← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بعد تلك الخيانة السافرة في أحد. وهو في الوقت نفسه يجلل بالعار من جديد في الخيانة التي فضحها القرآن عن التآمر السري بين الفريقين، المنافقين وكفار أهل الكتاب. وكان خروج اليهود بدون سلاح وهدمهم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين صفعة عنيفة للمنافقين، وإسقاطا ماديا ومعنويا لهم. القرآن يتنزل، والمواقف تتوضح، والمنافقون يتعرون، ومع ذلك يبقي الإسلام ورسول الإسلام خيطا خفيا يتسلقون من خلاله إلى التوبة. فلن يوصد الباب أبدا، لكن اللعب على الحبال مكشوف، والتظاهر بالإيمان مفضوح لا يجدي، ولن يفيد إلا التوبة الصادقة الخالصة لله. وكانت هذه الجولة الجديدة كفيلة بتداعي معسكر المنافقين، فوضح الحق واستبان السبيل لكثير منهم، وبدأوا يمسحون الغشاوة عن عيونهم فيستفيقوا من رقادهم ويؤبوا إلى حظيرة الإسلام. و- المنانفقون يوم الأحزاب رغم أن الحديث عن المناففين يوم الأحزاب في القرآن كان طويلا لحد ما إذا قيس بما ذكر عن غزوة الأحزاب، ومواقف المسلمين منها. لكنه يركز على معان محددة وواضحة فيهم تؤكد ضآلة حجمهم وتفاهة تخطيطهم. يقول تعالى عنهم في سورة الأحزاب: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلويهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها الا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخواخهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير

стр. 247

أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ﷺ -سيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (١)﴾. وهناك آيتان أخريان ذكرتا المنافقين في الخندق في سورة النور وهما قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئث واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (٢)﴾. ولو وقفنا عند هذه الآيات وفقهها نلحظ ما يلي: ١ - الفريق الأول: يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. فهم قد حضروا المعركة وأمام هول الصدمة، وعنف المحنة انهار إيمانهم، وكشفت خبيئة نفوسهم فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وكتب السيرة تذكر هذا القول أو قريبا منه عن معتب بن قشير إذ قال في ساعات الخوف والزلزلة بعد أن سمع بشريات رسول الله ﷺ بالفتح المبين لهذا الدين في أقطار الأرض: (يعدنا محمد أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن من أن يذهب إلى حاجته ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا). وطبيعة هذا القول تشي بأنه قول مخنوق يقال في الخفاء بين مجموعة موثوقة تقبل هذا المعنى على الأقل، ويحسب هؤلاء أن أمرهم لن يظهر، وقولهم لن يكشف. لكن القرآن الكريم لاحق مؤامراتهم وكذبهم إلى كل جحر يلتقون فيه. لكنهم على كل حال يمثلون كل طوائف المنافقين. فلقد تزلزل إيمانهم، واعتبروا أنفسهم متورطين في هذا الإيمان. ٢ - الفريق الثاني: وهو وضع طائفة محددة منهم تذكر حوادث السيرة

стр. 248

إنهم بنو حارثة. وهي إحدى الطائفتين اللتين همتا أن تفشلا يوم أحد - إذ قالوا: (إن بيوتنا عورة وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا، فأذن لهم ﷺ فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا (١)). ويتحدث القرآن عن جبنهم وهلعهم في أربع آيات تؤكد المعنى الذي ذكره سعد بن معاذ ﵁ فهم يريدون الفرار من المعركة، ولو وطىء العدو أرضهم لأجابوه للفتنة عن دينهم والتخلي عن عقيدتهم، ولا أدل على ذلك من خوفهم من الموت أن يجتاحهم في أرض المعركة وكأنما هم بمنجاة منه في غيرها، وتزعزع عقيدتهم ووهنها هو الذي يدفعهم إلى هذا الموقف. لأن الضر والنفع بيد الله وحده، والفرار لن يحول بينهم وبين الموت أو القتل. والمؤمن الصادق يوقن بأن النصر بيد الله، والنفع والضر بيد الله، والموت والحياة بيد الله. وهؤلاء المنافقون ليسوا من هذا الطراز. ٣ - الفريق الثالث: هم المعوقون الذين كانوا يخذلون عن رسول الله ﷺ ، والتابعون في جحورهم في المدينة. وهم جبناء مثل أسلافهم، لكنهم لخذلانهم وتخاذلهم عن رسول الله ﷺ أصبح مهوى قلبهم مع العدو. وكان الوصف دقيقا ولاذعا لهم ﴿فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك كالذي بغشى عليه من الموت﴾. طارت قلوبهم من صدورهم رعبا، وهؤلاء حكم القرآن عليهم أنهم غير مؤمنين ﴿أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ﷺ -سيرا﴾. وهم على استعداد أن يتركوا المدينة ومن فيها إذا حاق الخوف واشتدت المصيبة. وأمام هذه النماذج الثلاثة نلحظ أن مواصفاتهم هي التي تستغرقها الآيات في الوصف، أما حجمهم فهو ضئيل، رغم أن الفرصة مواتية لبروزهم من أوكارهم، خاصة حين اشتدت المحنة، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. إن المشكلة ليست هي الخوف، فالمؤمنون يخافون، إنما المشكلة هي بواعث الخوف ونتائجه. وارتباط ذلك بالإيمان وعدمه.

стр. 249

إن المحنة هي التي تمحص القلوب، وتكشف ما في الصدور من إيمان أو نفاق أو كفر وقد يتزلزل المؤمن لكنه لا يفقد إيمانه، قد يفقد موقفه، وقد يفقد شجاعته وثباته، لكن إيمانه لا يتزلزل أبدا. أما ضعيف الإيمان فينهار إيمانه أمام الحادثات، وأما الكافر المتجلبب بجلباب الإسلام حين يكشف الغطاء، ويرى أن دولة الإيمان على وشك الزوال يكشف خبيثة نفسه، ويظهر نتن قلبه، ويعلن شكه بربه، وهؤلاء لم يؤمنوا، وبالتالي فأحبط الله أعمالهم في الدارين. ز - المنافقون يوم بني المصطلق انتصر المسلمون بعد الخندق، وأنهوا وجود بني قريظة. وبالتالي انتهى حلفاء المنافقين في المدينة. فلم يعد أمامهم إلا أن يسارعوا بالولاء للقيادة المسلمة، وأن يوجهوا جهدهم لخلخلة الصف المسلم نفسه، والعمل على تشتيته، وإشغاله بنفسه بدل أن ينشغل بعدوه، وتظاهروا بالانصهار في هذا الصف، وإن كان بعضهم قد دخل فيه عن قناعة بعد أن بهره نصر الله، ورأى من الآيات البينات ما يحرق كل شك أو دخل في قلبه، وكان ابن أبي كالحية الرقطاء يكمن بين الحجارة وخلف الأستار ينتظر الفرصة المواتية للانقضاض، وكان هذا يوم بني المصطلق. ولنر تفصيل ذلك لدى المقريزي: (وبينا المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل سنان بن وبر الجهني - حليف الأنصار - ومعه فتيان من بني سالم يستقون وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار، فأدلى دلوه، وأدلى جهجاه - الغفاري - أجير عمر بن الخطاب ﵁ دلوه فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه وتنازعا، فضرب جهجاه سنانا فسال الدم فنادى يا للخزرج، وثارت الرجال فهرب جهجاه وجعل ينادي في العسكر: يا لقريش، يا لكنانة، فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة فقام رجل في الصلح فترك سنان حقه. وكان عبد الله بن أبي جالسا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: والله ما رأيت كاليوم مذلة، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكن قومي قد

стр. 250

غلبوني قد فعلوها وقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونهم فأيتمتكم أولادكم وقللتم وكثروا. وكان زيد بن أرقم حاضرا - وهو غلام لم يبلغ أو قد بلغ - فحدث رسول الله ﷺ بذلك وعنده نفر من المهاجرين والأنصار، فتغير وجهه ثم قال: يا غلام، لعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله لقد سمعت منه. قال: لعله أخطأ سمعك: قال: لا يا نبي الله. قال: فلعله شبه عليك؟ قال: لا والله لقد سمعت منه يا رسول الله. وشاع في المعسكر ما قال ابن أبي، حتى ما كان للناس حديث إلا هو. وأنب جماعة من الأنصار زيد بن أرقم فقال - في جملة كلام -: والله إني أرجو أن ينزل الله على نبيه حتى تعلموا أني كاذب أم غيري. وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ﷺ مر به عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره ذلك وقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وبلغ الخبر ابن أبي، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا؟ ثم مشي إلى رسول الله ﷺ وحلف بالله ما قال. وأسرع رسول الله ﷺ عند ذلك السير، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها ... ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله ﷺ قد طلع على راحلته - وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد إلا أنه لما جاءه ابن أبي رحل في تلك الساعة. فكان أول من لقيه سعد بن عبادة ﵁ فقال: خرجت يا رسول الله في ساعة ما كنت تروح فيها! قال: أو لم يبلغك ما قال صاحبكم ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل؟

стр. 251

قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت فهو الأذل وأنت الأعز. يا رسول الله! ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه فما يرى إلا قد سلبته ملكه. وبينا رسول الله ﷺ يسير من يومه ذلك، وزيد بن أرقم يعارضه براحلته يريد وجهه، ورسول الله ﷺ يستحث راحلته فهو يغذ في المسير - إذ نزل عليه الوحي فسري عنه. فأخذ بأذن زيد بن أرقم حتى ارتفع من مقعده عن راحلته وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك! ونزل في ابن أبي ﴿إذا جاءك المنانقون﴾ السورة كلها. وكان عبادة بن الصامت قبل ذلك قال لابن أبي: إيت رسول الله يستغفر لك فلوى رأسه معرضا، فقال له عبادة: والله لينزلن في لي رأسك قرآن يصلى به. ومر عبادة بن الصامت بابن أبي - عشية راح رسول الله ﷺ من المريسيع، وقد نزل فيه القرآن، فلم يسلم عليه، ثم مر أوس بن خولي فلم يسلم عليه، فقال: إن هذا الأمر قد تمالأتما عليه. فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع، وبما نزل من القرآن إكذابا لحديثه، فقال: لا أعود أبدا. وجاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي فقال: يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى يا رسول الله - أن تأمر غيري فيقتله. فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ومنك أعظم، فقال رسول الله ﷺ : ما أردت قتله، وما أمرت به، ولنحسن صحبته ما كان بين أظهرنا. فقال يا رسول الله! إن أبي كانت هذه البحيرة قد اتسقوا عليه ليتوجوه، فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك. ومعه قوم يطيفون به يذكرونه أمورا قد غلب الله عليها (١)). ١ - حين تظهر الطبيعة العربية عارية في سرعة غضبها وانفعالها، تظهر بجوارها عظمة هذا الدين في ضبطها وكبح جماحها، وهذا ها نراه من خلال

