يحرص على أن يبث عملاءه في الصفوف ليؤكدوا أن الحرب والدماء والخوف قد نشأ من وجود المجاهدين وعملياتهم ضد السلطة الباغية، وحرص عوام الناس على أمنهم ومصالحهم القريبة يدفعهم إلى الاستجابة لمثل هذه الدعايات، وأن يقفوا في صف السلطة الباغية ضد إخوتهم المجاهدين، وبهذا المنطق استطاع عبد الله بن أبي أن يجمع هؤلاء الناس ويحرضهم على حرب رسول الله ﷺ وأصحابه.
السمة السادسة
تفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية
(... فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا (١)). وكم نحن بحاجة إلى الوقوف أمام هذا المعنى، وهو المعنى الذي يمكن أن نسميه فقه سياسة النبوة. لقد كان لهذا الموقف صورة مشابهة نقلها لنا البخاري ﵀ حول الصورة السابقة من لقاء رسول الله ﷺ مع عبد الله بن أبي.
وفي الرواية (... وأردف أسامة بن زيد وراءه وفيه ... وذلك قبل وقعة بدر وقبل أن يسلم عبد الله، وفيه: فلما غشيت القوم عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغيروا علينا، وفيه: فاستب المسلمون والمشركرن واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخففهم حتى سكنوا. وفيه: قال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله ﷺ (٢).
стр. 212
لقد كانت المواجهة الأولى بين المسلمين والمشركين في المدينة في الحادثة المذكورة، ولو أن رسول الله ﷺ ترك الأمر لعواطف المسلمين، وهم ما ثاروا إلا غضبا لله ورسوله، لوقعت الحرب الضروس، وتزعزع إيمان بعض المؤمنين، وانضموا إلى معسكر عبد الله بن أبي، وأعيدت حرب بعاث من جديد.
وضاعت فيها معالم الحق وسط نتن العصبية وتزلزلت دولة الإسلام في مراحلها الأولى.
فلقد استل رسول الله ﷺ غضب المسلمين، ولو كان غضبهم لله ورسوله، وكان يهدىء العواطف الثائرة، دون أن ينحاز لأحد الطرفين، واستجاب المسلمون لأمر قائدهم واستبعدت المعركة.
أما الصورة الجديدة التي بين يدينا فهي في ظاهرها غير ممكنة التلافي. إذ قد عمد الوثنيون إلى سلاحهم لمواجهة المسلمين، وتبدو صعوبتها أكثر حين نتصور أن الأيدي الخفية التي تحركها من الخارج. واستطاعت الدعاية الخارجية أن تجعل الأمر في أذهان المشركين أمر مصير محتوم لا خيار فيه. فإما قتل محمد وأصحابه وطردهم، وإما احتلال المدينة واستباحتها من أهل مكة.
ونقف هنيهة لنرى كيف استل رسول الله ﷺ فتيل الانفجار من المشركين. وكيف أنه اعتمد ﵊ التركيز على الوتر الذي ركزت عليه قريش. فأعاد السحر على الساحر، واستعمل الأسلوب نفسه الذي استعملته قريش. لأن هذا هو المنطق الذي يمكن أن يفهم الوثنيون فيه، طالما أن الإسلام لا يجمع الفريقين.
إن الذي يتبادر لذهن الشباب المسلم في هذه العجالة هو الجهاد في سبيل الله، والابتداء مباشرة بحرب هؤلاء فهم العدو الداخلي، قبل الابتداء بقريش، وحتى لا يكون لدينا هوادة في دين الله، وحتى لا نخاف في الله لومة لائم. فلا بد من حرب هؤلاء الوثنيين، وكسر شوكتهم والقضاء على هذا الجيب الداخلي، إلى آخر هذا النغم الذي يعتبر التخلي عن المعركة جبنا وهوادة في دين الله ومداهنة على حساب العقيدة.
стр. 213
كم نتمنى أن يتروى الشباب المسلم هذا الموقف، ويتعلموا من سيد الخلق رسول الله ﷺ فن التعامل مع العدو، وتحديد المعركة، وطبيعة مصلحة الجماعة في المعركة. وأن يتركوا لقيادتهم حرية الحركة في هذه الأمور، وهي التي تضطلع بعبء المواجهة، وتعرف من تصالح، ومن تحارب، ومن تهادن، ومن تحالف، ومتى تقاتل، ومتى تسالم لأنها هي مناط الحركة والمسؤولية.
لقد استعمل رسول الله ﷺ الأسلوب الوطني، الأسلوب العشائري في فضحه هذا التجمع، وإنهاء المعركة دون قتال، وتفتيت التجمع دون دماء بكلمات بسيطة معبرة، عميقة، خالدة على مدى الزمن، وممن؟. من رسول البشرية، ومن نبي الإسلام: قال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ...
ولقد حرك بهذه الفقرة جانبا نفسيا عندهم يأبونه، وهو الخوف من قريش، ومهما كان العربي فحين تستفز كوامن قوته، وكوامن بطولته يأبى أن يعير بالجبن، أو الخوف، أو الخور.
(... ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون إن تكيدوا به أنفسكم ...). وبعد الضرب على الوتر الحساس الأول، وتر البطولة والشجاعة. عاد رسول الله ﷺ ليحرك وترا نفسيا آخر. هو الترهيب من تآمر العدو الخارجي على أهل المدينة أصحاب المصير المشترك الواحد. فليس هذا الموقف جبنا فقط، ولكنه غفلة وسذاجة وجهالة، ولا يرضى العربي مهما كان أن يتهم بهذا الاتهام، أن يتهم بأنه لا يدرك كيد عدوه، ولا يعرف مخططاته، ولا يفقه ألاعيبه. فلقد هيج هذا المعنى في أنفسهم شعورا جديدا من النفرة لاستجابة دعوة قريش البعيدة المعادية. ولو أن رسول الله ﷺ راح يدعوهم لإلقاء السلاح باسم الإسلام لأحس الوثنيون اليثربيون أنهم أقرب إلى قريش من رسول الله ﷺ ولتهيج في نفسهم شعور الاعتزاز بالوثنية ضد هذا الدين الجديد، ولهم مع قريش قاسم مشترك، إذ عندها البيت الحرام ومقام إبراهيم والحج لبيت الله. فلا غرو أن يتساقطوا جميعا صرعى ضد محمد ودينه ومع قريش.
стр. 214
إن عظمة القيادة النبوية وهي تركز على هذه المعاني لتقذف بالكيد في صدر أصحابه وتجعل الإحباط سمة لهذا الكيد. (... تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم ..). ياشباب الدعوة هذا قول رسول الله ﷺ ، وليس قول متهم في دينه يريد أن يبرر مسالمته لعدو كافر.
إن رسول الله ﷺ يخاطب هؤلاء الوثنيين بالأسلوب الذي يفهمونه ويركز على أخوة النسب، وهو الذي جاء إلى البشرية جميعها بأخوة العقيدة، ويركز على رابطة الماء والطين، وهو الذي جاء رحمة للعاملين، ويركز على شعور القوم والأهل والوطن بين من؟! بين المسلمين والمشركين. لماذا؟ ليحبط كيدا أكبر من عدو أعظم، ليضيق هوة المعركة، ليخذل بين الأعداء جميعهم، فيجعلهم حلفاءه ضد عدو مشترك واحد.
لقد ذكر رسول الله ﷺ الوثنيين الذين حملوا السلاح ضد المسلمين أن المسلمين أبناؤهم وإخوانهم. ولا ضير في ذلك إن كان فيه تأجيل لمعركة ضارية داخلية بينما تقتضي المصلحة في وقت متقدم التركيز على البراءة من عاطفة الأخوة والقرابة والأبوة وذلك في معركة بدر.
وباء تخطيط قريش بالخذلان والخسران، وحيث توقعوا أن ينتهي رسول الله ﷺ على يدي المشركين في المدينة. إذ بهم يلقون السلاح جميعا، وينقلبون نادمين على حمله في وجه إخوانهم وأبنائهم.
ونود لشباب الدعوة الإسلامية أن يدركوا هذا المعنى النبوي ويفقهوه. حين يرون قيادة الدعوة في مرحلة من المراحل تبحث عن قاسم مشترك بينها وبين بعض أعدائها لتجعلهم يقفون في صفها ضد عدو أخطر وأكبر. وحين يرون قيادتهم تقبل الحديث عن عاطفة الوطن وعاطفة الأمة، أو يتحدثون عن الضعفاء من الفئات المظلومة. بحيث يمثل القاسم المشترك نقاط لقاء مرحلي مع هذا العدو ضد عدو آخر.
стр. 215
السمة السابعة
محاولة تفتيت الصف الإسلامي
وحين فشلت محاولات تفتيت الصف المدني - على وهن هذا الصف - امتدت المحاولات لتفتيت الصف الإسلامي المدني كما روى ابن إسحاق: (... ومر شاس بن قيس وكان شيخا قد عتا، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه. فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: فقد اجتمع ملأ بني قيلة في هذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار. فأمر فتى شابا من يهود كان معه فقال: أعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا به من الأشعار، وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج فكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ مضير بن سماك أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي فقتلا جميعا.
