← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يجدون الصف مزعزعا والعزيمة خائرة، والنفوس خائرة الثقة بقيادتها، وحين نجد في صفنا الأرض الخصبة للإشاعة والتشكيك والدس الرخيص، فعلينا أن نعيد بناء صفنا ونمتن لحمته من جديد، وليس المنافقون وحدهم هم الذين ذعروا وأووا إلى جحورهم، بل بني قريظة كذلك - الفريق الثالث من اليهود. وجرى أثناء الحصار ثلاث حوادث جلية وهامة: الحدث الأول: النبل الذي كان ينزل على دار القيادة وهي القبة من أدم التي كان رسول الله ﷺ يقيم فيها، وكان قائد النبالة وأمهرهم هو عزوك اليهودي، فكمن له علي ﵁ روقتله. وكان يود مرة ثانية أن يغتال رسول الله ﷺ مع عشرة معه. فلم يكتف رسول الله ﷺ بقتله بل أرسل أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة لاحقوا الكتيبة الفدائية اليهودية فقتلوها عن بكرة أبيها وأتوا برؤرسهم فطرحت في الآبار، وكان وجودها رفعا عظيما لمعنويات المسلمين. وهو درس لنا اليوم بضرورة بث الرعب في صفوت العدو من خلال العمليات الفدائية الناجحة، فلم يجرؤ اليهود بعد ذلك على مغادرة حصونهم ورمي نبالهم. لأنهم يعلمون أن أرواحهم غدت في خطر بعد ذبح أبطالهم العشرة. الحدث الثاني: وهو التعرض لنخلهم الذي يعيشون عليه، فها هم يرون النار تشتعل بمحصولاتهم وتمرهم. والذي كلف بهذا الأمر أبو ليلى المازني، وعبد الله بن سلام (حبر اليهود من قبل) فراحوا يطلبون برجاء أن يبقي لهم على نخيلهم فأبقاه، وانبثقت فتنة جديدة تثير الشغب لهذا الحريق، وتشكك في تصرت القيادة، فلا بد أن يكون أحد التصرفين حق لأن كليهما متناقضان. فأكد القرآن صحة التصرفين، وأعاد مخطط يهود إلى جحره: بقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة (شجرة تمر) أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (١)﴾. فلا بد أن يفاجأ العدو بأعز ما يملك حتى يستسلم. وهو ما فعله ﵊ بهم.

стр. 282

الحدث الثالث: حيث أدى الحدثان السابقان إلى طلب التسليم من رسول الله ﷺ معلنين استعدادهم للخروج بعد أن دام حصارهم ستة أيام. وهنا اختلف الأمر، فلقد كان طلب رسول الله ﷺ منهم أن يخرجوا لكن الأمر الآن وبعد هذا الحصار لن يكون كما كان من قبل، والحساب بعد الحرب غير الحساب قبلها فقال ﵊ لهم: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة (١) فلم يقبل حيي. ويؤسفنا أن نقول: إن اليهود الذين يعيشون تاريخهم من آلاف السنين قد وعوا هذا الدرس القاسي وحفظوه، فطبقوه على المسلمين كما فعل بهم رسول الله ﵊. فعندما اجتاح اليهود الأرض العربية عام سبعة وستين وتسعمائة وألف بقوة السلاح قبل العرب العودة إلى قرار التقسيم الصادر عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف. فرفض اليهود ذلك، وأعلنوا أنهم لن يعودوا لحدود الرابع من حزيران. إنها دروس استفاها اليهود من عدوهم الأول الذي أنهى وجودهم، فتلمسوا أساليبه يطبقونها في حربهم مع أتباعه، أما جيل أمتنا المنكود الذي هجر قرآنه ونبيه، كان يحارب اليهود وهو يحارب الله ورسوله فأذله الله تعالى وعاقبه. لقد عاش عشرين عاما وهو يتصارع على السلطة ويتنافس على الحكم، ويمتص حكامه دماء شعوبه باسم الحرب، فلما جد الجد انهار البناء الفاسد دفعة واحدة، كمثل شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. رفض اليهود الخروج بدون سلاح فتابع رسول الله ﷺ حصارهم من جديد، وبث في صفوف اليهود أن الذي يسلم منهم سوف يأخذ ماله. فأسلم يامين بن عمر وأبو سعد ابن وهب ونزلا فأحرزا أموالهما. واستطاع أحدهما أن ينفذ عملية فدائية ضخمة في قلب يهود. وهي اغتيال ابن عمه عمرو بن جحش الذي أراد اغتيال رسول الله ﷺ وكانت عملية الاغتيال هذه على يد

стр. 283

رجل من قيس جعل له عشرة دنانير أو خمسة أوسق من تمر على قتله، وسر رسول الله ﷺ بذلك. وهذه فسحة واسعة للدعاة المقاتلين كي يصلوا إلى أعدائهم عن أي طريق، فقد لا تهيء الظروف للمسلمين الوصول إلى أعدائهم نتيجة الحراسة عليهم وتحصنهم في حصونهم، فبالمال أو إغراء أفراد من قلب التنظيم الكافر يمكن القضاء على أولئك الأعداء والحرب خدعة. فلا حرج من سلوك أية طريق تؤدي إلى الهدف مع هذا العدو الذي ناصبته العداء، وآذنته بالحرب، وأعلنت موقف المواجهة ضده، ومن خلال صفوفه الداخلية، ومن خلال الرغبة في المال يمكن تحقيق هذه الأهداف البعيدة في القضاء عليه. ولا أحد أدرى بمواطن الضعف والخلل في العدو من أبناء صف العدو نفسه، وإسلام يامين ﵁ دفعه للثأر لرسول الله ﷺ ولما يمر على إسلامه اليوم واليومان، ومن ابن عمه وأقرب الناس إليه. (وأقام على حصار يهود خمسة عشر يوما حتى أجلاهم وولى (خراجهم محمد بن مسلمة، وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم بأيديهم مما يليهم، والمسلمون يخربون ما يليهم ويحرقون حتى وقع الصلح، فجعلوا يحملون الخشب، ويحملون النساء والذرية، وشقوا سوق المدينة، والنساء في الهوائج عليهن الحرير والديباج وحلي الذهب والمعصفرات، وهن يضربن الدفوف ويزمرن بالمزامير تجلدا، وقد صف لهم الناس وهم يمرون، فكانوا على ستمائة بعير. فنزل أكثرهم بخيبر فدانت لهم، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، فكان ممن صار منهم إلى خيبر أكابرهم كحيي بن أخطب وسلام ابن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحزن المنافقون لخروجهم أشد حزن (١)). إنها أمة من أمم اليهود تهزم ويبلغ غيظها أن تهدم بيوتها بأيديها، وترغم على الصلح بترك سلاحها كله غنيمة للمسلمين، وتمضي في محنتها مشردة في الأرض جزاء نكالا لنقضها العهد، وطعنها بالمواثيق، تحمل حليها

стр. 284

ومتاعها، وتترك شرفها وسلاحها غنيمة للمؤمنين كما وصفها الله تعالى: ﴿وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (١)﴾. فلقد أخرجهم الله تعالى وقذف في قلوبهم الرعب لأنهم شاقوا الله وحاربوا رسوله. فما بالهم اليوم يعودون ظافرين إلى أرض الميعاد - كما يزعمون - ويكون الخروج والتهجير لأبناء الأرض الإسلامية؟ من لاجئين إلى نازحين إلى وافدين بعد كل حرب مع اليهود يقع الجلاء لمن يسمون - مسلمين - وتصبح الأرض وراثة ليهود. إنه السبب نفسه الذي أجلي اليهود من أجله، وذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب. والثورة الفلسطينية اليوم التي تريد العودة إلى فلسطين، إلى أرض الإسراء التي اغتصبها اليهود، تريد أن تعود بنفس الراية، راية مشاقة الله ورسوله. فمنظمة التحرير الفلسطينية التي لا يعترف العالم إلا بها ممثلة للشعب الفلسطيني، والثورة الفلسطينية تريد أن تعود إلى الأرض باسم العلمانية، باسم اللادينية، تريد أن تقيم دولة لا تنطلق من الدين، بل من شريعة البشر، وأهواء البشر، وجهل البشر، تريد أن يكون الحكم فيها لغير الله، فأي مشاقة لله ورسوله أكبر من هذه المشاقة؟!! ولهذا فما يزداد الأمر إلا عسرا، وما يزداد الدم المتفجر إلا بعدا عن هذه الأرض، فقد لاحق اليهود مسلمي هذه الأرض من فلسطين إلى لبنان وشردوهم في الأرض، وأبعدوهم لا عن الديار فقط، بل عن جوار الديار. فهل آن لهؤلاء التائهين أن يعودوا إلى الله، فينالون نصره، أن يتوبوا إلى الله، ويعطيهم مدده؟! إن

стр. 285

المشردين عن ديارهم لن يعودوا وهم شاردون تائهون عن الله. إنهم في التية، تيه بني إسرائيل، وقارب التيه أربعين، ولما يصح أبناء الإسلام على مكمن الخطر، ومكمن الداء. إنه واحد لبني إسرائيل، وبني إسماعيل، وبني الأرض جميعا ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾. أما سلاح يهود الذي كتمه المسلمون فكان: خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا. كان لها وزنها الكبير في تسليح الجيش الإسلامي الناشىء. وكانت قوة للمؤمنين في حربهم مع الكافرين. ح - بنو قريظة: لقد كانت نهاية بني قينقاع بعد بدر. وكانت نهاية بني النضير بعد أحد (١). وكانت نهاية بني قريظة بعد الخندق. وكانت نهاية بني قريظة من أسوأ النهايات، لأن غدرهم كان أعظم الغدر، وكان يمثل الطبيعة اليهودية أكبر تمثيل، وكان الدور الأكبر فيه للزعيم المهزوم حيي بن أخطب سيد بني النضير الذي جلا إلى خيبر، وعاد إلى مكة يشعل النار فيها لتغزو محمدا في عقر داره، فتثأر له من محمد بن عبد الله. فلقد كانت غزوة الأحزاب أثرا من آثار اليهودية. (وسبب ذلك أنه ﷺ لما أجلى بني النضير ساروا إلى خيبر، وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير. فخرج سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس وأبو عامر الراهب في بضعة عشر رجلا إلى مكة يدعون قريشا وأتباعها إلى حرب رسول الله ﷺ . فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله، فنشطت قريش لذلك، وتذكروا أحفادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا: أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد.