стр. 252

أسباب فتنة النفاق هذه. فاختلاف الدلاء البسيط يقود إلى التنازع، ومن التنازع اللفظي إلى التشاجر والتشابك بالأيدي إذ يضرب جهجاه سنانا فيتفجر منه الدم، وجرح سنان يدفع إلى الجاهلية الجهلاء. فينادي سنان قومه الخزرج، ويستصرخ جهجاه المهاجرين، ويثور القوم للسلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة. هذا هو الخلق العربي عاريا في سرعة انفعاله وغضبه. كان من الممكن لهذه الفتنة بغير الإسلام أن تعيد أمثال يوم بعاث بين الأوس والخزرج، وأن تبيد أيام داحس والغبراء أو يوم حليمة ويوم البسوس. فيفني القبائل بعضها بعضا في شهور أو سنين أو عقود من السنين. كان هذا الشجار كافيا لحرب ضروس تأكل الأنصار والمهاجرين، ونصل من هذه الملاحظة إلى أنه لا غرابة أن تتحرك في المجتمع الإسلامي أو في الحركة الإسلامية نوازع الجاهلية ونزعاتها وتثور بعد كمون طويل. فلقد تحركت هذه العصبية لأول مرة على هذا المستوى نتيجة إثارة طائشة. وذلك في أفضل مجتمعات الأرض، وليس صفنا أفضل من هذا المجتمع وهو خريج مدرسة النبوة، وهو الأمة التي أخرجت للناس خير أمة، وليست قيادتنا تعادل غبارا على قدم رسول الله ﷺ . وهو بين ظهرانيهم، وتتحرك الفتنة إلى درجة أن يحمل الفريقان السلاح للمواجهة. وكم نتمنى أن تستوعب الحركة الإسلامية والصف المسلم هذا المعنى، أن لا تحبط الأخطاء والخلافات أمانينا فنيأس حين نجد مثل هذه الظاهرة. وأن تصل الظاهرة إلى حد حمل السلاح في داخل الصف المسلم ضد بعضه بعضا. ٢ - لكن الفارق الكبير نلحظه باستمرار هذه الظاهرة أو اختفائها. فلقد استطاع الصف الإسلامي الأول أن يتلافى هذه الظاهرة مباشرة وبأقوى ما يكون فيمشي رجل من المسلمين بالصلح بين الفريقين. ويتخلى سنان عن حقه، وتحبط الفتنة في مهدها. وهذا ما نريد أن نؤكده لنقتدي به. فلا غرابة أن نخطىء، ولا غرابة أن نزل، لكن الغرابة كل الغرابة، والجفوة كل الجفوة للمنهج الإسلامي هو أن يستمر الخطأ، ويستفحل. فعندئذ نكون أقرب

стр. 253

للمجتمع الجاهلي منا إلى المجتمع الإسلامي، وأن نعجز عن إيجاد حلول تنهي المعركة في الصف الإسلامي وتجتث جذور الخلاف (١). ٣ - وهنا يبرز دور النفاق الخطير في المجتمع الإسلامي. فعبد الله بن أبي يجد الفرصة سانحة ولن تتكرر له هذه الفرصة الذهبية مرة ثانية في تدمير هذه الجماعة المسلمة ليقوم على أنقاضها، وها هو يهتبل هذه الفرصة فيعبر عما في نفسه، ولكن أين؟ في عشرة من المنافقين، يطمئن إلى نفاقهم، ويطمئن إلى استعدادهم لقبول أفكاره وتنفيذ مخططاته. لقد وجدناه في أحد يفصل ثلث الجيش ويشكك في البقية الباقية من اتباعه فوق هذا الثلث، وهو قمة مجده ثم بدأ ينحسر هذا المجد. فيعجز عن نصر حلفائه في بني النضير، ولا يتجاوز دوره التشكيك في النصر وإمكانياته في الخندق، أما اليوم فيبث حديثه في عشرة من أتباعه. ويتحدث عن كل ما يعانيه من بغض للإسلام وأهله ولا يتورع أن يشبههم بالكلاب المسمنة على مائدة الخزرج، ويدعو صراحة إلى تمزيق الصف،. والثورة على القيادة: بل يهدد بهذه الثورة التي بدت ملامحها وذرت قرونها عند العودة إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ولا بد لنا من الوقوف عند هذه المعاني. فظهورها في الصف المسلم الواحد تعني أن سمات النفاق متمثلة في دعاتها. التهديد بتمزيق الصف، والثورة على القيادة والطعن فيها وبصلاحيتها. خاصة وهي منطلقة من أسس شرعية. متينة يعنى أن هذا الخط هو خط النفاق سواء أشعر صاحبه أم لم يشعر. وكما يقول ﵊ في أدنى من ذلك: يقول في الخلق الشخصي: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن

стр. 254

كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها (١)). فقد توجد صفات النفاق في مسلم لا يبطن الكفر ويظهر الإسلام فيعامل معاملة المنافق الخالص، وكلما تحلى عن صفة أو سمة من هذه الصفات أو السمات اقترب من الصف الإسلامي الصادق، لقد كان هدف ابن أبي واضحا من كلامه وهو حرب المهاجرين، وإخراجهم من المدينة أذلاء. وعلى أي شيء يعتمد؟! يعتمد على قومه من الخزرج الذين كادوا يبايعونه سابقا على القيادة. وما هو وقود الحرب؟! هو بناء الأمة على حزبين هما: المهاجرون من قريش وهم أشبه ما يكونون بالمستعمرين اليوم - على حد زعمه وفهمه - (نافرونا وكاثرونا في بلادنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش إلا كما يقول القائل سمن كلبك يأكلك). والذين قبلوا هذا الاستعمار هم قومه (هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا). أما هو فقد كان كارها لهذا، والقيادات الأخرى غيره هي المسؤولة عن هذه النتيجة (والله إن كنت لكارها لوجهي هذا ولكن قومي قد غلبوني .. والله ما رأيت كاليوم مذلة). وهل لهذا الأمر من تلاف؟ نعم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. إنها الثورة على هذه القيادة وإخراجها من المدينة. وعلى حد زعمه، لأي مرحلة وصل الخضوع والذلة والجهالة لدى قومه؟! (ما هو المطلوب منهم الآن). (أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونهم فأيتمتكم أولادكم. وقللتم وكثروا). إنه منطق تقسيم الأمة إلى رجعيين وتقدميين أو كادحين ومستغلين. والدعوة إلى الثورة التي تطيح بأعداء الشعب. ليستلم العمال والفلاحون والمثقفون الثوريون زمام السلطة. إنه تقسيم الأمة إلى اليمين واليسار .. أو إلى ثوريين ومحترفين سياسيين.

стр. 255

هذه المقولات كلها عندما تسود الصف المسلم، ويراد منها أن يتميز الصف على ضوئها يعني أن من يقود هذه الأفكار أنه هبط إلى درك النفاق أيا كان شأنه، وأيا كان لونه، وخط النفاق الدائم المستمر هو خط الدعوة إلى التغيير غير الشرعي في الصف الإسلامي والطعن المستمر في القيادة المختارة لتسقط عن طريق القوة، ويحل محلها الثائرون. إننا نفهم الثورة ضد الجاهلية، ونفهم الثورة ضد المحاربين لشريعة الله والمحادين لرسوله وكتابه. لكننا لا نفهمها في الصف الإسلامي الواحد، والحركة الإسلامية الواحدة إلا دورة جديدة من دورات عبد الله بن أبي. ٤ - ولكن كيف كان وضع الصف المسلم في أثناء هذه الحركة المضادة. لقد كان الصف من القوة والتراص والتماسك بحيث يحرق عبد الله بن أبي وعصبته المنافقة. ولقد استطاع فتى صغير من فتيان هذا الصف أن يحبط فتنة هذا الأخطبوط كله، حين نقل كل تفصيلات المخطط الخائن، لمن؟ لرسول الله ﷺ مباشرة. وأي وعي في صف جيش النبوة أعمق من هذا الوعي؟! إنه الغلام زيد بن أرقم بلغ به الوعي الحركي أن يصمت وهو يسمع عبد الله بن أبي ليتحدث بكل ما في نفسه، وبلغ به الوعي الحركي أن يمضي مباشرة إلى القائد الأعظم ﷺ وحده فيبلغه بما سمع، وبلغ به الوعي الحركي أن لا يحدث بهذا الموضوع أحدا غير رسول الله. وكم نتمنى لا لفتياننا ولا لشبابنا بل للقيادات عندنا أن يكونوا على مستوى هذا الوعي الحركي العظيم. إنه فتى الإسلام الذي لم يبلغ بعد - أو في سن البلوغ - أدرك هذه المعاني جميعا وحصر الفتنة في مهدها فأبلغ كل تفاصيلها لرسول الله ﷺ . فكان حارسا أمينا على دعوته وحركته. وهذا يعني أن المطلوب من كل أخ أن يكون حارسا أمينا على دعوته وحركته. فينقل كل ما يسمعه من تجريح وطعن أو رغبة في تخريب الصف وتحطيمه إلى قيادته المسلمة دون أن يمضي عن حسن ظن في النقد والتجريح هو كذلك. فيبلبل الصف وهو يقصد إصلاحه.

стр. 256

إنه درس عظيم في الحركية الواعية لشبابنا المسلم يتلقونه من هذا الغلام. ونقطة ثالثة في هذا المجال كذلك هي أن معسكر النفاق لم يكن ليأبه بمثل هذا الغلام زيد بن أرقم ومن أجل هذا لم يجد حرجا في الحديث أمامه بكل ما في نفسه وبكل مخططاته. وهذا ما يجعلنا نطمئن إلى أن نفثات معسكر النفاق وأحابيله لا بد أن تظهر بشكل ما في الصف، وعلى الشباب المسلم أن يكون يقظا واعيا لمثل هذه الاتجاهات داخل الصف المسلم. ٥ - وماذا تتصرف القيادة أمام هذه المواقف؟ إن الدرس عام للقيادة والقاعدة، وما أحوجنا إلى التأسي بهذا المنهج جنودا ومسؤولين. لقد وضع رسول الله ﷺ ثلاثة احتمالات قبل أن يتبنى هذا القول ويبني عليه. الاحتمال الأول: أن يكون ناقل الكلام مغرضا. أو صاحب هوى (لعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله لقد سمعت منه). ومع أن عبد الله بن أبي هو رأس النفاق وأكبر أعلامه فلم يقبل رسول الله ﷺ القالة فيه مباشرة وأحب أن يتأكد من صدق الناقل أنه ليس له غرض أو مصلحة أو هوى ضد المنقول عنه. إن الحكم السريع من القيادة والتصديق المباشر دون تحقيق كامل لأسباب هذه الأقوال قد يوقع الجماعة المسلمة في خطأ أكبر من القول نفسه وقد يصدع نقل مغرض وحقد حاقد وغضب غاضب الصف كله إذا كان التسرع في قبول القول ضد أي إنسان لا يزال داخل الصف، مهما كانت الاتهامات ضده. الاحتمال الثاني: أن يكون ناقل الكلام غير دقيق في نقله. (لعله أخطأ سمعك) فلا يبعد أن يكون النقل خاطئا، فيؤدي إلى زيادة أو نقصان في الكلام يغير المعنى كله، ولا يصل إلى هذا المدى من الخطر، وبالتالي فيتهم القائل بشيء لا أصل له، أو زيد عليه فغير معناه. لقد كنا كثيرا ما نسمع بعض التعميات من الشباب المتحمسين ضد بعض إخوانهم أو مسؤوليهم أو يقوم شاب بنقل لحادثة عن القيادة مشوهة أو مغلوطة، وبعد أن ينتهي الأخ من غمرة حماسه يسأل: هل أنت متأكد مما تنقله؟ وهل نقل إليك هذا الخبر بهذه الصورة؟ فيقف مليا ليجيب مصححا