(قلت: وفي الصحيح عن عائشة قالت: وكان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله ﷺ المدينة وقد افترق ملأهم وقتلت سراتهم في دخولهم في الإسلام). قال ابن إسحاق: ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب - أوس بن قيظي .. وجابر بن صخر .. فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها جذعة. فغضب الفريفان جميعا وقالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة، والظاهرة الحرة السلاح السلاح. فخرجوا إليها. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع عنكم الجاهلية، واستنقذكم بها من
стр. 216
الكفر وألف بين قلوبكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، وقد أطفا الله عنهم كيد عدو الله.
فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا (١)﴾ الآية وأنزل الله تعالى في أوس بن قيظي وجابر بن صخر ومن كان معهما من قومهما ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب (٢)﴾ الآيات إلى قوله ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (٣)﴾. لئن كان موقد نار الفتنة في الحالة الأولى هم المشركون، فموقدها الآن اليهود، ولئن كانت من قبل على خطرها بين المسلمين والمشركين. فهي الآن أشد خطرا وأفدح خسارة هي بين المؤمنين أنفسهم ومن أجل ذلك فقد اختلفت المعالجة بين الحالتين:
الحالة الأولى: تذكير المشركين بالقرابة والنسب، والأبوة والنبوة. (لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا).
الحالة الثانية: تذكير المسلمين برابطة العقيدة، لأنها أقوى محرك للمسلم وتخويفه من الجاهلية: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظكركم بعد أن هداكم الله للإسلام واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم) .. فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا فلا غرابة أن تكون هذه المعالجة ضمن هذا المفهوم، وتلك المعالجة ضمن ذلك المفهوم، والرسول الله ﷺ هو صاحب المعالجة في المرتين، فأعطى لكل حالة ما يناسبها دون أن يكون هناك تناقض بين الحالتين.
стр. 217
ويذكرنا هذا الأمر بحرص العدو - وهو يعرف بعض الثغرات في الصف الإسلامي - على تفتيت الصف من خلال هذه المعرفة. فإثارة الأحقاد والضغائن، والخلافات السابقة هي محور تحرك العدو.
ومما يوضح هذا الطريق اليوم ما لجأت إليه سلطات الطغيان في بلد إسلامي حين أبرزت أحد الإخوة السجناء على تلفازها الرسمي، وفرضت عليه أن يتكلم حول الخلافات القائمة بين قادة الحركة الإسلامية، وأبرزت هذه الخلافات على أنها هي المحرك الوحيد للحركة. وسرعان ما تلقف الشباب هذا الأمر، وراحوا يتناقلونه بين صفوفهم على أنه الحق الوحيد. إن الأصل الذي يجب أن نفيء إليه جميعا هو الشك في العدو، واتهامه، لا تصديقه وتكذيب الإخوة المسؤولين، ونداء الله تعالى لنا واضح في هذا الأمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (١)﴾. وإذا كان صحابة رسول الله ﷺ - ورسول الله بين - ظهرانيهم - قد تأثروا بنزعات الخلاف السابقة وهي حقيقية، وأمكن أن يستجروا إلى حمل السلاح ضد بعضهم بعضا وهم الجيل الخالد، خير قرون الأرض، فلا عجب أن يستجر المسلمون اليوم وهم في الصف الإسلامي - إلى بعض الخلافات الجانبية، وينزغ الشيطان بينهم، ويسعى جاهدا ليفرق كلمتهم. لكن الأصل هو العودة إلى الكلمة الواحدة، والصف المتراص الواحد. لا أن نعتبر صورة العدو عن الحركة الإسلامية هي الأصل ..
إننا نقع في خيانة يوم نصدق ما يشيعه عدونا عنا - حقا أو باطلا - وننطلق منه في الحكم. لقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (٢)). والأولى والأجمل بشباب الحركة أن يسعوا مع إخواخهم على إطفاء نار الفتنة لا على إيقادها، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.
стр. 218
السمة الثامنة
العدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته
(ثم إن سعد بن معاذ انطلق إلى مكة معتمرا فنزل على أمية بن خلف بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من لقف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة (١)).
لقد كانت المحاولة الأولى مع سعد بن عبادة حيث اعتقل في مكة، وأنقذه صاحباه جبير بن مطعم والحارث بن حرب. وذلك عقب بيعة العقبة، أما وقد هدأ الأمر، وبيت الله لا يصد عنه أحد إذا جاء معظما له، فكانت المحاولة هذه من زعيم الأوس سعد بن معاذ، ونزل على صاحبه في مكة أمية بن خلف. وبذلك خطت قريش خطا جديدا لأول مرة في تاريخ جيران الحرم وسدنته، أن تصد عن بيت الله المسلمين أو تعتقلهم، فلقد اعتبرت نفسها في حالة حرب معهم. وهذا يعني أن المسلمين قد حيل بينهم وبين البيت الحرام فترة طويلة إلى أن يأذن الله تعالى بالفرج من عنده ويصبح عندهم شوكة قاهرة ترغم قريش على السماح لهم بتأدية نسكهم فيه. والإشارة التي نفقهها من هذا الموقف هي أن الممارسة العملية لأعداء الله في حربهم للإسلام والمسلمين تجعلهم يتناقضون مع أبسط المبادىء والأعراف التي يقوم عليها تفكيرهم ووجودهم. فالأصل في جيران بيت الله الحرام أن يؤدوا الخدمة للحجيج، وبهذا الأمر كانوا يتنافسون، وأعرق مفاخرهم ما يؤدونه
стр. 219
للحجيج من سقاية ورفادة. بل كانت تقوم المذابح والحروب للمحافظة على هذه المكارم، ومع هذا فلا يجدون حرجا من تهديد معتمر من المدينة بالاعتقال أو القتل.
وكان موقف سعد ﵁ من القوة والنباهة، ما أشار به إلى طاغوت مكة من أن شريان حياتهم بين المسلمين، وتجارتهم عن طريق المدينة إلى الشام، فلن يسكت المسلمون عليهم أو يدعوهم يمروا، لقد كان موقف القوة الأول من سعد زعيم الأوس وهو لين ظهراني قريش وأمام طاغوتها إيذانا بتوتر كبير، وإعلانا بمرحلة جديدة. وردا على تهديدات مكة للأنصار أن يتراجعوا عن إيوائهم لمحمد ﷺ .
لقد كان هذا أول احتكاك مباشر بين الفريقين في هذه المرحلة، وكان صورة من صور العزم والمواجهة على استمرار أهل المدينة على موقفهم في نصرة محمد رسول الله ﷺ . وهذه الفكرة بالذات دعوة لشباب الإسلام أن يقولوا كلمة الحق بقوة حين لا يكون أمامهم مندوحة عن ذكرها، ويكون ذكرها حربا نفسية توهن قلوب الأعداء.
السمة التاسعة
الخطر على القيادة
روى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (سهر رسول الله ﷺ مقدمة المدينة ليلة فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ . فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام (١)).
стр. 220
وروى الترمذي في صحيحه عن عائشة قولها: (كان رسول الله ﷺ يحرس ليلا حتى نزل: ﴿والله ﷺ -عصمك من الناس﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله (١)).
لقد كان رسول الله ﷺ يدرك أبعاد المعركة ويدرك خطورة الموقف فلا يبيت إلا ساهرا، وكان يعلم أنه الهدف الأول من العدو. فكان على يقظة وانتباه وحذر شديد. وخاصة في الليل حيث يختلط الظلام ويتسلل القتال لتنفيذ بغيتهم التي فاتتهم في مكة، بل أعلن عن رغبته في الحراسة، وكان هذا الشعور كامنا في نفوس الجنود كذلك، فسعد يده على سلاحه بدون أمر من رسول الله ﷺ لعلمه بخطورة الموقف وصار هذا أمرا مقررا عند المسلمين إلى أن نزل التطمين الرباني، ﴿والله ﷺ -عصمك من الناس﴾، فقال: (انصرفوا فقد عصمني الله .
وهذا الأمر ولا شك خصوصية من خصوصيات النبي ﷺ . فما دونه من خلق الله كافة، لا بد من حراسة ولا بد أن يكونوا على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارىء. وهم في مستوى القيادة خاصة حين يكون العدو بين الصفوف. فاليهود والمشركون يمكن أن يكون أحدهم مطية لنفسه أو لغيره في تنفيذ عمليات الاغتيال، والحركة الإسلامية التي فقدت كثيرا من قياداتها وقادتها عن طريق الاغتيال حري بها، اقتداء بسنة النبي ﷺ أن تتخذ من حراسة قادتها ما يجعلهم بمنجى من يد العدو. والعصمة لرسول الله ﷺ وحده. ويجب أن لا ننسى أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين، من قادة أهل الأرض قد ذهبوا غيلة، وهم قمم العدل والتقوى في هذا الوجود، عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃ جميعا. فإن يعتمد القادة في الحركة الإسلامية على عدلهم وصلاحهم وتقواهم هو أدعى للحراسة. لأن العدو لا يطيق وجودهم. بل قد يتحرك الصف الإسلامي ضدهم فيقتلون بيدي أبناء الصف، وما قتل علي وعثمان ﵂ بسر.