стр. 286

وأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها وتحالفوا وتعاقدوا - وقد ألصقوا أكبادهم بالكعبة وهم بينها وبين أستارها - ألا يخذل بعضهم بعضا، ولتكون كلمتهم واحدة على محمد ما بقي منهم رجل. ثم قال أبو سفيان: يا معشر. يهود! أنتم أهل الكتاب الأول والعلم أخبرونا عما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمار البيت، وننحر الكوم (١) ونسقي الحجيج ونعبد الأصنام!. فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحق منه؟ إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه فأنزل الله تعالى في ذلك، ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (٢)). واتعدوا لوقت وقتوه، وخرجت يهود إلى غطفان، وجعلت لهم تمر خيبر سنة إن هم نصروهم وتجهزت قريش، وسيرت تدعو العرب إلى نصرها، وألبوا أحابيشهم (٣) ومن تبعهم وأتت يهود بني شليم فوعدوهم السير معهم. وكان خروج بني النضير بأحقادهم وذلهم دافعا لهم على تغيير الحلف، الذي نقضوه ليكون حلفهم الجديد مع عدو محمد ﷺ الأول قريش. وقد استطاعوا بنشاطهم السياسي أن يؤلبوا معظم العرب على حرب رسول الله ﷺ ، فهم أقنعوا سليم وغطفان وقريش بحرب رسول الله ﷺ . وواقع الحركة الإسلامية اليوم لا بد من حربه مع اليهود عاجلا أو آجلا، والتعرف على التخطيط اليهودي الماكر في رغبته باستئصال شأفة المسلمين يفيدنا اليوم كثيرا في هذه المعركة. فبنو النضير الذين أحنوا رقابهم لفترة مؤقتة، سرعان ما اشتعل مرجل الحقد في قلويهم بعد الهزيمة، وراحوا

стр. 287

يؤلبون العرب ضد الإسلام والمسلمين، ويتحالفون معهم لا على هزيمة محمد ﷺ فقط، إنما على استئصال شأفته، واليهود اليوم يتحالفون مع الحكام العرب حلفا غير معلن، ومن وراء ستار في ضرب الحركات الإسلامية في بلادهم ضربا يستأصل شأفتها وينهيها من جذورها. وكثيرا ما تصمت إسرائيل وتحقق الأمن مع بعض جاراتها العربيات ريثما يتمكن الحكام من إبادة المجاهدين في سبيل الله، وما أحداث حماة ولبنان إلا نمانج من هذه النماذج حيث تدك المدن على أهلها وتدفن مساجدها بأهليها، بترابها وركامها حتى لا يرتفع للإسلام صوت، أو تقوم قائمة، وما أشبه الليلة بالبارحة!. كما نفقه كذلك ما تبذله اليهودية من مال لذلك، وكم كان سلاح المال رائجا عندها، فلقد فكرت أن تشتري الخليفة المسلم بالمال مقابل السماح لها بالهجرة إلى فلسطين، بل اشترت الانكليز بالمال في الحرب العالمية الأولى مقابل وعد بلفور بالسماح لها بإقامة وطن يهودي في فلسطين، فهي هنا تتبرع بثمر خيبر عاما كاملا مقابل دخول غطفان الحرب ضد المسلمين وهي تمد الأعداء بالبضائع ليحاربوا المسلمين، فلقد كانت أفريقيا سوقا يهودية، وكان اعتراف سبع عشرة دولة أفريقية بإسرئيل هو الثمن. وفي عالم السياسة لا وزن للمبادىء إلا عند المسلمين، واليهود أكثر الناس تناقضا مع مبادئهم حين يكون لهم مصلحة في ذلك مثلهم مثل النصارى والكافرين، بل هم أشد عداوة. ولذلك رأيناهم يفضلون المشركين الوثنيين على المسلمين الذين يؤمنون بالله وتحكيم كتابه وهم يعلمون أن محمدا نبي مرسل، ومع ذلك فهم يشهدون لقريش بصحة دينها الوثني. وعلينا أن لا نعتز كثيرا بالقواسم المشتركة بيننا وبين حلفائنا، فسرعان ما تتغير المصلحة فتسقط المبادىء، ويرمى بها جانبا أمام مصلحتهم. والتضليل الفكري الذي يمارسه اليهود ضد المسلمين والإسلام في العالم يكاد يسد الأفق ومن خلال الأفكار المطروحة في العالم تحت أي اسم لاجتثاث المسلمين من جذورهم وما المحافل الماسونية والأفكار التحررية والوجودية،

стр. 288

والماركسية والعلمانية إلا صورة من صور هذا التضليل، إنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. ولئن كان دورهم في البداية رهيبا، فلم يرعووا عن ذلك، بل راحوا يؤججون النار مع إخوانهم من بني قريظة لنقض العهد. وذلك في قلب المعركة كما تروي السيرة عن زعيمهم حيي بن أخطب (وكان حيي بن أخطب يقول - لأبي سفيان بن حرب ولقريش في مسيره معهم -: إن قومي قريظة معكم، وهم أهل حلقة وافرة، وهم سبعمائة مقاتل وخمسون مقاتلا. فلما دنوا قال له أبو سفيان: إئت قومك حتى ينقضوا العهد الذي بينهم وبين محمد، فأتى بني قريظة - وكان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة صالح قريظة والنضير ومن معهم من يهود ألا يكونوا معه ولا عليه، ويقال صالحهم على أن ينصروه ممن دهمه، ويقيموا على معاقلهم الأولى بين الأوس والخزرج - فأتى كعب بن أسد، وكان صاحب عقد بني قريظة وعهدها. فكرهت قريظة دخول حيي بن أخطب إلى دارهم فإنه كان يحب الرئاسة والشرف عليهم، وكان يشبه بأبي جهل في قريش. فلقيه عزال بن سمؤال أول الناس، فقال له حيي: قد جئتك بما تستريح به من محمد، هذه قريش قد دخلت وادي العقيق، وغطفان بالزغابة! فقال عزال: جئتنا والله بذل الدهر! فقال: لا تقل هذا .. (١)) (فلما سمع كعب حيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: ويحك يا كعب! افتح لي؟ قال: ويحك يا حيي! إنك امرؤ مشؤم، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا؟ قال: ويحك! افتح لي أكلمك؟ قال: ما أنا بفاعل؟ قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك (٢) أن آكل معك منها؟ فأحفظ الرجل، ففتح له؟ فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر، وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها. حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى

стр. 289

جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال: فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام (١) قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب (٢) حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ (٣). (واستدعى رؤساءهم وهم الزبير بن باطا، ونباش بن قيس، وعزال بن سمؤال وعقبة بن زيد، وكعب بن زبد، وأعلمهم بما صنع من نقض العهد، فلحمه الأمر لما أراد الله بهم من هلاكهم) (٤). إننا كثيرا ما نسمع لدى دعاة القومية عن التفريق بين الصهيونية واليهودية، وأنهم يحاربون الصهيونية، أما اليهودبة، فلا، بل يعتبرون كثيرا من اليهود أنصارا لهم. وهم يحصرون معركتهم مع الصهيونية في فلسطين الأرض المغتصبة فإذا حلت مشكلة الأرض، بتحرير أو اعتراف، فلا خلاف بين القومية واليهودية، ودعاة القومية علمانيون ليسوا ضد دين أو تجمع ديني، بل هم ضد دعاة اغتصاب الأرض العربية وتسليمها لليهود، بل يحالفون هذه النماذج كذلك. لهؤلاء جميعا نسوق هذا النموذج الحي من انتهاء اليهود إلى معسكر واحد، في النهاية، وقد يكون بعضهم أشد حقدا من بعض لكنهم أعداء في النهاية محاربون، وناكثون للعهد ناقضون كذلك، وإن كان المسلمون وهم يتعاهدون أو يتحالفون لا يعاملون أعداءهم على ضوء تاريخهم فقط، لكنها

