ولو نلته طلت دماء جراحه ... وكان حقيقا أن يهان ويهدرا (١)
فأجاب حسان بن ثابت ضرارا بقوله:
فلست إلى سعد ولا المرء منذرا ... إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا
فلا تك كالشاة التي كان حتفها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
لقد أمسكت قريش بفتيل الحركة الإسلامية الذي أوشك على الانفجار، وكان من الممكن أن يقع صدام فعلي بين الفريقين لولا إطلاق سعد، غير أن التهديد والوعيد قد انطلق مؤذنا ببداية المواجهة، ولم يترك المسلمون الأمر دون رد. فكان شعر حسان إيذانا ببداية الرد في الحرب القائمة، وعلى رأسها الحرب الإعلامية:
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا (٢)
لقد كان الإعلام الإسلامي جاهزا منذ اللحظات الأولى، التي كان الإعلام فيها أشد من وقع السيف.
وقد تم كل هذا الأمر، ورسول الله ﷺ واقف على الحياد دون أي تدخل أو إيحاء بالتدخل رغم أن الحلف معه، فلا يزال في جوار المطعم بن عدي، وبنيه جبير بن مطعم وإخوته، وجبير هو الذي أجار سعدا كذلك. ولا يريد أن يثير معركة جانبية قبل الإعداد الكامل لها، واستطاع ﵊ أن يؤجل المعركة، ويؤجل الدماء حتى قامت الدولة الإسلامية.
فهل لدى الحركة الإسلامية أكبر من هذا الهدف في هذه المرحلة، أن تقيم دولة الإسلام في أقل ما تستطيع من دماء، ولا تدع حلفا سياسيا أو عرفا جاهليا أو قانونا أرضيا إلا وتستخدمه من أجل هذا الهدف.
стр. 177
السمة الخامسة عشرة
اختيار الأرض وسرية التجمع فيها والهجرة إليها
يقول ابن إسحاق: (فلما أذن الله تعالى له ﷺ في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وآوى إليه من المسلمين، أمر رسول الله أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها. فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة) (١).
لقد قيلت مثل هذه الكلمة من رسول الله ﷺ للمسلمين يوم دعاهم للهجرة إلى الحبشة: إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد. واليوم إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها. والفرق بين المركزين والمنطلقين واضح.
فمن حيث الموقع، نجد الحبشة بعيدة، ولا تصلح لتكون مركزا لإقامة الدولة بعيدا عن الأرض والبيئة العربية، ومهما قويت فستبقى محصورة ضمن إطار المهاجرين أنفسهم، والحركة ستكون مشلولة للمواجهة، بينما نجد المدينة وإن كانت بعيدة نوعا ما عن مكة، لكنها تحتل موقعا حساسا بالنسبة لمكة، فهي قادرة على خنق مكة اقتصاديا لأن طريق قوافل قريش عنها. والتجارة عصب الحياة لقريش. كما أن البيئة واحدة، والعرب يمكن أن تتم الدعوة في صفوفهم وأن يتقبلوها. ومن حيث البيئة، فالاعتماد في الحبشة على الحاكم العادل، الذي قد يتغير في آية لحظة، فيصبح المسلمون على خطر داهم، وقد رأينا أن ذلك قد وقع فعلا حين قامت الثورة ضد النجاشي، فهيأ للمسلمين سفينتين ليغادروا الحبشة إن تم النصر لعدوه، وهو يعلم أن المسلمين هم المستهدفون من هذه الثورة. بينما الاعتماد في المدينة على الإخوان فيها، على
стр. 178
التجمع الإسلامي الكبير الذي طغى في يثرب على كل التجمعات، وأصبح يمثل الكثرة الكبيرة فيها.
والحركة الإسلامية اليوم وهي تقتدي برسول الله ﷺ في إنشاء دولتها لا بد أن تراعي هذه المعاني وتفقه دروسها، فحين انطلقت الحركة الإسلامية الحديثة في بعض فصائلها في جهادها لإقامة الدولة، لم يكن أمامها الخيار أن تجعل مرتكز تجمعها في الدولة المجاورة للطاغوت الكافر، واختيار غير هذه الدول المجاورة للتحرك والمواجهة والتدريب هو اختيار فاشل، لأن أي مكان غير هذه الدول يشل التحرك لمواجهة النظام شللا تاما. لكن العنصر الثاني من الميزة التي كانت في المدينة، قد تهيأ في بعض هذه الدول ولم يتهيأ في غيرها، وحتى وجود الإخوة الأنصار لا يجعل لهم السلطة في هذه الدول، إنما السلطة لغيرهم. فالاعتماد إذن على طبيعة النظام الحاكم في الدول المجاورة وتغير النظام في كل لحظة يهدد الوجود الإسلامي على هذه الأرض، ومن أجل هذا لا يمكن أن تكون هذه الأرض أكثر من نقطة ارتكاز وتجمع تسند من الحكام المؤيدين لها. والمرتكز الأصلي هو مكان انطلاق الحركة نفسها حيث توجد القوى الكامنة للمواجهة والمؤهلة للمساندة. فالهجرة خارج مكان المواجهة الأصل فيها، أنها هجرة مؤقتة بينما نجد الهجرة إلى المدينة هجرة ثابتة حيث تكون المدينة نفسها موطن إقامة الدولة.
والحركة الإسلامية عموما حين تبحث عن الأرض ليست دائما تملك الحرية التي تريدها للاختيار. فقد تضطرها الظروف إلى مكان غير مناسب تماما. ولا بد لها من قبوله ريثما تجد المكان الأفضل. لقد بقيت الحبشة مأمنا للمسلمين فترة طويلة حتى بعد وجود يثرب ولكنها لم تكن مركزا لإقامة الدولة. وحين أتيحت الظروف في المدينة، كانت بتوفيق رباني أن قبل وفد الحجيج اليثربي الإسلام، فلو فشلت المفاوضات مثلا في الإسلام أو الحماية، أو نجحت محادثات شيبان أو كندة، لكان الموقع متغيرا حسب المعطيات القائمة.
وأدى هذا إلى رحيل عائلات بأكملها، فقبيلة بني غنم رحل أربعة عشر
стр. 179
رجلا منهم وسبع نسوة مجرد الإذن بالرحيل. كما تحرك عمر ﵁ وأهله وعشيرته وحلفاؤه، وتتابع المسلمون يهاجرون فلا يحس المشركون إلا وهم خارج مكة.
السمة السادسة عشرة
اجتماع العدو للقضاء على القيادة
قال ابن إسحاق: (فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج فعرفوا أن الدار دار منعة وأن القوم أهل حلقة وبأس وشوكة. فخافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقه بهم، وعرفوا أنه أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من ذوي الرأي والحجى منهم ليتشاوروا في أمره ... فقال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل فقلناه لهم، قال: يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له (١).
وهذه السمة تعني ما سبق أن أكدناه من قبل أن اغتيال القيادة وإنهاءها هو هدف رئيسي بالنسبة للعدو. وكثيرا ما يتصور العدو أن انتهاء القائد يعني انتهاء المواجهة والجهاد والثورة. وبالرغم من خطورة هذا الأمر، والدور الرئيسي للأمير في الجماعة. فهو لا يصح بشكل دائم، إنه قد يعيق الحركة، وقد يجهض الثورة لكن المعاني الإسلامية المتغلغلة في نفوس شباب الدعوة، لا يمكن أن تنتهي بانتهاء القيادة.
стр. 180
ولقد رأينا كيف أن الشيخ النجدي الذي حضر اللقاء كان يفند كل رأي غير رأي القتل. ويحذر من خطورة بقاء الرسول ﵊ حيا، وهو الرأي الذي كان يحرص على الوصول إليه مع المتشاورين. والشيطان الذي وعده الله تعالى أن ينظره إلى يوم البعث نلاحظ أن مخططاته تنصب دائما في رؤوس أتباعه على إنهاء القيادة المسلمة في الأرض إنهاء تاما، بل لا يدع للرأي المعتدل أن يسود مهما كان.