стр. 221
السمة العاشرة
حالة الحرب، وتجمع القوى كلها ضد المسلمين
(ولم يكن الخطر مقتصرا على رسول الله ﷺ بل على المسلمين كافة، فقد روى أبي بن كعب، قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه (١)). وهذه الظاهرة مهمة جدا أن يستوعبها شباب الحركة الإسلامية خاصة الذين يحملون السلاح الآن ضد العدو لإسقاط أنظمة الكفر. فالشيء الذي يسيطر على نفوس الشباب هو ساعة المعركة والحسم مع العدو، وإسقاط النظام الكافر لإقامة دولة الإسلام على أنقاضه، لكنهم يحسبون أن الأمر منته بهذه المعركة. وبعد ذلك تدين قوى الأرض كلها وتخاف دولة الإسلام.
إن الأمر أبعد من ذلك بكثير، وإن الحسم مع العدو لإقامة دولة الإسلام هو الخطوة الأولى على الطريق، وهو المعركة الأولى في تاريخ المعارك. هو نقطة البدء، ورسول الله ﷺ قد كانت معاركه كلها، غزواته وسراياه بعد إقامة دولة الإسلام، ولا يظهر تواطؤ أهل الأرض من الكفار والمشركين إلا بعد قيام دولة الإسلام. وإذا كانت الحركة الإسلامية بحاجة إلى أن تجند بعض طاقاتها قبل قيام دولة الإسلام فهي بحاجة أشد إلى أن تجند كل طاقاتها وطاقات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لحماية دولة الإسلام.
وعندما قامت دولة الإسلام الأولى في الأرض بقيادة الرسول ﷺ كان كل مسلم قد بلغ الخامسة عشرة من عمره جنديا في المعركة، وذلك بعد أن فرض الجهاد على المسلمين، ولكن روعة هذه العقيدة وعظمة هذا الدين هي أن هذه الجندية كانت جندية اختيارية يتسابق فيها المسلمون إلى المعركة. وإذا استثنينا المنافقين فلقد كانت كل طاقات المسلمين وشبابهم للمعركة.
стр. 222
لقد كان المسلمون في أيامهم الأولى، الأيام العصيبة التي تحمل نذر الهجوم على المدينة في كل لحظة، ينامون بالسلاح ويبيتون فيه، ولقد وعدوا رسول الله ﷺ أن يحموه مما يحمون منه أزرهم وأولادهم. وصدقوا ما عاهدوا الله عليه. والقيادة المسلمة لا بد أن تعد للأمر حسابه، فلا توهم شبابها أن نجاح المعركة الأولى من الحسم مع العدو، يعني انتهاء الجولة مع العدو، إنما يعني انتهاء جولة وشد الهمة لابتداء الجولة الثانية، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وعليها أن تعد الأهبة لمواجهة العدو والاستمرار فيها بما تحتاجه هذه المواجهة من سلاح ورجال ومال وعتاد.
السمة الحادية عشرة
إعلان الحرب على العدو
كما هو معروف في فن الحرب أن الهجوم أقوى وسائل الدفاع. وقريش مصممة على خوض المعركة مع الرسول ﷺ فلتكن المبادرة منه. ومن أجل هذا كانت السنة الأولى كلها سنة هجوم على قوافل قريش. فلقد جهز رسول الله ﷺ ثماني سرايا وكانت كلها لاعتراض عير قريش ما عدا واحدة كانت ردا على هجوم قام به كرز بن جابر الفهري. واستمرت هذه السرايا من رمضان - السنة الأولى للهجرة إلى رمضان في السنة الثانية من الهجرة. وكان قادة هذه السرايا جميعها من المهاجرين، وكان لهذا معنى خاص في هذه الحرب. فأصل العهد مع الأنصار هو حماية رسول الله ﷺ وصحبه في المدينة. وهذه السرايا تعرض للقوافل خارج المدينة. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فلا بد من تدريب شباب الدعوة على الحرب، بعد أن أمروا بكف أيديهم خلال ثلاثة عشر عاما من العهد المكي.
ومن جهة ثالثة، فلا بد أن تعرف قريش أن هؤلاء المهاجرين الفارين من اضطهادها في مكة ليسوا موطن ضعف وهوان، بل هم قوة مرهوبة ذات شوكة عليها أن تحسب ألف حساب لها قبل أن تفكر في مواجهتهم.
стр. 223
ومن جهة رابعة، فعلى قريش أن تذوق وبال أمرها لموقفها المشين من الدعوة، وأن تتجرع مرارة هذا الموقف، فتعلم أن مصالحها وتجارتها صارت مهب الريح بعد أن سيطر المسلمون على شريان حياتها من خلال قوافلها إلى الشام، حيث أصبحت رحلة الصيف عندها وخيمة العواقب.
والحركة الإسلامية اليوم التي تمضي جادة في طريقها لإقامة دولة الإسلام، لا بد لها في حربها ضد الطاغوت الكافر من أن تقض مضجعه، وتزعزع نظامه، وتزلزل الأرض من تحته، وتسعى جاهدة لاجتثاث جذوره. فيكون ككلمة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ولن يتأتى هذا لها ما لم تكن لها أرض آمنة تنطلق منها، وتبث سراياها إليه فتوجعه في موطن القوة عنده.
وهي مضطرة أحيانا للتفاهم مع بعض الأنظمة للهدنة معها والاستفادة منهما كمركز انطلاق للمواجهة، وشباب الدعوة المجاهدون في هذه المرحلة هم الصفوة المختارة للمواجهة، وهم الوقود الأول للمعركة.
وإن الحركة الإسلامية لتفخر بقوافل الشهداء، التي مضت قافلة إثر قافلة وسرية عقب سرية تضرب في قلب العدو، وتفخر بعظمة البطولات والتضحيات التي تحتسبها عند الله ، وحين تذكر هذا الواقع، إنما تذكره إيذانا بإرغام أنف العدو وتبكيته، ودعوة إلى الشباب أن ينضووا تحت اللواء لمتابعة المسيرة المباركة في الحرب العوان مع العدو.
السمة الثانية عشرة
التميز الإسلامي قبيل المواجهة
إضافة إلى ميثاق التحالف - الذي حدد إسلامية الدولة، وأوضح أن المسلمين أمة من دون الناس، فلقد مر التميز الإسلامي في مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة المجاملة لأهل الكتاب، وكان الهدف الأكبر من هذه المجاملة هو تأليف قلوبهم ودعوتهم إلى الإسلام وهم أهل الكتاب الأول
стр. 224
وكانوا يستفتحون برسول الله ﷺ على أهل المدينة من الأوس والخزرج. فكان يحرص ﵊ على موافقتهم ومجاملتهم في كثير من الأمور مما لا يمس أمور العقيدة. وخاصة في قضية العادات الاجتماعية حتى في تسريح شعره، وكان يحرص على موافقتهم في أمور القيادات. كما نعلم حين أمر المسلمين بالصيام في عاشوراء قائلا للمسلمين: (نحن أحق وأولى بموسى منكم (١).
المرحلة الثانية: وذلك حين أعلن اليهود حربهم العنيفة المشبوبة على المسلمين. فأصبح يحرص على مخالفتهم في كل شيء ليكون للمسلمين تميزهم الكامل عنهم في العادات واللباس والعبادات كي ينهي هذه القدسية التي كانت لهم في نفوس المسلمين حين انحرفوا عن الحق، وكفروا به: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (٢)﴾.
وقد وضح هذا التميز الإسلامي في أكثر من جانب، وكانت هذه النقاط قد تم معظمها قبيل غزوة بدر، وكان ذلك كله بأمر من الله تعالى، واستجابة لرغبة نبيه الكريم في هذه المفاصلة. نذكر من هذه الأمور ما يلي كما أوردها المقريزي في إمتاع الأسماع: (وفي شعبان على رأس ستة عشر شهرا، وقيل على رأس سبعة عشر شهرا حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فكان أول شيء نسخ من الشريعة القبلة ... ويقال حولت القبلة يوم الإثنين النصف من رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين وكان رسول الله ﷺ في مسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه من صلاة الظهر ركعتين، فتحول في صلاته واستقبل الميزاب من الكعبة، وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمي المسجد (مسجد القبلتين) ويقال صرفت في الظهر من يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين في منزل البراء بن معرور، وقيل صرفت في صلاة الصبح (٣)).