стр. 290

البلاهة التامة أن يغيب هذا التاريخ الأسود عن الذهن، فلا يوضع في الحسبان، وبلغت البلاهة ببعض دعاة القومية حدا أنهم لا يعرفون شيئا عن تاريخ اليهود مع المسلمين، وحين يدرسونهم في التاريخ، يتحدثون عن تاريخهم في أوروبا وروسيا، وأنحاء العالم أما في أرض العرب، وفي حربهم مع المسلمين فلا. وينسون أو يتناسون أو يتبالهون أن الشوكة اليهودية لم تنتزع من الأرض العربية إلا بالإسلام وعلى يد رسول الله ﷺ ، وانتهى وجودهم العسكري أربعة عشر قرنا من الزمان، ولم يعودوا للظهور إلا عندما غاب الإسلام عن الوجود والحكم، وعادوا يثأرون لقريظة وخيبر. لقد التقت كلمة اليهود جميعا النضير وقريظة وقينقاع الذين تبقوا في خيبر على استئصال الوجود الإسلامي، جيشوا الجيوش، وحزبوا الأحزاب، ووحدوا صفهم لحرب المسلمين. والطبيعة اليهودية هنا تظهر في حالة ضعف أعدائها. ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (١)﴾. فهم وافون بالعهود طالما أنهم ضعاف أذلة، وهم ناكثون للعهد حين يجدون الفرصة مواتية للانقضاض، لقد كانوا يقولون: من محمد؟ لا عهد بيننا وبين محمد. وذلك عندما ذكرهم السعدان بحلفهم مع رسول الله ﷺ . ولم يمر على المسلمين ظروف أسوأ من ظروف الأحزاب يوم الأحزاب، وما كان العهد إلا لذلك اليوم، ومع ذلك نقضوا عهدهم في اللحظة الحاسمة، ورغم وجود بوادر الخير لدى زعيمهم كعب فهو في النهاية يهودي غادر لا يرضيه شيء أكثر من إنهاء الوجود الإسلامي، وتم له من يوافقه على ذلك. إنه الهدف النهائي لليهود والنصارى مهما أظهروا على الطريق من سلام

стр. 291

﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (١)﴾. فهم يرفضون المعايشة مع الإسلام فكرا وواقعا طالما أنهم قادرون على ذلك. غزوة بني قريظة يقول ابن إسحاق: فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله ﷺ - كما حدثني الزهري - معتمرا بعمامة من استبرق، على بغلة عليها رحالة (٢)، عليها قطيفة من ديباج فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم؟ فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت إلا الآن من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا، فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. وقدم رسول الله صلى اله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس. فسار علي بن أبي طالب، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة خبيثة لرسول الله ﷺ فرجع حتى لقي رسول الله بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى؟ قال: نعم يا رسول الله؟ قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله ص لى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا؟ يا أبا القاسم ما كنت جهولا) (٢).

стр. 292

(وتقدمت الرماة من المسلمين وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص: يا سعد تقدم فارمهم، فرماهم والمسلمون ساعة، ويهود تراميهم، ورسول الله صلى عليه وسلم واقف على فرسه فيمن معه، ثم انصرفوا إلى منازلهم. وباتوا وقد بعث إليهم سعد بن عبادة بأحمال تمر فأكلوا، وقال رسول الله ﷺ : نعم الطعام التمر واجتمع المسلمون عنده عشاء، ومنهم من صلى، ومنهم من لم يصل حتى جاء بني قريظة فما عاب على أحد من الفريقين، ثم غدا سحرا وقدم الرماة وعبأ أصحابه فأحاطوا بحصون يهود، ورموهم بالنبل والحجارة وهم يرمون من حصونهم حتى أمسوا، فباتوا حول الحصون. فنزل نباش بن قيس وكلم رسول الله ﷺ على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير: له الأموال والحلقة، ويحقن دماءهم، ويخرجون من المدينة بالنساء والذراري، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة. فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكمه. وعاد نباش إليهم بذلك ....) (١). هكذا كانت الجولة الأولى من الغزوة، جبريل ﵇ يقود الحرب ويزلزل الحصون ورسول الله ﷺ يعلن: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. وعلي بن أبي طالب يغرز الراية عند حصونهم، وتتم تعبئة الجيش وتكامله عند الحصون، وتبتدىء الرماية عنيفة، وهكذا نجد اليهود في كل مرة لا يقاتلون، إنما يهزمون بالرعب. ففي بني قينقاع يخورون بعد الحصار، وفي بني النضير يخورون بعد الحصار وفي بني قريظة يخورون بعد الحصار، وحسب اليهود أن تكون هذه المحاصرة كأخواتها، وينجون بأنفسهم ولكن لا نجاة هذه المرة، فيرفض رسول الله ﷺ المفاوضات، ولا يقبل إلا الاستسلام التام له. لأن نقضهم للعهد كان أشنع نقض، ولأنهم استغلوا أسوأ الظروف للبطش بالمسلمين، ولو انتصروا لأبادوا المسلمين عن آخرهم، وبلغ بهم السفه قبل أن يفاجأوا بقوة المسلمين أن يسبوا الرسول ﷺ ويشتموه، ثم ها هم الآن يتذللون ويتمسكنون، ويودون

стр. 293

النجاة بأشخاصهم وأموالهم ونسائهم. مثل كل مرة، ويتنازلون عن سلاحهم، ولكن هيهات، فلن يلدع المؤمن من جحر مرتين، وهل الخندق إلا ثمرة من ثمارهم المرة، يوم نجوا بأرواحهم فراحوا يخططون لإبادة المسلمين فأين النجاة لهم بعد هذا الغدر والكيد. لقد وضعوا بين فكي الكماشة، الاستسلام بدون قيد ولا شرط، أو الموت جوعا وعطشا كما قال لهم حليفهم أسيد بن حضير: يا أعداء الله لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر. ولقد ذكروه بحلفه قائلين: يا ابن الحضير نحن مواليك دون الخزرج! وخاروا فقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إل. لقد بعثوا نباش بن قيس بالمهمة التالية: أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير: له الأموال والحلقة، ويحقن دماءهم، ويخرجون من المدينة بالنساء والذراري ولهم ما حملت الإبل على الحلقة، ولعلها مشورة حيي بن أخطب زعيم بن النضير، الذي ظن أن الحيلة تتكرر. وكان جواب رسول الله ﷺ حاسما قاطعا: أبى إلا أن ينزلوا على حكمه. وتتدارس يهود الأمر لقد كان كعب بن أسد زعيم بني قريظة أقل حقدا من حيي بن أخطب، ومن أجل ذلك كان في بعض الأحيان لا يغلبه الحقد ويدرك مصلحته. ولقد كان ثاقب النظر حين قال لحيي: إنك امرؤ مشؤوم، جئتني بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق. وأنى له الندم ولات ساعة مندم، وراح يراجع رصيد حياته قبل قدوم محمد وبعده ودعا قادة اليهود وأولي الرأي منهم، وعرض عليهم أمام إصرار محمد ﷺ حلولا ثلاثة قائلا لهم: (قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتما قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء

стр. 294

المساكين! فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما (١)). ها نحن نجد كعب بن أسد يدرك أبعاد المعركة ونتائجها، ويعلم أن الموقف خاسر، وأن نزوله على حكم محمد ﷺ يعني الإبادة التامة، والمقاومة يائسة خاسرة، ويبحث عن طرق النجاة فلا يراها إلا في الإسلام، والإسلام هو الذي يحقن دمه ودم بني قريظة جميعا. فمحمد يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابمهم على الله (٢). وتفكير كعب بالإسلام ولو من باب المصلحة يدل على أنه أقل حقدا من حيي بن أخطب وتفانيه في الزعامة والرئاسة، وطمس الحقد على بصره وبصيرته، ولئن شبه حيي بأبي جهل في حقده وكفره. فكعب أشبه ما يكون بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة زعيمي بني أمية. إذ كانوا يدركون المصلحة كثيرا ويعجزون عن تنفيذها خضعانا لقومهم. ولئن استطاع عبد الله بن سلام حبر اليهود ﵁ أن يتجاوز عصبيته، ويستجيب لأمر ربه. فكعب عاجز عن ذلك. لأن الزعامة عنده كذلك هدف لا يفوت. إنه يعرف أن محمدا حق، وأن إصراره على التمسك باليهودية عناد وحقد. لكن رآها فرصة سانحة أن يقود قومه للإسلام ولو كان من باب حقن دمائهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. غير أن الأتباع كثيرا من الأحيان ما يكونون أسوأ عصبية من القيادات وخاصة اليهود الذين وصفهم رب السموات والأرض بقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل (٣)﴾.