стр. 257

لنفسه مقالته الأولى، ويحدد ما هو متأكد من نقله، مما هو شاك فيه. إن خطأ السمع احتمال أساسي آخر ينبغي التحرز منه ونحن نستمع للأخ الذي ينقل شكاية عن أخيه الآخر مهما كان وضع الأخ الآخر متهما أو مشكوكا فيه. الاحتمال الثالث: أن يكون الفهم خاطئا للكلام (فلعله شبه عليك؟ قال: لا والله لقد سمعت منه يا رسول الله. وهذا أكثر الاحتمالات وقوعا في الصف المسلم أن يفهم الكلام على غير قصده أو غير معناه، وبالتالي تتأزم الأمور لسوء تفاهم أو سوء فهم من طرف واحد، ثم تبني الأحكام كلها على ضوء هذا الفهم السيء، ويتصدع الصف نتيجة أوهام لا حقائق، ونتيجة تفسيرات وفهوم لكلمات معينة لا نتيجة نقل أمين لمعناها، والأصل حين تقوم الثقة بين أبناء الصف أن يكون الأخ مصدقا عند إخوانه حين يعلن رأيه وفهمه ويقسم عليه، ولكم رأينا خلافات عميقة وشروخا كبيرة في الصفوة من إخواننا نتيجة فهم خاطىء لكلام صادر. أو تفسير سيء لنقد قائم بعيد عن التجريح والإساءة. والمنهج النبوي أمامنا في التحقيق نتمنى أن يكون درسا عمليا لجهاز الأمن وأجهزة التحقيق في الجماعة، ومهما كد ذهننا في التحقيقات، فلن تخرج الاحتمالات عن هذه المجالات الثلاثة: غرض في النقل، أو خطأ في النقل، أو خطأ في الفهم. وليس من حق قيادة الجماعة مهما كان الناقل صادقا والمنقول عنه متهما أن تصدر حكما قبل التحقيق في القول نفسه، ولو فعلت ذلك لجافت منهج النبوة، ولكانت أداة لزلزلة الصف وزعزعة الثقة عوضا عن أن تكون صمام الأمان له ومحور اللقاء والثقة فيه. والنفاق لا يستطيع أن يتحرك ويتمطى ويثمر الثمرة المرة إلا في الابتعاد عن المنهج النبوي في التحقيق والإدانة. ٦ - ثم ماذا بعد التحقيق؟ يأتي دور الاستماع للخصم ودفاعائه. فلقد جاء ابن أبي وأقسم بالله تعالى ما قال، وحلف على ذلك. وتأزم الموقف من جديد. وانقسم الصفوة من الصحابة بين مصدق ومكذب، بعد حلف ابن أبي، فالذين يعرفون ابن أبي لم يخالجهم الشك في قوله، واندفع عمر بن الخطاب ﵁ ليقول: يا رسول الله مر به عباد بن بشر ليقتله، ولا

стр. 258

يمنع أن نقف قليلا عند قول عمر ﵁، فالمعهود في الفاروق ﵁ في كل مواقفه أمام الانحرافات وتشكيكات المنافقين، أنه يطلب الإذن بقتل هذا المشكك، ومضت عنه هذه الكلمة: يا رسول الله دعني أضرب عنقه فلقد نافق. أما الآن فنحن أمام صورة جديدة. هذه الصورة أن عمر يطلب أن يقتله غيره، ولو أمعنا البحث وتعمقنا في فهم الأسباب لطالعتنا صورة نيرة خالدة. هذه الصورة هي ترفع عن أهوائه وانفعالاته. فلقد كانت المواجهة بين جهجاه الغفاري مولاه وبين سنان الجهني حليف الخزرج، فلو طلب عمر قتل ابن أبي، لكان الأمر محل شبهة أنه يود الثأر لنفسه ولمولاه من عبد الله بن أبي الخزرجي، وحرصا منه على أن لا يختلط الأمر بين حميته لدينه، وحميته لنفسه، ارتفع فوق رغبته الجامحة في قتل رأس النفاق، وأشار على رسول الله ﷺ أن يقوم أحد سادات الخزرج بقتله، والنقطة الثانية في هذه الفقرة هي في قسم ابن أبي نفسه أنه ما قال هذا الكلام، فإقدامه على حلف هذه الأيمان - الكاذبة يعني أن رصيده قد انتهى نهائيا من الصف المسلم فلو كان واثقا أن هناك من يحميه ويؤيده غير هؤلاء العشرة. لبقي مصرا على قوله، ولاستطاع أن يحرك الحمية الجاهلية في نفوس قومه وهم أكثر الجيش، وأن يقود انشقاقا جديدا كما فعل في أحد. إنه لواثق أنه أعجز من أن يؤثر على فرد واحد في هذه الظروف وبهذه الوقاحة السافرة. ومن أجل ذلك رأى أن مصيره الموت لو ثبتت إدانته، ولن يثأر له أحد فلا بد من تلافي الموقف من جديد وتكذيب الخبر حفاظا على عنقه من الإطاحة، وهو والعشرة معه لن يكونوا أكثر من نفخة في رماد. غير أننا نلاحظ اتجاها آخر غير اتجاه عمر ﵁، ولقد قوي هذا الاتجاه حين رفض رسول الله ﷺ فكرة قتله. قائلا: فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحاب. هذا الاتجاه يقوم على التماس العذر لابن أبي في مقالته، ويعرض على رسول الله ﷺ فكرة الرفق به أو تخفيف عقوبة القتل عنه على الأقل. ونلاحظ

стр. 259

هذا الاتجاه لدى زعيمين من زعماء المدينة هما أسيد بن حضير سيد الأوس - إذ كان سعد بن معاذ قد قضى شهيدا في الخندق - وسعد بن عبادة (١) سيد الخزرج إذ عرض رسول الله ﷺ الأمر عليهما كل على حدة، وكان جوابهما واحدا في هذا الأمر، فقال أسيد بن حضير: (.. فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكا، وكان جواب سعد بن عبادة ﵁: (... فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت فهو الأذل وأنت الأعز، يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ما بقيث عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه، فما يرى إلا قد سلبته ملكه. ولقد اندفع بعض أفراد هذا الاتجاه إلى تصديق عبد الله بن أبي بعد يمينه، وإلى تكذيب زيد بن أرقم الغلام المؤمن. فيذكر المباركفوري عن البخاري رواية فيها: (أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول الله ﷺ وحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به، وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل (٢)). ونلاحظ هنا أن تمالؤ مجموعة من الأفراد في الصف على موقف قد يؤدي إلى تغيير الواقع. لكننا نلاحظ أن أبعد مدى وصل إليه عبد الله بن أبي في الصف المسلم أن يوجد من يبرر له كلمته بدافع رغبته بالملك، أو يوجد من يصدقه ويكذب غلاما حدثا ليس معه شاهد آخر على كلامه، ومع هذا فنحن نعتبر أن هذا الموقف ليزيد القناعة بقوة هذا الصف وتراصه، فأن تصل الثقة لدى أفراد هذا الصف بغلام فيه، فوق الثقة بزعيم كبير من زعماء النفاق فهو دلالة واضحة على تعري النفاق والمنافقين فيه، وأن يقتصر الأمر على أفراد في هذا

стр. 260

الصف على توقع الوهم من الغلام لا الاختلاف. فهو مستوى رفيع ولا شك في تلاحم هذا الصف، وارتفاع الثقة فيه، وفضح المشبوهين فيه. ٧ - ونقف كذلك عند جواب رسول الله ﷺ لعمر: فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. وهو أمر أقرب ما نسميه في المصطلح الإسلامي بالسياسة الشرعية. وما أحوج الجنود في الصف إلى فقه هذا الموقف. فكثيرا ما يندفع الشباب المتحمسون في الصف في النقد العنيف للقيادة حيث تستعمل الحكمة والتؤدة في معالجة الشاذين في الصف والمتمردين عليه، خاصة إذا كانت الأغلبية في مركز أو تجمع تدين بآراء هؤلاء. وتصبح القيادة بين نارين، نار المتحمسين الذين يأخذون على القيادة تهاونها، ونار الأعداء من الداخل الذين يتربصون الدوائر بهذه الجماعة لينزلوا بها كيدهم فلا الشباب في الداخل يعذرونها ولا الأعداء في الخارج يرحمونها. إننا لا نتصور موقفا عدائيا للجماعة المسلمة أخطر من موقف عبد الله بن أبي، وأن مجرد (١) قناعته أن يخرج العزيز منها الذليل ويعني بها نفسه ورسول الله ﷺ . فهو خلع لربقة الإسلام من عنقه وصار كافرا خالصا، وحكمه هو القتل. لكن ظاهر الأمر أنه من الصف، فالإقدام على قتله، والمعركة الدعائية على أشدها بين المسلمين والكافرين تجعل للكفار سبيلا كبيرا للتشهير بالمسلمين والنيل منهم وتشويه سمعتهم لدى الآخرين، وظاهر الأمر أن رسول الله ﷺ لم يكن يخشى تأثير ابن أبي في هذه المرحلة، ومع أن الأمر لم يثبت عليه بعد، ومع أنه حلف أنه لم يقل هذا الكلام، فلم نر في الصف كله واحدا يقبل كلامه أو يقر به. إنما أقصى ما وصل التأثر به هو اعتبار زيد واهما في النقل، أو طلب الرأفة به لفقدانه الملك العضوض الذي فاته. ولا يوجد في ظاهر الأمر إلا هؤلاء العشرة من الصف كله قبلوا كلامه وسكتوا عليه، والمقصود في هذا التأكيد هو أن رسول الله ﷺ حين رفض قتله، لم يكن بسبب خوف من تصدع الصف الداخلي عنده، ولم يكن خوفا من تأثيره في داخل صفه إنما كان

