← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

- أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم؟ أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا. عندما يكون الأصل في التحالف السياسي هو النجاح أو تحقيق فوز على العدو، أو بتعبير أدق عندما يكون الميزان هو أن الغاية تبرر الواسطة، فتعتبر الوقوف عند هذه الجزئيات خطلا سياسيا، أما عندما يكون الهدف هو انتصار الدعوة والعقيدة فالتخلي عن جزئية واحدة منها هو تخل عنها كلها. السمة الرابعة فشل المساومات ولنقف عند هاتين النقطتين: أ - الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. تعهد واحد طلب من رسول الله ﷺ فرفضه، فماذا تستفيد الحركة الإسلامية من هذا الموقف وهي في حالة الضعف؟ إن الحركة الإسلامية حين تفاوض عدوا على مستقبل الحكم أو تدعى إلى التحالف معه إذا استطاعت أن تصل مع هذا العدو إلى أن يكون الأمر لله يضعه حيث يشاء من خلال بنود التحالف، فلها حرية الاختيار في ذلك، وحتى تتوضح الصورة أكثر، نجد أن بإمكان الحركة الإسلامية أن تتحالف مع عدو على إسقاط عدو آخر، ويكون الحكم بعد ذلك لله يضعه حيث يشاء، والتعبير العملي لهذه الصيغة أن هذا التحالف الذي أسقط ذلك العدو ينتهي نصه بسقوطه، وكل حليف سياسي بعد ذلك بجهده الخاص للوصول إلى الحكم بدون أن يكون بين هؤلاء الحلفاء تعهدات لبعضهم بتعاور الحكم أو الاشتراك فيه فنرى ان هذا الخط من صميم التحرك الإسلامي السياسي. وهذا المفهوم يقود إلى نقطتين شائكتين، ولكن لا مناص من التعرض لهما وهما:

стр. 142

١ - هل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بأن يكون الحكم ديمقراطيا؟ ٢ - وهل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بقيام حكومة مؤقتة ومؤتلفة؟ وتحاول الإجابة على السؤال الأول: فقد يتبادر إلى الذهن مباشرة أن يكون الجواب بالإيجاب لأن النظام الديمقراطي لا يحدد فردا أو جهة يخولها استلام السلطة. وهذا يعني أن الأمر لله يضعه حيث يشاء. إنني أستبعد جواز ذلك - والله أعلم - وذلك للأسباب التالية: أولا: النظام الديمقراطي يقتضي من الحركة الإسلامية أن تقبل بالفئة أو الحزب الذي ينتخبه الشعب، وأن تبادر فتعترف بشرعيته طالما فاز بالأكثرية، وأن تخضع لنظامه. وقد يكون هذا الحزب أو التجمع معاديا للإسلام، أو لا يتبنى الإسلام على أحسن الاحتمالات، وخروجها عليه خروج على الشرعية التي أعلنت الالتزام بها، فهي تضطر أن تنقض عهدا أبرمته، ولا يحل في ديننا إلا الوفاء وحقيقة هذا الميثاق حين توقعه الحركة الإسلامية ليس ضمن إطار الأمر لله يضعه حيث يشاء، بل ضمن إطار القبول بمشيئة الفئة الغالبة، ولو كانت غير شرعية بميزان الله. إنه صحيح أن كل شيء بمشيئة الله، لكن مهمتنا أن نسعى لإقامة شريعة الله ونقاوم أي نظام باطل فنحقق مشيئة الله تعالى ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (١)﴾ ونفر من قدر الله إلى قدر الله لا أن نعلن قبولنا بشرعية أكثرية لا ترضى بشريعة الله أو إننا سنغدر بالمواثيق التي أعطيناها ولا يحل في ديننا الغدر. ثانيا: ولنفرض جدلا أننا قبلنا بالنظام الديمقراطي، فإن الشعب هو مصدر التشريع في هذا النظام، وقبولنا بذلك يعني قبولنا بكل

стр. 143

تشريع لا يرضاه الإسلام، واعتباره شرعيا في الوقت نفسه طالما أنه صادر عن هيئة تشريعية منتخبة. ثالثا: ولنفرض جدلا أن الحركة الإسلامية اشترطت قبول نظام الإسلام حتى تقبل النظام الديمقراطي، فهي في هذه الحالة قد قبلت بالمتناقضات في البنود نفسها، تجعل حجة لخصوم الإسلام عليها في المستقبل أن هذا الحكم وهو نظام الإسلام لا يمثل رأي الشعب، وبالتالي لا يجوز أن يفرض عليه. - إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه: إن المنهج الإسلامى السياسي المنبثق من هذه الفقرة هو أن لا يبرم إلا التحالف المؤدي للأهداف المرسومة، إنه يرسم استراتيجية الحركة الإسلامية. إن التحالف المبني على عاطفة عارضة أو مصلحة جزئية، هو على المدى البعيد طمس للخط الإسلامي الواضح، وهذه الفقرة تدعونا إلى الملاحظات التالية: ١ - عبقرية التخطيط السياسي فلا يكون استجابة لنزوة بنزوة مماثلة، بل يكون ضمن استراتيجية محددة الأهداف واضحة الخطى، وخطة محكمة تدرس سائر الاحتمالات المتوقعة من الحليف الآخر. ٢ - مرونة العمل السياسي، فعندما أكون واضح الهدف أسلك مع الخصم الذي أود مخالفته كل سبيل يمكن أن يوصلني إلى الهدف المطلوب، ولا أدع الفرصة تفوتني لتحقيق هذا الهدف. ويكفي أن نرى عظمة هذه المرونة في أنها استوعبت معظم القبائل العربية وبحثت معها الأمر، واستوعبت الزمان والمكان. فالمواسم كلها مسرح للعمل السياسي الإسلامي لتحقيق الهدف المحدد الواضح، أسواق العرب بل أماكنهم ووفودهم هي مغزوة دائما بالنشاط الإسلامي السياسي. إن كل قبيلة غير قريش مؤهلة للمفاوضات والتحالفات، فكندة في الجنوب، وغسان في الشام، وحنيفة في اليمامة، وشيبان في العراق، كل هذه القبائل التي أتت وفودها للمواسم كانت مسرحا للعمل

стр. 144

السياسي الإسلامي، بل إن قريشا عرضة للتفاوض مع بعض قادتها كما وجدنا مع المطعم بن عدي. ٣ - عبقرية المفاوض السياسي: وحين يكون الهدف واضحا والمفاوض مرنا ذكيا تقيا عبقريا. فيمكن أن تزج به الحركة الإسلامية في هذا الخضم لا تخشى بعون الله عليه من أي طارىء. (لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب). وحين يفقد المفاوض السياسي واحدة من الصفات المذكورة فلا بد أن يحمل الوفد المفاوض هذه الصفات، فالمرونة للقدرة على تقليب وجهات النظر، وعرض الحلول المتنوعة اللامتناهية والذكاء للقدرة على التخلص من أي مأزق يمكن أن يزجه الخصم به. والتقى لتبقى حركته ضمن الإطار الشرعي الذي حدده له الإسلام، وإطار المصلحة التي حددتها الحركة، والعبقرية لغل سلاح الخصم ودفعه إلى الهدف الذي يريده المفاوض الإسلامي. ولننظر إلى هذه الفقرة بمنظار آخر: (إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه). لقد كانت هذه الكلمة ردا على المثنى بن حارثة حين عرض على رسول الله ﷺ حماية على مياه العرب دون مياه الفرس، وصاحب النظرة السياسية العجلى يرى أن تفويت هذه الفرصة خطأ سياسي، لكن الذي يسبر أغوار السياسة البعيدة، يرى بعد النظر الإسلامي النبوي الذي لا يسامى. إن المثنى قد ألمح إلى أن هذا الأمر تكرهه الملوك، وأن موقع الدعوة بجوار فارس تجعلها سهلة المتناول في كل لحظة منها. وأن العهود والمواثيق المقيدة لشيبان تجعلهم أعجز من أن يستطيعوا حماية هذا الرسول وهذا الدين الجديد من بطش كسرى وسلطانه. إن التحالف مع الخصم الأقوى يكون في معظم الأحيان لصالح هذا الخصم. فموقع شيبان إذن غير مناسب ليكون مركزا للدعوة الجديدة، وعهود شيبان من جهة ثانية تشل إمكانية الحركة

стр. 145

الإسلامية، وكراهة الملوك لهذه الدعوة التي تدعو لإخراج الناس من عبادة العباد لعبادة الله من جهة ثالثة عنصر غير مشجع لوجود هذه الحركة بحيث تمس مصالحها وتوقع الاحتكاك بينها وبين الحركة الإسلامية، ويكفي أن نذكر نقطتين اثنتين توضحان عمق النظرة السياسية النبوية في هذا المجال: أولاهما: إن الفرس كانوا في أوج انتصاراتهم بعد أن هزموا امبراطورية الروم وأخذوا الصليب الأكبر منهم. ثانيتهما: إن كسرى عندما وصله خطاب رسول الله ﷺ بعد قيام دولة الإسلام بست سنوات مزق الخطاب النبوي، وبعث من يحضر له محمدا حيا أو ميتا، علما بأنه قد ذاق مرارة الهزيمة القاتلة من الروم قبل أربع سنوات. فما أحوجنا ونحن نود للحركة الإسلامية تحركا سياسيا هائلا لأن نحكم الهدف أولا، ونحكم الخطة ثانيا، ونكون أدرى ما نكون بالعدو ثالثا، وندفع بالعبقري السياسي للحركة رابعا، ونطلب النصر من الله بعد بذل هذه الإمكانات. السمة الخامسة توجيه الأنظار لمركز الانطلاق قال ابن إسحاق: (فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه ﷺ ، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.