стр. 225
فكل الروايات لا تعدو بين رجب وشعبان من السنة الثانية على رأس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان لحدث تغيير القبلة دوي كبير في المجتمع الإسلامي والمجتمع اليهودي على السواء. أنهى كل نقاط الالتقاء في الفريقين، ولنعرف أثر هذا الموقف يكفي أن نعلم أن الله تعالى أنزل قرآنا يتلى في هذا الأمر، حوالي عشر آيات. (وكان في ذلك حكمة عظيمة ومحنة للناس مسلمهم وكافرهم. فأما المسلمون فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا - وهم الذين هدى الله، ولم تكن بكبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وأما المنافقون فقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل.
وكان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا قبلة اليهود، وكان يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة، وقال لجبريل ذلك فقال: إنما أنا عبد. فادع ربك واسأله، فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل الله عليه ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ الآياث البقرة ١٤٤ (١).لقد تمت المفاصلة بين المسلمين واليهود، وأصبح للمسلمين قبلتهم الخاصة بهم نحو المسجد الحرام، ووجه هذا قلوب اليهود بالحقد والكيد ورد عليهم القرآن بقوله: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢)﴾. وكان هذا الأمر استجابة لرغبة نفسية عميقة في قلب النبي ﷺ ، يوضح هذا المعنى قول الله جل شأنه. ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها (٣)﴾.
وكان هذا إيذانا كذلك باحتدام المعركة مع قريش. فالمسجد الحرام قبلة المسلمين، وهو تحت سيطرة قريش، والوثنية ضاربة أطنابها فيه، ولا بد من تحريره. وهكذا اتجهت أنظار المسلمين ثانية إليه، وبنظرة جدبدة. تحمل
стр. 226
كل معاني الإصرار على العودة إليه، وتخليصه من براثن الوثنية. ولم ينته الأمر في شعبان شهر التميز عند هذا الحد، فلقد جاء إضافة إلى التميز في قبلة الصلاة، التميز في الصيام.
لقد كان يوم عاشوراء هو يوم صوم المسلمين، ولعلهم صاموه عاما على الأقل. وكان فريضة عليهم، وإذا بالآيات تترى لتؤكد تميز المسلمين في صومهم كذلك، وإن كان الأصل في الصيام واحدا عند المؤمنين في الأرض: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (١)﴾.
وإن كانت هاتان الآيتان لا تتحدثان عن الاستقلال والتميز في شهر الصيام، فالآية التالية تؤكد هذا المعنى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه .. (٢)﴾.
فلقد أصبح رمضان منذ ذلك الوقت شهر الصيام الإسلامي، وإن كان أصل الصيام قائما بين المؤمنين. كما وأن أصل الصلاة قائم ومشترك بين المؤمنين. لكن تميز القبلة يعني انفصالا في الشعائر وتحديدا للهوية الإسلامية: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾.
لقد انتهى عهد المجاملة والمسايرة على أمل الدخول في هذا الدين، وأعلنوا حربهم على الله تعالى وعلى رسوله وكفروا به وبالكتاب الذي أنزل مصدقا لما معهم. فلا مجال بعد الآن للمسايرة معهم ﴿... ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (٣)﴾.
стр. 227
وكما كان التميز في قبلة الصلاة، وكان التميز في شهر الصيام، فلقد كان التميز كذلك في فريضة الزكاة، فقد كانت الزكاة والصدقات عامة لدى المؤمنين في الأرض. لكنها تتخذ الآن لدى المسلمين تحديدا آخر. فلقد حددت زكاة الفطر بنصاب معين، كما نزلت أنصبة الزكاة بشكل محدد وواضح لا لبس فيه.
وهكذا نرى التميز في الصلاة والزكاة والصيام، وكان هذا إيذانا بتحديد أن المسلمين أمة من دون الناس، وأن اليهود قد كفروا بالحق الذي جاء من عند الله، وكانت هذه الأمور الحاسمة الخطيرة في شهر شعبان، إيذانا كذلك، بالتميز الإيجابي، وإرهاصا لغزوة بدر الكبرى التي سماها الله تعالى فرقانا. كما سمى كتابه الفرقان. وهذه الأحكام الشرعية التي نزلت قبيل بدر، وكانت بمثابة تمهيد لها تعطينا دروسا هامة تستفيد منها الحركة الإسلامية.
إن الحركة الإسلامية يوم تقوم على مواجهة مع العدو لا بد أن يسبق ذلك تمهيد وإجراءات. تؤكد هذا التميز وهذه المفاصلة، وتربي شباب الدعوة على هذا الوضوح وهذا الاستقلال عن الآخرين.
لقد رأينا الحركة الإسلامية قبيل إعلانها الحرب على الطاغوت الكافر. قد انتشر في صفوفها الأناشيد الإسلامية التي ملأت كل بيت مسلم، وأصبحت عوضا عن الإذاعة والتلفاز. وأصبحت في لحنها الإسلامي تربي هذا الجيل على التميز وتذكره بالجهاد وتدعوه إلى العمل لدولة الإسلام في الأرض، وأصبح الدعاة إلى الله في تلقفهم لهذا الأدب الإسلامي الجهادي، وفي تداولهم لتسجيلاته، يمثلون هذا التميز وهذه الأصالة التي تجعلهم يختلفون عن عامة الناس الذين يعيشون بقيم الجاهلية وأفكارها في الإذاعة والصحف والمجلات. لقد أخذ الأدب الإسلامي طريقه إلى قلوب الدعاة، فأشعل فيهم لهيب المعركة، وحدد لهم مواصفاتها وكان هذا إيذانا لإعلان المواجهة مع الطغاة.
стр. 228
السمة الثالثة عشرة
المواجهة الحاسمة في بدر، والفرقان فيها
يحدثنا الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى عن الفرقان ببدر فيقول: (ثم نقف كذلك أمام وصف الله - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان ﴿إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (١)﴾.
لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده فرقانا بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالا - وفرقانا بمعنى أشمل وأدق وأوسع وأعمق كثيرا.
كانت فرقانا بين الحق والباطل فعلا .. ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السموات والأرض. وقامت عليه فطرة الأحياء والأشياء .. الحق الذي يتمثل في تفرد الله - سبحانه - بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وفي عبودية الكون كله سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقرير بلا معقب ولا شريك .. والباطل الزائف الطارىء الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك ويغشي على ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت لتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء! فهذا الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر، حيث فرق بين ذلك الحق الكبير، وهذا الباطل الطاغي، وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان!
لقد كانت فرقانا بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد: كانت فرقانا بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير .. فرقانا بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية، وبين الشرك في كل
стр. 229
صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات ...
وكانت فرقانا بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر كذلك .. فرقانا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وللقيم والأوضاع، وللشرائع والقوانين، وللتقاليد والعادات ... وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا متسلط سواه، ولا حاكم من دونه، ولا مشرع إلا إياه .. فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله، وتساوت الرؤوس فلا تخضع إلا لحاكميته وشرعه، وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة.
وكانت فرقانا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والانتظار. وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع .. والإسلام بوصفه تصورا جديدا للحياة، ومنهجا جديدا للوجود الإنساني، ونظاما جديدا للمجتمع، وشكلا جديدا للدولة. بوصفه إعلانا عاما لتحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته، ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته وحاكميته .. الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بد من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، لأنه لم يكن يملك أن يقف كامنا منتظرا على طول الأمد، لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه، تتمثل في شعائر تعبدية لله، وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم. ولم يكن له بد أن يندفع إلى تحقيق التصور الجديد، والمنهج الجديد، والدولة الجديدة، والمجتمع الجديد، في واقع الحياة، وأن يزيل من طريقها العوائق المادية التي تكبتها وتحول بينها وبين التطبيق الواقعي في حياة المسلمين أولا، ثم في حياة البشرية كلها أخيرا .. وهي لهذا التطبيق الواقعي جاءت من عند الله.
وكانت فرقانا بين عهدين في تاريخ البشرية. فالبشرية بمجموعها قبل قيام النظام الإسلامي هي غير البشرية بمجموعها بعد قيام هذا النظام .. هذا التصور الجديد الذي انبثق منه هذا النظام. وهذا النظام الجديد الذي انبثق من هذا التصور. وهذا المجتمع الوليد الذي يمثل ميلادا جديدا للإنسان.
стр. 230
وهذه القيم التي تقوم عليها الحياة كلها ويقوم عليها النظام الاجتماعي والتشريع القانوني على السواء.
هذا كله لم يعد ملكا للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر وتوكيد وجود المجتمع الجديد. اإنما صار - شيئا فشيئا - ملكا للبشرية كلها، تأثرت به سواء في دار الإسلام أو خارجها، سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته! .. والصليبيون الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه في ربوعه قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذي جاؤوا ليحطموه، وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعى الذي كان سائدا عندهم، بعدما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي! والتتار الذين زحفوا من الشرق ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه - بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام - قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية، وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض جديدة، وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في قلب أوروبا .. وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله - منذ وقعة بدر - متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام، أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء.
