← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

في غير كتاب الله وسيرة رسوله، أن يبلغ الأمن حد النعاس يغشى المؤمنين في قلب المعركة. والسيوف كالصواعق تنصب من كل جانب والنبال تنهمر كالمطر، وخيل المشركين تقتحم الصفوف، والمؤمنون أثبت من الجبال في قلوبهم كما يقول أبو طلحة: (رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحث جحفته من النعاس (١)). وفي رواية أخرى عنه: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه). والفريق الآخر وصل به الضعف والوهن إلى عودة النفسية الجاهلية لديه ودخل الخلل إلى تصوراته العقيدية كذلك ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (٢)﴾. والفريق الثالث لم يتمالك في المعركة فلاذ في الفرار ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (٣)﴾. لاذوا بالفرار ولما يمر عليهم سنتان من الزمان بل سنة واحدة حين نزل عليهم قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (٤)﴾. ورسول الله ﷺ في المعركة، فليس فئتهم حتى يتحيزوا إليه في المدينة، ولقد عفا الله عنهم لشدة الهول الذي لاقوه، حين أطبق عليهم الكفار. إن ضخامة المحنة تظهر في الوضع الذي انتهى إليه جيش النبوة، بين النماذج الإيمانية العالية التي تمثلت في:

стр. 317

١ - الربانيين: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١)﴾. ٢ - الذين أصابهم النعاس أمنة منه: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغش طائفة منكم ... (٢)﴾. ٣ - الذين ثبتوا بعد المحنة: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ... (٣)﴾. ٤ - الذين قضوا شهداء في المعركة: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل ... (٤)﴾. ٥ - الذين استجابوا للنداء رغم القرح والجراح: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح للذين احسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (٥)﴾. ثم النماذج الضعيفة التي هزتها المحنة من الأعماق وهي التي تحدثنا عنها من قبل لكن الصف كله قد نالته المحنة بصورة من الصور، إضافة إلى الجو العام، والرأي العام العربي الذي وصل إليه أبناء هذه المحنة، وأن قريشا قد انتقمت من رسول الله ﷺ وقتلت زهرة أصحابه، ولم يكن مقتل الحمزة ذا أثر قليل في هذه الأجواء خاصة، وهند بنت عتبة تملأ الدنيا ضجيجا في محافل العرب بثأرها لأبيها وعمها وأخيها وبكرها في هذه المعركة. والمعركة

стр. 318

الشعرية الإعلامية التي اشتعلت بين المسلمين والمشركين بعد أحد تناقلتها المحافل في كل مكان من الأرض العربية. وحققت الغاية التي كان يحلم بها أبو جهل في بدر أن يرد بدرا ويهزم محمدا، ويقيم عليها عشرة أيام تعزف عليه القيان ويشرب الخمر، وينحر الجزر حتى تسمع العرب بمسيره فلا تزال تهابه أبدا، وهذا الذي جرى اليوم. فانقلبت الكفة لصالح قريش، وبدأ العرب يهمون بغزو المدينة. يقول المباركفوري حول هذه المرحلة: كان لمأساة أحد أثر سيء على سمعة المؤمنين، فقد ذهبت ريحهم، وزالت هيبتهم عن النفوس وزادت المتاعب الداخلية والخارجية على المؤمنين، وأحاطت الأخطار بالمدينة من كل جانب، وكاشف اليهود والمنافقون والأعراب بالعداء السافر، وهمت كل طائفة منهم أن تنال من المؤمنين، بل طمعت في أن تقضي عليهم، وتستأصل شأفتهم. فريح المسلمين التي كانت قد ذهبت في معركة أحد تركت المسلمين - إلى حين - يهددون بالأخطار، ولكن تلك هي حكمة محمد ﷺ التي صرفت وجوه التيارات، وأعادت للمسلمين هيبتهم المفقودة، وأكسبت لهم العلو والمجد من جديد، وأول ما أقدم عليه بهذا الصدد هي حركة المطاردة التي قام بها إلى حمراء الأسد، فقد حفظ بها مقدارا كبيرا من سمعة جيشه، واستعاد بها من هيبتهم ومكانتهم ما ألقى اليهود والمنافقين في الدهش والذهول، ثم قام بمناورات أعادت للمسلمين هيبتهم بل زادت فيها، وفي الصفحة الآتية شيء من تفاصيلها. ب - سرية أبي سلمة: أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة، فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ ، فسارع رسول الله ﷺ إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسون رجلا مقاتلا من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أبا سلمة وعقد له لواء، وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم، فتشتتوا في الأمر، وأصاب