стр. 146

وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهودا كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض تعلموا والله أنه للنبي الذي تعدكم يهود، فلا يسبقنكم إليه! فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا وهم فيما ذكر لي ستة من الخزرج. فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ . المحادثات تفشل مع بني شيبان، فيهيء الله تعالى لرسوله هؤلاء النفر من الخزرج من سكان يثرب ولقد كان لرسول الله ﷺ تجربة سابقة مع الخزرج، فلقد جاء وفد كبير لقريش قبل عام ليقيم تحالفا مع قريش ضد الأوس، ولم يستجب لدعوة رسول الله ﷺ إلا فتى يافع رزموه وانتهروه قائلين له: لقد جئنا لغير هذا. وحيث لم تنجح محاولات الخزرج في التحالف، وقعت حرب بعاث بعد ذلك (١). والواضح أن اللقاء كان عابرا بين رسول الله ﷺ وهؤلاء النفر بدليل دعوتهم إلى الجلوس كي يكلمهم، وهذا قدر الله الذي ساقه لدعوته هبة منه سبحانه. وتأكد رسول الله ﷺ من هويتهم بأنهم من موالي يهود. وهذا يعني أن لا غرابة على أذهانهم الحديث عن الله تعالى وكتبه ورسله فيما يسمعونه

стр. 147

دائما من اليهود، وهو لا يطرق مسامعهم لأول مرة. فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وقد كان الخزرج مهيئين نفسيا تهيئة تامة لسماع حديث الإسلام، فقد كانوا يحسون دائما بالحسرة أمام اليهود. فهم أميون ليس عندهم رصيد يواجهون به اليهود ويقفون أمامهم مبهوتين لا يدرون ما يقولونه. ومن جهة ثانية، فالحديث عن النبي المرسل كان يملأ جو يثرب، بل يهددهم اليهود به فما إن تناهى إلى سمعهم حديث الرسول ﵊ حتى قالوا: (والله إنه للنبي الذي توعدكم يهود فلا يسبقنكم إليه) فالداعية إذن لا بد له من أن يستفيد من المناخ النفسي الملائم حين يدعو، ويستفيد من الأرضية الثقافية لمن يدعوهم إلى الله. ولأول مرة تسلم مجموعة كاملة، ومن بلد ناء تصلح أن تكون أساسا ومنطلقا للدعوة، خاصة وقد أبدت هذه المجموعة استعدادها لذلك قائلة: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن تجمعهم عليك فلا رجل أعز منك. لقد وضعت بذرة أمل جديدة مع هؤلاء النفر الستة، أن يمهد الجو لرسول الله كون في المدينة، وتذلل الخلافات، ويقوم هؤلاء الستة بالدعوة إلى الله هناك، فقد آمنوا وصدقوا. ونلاحظ هنا أن رسول الله ﷺ لم يعرض عليهم طلب حمايته ونصرته حين دلخوا في دين الله ، بل توجه اهتمامه ﵊ إلى انطلاق جديد لدين الله ﷺ -حسن أن يكون مركزا ممتازا يغير مواقع الدعوة كاملة. وقام النفر الستة بأعظم دور في الدعوة لدين الله في صفوف

стр. 148

الأوس والخزرج حتى فشا الإسلام في المدينة، فلم تبق دار من دور الأنصار اإلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ . لعل هذه السنة التي مرت على الدعوة العام الحادي عشر للبعثة كانت أكثر بركة من الأعوام العشرة السابقة، ولعل انتشار الإسلام في هذه الأرض كان أكثر من انتشاره في مكة خلال الأعوام العشرة السابقة. منعطف جديد في الدعوة بعد جهاد مضن "وصبر طويل" تحقق على يد هؤلاء النفر الستة حين وجد المناخ المناسب والجو الملائم للدعوة الجديدة. ولم نسمع عن نشاط جديد لرسول الله ﷺ في خلال العام في مقابلات مع القبائل الأخرى. بل تصمث أخبار السيرة خلال هذا العام إلى موسم العام القادم. ونفقه من هذا الانعطاف أن الأحوط والأقوى للدعوة هو الالتزام بمبادئها، بينما تبقى الحماية التي لا ترتبط بالمبادىء لا تحقق الهدف البعيد للتمكين في الأرض. إن الخط الذي يفرق بين الطريقين خط ضئيل، قد لا يدركه الناظر العجول. فالمرحلة المكية عندما تملك الدعوة الحرية الكاملة فيها في ظل المبادىء الجاهلية، لا تصل إلى مرحلة الحكم بما أنزل الله، ومرحلة تطبيق المبادىء. أما إذا كانت الحيماية من أبناء الدعوة نفسها، فالطريق مهيئة لتنفيذ شرع الله ، والتمكين في الأرض. ونصل من هذه الملاحظة إلى أن الهدف البعيد وهو إقامة حكم الله في الأرض لن يتحقق في ظل حكم جاهلي، وفي ظل حماية جاهلية. كما تتصور بعض الحركات الإسلامية، إنما يتحقق ذلك من خلال جنود الدعوة. ونقول أخيرا لا بد من أن نحدد المدى الذي نصل إليه من خلال التعامل مع العدو أو من خلال الالتزام والجندية لمبادىء الدعوة، وأن نعرف كيف نفرق بين الهدفين فلا نبني نتائج هدف على هدف آخر.

стр. 149

السمة السادسة البيعة الأولى وقيمها الجديدة قال ابن إسحاق: (حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار أثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب، منهم أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان. عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله إن شاء عذب، وإن شاء غفر. قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقرىء بالمدينة. كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض (١)). عام جديد يمر بعد اللقاء الأول، ويحضر لمكة في الموسم الجديد نفر من اثنى عشر رجلا والجديد في هذا الوفد هو أنه يمثل التجمعين الكبيرين الأوس والخزرج. فلن يكون إذن معارك قبلية يمثل الخزرج في طرفها الإسلامي، ويكون الأوس طرفها الجاهلي، بل استطاعت هذه المجموعة النواة أن تتجاوز الدماء والثارات التي لم يمر عليها بضعة أشهر، وتلتحم في جماعة واحدة. والذي يعنينا من هذه البيعة النقاط التالية: ١ - اتجه الخط السياسي الإسلامي كله للبناء الداخلي، وكان التركيز على

стр. 150

يثرب بالذات وقد كان لهؤلاء النفر الإثنى عشر دور كبير في بث الدعرة إلى الإسلام خلال هذا العام كما يقول ابن إسحاق: (فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام، فلم نبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ ). فلقد توجه رسول الله إلى البناء الداخلي في المدينة، وإلى بث الفكرة في صفوفها. ٢ - سميت البيعة بيعة النساء لأنها لم تشتمل على فكرة الحرب، والحرب لا تكون إلا بعد البناء الفكري والعقيدي للإنسان. وبعد أن يصاغ على ضوء الإسلام وقيمه يمكن أن يدعى المسلم إلى الجهاد. وإنها لثغرة كبيرة أن يندفع المرء إلى الجهاد ولما تتم صياغته الإسلامية. إن المفاهيم ستختلط في ذهنه بين اندفاعه للجهاد في سبيل الله وبين الحماس لنفسه أو لأهله أو لأرضه، ومن أجل هذا كانت الببعة الأولى خالية من الحديث عن الحرب. وكانت تجربة حية للدعوة قبل المعركة. ٣ - أما القيم التي تمت عليها البيعة كما ذكرها لنا عبادة بن الصامت ﵁ (... على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني) ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف (١) ...). ٤ - حضر بيعة العقبة الأولى اثنان من الأوس، وهذا تطور خطير جدا لصالح الإسلام هناك، فبعد الحرب العنيفة في بعاث استطاع النفر الستة من الخزرج أن يتجاوزوا قصة الصراعات الدموية الداخلية، ويحضروا معهم سبعة جددا فيهم اثنان من الأوس، وهذا يعنى أنهم وفوا بالتزاماتهم التي قطعوها على أنفسهم في محاولة رأب الصدع، وتوجيه التيار في يثرب أوسها وخزرجها للدخول في الإسلام، وتجاوز الصراعات القبلية القائمة. ٥ - وكان التطور الجديد الذي أثمرته بيعة العقبة هو بعث الممثل الشخصي

