فيم نلقى هذا العذاب؟ وفيم نلقى هذه الإهانة؟ وهذا الجوع والتشرد والخنق؟ والجواب واضح. فالأمر كله من أجل محمد بن عبد الله؟!! لكن التساؤلات الأكثر حرجا ودقة هي: لم لا يرجع محمد عن دينه طالما أن هذا الدين باطل؟!! أو نبقى نسانده وهو يهاجم معتقداتنا، ويسفه أحلامنا، ويسب آلهتنا؟!! وخطر مثل هذه التساؤلات كبير. وأي تفكير سياسي وميزان مصلحي لا يقر أبدا إمكانية استمرار هذين البطنين على هذا الموقف، عندما تنهار مصلحة هذين البطنين. فهل يمكن للقيم الجاهلية أن تثبت أمام ضرب مصالحها بله الإجهاض عليها؟!! لقد أصبحت مكة كلها في خطر مما أدى إلى انقسام مكة إلى معسكرين كبيرين المعسكر الأول يضم المسلمين وبني هاشم وبني المطلب مسلمهم ومشركهم، والمعسكر الثاني يضم المشركين من بقية البطون القرشية. ولا شك أن نظافة الشخصيات الإسلامية، ومركزها المرموق في قبيلتها هما اللذان دفعا لهذا الموقف ولو لم يكن رسول الله ﷺ على أعلى مستوى من التقدير والاحترام والتعظيم، لما غامر البطنان الكبيران بنو هاشم وبنو المطلب في خوض حرب من أجله. ولقد مثل هذه الصورة لامية أبي طالب الرائعة التي يقول فيها بعد هذا الحدث: ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد حالفوا قوما علينا أضنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عقب من تراث المقاول (١) وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل (٢) ثم يقسم بالإيمان المغلظة بالله والبيت، والحجر الأسود، ومقام إبراهيم،

стр. 110

والسعي بين الصفا والمروة وبالشهر الحرام وبموقف عرفات. يقسم بهذا كله ويعوذ به أنه لن يتخلى عن محمد بن عبد الله: كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل (١) ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحث ذات الصلاصل (٢) ويعلل سبب إعلانه هذه الحرب، ولماذا اتخذ هذا الموقف مع عشيرته قائلا: وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل (٣) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل تلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة وفواضل ويهاجم بعد هذا بقية بني عبد مناف، من بني أمية وبني نوفل الذين ظاهروا الأعداء عليهم. فإن يستعد فريق من المشركين لخوض معركة مسلحة لحماية فريق من المؤمنين فهذا يعني أن التقدير والحب لهم يفوق كل وصف، فمحمد ﷺ عند أبي طالب ورهطه زعيم بني هاشم، يفدونه بالمال والروح، بالدم والنساء والأبناء (٤). والحركة الإسلامية وهي تخوض غمار الجهاد، وتواجه الجاهلية العاتية، لا تعدم أن تجد بعض النماذج والتجمعات والقيادات الجاهلية والقبلية مثل بني هاشم وبني المطلب، وتنطلق من الأعراف والقوانين الجاهلية لحماية هذه الحركة. إن معظم القوانين والدساتير الجاهلية تضع في صلبها حرية الاعتقاد

стр. 111

والكلام للمواطنين، والتى تتبنى الديمقراطية مبدأ سياسيا بغض النظر عمن يمارسها فعلا أو اسما. ومن باب تنفيذ فقرات الدستور، ومن باب حماية القوانين، ومن باب الأعراف السائدة قد تجد الحركة الإسلامية من يساندها، ويحميها، ويرد عنها مؤامرات الإبادة. إن المناخ الديمقراطي هو أنسب الأجواء للحركة الإسلامية، ومن خلالها قد نجد مثلا نواب المجلس يحولون دون تشريع يبرر حظر الحركة الإسلامية، بل يقوم هؤلاء النواب بسن قوانين تضمن حمايتهم. ومثل هذه الظروف تستغلها الحركة الإسلامية ولا تفرط فيها، وتعمل دعوة وجهادا من خلالها. لكن يجب أن لا يغيب عن بال الحركة الإسلامية أبدا أن المناخ الديقراطي حين لا يعدو أحيانا اللفظ والادعاء، لا يجدي عليها شيئا. بل باسمه يمكن أن تباد ويقضى عليها خاصة في دولنا التي يطلقون عليها - دول العالم الثالث. فتحرص الحركة على أن لا تظهر كل أوراقها، اعتمادا على هذا المناخ، عليها أن تبقي رصيدا من أشخاصها وتنظيمها وحركاتها ومراكزها سرا حتى لا يباد لو فكرت الجاهلية بالانقضاض عليها، وقلب ظهر المجن لها. ومن أجل هذا رأينا أن المركز الاحتياطي في الحبشة برجالاته ونشاطه بقي على ما هو عليه، ولم يستدع رسول الله ﷺ أولئك المسلمين إلى مكة، بعد هذه الحماية. لأنه يعلم أن هذه الحماية مؤقتة، ويعلم أن الضغوط قد تضطر هذا التجمع للتراجع والخضوع لعنف العدو اللدود. لقد رأينا كل دعاوى الديمقراطية الكاذبة تنهار أمام الإرهاب النصيري الكافر في سورية واستطاع طاغيتها أن ينتزع من مجلس شعبه كله، قرارا يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى الإخوان المسلمين. والذين هربوا في المرة الأولى عادوا صاغرين في المرة الثانية وبقوة (البوط العسكري) للتوقيع عليه. ويكاد التاريخ لا يشهد مثيلا لهذا القرار، أن يعدم امرؤ على انتمائه الفكري باسم مجلس يمثل الشعب كله حسب الادعاء.

стр. 112

لكننا هنا أمام صورة مغايرة، أمام فريق من الجاهلية، ضحى بمصالحه واستقراره ووجوده من أجل الإسلام، ولم تكن التضحية يوما أو يومين، بل امتدت ستين وثلاثا. وإني ليأخذ بي العجب وأنا أتخيل هذه الصورة. صورة ذلك المشرك القابع في زواية من زوايا شعب أبي طالب، ويده على سلاحه، يكاد يقتله الجوع، ويفتك بأولاده وزوجه، والأمل مسدود أمامه بلا رجاء، ويسائل نفسه؟ لم ينالني هذا الأذى؟ ويجيب: من أجل محمد، محمد الذي هاجم معتقداتي وآلهتي وديني. ويتساءل: كيف أعرض نفسي للموت من أجله؟ ثم يطرد هذا التساؤل، ويهرب من هذا الخاطر، ويقنع نفسه بموقفه. طالما أن أبا طالب دعاه لهذا المرقف فلن يتراجع عنه ولو أدى إلى موته. نحن إذن أمام جاهلية تؤمن بقيم ثابتة فتضحي بمصالحها واسمترارها ووجودها في سبيل الإسلام. فلا يجوز إذن أن يبلغ بنا التشيخ خدا نتصور فيه أن الجاهلية دائما تنطلق من مصالحها ولا تؤمن بشيء. بل قد تصادف الحركة الإسلامية في مسيرتها بعض هذه النماذج. ويكفي أن ندلل على ذلك من واقع الحركة الإسلامية اليوم وهي تحمل لواء الجهاد ضد الطغيان في سورية. فالأرض التي تتحرك فيها وتأوي إليها وتنطلق منها هي أرض الدول المجاورة. وبعض هذه الدول تعرضت لضغوط عالمية رهيبة لتطرد قيادات الحركة وقواعدها من أرضها فلم تستجب لذلك، لقد تعرضت مصالحها للخطر، وبدأت الدول الكبرى حصارها لها لإجبارها على معاداة الحركة. فلم تفعل ذلك، مع اختلاف المنطلقات الفكرية بينها وبين الحركة. ولا شك أن الحركة الإسلامية ستحفظ إلى الأبد هذه المواقف الكريمة. وتفرق بين من يساندها في محنتها، ويعرض نفسه للخطر من أجلها - برغم الخلاف العقائدي معها - وبين من يتآمر مع عدوها لإبادتها والإجهاز عليها، والمعروف لا يضيع أبدا عند أهل المعروف.