стр. 319

المسلمون إبلا وشاة لهم فاستاقوها وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حربا. وكان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة ٤ للهجرة (أي أن بينها وبين أحد شهرين ونيف فقط). ج - بعث عبد الله بن أنيس: وفي اليوم الخامس من نفس الشهر - المحرم سنة ٤ هـ - نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي ﷺ عبد الله بن أنيس ليقضي عليه. د - بعث الرجيع: .. وفي شهر صفر من نفس السنة - أي الرابعة من الهجرة، قدم على رسول الله ﷺ وفد من عضل والقارة، وذكروا أن فيهم إسلاما، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر - في قول ابن إسحاق وفي رواية البخاري أنهم عشرة .. فذهبوا معهم فلما كانوا بالرجيع - وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بين رابغ وجدة - استصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعهم ما يقرب من مائة رام، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم، فأحاطوا بهم - وكانوا قد لجأوا إلى فدفد - وقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا، فأما عاصم فأبى النزول، وقاتلهم في أصحابه، فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى، فنزلوا إليهم، ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قسيهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، وأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد وباعوهما بمكة ... هـ - مأساة بئر معونة: وفي نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة. وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ بالمدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله لو بعثت

стр. 320

أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك، لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا لهم جار، فبعث معه أربعين رجلا في قول ابن إسحاق، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين، وأمر عليهم المنذر بن عمرو - وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، فساروا يحتطبون النهار يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن، ويصلون بالليل حتى نزلوا بئر معونة .. ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلا فطعنه بالحربة من خلفه. فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: فزت ورب الكعبة. ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان فجاؤوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله ﷺ ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار فإنه ارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق ... ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي ﷺ حاملا معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين. تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد، إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح، وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة ... وقد تألم النبي ﷺ لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألما شديدا، وتغلب عليه الحزن والقلق (١) حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه (٢)). و- غدر بني النضير: قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتخرقون على الإسلام والمسلمين .. ولكنهم بعد وقعة أحد تجرؤوا فكاشفوا بالعداوة والغدر، وأخذوا يتصلون بالمنافقين وبالمشركين من أهل مكة سرا، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين. وصبر

стр. 321

النبي ﷺ حتى ازدادوا جرأة وجسارة بعد وقعة الرجيع وبئر معونة حتى قاموا بمؤامرة تهدف القضاء على النبي ﷺ . وبيان ذلك أنه ﷺ خرج إليهم في نفر من أصحابه وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري - وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة - فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه. وخلا اليهود بعضهم إلى بعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم. فتآمروا بقتله ﷺ ، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا. فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، لكنهم عزموا على تنفيذ خطتهم (١). ز - غزوة نجد: قبل أن يقوم النبي بتأديب أولئك الغادرين (الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد) نقلت إليه استخبارات المدينة بتحشد جموع البدو والأعراب من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، فسارع النبي ﷺ إلى الخروج، يجوس فيافي نجد، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين. وأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المغيرة وخلطوا بمشاعرهم الرعب، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين. ح - غزوة بدر الثانية: (.. ففي شعبان سنة ٤ خرج رسول الله ﷺ لموعده في ألف وخمسمائة وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة وانتهى إلى بدر، فأقام بها ينتظر