стр. 295

لقد دخلت عبادة العجل في دمائهم وبطونهم فشربوها شربا وامتزجت بكل شرايينهم. فكان جواب اليهود القاطع: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. وكعب يعرف أن قضية اليهودية عندهم عصبية أكثر منها عقيدة، ومن أجل ذلك حينما عرض عليهم الدخول في الإسلام ورفضوا أراد أن يضعهم عند التزامات هذه العقيدة. فعرض عليهم التضحية الخالصة، عرض عليهم قتل أبنائهم ونسائهم لتكون الحرب الطاحنة. فلا يأسوا على مال أو زوج أو ولد. فالقتل لا يخيفهم لاطمئنانهم أن ذراريهم لن تكون أسرى بيد المسلمين، ولن تفتضح أعراضهم. غير أن القوم حياتهم أغلى عليهم من أعراضهم وأولادهم فما لذة العيش بعدهم؟ وهكذا لم يتخل بنو قريظة عن دينهم، ولم يضحوا بنسائهم وأولادهم وأرواحهم من أجل هذا الدين، فلم يعد إلا الحل الثالث: الهجوم المباغت على المسلمين ليلة السبت. فاعتذروا أنهم لا يفسدون سبتهم، وهكذا رفض الأتباع كل اقتراحات القيادة، ويئس كعب من قومه. فليس أمامهم إلا الموت جوعا وعطشا أو النزول على حكم محمد، أما أن يقاتلوا بشرف، أو يقاتلوا ببسالة أو يقاوموا ببطولة، فهذا في منطق اليهود لا يقوم. وما أحوجنا إلى أن نتعرف على هذه الطباع، والمعركة بيننا وبينهم قائمة، والحرب مستمرة. إن فقه نفسية العدو تعطينا كثيرا من الإضاءات على طبيعة مواجهته، والغريب أننا نواجه اليوم ظاهرا بنماذج جدبدة حتى أصبح العربي يخشى اليهودي، وأصبح العرب وهم يناهزون المائة مليون ونصف عاجزين عن المواجهة، عاجزين عن الحرب، هزموا نفسيا بعد حربين خاضوها وكانت الحربان خاسرتين. لقد أصبحوا جميعا يتحدثون عن السلام، وأصبحت قياداتهم تؤمن بالحل السلمي أو الاستسلامي أكثر من إيمانها بالله، وبعد حرب الـ ٧٣ مع اليهود، انتهت فكرة الحرب والمواجهة عند العرب، وراحوا يحلمون باسترداد الأراضي بالطرق السلمية وتجمع مؤتمراتهم على ذلك، ويقدمون مشروع الحل السلمي هم، ولا يناقشون إطلاقا بالوجود اليهودي، بل يطلبون استعادة الضفة الغربية لتكون وطنا للفلسطينيين. وكفى الله العرب القتال.

стр. 296

إن قرننا قد شهد هذه المأساة، مأساة الاستسلام المتخاذل، مأساة اليقين عند حكام العرب وكثير من شعوبهم أن إسرائيل لن تقهر، وأن العرب لن ينتصروا. إنهم يمثلون تماما عرب الأوس والخزرج قبل الإسلام، حين كان الكيان اليهودي في المدينة يهدد الكيان العربي ويقول له: أظل زمان نبي نتبعه، فنقتلكم به قتل عاد وإرم. وكان العرب يقبلون من اليهود أحكامهم فيتماوتون على التحالف معهم ويتسابقون. وهؤلاء هم عرب اليوم، لقد كان الرعب يجتاح الإنسان العربي في الماضي من اليهود لأنهم أهل علم، وأهل سلاح. بل كان سلاح العرب في المدينة من صنع اليهود، فكيف يحاربونهم، وعرب اليوم الذين غدوا بلا عقيدة وبلا دين قد أكلهم الرعب من اليهود لعلمهم وسلاحهم. وعلم اليهود اليوم علم بشري وسلاحهم اليوم صنع غربي أو محلي. لم تنقلب الآية بعد، ولم تتغير الطبائع، ولم تتبدل النفوس. لقد كان اليهود يهددون الكيان العربي بالنبي الذي سيبعث وقد أطل زمانه، وكان العرب ينتظرون أن يأتي هذا النبي حتى يبادوا. فهم يعرفون أن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم التوراة. لكن عندما تبنى العرب هذا النبي، وساروا وراءه عرفوا أنهم لا بد قاتلو اليهود قتل عاد وارم، (إن هذا هو النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه). وسبقوا اليهود، إلى هذا النبي وآمنوا به، وعرف اليهود في قرارة نفوسهم أنهم مهزومون ما لم يتبعوا هذا النبي، ومع ذلك رفضوا، كما رأينا رفضهم مع كعب أن يدخلوا في الإسلام حقدا وضغينة وعصبية، لقد كانوا يعلمون أنهم يخوضون معركة خاسرة، وأنهم لو قتلوا عن بكرة أبيهم فلن ينتصروا على محمد النبي. وعرب اليوم حين يعودون إلى هذا النبي، ويعودون إلى هذا الدين، ويقاتلون به سوف تظهر طبائع اليهود، وسوف يعرى اليهود في جبتهم وتخاذلهم كما تعروا في بني قينقاع والنضير وقريظة. إن الجديد في المعادلة هو أن عنصر التفاعل لم يقع بعد، وقاتل اليهود عربا، ولم يقاتلوا مسلمين. وحين يقاتلون المسلمين يظهر اليهود على حقيقتهم بلا خلاف. وكانت المحاولة اليائسة الأخيرة من اليهود في استكناه طبيعة حكم

стр. 297

محمد ﷺ من أحد حلفائهم أي لبابة بن عبد المندر. فسمح له رسول الله ﷺ بالذهاب إليهم واستشاروه وسألوه عن حكم محمد بهم فأشار إليهم أنه الدبح (١). وتحركت ضمائر ثلاثة من يهود، ففروا ليلا إلى معسكر المسلمين، وأسلموا فعصموا دماءهم وأموالهم، كما وجد فيهم شريف واحد يرعى الدمام غادر معسكرهم يوم أعلنوا غدرهم برسول الله ﷺ قائلا: لا أغدر بمحمد أبدا. ومر على محمد بن مسلمة صاحب حرس رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فهش له بن مسلمة قائلا: اللهم لا تحرمني إقالة عشرات الكرام، وخرج فلم يدر أحد أين توجه فقال عنه ﵊: ذلك رجل نجاه الله بوفائه. وكان الاستسلام الأخير: (فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت (٢) فلما كلمته الأوس قال: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى؟ قال رسول الله ﷺ : فذاك إلى سعد بن معاذ ... فلما حكمه رسول الله ﷺ في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم؟ فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل. فنعى لهم رجال بني قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه. فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال رسول الله ﷺ : قوموا إلى سيدكم ... فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم؟ فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من ها هنا، في الناحية التي

стр. 298

فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله إجلالا له، فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله ﷺ لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينه في دار بنت الحارث، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم وهم ست مائة أو سبع مائة والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة. وقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ وأتي بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية (١) قد شقها عليه من كل ناحية حتى لا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه حبل، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ ، قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه .. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل، وسهمان الرجال، وأخرج الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل من ليس له فرس سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستا وثلاثين فرسا، وكان أول فيىء وقعت فيه السهمان، وأخرج منها الخمس! فعلى سنتها وما مضى. ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد

стр. 299

الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من بني قريظة إلى نجد فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا (١). نزل اليهود على حكم رسول الله ﷺ ، ورفضوا كل اقتراحات زعيمهم كعب بن أسد، وقرروا أن يتلقوا مصيرهم على يد من نكثوا عهدهم معه، وهناك بصيص أمل عندهم أن يعفو عنهم رسول الله، أو أن تتمكن الأوس من حمايتهم كما فعل عبد الله بن أبي بحلفائه من بني قينقاع. وكان تصورهم أن تسيطر العصبية على حلفائهم الأوس فينجوا بحياتهم على الأقل. وطالب الأوس بحقهم في الحماية كما فعل عبد الله بن أبي. فكرامة الفريقين الأوس والخزرج واحدة غير أن اتجاه القيادة يخالف اتجاه القاعدة، فكيف يفعل رسول الله ﷺ أمام هذا الحرج، إنه يملك أن يحسم الأمر بالقتل وانتهى الأمر. والأوس طوع بنانه. غير أنه يحرص على أن لا تصدم عواطف جنده من الأوس، فاختار هذا الحل الموفق: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم. قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. فلقد تساوى الحيان في الحق، إذ حكم في بني قينفاع زعيم من الخزرج هو عبد الله بن أبي حليفهم، فليحكم في بني قريظة زعيم الأوس سعد بن معاذ. إن القيادة الحكيمة هي التي تتجنب دائما الصدام مع عواطف شبابها، وتحرص على أن تمثل قناعاتهم وتطلعاتهم، بل تلبية رغباتهم، وحين تصطدم رغبة القيادة مع القاعدة، فالقيادة بحاجة إلى حل مريح يخفف جو الصدام. إنهم جنودها بهم تقاتل، ومن خلالهم سر قوتها ونجاحها، وكلما استطاعت أن تعطي لهم الكرامة والاعتبار، كلما كان هذا أدعى إلى تلاحم الجانبين في صف واحد. بل راعى رسول الله ﷺ في هذه الحرب رغبات كل فرد من أفراد هذا الصف، فلقد كان لرجل من اليهود جميل في عنق ثابت بن قيس خطيب رسول الله ﷺ ، فطلب ثابت حماية هذا الرجل من القتل من قيادته فوافقت القيادة على ذلك غير أن الزبير بعد أن عفي من