стр. 151

لرسول الله ﷺ - مصعب بن عمير ﵁ ليشرف بنفسه على تطور الموقف ويقوم بتففيه المسلمين هناك بهذا الدين الجديد. ٦ - واستطاع الدبلوماسي الإسلامي الأول في المدينة بحكمته وحصافته وذكائه السياسي بعد توفيق الله له أن يجر أكبر قيادات الأوس إلى الإسلام، أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وذلك خلال العام الجديد. ولم يبق في بني عبد الأشهل - رؤساء الأوس - رجل ولا امرأة ولا طفل إلا ودخل في الإسلام. لقد أصبح التيار عارما، والاتجاه معبأ لقيام الثورة الإسلامية في المدينة - إذا صح التعبير - وأصبحت مهمة القيادة تنظيم هذه الطاقات كلها لصالح المعركة. ٧ - ومع أن نصوص البيعة لا تحمل في ثناياها حربا أو معركة بل هي كما أطلق عليها المسلمون - بيعة النساء - لكنها تعني تربية معينة، وأرضية تقوم عليها المعركة. إن الالتزام الخلقي والسلوكي بالمبدأ، وضبط الشهوات، بأمر رباني، يعني أكثر من أمر: فالأمر الأول: هو المفاصلة العقيدية، والتميز الفكري - لا نشرك بالله شيئا، وهذا يعني عمليا إعلان الحرب من جانب واحد على هذا المجتمع، وذلك بالثورة على دينه وعقيدته. والأمر الثاني: هو المفاصلة السلوكية فلا سرقة ولا زنا، ولا وأد لولد أو بنث ولا افتراء ببهتان. والذي يستطيع أن يطبق هذه المفاصلة السلوكية في المجتمع الذي يعج بالزنا ويعج بالبهتان المفترى، هو مؤهل للجندية الحقيقية وقادر على تنفيد الأوامر الصادرة له فيما بعد. والأمر الثالث: هو تغير الولاء. فلقد انتهت الطاعة للقبيلة أو قيادة المدينة. لقد أصبحت الطاعة لله وللرسول، والمخالف لهذه الأوامر عاص يحاسب على تقصيره. لقد غدا ميزان الطاعة والمعصية ليس بالخروج على أوامر رئيس القبيلة، أو أعراف القبيلة، بل صار بالخروج على الأوامر الصادرة من رسول الله ﷺ في مكة. والأمر الرابع: هو اعتماد الوازع الداخلي بالتطبيق لا السلطان الآمر.

стр. 152

فعقوبة المعصية من الله تعالى لا من سلطان الدولة، وأجر الوفاء هو الجنة، وليس الإنعام المادي من السلطان الحاكم. كانت هذه التربية ضرورية - على قصرها - بين يدي المرحلة الجديدة الحاسمة، والحركة الإسلامية اليوم مدعوة إلى هذه القدوة. فارتفاع مستوى أفرادها في التميز الفكري، وفي السلوك العملي، وفي مدى الانضباط والالتزام بأوامر القيادة وتحديد الولاء لها، واعتماد الوازع الداخلي للتطبيق دون رغبة أو رهبة من الأرض، هو الذي يجعلها مؤهلة لدور الخلافة في الأرض. ٨ - وإشارة جديدة الصبر والحديث عن قيم بيعة العقبة الأولى هي أن الزمن لا وزن له في هذا المجال، ولئن استغرقت التربية المكية ثلاثة عشر عاما. فقد استغرقت التربية المدنية عامين - تزيد أو تنقص قليلا - ومع ذلك اعتبر السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار على سوية واحدة. فالمهم هو نوع التربية وثمرتها لا الزمن الذي استغرقته. ولهذا لم يجد رسول الله ﷺ حرجا حين سمع تقرير مبعوثه خلال عام من وجوده في المدينة، أن يستجيب للتعبئة المسلحة في بيعة العقبة الثانية بعد التعبئة الإيمانية المطلوبة. السمة السابعة الإذن بالقتال (وكان رسول الله ﷺ لم يؤذن له بالحرب، ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم. فهم بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه ﷺ ، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن

стр. 153

الله لرسوله ﷺ في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم. فكانت أول آية أنزلت في إذنه له بالحرب، وإحلاله له الدماء والقتال، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء قول الله ﵎: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ألا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. أي إني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس وإنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر يعني النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين (١)). ولا يحتاج هذا الكلام إلى شرح، فلقد كانت بيعة العقبة الثانية فيصلا بين مرحلتين: بين مرحلة المواجهة بالكلمة، ومرحلة المواجهة بالسلاح، والمقارنة بين البيعتين توضح لنا الانتقال النوعي للحركة الإسلامية. ويعني الحركة الإسلامية من هذه السمة أن تلحظ الظروف التي تم الإذن فيها بالقتال لترسم على ضوئها ومن خلال ظروفها مرحلة المواجهة المسلحة مع العدو. إن قرار بدء الحرب الذي كان في مكة بأمر رباني هو اليوم تنفيذ لهذا الأمر حين تغدو الظروف شبيهة بتلك الظروف التي أذن فيها بالقتال، ومهمة قيادة الحركة أن تحسن تقدير هذه الظروف. والملاحظة التي لا بد من إيضاحها في هذا الصدد كذلك هي أن الإذن بالقتال شيء، ومباشرة القتال وطريقته شيء آخر. وهنا لا بد لنا من معالجة فكرة دقيقة هي مثار اختلاف في وجهات النظر. هذه الفكرة هي كيف نوفق بين فرضية الجهاد والحكم النهائي فيه بعد آيات سورة براءة، وبين موضوع الإذن في القتال اليوم؟. فإذا كانت الأحكام النهائية للقتال في الإسلام هي أنه ماض إلى يوم القيامة - وهذا حق - فهل

стр. 154

يبقى مجال لذكر الإذن بالقتال اليوم، والإذن بالقتال حكم مرحلي انتهى في وقته - والله تعالى قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... (١)﴾ أنا لا أجد حرجا في التوفيق بين الحكمين لأن مؤداهما واحد في النهاية. فلقد ذكر الفقهاء إن الجهاد قد يكون فرض عين، ولا يأثم تاركه، وذلك حين لا يوجد الإمام الذي يباشر القتال معه. فإذن حين لا يوجد الإمام والجماعة المسلمة التي ينضوي المسلم تحت لوائها ليقاتل الكفار لا يأثم إن لم يقاتل مع أن القتال فرض عين عليه. وهذا المعنى نفسه هو الذي يقتضيه المفهوم الثاني، فإلى أن تقرم الجماعة المسلمة - والإمام المسلم الذي يقودها، وتكون قادرة على الوجود والاستعلان والمواجهة يعتبر القتال في هذه المرحلة بشكل فردي غير مأذون به ما لم يكن دفاعا عن النفس أو المال أو العرض. وإذن فالذي يحدد ابتداء القتال في الحالتين هو الجماعة المسلمة، وقيادتها التي تجد الظروف مناسبة لذلك. إن كل أحكام الإسلام الثابتة المستقرة النهائية، والمرتبط تنفيذها بوجود الحاكم والإمام المسلم مثل الحدود والقصاص لا يعني عدم وجودها في غياب الإمام المسلم نسخها، فهي قائمة نظريا، والمسلمون آثمون لو تركوها. لكنها من الناحية العملية مرهونة بقيام الحكم الإسلامي الذي ينبثق من جماعة مسلمة، حملت لواء الجهاد وانتصرت على أعدائها، وأقامت حكم الإسلام. فأحكام الجهاد والقصاص والحدود مرتبطة بوجود الحاكم المسلم وإمكاناته قوة وضعفا وكما تقول الآية: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ... (٢)﴾ فلا بد من التمكين أولا لتنفيذ فرضية الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الناس. لا التنفيذ بشكل فردي. فهذا لا عجز فيه، إنما العجز هو تطبيق هذه الأحكام فرضا وحظرا على الناس. وكلما تمكن المسلمون أكثر كلما كانوا

стр. 155

قادرين على التنفيذ لأحكام الإسلام أكثر. وما أحوجنا إلى أن نفقه هذه الأمور ضمن هذه الأطر. لا أن نطلق الأحكام المبتسرة على الناس ونتهمهم في دينهم وعقيدتهم. السمة الثامنة التهيئة لمباحثات قيام الدولة قال كعب بن مالك: (خرجنا في حجاج قوما من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا ... وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا. فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد الرسول ﷺ إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا. فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي. قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار: الخزرج: خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وأنه

стр. 156

قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت (١)). ونلاحظ من خلال هذا العرض الملاحظات التالية: ١ - لقد تمت التهيئة لمباحثات قيام الدولة في أعمق تخطيط سياسي شهده التاريخ حيث انبثقت دولة الإسلام، وتم تحديد معالمها وقيادتها وهي جزيرة ضعيفة وسط خضم من الشرك مثله العرب جميعا من حجاج منى أولا، ثم دولة مكة المشركة ثانيا، ثم قيادة المشركين من أهل يثرب ثالثا، ثم دولة اليهود في المدينة رابعا. ووسط هذا العدو العاتي والمحيط بالمسلمين من كل جانب إحاطة السوار بالمعصم، وسط هذا الخضم انبثقت دولة الإسلام الأولى في التاريخ. ٢ - لقد كان المسلمون البالغ عددهم بضعة وسبعين ضمن وفد من المشركين قوامه حوالي ثلاثمائة. وهذا يعني صعوبة الحركة والتنقل والاتصال، فما من مسلم إلا وحواليه عدد من المشركين يراقب تنقلاته وتحركاته، ومع ذلك فلقد كانت السرية المضروبة على التحركات خلال الحج من أعجب العوامل التي أدت لنجاح المخططات. تمت الاتصالات بين قيادة مكة المسلمة المتمثلة برسول الله ﷺ ، وقيادة المسلمين في المدينة، وتم تحديد موعد اللقاء، وتم تحديد مكان اللقاء، وتم اللقاء نفسه دون انتباه أحد، وتم دخول بعض الأعداد الجديدة في الإسلام خلال هذه الأيام المعدودة. ولعل من أهم أحداث هذه الأيام انضمام زعيمين من أكبر زعماء المدينة للإسلام هما البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام. وتشير بعض الروايات إلى أن رئاسة الوفد كله مسلمه ومشركه قد انتهت إلى البراء بن معرور وطالما أنه قد أسلم فهو الذي يقوم بتحديد