стр. 322

المشركين. وأما أبو سفيان فخرج في ألفين من المشركين ومعهم خمسون فرسا، حتى انتهى إلى مر الظهران على بعد مرحلة من مكة. فنزل بمجنة - ماء في تلك الناحية - فاحتال للرجوع وقال لأصحابه: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا). ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر الجيش أيضا فقد رجع للقاء المسلمين. وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام ينتظرون العدو، وباعوا ما معهم من التجارة. فربحوا بدرهم درهمين، ثم رجعوا إلى المدينة، وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم وتوطدت هيبتهم في النفوس، وسادوا على الموقف. ط - غزوة دومة الجندل: عاد رسول الله ﷺ من بدر، وقد ساد المنطقة الأمن والسلام، واطمأنت دولته، فتفرغ للتوجه إلى أقصى حدود العرب حتى تصير السيطرة للمسلمين على الموقف ويعترف بذلك الموالون والمعادون. مكث بعد بدر الصغرى في المدينة ستة أشهر، ثم جاءت إليه الأخبار بأن القبائل حول دومة الجندل، قريبا من الشام - تقطع الطريق هناك، وتنهب ما يمر بها، وأنها قد حشدت جمعا كبيرا تريد أن تهاجم المدينة، فاستعمل رسول الله ﷺ على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين لخمس ليالي بقين من ربيع الأول سنة ٥ للهجرة وأخذ رجلا من بني عذرة دليلا للطريق يقال له مذكور. خرج يسير الليل ويكمن النهار حتى يفاجىء أعداءهم وهم غارون. فلما دنا منهم إذا هم مغربون، فهجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب. ي - غزوة الأحزاب: .. خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة، وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، ووافاهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت من المشرق قبائل غطفان .. واتجهت هذه الأحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه، وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عرمرم

стр. 323

يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل. جيش ربما يزيد عدده عن جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ. ولو بلغت هذه الأحزاب المحزبة والجنود المجندة إلى أسوار المدينة بغتة لكانت أعظم خطر على كيان المسلمين مما يقاس، ربما تبلغ إلى استئصال الشأفة وإبادة الخضراء. وسارع رسول الله ﷺ إلى عقد مجلس استشاري أعلى، تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي ﵁. قال سلمان: يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا - وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك. وأسرع رسول الله ﷺ إلى تنفيذ هذه الخطة، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعا .... وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابا يتحسسون نقطة ضعيفة، لينحدروا منها، وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات المشركين، يرشقونهم بالنبل حتى لا يجترئوا على الاقتراب منه، ولا يستطيعوا أن يقتحموه أو يهيلوا عليه التراب ليبنوا به طريقا يمكنهم من العبور. وقد حاول المشركون في بعض الأيام محاولة بليغة لاقتحام الخندق، أو لبناء الطريق فيها. ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة، ورشقوهم بالنبل وناضلوهم أشد النضال حتى فشل المشركون في محاولتهم. ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة الشديدة فات بعض الصلوات عن رسول الله ﷺ والمسلمين .. وقد استاء رسول الله ﷺ لفوات هذه الصلاة حتى دعا على المشركين. ففي البخاري .. أنه قال يوم الخندق: ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس. وفي مسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا، قال النووي: وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها. ومن هنا يؤخذ أن محاولة العبور من المشركين، والمكافحة المتواصلة من المسلمين دامت أياما، إلا أن الخندق لما كان حائلا بين الجيشين لم يجر بينهما

стр. 324

قتال مباشر وحرب دامية بل اقتصروا على المراماة والمناضلة ... وبينما كان المسلمون يواجهون هذه الشدائد على جبهة المعركة كانت أفاعي الدس والتآمر تتقلب في جحورها تريد إيصال السم داخل أجسادهم. انطلق كبير مجرمي بني النضير إلى ديار بني قريظة فأتى كعب بن أسد القرظي - سيد بني قريظة، وصاحب عقدهم وعهدهم ... فلم يزل حيي بكعب نقيلة في الذروة والغارب ... حتى نقض كعب بن أسد عهده وبرىء مما كان بينه وبين المسلمين، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين .. وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف. بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما يقول الله تعالى: ﴿وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا﴾ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال: كان محمد يعدنا أن تأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط .. أما رسول الله ﷺ فتقنع بثوبه حين أتاه غدر بني قريظة فاضطجع ومكث طويلا حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل (١) فنهض يقول: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره .. ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن ... وكانت غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، وأقام المشركون محاصرين رسول الله ﷺ والمسلمين شهرا أو نحو شهر .. إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر، بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيها قتال مرير إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام تمخضت عن تخاذل المشركين، وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمع أقوى مما أتت به في الأحزاب، ولذلك قال رسول