стр. 113

السمة التاسعة والعشرون التفجرات الجاهلية تحطم الحصار والمقاطعة (ثم بعد ذلك تألف قوم من قريش على نقض تلك الصحيفة، كان أحسنهم غناء فيها هشام بن عمرو بن الحارث - فإنه لقي زهير بن أمية بن المغيرة فعيره بإسلام أخواله (أي تركهم مقاطعين). وكانت أمة عاتكة بنت عبد المطلب، فأجابه زهير إلى نقض الصحيفة، ثم مشى هشام إلى المطعم بن عدي فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف فأجابه إلى ذلك، ثم مشى إلى البختري بن هشام فقال له مثل ما قال للمطعم بن عدي، ثم مشى إلى زمعة بن الأسود فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم فقال: وهل معي على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم ثم سمى له القوم، واتعدو حطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة. وقال زهير، أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا على أنديتهم وكذا زهير بن أبي أمية عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم. والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد - كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت، فقال أبو البختري: صدق زمعة لا نرض ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتم وكذب من قال غير ذلك. نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وتشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد. فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها.

стр. 114

فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم وما كان فيها من اسم الله فلا تأكله (١). لقد كان للصمود الإسلامى ثم الصمود القبلي أثر على معسكر الجاهلية والشرك يفوق أثر معركة حامية الوطيس يخوضها المسلمون فينتصرون بها على أعدائهم. وكان هذا الصمود كافيا لتفجير الموقف في مكة. فقد حرك هذا الصمود كل مشاعر الخير الكامنة في صفوف أهلها. لقد تحركت مشاعر القرابة واستنفدت كلها من قبل أصدقاء وأقرباء بني هاشم وبني المطلب. ولم يكتف هؤلاء عند المواقف السلبية، ولم يكتف هؤلاء عند المشاركة الشعورية بل استعد هؤلاء ليقوموا بتحرك إيجابي يعرض حياتهم للخطر، وأن يجابهوا الرأي العام كله بكل ما تحمل هذه المواجهة من مخاطر ومحاذير. واستطاعت هذه العصابة بوحدة كلمتها واستعدادها للفداء أن تغير موقف مكة كلها وتكسر طوق الحصار الاقتصادي وتحطم القيود الاجتماعية، وتعيد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، وتلغي الظلم القائم على المسلمين. والحركة الإسلامية تحتاج في مسارها الطويل إلى فن التعامل مع الجاهلية، بحيث تنتزع منها كل من يمكن أن يساندها وتستفيد من كل من يدعمها ويحفظ لها حريتها، وتستغل كل عناصر الخلاف في صفوف هذه الجاهلية، ولا يتعارض هذا أبدا مع تميزها ومع المفاصلة بينها وبين الحكم الكافر. بل نجد هنا أن المصلحة للحركة الإسلامية هو تحطيم هذه المفاصلة. فليس التفاصل إذن دائما لمصلحة الدعوة والحركة. بل وجدنا الحالة في هذه المرحلة هي القضاء على المفاصلة الاجتماعية. وما فرح المسلمون شيئا فرحهم بالقضاء على هذا الحلف الباغي الظالم. فلقد كان رئيس بني هاشم في مكة يناقشهم في الصحيفة مما يدل على وعيهم لتطورات الموقف. ونرى يقظة هذا المعسكر في الرواية التي روتها السيرة عن الزهري ﵀ لدى موسى بن عقبة: (إن الله أطلع رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك لعمه فقال: لا والثواقب ما كذبتني فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى

стр. 115

أتى المسجد وهو حافل من قريش. فلما رأوهم رأوا أنهم قد خرجوا من شدة الجوع وأتوا ليعطوهم رسول الله ﷺ . فتكلم أبو طالب فقال: إنه حدث أمر لعله أن يكون بيننا وبينكم صلحا، فأتوا صحيفتكم، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها، فأتوا معجبين لا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوع إليهم، قالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد قد جعلتموه خطرا لهلكة قومهم. فقال أبو طالب: لأعطينكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كل اسم له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم. فإن كان ما قال حقا فوالله لا نسلمه لكم حتى نموث عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: قد رضينا. ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر. فقالوا: هذا سحر من صاحبكم. فارتكسوا وعادوا لشر مما كانوا عليه. فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا ومزقت الصحيفة (١)). فمع أن أبا طالب غير مسلم. لكن ثقته بصدق ابن أخيه لا حد لها بل استعد لتسليم محمد ليقتل إن لم يصدقه. ومضى يراهن قريشا على ذلك. فهو يبحث عن أية وسيلة لفك هذا الحصار ومع ذلك أصرت قريش على موقفها واعتبرت الأمر من سحر محمد ﵊. ولا شك أن هذا الأمر الذي فضح قريشا ببغيها وظلمها، جعل لدى هؤلاء النفر أرضية مناسبة للتحرك ضد الصحيفة. فقدرة الدعاة إلى الله على إيضاح الظلم الواقع عليهم له أثر كبير في كسب قلوب بعض الأعداء وانتصارهم لهم. فإذا أردنا للحركة الإسلامية أن تخترق مصاعب المحنة، فلا بد لها من إعلام مناسب ينفد إلى قلوب أعدائها، ليضطرها إلى الموقف المناسب. ولا بد لها من اليقظة الدائمة لتصل إلى الثغرة الضعيفة في صف خصومها فتنفذ منها، ولقد مثل أبو طالب صورة الحليف الشريف الذي ربط حياته

стр. 116

وحياة قبيلته وحياة بني المطلب بحياة رسول الله ﷺ . فليبق هذا الدرس للحركة الإسلامية رصيدا حيا تنفذ من قلب حلفائها فتدفعهم إلى التضحية من أجل الذود عنها، وتنفذ في صفوف الخصوم فتننتزع منهم كل أثر خير وقلب ينبض برفض الظلم. وخاض أبو طالب معركته الإعلامية فأرسل داليته المشهورة إلى مهاجري الحبشة من المسلمين يزف لهم بشرى النصر: ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود (١) فيخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله يفسد وشرح لهم حتى الذين ساهموا في نقض الصحيفة أسماء ومواقف وأنسابا. جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا ... على ملأ يهدي لحزم ويرشد (٢) قضوا أمرهم في ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس وقد هموا رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسر أبو بكر بها ومحمد (٣) السمة الثلاثون دور المرأة في هذه المرحلة جهادا ودعوة وسرية لا بد أن تأخذ المرأة المسلمة دورها في المعركة إلى جانب الرجل. فمعظم الذين هاجروا إلى الحبشة هاجروا مع أزواجهم. ومعظم الذين أسلموا أسلموا مع أزواجهم، ويكفي أن يذكر تاريخ الإسلام باعتزاز أن أول

стр. 117

خلق الله إسلاما امرأة، وأول شهيد في الإسلام امرأة فلم تكن المرأة المسلمة إذن بعيدة عن الساحة. بل تلقت بصبر وبطولة آلام العذاب في سبيل الله حتى الجواري والإماء، فالنهدية تلقت العذاب حتى عميت، وسمية تلقت العذاب حتى استشهدت. وفاطمة بنت الخطاب قامت تدفع عن زوجها فلطمت حتى نفر الدم من وجهها، هذا جانب. والجانب الثاني قدرة الوعي والمحافظة على السرية عندها. فعندما أصيب أبو بكر ﵁ وصحا بعد غيبوبة طويلة، دفع أمه إلى أم جميل بنت الخطاب تسألها عن رسول الله. فأنكرت أنها تعرفه أو تعرف أبا بكر. لكنها تصرفت بلباقة من جانب آخر. فهي تريد أن تنقذ الموقف دون أن تفشي سرا. فعرضت على أم أبي بكر أن تمضي معها إلى ابنها فوافقت. وهناك استأذنت أبا بكر ﵁ في الأمر فأذن لها في الجواب، وأشارت إلى أمه الكافرة فأذن لها في الجواب فأجابت، ولا ننسى أنها بقيت محافظة على سرية إسلامها حتى اضطرت لإعلانه يوم صفعها أخوها على إسلامها، واستطاعت بهذا الموقف الشجاع أن تدفع بأخيها إلى الندم ثم إلى الإسلام. ولئن ذكرنا كل نسوة الأرض، فلا بد أن تكون خديجة ﵂ في القمة. فهي التي احتضنت الدعوة والداعية منذ اللحظات الأولى، ووضعت كل ثروتها ومالها تحت تصرف زوجها رسول الله ﷺ ، وصبرت على المقاطعة والفقر وهي سليلة الغنى والثراء، وكان لها فوق هذه الأدوار جميعا موقف المواسي لرسول الله ﷺ ، وموقف المشجع والمثبت. وبقيت ذكراها ماثلة في ذهن رسول الله ﷺ . حتى ليقفز فرحا حين يسمع صوت أختها هالة، أو صوت صديقات كن يزرنها في حياتها. وحق لرسول الله ﵊ وللمسلمين أن يطلقوا على العام الذي توفيت فيه خديجة رضوان الله عليها، وتوفي فيه أبو طالب عام الحزن. ما أحوجنا إلى هذه النماذج، وإلى تربية أمثالها في صفوفنا، وإلى دعوة المرأة المسلمة أن تأخذ مكانها الصحيح، وموقعها المناسب من المعركة. وإن