стр. 157

اللقاءات المقررة، واختار كعبا ليرافقه بصفته الشاعر المشهور والمعروف عند قريش. ٣ - وكانت الخطوة الثانية من التخطيط العبقري هو الخروج المنظم لموعد الاجتماع وكما يقول كعب: (حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا (١)) مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو وتم الاجتماع لهذا العدد الضخم الذي انسل من معسكرات المشركين دون أن ينتبه لهم أحد. ٤ - وكانت الخطوة الثالثة من التنظيم المحكم كما تشير بعض الروايات إلى تأمين حراسة الشعب بحيث لا يدري أحد بالأمر. يقول المقريزي: وجاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس وهو على دين قومه، وأبو بكر وعلي ﵄، فأوقف العباس عليا على فم الشعب عينا له وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا له. فلم يدر حتى المهاجرون بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة في الحراسة والمراقبة وهما: علي وأبو بكر ﵄. ٥ - وكان حضور العباس وحديثه وهو على دين قومه - كما يظهر - ضرورة سياسية، فهو الذي يحمل عبء حماية النبي ﷺ ، فلا بد أن يتوثق من مستوى هذه الحماية الجديدة ليطمئن عليها، وإلا فلن يفرط بابن أخيه، ولعل هذا يشير إلى إمكانيات اشتراك بعض الشخصيات غير الإسلامية إذا كانت مناط ثقة تامة من القيادة في عملية تغيير سياسي لصالح الإسلام أو يمكن القول: إنها في ظاهرها موالية للسلطة الحاكمة أما حقيقة ولائها فهو للقيادة المسلمة، خاصة إذا كان لها دور رئيسي في التحرك، كقيادة مجموعة سياسية في عملية تغيير سياسي، بل بإمكانها أن تشارك في وضع الخطة وتنفيذها عندما تكون ذات خبرات عريقة. فلقد

стр. 158

شارك العباس ﵁ في تنفيذ هذا اللقاء كما تشير الرواية، وهو الذي أمر أبا بكر وعليا بوقوفهما على الطرق المؤدية للشعب. إن من حق القيادة بل من واجبها أن تستفيد من الخبرات والطاقات الإسلامية وغير الإسلامية عندما تدين لها بالولاء والطاعة، بل تشركها بالتخطيط والتنفيذ عندما تجد ضرورة لذلك. السمة التاسعة البيان السياسي (البيعة) روى الإمام أحمد عن جابر مفصلا .. : (قال جابر: قلنا يا رسول الله على م نبايعك؟ قال: ١ - على السمع والطاعة في النشاط والكسل. ٢ - وعلى النفقة في العسر واليسر. ٣ - وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤ - وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لئم. ٥ - وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة (١)). وفي رواية كعب -التي رواها ابن إسحاق- البند الأخير فقط من هذه البنود ففيه: (قال كعب: فقلنا له (أي للعباس): قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم رسول الله ﷺ ، وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (نساءنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب، وأبناء الحلقة ورثناها كابرا عن كابر. فاعترض القول

стр. 159

والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم (١)). ١ - كانت البنود الخمسة للبيعة من الوضوح والقوة بحيث لا تقبل التمييع والتراخي فالبيعة على الإسلام شيء، والبيعة على إقامة دولة الإسلام شيء آخر، وإن الرجال الذين يعدون ليكونوا أفرادا مغمورين في عداد المسلمين شيء، والذين يعدون لتقوم دولة الإسلام بسواعدهم وأرواحهم وأموالهم ودمائهم شيء آخر، ويكفي أنها مضت في التاريخ أن البيعة الخالية من الحرب والجهاد ومنها بيعة العقبة الأولى كانت تسمى بيعة النساء، أما هذه البيعة فبيعة الحرب. ومع ذلك فليست حرب الإبادة، وليست حرب الإفناء بل الحرب المخططة المحكمة، المحددة الأهداف، التي ترتبط بالنصرة بعد وصول القيادة النبوية للمدينة. إن كل قطرة دم يجب أن تراق ضمن هدف، لا أن تراق لانفعال عاطفي، أو غضبة جارفة وإذا جد الجد فالإسلام عديل الروح بل هو أغلى منها لأنه يضحى بالروح والدم والمال من أجله وتحمى القيادة الإسلامية كما يحمي المرء زوجه وولده ونفسه. ٢ - وسرعان ما استجاب قائد الأنصار - دون تردد - البراء بن المعرور قائلا: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ونساءنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثاناها كابرا عن كابر. والبراء هو المفوض الرسمي، وهو رئيس الوفد المفاوض، وهو الذي أسلم بنشاط الدعاة على الطريق، وها هو يعرض إمكانيات قومه لرسول الله ﷺ : قومه أبناء الحروب والسلاح. إن هذا يعني بالنسبة للحركة الإسلامية أن نعرف أولا الطاقات القتالية عندها من جهة، وأن

стр. 160

تعرف من جهة ثانية كيف نوجه هذه الطاقات في أحسن سبيل فيكون صاحب الكفاءة مكانه، وأخو الحرب في مجاله، بل عليها أن تستدعي الطاقات الإسلامية والنصيرة من كل صقع لتؤدي الدور المطلوب. وكلما كان أصحاب هذه الطاقات قد خاضوا تجارب عملية، وحروبا فعلية، كلما كانت قدرتهم على التخطيط العسكري والمواجهة الحربية أكثر. ٣ - والأوامر شيء والمفاوضات شيء آخر، فلقد اعترض أبو الهيثم بن التيهان ﵁ وهو المسلم العظيم على أمر مهم قبل البيعة، وكان لا بد من طرحه بصراحة ووضوح: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. ويا لها من مفاوضات نادرة في التاريخ بين جندي وقائد بل بين مسلم ورسول. إن طبيعة المعركة تقتضي أوضاعا جدبدة، وإن حمل السلاح يعني الحرب الضروس التي تأكل كل شيء. فالحركة الإسلامية اليوم على سبيل المثال - قبل أن تتبنى الجهاد، وقبل أن تحمل السلاح كانت آمنة، وكان شبابها في وظائف الدولة يملؤون فجاجها، بل مرت مرحلة وصل بعض شبابها إلى مجلس الشعب - كما يسمونه - ولكن في خدمة النظام الجاهلي الكافر. كما أنه لم يكن أحد يعلن أنه جزء من الحركة الإسلامية والذي يؤخذ من السلطة على أنه منها إنما يؤخذ على سبيل الحدس والظن. كان هذا الواقع قبل البيعة على الجهاد، أما بعدها فانقلبت الصورة كاملة، لقد أصبح مجرد الظنة باشتراك فرد في عملية، أو شروعه وتفكيره بالانضمام إلى التنظيم المسلح يعني الحكم بإعدامه وإبادته، بل أكثر من ذلك الحكم بإبادة أقاربه وعائلته. وانطلاقا من هذا الواقع، فليس من حق القيادة أن تتخلى عن هذا الطريق، وتترك جنودها يبادون وحدهم في العراء، أن تصالح لنفسها، أو تأخذ أمانا لنفسها وتترك الفاجعة تأكل شبابها وشيبها.

стр. 161

هذا هو مفهوم اعتراض أبي الهيثم بن التيهان ﵁. لأن قطع العهود مع اليهود تعني الحرب عليهم، فإذا تخلى رسول الله ﷺ عنهم ومضى إلى مكة فهذا يعني ترك المسلمين تحت رحمة اليهود يفعلون بهم الأفاعيل، ويستأصلون أخضرهم ويابسهم. فإذا كان من حق أبي الهيثم ﵁ أن يناقش رسول رب العالمين بهذا الأمر، فأي قيادة في الدنيا مهما ارتفعت تكون فوق النقاش؟ وأي قائد في هذا الوجود هو أكبر من المحاسبة؟! وليعلم كل جندي في الحركة الإسلامية أن من حقه أن يعترض مثل هذا الاعتراض على قيادته أن انسحبت من المعركة، وتركته يتلوى وحده في النار. إن كل قطرة دم تراق بأمر القيادة هي في عنقها ستسأل عنها يوم الدين فيم أراقتها؟ ولم لم تحافظ عليها من الضياع؟ وماذا كان جواب سيد الخلق لجندبة ابن التيهان؟ قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. ويا له من نداء خالد تردده أصداء الوجود. القيادة جزء من القاعدة، والقاعدة جزء من القيادة، شركاء متلاحمون منصهرون في المغرم والمغنم، دمهم واحد، ومصيرهم واحد، ونكبتهم واحدة، وحملهم واحد. لقد أبدى رسول الله ﷺ استعداده وهو الطرف القائد المفاوض أن يشن الحرب على من حارب جنده، ويسالم من سالمهم، جعلهم الأصل في الحرب والسلم. ٤ - وملاحظة أخيرة للجنود في الدعوة نفقهها من هذه النصوص هي: إن الأنصار ﵃ اكتفوا بملاحظة أبي الهيثم واعتراضه، وكان معبرا عن رأيهم جميعا، وكان الرد عليه من رسول الله ﷺ على أنه ممثلا لهم جميعا. لقد كان الاعتراض منهجيا شرعيا لا غوغائيا فوضويا وهذا يعني الحركة المنظمة كثيرا بأن تكون طريقة النقد والاعتراض والمحاسبة ضمن المعابر الشرعية والتنظيمية، لا من خلال الفوضوية والفردية بحيث يتكلم