стр. 325

الله ﷺ حين أجلى الله الأحزاب، والآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم (١)) (٢). تجمع هذه الأحداث التي استمرت سنتين متتاليتين خطوط عريضة تمثل طبيعة هذه المرحلة، وتوضح جوها العام. الخط الأول: تدهور السمعة الضخمة التي ارتفعت للمسلمين بعد بدر. وكيف استطاع ثلاثمائة مقاتل أن ينتصروا على ألف مدججين بالسلاح، كما أعقب بدرا النصر على بني قينقاع. فالمسلمون مرفوضون في البيئة الوثنية، وهم منشقون عن قريش حامية الحرم، وجاؤوا بدين جديد، فما أن لاح للأعراب والقبائل المجاورة بوادر ضعف عند المسلمين حتى راحوا جميعا يتهيأون لغزو المدينة أو الندر بالمسلمين على طبيعة الأعراب في ذلك وطبيعة اليهود في ذلك، وإذا كان هذا البحر الزاخر من الأعداء هادئا قبل الهجوم كله، ولو كان أي شخصية غير نبي الله، أو عقيدة غير الإسلام، لانتهى وأصبح كأمس الدابر، لكنه الرسول والرسالة. الخط الثاني: فلو نظرنا في كل تحركات المسلمين العسكرية، خلال هذه المرحلة لوجدناها تعتمد الهجوم كأقوى وسيلة من وسائل الدفاع. وهو هجوم مركز مدروس مخطط له مهمته أن يضرب العدو قبل أن يتحرك نحوه، ولم يكن خط فتح الجبهات كلها أو ضرب عدو هادىء هو المحرك لهذه العمليات. إنما كان الهدف منها إحباط التجمعات المضادة للإسلام، والتي تعد لغزوه. والمسلمون يحسبون في كل يوم حسابا جديدا يمكن أن ينقض عليهم من الشمال أو الجنوب أو الشرق. وما أحوج الحركة الإسلامية اليوم وهي تخوض معركتها الشرسة ضد الطاغوت أن تقف هذا الموقف بعد المحنة العنيفة التي نزلت بها. فلا شك أن

стр. 326

سمعتها العسكرية قد تدهورت رغم ضروب البسالة والتضحية التي أبدتها في المعارك التي خاضتها وأصبح الكثير من المحايدين يصبون غضبهم على هذه الحركة لأنها فتحت حربا غير قادرة على خوضها، بل ينفضون أيديهم منها، وأصبح المتغاطفون مع الحركة الجهادية منصرفين عنها، كما أن ظروف الحركة الإسلامية اليوم بعد محنتها هي أفضل من ظروف الحركة الإسلامية بعد أحد. إن الخصوم الفكريين للحركة والمجاورين للطاغوت لهم مصلحة كبرى في سقوط النظام النصيري المقيت في المنطقة. بينما لم يكن لأحد من أعداء المسلمين في الجزيرة العربية مصلحة في سقوط نظام قريش وزوال سلطانها، وهم يرونها تقدم الخدمة لحجيجهم وتتفانى في خدمتهم. صحيح أنه ليس من مصلحة الحركة الإسلامية اليوم أن تعدد جبهاتها أو تكثر خصومها، وأن تحصر معركتها مع طاغوت مستبد واحد، حاربها أعنف المحاربة، ولكن استمرار الركود بعد المحنة، يغير الجو كله ضدها، ويطمع الجميع فيها، بل بتعبير أدق، يمكن أن تفقد مواقعها التي ربحتها من خلال ثقة الناس بقوتها وقدرتها على الصمود والمواجهة وإسقاط النظام الطائفي الكافر. كما أننا لا ننسى صعوبة هذا الخط الهجومي للحركة الإسلامية اليوم، وهي تنطلق من غير أرضها، ومن غير سلاحها، وليس عندها أرض محررة تتحرك فيها. لكن هذا لا يعفيها من المواجهة، وإلا خسرت رصيدها كله، وأطمعت الأعداء فيها بل الأصدقاء وكذلك. الخط الثالث: لم يكن هدف الدعوة لينسى أبدا على الطريق، إنه دائما الهدف الأول، وفي الوقت الذي رأى فيه رسول الله ﷺ فرصة سانحة لهذه الدعوة أن تنتشر لم يتوان أبدا عن بث الدعاة لذلك، وما المحنتان الضخمتان اللتان حلتا بالمسلمين في الرجيع وبئر معونة إلا بسبب ذلك. وكان هذا بعد أشهر قليلة من محنة أحد، ولا شك أن انتشار الدعوة في أرض جديدة، يعني كسب أنصار جدد لها، وهذا ما حدا برسول الله ﷺ أن يبعث عشرة إلى عضل والقارة وأن يبعث أضخم تجمع دعوي إلى نجد قوامه سبعون من قراء