стр. 118

الحركة الإسلإمية اليوم لتفخر بالنماذج من الشهيدات اللاتي جاهدن بالسلاح والمال ضد أعداء الله، وقتلن الأفراد والعشرات وهن في قواعدهن، وسقطن مع أبنائهن وأزواجهن في سبيل الله. والحركة الإسلامية لتفخر بالنساء اللاتي كن يتزوجن من المجاهدين ليشاركن في شرف الجهاد في سبيل الله أو نقل الأخبار والمعلومات بين المجاهدين، أو كشف أوكار السلطة الباغية. كما وتفخر الحركة الإسلامية بالمهاجرات في سبيل الله، اللاتي طوردن ولوحقن، وحرصت السلطة الباغية على الفتك بهن. فغررت بدينهن في سبيل الله دون أن تلين قناتهن، أو يضعفن عند التهديد أو الإغراء. كما تفخر الحركة الإسلامية بالمعتقلات في سجون البغاة اللاتي صبرن على أشد أنواع الأذى والبلاء، دون أن تلين لهن قناة، أو يهن لهن عزم. وإنا لندعو أخواتنا المؤمنات أن يشاركن في هذا الجهاد وينضوين تحت لواء الحركة الإسلامية ليؤدين الدور الأساسي الذي لا يقدر عليه إلا النساء. السمة الواحدة والثلاثون المقاومة السلمية لقد كانت قريش تسعى جاهدة لحرب الإسلام ومنع وصوله إلى الناس، بل تشوه سمعة رسول الله ﷺ لدى الوافدين إلى مكة للحج أو التجارة. ولم يكن المسلمون ليقفوا مكتوفي الأيدي أمام ذلك، بل كانوا يمضون إلى هذه المحافل العامة، أو يتواجدون في الكعبة ويتصلون بأولئك الوافدين يدعونهم إلى الإسلام، ويوضحون معالمه. ولكن ضمن خطة محددة تقضي بعدم الاصطدام المباشر مع العدو. وعدم الوصول إلى معركة عنيفة تقود إلى استعمال السلاح، وخف تعرض المسلمين لآلهة قريش، انطلاقا من الأدب القرآني ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (١)﴾.

стр. 119

إنما تنصب الدعوة مع هذه الوفود على ذكر محاسن الإسلام، وعلى التركيز على لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وكانت الحركة الإسلامية تعيش في ظل الجاهلية، في ظل المجتمع الذي تترع فيه الخمور، وتنصب فيه الرايات الحمر للزانيات، وفي ظل الأصنام التي بلغت ثلاثمائة ومع ذلك لم يتعرض المسلمون لهذه المفاسد أو يقاوموها، أو يوجهوا جهدهم للنيل منها أو تحطيمها، لقد كانوا بعيدين عن هذا كله. واتجه همهم إلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. والحركة الإسلامية في مثل هذه المرحلة تتخذ هذا الموقف، تبتعد عن المواجهة ومواطن الإثارة، وتكف أيديها عن القتال من خلال أوامر القيادة. لم يكن صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم جبناء ولا أذلاء، بل كانوا يعانون من الضبط والالتزام بعدم القتال ما لا يعلمه إلا الله، وكانوا يعانون من الضغط على أعصابهم والكبت على نفوسهم ما يكون القتال معه أهون بألف مرة عليهم، ومع ذلك لم نسمع عن مخالفة واحدة، واندفاع مفاجىء واحد. في الوقت الذي نرى فيه في أيامنا من يضع النصوص في غير محلها من الشباب المتحمس، فيود أن يخوض معركة من أجل كلمة، ويواجه الطغيان المنكر القائم، ويتهم الناس في دينهم وعقيدتهم إذا لم يقاتلوا معه. ونحن ندعو هؤلاء الناس إلى التبصر والتثبث، ومراعاة طبيعة المرحلة التي تقدرها قيادة الحركة. ويتعلمون من رسول الله وصحابته الصبر على البلاء، والحياة مع الفكرة من دون أن يكون الثأر للنفس، والغضب للذات، أو حتى لمحارم الله أن تنتهك - قبل الأوامر الصادرة، هو المحرك لتصرفاتهم. إن الحركة الإسلامية المنظمة المنضبطة، هي التي قبلت في مرحلة من المراحل أن توضع سلي البعير وأمعاؤه على عنق رسول الله ﷺ دون أن يقتل الفاعل، وقبلت أن يبصق في وجه رسول الله ﷺ دون أن يؤدب السفيه، وقبلت محاولات خنق رسول الله ﷺ دون أن يقضى على المجرم. لا عن خوف أو جبن في نفوس الأصحاب الذين يفدون رسولهم بكل وجودهم. إنما قبلت ذلك لأن الأوامر الصادرة لا تسمح بالثأر، ولا تسمح برد الفعل، ولا تسمح بالغضب التلقائي.

стр. 120

إننا لنعلم أن المسلمين خاضوا حربا من أجل امرأة راودها يهودي على كشف وجهها عندما كانت المرحلة تقتضي ذلك. بينما لم يخوضوا تلك الحرب وأبو جهل يطعن سمية في قبلها فيقتلها. فالأمر في كلا الحالتين منطلق من توجيهات القيادة المسلمة التي تعرف طبيعة المرحلة وتخطط لها وعلى الجنود الالتزام بها. أما العواطف الثائرة التي لا تعرف الإنضباط والتي لا تستجيب للالتزام فلتبحث لها عن مكان خارج الحركة الإسلامية. السمة الثانية والثلاثون الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى لقد كان هناك هدنة -إذا صح التعبير- بين الإسلام وبين النصرانية واليهودية في هذه المرحلة، وعقائد اليهود لم تتغير، وعقائد النصارى لم تتغير، ولكن المعركة في هذه المرحلة مفتوحة مع الوثنية. ونلحظ هذا الموقف في جانبين: الجانب الأول مع الوفد القادم من المدينة، من مشركي مكة الذين مضوا إلى اليهود في يثرب يسألونهم عن دين محمد ﷺ فقالوا لهم: سلاه عن ثلاث. فإن أجابكم عنها فهو نبي مرسل وإلا فهو متقول كذاب. سلاه عن رجل طواف في الآفاق ماذا كان خبره، وسلاه عن فتية في الدهر الأول ماذا كان خبرهم، وسلاه عن الروح. وقد أجاب رسول الله ﷺ على هذه الثلاث. وبذلك شعر المشركون على الأقل أن اليهود، ومحمدا ﷺ في معسكر واحد. وكان هذا واضحا لديهم لأنهم عندما انتصر الفرس على الروم فرحوا بذلك بينما حزن المسلمون حتى ليتراهن أبو بكر ﵁، وأحد المشركين على نصر الروم على الفرس خلال بضع سنين. ﴿الم غلبت الروم

стр. 121

في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﷺ -نصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (١)﴾. والجانب الثاني كان من الناحية العملية مع وفد النصارى الذي حضر إلى مكة كما ذكر خبره ابن إسحاق: (ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في انديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ عما أرادوا دعاهم رسول الله ﷺ ، وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابو له وآمنوا به وصدقوا وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم منأهل دينكم ترتادون لهم وتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال. ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا لهم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نسأل أنفسنا خيرا (٢). والرواية تؤكد إسلام هذا الوفد. غير أن هذا لا ينفي هذا التقارب بين الإسلام والنصرانية واليهودية في ذلك الوقت. خاصة وأن بقايا النصارى الموجودين في مكة قد شهدوا لمحمد ﷺ بالرسالة. والحركة الإسلامية من حقها أن تهادن من ترى مهادنته دون أن تقر لمبطل بباطل أو تعلن موافقة على عقيدة كافرة. أما نقطة اللقاء بين هذه العقائد فهي كونها من عند الله - بغض النظر عن الخلاف في جزئياتها - وعن التحريف الذي أصابها - ما عدا الإسلام الذي تكفل الله تعالى بحفظه.