стр. 261

فقط توقفا سياسيا حتى لا يعطي العدو فرصة للتشهير بالصف الإسلامي أمام المحايدين: (فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه). إنه كثيرا ما يسود الصفوف اتهام صارخ للقيادة بسكوتها على المخربين أو صبرها على بعض الانحرافات داخل الصف، مع أن ظروفا داخلية وخارجية تمر بها الجماعة المسلمة تقتضي منها تأجيل بعض الأحكام أو توقيف بعض التصرفات، ولعل جنود الصف يدركون المدى الأبعد للقيادة في حرية التعامل في صفها الداخلي أو مع عدوها الخارجي من خلال هذه الحادثة. لقد امتنع رسول الله ﷺ عن قتل رجل نزل الوحى فيما بعد بتكذيبه وبصحة ما وجه إليه من كفر بواح وهو يهدد ليخرجن الأعز منها الأذل، وذلك لاعتبارات سياسية بحتة، ولسمعة الجماعة المسلمة أن لا تتفتت عند أعدائها، فيستغل العدو هذه الفرصة. ما أحوجنا إلى أن ندع الحرية للقيادة في التعامل مع شبابها ومع خصومها! فهي أدرى بالظروف التي تتعرض لها منا، ومن حقنا أن نوضح رأينا. كما فعل عمر ﵁ وهو يطالب برأس ابن أبي، أو كما فعل سعد وأسيد وهما يطالبان بالرفق به. لكن ليس من حقنا أن نفرض رأيا نرتأيه. ولا أن نتهم القيادة في موقف اتخذته هو من حقها، ويحسن أن لا يغيب عن بالنا أن قيادة الحركة المسلمة فيها من العلم والعالمين ما يجعلها على بصيرة من تصرفاتها. لكن أشير إلى نقطة مهمة كذلك هي صلاحية القيادة للحركة، والقيادة للدولة. فقيادة الدولة قادرة على تنفيذ الحكم الشرعي بالقتل أو السجن أو النفي على أفرادها كما هي قادرة في كثير من الأحيان على مواجهة خصومها، ومع ذلك، فيتم مراعاة بعض الظروف والاعتبارات السياسية المحيطة بها، والتي تجعلها تتوقف في تنفيذ الأحكام، فمن باب أولى أن تكون قيادة الحركة أعجز وهي محكومة بظروف قاهرة من دول أخرى لها قوانينها وأعرافها، ولا تتعدى سلطتها المعنوية على أفرادها فصلا أو تجميدا مهما كانت خطيئة الجندي وذلك حين تتعارض المصلحة العامة للجماعة ومصلحة الفرد.

стр. 262

لقد رأينا رسول الله ﷺ لا يتعرض لمن ارتد أو تزعزع بأذى في مكة لأنه لا سلطان له في هذه الدولة. بينما رأيناه يقيم الحدود وينفذ الأحكام وهو الحاكم الأعلى في المدينة. والذين يفرون من المدينة مرتدين إلى سلطة أخرى لا تطالعهم يده فيها يدعهم وشأنهم إلى أن يكون قادرا على تنفيذ القصاص فيهم. ٨ - ولا بد من الإشارة كذلك لموقف سيدي الأنصار وهما يقولان لرسول الله ﷺ : يا رسول ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الحرز ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه. فما يرى إلا قد سلبته ملكه). فهذا الكلام وإن كان ظاهره يوحي طلب الرحمة بابن أبي. لكن حقيقته فضح للدوافع النفسية لهذا الموقف عنده. إن حب الزعامة عنده هو الذي قاده إلى هذا الموقع، وإن فقدان الملك هو الذي جعله في موقع الحرب ضد رسول الله ﷺ برغم ما رأى من الآيات البينات والدلائل الباهرات على صدق رسول الله ﵊. وهذا المرض الرهيب هو من أخطر الأمراض داخل الصف المسلم؟ مرض حب الزعامة والتنافس على السلطة وهذا المرض يقود في كثير من الأحيان إلى تدمير الجماعة المسلمة أو شق صفها على أقل تقدير. إن الفرق بيننا وبين الجاهليين هو أنهم يحتكمون إلى أعراف سياسية أو أعراف ديمقراطية فإذا خرجوا عليها فهو خروج على مبادىء صاغوها وجعلوا لها الحكم عليهم. أما الفئة المسلمة فالتزام الجماعة دين فيها، والسمع والطاعة للأمير فرض من فروضها، وقبول حكم الحاكم الشرعي بيعة من نكث فيها فإنما ينكث على نفسه. ومن أوليات الإسلام السمع والطاعة في المنشط والمكره ومن أوليات الإسلام السمع والطاعة ولو ولي عبد حبشي على المسلمين كان رأسه زبيبة ما أقام كتاب الله. كما نشير في هذا الموقف كذلك إلى الغلالة الرقيقة التي يتستر وراءها الخارجون على الجماعة. هذه الغلالة هي مصلحة الجماعة نفسها والحرص عليها، ومحاولة التمييز في صفوفها، وفقدان العدل بين شبابها. لتظهر فيما بعد النوازع الدفينة وهي فقدان المركز الحساس لهذا الثائر. على جماعته، وفوت

стр. 263

الفوز في انتخابات معينة. دفعته ليمضي في التشهير والجرح والتحطيم ما وسعه سبيل إلى ذلك. وإذا هو حين يتقلد منصبا أو يتسلم سلطة تذهب هذه الغيرة العظيمة على مصلحة الجماعة، وينقلب مدافعا عنها وعن قيادتها. إن كثيرا من المواقف المعادية للحركة الإسلامية تنطلق من حب الزعامة والمنصب وبالإمكان أن تعالج أحيانا هذه المواقف، ويصعب أو يستحيل معالجتها في حين آخر. إن طالب الزعامة والمنصب قد يراعي في بداية الأمر، وقد يتساهل معه في بعض الجزئيات. لكن أن يستمرىء هذا الإنسان هذه المراعاة، فلا يرضى إلا أن يكون الجميع تحت إمرته أو أن يكون الجميع بقيادته، وهو لا يستحق هذا المركز، ولا يستأهل هذا المنصب فحيئذ يكون من الخرق مراعاة مثل هذا النوع من الناس أو الاستجابة لطلباتهم، حتى أن كثيرا من الذين يعادون الإسلام إنما يعادونه خوفا على مصالحهم، وخوفا على زعامتهم. وأوضح مثالي على ذلك موقف أبي جهل من الإسلام ورسول الإسلام. أتنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وصرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء). والحركة الإسلامية الواعية، تتخذ الموقف الوسط والأنسب في هذه الأمور. فلا حرج عليها أن تراعي بعض هذه النوعيات، وإشعارهم بمقامهم المحفوظ في الإسلام: أو أن ترفض أية مراعاة لهم حين ترى خطرهم على الجماعة والدعوة، والموقف واحد مع من هو داخل الصف أو خارجه، في حركة إسلامية أو مستقل الرأي أو في موقف معاد للدعوة والحركة. ٩ - ويطالعنا موقف المسلم العظيم عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان له دور كبير في إنهاء سلطان أبيه من أرض الإسلام. وذلك في تصرفين عظيمين: التصرف الأول: وبعد أن ثبت له عن طريق الوحي صدق مقالة زيد فيما نقله عن أبيه تبرأ من أبيه، ووقف له على باب المدينة، واستل سيفه. فلما جاء ابن أبي قال له: والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ -

стр. 264

فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء النبي ﷺ أذن له فخلى سبيله (١). ومثل هذا التصرت لا يجدي إلا من عبد الله من جهة، ولا يقدره إلا عبد الله من جهة أخرى فهو لا يجدي إلا منه لأن كل الخزرج بل الأنصار تعرف بر عبد الله بأبيه. فلو أقدم أي واحد من المسلمين على هذا الموقف لكان خوفه من سيف عبد الله الابن قائما في كل لحظة ولن يرضى ذل أبيه، وقد تقع فتنة أعظم تحول دون هذا الاعتراف بالذل من رأس النفاق، ولا يقدره إلا عبد الله من جهة أخرى، لأنه الوحيد الذي لا يخشى سطوة أحد من المنافقين أتباع أبيه، إنهم حين يرون الولد يضع السيف على عنق أبيه، لن يتجرأ أحد على النيل من الولد، لأنه هو حامي ذمار أبيه، ولن يكون أحد أغير وأثأر للأب من ابنه. لقد كان هذا الموقف من الواقف الخالدة في التاريخ، والذي أحرق كيد المنافقين كله حين رأوا عبد الله بن عبد الله بن أبي يذل أباه، بل يمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. التصرف الثاني: حين قدم على رسول الله ﷺ وقال له: يا رسول الله ﷺ إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري بقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل ومنك أعظم. فقال رسول الله ﷺ : ما أردت قتله وما أمرت به، ولنحسن صحبته ما كان بين أظهرنا. فقال: يا رسول الله إن أبي كانت هذه البحيرة قد اتسقوا عليه ليتوجوه. فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به يذكرونه أمورا قد غلبه الله عليها. وإذا حق لنا أن نعتبر بعض الحوادث منعطفات في تاريخ النفاق، فلعمري إن هذه الحادثة أولى منها جميعا بذلك، فعبد الله المؤمن على استعداد أن يقطع رأس أبيه عن جسده بحركة من شفتي رسول الله ﷺ أو إيماءة -

стр. 265

ورسول الله لا يقتل إيماء - وبذلك يغدو عبد الله زعيم النفاق كأمس الدابر. وحين نرى مثل هذا القول لا نشك أصلا أنه إنما قال لينفذ، وليس وقوفه دون دخول أبيه المدينة حتى يقر بأنه هو الذليل، وأن محمدا هو العزيز، وحتى يأذن له رسول الله ﷺ بدخولها، ليس هذا الموقف إلا دليلا على ذلك. لكن عظمة هذه النفس البشرية، نفس عبد الله الابن لتبدو أعظم وهي تتحدث عن نقاط ضعفها، ونقاط نقصها، إنه ليعلن أن الحمية الجاهلية قد تلعب برأسه، لو قتل أباه أحد غيره. وهو يعرف عتو هذه الجاهلية، وقوتها الكامنة في أعصابه، وفي حالة الحمية هذه، قد يفقد توازنه، ويفقد رشده، ويفقد دينه، فيقدم على قتل مسلم بكافر. فيؤدي ذلك به إلى النار. فليس المسلم إذن سموا كله، وليس تساميا كله. بل من نجد عنده قمة السمو قد نجده في مكان آخر في زلة ضخمة قد تقوده إلى الضلالة والكفر. ومن الخطورة بمكان ونحن نتناول أحداث السيرة أن يكون التركيز دائما على نقاط التسامي، فأن تعرض هذه الحادثة ليؤخذ قسمها الأول في استعداده لقتل أبيه فقط يجعل بين هذا الصحابي العظيم وبيننا هوة كبيرة سحيقة لن نتمكن تجاوزها فنيأس ونحكم على حركتنا بالفشل. أما عرض الموقف كله من الشخص نفسه فهو دليل من جانب آخر على طبيعة هذه النفس البشرية الواحدة القادرة على الارتفاع إلى الأفق، والقادرة على الهبوط إلى الحضيض. القادرة على التطبيق الحي لأوامر الله ، ولو أدى ذلك لقتل ألصق الناس بها، والمستعدة للولوغ في الوحل ونتن الجاهلية فتقتل مسلما بكافر ثأرا وحمية وتدخل النار، وجانب العظمة لدى عبد الله ﵁ هو أنه لم يجد حرجا في عرض خشيته من ذلك الإنحدار أمام رسول الله ﷺ . ويدع الأمر بعد ذلك لقائده يوجهه لما يشاء. وهو درس لكل جندي يكلف بمهمة، أو يرى حدثا معينا يخشى منه الفتنة أن يعرضه لقيادته حتى تكون على بينة من طبيعة هذا الجندي. فقد تغير الأمر نتيجة التعرف على هذا العرض. وأخيرا يضعنا هذا الموقف لعبد الله ﵁ على جانب من الوضع النفسي له. فكل خشيته قائمة من دخول النار لو زل وعصى واستجاب لثأره، وليس خوفه على قتل أبيه أو خسارة سمعته أو لوم عشيرته.