стр. 327

المسلمين وفضلائهم وساداتهم. فنجاح هؤلاء في دعوتهم يعني أن تنضم نجد كلها لدولة الإسلام، وبإذن الله بالفتح من عنده في أرض جديدة قد تكون أهم من المدينة ذاتها عاصمة الإسلام، وقبائل نجد تشكل خطرا ضخما على الإسلام، وبالتالي ستكون أقوى أسلحته يوم تنضم له. وحتى ندرك بأس قبائل نجد نذكر موقف عامر بن الطفيل. يوم هدد رسول الله ﷺ بغزو المدينة وذلك في المرحلة الثانية للدولة المسلمة، في ألف شقراء من الخيل وألف فارس. وما كان من رسول الله ﷺ إلا أن دعا: (اللهم آلفني عامر بن الطفيل). وكانت رسالة رسول الله ﷺ إلى هذا الطاغية على أمل أن يسلم .. ويدخل قواته كلها في حظيرة الإسلام والجهاد. وهذا ما يحسن أن تذكره الحركة الإسلامية دائما وفي كل وقت - إنها دعوة قبل أن تكون ثورة، وإنها مسؤولة عن نشر هذه العقيدة وإبلاغها إلى الناس في أي ظرف وأن لا تتحول إلى شباب يحملون السلاح ويحلمون بالنصر، فهذه نقطة قاتلة بالنسبة لها، ولن تصل إلى النصر حين تنسى الدعوة، وتنسى بناء رجالها على ضوء هذا الدين بله دعوة الناس إليه. الخط الرابع: ولكن الواقع العملي كان على غير ما خطط وقدر له رسول الله ﷺ . فقد ذهب العشرة الأوائل غدرا في الرجيع، وذهب القراء السبعون عجزا في بئر معونة وقضوا شهداء جميعا، ولم تكن محنة بئر معونة بأقل من محنة أحد من حيث حجم الخسائر، ونوعية الشهداء. وكانت ضخامة المحنة أن قضوا في شهر واحد. ولم يملك رسول الله ﷺ لهم أكثر من استمطار الرحمة عليهم، والدعاء على الغادرين بهم في قنوته، ولم يكن قادرا على الثأر لهم من أعدائهم. وأهمية هذا الخط بالنسبة للحركة الإسلامية اليوم يحتاج له شباب الدعوة ورجالها حين يفاجأون بفشل مخطط أقدمت عليه القيادة. إن ضعف التربية في صفوف الحركة الإسلامية سرعان ما يدفع شبابها إلى توجيه النقمة على القيادة، وتوجيه السباب والاتهام لها، والطعن في صلاحيتها وإخلاصها ونيتها، وإذا بنا أمام فاجعتين: الأولى: فشل مخطط أو خسارة معركة.