стр. 300

القتل وسلم له ماله وولده وأهله قال لثابث: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك ألا ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير (١). وقد راعى رسول الله ﷺ كرامة امرأة من المسلمين حين طلبت حماية رفاعة بن سموأل القرضي قائلة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي هب لي رفاعة فإنه زعم أنه سيصلي ويأكل الجمل؟ قال: فوهبه لها، فاستحيته (٢). إن القيادة العبقرية لا تعدم وسيلة تطمئن بها جنودها على احترام رأيهم وتقديره حتى ولو كانت خطتها تعاكس أهواء فريق من هؤلاء الجنود. إنها لا تعطل خطتها، لكن لا تتحدى رغبات جنودها بل تحرص على قناعتهم وإشعارهم بأهمية رأيهم ووجاهته. صحيح أن على القاعدة أن تطيع، وصحيح كذلك، أن السمع والطاعة ليسا كل شيء في علاقة القواعد مع القيادة، بل الحب، والثقة، والتفاني هو الأصل في العلاقة. ومن أجل ذلك كان حديث رسول الله ﷺ يؤكد الخيرية في أمراء هذه الأمة من خلال الحب: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم (٣). وما أحوج قيادة الحركة الإسلامية أن تدرك هذا المعنى وتعمل من خلاله!. وكان بعدها حكم سعد بن معاذ. ورسول الله ﷺ يرعى قيادات الجماعة المسلمة، ويعطيها الأهمية الكبرى. فسعد جريح في خيمة رفيدة، وكان بإمكان رسول الله ﷺ أن يمضي أمره بدون رأي سعد. لكنه التكريم العظيم لقائد من قادات هذه الأمة. فلا يحكم بأمر حلفائه إلا بحضوره، بل يوجه الجميع إلى إكبار هذا القائد: قوموا إلى سيدكم. فقاموا له: ويأتي دور سعد، ورسول الله ﷺ مطمئن إليه، واثق باختياره، وعارف مدى تفانيه بحب الله ورسوله، وترفعه عن العصبية أو الهوى أو حظ النفس، وكم أراده قومه على ذلك فقال: آن لسعد أن لا

стр. 301

تأخذه في الله لومة لائم. بل لسعد ثأر عند يهود بني قريظة حين واجهوه بالسباب والشتيمة، وذكرهم بعهدهم لرسول الله ﷺ فهزئوا به، وحين أصابه سهم غادر من أحدهم فناجى ربه قائلا في دعاء طويل ... ولا تمتني حتى تشفني من بني قريظة، وها هو أمرهم كله له. فأخذ العهد على قومه أولا بقبول حكمه، ثم على المهاجرين وأصدر حكمه بذبحهم لخيانتهم وغدرهم. إن الذي يدرك مرامي المعركة وأبعادها هم القادة الذين يعيشون جوها، ومن أجل هذا وجدنا اتجاه سعد ﵁ يمثل اتجاه الرسول تماما، لمعرفته ببواطن الأمور وخفاياها بينما كان الأوس يدركون فقط في هذا المجال شرفهم وتساويهم في هذا الشرف مع الخزرج، ولا نقول الأوس جميعا، إنما نقول هو تيار قوي فيهم، لكن الذي حدد الموقف تماما هو سيدهم سعد بن معاذ. وهذا يدعونا إلى القول: إن على القيادة العليا أن تعطي ثقتها الكبرى للقيادات الوسط التي هي سبيلها إلى الجنود، ونافذتها عليها، وحين تعجز القيادة أن تقنع هذه القيادات الوسط فلن تصل إلى قلوب جنودها، وستكبر الهوة بين الفريفين، ويتمزق الصف شذر مذر، بل يتمحرر حول هذه القيادات الوسطى، ويشكل عقبة كؤودا في وجه القيادة ومخططاتها. أما اليهود، وما أدراك ما اليهود، فها هم يساقون إلى مصارعهم، ولا يعرفون فيسألون زعيمهم كعب بن أسد عن الأمر فيقول لهم: أفي كل مرة لا تعقلون؟ أما ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل. لقد أدرك ببصره الثاقب هذا المصير المروع، ونصحهم بمنعرج اللوى، فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد، وها هي رجالهم تذبح، ونساؤهم تسبى، وأموالهم تقسم. ويأتي زعيم الغدر والخيانة حيي بن أخطب ليمثل الجبلة اليهودية في كل جيل كما وصفها القرآن الكريم: (... أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (١)). إن

стр. 302

حيي بن أخطب ليدرك حظه من أوله. فهو يحارب الله ورسوله. وهو يعلم أن محمدا حق، ولكنها عنجهية الجاهلية. إنه أبو جهل الذي رفض الإيمان حتى لا يسبقه بنو عبد مناف، وحيي يرفض حتى لا يسبقه بنو إسماعيل، أولاد هاجر الجارية، إنه الحقد الأسود، والكيد الأعمى، والحرب لله ورسوله، ولا يشتفي من ذلك كله. والله ما لمت نفسي في عداوتك. إنه ليعلم أن حقده أكبر من دينه، ويعلم أنه يحارب الله ورسوله ولكنه من يخذل الله يخذل، إنها كلمات أبو جهل: أخبرني لمن الغلبة، وكان الجواب الغلبة لله ورسوله، ولقد أبقى الله لك ما يخزيك. ويجيب: وهل أعمد من رجل قتلتموه. إنه عميد القوم، وسيد البطحاء يقتل، وهو يرى الخزي فلا ينسى شرفه، ولا ينسى حقده، إن فرعون خير منه حين رأى الغرق فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل .. وتعود هذه الجبلة اليهودية اليوم من جديد لتزكم الأفق، وتظهر من خلال آلاف الحوادث منها هذه الحادثة. وقف أحد المنافقين في الشام في حرب حزيران عام ٦٧ يخطب على منبر الجامع الأموي والإذاعة تنقل خطبته ليحرف حديث رسول الله ﷺ بقوله: لا تقوم الساعة حتى يقاتل العرب اليهود فيقتل العرب اليهود، فيقول الحجر والشجر يا عربي، يا عبد الله ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الفرقد فإنه من شجر اليهود. وتخرج إذاعة إسرائيل في اليوم الثاني لتصحح للشيخ المنافق الحديث. وتذكر له رواية. وتذكره به: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبىء اليهود وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر. يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الفرقد فإنه من شجر اليهود (١)). والذي يعنينا من الحديث هو معرفة اليهود بمصيرهم المشؤوم، أو

стр. 303

قياداتهم على الأقل، ومعرفتهم أن النصر للمسلمين، لكنهم واثقون كذلك أنهم يقاتلون عربا بدون عقيدة وبدون إسلام. وهم مطمئنون إلى نصرهم في هذه الحالة لما يبذلون من جهد، ويخططون من كيد. ولأنهم حين يحاربون المسلمين فهم منهزمون، ومع ذلك فهم يقاتلون، ويقولون كما قال زعيمهم حيي أنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل. أما الآن فكما قال الله تعالى عنهم ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ..﴾ وكما قال الله تعالى ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ..﴾ وهم مطمئنون اليوم أن الحرب الحقيقية لم تقم بعد، وأنهم حين يواجهون عنفا في حرب فإنما يكون وراءه مسلمون حقيقيون، إنها نماذج بطولات فردية، وها هم العرب اليوم كلهم يعلنون سلمهم مع يهود ويطلبون منها الصلح. ونهاية اليهود التي كانت في بني قريظة ستكون نهايتهم إن شاء الله على أرض فلسطين، الأرض المباركة التي وعد الله تعالى فيها بنصر جنده المؤمنين. وكانت أسلحتهم وأموالهم غنيمة للمسلمين. يقول المقريزي في إمتاع الأسماع (وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع، وألفا رمح، وألف وخسمائة ترس وجحفة، وأثاث كبير، وآنية كثيرة وخمر وجرار سكر فهرق ذلك كله، ولم يخمس، ووجد من الجمال النواضح عدة، ومن الماشية شيء كثير فجمع هذا كله ... (١). ولم يكتف رسول الله ﷺ بذلك. بل ابتاع بسبايا بني قريظة الخيل والسلاح من نجد. لقد كانت المعركة شوكة كبيرة للمسلمين ونصرا ماحقا لليهود، وإنهاء لوجودهم في المدينة بعد ست سنوات من التعايش القلق. وهذا ما قاله سلام بن مكشم زعيم بني النضير بعد حيي بن أخطب والذي أقام في خيبر وتلقى مع بقية اليهود نبأ مقتل بني قريظة صبرا بالسيف: (هذا كله عمل حيي بن أخطب لا قامت يهودية بالحجاز أبدا (٢)). ولكن هذا الحكم العادل،

стр. 304

لم يكن غضبا لنفس أو إهانة لآدمية. فلقد حرص ﵊ على أن لا يكون التشفي والثأر هو الذي يسيطر على الموقف. (فلقد جابذ نباش ابن قيس الذي جاء به (لقتله) حتى قاتله ودق أنفه فأرعفه، فقال ﷺ للذي جاء به: لم صنعت به هذا؟ أما كان السيف كفاية! ثم قال: أحسنوا إسارهم، وقيلوهم واسقوهم، لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح. وكان يوما صائفا، فقتلوهم وسقوهم وأطعموهم. فلما أبردوا راح رسول الله ﷺ فقتل من بقي منهم .. (١)). إنها عظمة النبوة التي تحترم آدمية الإنسان، ولو كان يهوديا حكم الله تعالى به القتل، واليوم وفي أقبية سجون من يسمون (بالمسلمين) من المآسي وفنون التعذيب والتجويع والإهانة والسحق ما يشيب من هوله الولدان، والأصل هو إهانة كرامة الإنسان وتمريغه بالتراب، وتجريعه غصص العذاب الذي يترفع عنه الوحوش، وكما يقول سيد ﵀: إن الوحوش تأكل لتقتات أما هؤلاء فيتلذذون بالعذاب. ويبقى الإسلام الذي يكرم الإنسان بصفته إنسانا فيعاقبه بما يستحق دون شهوة غضب وحقد وتشف تنيله أكثر مما يستحق. ويطالعنا في نهاية المطاف التجاوب العميق بين الأوس وبين قرار سيدهم سعد ﵁ بعد أن قال له رسول الله ﷺ : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات والتسابق في التنفيذ. فجاء أسيد بن حضير السيد الثاني للأوس فقال: (يا رسول الله لا تبقين دار من دور الأوس إلا فرقتهم فيها. ففرقهم في دور الأنصار فقتلوهم). وأعلن سعد أن الكاره لهذا القرار هو خارج عن الخيرية والهدى: ما كرهه أحد من الأوس فيه خير، ومن كرهه فلا أرضاه الله. وهكذا انتهت اليهودية في المدينة على تلك المراحل المتلاحقة حيث تلقى كل فريق جزاءه من جنس عمله، قينقاع والنضير وقريظة، وأعطانا هذا الحكم، حرية القيادة في مواجهة العدو بما يناسب