ولهذا نرى المحاولات اليائسة التي يقوم بها أعداء الإسلام لإنهاء الحركة الإسلامية عن طريق قتل قياداتها إعداما أو اغتيالا. والذي يلحظ الحاكمين وهم يواجهون الحركة الإسلامية رغم اختلاف مشاربهم ونوازعهم يلتقون جميعا على قتل هذه القيادات. ففي مصر مثلا: كان اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا هو الهدف الرئيسي الذي لا ترضى انكلترا بدونه بديلا، وقد التقى هدفها مع هدف الملك فاروق في ذلك. وحين قامت الثورة المصرية كانت ترى في هذا الاغتيال ظلما كبيرا حتى أنها شكلت محكمة لمحاكمة قتلة الإمام الشهيد. غير أنها عندما رأت قوة الحركة الإسلامية سلكت الطريق نفسه الذي سلكه قبلها فاروق، فأقدمت على إعدام الدفعة الأولى للإخوان المسلمين والمكونة من ستة من قادة هذه الجماعة وعلى رأسهم عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، ويوسف طلعت. ورغم مرور عشر سنوات على هذه المجزرة كان سيد قطب ﵀ ﷺ -مثل البقية الباقية من القيادة المفكرة للجماعة. ومنذ أن رأى الحاكم الطاغية القوة الفكرية لسيد تجتاح الأرض المصرية. كان الاتحاد السوفييتي هو الذي يصر هذه المرة على رأسه دون أن يحتج أحد من الحاكمين المسلمين وغير المسلمين على ذلك، ورغم خطورة الإقدام على إعدامه واستياء العالم الإسلامي لذلك، لم يتراجع الطاغية عن موقفه، ولم يرض غير الإعدام له مع زملائه. وجاء خلفه يدعي الديمقراطية وإعادة الحرية، وعامل كل زعماء المعارضة بالسجن عنده حين رأى خطرهم. أما المعارضة الإسلامية فلم يكن من حل لها عنده إلا الإعدام، وقد أقدم على مجزرتين في عهده:
стр. 181
الأولى: إعدام خمسة ممن اتهموا بحادثة الكلية الفنية.
الثانية: إعدام مجموعة شكري مصطفى وإخوانه.
ولم يشهد عهد الحكام المتعاقبين إعداما إلا لقادة الاتجاه الإسلامي.
السمة السابعة عشرة
عبقرية التخطيط البشري في الهجرة
أ - مبيت علي ﵁ في فراشه:
(.. فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم فقال لعلي بن أبي طالب، نم على فراشي، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام (١)).
فلقد كان أمر الله تعالى لرسوله أن لا ينام على فراشه، وكان تصرف النبي ﵊ بنوم علي على فراشه وتسجيه ببرده جزءا من مسؤولية القائد في إنجاح خطته، وذلك بالتمويه والتعمية على عدوه. وقد نجحت هذه الجزئية في التمويه نجاحا تاما رغم الاحتمالات الكبيرة لكشفها. فلقد قال لهم الرجل الذي رأى محمدا خارجا من بيته: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا أفما ترون ما بكم؟. فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي ﵁ عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا.
ورغم ثقة رسول الله ﷺ بحماية ربه له. فهذا لم يمنعه من أن يأخذ
стр. 182
الاحتياط البشري الذي يملكه. وفي الوقت الذي أعمى الله تعالى عنه الأبصار أثناء خروجه، وسلط عليها النوم حتى خرج من بين أيديهم. شاءت إرادته تعالى أن يتم لقاء رسول الله مع الراكب القادم، وأن ينبه العدو إلى خروجه.
لكن الله تعالى حرس نبيه ﵊ لا بمعجزة، ولكن بعالم الأسباب في تخطيط البشر.
وما أحوجنا إلى أن ندرك واجبنا في الإعداد لمواجهة العدو رغم اعتمادنا الأول والأخير على الله تعالى. لا أن نحيل تقصيرنا وضعفنا وتهاوننا على القدر، ونتوجع على عدم نصر الله تعالى لنا، ونحن المسؤولون عن ذلك.
ب - الخروج في النهار:
(قالت عائشة: كان لا يخطىء رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية - حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله ﷺ في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه. أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها (١)).
إذ أن هذه الساعة بالنسبة للناس ساعة القيلولة، وقلما يوجد إنسان في مكة خارج بيته، خاصة إذا عرفنا أن الخروج كان في أوائل أيلول. في آخر شهر من أشهر الصيف كما حققه العلامة المباركفوري. فهذا الخروج هو أضمن ما يكون للسرية وأضمن أن يخفى عن العيون.
ج - الخروج من الكوة:
(... فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته (٢) ...) .. إذ قد يكون بيت أبي بكر مراقبا، وهو احتمال كبير بعد أن فات رسول الله المشركون.
وإذا كانت المراقبة قائمة من بيت مجاور أو من مكان فيه ظل بعيد عن الأنظار فستكون المراقبة لباب البيت بالذات يرصد فيه الداخلون والخارجون. وفي
стр. 183
الخروج من مخرج سري بعيد عن المراقبة يعني ضرورة المحافظة الدائمة على السرية ووضع الاحتمالات الكثيرة لتخطيط العدو ومراقبته.
د - الاتجاه إلى الغار:
(... ثم عمدا إلى غار بثور فدخلاه ... (١)). وإذا توقعنا تخطيط مكة للقضاء على رسول الله ﷺ . فسوف يكون طريق المدينة مرصودا من عدد غفير من الفرسان حتى يحال دون وصوله إليها. إن التفكير البشري سينصب طبيعيا على رصده لأنه هو هدف الرسول ﷺ ، وفي القبض عليه إنهاء للمعركة كاملة معه. فاتجاه رسول الله ﷺ إلى الغار فوت على العدو مخططه وأحبطه، وفوت عليه القبض عليه.
هـ - الغار على غير طريق المدينة:
وتبدو عظمة التخطيط أكثر حين نعلم أن غار ثور في جنوب مكة وليس على طريق المدينة حيث احتمالات الرصد. وكما يقول المباركفوري: (ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمين، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور. وهذا جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله ﷺ (٢)).
و- المخابرات في مكة:
(وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر .. (٣)). فلا يكفي بقاء المصطفى ﷺ وصاحبه أبي بكر في الغار مدة معينة، ثم ينطلقان حسب التقدير إلى المدينة، لا بد من التعرف مباشرة على كل أسرار العدو
стр. 184
ومخططاته وتوقعاته، بحيث تصل أولا بأول إلى رسول الله ﷺ ، فيكون متابعة تنفيذ الخطة قائما على خبرة بالواقع لا على ظن وحدس يخطىء ويصيب.
وكلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو، وأدرى بأسراره، ولها في صفوفه من ينقل إليها كل تخطيطاته كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها، وما يوم حليمة بسر. وما أحداث حماة التي أدت إلى محنتها الرهيبة، إلا وكان أكبر أسبابها جهل القيادة بطبيعة مجريات الأمور هناك. وانقطاع الاتصال بين القيادة في الخارج والقيادة الميدانية في الداخل ساهم إلى حد كبير في تطور الأزمة ومضاعفاتها.
ز - تأمين الزاد:
(.. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما .. (١)). فقد يكون المقام طويلا في الغار ولو انقطع الزاد عنهما فقد يهلكان من الجوع، وأن يحمل عبد الله بن أبي بكر مؤونة إحضار الطعام فقد يلفت ذلك الأنظار ويكشف تحركاته ويحول دون تأدية مهمته.