стр. 122

السمة الثالثة والثلاثون عدم التنازل عن جزئية واحدة من أجل الحماية بعد وفاة أبي طالب تحركت الحمية في رأس أبي لهب، حين رأى تكالب قريش على إيذاء ابن أخيه محمد. فجاء إليه قائلا: اذهب يا ابن أخي وما كنت تصنعه وأبو طالب حيا فاصنعه. وكان لهذا الموقف وقع الكارثة على قريش، التي خططت بذكائها لتدمير هذه الحماية، ونجحت أيما نجاح حين أوعزت لأبي لهب أن يسأل رسول الله عن عبد المطلب، وكان رسول الله بين أمرين فالسؤال واضح ومحدد: إما أن تستمر الحماية مقابل مهادنة في كلمة واحدة من دين الإسلام ومساومة فيها، وإما أن تنهار الحماية كلها لو تحدث عن حكم الله في عبد المطلب. وما كانت الحماية في يوم من الأيام على حساب هذه العقيدة فقال لعمه أبي لهب: هو في النار. فقال أبو لهب: ما زلت عدوا لك أبدا. وعاد فانضم إلى معسكر قريش. وإذا تساءلنا عن سبب إصرار رسول الله ﷺ على إيضاح حكم الله في عبد المطلب، وخسارته مقابل ذلك أضخم حماية تتحقق له وللمسلمين، لكان الجواب هو: أن عدم إيضاح هذا الحكم يعني أن عبد المطلب على حق، وقريش كلها على ملة عبد المطلب، فلا داعي إذن للمفاصلة بين الفريقين، ويمكن أن يكون اللقاء بين الكفر والإسلام في منتصف الطريق. وعلى ضوء هذا الهدى تسير الحركة الإسلامية في تعاملها مع أعدائها. إنها أولا: تفرق بين العدو الذي يود استئصالها، والعدو الذي يحاول حمايتها. وهي ثانيا: تتقبل كل هدنة، أو حماية مع خصم يوقف حربه عليها، ويهيء سبل الدعوة لها. وهي ثالثا: عندما تقبل هذا الأمر، لا تقبله على حساب عقيدضها، أو

стр. 123

على حساب مبادئها، بل تتقبله انطلاقا من مفاهيم وأعراف معينة تسمح هذه الأعراف بحرية العقيدة، أو حرية العقيدة والدعوة. وهي رابعا: إذا قبلت هذه الحماية، أو الإجارة، أو الحلف. لا يضيرها أن تسكت عن مهاجمة أشخاص حلفائها، أو النيل منهم. ولكن لا تثني على عقائدهم، أو تؤيد باطلهم، أو تقر انحزافاتهم. وهي خامسا: تسعى لأن لا تشغل في المعارك الجانبية أو تستجر لها، بل تقف الموقف الثابت الذي ينصب حول تصحيح العقيدة، أو إيضاح المبدأ، منطلقها في ذلك كله قول الله : ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (١)﴾. ونستطيع أن نجمع مواصفات هذه المرحلة كاملة ملخصة على الشكل التالي والتي أطلقنا عليها اسم: جهرية الدعوة وسرية التنظيم: ١ - دعوة الأقربين. ٢ - الإعراض عن المشركين. ٣ - معالم الدعوة الجديدة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والرسالة. ٤ - الدعرة عامة. ٥ - سرية التنظيم. ٦ - القرآن مصدر التلقي. ٧ - اللقاء المنظم المستمر. ٨ - الصلاة خفية في الشعاب. ٩ - التركيز على الجانب الروحي. ١٠ - الدفاع عن النفس عند الضرورة. ١١ - تحمل الأذى والاضطهاد في سبيل الله. ١٢ - السماح للضعفاء في إظهار تغيير دينهم.

стр. 124

١٣ - محاولة إنقاذ المستضعفين بكل الوسائل الممكنة. ١٤ - الهجرة إلى مكان آمن للدعوة. ١٥ - البحث عن مكان آمن للدعوة، وقاعدة جديدة للانطلاق. ١٦ - الاستفادة من قوانين المجتمع المشرك: الحماية والجوار. ١٧ - المحاولات السلبية من العدو في المواجهة. ١٨ - المحاولات الإيجابية في الحرب: عمليات الاغتيال والقتل للقيادة. ١٩ - الجهرية الثانية، وإعلان التحدي للمجتمع الجاهلي. ٢٠ - إعلان التحدي، ودور الشخصيات القيادية وله. ٢١ - ملاحقة العدو لتجمعات المسلمين، وإحباط المسلمين لهذه الملاحقة. ٢٢ - عبقرية الوفد الإسلامي في حوار الملوك. ٢٣ - لا مساومة على العقيدة. ٢٤ - إثارة الحرب في صف حلفاء المسلمين، وفشل هذه المكيدة بالحزم والسرية. ٢٥ - المفاوضات المباشرة، وطرح الحلول السلمية. ٢٦ - تحييد بعض الشخصيات نتيجة المفاوضات. ٢٧ - التجمع الفئوي لحماية القيادة. ٢٨ - الحصار الاقتصادي، والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة، وحلفائها. ٢٩ - التفجرات الجاهلية تحطم الحصار والمقاطعة. ٣٠ - دور المرأة في هذه المرحلة جهادا ودعوة وسرية. ٣١ - مقاومة المخططات المعادية للإسلام بطريقة سلمية بعيدة عن مهاجمة مقدسات العدو. ٣٢ - الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام، والعقائد الأخرى. ٣٣ - عدم التنازل عن جزئية واحدة من أجل الحماية.

стр. 125

المرحلة الثالثة: مرحلة قيام الدولة

стр. 126

السمة الأولى طلب المنعة خارج مكة وكان ذلك عندما وصلت مكة إلى الطريق المسدود، فقادة مكة أصروا على مواقفهم، والمسلمون موزعون بين الحبشة مشردين، وبين مكة مضطهدين، أو أن الأمر محصور في الدعوة دون تغير في الواقع القائم، فكان لا بد من البحث عن مكان جديد تنطلق منه الدعوة، وكان أقرب المواقع لمكة ثقيف في الطائف، فمضى رسول الله ﷺ إليها كما يحدثنا ابن إسحاق: (ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف يومئذ، سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد يا ليل بن عمرو، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو .. فجلس إليهم رسول الله ﷺ وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال. الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك .. فقام رسول الله ﷺ من عندهم، وقد قال لهم: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني - وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ

стр. 127

قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى إجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف. فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال - فيما ذكر لي -: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني: إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن، بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (١)) ونجد في روايات أخرى أن رسول الله ﷺ أقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه. فقالوا: أخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم. قال موسى بن عقبة: ورجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء. (وزاد غيره). (وكان إذا اذلقته الحجارة قصد إلى الأرض، فيأخذونه بعضديه، ويقيمونه، فإذا مشى رجموه، وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجا (٢)). لقد كان سعي رسول الله ﷺ إلى الطائف ذا هدفين: الأول: دعوة ثقيف إلى الإسلام. الثاني: طلب الحماية والنصرة منهم كما يقول نصر بن إسحاق: (.. وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه في قومه). نحن إذن أمام مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها في هاتين النقطتين الأساسيتين:

стр. 128

أولاهما: لأول مرة يخرج رسول الله خارج مكة، ويفكر في تغيير مركز الانطلاق. هذا وإن كان قد هيأ مركزا احتياطيا له في الحبشة، غير أنها لا تصلح مركزا للانطلاق، إلا عند الضرورة القاهرة، لأن الحبشة بعيدة عن الجو العربي، ولا بد أن تكون القاعدة الصلبة للانطلاق من قومه ليمكن قبولهم من بقية العرب. فلقد كانت قريش تأخذ على رسول الله ﷺ أن جمع أوشاب العرب من جماع القبائل ليقضي بهم مكة، ويغزوها، فكيف يمكن أن يقبل العرب دخول الأحباش ليكونوا القاعدة الصلبة للدعوة، وذكريات قريش عن الحبشة مرة منذ عام الفيل. لكن ثقيفا لا تقل أصالة عن قريش في الحسب والنسب والمنعة، وهي أنسب ما يكون لتكون البديل عن مكة، فلا يلي مكة في الأهمية عند العرب إلا الطائف، وفي الطائف أقدس أصنام العرب بعد الكعبة وهو اللات، وبها يحلف العرب. فلقد كان اختيار القيادة النبوية للبديل أوفق اختيار. ثانيتهما: لأول مرة وفي هذه المرحلة الجديدة نجد عنصر طلب النصرة. فلقد كان رسول الله ﷺ يدعو القبائل ويحضر مواسم العرب قبل هذه المرحلة. غير أن هذه الدعوة كانت محصورة في الدعوة إلى الإسلام. بل يمكن القول: أن الرسول ﷺ لم يطلب النصرة إلا في هذه المرحلة، وكانت الحماية والنصرة السابقة بناء على عرض المشركين وليست بناء على طلبه. فأبو طالب هو الذي قاد هذه المرحلة، وحمل لواء نصرة ابن أخيه وجمع على هذا الرأي بنو عبد المطلب، بنو هاشم، وبنو المطلب، وفشل في ضم بني أمية وبني نوفل إلى هذا الحلف. ونفقه من هذه الرحلة النبوية المباركة أصول الحركة السياسية للحركة الإسلامية. فعندما تسد أمامها المنافذ التي تنطلق منها، وتصل إلى الطريق المسدود في مكان ما، فمن واجبها أن تبحث عن قاعدة جديدة للانطلاق. تحمل المؤهلات المناسبة للقاعدة الأولى. وهذا ما لاحظناه في الحركة الإسلامية اليوم يوم سدت منافذ الجهاد أمامها في سورية وقد حملت السلاح ثائرة ضد الطغيان الحاكم فيها. لجأت إلى بديل طبيعي هو الأرض العربية المجاورة حيث فتحت الدولة المضيفة

стр. 129

أبوابها لإيواء المهاجرين المسلمين، واستطاعت الحركة الإسلامية أن تتابع جهادها لمقاومة الطاغوت الكافر. ولكن رسول الله ﷺ ووجه بأعنف رد تلقاه داعية في الأرض، بعد أن بذل جهدا مضنيا في محاولة إقناع قادة ثقيف، وبعد أن أمضى عشرة أيام يتصل بكل ثقيف شبابا وفروعا، لكن دونما جدوى، فلم يأذن الله تعالى بالفرج بعد. ونلاحظ حرص رسول الله ﷺ على الجانب السياسي في الموضرع حين طلب من قادة ثقيف كتمان الأمر، لما له من مضاعفات خطيرة في مكة. غير أن هؤلاء الزعماء نكثوا عهدهم وأغروا سفهاءهم وعبيدهم بإيذائه. ولم يثن هذا الإيذاء رسول الله ﷺ عن مهمته كداعية. بل عرض عليه من ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين. فأبى ﵊ قائلا: إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. إن مهمة السياسي أن ينتصر، أما مهمة الداعية أن تنتصر دعوته. وحين يخير بين الأمرين فيختار دعوته على شخصه. وكم من الدعاة بحاجة إلى أن يتعمق هذا المعنى في نفوسهم. إننا لا يمكن أن نتصور مثل هذه النماذج في الوجود، ولكن لنحاول الارتفاع إلى أفقها السامي، فأقبح رد وألأم معاملة تصل إلى الحد الذي ذكرته الروايات (رجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، وكان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذونه بعضديه ويقيمونه. فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجا). ومع ذلك يأتيه العرض من ربه تعالى أن ينتقم له ويثأر له. وليس عرضا من حليف أرضي، ولا من شيطان مريد. بل من رب العالمين، ومع هذا كله فيملك الخيار ويرجو ربه أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. إن المرء ليعجز عن تصوير هذا السمو البشري مهما كان مستواه، بل يكاد يعجز عن تصوره. وبقي مع هذا لنا من هذا الدرس أن لا تغيب

стр. 130

الدعوة عن أذهاننا لحظة من اللحظات. وإن يكون رضى الله تعالى هو الذي يحرك مواقفنا جميعها. فلم يشغل بال رسول الله ﷺ الأذى الذي لحق به كما ذكره (إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري) بمقدار ما كان يشغله أن يكون هذا الأذى دليلا على غضب الله تعالى عليه: (اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي). وكل الذي كان يرجوه من ربه جل وعلا أن يرفع عنه هذا السخط إن كان قد وقع (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل علي غضبك أو يحل علي سخطك ..). وسيبقى الأفق الأعلى الذي تحاول البشرية أن ترقى إليه، وخاصة الدعاة إلى الله، أن لا ينسوا هدفهم أبدا. ويذكروا دائما أن الهدف الأول عندهم هو نصر دعوتهم لا نصر أشخاصهم، وأن لا يكون الثأر والانتقام هو الذي يحركهم. ولو وقف الدعاة اليوم مليا أمام هذه الصورة، وطلب منهم أن يقبلوا إسلام أعدائهم الذين يحاربونهم في سورية اليوم لما كان بإمكانهم أن يتصوروا هذا الواقع بله أن يقبلوه. إذ أن الشيء الذي يحركهم الآن أو يمكنهم أن يقبلوه فقط هو الثأر والانتفام من أعداء الله، فليراجعوا قلوبهم وليصححوا مواقع نفوسهم، بحيث لا يكون حظهم من الدنيا إلا حظ عقيدتهم. وليكن لهم من رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة الذي يرتفع فوق عواطفه، ويرتفع فوق أحقاده وثاراته. ولا يكون له هدف إلا انتصار الدعوة وبلوغها الآفاق حتى تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله. السمة الثانية طلب الإجارة من العدو في مكة (ذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يدخل مكة بعد رجوعه من الطائف أرسل إلى الأخنس بن شريق: أدخل في جوارك؟ فقال: إني حليف، والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه على ذلك).

стр. 131

(وأقام رسول الله ﷺ بنخلة أياما، فقال له زيد بن حارثة، كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ - يعني قريشا -. فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر دينه. ثم انتهى إلى مكة، فأرسل رجلا من خزاعة إلى المطعم بن عدي: أدخل في جوارك؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقالوا ألبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا، فدخل رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدا فلا يهيجه منكم أحد. فانتهى رسول الله إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرفت وانصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١). لئن كانت رحلة الطائف ذات هدفين هما الدعوة والنصرة فلا شك أن الموضوع محصور الآن في طلب الإجارة والحماية من زعماء مكة. ونلاحظ في هذه الرواية إشارة إلى أن أهل مكة أخرجوا رسول الله ﷺ كما يقول زيد ﵁: (كيف ندخل عليهم وقد أخرجوك؟). وكانت ثقته ﷺ بربه أن فرج الله تعالى قريب وخاصة عندما تشتد المحنة ويعظم البلاء. والأخنس بن شريق من بني زهرة، وبنو زهرة حلفاء بني هاشم وبني تيم في حلف الفضول، فتنصل الأخنس من الإجارة بقوله: إني حليف والحليف لا يجير. ولعل الأصل في قانون الإجارة أن تكون من قبيلة لقبيلة ثانية، أما الحماية، فهي التي تتم من القبيلة لأبنائها، كما كانت حماية أبي طالب. ثم بعث إلى سهيل بن عمرو فتنصل من الإجارة بقوله: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فسهيل بن عمرو يلتقي مع رسول الله ﷺ من حيث النسب في لؤي وفي لؤي يفترق بنو كعب بن لؤي عن بني عامر بن لؤي. ولا ندري كذلك حدود هذه الأعراف الجاهلية، ولم لا تجير بنو عامر على بي كعب لكنها كانت محددة واضحة، أو أنه تعلل للهروب من هذه الإجارة.