стр. 305

ظروف المعركة، وإمكانيات المسلمين، وجريمة العدو، دون قيود تغل حركة القيادة، إلى أن يأذن الله تعالى بالفتح المبين للمسلمين مع أعدائهم (تقاتلونهم أو يسلمون ..). السمة السادسة عشرة ليل المحنة الطويل وخطره لقد لقي المسلمون في مكة شدة. وتمت تربية الجيل الأول من المهاجرين من خلال المحنة. أما الأنصار فلقد عاشرا ميلاد الدولة الجديدة، وتوج هذا الميلاد الجديد بالنصر المؤزر يوم بدر، وطارت القلوب فرحا بهذا النصر، حتى حسب المسلمون أنه لا هزيمة بعد اليوم، خاصة وقد قاتلت الملائكة ووقعت المعجزة الحسية، وانتصر المسلمون العزل القلة على الكفار الكثرة المدججين بالسلاح، ومن أجل ذلك عندما لاحت بوارق حرب جديدة تسارع المسلمون زرافات ووحدانا على دخولها، ولم يتمالكوا أنفسهم من الانضواء فيها، وعندما بدا لهم أن رسول الله ﷺ يرغب البقاء في المدينة للدفاع عنها ما تمالكت أعصابهم هذا الأمر، واندفعوا بوعي وبغير وعي يطالبون بالخروج لملاقاة العدو. ولم لا يكون ذلك؟ فالعدو كافر، وهم مؤمنون، ونصر الله تعالى قائم للمؤمنين على الكفار. يقول المقريزي: (... فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، وطلبوا الشهادة، وأحبوا لقاء العدو: أخرج بنا إلى أعدائنا. وقال حمزة، وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك في طائفة من الأنصار: (إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت في بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فساقه الله إلينا في ساحتنا). ورسول الله ﷺ لما يرى من إلحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح. وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب بالحق لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارجا من المدينة، وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت

стр. 306

صائما، وتكلم مالك بن سنان، وإياس بن أوس بن عيتك في معنى الخروج للقتال، فلما أبوا إلا ذلك صلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس، وقد وعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا (١). ولقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة النفسية العالية فقال: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (٢)﴾. من هذه الذروة في الثقة بالنصر، والجيش يمضي بمعنويات عالية، كانت المفاجأة الأولى في انسحاب ثلث الجيش عائدا إلى المدينة، ومع ذلك فلم يفت هذا الأمر في أعضاد الناس، وتسارع الصبيان للانضمام للجيش، فأعادهم رسول الله ﷺ إلى المدينة، وتحقق النصر الأول كما قال القرآن الكريم كذلك، ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه .. (٣)﴾. واستطاع سبعمائة مقاتل أن يحققوا نصرا ساحقا على ثلاثة آلاف من المشركين: كما يقول المباركفوري عن هذا النصر: (هكذا دارت رحى الحرب الزبون، وظل الجيش الإسلامي الصغير مسيطرا على الموقف كله، حتى خارت عزائم أبطال المشركين، وأخذت صفوفهم تتبدد عن اليمين والشمال والأمام والخلف. كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم لا بضع مئات قلائل، وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين. وبعد أن بذلت قريش أقصى جهدها لسد هجوم المسلمين أحست بالعجز والخور، وانكسرت همتها - حتى لم يجترىء أحد منها أن يدنو من لوائها الذي سقط - بعد مقتل صواب - فيحمله ليدور حوله القتال، فأخذت في الانسحاب، ولجأت إلى الفرار، ونسيت ما كانت تتحدث به في نفوسها من أخذ الثأر والوتر والانتقام، وإعادة العز والمجد والوقار (٤)). وقال ابن إسحاق: (ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك

стр. 307

فيها. روى عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم - سوق - هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير (١)). ومن هذه القمة السابقة تبدأ الابتلاءات والمحن. أ - محنة أحد: يصف المقريزي هذه المحنة بقوله: (وكانت الريح أولى النهار صبا، فصارت دبورا وبينا المسلمون قد شغلوا بالنهب والغنائم؟ إذ دخلت الخيل تنادي فرسانها بشعارهم (ياللعزى، يالهبل) ووضعوا في المسلمين السيوف وهم آمنون، وكل منهم في يديه أو في حضنه شيء قد أخذه، فقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وتفرق المسلمون في كل وجه، وتركوا ما انتهبوا، وخلوا من أسروا. وكسر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل في الخيل إلى موضع الرماة، فرماهم عبد الله بن جبير بمن معه حتى قتل، فجردوه ومثل به أقبح المثل، وكانت الرماح قد شرعت في بطنه حتى خرقت ما بين سرته إلى خاصرته إلى عانته وخرجت حشوته، وجرح عامة من كان معه، وانتقضت صفوف المسلمين، ونادى إبليس عند جبل عينين - وقد تصور في صورة جعال بن سراقة - أن محمدا قد قتل، ثلاث صرخات؟ فما كانت دولة أسرع من دولة المشركين. واختلط المسلمون وصاروا يقتلون، ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من العجلة والدهش، وجرح أسيد بن حضير جرحين ضربه أحدهما أبو بردة بن نيار وما يدري؟ وضرب أبو زعنة أبا بردة ضربتين وما يشعر، والتقت أسياف المسلمين على اليمان وهم لا يعرفونه حين اختلطوا وحذيفة يقول: أبي! أبي! حتى قتل. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فزادته عند رسول الله ﷺ خيرا، وأمر رسول الله بديته أن تخرج، فتصدق حذيفة بن اليمان بديته على المسلمين ... وأقبل الحباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة!! فأقبلوا إليه عنقا واحدة: لبيك داعي الله ﷺ فيضرب يومئذ جبار بن صخر في رأسه وما يدري، حتى أظهروا الشعار بينهم فجعلوا يصيحون: أمت أمت فكف

стр. 308

بعضهم عن بعض. وقتل مصعب بن عمير وبيده اللواء .. وتفرق المسلمون في كل وجه، وأصعدوا في الجبل لما نادى الشيطان: قتل محمد ... وصار أبو سفيان بن حرب يقول: يا معشر قريش أيكم قتل محمدا؟ فقال ابن قميثة: أنا قتلته! قال: نسورك (١) كما تفعل الأعاجم بأبطالها. وجعل يطوف بأبي عامر الفاسق في المعزك، هل يرى محمدا؟ وتصفح القتلى فقال: ما نرى مصرع محمد؟ كذب ابن قميثة. ولقي خالد بن الوليد فقال: هل تبين عندك قتل محمد؟ قال: رأيته قبل في نفر من أصحابه مصعدين في الجبل. قال أبو سفيان: هذا حق. وجعل رسول الله ﷺ - وقد انكشف الناس إلى الجبل وهم لا يلوون عليه - يقول: إلي يا فلان، إلي يا فلان؟ أنا رسول الله! فما عرج واحد عليه. هذا، والنبل يأتيه ﷺ من كل ناحية، وهو في وسطها والله يصرفها عنه ... وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ وعرفهم المشركون بذلك، وهم: عبد الله بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وعمرو بن قميثة وأبي بن خلف، ورمى عتبة يومئذ رسول الله ﷺ بأربعة أحجار فكسر رباعيته، وشج في وجنتيه حتى غاب حلق المغفر (٢) في وجنته، وأصيبت ركبتاه ومجشتا (٣) ... وقتل من المسلمين بأحد أربعة وسبعون: أربعة من قريش وسائرهم من الأنصار ... وجعل عبد الله بن أبي والمنافقون يشتمون معه، ويسرون بما أصاب المسلمين، ويظهرون أقبح القول. فيقول ابن أبي لابنه عبد الله - وهو جريح قد بات يكوي جراحه بالنار -: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان والله لكأني كنت أنظر إلى هذا؟ فقال ابنه: الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير .. وأظهرت اليهود القول السيء فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك! ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في

стр. 309

بدنه، وأصيب في أصحابه! وجعل المنافقون يخذلون عن رسول الله ﷺ أصحابه، ويأمرونهم بالتفرق عنه، ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن. فمشى إلى رسول الله ﷺ يستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من يهود والمنافقين، فقال ﵇: يا عمر، إن الله مظهر دينه، ومعز نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم؟ قال، فهؤلاء المنافقون!! قال: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قال: بلى، يا رسول الله! وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف، فقد بان لنا أمرهم. وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة! فقال: نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: يا ابن الخطاب، إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن (١)). لقد كانت المعركة كما نرى انعطافة خطيرة في سلم النصر. ولم يعهد المسلمون مثل هذا أبدا، ولقد أوضح القرآن الكريم في الآيات التي نزلت في أحد هذه المعاني والأوضاع النفسية التي عاناها المسلمون ما هو أكبر من الوصف البشري القاصر. ولقد تناول الحديث الوضع والوهن الذي أصاب المسلمين عامة: ثم الأوضاع الخاصة للمنافقين منهم، ثم الأوضاع الخاصة للربانيين منهم. ﴿.. أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ...﴾ (٢) فلقد كان خبر مقتل رسول الله ﷺ زلزلة عامة للصفوف، وكان الانقلاب على الأعقاب على أثره ظاهرة عامة لم ينج منها إلا القليل، وهم الربانيون الذين قاتلوا معه.