ومن حقنا أن نتصور كذلك أنه بإمكان أسماء أن ينقل أخوها عبد الله لها صورة الواقع، وتنقل الزاد والأخبار لرسول الله. لكن قدرة أسماء على استيعاب الخبر وأبعاده أضعف من قدرة عبد الله. فلا بد من اعتماد أوثق الطرق، كذلك في الوقت الذي كانت أسماء فيه أقدر على تأمين الزاد ولكلا الأخوين اختصاصهما ومكانهما المناسب. ولا نستطيع أن نمر بهذه الفقرة دون الإشارة إلى شخصية أسماء العجيبة وهي الأنثى الحامل في شهورها الأخيرة. وتصعد في الجبل الذي يعجز المسلم العادي صعوده.
ح - إعفاء الأثر:
(.. وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحهما عليه .. (٢)). فإذا كان اقتفاء الأثر خير دليل لمعرفة وجودها في الغار، خاصة
стр. 185
وأسماء وعبد الله ﷺ وميا يأتيان إلى الغار، فكان غنم عامر بن فهيرة هو الذي يأتي على آثار أقدامهما فيعفي الأثر، ويزيل الاحتمال.
والشباب المجاهدون في القواعد، والمختبئون فيها لهم في هذا الدرس بكل جزئياته، ما يدفعهم إلى التعرف على كل وسائل السرية المطلوبة وفقدان عنصر واحد من هذه العناصر يجعل القاعدة معرضة للكشف من العدو.
ط - الاستمرار ثلاثة أيام:
(فأقام رسول الله ﷺ في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر لأن الخروج إلى أي مكان في الأيام الأولى يجعلهما عرضة للوقوع في قبضة العدو. كما أن المدة الزمنية هذه كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا في المعلومات المقدمة من عبد الله بن أبي بكر عن خفة الطلب عليهما. كما أن الاستقرار أكثر قد يلفت النظر من الآخرين حين يتكرر المرور عليهما من أسماء وعبد الله كل يوم.
ي - الإرادة الربانية تتدخل:
في رواية للإمام أحمد عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: فهيأنا لهم سفرة ... وخرجوا يطوفون في جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذي هما فيه فقال أبو بكر لرجل مواجه الغار: يا رسول الله إنه ليرانا. فقال: كلا أن ملائكة تسترنا بأجنحتها). فجلس ذلك الرجل فبال مواجه الغار فقال رسول الله ﷺ : لو كان يرانا ما فعل هذا (١)).
وفي رواية البخاري: (.. فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما ..). (٢) وبالرغم من كل الجهد البشري في التمويه والإخفاء والسرية فلقد وصلت قريش إلى مكان اختفاء رسول الله ﷺ ، والظاهر من رواية أسماء أنهم كانوا يبحثون في كل جبال مكة عنهما، ولعل ذلك من وشاية أو توقع. واحتمال وصول قريش عن طريق تتبع الأثر هو احتمال ضعيف، أو ضعف في الخطة نفسها. لكن الذي نود قوله:
стр. 186
إنه حين ينتهي الجهد البشري المطلوب، وحين تستنفذ الطاقة البشرية فإنه تعالى أرحم بنبيه وصاحبه من أن يجعلهما ظفرا لعدوهما، ولقد قرر أنه تعالى في محكم التنزيل هذا المعنى إذا أكد حمايته لنبيه ونصره له حين تخلت عنه قوة الأرض، وحين كان المسلمون كلهم كقوة بشرية قائمة في المدينة أو مختفية في مكة - ليس معه للحماية إلا إنسان واحد: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (١)﴾.
فقوة الأرض كلها بعيدة عن النبى ﷺ المؤمنون والكافرون. ووصل إلى قبضة الطاغوت. وأكد رسول الله ﷺ لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا قائلا له عن الرجل المراقب: إن الملائكة لتظللنا بأجنحتها مصداقا لقول الله : ﴿وأيده بجنود لم تروها﴾.
والتعبير القرآني العجيب أن هذا النصر في حقيقة الأمر كان بابا لأن تكون كلمة الله هي العليا، وإذلالا وإرغاما للمشركين في تحطيم كل مخططاتهم بقتل النبي ﵊. لقد كانت نجاته ﵊ من قبضة عدوه نصرا مؤزرا تكون كلمة الله تعالى هي العليا فيه.
والدعاة إلى الله بحاجة دائما إلى أن يكون راسخا في أعماقهم دائما عون الله لهم حين تعجز قوتهم البشرية عن إدراك ما يخطط لهم العدو بعد استنفاد الطاقة واستفراغ الوسع، وأن تكون لديهم القناعة التامة كذلك أن النصر أولا وأخيرا بيد الله.
ك - الاستفادة من خبرة المشركين:
(.. فاستأجرا عبد الله بن أريقط - وكان مشركا - يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحليتهما - فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. وعلى شركه، فالاستفادة من خبرته قائمة طالما أنه مأمون لا ينقل الأخبار للمشركين. والاستفادة من
стр. 187
الطاقات غير الإسلامية للحركة الإسلامية تجد نفسها مضطرة للاستفادة من هذه الطاقات.
ل - متابعة التمويه:
(.. فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق، وإنما يعني به سبيل الخير (١)). وطالما أن رسول الله ﷺ مع أبي بكر هو الهدف لقريش. وقد أعلن عن وضع مائة ناقة لمن يعثر عليه ويحضره، ومائة ناقة ثروة ضخمة للعربي الصعلوك الذي لا يجد قوته. فسوف تتسامع العرب بخبره وتحاول الظفر به، وتقدير هذه الصورة دفع أبا بكر ﵁ أن يتبع هذا السبيل. فيوحي للسائل أن أبا بكر دليله على الطريق. وبذلك ينتفي الاتهام الذي يحوم حول أحدهما أن يكون صاحب قريش. إن الدعاة إلى الله لا بد أن يكونوا على قدر من الوعي والنباهة وحضور البديهة وحدة الذاكرة ما يجعلهم قادرين على خداع عدوهم والإفلات من يديه دون أن يستعمل أسلوب الكذب الصراح إلا عند الضرورة. أما الأصل، ففي الكناية والمجاز متسع لهم لتحقيق هذه الغاية، وكما يقول ﵊ وهو يخط مبدأ من مبادىء التعامل مع العدو الصديق: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب (٢)).
م - الطريق إلى اليمن:
(.. وأول ما سلك بهما بعد الخروج من الغار أنه أمعن باتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربا نحو الساحل). ولم يكتف رسول الله ﷺ بالإقامة. ثلاث ليالي في الغار بل سار بهم الدليل بعيدا عن الأنظار باتجاه اليمن، ثم انحرف إلى طريق المدينة (حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالا على مقربة من شاطىء البحر الأحمر. فحتى الطرق الفرعية التي يمكن أن تقود إلى طريق المدينة اختارها ابن أريقط غير مأهولة، وغير مألوفة للناس
стр. 188
إمعانا في السرية والبعد عن الأنظار. والطريق الذي اختاره للمدينة بعد ذلك هو غير الطريق العادي الذي يمضي به الناس إليها (وسلك طريقا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرا) وكما يحدثنا أبو بكر ﵁ عن هذا الطريق بقوله: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده، وسويت للنبي ﷺ مكانا بيدي ينام عليه وبسطت عليه فروة. وقلت نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنفض ما حوله).
فالطريق خالية والناس قلما يمرون فيها. فكم كان هذا الدليل ماهرا خريتا وهو يسير بهم في كل صوب حتى يقودهم إلى المدينة؟ إن الجهد البشري في عالم الأسباب إذا كان من غير رجال الدعوة أصلا، فلا يجوز أن يسبق رجال الدعوة فيه بحجة الاعتماد على الله والتوكل عليه، وإذا كان سيد الخلق قد فعل ذلك وهو المصنوع على عناية الله وفي رعايته، فلا شك أننا نحن أولى بذلك.