стр. 132

ثم طلب الإجارة من المطعم بن عدي زعيم بن نوفل بن عبد مناف، وهم الفرع الثالث من بني عبد مناف، إذ الفروع الأربعة هي بنو هاشم وبنو عبد شمس وبنو المطلب وبنو نوفل. ويعلم المطعم بن عدي خطورة الإقدام على هذه المغامرة. فقد يعادي قريشا كلها من أجل هذه الإجارة، إذ أي اعتداء يقع على محمد ﷺ لا بد أن يرد هذا الاعتداء، ولو أدى الأمر إلى حرب بينه وبينهم. ونعلم كذلك حرص المطعم بن عدي على ألفة قومه، حين لام أبا طالب لعدم قبوله تبادل محمد وعمارة بن الوليد، إذ قال له: والله ﷺ -اأبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل شيئا، فأجابه أبو طالب: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك. والمطعم أمام هذا الموقف العصيب، وأمام معاداة قومه بالاستجابة لطلب محمد بن عبد الله أو التنصل من الإجارة كما تنصل غيره. فوقف موقفا مشرفا، حفظه له التاريخ حيث سلح بنيه جميعا وحضر بهم إلى الكعبة بالسلاح معلنا إجارة محمد بن عبد الله، حيث دخل رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة فطافا بالكعبة بحماية السلاح. ومضى إلى بيته ﷺ بحمايتهم كذلك، وكان هذا صفعة كبيرة لقريش، وتحديا لمشاعرها، لكنها لم تشا أن تخسر بني نوفل إلى الأبد إلى صف محمد كما خسرت بني المطلب وبني هاشم، فسكتت على مضض. وحفظ رسول الله ﷺ هذا الصنيع للمطعم بن عدي. فقال في بدر وقد أسر من قريش سبعين من صناديدهم: لو كان المطعم بن عدي حيا لوهبت له هؤلاء النتنى. وكم نحن بحاجة إلى أن نفقه هذا المعنى في حركتنا الإسلامية المعاصرة. إن المطعم بن عدي كافر لا يختلف في عقيدته أبدا عن بقية قريش. وإن أبا جهل وأبا لهب كافران كذلك مثل المطعم بن عدي. لكن الفرق بين

стр. 133

النوعين واضح: كافر مسالم مناصر للمسلمين، وكافر عدو محارب. ورسول الله ﷺ هو الذي يطلب هذه الإجارة وهذه النصرة. ويتنقل في مكة تحت حماية السيوف الكافرة. وها هو ﵊ يعلن أنه سيطلق سراح سبعين كافرا من صناديد قريش لو طلبهم منه المطعم بن عدي الكافر. إن رسول الله ﷺ يربينا على أن نرد المعروف لأهله ولو كانوا كفارا، ويعلمنا أن نحفظ الود لأهله. ولو كانوا عبدة أصنام وأوثان، ويربينا كيف نفرق بين العدو الذي يحمينا وبين العدو الذي يقتلنا. ونخلص بعد ذلك إلى طبيعة هذه المرحلة التي أسميناها مرحلة قيام الدولة. فنجد أنها مرحلة طلب النصرة، ابتداء من ثقيف، فالمطعم بن عدي، فالقبائل الأخرى. ونلاحظ هنا أن حماية المطعم -على ما يبدو- كانت محصورة على الحماية الشخصية، لا على حرية الدعوة، ومن أجل ذلك رأينا رسول الله ﷺ يبحث عن موطن آخر يستطيع أن ينطلق منه للدعوة في سبيل الله. السمة الثالثة طلب المنعة والحماية لتبليغ الدعوة من القبائل كان رسول الله ﷺ مند أن جهر بالدعوة بعد ثلاث سنين من البعثة يرتاد المواسم وأسواق العرب ويدعو الناس للإيمان بالله (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ويدعوهم إلى نبذ الأصنام والأوثان. أما في موسم هذا العام - أعني السنة العاشرة للبعثة - فقد اختلفت الصيغة عن ذي قبل. يقول المقريزي في إمتاع الأسماع: (ثم عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل أيام الموسم، ودعاهم إلى الإسلام وهم بنو عامر، وغسان، وبنو فزارة، وبنو مرة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة،

стр. 134

وقيس بن الخطيم، وأبو الحيسر أنس بن أبي رافع، وقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة، ويقال أنه ﷺ بدأ كندة فدعاهم إلى الإسلام، ثم أتى كلبا، ثم بني حنيفة، ثم بني عامر وجعل يقول: من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟ هذا وعمه أبو لهب وراءه يقول للناس، لا تسمعوا منه فإنه كذاب (١)). إنها دعوة صريحة طلب الحماية من القبائل العربية لتبليغ دعوة الله ، ويفهم من هذه الدعوة أنه ليس من الضروري أن تسلم القبيلة، إنما المطلوب هو أن تؤمن الحماية اللازمة له لتبليغ دعوة الله كما أن الذين هيأوا له الحماية من قبل لم يكونوا مؤمنين جميعا. بل كان أبو طالب على رأسهم ولم يدخل في الدين الجديد والقبائل التي عرض عليها الإسلام، وطلب منها النصرة في العام الحادي عشر وبعد هي: بنو عامر، وشيبان بن ثعلبة، وبنو كلب، وبنو حنيفة، وبنو كندة. أما بنو حنيفة فلم يكن أقبح ردا منهم. وأما بنو كلب فقد أتى بطنا منهم وقال لهم: إن الله قد أحسن اسم أبيكم. فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم، وأما بنو كندة فلم يقبلوا منه كذلك، وبقي لدينا بنو عامر بن صعصعة، وبنو شيبان بن ثعلبة، وهما بيت القصيد في هذه الفقرة. قال ابن إسحاق: (.. وأنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس، والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله ﷺ ضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه (٢)).

стр. 135

وكان اللقاء الثاني مع بني شيبان. (... وزاد قاسم بن ثابت تكملة للحديت قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم. قال علي: وكان أبو بكر في كل خبر مقدما. فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وقال: (بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم). وفيهم مغروق بن عامر وهانىء بن قبيصة ومثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. ومغروق قد غلبهم جمالا ولسانا وكان له غديرتان تسقطان على تريبته. فكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر. فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال مغروق: إنا لنزيد عن الألف، ولن تغلب الألف عن قلة. قال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مغروق: علينا الجد والجهد، ولكل قوم حد. قال أبو بكر: وكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مغروق: إنا لأشد ما نكون غضبا لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد عن الأولاد والسلاح على اللقاح. والنصر من عند الله ﷺ -ديلنا مرة ويديل علينا أخرى. لعلك أخو قريش؟! فقال أبو بكر: أوبلغكم أنه رسول الله فها هو ذا؟ فقال مغروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك. فإلى مَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد. ففال مغروق: وإلى م تدعو يا أخا قريش. فقال رسول الله ﷺ : ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق .. (١)﴾ الآية. فقال مغروق: وإلى مَ تدعو أيضا يا أخا قريش؟

стр. 136

فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إن الله ﷺ -أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى (١) ...) الآية. فقال مغروق: دعوت يا أخا قريش والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أراد أن يشرك في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. ففال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لوهن في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر. وكأنه أحب أن يشرك في الكلام مثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا إياك في مجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر. وإنا إنما نزلنا بين صريان اليمامة والسماوة. فقال رسول الله ﷺ : ما هذا الصريان؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب. فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنبه مغفور وعذره مقبول. وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا. وإني لأرى أن هذا الأمر مما تكرهه الملوك. فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟!