стр. 310

وأن يكون الحديث عن صف النبوة بهذه الصرامة ليدل أعمق الدلالة على عظم هذه المحنة. إننا كثيرا ما نندفع في التقليل من شأن القائد بحجة أننا أصحاب فكرة، ونغالي في هذا الأمر. حتى لكأن القائد للجماعة لا يعدو أن يكون جنديا عاديا. ونرى حب القائد والتفاني في سبيله والتعلق به وثنية. فنكرر الجملة المعهودة: إذا غابت الفكرة، برز الصنم. وإن كنا في هذا الموقف أمام رسول رب العالمين، وليس قائدا بشريا فقط. لكن هذا يعني من طرف آخر أهمية القائد الذي تلتقي القلوب عليه، ودوره في تلاحم الصف، وتآخيه، ولكم رأينا خالد بن الوليد ﵁ في المعارك التي خاضها كيف كان يدفع بالصف كله إلى التضحية حين يكون أول من يخرج للمبارزة. القرآن الكريم يقرر أن المسلمين الصحابة من الجيل الأول تزلزلوا لخبر مقتل رسول الله صلوات الله عليه. وإن كان لا يعذرهم بهذا الموقف، لكنه في الوقت نفسه يثني الثناء العطر على الذين ذادوا عنه وقاتلوا بجواره. ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين .. (١)﴾. إننا بحاجة ونحن نربي هذه الجماعة المسلمة أن نوازن بين هذين الأمرين دون طغيان. الأمر الأول: ربط الجنود بقائدهم ربطا وثيقا، ربط حياة وموت، واندفاعا إلى الاستشهاد وراءه، وتلبية لأمره، وذودا عنه. الأمر الثاني: أن يكون عمق العقيدة وحبها أكبر من حب القائد في القلب، فلو سقط القائد فلا بد من الموت على ما مات عليه، والسير على منهجه. ولئن تزعزع فلتكن العقيدة أكبر منه، وما حبه والتفاني ذودا عنه، إلا لأنه يمثل الاستقامة على منهج الله، ولا بد أن نشير كذلك إلى عذر الشباب حين يفقدون القائد الذي يرون به المثل الأعلى، ويتحركون من خلاله، وما أحوج الجماعة المسلمة إلى هذا النموذج، وهذه النماذج ..

стр. 311

﴿... ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين اذ تصعدرن ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور. إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (١)﴾. يقول المقريزي واصفا هذه الحالة: (ولكن المسلمين أتوا من قبل الرماة فإن المشركين لما انهزموا وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا ووقعوا ينتهبون عسكرهم، قال بعض الرماة لبعض لم تقيمون ها هنا في غير شيء؟ قد هزم الله العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم! فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم. فقال بعضهم ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال لكم: احموا ظهورنا، ولا تبرحوا مكانكم؟ وإن رأيتمونا نقتل فلا

стр. 312

تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا احموا ظهورنا؟ فقال الآخرون لم يرد رسول الله هذا. وانطلقوا، فلم يبق منهم مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا دون العشرة، وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون (١)). نحن أمام صورة حددها القرآن الكريم بقوله: ﴿.. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ...﴾. فلقد حدث طارىء جديد قلب موازين القوى في قلب المعركة، هذا الطارىء هو الفشل والتنازع في الأمر، والميل إلى الدنيا. والفشل هنا ضعف ووهن أمام إغراء الدنيا وزينتها، واختلفت الآراء حول الموضوع بين من يرى اللحوق بالغنائم ومن يرى الثبات في الجبل. يقول الشهيد سيد ﵀ في التعليق على هذه الآية: (وهو تقرير لحال الرماة. وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة، ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول الله ﷺ وانتهى الأمر إلى العصيان بعدما رأوا بأعينهم طلائع النصر الذي يحبونه، فكانوا فريقين: فريقا يريد غنيمة الدنيا، وفريقا يريد ثواب الآخرة. وتوزعت القلوب فلم يعد الصف وحدة، ولم يعد الهدف واحدا. وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة. فمعركة العقيدة ليست ككل معركة، إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير. ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير. إنها معركة الله، فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم لله وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها، فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها؟ كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية. ولقد يغلب المبطلون الذين يرفهون راية الباطل صريحة في بعض المعارك - لحكمة يعلمها الله - أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد، فلا يمنحهم الله النصر أبدا، حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا ... وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة، وهذا ما أراد الله - سبحانه أن يعلمه للجماعة

стр. 313

المسلمة، وهي تتلقى الهزيمة المريرة، والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾. والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب، التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم .. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا، حتى نزل فينا يوم أحد: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾. وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها، ويعرف من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها! وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة الله وتدبيره وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها، ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة: ﴿ثم صرفهم عنكم ليبتليكم﴾. لقد كان هناك قدر الله وراء أفعال البشر. فلما أن ضعفوا وتنازعوا وعصوا صرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين، وصرف الرماة عن ثغرة الجبل، وصرف المقاتلين عن الميدان. فلاذوا بالفرار. وقع كل هذا مرتبا على ما صدر منهم. ولكن مدبرا من الله ليبتليهم بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح، وما يتكشف عنه هذا كله من كشف مكنونات القلوب، ومن تمحيص النفوس، وتميز الصفوف - كما سيجيء (١). ويقف المسلم أمام قول الله مرة ثانية ﴿.. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ...﴾ فمن الذي فشل وننازع وأحب الدنيا؟ ظاهر الأمر أن هذا الكلام منصب على الرماة السبعين، وهم عشر الصف الإسلامي، هم عشر الجيش. والتنازع قد وقع بينهم بين من يريد أن ينفذ أمر رسول الله ﷺ ويريد الآخرة، وبين من نازعته نفسه إلى الغنيمة في الدنيا. خطيئة يقع بها أقل من عشر الجيش - لأنه بقي على الجبل حوالي العشر - فتنزل العقوبة بالجيش الإسلامي كله، وينتزع منه النصر بأمر الله سبحانه - وقائد الجيش محمد رسول الله - فما هو الميزان في ذلك؟

стр. 314

إن الله تعالى العليم بما في القلوب، يعرف من هم من غير الرماة يريدون الدنيا، فالظاهرة ليست محصورة فيهم. ولا شك في ذلك، لأن المنافقين الذين هاجمهم القرآن الكريم لتخاذلهم أمام المحنة لم يكونوا من الرماة، ولا نشك في إرادتهم للدنيا وحبهم لها. لكننا نقول كذلك أن في جيش محمد ﷺ ، غير الرماة وغير المنافقين، من يحبون الدنيا يركنون لها وإرادة الله تعالى سبحانه أن يعاقب جيش فيه أمثال هؤلاء. ولا شك أن معصية واحدة واضحة صريحة صدرت من عشر الجيش انعكس أثرها على الجيش نفسه، بل على قائده محمد ﷺ ، وقد شج وجهه، وكسرت رباعيته وأدميت شفته. ونقارن بين قضيتين: لقد كان المنافقون المنسحبون في بداية الأمر ثلث الجيش. ومع هذا العدد الضخم فلم يحرم المؤمنون النصر، أو يستحقوا العقوبة وثلثهم من المنانقين. ويشير القرآن كذلك إلى وجود المنافقين في الجيش بعد الثلث الذي انفصل، وذلك في الحديث عنهم ﴿وطائفة قد أمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ...﴾ وذلك في الحديث عنهم كذلك ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ...﴾. والمنافقون هم إخوان الكافرين من اليهود بلا شك. ومن هؤلاء المنافقين من مات أو قتل في المعركة في أحد. مع وجود المنافقين في الجيش، ومع انفصال المنافقين عنه، مع هذا العدد الضخم كله لم يحرم المؤمنون النصر، وفيهم قرابة النصف لأن الله تعالى قال: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾. فلقد استحقوا موعود الله بالنصر رغم انفصال ثلث الجيش، وانكشاف البقية من المنافقين. إنما كانت العقوبة من أجل هذا العشر الذي عصى بوضوح أمر رسول الله ﷺ وقد رأى ما يحب من موعود الله، من أجل هذا العشر ومن معه من الذين أحبوا الدنيا وأرادوها فكانت العقوبة: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ وهذا الابتلاء عفو من الله وهذه المحنة عفو من الله ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين.