стр. 266

لقد أصبح يتحرك في عواطفه من خلال عقيدته. لكن ضغط مقتل أبيه على أعصابه يخشى أن يزعزعه إلى ذلك المستوى الذي تجاوزه. ويصبح من عداد أهل النار. ١٠ - ولا يفوتنا أن نستعرض موقف الغلام المؤمن في هذه الحادثة: موقفه وهو يمضي سريعا لرسول الله ﷺ ، ليخبره بما سمع وهو الواجب على كل جندي أن يكون حارسا أمينا على دعوته، وموقفه وهو ثابت كالطود أمام تكذيبه. ويصر على صدق ما سمعه، وينفي أمام قائده أن يكون له هوى بهذا الأمر أو يكون قد أخطأ في نقله، أو أخطأ في فهمه، وموقفه في مواجهة التيار العام الذي ثار ضده من قادة قبيلته. وهو يتحداهم جميعا بقوله: والله إني لأرجو أن ينزل الله على نبيه حتى تعلموا أني كاذب أم غيري. فلم تزلزله هذه الهجمات كلها بل بقي على موقفه، وثقته برب السموات والأرض أن يظهر الحق لنبيه، وأن يأتي الوحي تصديقا له، ويتعبد به الناس إلى يوم الدين. ومن أجل هذا حرص رسول الله ﷺ على رفع معنوياته أمام هذا الهجوم الرهيب عليه حين جاء الوحي مصداقا لقوله: فإذا هو يأخذ بأذني زيد ويقول: وفت أذنك يا غلام وصدق الله حديثك. وإذا بكل تمالؤ الحسب والنسب ينهار أمام الوحي، ويرتفع هذا الفتى المؤمن بالله وبرسوله فوق الشبهات، وفوق الزعامات بعد أن صدقه الله تعالى، وكذب رأس النفاق الذي لم يتورع عن الحلف كاذبا في سبيل المحافظة على مركزه وسطوته، فلا يستصغرن أخ نفسه من أجل هذه المهمة. وليعتبر نفسه مقام هذا الغلام المؤمن. فلا يصمت على حديث يسيء للجماعة مهما كانت صعوبة الإبلاغ قائمة. وكم يستشعر الجندي بالثقة وهو يجد قيادته تتصرف مباشرة بعد التأكد من صحة كلامه، وأن لا يكون لدى قيادة الجماعة حرج في أن تستمع لمثل هذه الآراء، وتتعرف على ما يجري داخل الصف. ١١ - وأخيرا نلاحظ معالجة رسول الله ﷺ للموقف على جبهات عدة، وهو يود أن يستأصل هذه الظاهرة من الجذور. وهو موقف أحوج ما تكون القيادة للتأسي به وهي تعالج هذه الظاهرة.

стр. 267

أ - فالتثبت والتحقق من الحادثة هو الواجب الأول، وهو ما رأيناه من الأسئلة العديدة التي وجهها رسول الله ﷺ لزيد قبل أن يحكم على صحة مقالته. وإذا كان النبي ﵊ قد فعل ذلك، فأحرى بأية قيادة أن تتثبت قبل أن تصدر الحكم. لأنها هي المسؤولة عن أمن جماعتها وأفرادها. وتسرعها بإصدار الحكم يعني بتر بعض قواعدها، أو إثارة فتنة في صفها، أو ظلم جندي من جنودها، والجماعة التي لا تقدر الفرد فيها لن تستطيع أن تستفيد منه ساعة المحنة. وإذا كنا لا نملك وحيا بعد رسول الله ﷺ يثبت الواقعة أو يكذبها ففي البيانات التي اشترطها الإسلام من الشهود والعدول، أو من البينات التي قدمها العلم الحديث كالتسجيل لكلام المتهم أو التصوير له جوانب فرعية يمكن أن تساعد في سعة التحقيق وصحته. ب - ثم في مواجهة انتشار الفتنة. إذ أمر رسول الله ﷺ بالرحيل في وقت لم يكن يرحل فيه وكما يقول ابن هشام في السيرة (ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذاك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذاك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل في الناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، إنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليشغل الناس بالحديث الذي كان بالأمس (١)). فلا بد إذن من إشغال الناس عن الفتنة، والقاعدون حين تشتعل الفتنة لا يكون لهم حديث إلاها حتى في المجتمع النبوي. والقيادة الحكيمة هي التي تملأ فراغ شبابها بعمل مثمر. أو تدريب مناسب أو جهاد مباشر للعدو بحيث يستفرغ العمل وسعهم ويستنفد طاقتهم. ويصرفهم عن الانشغال بالقيل والقال وكثرة السؤال. وعن تأثرهم سلبا أو إيجابا بهذه الترهات. ج - ثم كان عرض الرأي على الخلص من أصحاب عبد الله بن أبي

стр. 268

بعد أن ثبت له صدق الغلام دون أن ينقل الحديث إلى أفراد الصف، ومعالجته بالحكمة الممكنة. وهذا الأمر لو أحكم في صف الجماعة المسلمة لجنبها كثيرا من المآزق. أن يكون أمر الأمن أو الخوف ممدودا بمستويات معينة لا يتجاوزهم. أما المنافقون فهم الذين يشيعون قالة السوء، ويسارعون في نشرها وهم يتلذذون بذلك وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (١)﴾. فمنهج التبليغ للخبر، ومنهج التلقي يجب أن يكونا سلميين، وكثيرا ما يحدث أن بعض الأفراد في مستوى معين من المسؤولية أو في القيادة العامة للجماعة، فيتساهل في بعض الأسرار. فإذا بها تنتقل عن طريقه، وتزكم الأنوف كلها، وتكون مادة الحديث ليتسلى الصف أو يتصارع بها. وكانت حكمة رسول الله ﷺ أن سمع رأي سعد بن عبادة وأسيد بن حضير وعمر بن الخطاب، واكتفى بذلك إلى أن جاء الوحي بصدق زيد ﵁ وصحة ما نقله عن ابن أبي. فأصبح لدى رسول الله ﷺ موقف آخر. فلقد وقف عبادة بن الصامت موقفا حازما من عبد الله بن أبي. وكذلك أوس بن خولي إذ (مرا عليه فلم يكلماه. فورم أنفه وقال: إن هذا الأمر قد تمالأتما عليه فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع وبما نزل من القرآن إكذابا لحديثه فقال: لا أعود أبدا). وترك رسول الله ﷺ الأمر للخزرج في معالجة عبد الله بن أبي فكان الموقف العظيم لابنه، ولبني عشيرته الأدنين. ونتساءل: لماذا كان موقف رسول الله ﷺ بهذا التساهل مع عبد الله بن أبي؟ والجواب واضح. فهو أولا: مطمئن إلى أن قومه سوف ينفضون عنه جميعا، فلقد أصبح خطره محدودا وأمره مفضوحا للجميع. وهو ثانيا: يود أن لا يفتح له مجالا للخروج من الصف والانقضاض عليه بحيث يخرج ويتآمر مع اليهود والمشركين وأسرار الصف عنده. وأي

стр. 269

ضغط عليه قد يقوده إلى هذا الموقف كما فعل أبو عامر الفاسق الذي خرج مع خمسين من قومه وأنضم لأهل مكة. فأن يكون مراقبا في جميع تصرفاته أولى من أن ينقل أسرار الجماعة المسلمة إلى عدوها، ومن أجل ذلك كان جواب رسول الله ﷺ واضحا لابنه حيث قال له: ما أمرت بقتله (١)، ومما أمرت به، ولنحسنن صحبته ما دام معنا. وهو ثالثا: يعلم أن عبد الله بن أبي قد احترق نهائيا بنزول سورة (المناففون) حيث صارت على كل لسان. وما من مسلم يتلو هذه السورة، ويبقى عنده شك في تقييم ابن أبي أو الثقة به إلا إذا كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وحتى يبقى هذا المعنى راسخا في أذهان المسلمين كان رسول الله ﷺ يتلو هذه السورة في كل يوم جمعة تقريبا مع سورة الجمعة. فلو تاب عبد الله بن أبي توبة نصوحا، وخاف الآخرة لم تعد السورة لتمسه بعد أن حسنت توبته، وإن بقي مصرا على موقفه، فسيبقى المسلمون في مفاصلة تامة معه وهم يتلون كتاب الله ويقرؤون شهادة الله تعالى به وبأمثاله أن هؤلاء المنافقين كاذبون، وأنهم اتخذوا أيمانهم جنة ليصدوا عن سبيل الله. وهكذا. نستطيع القول أن جبهة المنافقين التي كان يقودها عبد الله بن أبي قد تصدعت تصدعا تاما بعد أن كانت قادرة على تصديع الصف الإسلامي كله. ولم يعد لعبد الله بن أبي ناصر أو معين. وأصبح مكان الإذلال في قومه بعد أن كان في مكان الصدارة. بينما لو قتل لتحركت الحمية من جراء قتله برؤوس بعضهم بعد قتله، وقد يغدو مظلوما شهيدا عند آخرين من ضعاف الإيمان. وكان هذا الأمر هدفا واضحا ومحددا من رسول الله ﷺ أن يجعل كل الناس ينفضون عن ابن أبي بعد أن كان أكثرهم يجتمعون عليه. يقول ابن إسحاق: (وجعل يعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه؟ فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي

стр. 270

أقتله، لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري). ح - المنافقون وحديث الإفك الذي يتبادر إلى الذهن أن حديث الإفك كله هو من صنع المنافقين، وأنهم هم الذين خاضوا فيه غير أن النص القرآني واضح في أن الذي جاء بالإفك فريق من المؤمنين. ﴿إن الذين جاؤوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم .. (١)﴾ والآيات المتتالية تناقش المؤمنين الذين خاضوا فيه. ﴿.. ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا (٢)﴾. لكن دور المنافقين كان في تأجيج هذا الحدث ونشره. فقد أشارت عائشة ﵂ إلى أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي حيث تقول: (وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج الذي قال مسطح وضمنه). وتصف عائشة ﵂ انتشار الخبر فتقول: (.. فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي. فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتعج العسكر والله ما أعلم بشيء من ذلك ..). وما كان المنافقون ليجرؤوا على بث هذا الحديث والخوض فيه بعد الفضيحة التي نالتهم بعد التعرية التي نزلت بابن أبي. لكن انتشار الحديث واستفاضته في الصف الإسلامي جعل المجال رحبا لهم أن يدسوا أنوفهم فيه، ويشعلوا النار من خلف الستار. ولعل عبد الله بن أبي وحده هو الذي برز من خلال النص أنه تولى كبره. ومعه ثلاثة من الصف الإسلامي الخالص. حسان بن ثابت، شاعر رسول الله ﷺ ، وممن قال له رسول الله: أهجهم وروح القدس معك ومسطح بن أثاثة، وهو من المهاجرين، وممن شهد بدرا. وابن خالة عائشة ﵂ ومن المقيمين في بيت أبي بكر ﵁. وحمنة بنت حجش، ابنة عمة رسول الله ﷺ ، وزوج شهيد الإسلام العظيم مصعب بن عمير.