ن - سراقة والتعامل معه:
ومن الجهد البشري في الاحتياط كذلك ما كان يفعله أبو بكر ﵁ (فجعل أبو بكر يسير أمامه، فإذا خشي أن يؤتى من خلفه سار خلفه. فلم يزل كذلك مسيره) ومع هذا الاحتياط فقد لحق سراقة بن مالك برسول الله ﷺ طمعا في الجائزة وكما يروي: (.. فدنوت منهما حتى إني لأسمع قراءة رسول الله ﷺ ثم ركضت الفرس فوقعت بمنخريها، فأخرجت قداحي من كنانتي فضربت بها: أضره أم لا أضره؟ فخرج: لا تضره، فأبت نفسي حتى أتبعه، فأتيت ذلك الموضع فوقعت الفرس. فاستخرجت يديه مرة أخرى، فضربت بالقداح أضره أم لا، فخرج لا تضره فأبت نفسي حتى إذا كنت منه بمثل ذلك الموضع خشية أن يصيبني ما أصابني بأذيته، فقلت: إني أرى سيكون لك شأن فقف أكلمك). فوقف النبي ﷺ فسأله أن يكتب له أمانا فكتب له أمانا). وفي رواية البخاري (١) فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي
стр. 189
حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمان فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله ﷺ ). (ورجع سراقة فجد في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، قد كفيتم ما ها هنا وكان أول النهار جاهدا عليهما، وآخره حارسا لهما (١)). والحرص على تعدد الروايات هو لاستكمال الصورة. فما لقيه سراقة من انسياخ قدمي فرسه ومن تعثرها وانكبابها على منخريها - كما ثبت في الروايات الصحيحة - جعله يغير خطته. ومن أجل ذلك فلم يقاتل ولم يقتل، بل تم الاطمئنان إليه. بأن أتم بقية الخطة في التعمية، وصرف الناس عن متابعة الطلب في هذا الطريق. والملاحظ أن سراقة لم يسلم وبقي على شركه. وكل ما وقع عنده هو قناعته بأن الرجل ممنوع وأن النصر حليفه لا محالة، ورضي أن يذود عن رسول الله ﷺ آخر اليوم ويبعد الناس عن ملاحقته في هذا الطريق.
والدرس المهم لنا من هذه الحادثة، ونحن في الحركة الإسلامية نعمل لإعادة الحياة الإسلامية إلى الأرض. هو أن نملك القدرة على تحديد الصديق من العدو وذلك في صفوف الكفار أنفسهم وبإمكان الحركة الإسلامية أن تأخذ من قلب أعدائها من تصبح القناعة عنده بانتصارها ليتعامل معها ويناصرها، ويبقى تقدير الأمر لقيادة الجماعة من خلال تعاملها مع هذا الخصم. إن المنطق الظاهري يقتضي قتل سراقة بن مالك لأنه قد يدل عليهما. وهو لم يسلم بعد، لكن تقدير رسول الله ﷺ لشخصه أنه صادق الولاء لهما، وأنه تخلى عن عدائه لهذه الحركة أمام هذه المعجزات.
والنقطة الثانية التي تستفيدها الحركة كذلك هو أن لا يكون الحكم على الرجل أو الفئة من خلال الماضي القريب أو البعيد في عدائهم للإسلام. فمناط الأمر هو الثقة بتغير هذه الفئة أو هذا الرجل مهما كان ماضيه في
стр. 190
الحرب ضد الإسلام، والقيادة من خلال تعاملها مع هؤلاء الناس لها الاجتهاد الأوفى بهذا الأمر.
وإذا كان رسول الله ﷺ وهو الموحى إليه فيطلق في أحكامه من الوحي فلا يخطىء، ولا ينطق عن الهوى. فليس أمام قيادة الحركة الإسلامية إلا الاجتهاد في هذا الأمر الذي قد يخطىء وقد يصيب، ولو قدرنا مثلا أنها أخطأت التقدير فلا غضاضة في ذلك، ولا داعي لأن تقيم القاعدة الدنيا عليها لهذا الخطأ.
إن الحركة الإسلامية في مسيرها لإقامة دولة الإسلام، قد تتحالف مع عدو قريب وتتعاون معه بل تطلب منه جزءا من المناصرة جليلا أو يسيرا إذا اطمأنت إليه. وميزان الاطمئنان هو مدى ثقة هذا العدو بقوة الحركة الإسلامية. وتستطيع أن تبذل الجهد في التأكد من هذه الثقة، ولا شيء عليها بعد ذلك أصابت التقدير أم أخطائه.
والنقطة الثالثة التي نفقهها من هذه الحادثة هي فكرة الأمان لهذا العدو الذي غير موقفه وأعلن مناصرته وولاءه. فكل ما طلبه سراقة هو الأمان، وطالب به يوم حنين، وإن كنا لا ندري متى أسلم سراقة ﵁، وأغلب الظن أن إسلامه كان بعد فتح مكة (١). لكنه أظهر الأمان لرسول الله ﷺ يوم حنين فأقره عليه.
إن سلوك الكافرين ومواقفهم من الحركة الإسلامية يجعل لدى الحركة حرية التعامل معهم من خلال هذه المواقف بحيث يكون الأمر في النهاية لصالح الإسلام ودولته. وتستطيع أن تهادن وتؤمن وتستعين بمن تشاء بعد تقديرها لموقف هؤلاء الناس دون قيد. وكم نتمنى للقاعدة الإسلامية الصلبة أن تكون عونا لقيادتها على هذا التحرك، لا أن توجه لها سهام النقد والتجريح
стр. 191
والاتهام في وعيها على أقل الأحوال، ليصل الاتهام إلى دينها في أغلب الأحوال.
س - قصة أم معبد:
والذي يعنينا من قصة أم معبد بعد المعجزة الربانية الباهرة أنها كانت على بعض الروايات سببا في ملاحقة النبي ﷺ والركب منه. وعلى الأقل كانت هذه الضيافة بشكل عام قد حددت مكان السير. إذ تذكر الرواية عن أسماء ﵂: (حين أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب وإن الناس يتبعونه يسمعون صوته ما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
ما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
ومع ذلك فلم يكن لهذا الأمر ما يثير الغبار حول كشف المخطط أو مكان السير وطريقه. وقصدنا من هذه الملاحظة التأكيد على أن ما يتم فوق الطاقة البشربة من كشف لجانب من جوانب الخطة. كما جرى حين وصل الركب إلى الغار، وكما جرى حين وصل سراقة لرسول الله ﷺ ، وكما جرى مع هاتف الجن، هذه أمور ربانية يهيئها الله تعالى لدعوته. قد تكون قوة لهؤلاء الدعاة، وقد تكون كشفا لهم وامتحانا عسيرا لتمحيص صفهم. ففي أحد أعلمنا الله تعالى حكمه وحكمته بقوله جل وعلا: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (١)﴾.
فبالرغم من أن السرية التامة كانت على الجميع حتى من العصبة المسلمة ما عدا من اشترك فيها (عائشة وأسماء وأبو بكر وابن أريقط فهيرة
стр. 192
ورسول الله ﷺ ) مع هذا كله تكشف جانب من الخطة كان فوق التقدير البشري. فتلقاه رسول الله ﷺ بالتسليم المطلق: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾. (ما قولك في اثنين الله ثالثهما). وما أحرانا نحن وقد شهدنا عبقرية التخطيط للهجرة أن لا تغيب عنا هذه الجوانب الثلاث:
أولا: علينا أن نستفرغ الوسع ونبذل كل الطاقة في التخطيط البشري.
ثانيا: أن يكون اتكالنا على الله تعالى دون اعتمادنا على الأسباب.
ثالثا: أن نقبل قضاء الله وقدره فيما هو فوق طاقتنا ونطمئن إلى أنه خير للإسلام والمسلمين.
السمة الثامنة عشرة
قاعدة جديدة تنضم إلى الإسلام
يقول المباركفوري: (وفي الطريق لقي النبي ﷺ أبا بريدة (١). وكان رئيس قومه، خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر رجاء أن يفوز بالمكافأة الكبيرة التي كان قد أعلن عنها قريش، ولما واجه رسول الله ﷺ وكلمه أسلم مكانه مع سبعين رجلا من قومه، ثم نزع عمامته وعقدها برمحه، فاتخذها راية .. (٢)).