стр. 162

كل أخ على هواه. وبمثل المعابر الشرعية التنظيمية في الحركة الإسلامية اليوم مجلس شوراها المنبثق عنها. فهو الذي يحقق صورة النقد الشرعي البناء، وهو الذي يحاسب القيادة ويناقشها ويطرح ملاحظات القواعد عليها، وعلى القيادة أن تستجيب لأية تساؤلات، وترد على أي اقتراح، وبذلك يضمن التنظيم قوته وتلاحمه واستمراره. السمة العاشرة توثيق البيان وإقراره يقول العلامة المباركفوري في كتابه - الرحيق المختوم: (وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها، قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي ١١ و ١٢ من النبوة، وقام أحدهما تلو الآخر ليؤكدا خطورة المسؤولية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية، ويتأكدا من ذلك. قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: أبسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وفي رواية جابر قال: فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين فقال: رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم

стр. 163

تخافون من أنفسكم خيفة، فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها ... (١)). كان لا بد أن يظهر الوجه المقابل للصورة التي عرضها ابن التيهان، وظهر ذلك على الشكل التالي: ١ - حرب الأحمر والأسود من الناس. مفارقة العرب كافة. قتل الأشراف والخيار، ونهكة الأموال والأعراض. وهذه هي طبيعة معركتنا اليوم كما كانت طبيعة المعركة يوم العقبة. لا بد أن يكون واضحا في ذهننا أن العالم كله ضدنا، والعالم كله يحاربنا، والعالم كله لا يرضى أن تصل الحركة الإسلامية إلى الحكم وهي تريد أن تحكم بشريعة الله. لا بد أن يكون واضحا في ذهننا أن العرب جميعا من قبل، والأمة العربية اليوم من المحيط إلى الخليج - على حد التعبير المعاصر - تعادي هذه الحركة، وتعادينا. لا بد أن يكون الأمر بهذا الوضوح، وهذه الصراحة، وهذه البينة. فمن الذي يرضى أن يحالفنا على هذا الأساس؟ أي حليف سياسي يرضى هذا المصير، وكل الحلفاء السياسيين يرضون بحلفنا إذا عرفوا أننا منتصرون، فقط، وغير ذلك فقد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا. إننا حين نعرف طبيعة المعركة، نعرف طبيعة الحركة من خلالها. إنه لا بد أن يعرف كل فرد في القاعدة الصلبة طبيعة هذه المعركة في حرب الأحمر والأسود من الناس، في مفارفة العرب كافة، في نهكة الأموال والأعراض، إنه بعد أن يعرف هذا الأمر. فليبايع أو يرفض، إنه يمكن أن يبقى على بيعة النساء، كما وردت في سورة الممتحنة، أما بيعة الرجال، أما بيعة الحرب فهذه حدودها، وهذه ظروفها، وهذه طبيعتها. وما أحرى الحركة الإسلامية أن تكون واضحة صريحة صادقة مع قواعدها لا تغشهم، ولا توحي لهم أن النصر قاب قوسين أو أدنى،

стр. 164

تخدرهم بالأحلام الجميلة، وأن العرب معنا، وأن الذي ينقصنا هو التفاوض معهم، وأن قوى العالم ترضانا إذا فاوضنا، وإذا ملكنا المرونة السياسية، وأن الأمر كله أمر حركة سياسية، أوامر جبهة وطنية، أوامر حلف سياسي، أوامر لعبة ذكية. لسنا أحب إلى الله تعالى من رسوله، ولسنا أكرم على الله من صحابته. هذا هو خط السير. فمن رضيه على هذا الأساس فمرحبا وأهلا، فليتقدم وليبايع، ومن لم يرض فهو وشأنه، ولكن لا غش ولا لبس ولا غموض. والذين يريدون أن يحرفوا المعركة، ولا يتحملوا تبعاتها، فمكانهم خارج الصف، ومن أول الطريق، فالطريق صعب، والطريق شائك، والطريق طويل. ولقد كانت قيادات الأنصار على مستوى المعركة، ولم تغش قواعدها، ولم تدغدغ أحلامهم بل أوقفت البيعة حتى أوضحت خطورة الأمر، وأوضحت تبعاته، وبينت مهالكه ومصاعبه فماذا كان بعد ذلك؟ ٢ - قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. هل يقبل أي حليف سياسي كافر بهذا الثمن؟ هل يصدق أصلا أن هناك جنة؟ فالمعركة إذن معركتنا نحن، معركة الجنود المؤمنين، معركة القاعدة الإسلامية الصلبة العريضة في الأرض. وفي هذه المرحلة بالذات، ليس الاتجاه الدقيق هو اتجاه التحالف السياسي، بل هو اتجاه الحسم، هو اتجاه البناء الداخلي، إن ظروفنا الآن هي ظروف بيعة العقبة، هي ظروف بيعة الحرب، فقد تجاوزنا مرحلة الدخول في الجوار، وحتى مرحلة الحماية لدعوة الله، نحن الآن في مرحلة المواجهة السافرة مع العدو، ومع قوى الأرض، وذخيرتنا هي قاعدتنا الصلبة، هي قواعدنا المؤمنة التي ترضى بالجنة ثمنا لحرب الأحمر والأسود من الناس نرضى بالجنة ثمنا لمفارقة العرب كافة، ترضى بالجنة ثمنا لنهكة الأموال والأعراض، تستعد للوفاء بهذه الالتزامات وترضى يالجنة ثمنا وحيدا لها.

стр. 165

ليس عند القيادة ثمنان، ليس عند الله تعالى الذي نبايعه ثمن في هذه الظروف إلا الجنة كما نطق رسوله بذلك. أما النصر فقد لا نكون نحن أصحابه، قد نكون نحن جيل الشهادة. إن النصر قادم لا محالة، لكن لنا؟!. لا ندري. إن الوعد الذي قطعه الله تعالى على نفسه لمن وفى بهذه الالتزامات هو الجنة، وهو الوعد الذي رضيه الله تعالى لرسوله أن يعطيه باسمه. وأما النصر فهبة ربانية تأتي في الموعد الذي يختاره جل شأنه لدعوته. أما من نصر موهوم يقوم على أكتاف عدو الله ﷺ -قدمه لنا، أو نصر حالم يقوم على أكتاف مساندة الكفار الحلفاء لنا، فنحن واهمون، ولسنا مدركين طبيعة المعركة التي نخوضها، وإن تحققه دون أن نلتزم بقواعد هذه الشريعة. فالمعركة - والعياذ بالله - كلها خاسرة. إنه قبل أن تقوم دولة الإسلام على الأرض، فلا وعد عند الله تعالى إلا الجنة للجيل الذي يحمل اللواء لحرب الأحمر والأسود من الناس. ٣ - (فقالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه. وقالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. وقالوا: يا أسعد أمط لنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها). (قال جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة). وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة، فكانت قولا، ما صافح رسول الله ﷺ امرأة أجنبية قط. وقبل المفاوضون بالبيعة، وبايعوه جميعا دون أن يتخلف أحد، حتى المرأتان بايعتا بيعة الحرب. وصدقتا عهدهما، فلقد سقطت أم عمارة في أحد جريحة في جسدها اثنا عشر جرحا، وقد قطع مسيلمة الكذاب ابنها إربا إربا، فما وهنت وما استكانت وتحولت النسوة في هذه البيعة إلى رجال يقاتلن ويبايعن على قتل أشرافهن، وحرب الأحمر والأسود من الناس.