стр. 271

ونستطيع أن نقول في نهاية المطاف أن ظاهرة المنافقين ابتدأت معسكرا قبيل أحد. وبلغت ذروتها في أحد، وظهر عظم خطرها على الصف الإسلامي، وانتهت فردا أو أفرادا يعدون على الأصابع، وأصبح الصف الإسلامي نقيا خالصا وذلك بعظمة تربية النبي ﷺ ، التي دفعت الكثير منهم إلى أن يسلم ويحسن إسلامه. غير أن هذه الظاهرة عادت للظهور مرة ثانية بعد فتح مكة وانتشار الإسلام في الأرض العربية، وبدت أوضح ما يكون في غزوة تبوك حيث تناولت سورة براءة فضح كل أساليبهم ومخططاتهم، وسبب عودة ظاهرة النفاق هو أن فتح مكة جعل الكثيرين يدخلون خوفا في الإسلام، فيظهرونه ويبطون الكفر، ومجال معالجة ذلك في المرحلة الثانية من العهد المدني إن شاء الله. السمة الخامسة عشرة الوجود اليهودي في المدينة وإنهاؤه ابتدأ الوجود اليهودي في المدينة بعد قيام دولة الإسلام باعتراف رسمي به وذلك من خلال نصوص المعاهدة النبوية التي تم فيها تحديد العلاقات بين فئات المجتمع في المدينة المسلمة وغير المسلمة. وكانت الفقرات (١) التي تخص اليهود في هذا الميثاق كفيلة بإيضاح حقوقهم وواجباتهم. أ - الاعتراف بالوجود اليهودي في الدولة المسلمة: حيث كانت النصوص تعالج نوعين من التجمعات اليهودية. النوع الأول: وهي التجمعات اليهودية الصغيرة المرتبطة بتجمع القبيلة الكبير. (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين). فنفقات الحرب التي تقع على القبيلة توزع على أفرادها مسلمين ومشركين ويهود. وكل تجمع يهودي هو في الأصل جزء من القبيلة، يمكن أن يكون حليفا للقبيلة، ويمكن

стр. 272

أن يكون حليفا للمؤمنين من خلال قبيلته. (إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته). وفي هذا التجمع الصغير لا يترك الأمر دون تنظيم، ولا يضار المجتمع كله بعد وإن كان واحدا من أفراده. وذكر الميثاق الحقوق المماثلة ليهود بني عوف وليهود بقية القبائل كاملة، ثم اعتبر بطانة يهود كأنفسهم وذلك ضمن الأطر العامة التالية: ١ - (وإن البر دون الأثم). ٢ - (وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد ﷺ . ٣ - (وإنه لا ينحجز ثأر على جرح). ٤ - (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين). النوع الثاني: ويعالج وضع التجمعات اليهودية الكبيرة، وهو أقرب ما يكون لأن يمثل الحلف السياسي. فاليهود هنا تجمعات كبيرة ضخمة، احتاج إنهاؤهم عندما نقضوا العهد إلى حروب وحصار، لهم سلطانهم الخاص وأراضيهم وقلاعهم وبيوتهم. وبالرغم من أن البنود قصيرة جدا وهي تخصهم بالذات، لكنها ذات أهمية خاصة (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين) فهو النص السابق نفسه من حيث النفقة للتجمعات الصغيرة. (وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم) إذ رأينا من قبل أن التجمعات اليهودية الصغيرة تشارك بمقدار ما يلحقها في كيان قبيلتها العام. أما هنا فالتجمعات اليهودية الضخمة تشارك في النفقات بما يوازي ويناسب نفقات المسلمين جميعا من قريش ويثرب. فعلى اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم (وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة). ومع أنه لم يكن بين قريش واليهود أدنى ثارات قديمة أو دماء أو خلاف، لكن قريشا حين تهدد المسلمين فهي بهذا تهدد يثرب كلها. ومن أجل هذا عليهم أن يلبوا طلب قيادة المدينة حين تطلب منهم ذلك، وكان بالإمكان أن يمضي هذا الأمر طيلة العهد النبوي بعد أن أخذ شرعية وجوده من التعاقد مع رسول الله ﷺ . لكن اليهود وطبيعتهم الأساسية في نقض المواثيق طغت عليهم. فتم عقابهم على ضوء نقضهم لهذه المواثيق. وسنعالج وضعهم بالتفصيل.

стр. 273

أ - بنو قينقاع: يقول ابن إسحاق: (وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: يا معشر يهود، إحذروا من الله ما نزل بقريش من النقمة. وأسلموا فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم؟ قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك!. لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس). قال ابن هشام: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سؤتها، فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود. فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. كانت الجولة الأولى لليهود لا تتجاوز المواجهة الإعلامية. فقد وقفوا موقفا سفيها من رسول الله ﷺ ودعوته، وفضحهم القرآن فضحا بينا وهو يرد على افتراءاتهم وأكاذيبهم. والقرآن الكريم غني بنمانج عن ذلك، ويكاد يكون الجزء الأول من سورة البقرة في دحض ادعاءاتهم وتفنيد أباطيلهم. ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم، قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا

стр. 274

قالوا سمعنا وعصينا، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (١)﴾. هذا الكفر البواح الذي وقفوه من رسول الله ﷺ أرفقوه بكثير من الدسائس والمؤامرات في الخفاء لتأجيج نار الفتنة بين المسلمين، كما فعل شاس بن قيس في تحريكه الفتنة بين الأوس والخزرج، وكما فعل بعض أحبار اليهود حين كان يستهزىء بآيات الله فلم يتمالك أبو بكر ﵁ من ضربه، فأنزل الله تعالى آياته تدعو المؤمنين للصبر على أذاهم في قوله : ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (٢)﴾. وكانت الجولة الثانية بعد بدر، حيث تحرك الغيظ في قلوب بني قينقاع ولا غرابة أن يكون الاحتكاك الأول معهم لأنهم كانوا (يسكنون داخل المدينة - في حي باسمهم - وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحروب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق مع اليهود (٣)). (فلما قدم من بدر بغت يهود وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ من العهد فجمعهم بسوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله؟ فقالوا: يا محمد لا يغرنك من لقيت، إنك قهرت قوما أغمارا، وإنا والله أصحاب الحرب ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا (٤)). لقد كانت محاولة سلمية لعدم فتح جبهة مع يهود بني قينقاع، وفي هذه المحاولة كان الإنذار الخفي بالحرب، حتى لا يتجرؤوا على المسلمين

стр. 275

ويأخذوهم بغتة، لكن الغرور قد أخذ مبلغه من اليهود وأصبحوا يبدون مظاهر العداوة للمسلمين (وتوسعوا في تحرشاتهم واستفزازاتهم فكانوا يثيرون الشغب، ويتعرضون للسخرية، ويواجهون بالأذى كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم). وأعلنوا في جوابهم بعد اللقاء المذكور أنهم مستعدون للحرب، بل يهددون فيها كذلك. ومع ذلك فرسول الله ﷺ يصبر حتى لا يكون أول من نقض العهد، وأفهمهم بذلك اللقاء بالكلام اللين وبالكلام الخشن ما يدفعهم إلى أن يرعووا عن غيهم ولكن دون جدوى. والحركة الإسلامية ثم الدولة الإسلامية بعد ذلك مطلوب منها أن تكون يقظة تمام اليقظة مع حلفائها. فطالما أن الخلاف الفكري قائم فهذا يعني أن هذا الحلف مؤقت، ويعني أن الحلف منطلق من مصلحة هذا الحليف. فليس له أسس متينة للاستمرار. والدعاة إلى الله لا يدعون فرصة مواتية ليذكروا بالتعهدات التي قدمها الحليف للحركة إلا ويستفيدوا منها. كما أنه لا يجوز أن يركنوا إلي الدعة طالما أن حليفهم قوي، قد يستغل الفرصة السانحة للانقضاض، وهذا الخطر الذي يحتمل أن تتعرض له الحركة الإسلامية في تحالفاتها مع أعدائها خاصة والعدو جاثم في الأرض، مستثن إلى قوة، فالوعي الحذر، والاعداد الدؤوب هو الأمر الواجب تنفيذه حتى لا يؤخذ المسلمون على غرة. وكانت الحادثة التي فجرت الموقف حادثة المرأة المسلمة التي راودها اليهود عن كشف وجهها فأبت. فعمدوا ظهر ثوبها فانكشفت سوءتها عندما قامت، فاستغاثث. وكان مقتل اليهودي والمسلم. ولم يكن مقتل المسلم أمرا فرديا، فلقد كان تمالؤا عاما من اليهود وإعلانا بنبذ العهد منهم فلو كان حادثا فرديا لأمكن معالجته وقتل القاتل. لكن الملأ من يهود هم الذين اجترؤوا وقتلوا. فأنزل الله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (١)﴾. فقال ﷺ أنا أخاف بني قينقاع. فسار إليهم رسول الله ﷺ يوم السبت النصف من شوال بعد بدر ببضعة وعشرين يوما، وفهم