لقد كانت بيعة رسول الله ﷺ مع سبعين من الأنصار، ولا شك أن هؤلاء مقدمة للأنصار في المدينة. غير أن انضمام قافلة جديدة إلى موكب الإيمان من قبيلة أسلم، والتي كان بريدة بن الحصيب على رأسها قد مضى للإجهاض على محمد رسول الله ﷺ -عتبر هذا الأمر تغيرا خطيرا في مراحل الدعوة. فلم تعد المدينة وحدها صاحبة اللواء الإسلامي المرفوع. إذ انضم إليها حليف قوي من أسلم، بهذا التجمع الكبير والجمهرة الضخمة. وهذا يعني أن الطريق بين مكة والمدينة صار محفوفا بالمخاطر من هؤلاء وعلى الأقل
стр. 193
إن لم يتمكنوا من صد هجوم قريش فلا أقل من أن يرصدوه، ويرصدوا كل التحركات المعادية ضد رسول الله ﵊. ولقد كان سرور رسول الله ﷺ عظيما بدخول هذه القاعدة في الإسلام إذ قال: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما والله ما أنا قلته، ولكن الله قاله (١)) ويشير هذا المعنى إلى أن قوة المسلمين، وظهور تجمعهم قد جعل القبائل المجاورة على استعداد لقبول الإسلام والانضمام إليه.
كما يشير المعنى كذلك إلى أن الدعوة إلى الله تعالى تبقى هي الهدف الرئيسي للمسلمين، فرغم أن الظروف على الطريق إلى المدينة. لم تكن ظروفا مؤهلة للخوض في تفاصيل الإسلام. لكن الهدف الرئيسى دائما تتجاوز الظروف من أجله، وعلى الدعاة إلى الله أن يكونوا دائما على أهبة الاستعداد للدعوة إلى الله على بصيرة.
السمة التاسعة عشرة
(أول إعلان رسمي لشعائر العبادة)
(قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله ﷺ ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول).
ونزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم .. وأقام بقباء أربعة أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة (٢)).
فبعد مرور ثلاثة عشر عاما ليس للمسلمين مركز علني ثابت يصلون فيه، لا تقام فيه إلا شعائر التوحيد، إذ كانوا يصلون أحيانا في الكعبة، لكن بيت الله الحرام قد أحاط به ثلاثمائة وستون صنما، وكل شعائر الشرك تقام حوله.
стр. 194
لقد كان مسجد قباء كما ذكر القرآن الكريم أول مسجد أسس على التقوى، وكان رواده أول ركب مؤمن خالص الإيمان يعلنون التوحيد ويرفعون راية لا إله إلا الله، دون خوف من سلطة قاهرة تفرض عليهم غير شعائر الإيمان. لقد كانت الصلاة في مسجد قباء نقطة تحول في التاريخ الإسلامي بين عهد المحنة والخوف والمعاناة، وبين عهد التميز والمفاصلة، والعبادة الخالصة لله وحده دون أثر للشرك والمشركين.
﴿.. لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ﷺ حب المطهرين (١)﴾. ولعل الهدف الأول للحركة الإسلامية اليوم حين تقيم دولة الإسلام أن تعود إلى المساجد روح التوحيد الخالص البعيدة عن مظاهرة الطاغوت والتسبيح بحمده، دون خوف أو وجل. ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا .. (٢)﴾. وهو الهدف الذي حدده الإسلام للمؤمنين عند التمكين. ﴿.. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور .. (٣)﴾.
﴿.. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (٤)﴾.
وكان تجمع قباء ليس خاصا بأهل قباء وحدهم. فكما يقول ابن القيم: وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه، وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة (٥)). وكان هذا التجمع
стр. 195
خاليا من كل الشكليات والرسميات. وكما روى البخاري: فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله عند ذلك).
إنه سيد خلق الله كافة، ويعيش مع أصحابه كأنه واحد منهم حتى لا يعرف إلا عندما يظلل بالرداء من أبي بكر، ومعالم دولة الإسلام في الأرض بهذه القيادة وبهذا التواضع والتعايش لحرية أن تكون منهاجا لكل مسؤول وقائد كيف تكون علاقته مع إخوانه وجنوده.
السمة العشرون
نجاح الخطة، ووصول القائد الأعلى إلى مركز القيادة
(.. فلما كان اليوم الخامس - يوم الجمعة - ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار - أخواله - فجاؤوا متقلدين سيوفهم فسار نحو المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل. وبعد الجمعة دخل النبي ﷺ المدينة، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم، خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها ... وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته فجعل رسول الله ﷺ يقول: المرء مع رحله (١)). وها هو رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار يحفون بهم، ويفدونه بآبائهم وأمهاتهم، ويضعون دماءهم وأموالهم تحت تصرفه وجواري الأنصار يغنين ويضربن بالدفوف:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
стр. 196
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
وقامت دولة الإسلام الأولى في الأرض تحف بها ملائكة السماء بعد جهاد ضار مضني استمر ثلاثة عشر عاما كاملة. وكانت الخطوة الأولى في هذه المرحلة هي بناء المسجد الذي سيكون مركز انطلاقة لهذه الدولة ودار الحكم فيها ومقر قيادة الجيش، ومحضن التربية الأول ودار القضاء العالي.
وإذا استعدنا الخطوط العامة لهذه المرحلة الثالثة للعهد المكي والتي ابتدأت من رحلة الطائف الشاقة مع قول رسول الله ﷺ : يا أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري. أنت رب المستضعفين وأنت ربي ..
هذه المرحلة التي ابتدأت ولا نصير ولا معين يغادر الطائف مدمى القدمين من الحجارة من سفهاء القوم، وتتوج هذه المرحلة بين أسود الأنصار وأبطال المهاجرين يقضون جميعا دون أن تناله شوكة تؤذيه في رجله ويعلنون:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
لأدركنا خطورة هذه المرحلة، وأدركنا معالمها، وأدركنا سماتها، وعبقرية النبوة في إقامة هذه الدولة دون أن تراق قطرة دم.
стр. 197
الجزء الثاني
стр. 198
ينقسم العهد المدني إلى مرحلتين كبيرتين متميزتين
المرحلة الأولى:
مرحلة تأسيس الدولة وتنتهي بغزوة الخندق
المرحلة الثانية:
مرحلة نصر الله والفتح
وتمتد من صلح الحديبية إلى الوفاة
стр. 199
مواصفات المرحلة الأولى
ويتم تناولها في دراسة المواقف المشتركة والمتشابهة في هذه المرحلة، مع مراعاة التسلسل الزمني ما أمكن ضمن عناصر السمة الواحدة.
السمة الأولى
الهدنة مع الأعداء ما عدا قريشا وحلفاءها
أ - ميثاق المدينة والهدنة مع اليهود؟
إذا كان اليهود قوة ذات شوكة ومنعة وليس من صالح الرسول ﷺ والمسلمين معه فتح حرب مع اليهود، خاصة وأنهم أهل كتاب منزل، فالطمع في إسلامهم قائم. ولقد تناول الميثاق تنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار، كما تناول تنظيم العلاقة بين المسلمين عامة وبين اليهود في بابين:
الباب الأول: اليهود الذين يعيشون ضمن تجمعات المسلمين.
الباب الثاني: اليهود المتميزون في دورهم وتجمعاتهم بعيدا عن المسلمين.
أما بالنسبة للباب الأول فقد ذكرت الوثيقة ما يلي:
(.. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته.
وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
стр. 200
وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم.
وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم.
وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ ، وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا (١)).
وذكرت الوثيقة بالنسبة للباب الثاني ما يلي:
(وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، لأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه. وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا
стр. 201
الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله ﷺ (١)).