стр. 137

فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا. فتلا رسول الله ﷺ ﴿أيا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ (١). ثم نهض النبي ﷺ فأخذ بيدي أبي بكر فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا النبي ﷺ ، وكانوا صدقا صبرا (٢)). إن من نعمة الله علينا أن نجد بين أيدينا نصوصا عن أحلاف لم تتم لأنها تكون هادية لنا على الطريق نتعرف من خلالها على ما يحل لنا وما لا يحل في مجال المعاهدات والأحلاف السياسية، ولو لم تتعثر هذه المباحثات، لم نتعرف على حدود الحركة السياسية النبوية التي نتوخى من خلالها حدود حركتنا اليوم. أما المحادثة الأولى مع بني عامر بن صعصعة، فقد تعثرت لسبب واحد هو أن رسول الله ﷺ لم يعدهم بأن يكون لهم الحكم من بعده، وهي التي جعلتهم يرفضون إيواءه ونصره كما قال زعيمهم بيحرة بن فراس: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، وبذلك خط لنا رسول الله ﷺ خطا إنه مهما كانت حالة الضعف لدى الحركة الإسلامية فلا يحق لها أن تفاوض على إقرار غير المسلمين على باطلهم، والاعتراف لهم بحق الحكم بغير شريعة الله. فالأمر ليس ملكا يورث إنما هو شريعة تسود. ولا بد من التفريق بين الأمر الواقع، وبين إقرار المسلمين به وموافقتهم عليه. وأن يكون اسم الإسلام بعد ذلك. وليست القضية هي حكم أشخاص بذواتهم وأعيانهم في الإسلام - إنما هي حكم من ينفذون شريعة الله، وعندما

стр. 138

يدخل الناس في دين الله، ويحقق الله تعالى موعوده بالنصر. فلا يحق لفئة مشركة أن تتسلط على الحكم والسلطة، بحكم أنها كانت تناصر هذه الدعوة وتساندها، وكثيرا ما تواجه الحركة الإسلامية أثناء مسارها الطويل بفريق أو فئة أو دولة تساندها وتحالفها لفترة مؤقتة، وتشترط عليها لإيصالها للحكم أو مساعدتها في ذلك أن تكون شريكتها في السلطة، فيحكم الأرض بوقت واحد إسلام وجاهلية أو تعاقب بين إسلام وجاهلية باسم العقد أو الحلف وهذا مرفوض في الميزان الإسلامي. يمكن للحركة الإسلامية أن تقبل حماية من مشرك في حالة ضعفها وعدم تمكنها، لكن أن يعطى هذا العدو الحق في أن يسود ويحكم باسمها ومن ورائها ويستغلها مطية لمآربه فهذا مرفوض في الميزان الإسلامي. وماذا نجد في المحادثات الثانية مع بني شيبان بن ثعلبة؟ لقد ابتدأ أبو بكر ﵁ في المفاوضات بعد أن عرف أنه مع زعماء بني شيبان لقد سأل عن العدو وسأل عن المنعة وسأل عن الحرب، وتوسم الصدق في الجواب من القوم فكان العدد يزيد عن الألف، وكانت الحمية متوفرة والاستعداد للقتال قائم كما قال مغروق: إنا لأشد ما نكون غضبا لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله. فإذا كان رسول الله ﷺ يريد المنعة، فها هنا مكانها، وقريش لا تزيد عن الألف لو تبنت منعة رسول الله ﷺ ، فلقد أوعبت ألفا في بدر ولكن المفاوضات ابتدأت في حلقة جديدة. فلقد كان مغروق من الذكاء واللباقة ما جعله يكتشف من خلال الأسئلة أن السائل رسول الله ﷺ ، وهو أخو قريش وصاحب مكة، وكان من العقل والحنكة بحيث يتجاهل كل الأراجيف عن رسول الله بأنه ساحر أو شاعر أو كاهن، وتوجه لرسول الله ﷺ يسأله عن دعوته ودينه. ونتعلم من إجابات الرسول ﷺ لمغروق فن الدعوة للعدو إذا صح

стр. 139

التعبير. فكان لا بد من المعالم الأولى للدعوة: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله. وهي مفرق الطريق بين الإسلام والكفر، وهي التي حاربتها قريش عشر سنوات، ورفضت أن تقولها. ولم يكتف رسول الله ﷺ بذلك، بل حدد هدف اللقاء، وهدف الأسئلة السابقة التي تقدم بها أبو بكر ﵁ ... وإلى أن تؤووني وتنصروني. ولا شك أنه سيحاك في الذهن مباشرة أسئلة كثيرة عن سبب اللجوء إليهم دون أن يمتنع بقومه قريش فقال ﷺ متابعا: .. فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو العلي الحميد. ولا شك أن مغروقا قد انشرح صدره لهذا الحديث فأحب أن يتعرف على معالم أخرى لهذا الدين الجديد فكرر السؤال: وإلى م تدعو يا أخا قريش؟ واختار رسول الله ﷺ الحديث عن عزة القيم والأخلاق التي تفتخر بها العرب، ولو كانت تخالفها في كثير من الأحيان: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ... (١)﴾. إن الجو وإن كان جو محادثات ومباحثات سياسية. لكن الدعوة إلى الله هي الأصل، وكسب القوم إلى الإسلام أكبر بكثير من حمايتهم لرسول الله وهم لا يؤمنون برسالته، ولعل مفروقا حرص أكثر على إيضاح هذه الدعوة، وراعه بيانها وفكرها فاستزاد قائلا وإلى م ثتدعو أيضا يا أخا قريش؟. واختار رسول الله ﷺ الآية الجامعة الفذة المانعة: ﴿إن الله ﷺ أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (٢)﴾. إن قمة القيم الأخلاقية والسياسية قد عرضت في هذه المفاوضات، وما

стр. 140

تمالك مغروق أن قال: دعوت والله ﷺ اأخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. فلقد صدق مغروق مقالة رسول الله ﷺ ، لكنه لا يستطيع أن يقطع في هذا الأمر، فأحال الأمر إلى شيخهم وصاحب دينهم هانىء بن قبيصة. ولعل هانئا لم يجرؤ على اتخاذ خطوة حاسمة في أمر الإسلام، أو أنه كان مقتنعا بدين الجاهلية أكثر من غيره، فتفلت من الأمر وأخله وسوف فيه، وتذرع بالحكمة دون العجلة، وبذلك انتهت الخطوة الأولى دون طائل. وآلم مغروق هذا الموقف، وأحال هانىء الكلام على المثنى شيخهم وصاحب حربهم ولا شك أن المثنى من ظاهر حديثه يبدو أنه قد تأثر بموقف النبي ﷺ ، وحاول أن يقطع فيما هو من اختصاصه، وقدم الصورة كاملة في مجال الحماية، ولخص الموقف بقوله: فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. وذلك بعد أن أشار إلى أن هذه الدعوة والرسالة مما يكرهها الملوك. وكان جواب رسول الله ﷺ في منتهى الحكمة والحصافة وبمنتهى الوضوح كذلك: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. وبذلك انتهت المفاوضات دون تحالف؟ لأن بني شيبان قدموا الحماية حسب إمكاناتهم على العرب فقط. أما كسرى فلا، فلقد عاهدوه أن لا يحدثوا حدثا أو يؤوا محدثا، ولعل كسرى يغضب أشد الغضب لو علم بذلك، فهو أمر تكرهه الملوك. إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حربا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله وتسليمه، ولن يخوضوا حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة محمد رسول الله وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات، وأحب رسول الله ﷺ أن يغزو قلوب بني شيبان بأن حدثهم عن موعود الله بنصره، وأنهم وراث الأرض من دون المشركين إن هم آمنوا بالله ورسوله وسبحوه، وهذا هو الهدف الوحيد البعيد الذي تحقق ليبقى طريقا مفتوحا للقاءات القادمة:

стр. 141

- أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم؟ أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا. عندما يكون الأصل في التحالف السياسي هو النجاح أو تحقيق فوز على العدو، أو بتعبير أدق عندما يكون الميزان هو أن الغاية تبرر الواسطة، فتعتبر الوقوف عند هذه الجزئيات خطلا سياسيا، أما عندما يكون الهدف هو انتصار الدعوة والعقيدة فالتخلي عن جزئية واحدة منها هو تخل عنها كلها. السمة الرابعة فشل المساومات ولنقف عند هاتين النقطتين: أ - الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. تعهد واحد طلب من رسول الله ﷺ فرفضه، فماذا تستفيد الحركة الإسلامية من هذا الموقف وهي في حالة الضعف؟ إن الحركة الإسلامية حين تفاوض عدوا على مستقبل الحكم أو تدعى إلى التحالف معه إذا استطاعت أن تصل مع هذا العدو إلى أن يكون الأمر لله يضعه حيث يشاء من خلال بنود التحالف، فلها حرية الاختيار في ذلك، وحتى تتوضح الصورة أكثر، نجد أن بإمكان الحركة الإسلامية أن تتحالف مع عدو على إسقاط عدو آخر، ويكون الحكم بعد ذلك لله يضعه حيث يشاء، والتعبير العملي لهذه الصيغة أن هذا التحالف الذي أسقط ذلك العدو ينتهي نصه بسقوطه، وكل حليف سياسي بعد ذلك بجهده الخاص للوصول إلى الحكم بدون أن يكون بين هؤلاء الحلفاء تعهدات لبعضهم بتعاور الحكم أو الاشتراك فيه فنرى ان هذا الخط من صميم التحرك الإسلامي السياسي. وهذا المفهوم يقود إلى نقطتين شائكتين، ولكن لا مناص من التعرض لهما وهما:

стр. 142

١ - هل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بأن يكون الحكم ديمقراطيا؟ ٢ - وهل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بقيام حكومة مؤقتة ومؤتلفة؟ وتحاول الإجابة على السؤال الأول: فقد يتبادر إلى الذهن مباشرة أن يكون الجواب بالإيجاب لأن النظام الديمقراطي لا يحدد فردا أو جهة يخولها استلام السلطة. وهذا يعني أن الأمر لله يضعه حيث يشاء. إنني أستبعد جواز ذلك - والله أعلم - وذلك للأسباب التالية: أولا: النظام الديمقراطي يقتضي من الحركة الإسلامية أن تقبل بالفئة أو الحزب الذي ينتخبه الشعب، وأن تبادر فتعترف بشرعيته طالما فاز بالأكثرية، وأن تخضع لنظامه. وقد يكون هذا الحزب أو التجمع معاديا للإسلام، أو لا يتبنى الإسلام على أحسن الاحتمالات، وخروجها عليه خروج على الشرعية التي أعلنت الالتزام بها، فهي تضطر أن تنقض عهدا أبرمته، ولا يحل في ديننا إلا الوفاء وحقيقة هذا الميثاق حين توقعه الحركة الإسلامية ليس ضمن إطار الأمر لله يضعه حيث يشاء، بل ضمن إطار القبول بمشيئة الفئة الغالبة، ولو كانت غير شرعية بميزان الله. إنه صحيح أن كل شيء بمشيئة الله، لكن مهمتنا أن نسعى لإقامة شريعة الله ونقاوم أي نظام باطل فنحقق مشيئة الله تعالى ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (١)﴾ ونفر من قدر الله إلى قدر الله لا أن نعلن قبولنا بشرعية أكثرية لا ترضى بشريعة الله أو إننا سنغدر بالمواثيق التي أعطيناها ولا يحل في ديننا الغدر. ثانيا: ولنفرض جدلا أننا قبلنا بالنظام الديمقراطي، فإن الشعب هو مصدر التشريع في هذا النظام، وقبولنا بذلك يعني قبولنا بكل

стр. 143

تشريع لا يرضاه الإسلام، واعتباره شرعيا في الوقت نفسه طالما أنه صادر عن هيئة تشريعية منتخبة. ثالثا: ولنفرض جدلا أن الحركة الإسلامية اشترطت قبول نظام الإسلام حتى تقبل النظام الديمقراطي، فهي في هذه الحالة قد قبلت بالمتناقضات في البنود نفسها، تجعل حجة لخصوم الإسلام عليها في المستقبل أن هذا الحكم وهو نظام الإسلام لا يمثل رأي الشعب، وبالتالي لا يجوز أن يفرض عليه. - إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه: إن المنهج الإسلامى السياسي المنبثق من هذه الفقرة هو أن لا يبرم إلا التحالف المؤدي للأهداف المرسومة، إنه يرسم استراتيجية الحركة الإسلامية. إن التحالف المبني على عاطفة عارضة أو مصلحة جزئية، هو على المدى البعيد طمس للخط الإسلامي الواضح، وهذه الفقرة تدعونا إلى الملاحظات التالية: ١ - عبقرية التخطيط السياسي فلا يكون استجابة لنزوة بنزوة مماثلة، بل يكون ضمن استراتيجية محددة الأهداف واضحة الخطى، وخطة محكمة تدرس سائر الاحتمالات المتوقعة من الحليف الآخر. ٢ - مرونة العمل السياسي، فعندما أكون واضح الهدف أسلك مع الخصم الذي أود مخالفته كل سبيل يمكن أن يوصلني إلى الهدف المطلوب، ولا أدع الفرصة تفوتني لتحقيق هذا الهدف. ويكفي أن نرى عظمة هذه المرونة في أنها استوعبت معظم القبائل العربية وبحثت معها الأمر، واستوعبت الزمان والمكان. فالمواسم كلها مسرح للعمل السياسي الإسلامي لتحقيق الهدف المحدد الواضح، أسواق العرب بل أماكنهم ووفودهم هي مغزوة دائما بالنشاط الإسلامي السياسي. إن كل قبيلة غير قريش مؤهلة للمفاوضات والتحالفات، فكندة في الجنوب، وغسان في الشام، وحنيفة في اليمامة، وشيبان في العراق، كل هذه القبائل التي أتت وفودها للمواسم كانت مسرحا للعمل

стр. 144

السياسي الإسلامي، بل إن قريشا عرضة للتفاوض مع بعض قادتها كما وجدنا مع المطعم بن عدي. ٣ - عبقرية المفاوض السياسي: وحين يكون الهدف واضحا والمفاوض مرنا ذكيا تقيا عبقريا. فيمكن أن تزج به الحركة الإسلامية في هذا الخضم لا تخشى بعون الله عليه من أي طارىء. (لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب). وحين يفقد المفاوض السياسي واحدة من الصفات المذكورة فلا بد أن يحمل الوفد المفاوض هذه الصفات، فالمرونة للقدرة على تقليب وجهات النظر، وعرض الحلول المتنوعة اللامتناهية والذكاء للقدرة على التخلص من أي مأزق يمكن أن يزجه الخصم به. والتقى لتبقى حركته ضمن الإطار الشرعي الذي حدده له الإسلام، وإطار المصلحة التي حددتها الحركة، والعبقرية لغل سلاح الخصم ودفعه إلى الهدف الذي يريده المفاوض الإسلامي. ولننظر إلى هذه الفقرة بمنظار آخر: (إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه). لقد كانت هذه الكلمة ردا على المثنى بن حارثة حين عرض على رسول الله ﷺ حماية على مياه العرب دون مياه الفرس، وصاحب النظرة السياسية العجلى يرى أن تفويت هذه الفرصة خطأ سياسي، لكن الذي يسبر أغوار السياسة البعيدة، يرى بعد النظر الإسلامي النبوي الذي لا يسامى. إن المثنى قد ألمح إلى أن هذا الأمر تكرهه الملوك، وأن موقع الدعوة بجوار فارس تجعلها سهلة المتناول في كل لحظة منها. وأن العهود والمواثيق المقيدة لشيبان تجعلهم أعجز من أن يستطيعوا حماية هذا الرسول وهذا الدين الجديد من بطش كسرى وسلطانه. إن التحالف مع الخصم الأقوى يكون في معظم الأحيان لصالح هذا الخصم. فموقع شيبان إذن غير مناسب ليكون مركزا للدعوة الجديدة، وعهود شيبان من جهة ثانية تشل إمكانية الحركة

стр. 145

الإسلامية، وكراهة الملوك لهذه الدعوة التي تدعو لإخراج الناس من عبادة العباد لعبادة الله من جهة ثالثة عنصر غير مشجع لوجود هذه الحركة بحيث تمس مصالحها وتوقع الاحتكاك بينها وبين الحركة الإسلامية، ويكفي أن نذكر نقطتين اثنتين توضحان عمق النظرة السياسية النبوية في هذا المجال: أولاهما: إن الفرس كانوا في أوج انتصاراتهم بعد أن هزموا امبراطورية الروم وأخذوا الصليب الأكبر منهم. ثانيتهما: إن كسرى عندما وصله خطاب رسول الله ﷺ بعد قيام دولة الإسلام بست سنوات مزق الخطاب النبوي، وبعث من يحضر له محمدا حيا أو ميتا، علما بأنه قد ذاق مرارة الهزيمة القاتلة من الروم قبل أربع سنوات. فما أحوجنا ونحن نود للحركة الإسلامية تحركا سياسيا هائلا لأن نحكم الهدف أولا، ونحكم الخطة ثانيا، ونكون أدرى ما نكون بالعدو ثالثا، وندفع بالعبقري السياسي للحركة رابعا، ونطلب النصر من الله بعد بذل هذه الإمكانات. السمة الخامسة توجيه الأنظار لمركز الانطلاق قال ابن إسحاق: (فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه ﷺ ، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
следующие страницы →