стр. 315

إن معصية الصف المؤمن، والخلل فيه أضخم بكثير من معصية المنافقين المدسوسين في الصف، فالمؤمنون أعظم عند الله تعالى من أن يعاقبهم لوجود المنافقين والمندسين فيهم بغير علمهم. إنما يستحقون العقوبة عندما ينحدرون هم أو ينحدر بعضهم فيعصي أمر قيادته، ويعصي أمر رسول الله ﷺ فيعاقب بهم الجيش كله. وحسبنا هذا الدرس العنيف ليكون أمام الحركة الإسلامية ولتعرف من أين تؤتى. إنها لا تؤتى مما هو أكبر من طاقتها، من المنافقين المتسللين المندسين في الصف، فالله تعالى يصرف بلاءهم وكيدهم، إنما تؤتى من ضعف التربية في هذا الصف، فيكون الجندي المسلم أدنى من المستوى المطلوب، ولو كان هؤلاء قلة في الجيش. وليس بعيدا عنا ما وقع للحركة الإسلامية في بعض معاركها مع الطاغوت، فلقد كانت المخالفة الصريحة من جندي خرج على قيادته بعد أن كان منها مع المجموعة التي معه، ومع التوجيهات التي أصدرها للداخل باسم هذه القيادة أن وقعت مأساة القرن في حماة ومحاولة إبادة البلد بما فيها وبمن فيها. وكانت المحنة الرهيبة التي ذهب ضحيتها الألوف من المقاتلين ومن الرجال والنساء والأطفال الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. ولا شك أن لهذه المحنة أسبابا أخرى غير هذه المخالفة. ولكن السبب المباشر لها هو هذا الموقف. كما كان السبب المباشر لمحنة أحد هو موقف الرماة الستين. ونستطيع أن نؤكد أن هذه الأمور التي تم الامتحان من أجلها من الفشل والتنازع وحب الدنيا ليست خاصة بهؤلاء المخالفين، إنما هي ظاهرة عامة تشمل الصف كله قاعدة وقيادة. فمن هذا الصف من يريد الدنيا، ومن هذا الصف من يريد الآخرة، فكان قدر الله تعالى أن يصرف المؤمنين عن الكفار، ويكون الابتلاء للمؤمنين، ويكون عفو الله وفضله عليهم أن لا ينالهم المحق كما نال الكافرين، وأن يتخد منهم شهداء والله لا يحب الظالمين. ولقد كان حكم الله تعالى على الصف الإسلامي في أحد أن أوضح الفرق كذلك بين الفريقين من المؤمنين ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾. فالذين يريدون الآخرة جاهدوا وصبروا، وسكب الله تعالى في قلويهم السكينة والأمن إلى درجة لا يكاد يصدقها العقل لو كانت

стр. 316

في غير كتاب الله وسيرة رسوله، أن يبلغ الأمن حد النعاس يغشى المؤمنين في قلب المعركة. والسيوف كالصواعق تنصب من كل جانب والنبال تنهمر كالمطر، وخيل المشركين تقتحم الصفوف، والمؤمنون أثبت من الجبال في قلوبهم كما يقول أبو طلحة: (رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحث جحفته من النعاس (١)). وفي رواية أخرى عنه: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه). والفريق الآخر وصل به الضعف والوهن إلى عودة النفسية الجاهلية لديه ودخل الخلل إلى تصوراته العقيدية كذلك ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (٢)﴾. والفريق الثالث لم يتمالك في المعركة فلاذ في الفرار ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (٣)﴾. لاذوا بالفرار ولما يمر عليهم سنتان من الزمان بل سنة واحدة حين نزل عليهم قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (٤)﴾. ورسول الله ﷺ في المعركة، فليس فئتهم حتى يتحيزوا إليه في المدينة، ولقد عفا الله عنهم لشدة الهول الذي لاقوه، حين أطبق عليهم الكفار. إن ضخامة المحنة تظهر في الوضع الذي انتهى إليه جيش النبوة، بين النماذج الإيمانية العالية التي تمثلت في:

стр. 317

١ - الربانيين: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١)﴾. ٢ - الذين أصابهم النعاس أمنة منه: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغش طائفة منكم ... (٢)﴾. ٣ - الذين ثبتوا بعد المحنة: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ... (٣)﴾. ٤ - الذين قضوا شهداء في المعركة: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل ... (٤)﴾. ٥ - الذين استجابوا للنداء رغم القرح والجراح: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح للذين احسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (٥)﴾. ثم النماذج الضعيفة التي هزتها المحنة من الأعماق وهي التي تحدثنا عنها من قبل لكن الصف كله قد نالته المحنة بصورة من الصور، إضافة إلى الجو العام، والرأي العام العربي الذي وصل إليه أبناء هذه المحنة، وأن قريشا قد انتقمت من رسول الله ﷺ وقتلت زهرة أصحابه، ولم يكن مقتل الحمزة ذا أثر قليل في هذه الأجواء خاصة، وهند بنت عتبة تملأ الدنيا ضجيجا في محافل العرب بثأرها لأبيها وعمها وأخيها وبكرها في هذه المعركة. والمعركة

стр. 318

الشعرية الإعلامية التي اشتعلت بين المسلمين والمشركين بعد أحد تناقلتها المحافل في كل مكان من الأرض العربية. وحققت الغاية التي كان يحلم بها أبو جهل في بدر أن يرد بدرا ويهزم محمدا، ويقيم عليها عشرة أيام تعزف عليه القيان ويشرب الخمر، وينحر الجزر حتى تسمع العرب بمسيره فلا تزال تهابه أبدا، وهذا الذي جرى اليوم. فانقلبت الكفة لصالح قريش، وبدأ العرب يهمون بغزو المدينة. يقول المباركفوري حول هذه المرحلة: كان لمأساة أحد أثر سيء على سمعة المؤمنين، فقد ذهبت ريحهم، وزالت هيبتهم عن النفوس وزادت المتاعب الداخلية والخارجية على المؤمنين، وأحاطت الأخطار بالمدينة من كل جانب، وكاشف اليهود والمنافقون والأعراب بالعداء السافر، وهمت كل طائفة منهم أن تنال من المؤمنين، بل طمعت في أن تقضي عليهم، وتستأصل شأفتهم. فريح المسلمين التي كانت قد ذهبت في معركة أحد تركت المسلمين - إلى حين - يهددون بالأخطار، ولكن تلك هي حكمة محمد ﷺ التي صرفت وجوه التيارات، وأعادت للمسلمين هيبتهم المفقودة، وأكسبت لهم العلو والمجد من جديد، وأول ما أقدم عليه بهذا الصدد هي حركة المطاردة التي قام بها إلى حمراء الأسد، فقد حفظ بها مقدارا كبيرا من سمعة جيشه، واستعاد بها من هيبتهم ومكانتهم ما ألقى اليهود والمنافقين في الدهش والذهول، ثم قام بمناورات أعادت للمسلمين هيبتهم بل زادت فيها، وفي الصفحة الآتية شيء من تفاصيلها. ب - سرية أبي سلمة: أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة، فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ ، فسارع رسول الله ﷺ إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسون رجلا مقاتلا من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أبا سلمة وعقد له لواء، وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم، فتشتتوا في الأمر، وأصاب

стр. 319

المسلمون إبلا وشاة لهم فاستاقوها وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حربا. وكان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة ٤ للهجرة (أي أن بينها وبين أحد شهرين ونيف فقط). ج - بعث عبد الله بن أنيس: وفي اليوم الخامس من نفس الشهر - المحرم سنة ٤ هـ - نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي ﷺ عبد الله بن أنيس ليقضي عليه. د - بعث الرجيع: .. وفي شهر صفر من نفس السنة - أي الرابعة من الهجرة، قدم على رسول الله ﷺ وفد من عضل والقارة، وذكروا أن فيهم إسلاما، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر - في قول ابن إسحاق وفي رواية البخاري أنهم عشرة .. فذهبوا معهم فلما كانوا بالرجيع - وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بين رابغ وجدة - استصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعهم ما يقرب من مائة رام، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم، فأحاطوا بهم - وكانوا قد لجأوا إلى فدفد - وقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا، فأما عاصم فأبى النزول، وقاتلهم في أصحابه، فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى، فنزلوا إليهم، ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قسيهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، وأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد وباعوهما بمكة ... هـ - مأساة بئر معونة: وفي نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة. وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ بالمدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله لو بعثت

стр. 320

أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك، لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا لهم جار، فبعث معه أربعين رجلا في قول ابن إسحاق، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين، وأمر عليهم المنذر بن عمرو - وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، فساروا يحتطبون النهار يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن، ويصلون بالليل حتى نزلوا بئر معونة .. ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلا فطعنه بالحربة من خلفه. فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: فزت ورب الكعبة. ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان فجاؤوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله ﷺ ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار فإنه ارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق ... ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي ﷺ حاملا معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين. تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد، إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح، وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة ... وقد تألم النبي ﷺ لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألما شديدا، وتغلب عليه الحزن والقلق (١) حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه (٢)). و- غدر بني النضير: قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتخرقون على الإسلام والمسلمين .. ولكنهم بعد وقعة أحد تجرؤوا فكاشفوا بالعداوة والغدر، وأخذوا يتصلون بالمنافقين وبالمشركين من أهل مكة سرا، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين. وصبر
следующие страницы →