ب - العلاقة مع المشركين:
حيث لم يسمح لتجمع المشركين من خلال الفكرة، إنما من خلال التجمع القبلي، ووضع في الميثاق مادة تحكم علاقة الأفراد المشركين في التجمع الإسلامي: (وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بنيه فإنه قود به إلا أن يرض ولي المقتول ..). وبذلك تم تنظيم العلاقات بين أبناء هذا المجتمع على اختلاف دياناتهم في دولة الإسلام الأولى دولة النبوة، وحقق هذا الميثاق العدل التام للجميع والارتياح والرضا من قبلهم. فحقوقهم محفوظة، وواجباتهم محددة، والعدو الوحيد لأبناء هذا الوطن الإسلامي بكل فئاته هم قريش فقط. وعليهم واجب التناحر ضدها، ويحرم التحالف معها.
ج - ميثاق الأمان مع بني ضمرة:
وذلك في غزوة الأبواء أو ودان في صفر من السنة الثانية للهجرة حيث (عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي الضمري، وكان سيد بني ضمرة في زمانه، وهاك نص المعاهدة: هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله ما بل بحر صوفة. وإن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه. وهذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ (٢)).
د - ميثاق عدم اعتداء مع بني مدلج:
وكان ذلك في غزوة العشيرة في جمادى الأولى من السنة الثانية حيث عقد هذه المعاهدة مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة.
стр. 202
هـ - موادعة أهل دومة الجندل:
وكان ذلك في السنة الخامسة للهجرة بعد أن بدأت القبائل تتجرأ على المسلمين عقب أحد حيث بلغه أن هذه القبائل على مشارف الشام تعد العدة لغزو المدينة. وأما أهل دومة الجندل ففروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم لم يجدوا أحدا، وأقام رسول الله ﷺ أياما وبث السرايا، وفرق الجيوش، فلم يصب منهم أحدا، ثم رجع إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن.
فلقد كانت هذه الأحلاف والمعاهدات مع القبائل البعيدة والقبائل المجاورة بهدف تخذيل العدو وفتح جبهة واحدة مع قريش فقط، بينما يطمئن إلى بقية الجبهات أنها لن تغزوه، وبهدف التخذيل عن العدو، فلا يبقى مع قريش مناصر في المدينة وما حولها. فلا تجد الحركة الإسلامية على ضوء هذه السمة حرجا في أن تحالف من شاءت وتحارب من شاءت إلى أن تصبح قادرة على تطبيق الإسلام كاملا بالنسبة للمشركين، إما الإسلام وإما القتل. وعليها أن تفي بعهودها مع هذا الحليف.
السمة الثانية
بناء القاعدة الصلبة
وقد أخذت عملية بناء المجتمع الإسلامي الأولى ثلاثة خطوط:
الخط الأول: العهد بين تجمع المهاجرين وتجمع الأنصار.
الخط الثاني: المؤاخاة بين أفراد المهاجرين والأنصار.
الخط الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين وحدهم.
أما نص الوثيقة التي أقامت هذا البناء بين المهاجرين والأنصار فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من
стр. 203
قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون (١) بينهم، وهم يفدون عانيهم (٢) بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم (٣) يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار .. وبنو الحارث .. وبنو ساعدة .. وبنو الجشم .. وبنو عمرو بن عوف .. وبنو النبيت .. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (٤) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٥) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم لأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، لأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن
стр. 204
عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ (١)).
فلقد أصبح المهاجرون والأنصار أمة واحدة من دون الناس، أما كتلة المهاجرين فكلها تجمع واحد، أما كتلة الأنصار فموزعة على تجمعات قبائلها وعشائرها، ولقد تحددت مسؤولية كل فريق على حدة أمام الله تعالى وأمام رسوله وأمام إخوانه المؤمنين. وحيث إن المهاجرين جميعا كتلة واحدة ليس تجمعهم على أساس الانتماء القبلي، فكان لا بد من الخط الثاني، خط المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم ليحمل قويهم ضعيفهم، وآخى رسول الله ﷺ بين ذاته الشريفة وبين علي بن أبي طالب ابن عمه الذي جاءه حافي القدمين بعد تأدية أماناته إلى الكفار في مكة. كما آخى ﵊ بين حمزة بن عبد المطلب عمه، وبين زيد بن حارثة مولاه، دون تمييز لنسبهما بل كان الدافع هو التقوى. وكان الخط الثالث هو المؤاخاة بين أفراد المهاجرين والأنصار على حد التعبير النبوي: تآخوا في الله أخوين أخوين.
وذلك ليتم التكافل المباشر بينهما، فالأنصار أهل ضرع وزرع، والمهاجرون أهل تجارة. فكان الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر أن يقاسمه ماله وبيته وزرعه. فقد روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن (بن عوف) وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع.
ويقول ابن القيم: ثم آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام،
стр. 205
إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض (١)﴾ رد التوارث دون عقد الأخوة.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا (٢)).
السمة الثالثة
إعلان إسلامية الدولة
أ - بناء المسجد:
يقول المباركفوري: وأول خطوة خطاها رسول الله ﷺ بعد ذلك هو إقامة المسجد النبوي ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء المسجد، واشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وساهم في بنائه نفسه، فكان ينقل اللبن والحجارة ويقول:
هذي الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في البناء حتى أن أحدهم ليقول:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وكان في ذلك المكان قبور المشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غرقد فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة المسجد وكانت القبلة إلى بيت المقدس وجعلت عضادتاه من الحجارة، وأقيمت حيطانه من اللبن والطين، وجعل سقفه من جريد النخل، وعمده الجذوع، وفرشت أرضه من الرمال والحصباء، وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانب مثل ذلك أو دونه. وكان أساسه قريبا من ثلاثة أذرع.
стр. 206
ولم يكن المسجد موضعا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقي وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع الشؤون وبث الانطلاقات، وبرلمانا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية. وكان مع هذا كله دارا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم دار ولا مال ولا أهل ولا بنون.
ب - إعلان الأذان:
(.. فبينا هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد .. النداء. فأتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله. إنه طاف في هذه الليلة طائف. مر بي رجل عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوسا في يده. فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟. قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر ... فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك. فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله ﷺ يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله ﷺ : فلله الحمد على ذلك (١).
ج - الحكم الإسلامي:
ونلاحظ ميزات هذا الحكم وإعلانه من بعض مقتطفات من ميثاق المدينة:
١ - بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم إنهم أمة من دون الناس ...
٢ - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ .
стр. 207
٣ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود ....
٤ - وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
٥ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ .
ولا تحتاج هذه الفقرات إلى تعليق، فهي واضحة تماما من حيث تحديدها لقيام دولة الإسلام وإعلان هوية هذه الدولة. بعد التمكين الذي هيأه الله تعالى لرسوله وللمؤمنين.
السمة الرابعة
لا خيار من المعركة
الصورة الواضحة في أذهان معظم شباب المسلمين من خلال قراءتهم لكتب السيرة هي أن رسول الله ﷺ هو الذي افتتح المعركة مع قريش حين راح يهاجم قوافلها المارة بالمدينة، وخاصة قافلة أبي سفيان، ويضطر كتاب السيرة للاعتذار عن هذا الهجوم أن قريشا قد سلبت أموال المسلمين وأخرجتهم من أرضهم وديارهم. فلذلك هم يطلبون ما لهم وهم أصحاب الحق فيه. ومرد الخطأ في هذه الصورة هو اعتماد سيرة ابن هشام وحدها مصدرا للسيرة ة بينما يمكن للصورة أن تتكامل لو ربطت هذه السيرة مع ما ورد عن سيرة رسول الله ﷺ في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح الستة وغيرها التي تعتبر من حيث التوثيق أقوى من سيرة ابن إسحاق.
والذي دفع إلى كتابة هذه الخاطرة هو ما رواه أبو داود في سننه عن قريش أنهم كتبوا إلى عبد الله بن أبي بن سلول - بصفته زعيم المدينة - يهددونه ويتوعدونه بقولهم: (إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو
стр. 208
لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم). كان هذا بالنسبة لأهل يثرب وزعيمها، أما بالنسبة للمهاجرين فقد كتبت إليهم تقول: (لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم (١)).