стр. 276

رسول الله ﷺ الحرب من الآية (فقال: أنا أخاف بني قينقاع فاحتمال الغدر قائم كل لحظة، ولئن سكت المسلمون على هذه الجريمة فهذا يعني أنهم ضعاف وبالتالي فهم معرضون للغزو في كل لحظة، ولم يكن هناك خيار من المعركة وإن كان لا بد من ذلك فليكن المسلمون هم البادئون. لقد نبذ إليهم رسول الله ﷺ منذ أن دعاهم إلى الإسلام. وفي تحرك سريع خاطف كان اليهود محاصرون في بيوتهم وحصونهم. إنه لمما يؤسى له أن نجد اليهود اليوم ينفذون هذه الخطة والمسلمون غارقون في سباتهم. فوقف إطلاق النار الذي كان بين الفلسطينيين واليهود مجرد أن ينقض، فيقتل يهودي في أوروبا يزحف اليهود على بيروت ويحاصرونها حصارا عنيفا وتنقلب الآية. وكما سكت بنو قريظة وبنو النضير عن جريمة حصار بني قينقاع، وتركوهم يلقون حتفهم وحدهم، رأينا العرب ودول العرب وجيوشهم يسكتون سكوتا خائنا، ويدعون الفلسطينيين يلقون حتفهم وحدهم. إنا على ثقة أن اليهود اليوم يثأرون لهزائمهم التاريخية من قبل، وهم ينفذون الخطط التي كان رسول الله ﷺ يقاتلهم بها. أما العرب الذين تخلوا عن إسلامهم فينفذون خزي يهود، وذل يهود الذي كان أيام النبوة. إن عرض المرأة المسلمة كفيل أن يشعل حربا رهيبة مع العدو، وقام الحصار الذي استمر خمسة عشر يوما على يهود حتى استسلمت للذبح من أجل التعرض لكشف سوأة امرأة مسلمة من اليهود. بل حتى من أجل إصرارها على أن لا تكشف وجهها لليهود. وما أحوجنا أن نستعيد هذه المعاني، ونحن نبني صفنا الداخلي، ونربيه على الثأر والثورة للعرض والدين، وأن يكون القتل أحب للمسلم من الحياة الخانعة الذليلة وعرضه مباح. ونزل اليهود على حكم رسول الله ﷺ وهيؤوا للقتل. بينما تبقى ذراريهم ونساؤهم لولا أن تدخل عبد الله بن أبي فحفظ لهم حياتهم، وأمرهم رسول الله أن يجلوا عن المدينة. ولئن حفظت السيرة موقف عبد الله بن أبي منهم، وتواطؤه معهم، فقد حفظت كذلك عظمة عبادة ابن الصامت وهو يتبرأ منهم

стр. 277

ويتولى الله ورسوله وجماعة المؤمنين. وأضيف إلى المسلمين بعد خروجهم ذخيرة جديدة من المال والسلاح وآلات الحرب، وأنهوا عدوا لدودا مقيما بين ظهرانيهم لم يحفظ العهد ولم يرع الميثاق. ولا شك أن هذه الحركة العسكرية قد أجهضت المناوئين الآخرين، وجعلت بني قريظة وبني النضير على خوف وحذر شديدين من المواجهة. ولقد حدد القرآن الكريم هذا المعنى بدقة بأن الضربة القوية الحاسمة من الحركة الإسلامية - قمينة بإرهاب بقية الأعداء: وخاصة الذين ينقضون الميثاق ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين، ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله ﷺ -علمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ﷺ -وف إليكم وأنتم لا تظلمون (١)﴾. فالآيات هذه تنزلت في بني قينقاع، ولم يكن بين بدر وبين بني قينقاع إلا حوالي عشرين يوما. وكأنها توجيهات عسكرية مباشرة إلى طبيعة المواجهة بين المسلمين واليهود. واليهود هم شر الدواب عند الله، وهم الذين نقضوا عهدهم، وهم الذين يتابعون هذا النكث، فلا بد أن تكون الحرب معهم حاسمة بحيث تشرد من خلفهم من الأعداء، وترعب من وراءهم من الحلفاء. وها نحن نجد الحركة الإسلامية حين أعلنت بعض فصائلها الحرب ضد الطواغيت تغدو مرهوبة الجانب، منيعة عزيزة، يخشاها العدو، ويسارع الخصوم إلى التحالف معها. فلقد أصبحت أملهم في الإنقاذ من براثن هذا الطاغوت، ومهما عتا الطاغوت وتجبر فهو يخشى الثأر والانتقام فيملأ السجون ويدمر البيوت، ويذبح الآمنين، لكنه ما أن تحل به عملية ضخمة من عمليات الثأر حتى يستنفر جيشه وسراياه ومخابراته كلها لهول هذه الضربة.

стр. 278

وهذا خط يحسن أن تتربى الحركة الإسلامية عليه كذلك وهي تواجه أعداءها، أن تكون الضربة موجعة، والعملية مزلزلة حتى يحل الإرهاب في القلوب، أو تسقط النظام الكافر، وتشرد به من خلفه من أحلافه وزبانيته. بنو النضير (.. ثم كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجر النبي ﷺ .. وسببها: أن عمرو بن أمية الضميري لما قتل الرجلين من بني عامر خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعين في ديتهما - لأن بني النضير كانوا حلفاء لبني عامر، وكان ذلك يوم السبت - فصلى في مسجد قباء ومعه رهط من المسلمين ثم جاء بني النضير، ومعه دون العشرة من أصحابه فيجدهم في ناديهم، فجلس يكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية. فقالوا: نفعل، اجلس حتى نطعمك. ورسول الله ﷺ مستند إلى بيت؟ فخلا بعضهم إلى بعض، وأشار عليهم حيي بن أخطب أن يطرحوا عليه حجارة من فوق البيت الذي هو تحته فيقتلوه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش ليطرح عليه صخرة، وهيأ الصخرة ليرسلها على رسول الله ﷺ وأشرف بها، فجاء الوحي بما هموا به، فنهض ﷺ سريعا كأنه يريد حاجة، ومضى إلى المدينة. فلما أبطأ لحق به أصحابه - وقد بعث في طلب محمد بن مسلمة - فأخبرهم بما همت به يهود؟ وجاء محمد بن مسلمة فقال: اذهب إلى يهود بني نضير فقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلده فإنكم قد نقضتم العهد بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتهم عشرا، فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه .. (١)). لئن كانت غزوة بني قينقاع بعده بدر فغزوة بني النضير بعد أحد، وبعد المحنة الشديدة فيها. والتجربة المرة لبني قينقاع دفعتهم رغم محنة أحد إلى التوقف عن نقض العهد. وطالما أن العهد مصون، فالصلات قائمة. والأمان مستتب بين الفريقين. وقدم ﵊ إلى بني النضير يستعينهم في

стр. 279

دية قتيلين من بني عامر قتلهما عمرو بن أمية الضميري ﵁ لأن بني النضير كانوا حلفاء بني عامر. فلقد كان ذهاب رسول الله ﷺ إليهم بمثل قمة من الوفاء في العهد. فليس لبني عامر حلف مع رسول الله ﷺ ، وبالتالي فرسول الله ﷺ يمكن أن يتجاهل الأمر. ومقتل هذين الرجلين إنما تم من عمرو بن أمية لأن بني عامر قد ساهم زعيمهم في ذبح سبعين من المسلمين في بئر معونة. وقدر عمرو أنه يأخذ بثأر الشهداء من هذين الرجلين وتقول الرواية كذلك أن لهذين الرجلين عهدا عند رسول الله ﷺ لم يدر بهما عمرو. ولهذا مضى ﵊ مع نفر يسير من أصحابه فالقوم حلفاء للمسلمين. لكن سيطرة السجية اليهودية طغت عليهم، فدأبهم في تاريخهم نقض العهد وقتل الأنبياء ونكث المواثيق وخفر الذمم. فوجدوها فرصة سانحة لقتل محمد ﷺ وهو بين ظهرانيهم، ولو كان الأمر اندفاعا أعمى من جندي متحمس لهان الأمر، لكن رئيسهم حيي بن أخطب هو صاحب الفكرة وهو صاحب الاقتراح. فالتمالؤ متوفر من القيادة العليا عندهم وأقره عليها أزلامه وزبانيته. كما رأينا التمالؤ من قبل في بني قينقاع. وانتدب لذلك عمرو بن جحاش ليطرح عليه صخرة. لقد قتلوا يحيى وزكريا أنبياءهم من بني إسرائيل. فكيف لا يقتلون محمدا وقد نزع منهم النبوة والملك وهو من بني إسماعيل؟ وتداركت رحمة الله تعالى الموقف، فأبلغه الوحي رسول الله ﷺ بما هموا به، فمضى عائدا إلى المدينة، موهما اليهود أنه ماض لقضاء حاجة، حتى لا يكون التصرف مفاجئا، فيثير انتباههم إلى كشف هدفهم ومخططهم. ولحق به الصحابة الذين كانوا معه، دون أن يعرف اليهود شيئا عن جلية الأمر. إن القائد المسلم هدف ثمين للعدو، وفي كثير من الأحيان لا بد أن يعتمد على يقظته وانتباهه وحسن تصرفه في اللحظة العصيبة. كما لا بد أن يكون للحركة الإسلامية رجالها في صفوف العدو المحالف، تكشف مخططاتهم واتجاهاتهم في نقض العهد أو الوفاء به. فلقد انقطع الوحي بعد رسول الله ﷺ ، وأصبح تحسس أخبار العدو من مهمة الحركة الإسلامية. ووقوع الدعاة إلى الله في شرك أعدائهم أو حلفائهم من خلال غفلتهم ونيتهم الطيبة لا يعفيهم من المسؤولية أمام الله . ولا

стр. 280

شيء أقوى للحركة الإسلامية من أن تتعامل مع حلفائها أو أعدائها ببلاهة ظاهرية، بحيث تعرف مخططاتهم وتتظاهر بجهلها لهذه المخططات. لأن هذا التعامل هو الذي يكشف المخبوء من النوايا، والمستور من الشر. ولا شيء أكثر ضررا على الحركة الإسلامية من الاندفاعات العاطفية لمن يتحسسون أخبار أعدائهم. فلا بد أن يكون من يكلف بمثل هذا الدور على مستوى من الهدوء وحضور البديهة واليقظة، ما يطمس طبيعة مهمته ويبعد الشك عن دوره الذي يقوم به. ولقد علمنا قائدنا ﵊ سرية التخطيط وسرعة المبادهة من خلال هذا التظاهر بقضاء الحاجة. وكيف مكث اليهود ينتظرون عودته لقتله، تماما كما رأينا ليلة الهجرة. وقد أناب عليا ﵁ في النوم مكانه ليجعل المشركين هانئين ينتظرون استيقاظه لقتله. أما نقض العهد دون دليل قاطع، فليس من حق الحركة الإسلامية، وكانت المنابذة في خطاب رسول الله ﷺ لحيي على لسان محمد بن مسلمة: (أن اخرجوا من بلدي فإنكم قد نقضتم العهد بما هممتم به من الغدر). فالهم بالغدر ثابت، ولم يناقش اليهود به لأنهم يعلمون صدق نبوة محمد ﷺ ، ولم يعترضوا على الأصل، بل كان ردهم سفيها في الاستعداد للحرب ورفض الجلاء: (إنا لا نخرج فليصنع ما بدا له). وليس من شيمة المقاتل المسلم أن يوعد فلا يفي، أو يهدد فلا ينفذ، فيصبح كلامه لا وزن له، فما وصل رد اليهود في الصبح حتى كان رسول الله محاصرهم عصرا، وصلى العصر في فضاء بني النضير وتحرك - الطابور الخامس - ليعلن ولاءه مرة ثانية لليهود، ويؤكد لهم سرا على لسان عبد الله بن ابي: (أن أقيموا ولا تخرجوا فإن معي من قومي وغيرهم من العرب ألفين يدخلون معكم فيموتون من آخرهم دونكم). ولم يأتهم ابن أبي، واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال وهذا درس للمؤمنين على مر العصور، فالصف المسلم القوي يحرق النفاق وخططه، ولا يجرؤ دعاة الشر والفتنة أن يتحركوا أمام وحدة الصف المسلم وقوته، إنما يتحركون حين