وكانت فرقانا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة، فجرت - وكل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة، حتى لقال المنافقون والذين في قلويهم مرض: غر هؤلاء دينهم .. وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو، وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة - لتكون فرقانا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، فتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد، وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة، وأن هذا ليس كلاما يقال، إنما هو واقع متحقق للعيان.
وأخيرا فلقد كانت بدر فرقانا بين الحق والباطل بمدلول آخر، ذلك
стр. 231
المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى في أوائل هذه السورة: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾، لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين، إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة. فأراد الله لهم غير ما أرادوا. أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان (غير ذات الشوكة) وأن يلاقوا نفير أبي جهل (ذات الشوكة) وأن تكون معركة وقتال وقتل وأسر، ولا تكون قافلة وغنيمة ورحلة مريحة! وقد قال الله - سبحانه - إنه صنع هذا: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل﴾.
وكانت هذه إشارة لتقرير حقيقة كبيرة .. إن الحق لا يحق وإن الباطل لا يبطل - في المجتمع الإنساني - بمجرد البيان النظري للحق والباطل. ولا بمجرد الاعتقاد النظري بأن هذا حق وهذا باطل .. إن الحق لا يحق، وإن الباطل لا يبطل ولا يذهب من دنيا الناس، إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا، ويهزم جند الباطل ويندحروا .. فهذا الدين منهج حركي واقعي، لا مجرد نظرية للمعرفة والجدل! أو لمجرد الاعتقاد السلبي!.
ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة، وكان هذا النصر العملي فرقانا واقعيا بين الحق والباطل بهذا الاعتبار الذي أشار إليه قول الله تعالى في معرض بيان إرادته - سبحانه - من وراء المعركة، ومن وراء إخراج الرسول ﷺ من بيته بالحق، ومن وراء إفلات القافلة (غير ذات الشوكة) ولقاء الفئة ذات الشوكة.
ولقد كان هذا كله فرقانا بين منهج هذا الدين ذاته، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم .. وإنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته؟ حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين! حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين! وهكذا كان يوم بدر (يوم الفرقان يوم
стр. 232
التقى الجمعان). بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة .. والله على كل شيء قدير. وفي هذا اليوم مثل من قدرته كل شيء .. مثل لا يجادل فيه مجادل، ولا يماري فيه ممار .. مثل من الواقع المشهود، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة إله وأن الله على كل شيء قدير (١)).
وكانت بدر من حيث أثرها الخطير، ظاهرة كونية، فقد احتفل بها الإنس والجن والملائكة. ففي عالم الأرض وعالم البشر. نذكر أن سورة الروم عندما نزلت كانت تمثل آمال وطموحات عشرات المسلمين في مكة بأن ينتصر الروم أهل الكتاب في الأرض على الفرس الوثنيين في الأرض حيث كان الفرس والروم يقتسمون الأرض آنئذ. وكان هؤلاء العشرات من المسلمين والمئات من المشركين غفلا من التاريخ وأحداثه يتفرجون على صناعة الكبار في الأرض، ونذكر كيف تم الرهان بين أبي بكر ﵁ وأحد المشركين على نصر الروم بعد بضع سنوات ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﷺ -نصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (٢)﴾. لقد كان أقصى ما يحلم به المسلمون آنذاك بعد بضع سنين أن ينتصر الروم على الفرس، وبذلك تقوى شوكة المسلمين إن انتصر أهل الكتاب الأقرب إلى المسلمين على الفرس الأقرب إلى المشركين.
وتحقق موعود الله جل شأنه فانتصر الروم بعد تسع سنين من هزيمتهم أمام الفرس. وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان وعد الله الذي لا يخلف، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. هذا هو المدى الأقرب للآيات. أما المدى الأعمق فكان أكبر وأضخم في تاريخ البشرية، لقد فرح المؤمنون بنصر الله ﷺ -وم بدر. ويوم نصرهم جاءت أخبار انتصار الروم على الفرس. لقد جاء خبر انتصار
стр. 233
الروم هامشيا وثانويا أمام انتصار بدر. وكان فرح المؤمنين بنصر الله في بدر هو المدلول الأعمق للآية الكريمة، ولم يكن يدور بخلد عشرات المؤمنين في الأرض والآيات تنزل في مكة أنهم هم المعنون في النصر، وأانهم هم صناع الأحداث. وأن الروم والفرس غدوا على هامش التاريخ بعد أن أنزل الله تعالى ملائكته لنصر المؤمنين في بدر. وكان وعد الله الذي لا يخلف هو نصر محمد وحزبه لا نصر الروم فقط، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حتى المؤمنون لا يحيطون بعلم الله ، وماذا يعد لهم من نصر، وماذا يعد بهم من حسم. ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادتونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (١)﴾.
فالمسلمون حتى قبل بدر بأيام قلائل لم يكونوا يعلمون أنهم المعنون بنصر الله ﷺ -نصر من يشاء وعد الله لا يخلف الله وعده، ورسول الله ﷺ سيد الخلق لم يكن يعلم أنه المقصود بنصر الله ﷺ -نصر من يشاء. ومن أجل هذا كان يلح على ربه بالنصر يوم بدر حتى ليسقط رداؤه عن كتفيه. ويخشى أن تكون هذه المعركة نهاية العصبة المؤمنة في الأرض. (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض). لقد كان الرهان في عالم الأرض على افتتاح التاريخ بهذا النصر من أي الفريقين، فلقد كان أبو جهل يقول: والله لن نرجع حتى نرد بدرا. فننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، ويعلم العرب بخروجنا هذا فلا يزالون يهابوننا أبدا).
فلقد كانت مطامح أبي جهل أن يكون مقود العرب بيده بعد بدر. ولا تزال تهابه أبدا. وكان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض)، وإذا بنصر الله ﷺ -تنزل فتنقلب الموازين، ويتأرجح التاريخ، ويصبح مقوده بيد المسلمين ومن ذلك الوقت لم يعودوا على هامش
стр. 234
الأحداث يأملون ويدعون كما كانوا أيام انتصار الفرس على الروم. بل صاروا صناع أحداثه، في بدر وبعدها، وجاء هذا النصر من الحسم ومن الضخامة بحيث اجتث الباطل من جذوره. فلقد سقط قادة الكفر صرعى في هذه المعركة وهم الذين كانوا يحملون عبء الحرب ضد الدعوة خمسة عشر عاما أو تزيد، إنه جيل قادة كامل سقط على الساحة صريعا بين يدي هذه العصبة المؤمنة.
أما الجيل الجديد من القادة، والذي نجا يوم بدر فمعظمه كتب الله تعالى له الهداية فيما بعد وها نحن نستعرض هؤلاء القادة بشكل سريع: أبو جهل بن هشام المخزومي، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة الأمويان، وأمية ابن خلف الجمحي، وتبعهم بعدها، النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي، وأبو لهب الهاشمي. ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان. وقد عدد المقريزي أعداء رسول الله ﷺ الكبار في إمتاع الأسماع فكانوا سبعة وعشرين رجلا قتل منهم في بدر وبعدها بقليل قرابة العشرين. (وعن أبي طلحة أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث (١)). وكان من فضل الله تعالى على المؤمنين أن سقط بعض هؤلاء الأبطال صرعى بيد العتبان الشباب من الأنصار. مثل مقتل أبي جهل وأمية بن خلف، وعلى يد المستضعفين من المسلمين أمثال بلال وعبد الله بن مسعود تحقيقا لموعود الله .
﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (٢)﴾. فلقد سقط فرعون الأمة أبو جهل صريعا. وأخزاه الله على يد رويعي الغنم عبد الله بن مسعود، وكانت بدر في عالم الأرض عرسا للمؤمنين.
وكذلك كانت في عالم الجن.
стр. 235
فقد ذكر قاسم بن ثابث في - كتاب الدلائل - أن قريشا حين توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون وهو ينشد بأنفذ صوت ولا يرى شخصه:
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من لؤي وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا (١)
ولقد أدرك المؤمنون من الجن أبعاد هذه المعركة وأنها ستطيح بعرش كسرى وقيصر. وبمقدار ما كان العرس في عالم الجن من المؤمنين بمقدار ما كان المأتم والويل والثبور عند كفار الجن وشياطينهم.
فلقد حدثنا مؤرخو السير عن اشتراك ابليس لعنه الله في التخطيط لبدر وفي آماله العراض بهزيمة محمد ﷺ ، وكيف كان دوره في دفع قريش دفعا إلى المواجهة حين خافت من أن تغزوها بنو كنانة. فجاءهم على صورة سراقة بن مالك قائلا: أنا جار لكم من بني كنانة أن يأتوكم بشيء تكرهونه، وجاء حليفا لقريش ووضع يده بيد أبي جهل. وأخيه الحارث بن هشام. فلما رأى ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه، وتشبث به الحارث بن هشام. وهو يظنه سراقة - فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربا، وقال له المشركون: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا، لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر.
وذكر القرآن الكريم هذا الحادث في قوله ، ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (٢)﴾.