стр. 166

السمة الحادية عشرة تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب يقول المباركفوري: وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله ﷺ انتخاب اثنى عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤولية عليهم في تنفيذ بنود هذه البيعة. (فقال للقوم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومكم بما فيهم (١)). فتم انتخابهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس ... ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي ﷺ ميثاقا آخر بصفتهم رؤوساء مسؤولين. قال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا: نعم. لم تنته القضية بعد فلن يستطيع رسول الله ﷺ أن يتصل بكل فرد من هؤلاء المبايعين كل مرة. ولن يستطيع أن يبايع كل أفراد الأمة المسلمة على ذلك فلا بد من انتخاب قيادة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه القواعد. وتم الأمر بانتخاب تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. ١ - إن مفهوم الاختيار والانتخاب في نظام الحكم الإسلامي مفهوم أساسي، والغريب في الأمر أن يوجد من يناقش في هذا المبدأ في صفوف الحركة الإسلامية. ومن يناقشون في هذا الأمر يقوم تصورهم على أن الأمير في الإسلام هو الحاكم المطلق الذي لا يناقش إلا إذا عصى الله تعالى، ولا يقيمون وزنا لرأي القواعد الإسلامية في اختيار قيادتها الحاكمة. وهو تصور مخطىء ولا شك. وإن كان في هذه الأرض من يحق له أن يستعمل رأيه دون الرجوع إلى القواعد المسلمة، فهو رسول الله ﷺ ، لأنه المؤيد بالوحي من الله تعالى، والناطق به. وكان بإمكانه ﵊ وهو يقوم على اختيار المسؤولين لديه أن يختار الذين بايعوا في بيعة العقبة

стр. 167

الأولى وكانوا اثني عشر رجلا، وقد خبرهم وخبر صدقهم وحسن ولائهم، ومع ذلك لم يفعل هذا ﵊، وكان تصرفه هذا درسا بليغا للمسلمين في الأرض عن كيفية اختيار الحاكم، وعن اعتبار رغبة الأمة أو أهل الرأي فيها هي الأساس الذي يقوم عليه الاختيار ولم يتدخل ﵊ من قريب أو بعيد بهذا الاختيار، وما أحرانا أن نتعلم من هذا العمل النبوي قواعد الحكم الشوري، والتنفيذ العملي له. ٢ - والمسؤولية على قدر الصلاحية، فلقد حدد رسول الله ﷺ المسؤولية لهؤلاء النقباء الأثنى عشر. بعد أن اعتبرهم القادة المسؤولين. وواجبهم أن يكونوا كفلاء على قومهم من المسلمين، الذين بايعوا في العقبة، والذين أقاموا في يثرب، هم مسؤولون عن تصرفاتهم وانضباطهم وطاعتهم، والتزامهم بأوامر هذا الدين الجديد، وبعدم الإخلال في أحكامه، وهم محاسبون أمام رسول الله ﷺ ، وأخطاء القاعدة تحاسب عنها القيادة، طالما أن لها صلاحيات الحكم والتوجيه فيها. ٣ - وتبدو العظمة النبوية بأجلى صورها حين لم يعف رسول الله ﷺ نفسه من المسؤولية. بل أعلن التكافؤ فيها فقال: "وأنا كفيل على قومي". فهم - وهم الجنود المؤمنون - من حقهم أن يناقشوا رسول الله ﷺ عن أخطاء وتصرفات المسلمين في مكة. ولا يوجد إذن في الدنيا من هو فوق المساءلة والمحاسبة إذا كان رسول الله ﷺ تكفل بقومه من المسلمين. ٤ - وتظهر خطورة المسؤولية لهذه الحكومة المنتخبة حين نذكر أن حرب بعاث بين الأوس والخزرج لم تجف دماؤها بعد. فإمكانية اشتعال الحرب بينهم قائمة في كل لحظة. فلا بد أن تتمكن هذه الحكومة الائتلافية من الأوس والخزرج أن تضمن استقرار الأوضاع في المدينة، ومعالجة الأوضاع الصعبة فيها، والحيلولة دون اندلاع الحرب من جديد، ويبدو الأمر أشق وأعسر حين نتصور أنه لا بد من تكوين التحام كامل بين المسلمين أوسهم وخزرجهم، فليس المهم أن تخف البغضاء بينهم فقط، بل لا بد

стр. 168

أن يسو الحب والوئام بينهم، ولا بد أن يكون التفاهم بين أعضاء الحكومة على مستوى رفيع جدا. ولقد أثبتت الأيام الكفاءة العالية لهذه الحكومة، وكيف أنها استطاعت أن تتغلب على هذه الصعاب جميعا، وتكون مجتمعا مثاليا بتوفيق الله لها. وكانوا بثناء الله عليهم يمثلون الصورة المثلى للمؤمنين. كما ذكرهم جل وعلا: ﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (١)﴾. ٥ - إن عملية رس الصف الداخلي، وتوحيد النفوس نحو هدف واحد، وربط القواعد بقيادتها في ثقة قوية هي من أصعب الأمور على المرء. فالنفوس المختلفة، والأهواء المتباعدة، والصراعات والتناحرات قد تسيطر أحيانا. فتبتلى القيادة فيها، وتنتقل هذه الخلافات إلى صفوف القواعد، فيتحزبون لفلان أو فلان. وبذلك تكبر الهوة، ويتسع الخرق على الراقع. والأمير الأول للجماعة له دور رئيسي في ضبط الصف والتأليف بين القلوب المتناحرة في اتجاهات شتى، وهو مسؤول كذلك عن تآلف هذا الصف وترابطه، وتوفيق الله تعالى وتسديده هو الذي يساعد في هذه الوحدة. أما البشر فهم أعجز من ذلك، ويكفينا في هذا المجال قول الله تعالى لرسوله: ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلويهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (٢)﴾. السمة الثانية عشرة القيادة تحدد المعركة يقول المباركفوري: (ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك

стр. 169

الانفضاض، اكتشفها أحد الشياطين، وحيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاع زعماء قريش سرا ليباغتوا المجتمعين، وهم في الشعب، قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض وصاح بأنفذ صوت قط، يا أهل الأخاشب (الجباجب): هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا إزب العقبة، أما والله ﷺ -اعدو الله لأفرغن لك، ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم. وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن نضلة، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا. فقال رسول الله ﷺ لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا (١)). أين كان طواغيت الأرض من هذه البيعة الفريدة في تاريخ الأرض؟ أين كان مشركو المدينة والبيعة تتم على رؤوسهم؟. وأين كانت قريش والبيعة تريد أن تحطم طاغوتها وكبرياءها؟ وهي تحاد الله وتكذب رسوله؟ وأين كان الحجيج المشرك كله، والبيعة ستنتهي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان؟ نقول هذا عن العدو القريب الذي كان وضع هؤلاء السبعين بالنسبة لهم كوضع اللقمة بين فكي الأسد. ولا نذكر ملوك الأرض الأبعدين كسرى وقيصر وحلفاءهما وعبيدهما، أين كان كل هؤلاء؟ كانوا يشخرون في نومهم، ويغطون في سباتهم، وعين الله تعالى تكلأ هذه العصبة المزمنة. والساهر الوحيد الذي كان يقضم أسنانه غيظا، ويعض أصابعه ندما هو الشيطان الرجيم، وانتظر حلفاءه في الأرض كلها، فلم يتحرك أحد على أخطر بيعة في الأرض، فما تمالك أن صرخ: يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم، فالشيطان إذن ساهر ليمزق كل بيعة على الجهاد في سبيل الله، ولن ينثني بنفسه أو حلفائه عن هذه الحرب، فهذه مهمته، وقد قتلته عبقرية النبوة السياسية التي حققت كل هذه الانتصارات، والشرك غاف كالمقبور لا يدري ما يجري حوله. فهل لنا بمثل هذه العبقرية في تحركنا الجديد اليوم؟.

стр. 170

ووضع المبايعون أيديهم على مقابض السيوف ليستلوها من أغمادها أمام هذا النداء قائلين: لئن شئت يا رسول الله لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. الاستعداد للتو لتنفيذ بنود البيعة، بل أكثر من البنود، لأن يحموه ﵊ وهو في مكة. ويأتي الجواب النبوي العظيم: لم نؤمر بذلك ولكن ارفضوا إلى رحالكم. فكم الفرق بين معركة آنية يسقط بها هؤلاء السبعون شهداء استجابة لنزوة طارئة، وانفعال هائج، وبين المسؤولية عن كل قطرة دم تسقط دون تخطيط، وتسفح دون هدف. إن دم المسلم أشد عند الله تعالى حرمة من الكعبة المشرفة فكيف يسقط هذا الدم دون مقابل؟!. لا بد من الإعداد للمعركة، ولما تحن المعركة بعد. فالنبي ﷺ هو الذي يحدد زمانها ومكانها، وواجب الجنود أن تكون أيديهم في كل لحظة على الزناد أو على العتاد. أما واجب القيادة فأضخم من ذلك بكثير، أن تدرس آلاف الاحتمالات الناجحة أو الفاشلة لخوض المعركة. لأن كل قطرة دم سوف تقف يوم القيامة على رأس هذه القيادة وتسألها؟ فيم أرقت؟ فماذا تحيب؟ فلئن كان واجب الجندية أن تكون يدها على الزناد في كل لحظة بطلب منها ذلك فأشد وجوبا عليها وألزم أن ترفع يدها عنه، وتمضي إلى رحلها دون اعتراض، ولكن ارفضوا إلى رحالكم. ما أجلاه من درس؟! وما أروعها من عبرة؟!. الاستعداد لقتال الحجيج كافة (لنميلن على أهل منى بأسيافنا). والإشارة الواحدة بالانصراف (ارفضوا إلى رحالكم). ويعود السبعون والنيف يتسللون كالقطا إلى أماكنهم التي انسحبوا منها في الهزيع الأول من الليل - ومن حولهم غارقون في نومهم، فيشاركونهم في الشخير، دون أن يدري بهم أحد حتى من تسللوا من فرشهم وكانوا نياما معهم.