ولم يكن هذا غريبا على منهج قريش، فهي التي قررت اغتيال رسول الله ﷺ على ملأ منها، وخفتت الأصوات التي كانت تدعو لحمايته، ولم يكن لديها الجرأة لمواجهة التيار العنيف ضده وضد أصحابه، كما أن قريشا منعث بالقوة هجرة من استطاعت منعهم عندما رأت تسرب المسلمين إلى يثرب، ولم تكتف بذلك، بل بعثث وراء بعض المهاجرين فاستعادتهم مثل عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وغيرهم. فمنطق الحرب لدى قريش يعطينا تصورا عن منطق الجاهلية في حربها ضد الإسلام والمسلمين. إنها لن تدع المسلمين يستقرون في الأرض، ولن تترك لهم أمانا في أي موقع، أو تدع لهم أن يحتلوا أي موقع. لأنها تعرف أن قوة الإسلام لا بد أن تكتسحهم.
والحركة الإسلامية بحاجة أن يستقر في ذهنها هذا المعنى، فلا تركن إلى الدعة إن ابتعدت عن موطن الصراع، أو تحسب أن المعركة قد انتهت مع الجاهلية إن أفلتت من أيديها. وواقع الحركة الإسلامية اليوم يؤكد هذا المعنى، فعندما تجمع الدعاة في قطر مجاور للطاغوت لم يتورع أن يتجاوز الحدود، ويغتال من يستطيع اغتيالهم أو يحاول ذلك، بل لجأ في بعض الظروف إلى حشد فرق كاملة على حدود هذا القطر ليحاربه، والعالم كله يحارب الأقطار التي تؤي شباب الحركة الإسلامية أو تهيء لهم التدريب والتحرك.
إنه لا خيار لنا في المعركة، وهذا ما أكدته قريش لابن أبي أولا ثم للمسلمين المهاجرين ثانيا. تطالب فيه قيادة المدينة أن تطرد المؤمنين منها، أو تقتلهم فيها، كما تؤكد أن الاستئصال التام هو الحل الوحيد لديها في مواجهة المسلمين.
стр. 209
وتؤكد هذه الصورة في عصرنا الحديث يوم أصرت السلطة الطاغية في بعض الأقطار على تسليم بعض قيادات الحركة الإسلامية لها مقابل حضورها مؤتمرا معقودا في الدولة المضيفة. إننا مع الجاهلية في معركة لا خيار فيها، وفي هذه المعركة لا نلتقي مع العدو في منتصف الطريق بل تحدد هدفها في اجتثاث جذور الدعاة واستئصالهم، وحين نفهم عدونا على ضوء هذا المعنى نتعامل معه على بصيرة منه ومن مخططاته.
السمة الخامسة
التجمع الوثني في المدينة
(... فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله ﷺ ..).
لاحظنا أن الميثاق لم يعط التجمع الوثني بصفته كتلة في المجتمع حق الوجود، إنما سمح بوجوده بصفته أفرادا لا يجبرون على دخول الإسلام. وكان على رأس هذا التجمع عبد الله بن أبي الذي أقسم الأيمان المغلظة لقريش في موسم الحج أن قومه لم يعاهدوا محمدا ولم يعاقدوه، ولا يمكن أن يتم هذا دون علمه وأمره، فعندما بلغه أن الخبر صحيح امتلأ قلبه حقدا على رسول الله ﷺ ، ومما زاد الحقد في قلبه اشتعالا هو أن الخزرج والأوس بعد أن هدأت بينهم الثارات اجتمعوا على أن يعقدوا الملك لعبد الله بن أبي وكانوا ينسجون له الخرز ليتوجوه. فأحس عبد الله بن أبي أن عدوه الأول والأكبر هو محمد رسول الله. وتذكر كتب السيرة موقفا له في هذه المرحلة قبل دخوله الإسلام يوم مر عليه رسول الله ﷺ مع ركب من قومه فنزل عن حماره وسلم عليه، (ثم جلس فتلا القرآن، ودعا إلى الله، وذكر بالله .. حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من مقالته قال: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به، ولا تأته في مجلسه بما يكره، فقال عبد الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى فاغشنا وائتنا في مجالسنا ودورنا، فهو والله مما نحب، ومما أكرمنا
стр. 210
الله به وهدانا له، فقال عبد الله بن أبي حين رأى من خلاف قومه ما قد رأى:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذل ويصرعك الذي لا يصارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه ... وإن جذ يوما ريشه فهو واقع (١)
وفي رواية أنه قال له (٢): أبعد عنا نتن حمارك.
فشخصية عبد الله بن أبي إذن هي المؤهلة للمواجهة والحرب في المدينة. أما اليهود فقد كانوا أذكى من ابن أبي وهم يرون الكثرة من أهل يثرب مع رسول الله ﷺ . وكان من تخطيطهم أن يتم إنهاء محمد رسول الله على يد هذا التجمع الوثني دون أن يفقدوا مالا أو نفسا.
ووجد ابن أبي الفرصة سانحة ليهيج العواطف ضد رسول الله ﷺ وصحبه من جماعته المتواطئين معه على وثنيته. ولا يتم له ذلك إلا بتجسيم الخطر المحيق بهم من جراء تهديدات قريش، وأكد لهم أن القضية قضية فناء أو بقاء، ولا قرار ولا استقرار لهم إلا بطرد المسلمين وقتالهم. ومن أجل ذلك أعادوا تنظيمهم، وشكلوا القوة المكافئة ومضوا لقتال رسول الله ﷺ والمسلمين.
وهذه هي العناصر الثلاثة التي حدت بهذا التجمع لحرب المسلمين:
١ - الحقد والضغينة على فوات المنصب والمركز لقيادة يثرب.
٢ - خلاف العقيدة والإصرار على الوثنية.
٣ - الدفع الخارجي والتهديد بالخطر من قريش، والتآمر الداخلي من اليهود.
وهذه العناصر موجودة في كل وقت، ويحتمل أن تواجه بها الحركة الإسلامية وتعد لهذا الموقف عدته.
وفي مثل هذه الظروف تكون الريح مع أعداء المسلمين، تماما كما يفعل اليوم الطواغيت حين يهددون الشعب الآمن بذبحه إن آوى المجاهدين، بل
стр. 211
يحرص على أن يبث عملاءه في الصفوف ليؤكدوا أن الحرب والدماء والخوف قد نشأ من وجود المجاهدين وعملياتهم ضد السلطة الباغية، وحرص عوام الناس على أمنهم ومصالحهم القريبة يدفعهم إلى الاستجابة لمثل هذه الدعايات، وأن يقفوا في صف السلطة الباغية ضد إخوتهم المجاهدين، وبهذا المنطق استطاع عبد الله بن أبي أن يجمع هؤلاء الناس ويحرضهم على حرب رسول الله ﷺ وأصحابه.
السمة السادسة
تفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية
(... فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا (١)). وكم نحن بحاجة إلى الوقوف أمام هذا المعنى، وهو المعنى الذي يمكن أن نسميه فقه سياسة النبوة. لقد كان لهذا الموقف صورة مشابهة نقلها لنا البخاري ﵀ حول الصورة السابقة من لقاء رسول الله ﷺ مع عبد الله بن أبي.
وفي الرواية (... وأردف أسامة بن زيد وراءه وفيه ... وذلك قبل وقعة بدر وقبل أن يسلم عبد الله، وفيه: فلما غشيت القوم عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغيروا علينا، وفيه: فاستب المسلمون والمشركرن واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخففهم حتى سكنوا. وفيه: قال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله ﷺ (٢).
стр. 212
لقد كانت المواجهة الأولى بين المسلمين والمشركين في المدينة في الحادثة المذكورة، ولو أن رسول الله ﷺ ترك الأمر لعواطف المسلمين، وهم ما ثاروا إلا غضبا لله ورسوله، لوقعت الحرب الضروس، وتزعزع إيمان بعض المؤمنين، وانضموا إلى معسكر عبد الله بن أبي، وأعيدت حرب بعاث من جديد.