стр. 281

يجدون الصف مزعزعا والعزيمة خائرة، والنفوس خائرة الثقة بقيادتها، وحين نجد في صفنا الأرض الخصبة للإشاعة والتشكيك والدس الرخيص، فعلينا أن نعيد بناء صفنا ونمتن لحمته من جديد، وليس المنافقون وحدهم هم الذين ذعروا وأووا إلى جحورهم، بل بني قريظة كذلك - الفريق الثالث من اليهود. وجرى أثناء الحصار ثلاث حوادث جلية وهامة: الحدث الأول: النبل الذي كان ينزل على دار القيادة وهي القبة من أدم التي كان رسول الله ﷺ يقيم فيها، وكان قائد النبالة وأمهرهم هو عزوك اليهودي، فكمن له علي ﵁ روقتله. وكان يود مرة ثانية أن يغتال رسول الله ﷺ مع عشرة معه. فلم يكتف رسول الله ﷺ بقتله بل أرسل أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة لاحقوا الكتيبة الفدائية اليهودية فقتلوها عن بكرة أبيها وأتوا برؤرسهم فطرحت في الآبار، وكان وجودها رفعا عظيما لمعنويات المسلمين. وهو درس لنا اليوم بضرورة بث الرعب في صفوت العدو من خلال العمليات الفدائية الناجحة، فلم يجرؤ اليهود بعد ذلك على مغادرة حصونهم ورمي نبالهم. لأنهم يعلمون أن أرواحهم غدت في خطر بعد ذبح أبطالهم العشرة. الحدث الثاني: وهو التعرض لنخلهم الذي يعيشون عليه، فها هم يرون النار تشتعل بمحصولاتهم وتمرهم. والذي كلف بهذا الأمر أبو ليلى المازني، وعبد الله بن سلام (حبر اليهود من قبل) فراحوا يطلبون برجاء أن يبقي لهم على نخيلهم فأبقاه، وانبثقت فتنة جديدة تثير الشغب لهذا الحريق، وتشكك في تصرت القيادة، فلا بد أن يكون أحد التصرفين حق لأن كليهما متناقضان. فأكد القرآن صحة التصرفين، وأعاد مخطط يهود إلى جحره: بقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة (شجرة تمر) أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (١)﴾. فلا بد أن يفاجأ العدو بأعز ما يملك حتى يستسلم. وهو ما فعله ﵊ بهم.

стр. 282

الحدث الثالث: حيث أدى الحدثان السابقان إلى طلب التسليم من رسول الله ﷺ معلنين استعدادهم للخروج بعد أن دام حصارهم ستة أيام. وهنا اختلف الأمر، فلقد كان طلب رسول الله ﷺ منهم أن يخرجوا لكن الأمر الآن وبعد هذا الحصار لن يكون كما كان من قبل، والحساب بعد الحرب غير الحساب قبلها فقال ﵊ لهم: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة (١) فلم يقبل حيي. ويؤسفنا أن نقول: إن اليهود الذين يعيشون تاريخهم من آلاف السنين قد وعوا هذا الدرس القاسي وحفظوه، فطبقوه على المسلمين كما فعل بهم رسول الله ﵊. فعندما اجتاح اليهود الأرض العربية عام سبعة وستين وتسعمائة وألف بقوة السلاح قبل العرب العودة إلى قرار التقسيم الصادر عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف. فرفض اليهود ذلك، وأعلنوا أنهم لن يعودوا لحدود الرابع من حزيران. إنها دروس استفاها اليهود من عدوهم الأول الذي أنهى وجودهم، فتلمسوا أساليبه يطبقونها في حربهم مع أتباعه، أما جيل أمتنا المنكود الذي هجر قرآنه ونبيه، كان يحارب اليهود وهو يحارب الله ورسوله فأذله الله تعالى وعاقبه. لقد عاش عشرين عاما وهو يتصارع على السلطة ويتنافس على الحكم، ويمتص حكامه دماء شعوبه باسم الحرب، فلما جد الجد انهار البناء الفاسد دفعة واحدة، كمثل شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. رفض اليهود الخروج بدون سلاح فتابع رسول الله ﷺ حصارهم من جديد، وبث في صفوف اليهود أن الذي يسلم منهم سوف يأخذ ماله. فأسلم يامين بن عمر وأبو سعد ابن وهب ونزلا فأحرزا أموالهما. واستطاع أحدهما أن ينفذ عملية فدائية ضخمة في قلب يهود. وهي اغتيال ابن عمه عمرو بن جحش الذي أراد اغتيال رسول الله ﷺ وكانت عملية الاغتيال هذه على يد

стр. 283

رجل من قيس جعل له عشرة دنانير أو خمسة أوسق من تمر على قتله، وسر رسول الله ﷺ بذلك. وهذه فسحة واسعة للدعاة المقاتلين كي يصلوا إلى أعدائهم عن أي طريق، فقد لا تهيء الظروف للمسلمين الوصول إلى أعدائهم نتيجة الحراسة عليهم وتحصنهم في حصونهم، فبالمال أو إغراء أفراد من قلب التنظيم الكافر يمكن القضاء على أولئك الأعداء والحرب خدعة. فلا حرج من سلوك أية طريق تؤدي إلى الهدف مع هذا العدو الذي ناصبته العداء، وآذنته بالحرب، وأعلنت موقف المواجهة ضده، ومن خلال صفوفه الداخلية، ومن خلال الرغبة في المال يمكن تحقيق هذه الأهداف البعيدة في القضاء عليه. ولا أحد أدرى بمواطن الضعف والخلل في العدو من أبناء صف العدو نفسه، وإسلام يامين ﵁ دفعه للثأر لرسول الله ﷺ ولما يمر على إسلامه اليوم واليومان، ومن ابن عمه وأقرب الناس إليه. (وأقام على حصار يهود خمسة عشر يوما حتى أجلاهم وولى (خراجهم محمد بن مسلمة، وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم بأيديهم مما يليهم، والمسلمون يخربون ما يليهم ويحرقون حتى وقع الصلح، فجعلوا يحملون الخشب، ويحملون النساء والذرية، وشقوا سوق المدينة، والنساء في الهوائج عليهن الحرير والديباج وحلي الذهب والمعصفرات، وهن يضربن الدفوف ويزمرن بالمزامير تجلدا، وقد صف لهم الناس وهم يمرون، فكانوا على ستمائة بعير. فنزل أكثرهم بخيبر فدانت لهم، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، فكان ممن صار منهم إلى خيبر أكابرهم كحيي بن أخطب وسلام ابن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحزن المنافقون لخروجهم أشد حزن (١)). إنها أمة من أمم اليهود تهزم ويبلغ غيظها أن تهدم بيوتها بأيديها، وترغم على الصلح بترك سلاحها كله غنيمة للمسلمين، وتمضي في محنتها مشردة في الأرض جزاء نكالا لنقضها العهد، وطعنها بالمواثيق، تحمل حليها

стр. 284

ومتاعها، وتترك شرفها وسلاحها غنيمة للمؤمنين كما وصفها الله تعالى: ﴿وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (١)﴾. فلقد أخرجهم الله تعالى وقذف في قلوبهم الرعب لأنهم شاقوا الله وحاربوا رسوله. فما بالهم اليوم يعودون ظافرين إلى أرض الميعاد - كما يزعمون - ويكون الخروج والتهجير لأبناء الأرض الإسلامية؟ من لاجئين إلى نازحين إلى وافدين بعد كل حرب مع اليهود يقع الجلاء لمن يسمون - مسلمين - وتصبح الأرض وراثة ليهود. إنه السبب نفسه الذي أجلي اليهود من أجله، وذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب. والثورة الفلسطينية اليوم التي تريد العودة إلى فلسطين، إلى أرض الإسراء التي اغتصبها اليهود، تريد أن تعود بنفس الراية، راية مشاقة الله ورسوله. فمنظمة التحرير الفلسطينية التي لا يعترف العالم إلا بها ممثلة للشعب الفلسطيني، والثورة الفلسطينية تريد أن تعود إلى الأرض باسم العلمانية، باسم اللادينية، تريد أن تقيم دولة لا تنطلق من الدين، بل من شريعة البشر، وأهواء البشر، وجهل البشر، تريد أن يكون الحكم فيها لغير الله، فأي مشاقة لله ورسوله أكبر من هذه المشاقة؟!! ولهذا فما يزداد الأمر إلا عسرا، وما يزداد الدم المتفجر إلا بعدا عن هذه الأرض، فقد لاحق اليهود مسلمي هذه الأرض من فلسطين إلى لبنان وشردوهم في الأرض، وأبعدوهم لا عن الديار فقط، بل عن جوار الديار. فهل آن لهؤلاء التائهين أن يعودوا إلى الله، فينالون نصره، أن يتوبوا إلى الله، ويعطيهم مدده؟! إن

стр. 285

المشردين عن ديارهم لن يعودوا وهم شاردون تائهون عن الله. إنهم في التية، تيه بني إسرائيل، وقارب التيه أربعين، ولما يصح أبناء الإسلام على مكمن الخطر، ومكمن الداء. إنه واحد لبني إسرائيل، وبني إسماعيل، وبني الأرض جميعا ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾. أما سلاح يهود الذي كتمه المسلمون فكان: خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا. كان لها وزنها الكبير في تسليح الجيش الإسلامي الناشىء. وكانت قوة للمؤمنين في حربهم مع الكافرين. ح - بنو قريظة: لقد كانت نهاية بني قينقاع بعد بدر. وكانت نهاية بني النضير بعد أحد (١). وكانت نهاية بني قريظة بعد الخندق. وكانت نهاية بني قريظة من أسوأ النهايات، لأن غدرهم كان أعظم الغدر، وكان يمثل الطبيعة اليهودية أكبر تمثيل، وكان الدور الأكبر فيه للزعيم المهزوم حيي بن أخطب سيد بني النضير الذي جلا إلى خيبر، وعاد إلى مكة يشعل النار فيها لتغزو محمدا في عقر داره، فتثأر له من محمد بن عبد الله. فلقد كانت غزوة الأحزاب أثرا من آثار اليهودية. (وسبب ذلك أنه ﷺ لما أجلى بني النضير ساروا إلى خيبر، وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير. فخرج سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس وأبو عامر الراهب في بضعة عشر رجلا إلى مكة يدعون قريشا وأتباعها إلى حرب رسول الله ﷺ . فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله، فنشطت قريش لذلك، وتذكروا أحفادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا: أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد.
следующие страницы →