стр. 236
وحدثنا رسول الله ﷺ عن خزي إبليس يوم بدر فقال: (ما رؤي الشيطان يوما فيه أصغر ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى فيه من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يوم بدر، فإنه رأى جبريل ﵇ يزغ الملائكة (١)). لقد اندحر الشيطان وحزبه من الإنس والجن يوم بدر. وكانت الهزيمة الساحقة للشياطين في الأرض والكفار من الجن أشد هولا وأقسى مرارة منها على كفار قريش. بشهادة رسول الله ﷺ - كما علمه من ربه - فلقد كانت أقسى هزيمة لإبليس على مدار تاريخه منذ خلقه إلى يوم يبعثون. فهو في أشنع هزائمه في كل سنة في عرفة حين تحبط مخططاته. ولكن هذا كله كان يهون عن هزيمة بدر حيث خطط لنصر حلفائه. فسقط مع حلفائه. حين جاء جبريل بنصر الله، وكانت عرسا في عالم الملائكة والملأ الأعلى، فلأول مرة يؤذن للملائكة، ولأميرهم جبريل ﵇ أن يشترك مع ألف من سادة الملائكة في المعركة ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (٢) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (٣)﴾ والله تعالى أصدر أوامره وتعليماته لهم بدخول المعركة السافرة. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (٤)﴾.
وكانت فرحة الملائكة كبيرة بهزيمة المشركين، من الذين لم يحضروا المعركة، وارتفعت إليهم أرواح مجرمي قريش. ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (٥)﴾. وبقي الملائكة الذين شهدوا
стр. 237
بدرا في الفضل من سادة الملائكة. فكما أن المؤمنين في الأرض، على مداد التاريخ يعتبرون من شهد بدرا من المؤمنين أعلى طبقة فيهم، ويعتبرونهم خير هذه الأمة. فكذلك الأمر فيمن شهدها من الملائكة.
فعن رفاعة بن رافع الزرقي قال: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ - فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة (١)). وهكذا مضت بدر مثلا في تاريخ الأرض والسماء، وفرقانا في عالم الإنس والجن والملائكة.
السمة الرابعة عشرة
معسكر المنافقين، بروزه وخطره وتحجيمه
أ - النفاق في مكة:
لم يكن للمنافقين دور يذكر في العهد المكي لأنه عهد ابتلاء وفتنة وتمحيص. غير أن القرآن الكريم ذكرهم مرة واحدة قبيل بدر في قوله جل وعلا: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هولاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (٢)﴾.
يقول الشهيد سيد قطب ﵀ بصدد هذه الآية: (والمنافقون والذين في قلوبهم مرض قيل: إنهم مجموعة من الذين مالوا إلى الإسلام في مكة ولكن لم تصح عقيدتهم ولم تطمئن قلوبهم - خرجوا مع النفير مزعزعين. فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين قالوا هذه المقالة (٣)).
ب - بداية التجمع:
وعند دخول رسول الله ﷺ المدينة وإلى غزوة بدر لم يكن النفاق قد نجم بعد. فلقد كان معسكر الشرك واضحا بزعامة عبد الله بن أبي نفسه،
стр. 238
والذي كانت الجرأة تصل به أن يطالب محمدا ﷺ بالكف عن الدعوة إلى الله. وكان معسكر اليهود واضحا كذلك. اللهم إلا أفرادا من اليهود قاموا بمهمة الجاسوسية في الصف المسلم يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر، وقد ذكر القرآن هذا النموذج بقوله: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (١)﴾.
ونستطيع أن نقول إذن: إن معسكر المنافقين لم يبرز حتى بدر. ووجود أفراد محددين لا يصل خطره إلى أن يطلق عليه اسم معسكر أو تجمع. إنما برز بعد الانتصار الحاسم في بدر، وكما نقل على لسان هؤلاء المشركين: إن هذا أمر قد توجه، واستطاعت الموجة الطاغية من الانتصارات والتي ظهرت على صورة معجزة من السماء ان تكتسح معسكر المشركين وتحوله إلى معسكر منافقين. ولا ننفي أن يكون بعض أفراده قد أسلم حقيقة ودخل الإيمان قلبه. أما أكثر هؤلاء فقد تحولوا إلى منافقين يأتمرون بأمر عبد الله بن أبي الذي كان الخزرج يعقدون له الخرز ليتوجوه. وكانت عقدة الزعامة والمنصب تأكل قلبه. فلم يعد قادرا على أن يواجه الرسول ﷺ بعداوة واضحة. لأن من حوله سوف ينفضون عنه لضعفهم أمام قوة المسلمين، ولم تطاوعه نفسه أن يسلم نفسه لله. فأمسك بالعصا من الوسط وضمن بقاء جنوده وأتباعه معه فظاهر الأمر هم مسلمون، وضمن بقاء قيادته وزعامته لهم طالما أنهم غير مكلفين بالمواجهة السافرة. وكانت آيات القرآن تندد بهؤلاء تلميحا لا تصريحا بأسمائهم.
ج - دورهم في غزوة بني قينقاع
يقول ابن هشام: وكان بنو قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ فحاصرهم رسول الله حتي نزلوا على حكمه. فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي! فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ فقال له: أرسلني. وغضب رسول الله حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك أرسلني.
стр. 239
قال: لا، والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة! إني والله امرؤ أخشى الدوائر. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان له من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي. فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسول الله من حلفهم، وقال: يا رسول الله: أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلويهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ ثم القصة إلى قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا ﴿.. فإن حزب الله هم الغالبون (١)﴾.
لقد كان موقفا غريبا تماما على الحس الإسلامي، فلم يعهد الصف الإسلامي أبدا فيه مثل هذه الظاهرة منذ أن قامت الدعوة. فلقد كان المسلم في تعامله مع رسول الله ﷺ من الأدب والانضباط والتفاني في الطاعة، ما يجعله يحتاج دائما لتوجيهات النبي أن يبدي رأيه ويقول كلمته، وينافش في حقه، وكان رسول الله ﷺ يفسح المجال دائما لهذا البناء عن طريق الشورى.
أما أن يقف مسلم بهذه الوقاحة، يضع يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، ويطلب منه رسول الله أن يدعه فلا يدعه، فيغضب منه ويلح عليه بقوله: ويحك أرسلني، فلا يستجيب ويسترسل في وقاحته. فهذا أمر غريب تماما على الحس الإسلامي بين جندي وقائده بله بين مسلم ورسول رب العالمين. ورسول رب العالمين بما أعطاه الله تعالى من الخلق الأقوم لم يعهد
стр. 240
عنه أنه رد رجاء مسلم. وفي فقهه السياسي ﷺ أنه إن لبى رجاء ابن أبي، فلعل هذا الموقف يغسل قلبه، ويزيل الغشاوة عنه فتتم هدايته. فقال له: هم لك. ولعل الذين يسيرون وراء زعامة ابن أبي يصلحون بصلاحه فيتماسك الصف المسلم، ويلتحم، فلا يضيره كيد العدو أبدا.
وإن كان لنا أن نستفيد من هذه الحادثة فهو الحكم على الجنود أو القيادات الدنيا أو الوسطى الذين يريدون أن يفرضوا رأيهم على القيادة العليا للجماعة، ويمارسون ضغوطا مادية أو معنوية بما لديهم من رصيد شعبي أو سمعة طيبة، فيكرهون القيادة على تبني مواقف لا تقتنع بها أو يحرجونها في تصرفات قد لا تقتضيها مصلحة الجماعة. فهذا الموقف الذي يقفه هؤلاء هو شبيه بموقف ابن أبي الذي استغل ثقة بعض الجماهير به واتخذ هذا الموقف لحماية حلفائه من بني قينقاع. ومن توفيق الله تعالى أن وجدنا النموذج الأمثل للجندية الخالصة في هذه الحالة وهو نموذج عبادة بن الصامت ﵁ مع حلفائه الذي أعلن فيه براءته من اليهود وتولى الله ورسوله وجماعة المؤمنين.
فليس من حق زعيم أو قائد في صف الحركة الإسلامية أن يتخذ موقفا يناقض موقف قيادة الجماعة وبخاصة أمام أعداء الله.
إن جنود الحركة الإسلامية ورجالاتها تبع لقيادتهم يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، ولو كانت القناعة عندهم بالمصلحة عكس موقف الجماعة العام، طالما أنهم جزء منها. فلا بد من تبني مواقفها.
فلقد أقدمت الحركة الإسلامية في بعض فصائلها على تحالف مع بعض أعدائها ضد عدوها الأول. فإذا بعض جنودها ينتفض ويملأ الدنيا حربا عليها، ويعلن موقفه هذا أمام العدو والصديق، ويهاجمها في صحف الغرب مشهرا بهذا الموقف. بل ساد صفوف كثير من شبابها نقمة على هذا التحالف. ومثل هذا التصرف يجعل القيادة عاجزة شلاء عن تنفيذ مخططاتها وأهدافها. وبمقدار ما يلتزم الجنود بموقف قيادتهم مع أعدائها حربا أو سلما بمقدار ما تتمكن الحركة الإسلامية من السير بهذه الجماعة نحو غاياتها القريبة والبعيدة. وأي
стр. 241
ضغط يفرض من جندي أو زعيم على القيادة هو تصرف متساوق مع تصرف ابن أبي في ولائه لليهود ودفاعه عنهم وحمايته لهم (١).