وضاعت فيها معالم الحق وسط نتن العصبية وتزلزلت دولة الإسلام في مراحلها الأولى.
فلقد استل رسول الله ﷺ غضب المسلمين، ولو كان غضبهم لله ورسوله، وكان يهدىء العواطف الثائرة، دون أن ينحاز لأحد الطرفين، واستجاب المسلمون لأمر قائدهم واستبعدت المعركة.
أما الصورة الجديدة التي بين يدينا فهي في ظاهرها غير ممكنة التلافي. إذ قد عمد الوثنيون إلى سلاحهم لمواجهة المسلمين، وتبدو صعوبتها أكثر حين نتصور أن الأيدي الخفية التي تحركها من الخارج. واستطاعت الدعاية الخارجية أن تجعل الأمر في أذهان المشركين أمر مصير محتوم لا خيار فيه. فإما قتل محمد وأصحابه وطردهم، وإما احتلال المدينة واستباحتها من أهل مكة.
ونقف هنيهة لنرى كيف استل رسول الله ﷺ فتيل الانفجار من المشركين. وكيف أنه اعتمد ﵊ التركيز على الوتر الذي ركزت عليه قريش. فأعاد السحر على الساحر، واستعمل الأسلوب نفسه الذي استعملته قريش. لأن هذا هو المنطق الذي يمكن أن يفهم الوثنيون فيه، طالما أن الإسلام لا يجمع الفريقين.
إن الذي يتبادر لذهن الشباب المسلم في هذه العجالة هو الجهاد في سبيل الله، والابتداء مباشرة بحرب هؤلاء فهم العدو الداخلي، قبل الابتداء بقريش، وحتى لا يكون لدينا هوادة في دين الله، وحتى لا نخاف في الله لومة لائم. فلا بد من حرب هؤلاء الوثنيين، وكسر شوكتهم والقضاء على هذا الجيب الداخلي، إلى آخر هذا النغم الذي يعتبر التخلي عن المعركة جبنا وهوادة في دين الله ومداهنة على حساب العقيدة.
стр. 213
كم نتمنى أن يتروى الشباب المسلم هذا الموقف، ويتعلموا من سيد الخلق رسول الله ﷺ فن التعامل مع العدو، وتحديد المعركة، وطبيعة مصلحة الجماعة في المعركة. وأن يتركوا لقيادتهم حرية الحركة في هذه الأمور، وهي التي تضطلع بعبء المواجهة، وتعرف من تصالح، ومن تحارب، ومن تهادن، ومن تحالف، ومتى تقاتل، ومتى تسالم لأنها هي مناط الحركة والمسؤولية.
لقد استعمل رسول الله ﷺ الأسلوب الوطني، الأسلوب العشائري في فضحه هذا التجمع، وإنهاء المعركة دون قتال، وتفتيت التجمع دون دماء بكلمات بسيطة معبرة، عميقة، خالدة على مدى الزمن، وممن؟. من رسول البشرية، ومن نبي الإسلام: قال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ...
ولقد حرك بهذه الفقرة جانبا نفسيا عندهم يأبونه، وهو الخوف من قريش، ومهما كان العربي فحين تستفز كوامن قوته، وكوامن بطولته يأبى أن يعير بالجبن، أو الخوف، أو الخور.
(... ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون إن تكيدوا به أنفسكم ...). وبعد الضرب على الوتر الحساس الأول، وتر البطولة والشجاعة. عاد رسول الله ﷺ ليحرك وترا نفسيا آخر. هو الترهيب من تآمر العدو الخارجي على أهل المدينة أصحاب المصير المشترك الواحد. فليس هذا الموقف جبنا فقط، ولكنه غفلة وسذاجة وجهالة، ولا يرضى العربي مهما كان أن يتهم بهذا الاتهام، أن يتهم بأنه لا يدرك كيد عدوه، ولا يعرف مخططاته، ولا يفقه ألاعيبه. فلقد هيج هذا المعنى في أنفسهم شعورا جديدا من النفرة لاستجابة دعوة قريش البعيدة المعادية. ولو أن رسول الله ﷺ راح يدعوهم لإلقاء السلاح باسم الإسلام لأحس الوثنيون اليثربيون أنهم أقرب إلى قريش من رسول الله ﷺ ولتهيج في نفسهم شعور الاعتزاز بالوثنية ضد هذا الدين الجديد، ولهم مع قريش قاسم مشترك، إذ عندها البيت الحرام ومقام إبراهيم والحج لبيت الله. فلا غرو أن يتساقطوا جميعا صرعى ضد محمد ودينه ومع قريش.
стр. 214
إن عظمة القيادة النبوية وهي تركز على هذه المعاني لتقذف بالكيد في صدر أصحابه وتجعل الإحباط سمة لهذا الكيد. (... تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم ..). ياشباب الدعوة هذا قول رسول الله ﷺ ، وليس قول متهم في دينه يريد أن يبرر مسالمته لعدو كافر.
إن رسول الله ﷺ يخاطب هؤلاء الوثنيين بالأسلوب الذي يفهمونه ويركز على أخوة النسب، وهو الذي جاء إلى البشرية جميعها بأخوة العقيدة، ويركز على رابطة الماء والطين، وهو الذي جاء رحمة للعاملين، ويركز على شعور القوم والأهل والوطن بين من؟! بين المسلمين والمشركين. لماذا؟ ليحبط كيدا أكبر من عدو أعظم، ليضيق هوة المعركة، ليخذل بين الأعداء جميعهم، فيجعلهم حلفاءه ضد عدو مشترك واحد.
لقد ذكر رسول الله ﷺ الوثنيين الذين حملوا السلاح ضد المسلمين أن المسلمين أبناؤهم وإخوانهم. ولا ضير في ذلك إن كان فيه تأجيل لمعركة ضارية داخلية بينما تقتضي المصلحة في وقت متقدم التركيز على البراءة من عاطفة الأخوة والقرابة والأبوة وذلك في معركة بدر.
وباء تخطيط قريش بالخذلان والخسران، وحيث توقعوا أن ينتهي رسول الله ﷺ على يدي المشركين في المدينة. إذ بهم يلقون السلاح جميعا، وينقلبون نادمين على حمله في وجه إخوانهم وأبنائهم.
ونود لشباب الدعوة الإسلامية أن يدركوا هذا المعنى النبوي ويفقهوه. حين يرون قيادة الدعوة في مرحلة من المراحل تبحث عن قاسم مشترك بينها وبين بعض أعدائها لتجعلهم يقفون في صفها ضد عدو أخطر وأكبر. وحين يرون قيادتهم تقبل الحديث عن عاطفة الوطن وعاطفة الأمة، أو يتحدثون عن الضعفاء من الفئات المظلومة. بحيث يمثل القاسم المشترك نقاط لقاء مرحلي مع هذا العدو ضد عدو آخر.
стр. 215
السمة السابعة
محاولة تفتيت الصف الإسلامي
وحين فشلت محاولات تفتيت الصف المدني - على وهن هذا الصف - امتدت المحاولات لتفتيت الصف الإسلامي المدني كما روى ابن إسحاق: (... ومر شاس بن قيس وكان شيخا قد عتا، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه. فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: فقد اجتمع ملأ بني قيلة في هذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار. فأمر فتى شابا من يهود كان معه فقال: أعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا به من الأشعار، وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج فكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ مضير بن سماك أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي فقتلا جميعا.
(قلت: وفي الصحيح عن عائشة قالت: وكان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله ﷺ المدينة وقد افترق ملأهم وقتلت سراتهم في دخولهم في الإسلام). قال ابن إسحاق: ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب - أوس بن قيظي .. وجابر بن صخر .. فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها جذعة. فغضب الفريفان جميعا وقالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة، والظاهرة الحرة السلاح السلاح. فخرجوا إليها. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع عنكم الجاهلية، واستنقذكم بها من