стр. 328

الثانية: تأزم الثقة في الصف المسلم وفقدانها أحيانا، وتخلخل هذا الصف وضعفه وهو أخطر من المحنة الأولى. ونود من شباب الدعوة أن لا يجدوا الغرابة أو يستهجنوا ضعفا أو خسارة لأن هذه سنة الأنبياء في حربهم مع أعدائهم: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس (١)﴾. وكما قال أبو سفيان بين يدي هرقل: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. كما يشير الأمر كذلك إلى إمكانية الثقة بمشرك والتعامل معه بأعرافه. فأبو براء مع أنه لم يدخل في الإسلام، فقد قبل رسول الله ﷺ جواره للسبعين من صحبه، ولم يخفر أبو براء ذمته، لأن بني عامر حافظوا على جواره. إنما غدرت بنو سليم بهم بدعوة عامر بن الطفيل. ونود أن نشير إلى نقطة ثانية: إن شباب الدعوة كثيرا ما يحكمون بسقوط القيادة لأنها خدعت من عدو، ولأنها لم تستطع كشف هويته، وهذا ما جرى في وقتنا الحاضر مع بعض قيادات الجماعة المسلمة حين ذخل عليها من بعض أعدائها. فليطأمن الشباب من غلوائهم، وهم يرون سيد الخلق الموحى إليه من السماء يخدع بالله فينخدع، ويرسل الشباب العشرة يدعون للإسلام، فإذا بهم يسلمون للأعداء من هؤلاء الغادرين. الخط السادس: صبر وثبات الشباب على هول المحنة وضخامتها فرغم مرور سنتين على تتابع المحن دون تحقيق نصر حربي يذكر. فما فت ذلك في أعضاد المسلمين، وما ألان قناتهم، ولا نقول الصف كله، بل غالبية الصف، ولم يتخلف جندي عن أمر يوكل إليه سواء أكان وحده ليدخل جيش عدو أو يغتال قائد جيش، أو يمضي في سرية صغيرة يواجه بها جيشا عرمرما أو يلاحقه. لقد كانت صفة الالتزام والطاعة هي السيمة الأساسية في قلب هذه المحنة، وما قصة حذيفة عنا ببعيدة حين انتدب رسول الله ﷺ رجلا يأتيه

стр. 329

بخبر القوم أيام الخندق، فلم يستجب أحد من الخوف والجوع والبرد رغم أن رسول الله ﷺ اشترط لمن يخرج ليأتيه بالخبر، السلامة ورفقته في الجنة. لكن عندما نادى حليفة باسمه ما تردد حذيفة لحظة واحدة في تلبية الأمر، لأنه أمر محدد لشخصه دون أن يعبأ بالجوع والبرد والخوف. الخط السابع: إن هذا التحرك العسكري خلال السنتين لم يرافقه مواجهة مع العدو لقد كان كله فض تجمع أو محاصرة موقع، حتى غزوة بني النضير التي رفعت معنويات المسلمين إلى الأوج. لم يقع فيها حرب تذكر، كما يقول تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (١)﴾. فالله تعالى ألقى الرعب في قلوب المظاهرين من أهل الكتاب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار. الخط الثامن: ويقظة القيادة واضحة تماما خلال هذه المرحلة التي تراقب الجو كله من كل جهاته. من جهة مكة وقريش في الجنوب، ومن جهة نجد في الشرق، ومن جهة الشام في الشمال، وأي تجمع تسمع به، يود أن ينقض على المدينة تباغته قبل أن يتحرك وتلاحقه. فتحطم أعصابه وأعصاب حلفائه. وإذا كنا نجد العذر للقيادة أن تخدع مرة واحدة، فليس هذا يعني أن تكون دائما كذلك، أو أن تبرر غفلتها وسذاجتها تحت هذا الستار، فلئن وقعت المأساة والمحنة مرة أو مرتين، لكن اليقظة النبوية العجيبة حطمت عشرات المحن التي يمكن أن تحل بالمسلمين لو ركنت مرة واحدة أو هدأت أو انشغلت بنفسها عن المعركة. الخط التاسع: وبهذا التحرك خلال هذه المرحلة، وإن لم يتحقق نصر عسكري حاسم، فقد تحقق نصر معنوي مؤزر، وذلك من خلال سرعة الحركة ودراستها المستأنية وتخطيطها المحكم، ولم تمكن قريشا من أن تتغنى بأمجادها كثيرا خاصة عندما تم تحدي المسلمين لقريش التي نكلت عن