د - دورهم في غزوة أحد:
يقول ابن إسحاق: (... فقال عبد الله بن أبي بن سلول يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه. فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فرقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا فلم يزل الناس برسول الله ﷺ الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته ... فخرج في ألف من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة أحد انخذل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني. ما ندري علام نقتل أنفسنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه (٢)).
صحيح أن أزمة الشقاق قد تم تفاديها يوم بني فينقاع، واستجيب لرأي ابن أبي غير أن الأيام كانت تترى وموقف ابن أبي لم يتغير. فهو لا يزال معتدا بحزبه، ولا يزال يوغر الصدور في الخفاء ضد المسلمين. وكان الموقف يوم أحد هو القشة التي قصمت ظهر البعير. فلم يؤخذ برأيه في البقاء في المدينة، كما تذكر بعض الروايات (أن كتيبة حسنة التسليح لها رجل منفردة عن سواد الجيش. فقال: ما هذا؟ فأبلغوه أن الكتيبة من اليهود حلفاء عبد الله بن أبي.
стр. 242
فقال ﵊: أأسلموا. قالوا: لا يا رسول الله. فقال: مروهم فليرجعوا فإنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك (١)). وكانت هذه قاصمة ثانية. فهو يرى أن النصر لو تحقق فسيشترك فيه طالما أن حزبه وحلفاءه قد ساهموا فيه. ويكون له المركز الثاني بعد رسول الله، أما وقد فاته تحقيق الزعامة بأخذ رأيه في البقاء في المدينة وفاته المشاركة بالنصر عن طريق حزبه وحلفائه، فليشارك إذن في صنع الهزيمة. عله يتخلص من محمد ﷺ وزعامته. وليضرب ضربته الذكية. وينفصل بثلث الجيش عائدا إلى المدينة معلنا: (.. سفه رأيي، ورد حلفائي، ما أدري علام نقتل أنفسنا أيها الناس). ولئن كانت خطوته يوم بني قينقاع كبيرة على الحس الإسلامي. فلقد أصبحت تافهة لا تذكر أمام خطوته في أحد.
ولقد كانت ذات أثر خطير جدا من الناحية المعنوية، فأن ينفصل ثلث الجيش معه. فهذا يعني تصدع الصف الداخلي وهو مقدم على حرب عنيفة. وإذا أردنا أن نحدد أبعاد هذه الخطوة أكثر فيمكن القول: إن الأمر أكبر من ثلث الجيش. فلقد أكد القرآن الكريم أن هناك بعض الفئات كادت تستجر معه: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (٢)﴾. كما يشير القرآن الكريم إلى المنافقين الذين بقوا في الجيش. وعلهم مكثوا بأمره. ليتموا المهمة الخطيرة، مهمة إشاعة الفوضى والرعب في الصفوف. حيث يؤكد القرآن هذا المعنى بقوله : ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (١)﴾. فأشارة القرآن الكريم إلى الطائفتين المؤمنتين اللتين كادتا
стр. 243
تلتحقان بالمنشقين عن الجيش، والإشارة إلى الطائفة التي أهمتها نفسها في المعركة وهي أخت الطائفة المنشقة لتوضح أن المنافقين هم قرابة نصف الجيش وتتحدث السيرة عن هذه النماذج في المعركة. فبعضهم قال: لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول. وبعضكم قال: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم ويعتلوكم.
ونلاحظ أن الخط النبوي في أحد قد اختلف عن الخط في قينقاع من حيث التعامل مع زعيم النفاق. فلقد كانت المراعاة في الموقف الأول كافية لتبيان نوعية هذه النماذج، وكفيلة بأن تعيدهم إلى حظيرة الإيمان. لكننا عندما نجد أن مواقفهم لم تتغير. فلقد كان الموقف حاسما وواضحا في أحد، ولقد رد حلفاء عبد الله بن أبي. فلا يمكن أن يقوم في الصف الإسلامي تكتل محاذ لكتلة المسلمين وجماعتهم، ولا يمكن أن يقبل تجمع بجوار الجماعة المسلمة. ورغم حاجة رسول الله ﷺ إلى العدد حيث يواجه ثلاثة آلاف بألف مقاتل. إلا أن المبدأ لا ينقض ..
فطالما أنهم لم يعلنوا انضمامهم للصف الإسلامي، فلا استعانة بأهل الكفر على أهل الشرك، والأخطر من ذلك فهؤلاء ليسوا حلفاء المسلمين، إنما هم حلفاء عبد الله بن أبي. فسلامة الصف ووضوح الولاء أهم بكثير من التجمع العشوائي. وكان انفصال عبد الله بن أبي رحمة بالمؤمنين. وكما قال لهم عبد الله بن عمرو أبعدكم الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
وكان بالإمكان بعد العودة من أحد أن يوجد في الصف الإسلامي الخالص من يعذر عبد الله بن أبي ويدافع عنه، ويجد له ولحزبه العذر بالعودة بحجة أنهم مسلمون لهم ظروفهم. لكن كلام الله تعالى جاء كوقع الصاعقة عليهم. فلقد كان القرآن يدمغهم بالنفاق بأوضح بيان. ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلويهم والله أعلم بما
стр. 244
يكتمون (١)﴾. ثم يربط القرآن الكريم بين الفريقين، الذين استمروا فى الجيش لإشاعة البلبلة والهزيمة، والذين انخذلوا إلى المدينة فيقول: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (٢)﴾.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن قمة تجمع المنافقين وخطره برز يوم أحد، لكننا نؤكد في الوقت ذاته أنه قد افتضح أمره، وبرز المنافقون بأشخاصهم وأعيانهم يعلن القرآن عنهم أنهم أقرب للكفر منهم إلى الإيمان. وبذلك تمت المفاصلة بينهم وبين المؤمنين، وغدت الجماعة المؤمنة تنظر إليهم بعين الحذر والكراهية إن استمروا على مواقفهم. وأصبح المسلم يكف عن بث أسراره لأخيه من أبيه وأمه إن كان ممن وصم بالنفاق.
وأدت هذه المواقف الحاسمة منهم بعد ذلك إلى أن يخنسوا ويحاولوا التقرب من الصف المؤمن والاعتذار منه، وأن يتراجعوا عن موقف المواجهة والتحدي، ويغيروا خطتهم للعمل في الخفاء. أما الذين كانوا مغررا بهم فقد بدأوا ينضمون للصف الإسلامي في توبة نصوح خالصة حيث فتح لهم القرآن طريق التوبة بعد التحذير العنيف الرهيب بسوء مصيرهم إن استمروا على موقفهم: حيث يقول جل شأنه: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (٣)﴾.
وهكذا سار الخط النبوي في التعامل مع المنافقين على أمل تفتيت تجمعهم، والتحذير من كيدهم. وتحذيرهم من مغبة السير في طريق النفاق من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وحققت هذه الخطة أهدافها بشكل واضح وبدأ خط التصاعد للمنافقين بالانحدار. فلقد كانت سورة النساء وحديثها
стр. 245
عن الجهاد والنفاق، وسورة آل عمران تعري كل المخططات المشبوهة، وتعالج كل الشبهات المبثوثة، وتفسح المجال رحبا أمام التوبة.
هـ - تآمرهم مع بني النضير:
يقول ابن إسحاق: وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك ابن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير، أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة (١). ففعل (٢)).
ويحدثنا القرآن الكريم عن هذه الحادثة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (٣)﴾.
إن الصورة لتختلف تماما اليوم عنها في أحد، فلئن كان التحدي سافرا في أحد، فلقد خنسوا اليوم وراحوا يعملون في الخفاء كخفافيش الظلام، لم يعودوا يملكون القوة على المواجهة، ولا القوة على التحدي، إنما يتآمرون من وراء الأقنعة علهم ينتصرون مع حلفائهم اليهود على المسلمين، فهم يدعون بني النضير إلى الثبات في وجه المسلمين وإلى المقاومة، كما يعلنون لهم أن مددهم قادم ولا ريب في ألف من المنافقين، وقد ربطوا مصيرهم بمصيرهم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم، وإن قوتلتم لننصرنكم. والله ﷺ شهد إهم لكاذبون. ولئن كان عبد الله بن أبي قد استطاع أن يحافظ على حياة حلفائه بني قينقاع. فهو أعجز اليوم من أن يبدي رايا أو يتقدم بطلب لرسول الله ﷺ
стр. 246
بعد تلك الخيانة السافرة في أحد. وهو في الوقت نفسه يجلل بالعار من جديد في الخيانة التي فضحها القرآن عن التآمر السري بين الفريقين، المنافقين وكفار أهل الكتاب. وكان خروج اليهود بدون سلاح وهدمهم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين صفعة عنيفة للمنافقين، وإسقاطا ماديا ومعنويا لهم.