стр. 171

السمة الثالثة عشرة القيادة تحدد ميلاد الدولة الإسلامية ولنعد إلى المباركفرري في عرضه القيم للبيعة: (ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان، لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة، ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة فقد قال: (يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم). ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة لأنها تمت في سرية تامة وفي ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء، وما علمناه حتى أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتئتوا على مثل هذا. لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني. أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت. فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات. ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين فرجعوا خاثبين. وعاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر. لكنهم لم يزالوا يتنطسونه، يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه حتى تأكد لهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلا. وذلك عندما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، فطاردوهما. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه. فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، وجعلوا يضربونه، ويجرونه، ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي، والحارث بن أمية فخلصاه من أيديهم إذ كان سعد يجير لهما

стр. 172

قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعا إلى المدينة (١)). ١ - تحركت قريش كالذي أصابه الشيطان من المس، وجاءت مخيم الخزرج، وراح المشركون يحلفون بالله ما فعلوها، وهم صادقون، وراح عبد الله بن أبي ينفي الأمر نفيا قاطعا ويؤكد استحالته فما كان لقومه أن يفتئتوا عليه بمثل ذلك. وصدق وهو كذوب، فما علم بأن الانقلاب السري الذي تم التخطيط له لا يمكن البوح بأسراره، ولو قطعت الرقاب على ذلك. ويحضرنا سؤال دقيق في هذا المجال: لماذا لم يعلن رسول الله ﷺ في مكة حلفه ودولته، وقريش تبحث عن الخبر، والمسلمون يلوذون بالصمت، والمشركون يحلفون الأيمان المغلظة على كذب هذا الإدعاء؟ والجواب سهل وواضح غير أن أثره وفقه الدرس فيه يغيب بكل أسف عن أذهاب الشباب في الحركة الإسلامية. جواب السؤال: هو أن الظروف غير مواتية لهذا الإعلان، وطاقة المسلمين ضعيفة إذا قيست بطاقات مكة والمشركين عامة في أرض مكة. أو إعلان الحرب على دولة الكفر أو إعلان قيام دولة الإسلام، كل هذه الأمور رهينة بالإمكانيات التي تملكها الجماعة المسلمة ضمن التخطيط المنظم المحكم لها. ولا تتحرك هذه الأمور أبدا بالعواطف وردود الفعل. إنما تتحرك بقرار القيادة المناسب للإعلان، والتي تتوخى القيادة فيه الظروف المواتية. ونود لو يترك شباب الحركة الإسلامية لقيادتها إعلان المواجهة وطبيعتها حسب ما تقتضيه الظروف العامة - العربية والدولية. ويتحدد هذا الدرس في نقطتين: النقطة الأولى: هي أن الذي يحدد ميلاد الدولة الإسلامية هو القيادة لا

стр. 173

القاعدة سواء أكان هذا في أرضها أو غير أرضها، وهذه القضية كثيرا ما تأخذ طابع الاتهام للقيادة بالجبن أو الانحراف لو تأخرت في ذلك. فبعض الشباب الإسلامي مثلا لا يستطيع أن يتصور قيام انقلاب إسلامي أو حركة إسلامية في أرض أو دولة، إلا وواجب الإعلان عن هوية هذه الثورة، هو الحق وهو الشجاعة، مع أن المصلحة السياسية قد تقتضي أحيانا إرجاء الإعلان عن هوية الانقلاب أشهرا بل سنوات أحيانا. ويرى هؤلاء الشباب أن هذا التأخير هو انحراف عن الإسلام حين لا يتحدث هؤلاء الانقلابيون غير محددي الهوية في الأصل، عن الإسلام، بل يذكرون بعض المبادىء الوطنية للتغطية حتى يتم التمكن والتمكين وهذا تصور خاطىء، وحكم جائر. إن إعلان قيام دولة الإسلام رهين بالظروف المواتية لذلك حسب تقدير القيادة لا حسب تقدير الأفراد، فرسول الله ﷺ ، أرجأ الإعلان عن هذا التخطيط، لأنه وجد الفرصة غير مواتية في قلب بحر الشرك، وفي مكان غير مركز قوة الأنصار - المدنية. رغم الإحراجات الشديدة التي تعرض لها المسلمون أمام إلحاح قريش بالتأكد من الخبر، فلو أعلن ذلك لكانت قريش قادرة، ومن ورائها الحجيج المشرك أن تذبح هؤلاء السبعين جميعا، وتنتهي قصة الإسلام في الأرض، وحين ترى الحركة الإسلامية أن إعلان هويتها في استلام حكم في مكان ما. قد يفضي بأن تجتاح من العدو من كل جانب، وتستأصل البقية الباقية منها. وتجربة مدينة حماة كذلك درس قيم لحركة الجهاد الإسلامي، فإعلانها المواجهة المباشرة للسلطة الكافرة، ولم تعد الظروف المواتية لذلك أدى إلى دمار المدينة وسقوط عشرات الألوف صرعى فيها. النفطة الثانية: هي أن كتمان القيادة بعض الأمور عن أفرادها لا يعني اتهامها بالكذب أو الخداع أو التضليل، حتى لو أتت الظروف المواتية في ظاهر الأمر لذلك. فلم نعلم من خلال السيرة أن المسلمين المهاجرين قد عرفوا

стр. 174

بقضية البيعة عدا أبي بكر وعلي ﵄، فلا ضرورة للإعلان عن مثل هذا اللقاء، ومثل هذه البيعة لهم. ما لم يتم تكليف جديد لهم على ضوء هذه البيعة، ولم يجعل هذا الأمر المهاجرين في قلق توتر لكتمان ذلك عليهم حينما عرفوه فيما بعد، فالروايات تذكر إن رسول الله ﷺ بعد لأي من الزمن، وحين استقرت الأوضاع في المدينة أخبر المهاجرين بقوله: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها، فخرجوا إرسالا. إذن فقد تم إعلامهم بالأمر عندما تقرر فتح باب الهجرة إليهم إلى يثرب. ٢ - ويؤكد هذه المعاني النتائج الصعبة التي ترتبت على تفشي الخبر. مما أوقع سعدا ﵁ في الأسر، وكان يمكن أن يقتل نتيجة هذا الأمر أو تنقل أسرار التنظيم والمبايعة كاملة لقريش لولا لطف الله. ولم يتم الإفراج عن سعد إلا بتدخل من أعلى مستويات قريش. ويمكن أن نتصور الأخطار أكثر أنه كان من الممكن للأنصار أن يعودوا لاستخلاص سعد لولا أن ساقه الله إليهم. ونلاحظ كذلك أن رسول الله ﷺ والمسلمين معه لم يتدخلوا لحماية سعد ﵁ لأن هذا يكشف البيعة ويؤكدها بين المسلمين والخزرج، وهو درس كذلك للشباب حين يرون قيادة الحركة تتلكأ في نصر المسلمين نتيجة ظروف قاهرة قد تفوت مصلحة كبيرة لهم. فالحركة الإسلامية في خطها الجهادي، اقتضت مصلحة الدعوة فيها أن تهادن دولة مجاورة حين التقت مصلحتهما على عدو ثالث. وكان من طبيعة هذه الهدنة أن أمدتها هذه الدولة بالسلاح والتدريب والتحرك على أرضها. وكان من أسس هذه المفاوضات بينهما أن لا تتدخل الحركة بالشؤون الداخلية لهذه الدولة، ومصلحتها في معاملتها للحركة الإسلامية فيها. ونفذ هذا البند بأمانة تامة، رغم أمنية الحركة الإسلامية أن لا يمس أحد من إخوانها بسوء. لكنه شرف المعاملة.

стр. 175

وقد تضطر الحركة الإسلامية في موقع آخر أن لا تتدخل لحماية أحد أبنائها مباشرة. إما لعجز في الإمكانية، أو لمصلحة في التخطيط. فلا يكشف من خلال هذا التدخل علاقتها به. فهذا لا يضيرها ولا يدينها، بل تبقى دائما مصلحة الجماعة الإسلامية فوق مصلحة الفرد. ٣ - ونلاحظ أن الذي أنقذ سعدا قيم الجاهلية فكما يروي سعد: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى إلي رجلا ممن كان معهم فقال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟. قلت: بل والله. لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي تجاره، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية. قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت وخرح ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف باسمكما، ويذكر إن بينكما وبينه جوارا. قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق والله إنه كان ليجير لنا تجارنا زيمنعهم أن يظلموا ببلده! قال: فخلصنا سعدا من أيديهم فانطلق (١)). ولا يضير الحركة الإسلامية أن تنقذ شبابها أو ينقذهم غيرها تحت أية قيمة أو قانون أو عرف إذا كان هذا الأمر لا يؤدي بها إلى تنازلات على حساب مصلحتها العامة أو فكرتها المبدئية. السمة الرابعة عشرة ابتداء الحرب الإعلامية بين الدولتين وإثر حادث إطلاق سعد بعد اعتقاله: قال ضرار بن الخطاب بن مرداس شاعر قريش: تداركت سعدا عنوة فأسرته ... وكان شفائي لو تداركت منذرا

стр. 176

ولو نلته طلت دماء جراحه ... وكان حقيقا أن يهان ويهدرا (١) فأجاب حسان بن ثابت ضرارا بقوله: فلست إلى سعد ولا المرء منذرا ... إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا فلا تك كالشاة التي كان حتفها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا لقد أمسكت قريش بفتيل الحركة الإسلامية الذي أوشك على الانفجار، وكان من الممكن أن يقع صدام فعلي بين الفريقين لولا إطلاق سعد، غير أن التهديد والوعيد قد انطلق مؤذنا ببداية المواجهة، ولم يترك المسلمون الأمر دون رد. فكان شعر حسان إيذانا ببداية الرد في الحرب القائمة، وعلى رأسها الحرب الإعلامية: فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا (٢) لقد كان الإعلام الإسلامي جاهزا منذ اللحظات الأولى، التي كان الإعلام فيها أشد من وقع السيف. وقد تم كل هذا الأمر، ورسول الله ﷺ واقف على الحياد دون أي تدخل أو إيحاء بالتدخل رغم أن الحلف معه، فلا يزال في جوار المطعم بن عدي، وبنيه جبير بن مطعم وإخوته، وجبير هو الذي أجار سعدا كذلك. ولا يريد أن يثير معركة جانبية قبل الإعداد الكامل لها، واستطاع ﵊ أن يؤجل المعركة، ويؤجل الدماء حتى قامت الدولة الإسلامية. فهل لدى الحركة الإسلامية أكبر من هذا الهدف في هذه المرحلة، أن تقيم دولة الإسلام في أقل ما تستطيع من دماء، ولا تدع حلفا سياسيا أو عرفا جاهليا أو قانونا أرضيا إلا وتستخدمه من أجل هذا الهدف.