стр. 330

موعدها في بدر الثانية، وتعلل أبو سفيان بالجدب، الذي لا يصلح للنفير، واستطاع المسلمون في نزولهم ببدر مكانا وزمانا أن يؤكدوا قوة معنوياتهم وتخاذل أعدائهم. كما أن جلاء بني النضير عن المدينة، أعطى سمعة معنوية عالية لهم، وأدخل الرعب في صفوف أعدائهم. والحركة الإسلامية مسؤولة دائما عن بث الروح المعنوية العالية في نفوس شبابها بالوسائل المكافئة. كما أنها مسؤولة عن تفتيت صف أعدائها، وهزيمتهم معنويا كذلك، بحيث يحسون أن يد الحركة الإسلامية قادرة على أن تطالهم في أي أرض فيحسبون لها ألف حساب. وإلا فالمحنة تذبح الصف من الداخل قبل أن تذبحه من الخارج، والنفوس ما لم تفتح أمامها آفاق العمل، لن تسلك غير طريق اليأس، إن المسؤولية التي تحملها القيادة في هذا المجال مسؤولية ضخمة، ولا يكفي أبدا الكلام ما لم يرافقه عمل ملموس يؤكد ثبات واستمرار الجهاد دون وهن أو توانٍ أو يأس. الخط العاشر: وهو الذي حدد نهاية هذه المرحلة بالانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم. وذلك في نهاية المطاف، وبعد انتهاء غزوة الأحزاب حين قال رسول الله ﷺ ، الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم. إن هذه الكلمة لتؤكد المرحلية الضخمة في هذه الدعوة، وتؤكد التخطيط المنهجي، والمنهجية الحركية التي تنتقل من خطوة إلى خطوة، مبصرة مواقع خطواتها، عارفة منازل سيرها؟ وأي عمل بدون خطة هو عمل فاشل، لقد قال رسول الله ﷺ كلمته (١) بعد أضخم هجوم شهدته المدينة، من أضخم جيش شهدته الجزيرة في تاريخها كله، وجدير بمثل هذا الهجوم أن ينهي الإسلام، ويخضد شوكته، ويقطع أوصاله، غير أن الثبات في وجه الإعصار، وعبقرية التحرك للمواجهة رد الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال. ولا شك أن الإرادة الربانية بنصر هذا الدين هي التي كشفث الغمة والمحنة عن المؤمنين. وهذا جانب في سنن الله لا يأتي إلا لمن يستحقه ولمن هو أهل له، وصبر المؤمنين، وثباتهم خلف قيادتهم، وتحركهم

стр. 331

لنصرة دينهم. رغم الجوع القاتل، والبرد القاتل، والعدو الشرس الذي أحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، جعل هؤلاء مؤهلين لنصر الله تعالى وعونه، ومؤهلين، لأن يعطيهم النصر بدون قتال، ومؤهلين لأن يتحقق بهم موعود الله، فلقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه بشهادة الله، ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (١)﴾. ولم يضرهم وجود المنافقين في صفوفهم، ووجود من يقول في هذا الصف: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، ووجود من ينظر إليك نظر المغشي عليه من الموت، ووجود من يلوذ بالفرار متسكعا وراء ﴿إن بيوتنا عورة﴾. لم يضر المؤمنين وجود هذه النماذج كلها، أمام الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، فجاءهم نصر الله، بعد أن زلزلوا زلزالا شديدا. وكان هذا الثبات العظيم، ليس من ثمرته فقط أن يرد الله الكافرين بغيظهم دون أن ينالوا خيرا، بل كان وراء ذلك، ابتداء عهد جديد كل الجدة، عهد الهجوم على الكافرين وغزوهم، الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم. فإذا ما اشتدت المحنة، ونزل الغم، ووقع الكرب، فنصر الله قادم لمن ثبت وأخلص، ولم يرج إلا الله تعالى وذكر الله كثيرا. ونستطيع أن نحدد طبيعة المعركة وأبعادها من خلال الرسالتين التاليتين المتبادلتين بين رسول الله ﷺ وأبي سفيان: فقد كتب أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ يقول: (باسمك اللهم. فإني أحلف باللات والعزى لقد سرت إليك في جمعنا، وإنا نريد ألا نعود حتى نستأصلكم. فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق. فليت شعري من علمك هذا؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد). فقرأه أبي بن كعب على رسول الله ﷺ في قبته. وكتب إليه: (من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب. أما بعد، فقديما غرك بالله الغرور. أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا فذلك أمر يحول الله بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى. وأما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق؟ فإن الله