القرآن يتنزل، والمواقف تتوضح، والمنافقون يتعرون، ومع ذلك يبقي الإسلام ورسول الإسلام خيطا خفيا يتسلقون من خلاله إلى التوبة. فلن يوصد الباب أبدا، لكن اللعب على الحبال مكشوف، والتظاهر بالإيمان مفضوح لا يجدي، ولن يفيد إلا التوبة الصادقة الخالصة لله.
وكانت هذه الجولة الجديدة كفيلة بتداعي معسكر المنافقين، فوضح الحق واستبان السبيل لكثير منهم، وبدأوا يمسحون الغشاوة عن عيونهم فيستفيقوا من رقادهم ويؤبوا إلى حظيرة الإسلام.
و- المنانفقون يوم الأحزاب
رغم أن الحديث عن المناففين يوم الأحزاب في القرآن كان طويلا لحد ما إذا قيس بما ذكر عن غزوة الأحزاب، ومواقف المسلمين منها. لكنه يركز على معان محددة وواضحة فيهم تؤكد ضآلة حجمهم وتفاهة تخطيطهم. يقول تعالى عنهم في سورة الأحزاب: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلويهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها الا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخواخهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير
стр. 247
أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ﷺ -سيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (١)﴾.
وهناك آيتان أخريان ذكرتا المنافقين في الخندق في سورة النور وهما قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئث واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (٢)﴾.
ولو وقفنا عند هذه الآيات وفقهها نلحظ ما يلي:
١ - الفريق الأول: يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. فهم قد حضروا المعركة وأمام هول الصدمة، وعنف المحنة انهار إيمانهم، وكشفت خبيئة نفوسهم فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وكتب السيرة تذكر هذا القول أو قريبا منه عن معتب بن قشير إذ قال في ساعات الخوف والزلزلة بعد أن سمع بشريات رسول الله ﷺ بالفتح المبين لهذا الدين في أقطار الأرض: (يعدنا محمد أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن من أن يذهب إلى حاجته ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا).
وطبيعة هذا القول تشي بأنه قول مخنوق يقال في الخفاء بين مجموعة موثوقة تقبل هذا المعنى على الأقل، ويحسب هؤلاء أن أمرهم لن يظهر، وقولهم لن يكشف. لكن القرآن الكريم لاحق مؤامراتهم وكذبهم إلى كل جحر يلتقون فيه. لكنهم على كل حال يمثلون كل طوائف المنافقين. فلقد تزلزل إيمانهم، واعتبروا أنفسهم متورطين في هذا الإيمان.
٢ - الفريق الثاني: وهو وضع طائفة محددة منهم تذكر حوادث السيرة
стр. 248
إنهم بنو حارثة. وهي إحدى الطائفتين اللتين همتا أن تفشلا يوم أحد - إذ قالوا: (إن بيوتنا عورة وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا، فأذن لهم ﷺ فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا (١)).
ويتحدث القرآن عن جبنهم وهلعهم في أربع آيات تؤكد المعنى الذي ذكره سعد بن معاذ ﵁ فهم يريدون الفرار من المعركة، ولو وطىء العدو أرضهم لأجابوه للفتنة عن دينهم والتخلي عن عقيدتهم، ولا أدل على ذلك من خوفهم من الموت أن يجتاحهم في أرض المعركة وكأنما هم بمنجاة منه في غيرها، وتزعزع عقيدتهم ووهنها هو الذي يدفعهم إلى هذا الموقف. لأن الضر والنفع بيد الله وحده، والفرار لن يحول بينهم وبين الموت أو القتل. والمؤمن الصادق يوقن بأن النصر بيد الله، والنفع والضر بيد الله، والموت والحياة بيد الله. وهؤلاء المنافقون ليسوا من هذا الطراز.
٣ - الفريق الثالث: هم المعوقون الذين كانوا يخذلون عن رسول الله ﷺ ، والتابعون في جحورهم في المدينة. وهم جبناء مثل أسلافهم، لكنهم لخذلانهم وتخاذلهم عن رسول الله ﷺ أصبح مهوى قلبهم مع العدو. وكان الوصف دقيقا ولاذعا لهم ﴿فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك كالذي بغشى عليه من الموت﴾. طارت قلوبهم من صدورهم رعبا، وهؤلاء حكم القرآن عليهم أنهم غير مؤمنين ﴿أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ﷺ -سيرا﴾. وهم على استعداد أن يتركوا المدينة ومن فيها إذا حاق الخوف واشتدت المصيبة. وأمام هذه النماذج الثلاثة نلحظ أن مواصفاتهم هي التي تستغرقها الآيات في الوصف، أما حجمهم فهو ضئيل، رغم أن الفرصة مواتية لبروزهم من أوكارهم، خاصة حين اشتدت المحنة، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. إن المشكلة ليست هي الخوف، فالمؤمنون يخافون، إنما المشكلة هي بواعث الخوف ونتائجه. وارتباط ذلك بالإيمان وعدمه.
стр. 249
إن المحنة هي التي تمحص القلوب، وتكشف ما في الصدور من إيمان أو نفاق أو كفر وقد يتزلزل المؤمن لكنه لا يفقد إيمانه، قد يفقد موقفه، وقد يفقد شجاعته وثباته، لكن إيمانه لا يتزلزل أبدا. أما ضعيف الإيمان فينهار إيمانه أمام الحادثات، وأما الكافر المتجلبب بجلباب الإسلام حين يكشف الغطاء، ويرى أن دولة الإيمان على وشك الزوال يكشف خبيثة نفسه، ويظهر نتن قلبه، ويعلن شكه بربه، وهؤلاء لم يؤمنوا، وبالتالي فأحبط الله أعمالهم في الدارين.
ز - المنافقون يوم بني المصطلق
انتصر المسلمون بعد الخندق، وأنهوا وجود بني قريظة. وبالتالي انتهى حلفاء المنافقين في المدينة. فلم يعد أمامهم إلا أن يسارعوا بالولاء للقيادة المسلمة، وأن يوجهوا جهدهم لخلخلة الصف المسلم نفسه، والعمل على تشتيته، وإشغاله بنفسه بدل أن ينشغل بعدوه، وتظاهروا بالانصهار في هذا الصف، وإن كان بعضهم قد دخل فيه عن قناعة بعد أن بهره نصر الله، ورأى من الآيات البينات ما يحرق كل شك أو دخل في قلبه، وكان ابن أبي كالحية الرقطاء يكمن بين الحجارة وخلف الأستار ينتظر الفرصة المواتية للانقضاض، وكان هذا يوم بني المصطلق. ولنر تفصيل ذلك لدى المقريزي: (وبينا المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل سنان بن وبر الجهني - حليف الأنصار - ومعه فتيان من بني سالم يستقون وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار، فأدلى دلوه، وأدلى جهجاه - الغفاري - أجير عمر بن الخطاب ﵁ دلوه فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه وتنازعا، فضرب جهجاه سنانا فسال الدم فنادى يا للخزرج، وثارت الرجال فهرب جهجاه وجعل ينادي في العسكر: يا لقريش، يا لكنانة، فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة فقام رجل في الصلح فترك سنان حقه.
وكان عبد الله بن أبي جالسا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: والله ما رأيت كاليوم مذلة، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكن قومي قد
стр. 250
غلبوني قد فعلوها وقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونهم فأيتمتكم أولادكم وقللتم وكثروا.
وكان زيد بن أرقم حاضرا - وهو غلام لم يبلغ أو قد بلغ - فحدث رسول الله ﷺ بذلك وعنده نفر من المهاجرين والأنصار، فتغير وجهه ثم قال: يا غلام، لعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله لقد سمعت منه. قال: لعله أخطأ سمعك: قال: لا يا نبي الله. قال: فلعله شبه عليك؟ قال: لا والله لقد سمعت منه يا رسول الله. وشاع في المعسكر ما قال ابن أبي، حتى ما كان للناس حديث إلا هو. وأنب جماعة من الأنصار زيد بن أرقم فقال - في جملة كلام -: والله إني أرجو أن ينزل الله على نبيه حتى تعلموا أني كاذب أم غيري. وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ﷺ مر به عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره ذلك وقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وبلغ الخبر ابن أبي، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا؟ ثم مشي إلى رسول الله ﷺ وحلف بالله ما قال. وأسرع رسول الله ﷺ عند ذلك السير، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها ...
ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله ﷺ قد طلع على راحلته - وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد إلا أنه لما جاءه ابن أبي رحل في تلك الساعة. فكان أول من لقيه سعد بن عبادة ﵁ فقال: خرجت يا رسول الله في ساعة ما كنت تروح فيها! قال: أو لم يبلغك ما قال صاحبكم ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل؟