стр. 177

السمة الخامسة عشرة اختيار الأرض وسرية التجمع فيها والهجرة إليها يقول ابن إسحاق: (فلما أذن الله تعالى له ﷺ في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وآوى إليه من المسلمين، أمر رسول الله أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها. فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة) (١). لقد قيلت مثل هذه الكلمة من رسول الله ﷺ للمسلمين يوم دعاهم للهجرة إلى الحبشة: إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد. واليوم إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها. والفرق بين المركزين والمنطلقين واضح. فمن حيث الموقع، نجد الحبشة بعيدة، ولا تصلح لتكون مركزا لإقامة الدولة بعيدا عن الأرض والبيئة العربية، ومهما قويت فستبقى محصورة ضمن إطار المهاجرين أنفسهم، والحركة ستكون مشلولة للمواجهة، بينما نجد المدينة وإن كانت بعيدة نوعا ما عن مكة، لكنها تحتل موقعا حساسا بالنسبة لمكة، فهي قادرة على خنق مكة اقتصاديا لأن طريق قوافل قريش عنها. والتجارة عصب الحياة لقريش. كما أن البيئة واحدة، والعرب يمكن أن تتم الدعوة في صفوفهم وأن يتقبلوها. ومن حيث البيئة، فالاعتماد في الحبشة على الحاكم العادل، الذي قد يتغير في آية لحظة، فيصبح المسلمون على خطر داهم، وقد رأينا أن ذلك قد وقع فعلا حين قامت الثورة ضد النجاشي، فهيأ للمسلمين سفينتين ليغادروا الحبشة إن تم النصر لعدوه، وهو يعلم أن المسلمين هم المستهدفون من هذه الثورة. بينما الاعتماد في المدينة على الإخوان فيها، على

стр. 178

التجمع الإسلامي الكبير الذي طغى في يثرب على كل التجمعات، وأصبح يمثل الكثرة الكبيرة فيها. والحركة الإسلامية اليوم وهي تقتدي برسول الله ﷺ في إنشاء دولتها لا بد أن تراعي هذه المعاني وتفقه دروسها، فحين انطلقت الحركة الإسلامية الحديثة في بعض فصائلها في جهادها لإقامة الدولة، لم يكن أمامها الخيار أن تجعل مرتكز تجمعها في الدولة المجاورة للطاغوت الكافر، واختيار غير هذه الدول المجاورة للتحرك والمواجهة والتدريب هو اختيار فاشل، لأن أي مكان غير هذه الدول يشل التحرك لمواجهة النظام شللا تاما. لكن العنصر الثاني من الميزة التي كانت في المدينة، قد تهيأ في بعض هذه الدول ولم يتهيأ في غيرها، وحتى وجود الإخوة الأنصار لا يجعل لهم السلطة في هذه الدول، إنما السلطة لغيرهم. فالاعتماد إذن على طبيعة النظام الحاكم في الدول المجاورة وتغير النظام في كل لحظة يهدد الوجود الإسلامي على هذه الأرض، ومن أجل هذا لا يمكن أن تكون هذه الأرض أكثر من نقطة ارتكاز وتجمع تسند من الحكام المؤيدين لها. والمرتكز الأصلي هو مكان انطلاق الحركة نفسها حيث توجد القوى الكامنة للمواجهة والمؤهلة للمساندة. فالهجرة خارج مكان المواجهة الأصل فيها، أنها هجرة مؤقتة بينما نجد الهجرة إلى المدينة هجرة ثابتة حيث تكون المدينة نفسها موطن إقامة الدولة. والحركة الإسلامية عموما حين تبحث عن الأرض ليست دائما تملك الحرية التي تريدها للاختيار. فقد تضطرها الظروف إلى مكان غير مناسب تماما. ولا بد لها من قبوله ريثما تجد المكان الأفضل. لقد بقيت الحبشة مأمنا للمسلمين فترة طويلة حتى بعد وجود يثرب ولكنها لم تكن مركزا لإقامة الدولة. وحين أتيحت الظروف في المدينة، كانت بتوفيق رباني أن قبل وفد الحجيج اليثربي الإسلام، فلو فشلت المفاوضات مثلا في الإسلام أو الحماية، أو نجحت محادثات شيبان أو كندة، لكان الموقع متغيرا حسب المعطيات القائمة. وأدى هذا إلى رحيل عائلات بأكملها، فقبيلة بني غنم رحل أربعة عشر

стр. 179

رجلا منهم وسبع نسوة مجرد الإذن بالرحيل. كما تحرك عمر ﵁ وأهله وعشيرته وحلفاؤه، وتتابع المسلمون يهاجرون فلا يحس المشركون إلا وهم خارج مكة. السمة السادسة عشرة اجتماع العدو للقضاء على القيادة قال ابن إسحاق: (فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج فعرفوا أن الدار دار منعة وأن القوم أهل حلقة وبأس وشوكة. فخافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقه بهم، وعرفوا أنه أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من ذوي الرأي والحجى منهم ليتشاوروا في أمره ... فقال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل فقلناه لهم، قال: يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له (١). وهذه السمة تعني ما سبق أن أكدناه من قبل أن اغتيال القيادة وإنهاءها هو هدف رئيسي بالنسبة للعدو. وكثيرا ما يتصور العدو أن انتهاء القائد يعني انتهاء المواجهة والجهاد والثورة. وبالرغم من خطورة هذا الأمر، والدور الرئيسي للأمير في الجماعة. فهو لا يصح بشكل دائم، إنه قد يعيق الحركة، وقد يجهض الثورة لكن المعاني الإسلامية المتغلغلة في نفوس شباب الدعوة، لا يمكن أن تنتهي بانتهاء القيادة.

стр. 180

ولقد رأينا كيف أن الشيخ النجدي الذي حضر اللقاء كان يفند كل رأي غير رأي القتل. ويحذر من خطورة بقاء الرسول ﵊ حيا، وهو الرأي الذي كان يحرص على الوصول إليه مع المتشاورين. والشيطان الذي وعده الله تعالى أن ينظره إلى يوم البعث نلاحظ أن مخططاته تنصب دائما في رؤوس أتباعه على إنهاء القيادة المسلمة في الأرض إنهاء تاما، بل لا يدع للرأي المعتدل أن يسود مهما كان. ولهذا نرى المحاولات اليائسة التي يقوم بها أعداء الإسلام لإنهاء الحركة الإسلامية عن طريق قتل قياداتها إعداما أو اغتيالا. والذي يلحظ الحاكمين وهم يواجهون الحركة الإسلامية رغم اختلاف مشاربهم ونوازعهم يلتقون جميعا على قتل هذه القيادات. ففي مصر مثلا: كان اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا هو الهدف الرئيسي الذي لا ترضى انكلترا بدونه بديلا، وقد التقى هدفها مع هدف الملك فاروق في ذلك. وحين قامت الثورة المصرية كانت ترى في هذا الاغتيال ظلما كبيرا حتى أنها شكلت محكمة لمحاكمة قتلة الإمام الشهيد. غير أنها عندما رأت قوة الحركة الإسلامية سلكت الطريق نفسه الذي سلكه قبلها فاروق، فأقدمت على إعدام الدفعة الأولى للإخوان المسلمين والمكونة من ستة من قادة هذه الجماعة وعلى رأسهم عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، ويوسف طلعت. ورغم مرور عشر سنوات على هذه المجزرة كان سيد قطب ﵀ ﷺ -مثل البقية الباقية من القيادة المفكرة للجماعة. ومنذ أن رأى الحاكم الطاغية القوة الفكرية لسيد تجتاح الأرض المصرية. كان الاتحاد السوفييتي هو الذي يصر هذه المرة على رأسه دون أن يحتج أحد من الحاكمين المسلمين وغير المسلمين على ذلك، ورغم خطورة الإقدام على إعدامه واستياء العالم الإسلامي لذلك، لم يتراجع الطاغية عن موقفه، ولم يرض غير الإعدام له مع زملائه. وجاء خلفه يدعي الديمقراطية وإعادة الحرية، وعامل كل زعماء المعارضة بالسجن عنده حين رأى خطرهم. أما المعارضة الإسلامية فلم يكن من حل لها عنده إلا الإعدام، وقد أقدم على مجزرتين في عهده:
следующие страницы →