стр. 332

الهمني ذلك لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك. وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وإساف ونائلة وهبل، حتى أذكرك ذلك (١)). فالرسالتان تحددان تماما إخفاق أبي سفيان وجمعه الأحزاب كلها دون تحقيق هدفه وتوضح الغيظ الذي نزل به من جراء الخندق، وأنه عاد كما قدم دون أن يحقق شيئا من أهدافه، كما تحدد الرسالة الثانية الفشل الذريع الذي حل بهجوم الأحزاب، والثقة العميقة بنصر الله، وتحطيم الطواغيت. الخط الحادي عشر: وعلى ما لقي المسلمون من هول هذه المحنة وضخامتها. لم يرض رسول الله ﷺ أن يضم إلى جيشه جنديا واحدا مشركا يستعين به على العدو، على الرغم من كثرة العروض التي عرضت عليه من اليهود وغيرهم، وحرص على أن يكون جيشها نقيا من الشوائب. لا يقاتل تحت لوائه إلا من آمن بأهدافه. بل خسر في أحد ثلث جيشه إضافة إلى الكتيبة الحسنة التسليح من اليهود التي أرادت أن تنضم إلى الجيش الإسلامي. لقد كان التميز واضحا تماما في الجيش المسلم، وأعلن رسول الله ﷺ رأيه صريحا لليهود: مروهم فليرجعوا فإنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. ورغم المعاهدات والعقود التي عقدها ﵊ مع خصوم الإسلام، وفتح في هذه العهود إمكانية طلب النصرة منهم إلا أن تلك العقود والأحلاف لم تكن تتجاوز الجانب السياسي في الكف عن حرب المسلمين، أو إمدادهم بالمال والسلاح، أو تخذيل العدو عنهم. لكن هذا لم يصل إلى مرحلة الاشتراك في الحرب. وما نعلم أن هذا الأمر يدخل في نطاق الحرفة. لأن الفقه الإسلامي قال كلمته بهذا الصدد وجمهور الفقهاء على جوازه، ولكن الحرص يجب أن يكون على أعلى صورة لدى الحركة الإسلامية في هذا المجال، دون أن تشرك ولو كان جنديا واحدا في صفها غير مؤمن بعقيدتها وأهدافها، حتى لا يفسد الصف، ويبث فيه الوهن والضعف.

стр. 333

السمة السابعة عشرة تباشير النصر في قلب المحنة لقد كان شخص رسول الله ﷺ يمثل أعظم قوة بشرية في التاريخ. فما عرف رجل يستطيع أن يؤثر في صفوف جيشه وجنده مثل شخص رسول الله، لقد كان دائما في المحنة رجلها الأول، وبكلمات قلائل ينفح في جيشه روح الاستبسال والجهاد، ويتحدث عن النصر حين يفقد الناس أملهم بالنصر، ويضرع إلى الله تعالى يجأر بالدعاء حين يثق الناس بقدرتهم على النصر. ولنشهده ﵊ في هذه الموافف العصبية. ها هو في بدر يستمع لقول سعد بن معاذ ﵁: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت، واعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك (١). إن القول العظيم لسعد ليؤكد الولاء التام من الأنصار لرسول الله ﷺ واستعدادهم للتضحية والموت مع رسول الله. لكنه يؤكد من طرف آخر أن الأمل بالنصر غير قائم. فخوض البحر يعني الاستشهاد أكثر مما يعني النصر، وأمام هذه الروح العالية كان جواب رسول الله ﷺ : سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم (٢). ويقول المقريزي: (ثم أراهم مصارعهم يومئذ. هذا مصرع فلان،

стр. 334

وهذا مصرع فلان. فما عدا كل رجل مصرعه. فعلم القوم أنهم يلاقون القتال وأن العير تفلت (١). ويحدثنا المقريزي عن موقفه يوم أحد، وفي أحرج اللحظات وأشدها هولا. (وخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء ماء ... وكان رسول الله ﷺ قد عطش عطشا شديدا، فذهب محمد إلى قناة حتى استقى من حسى (٢)، فأتى بماء عذب فشرب رسول الله ﷺ ، ودعا له بخير. وجعل الدم لا ينقطع (من وجه رسول الله ﷺ ) وجعل النبي ﷺ يقول: (لن ينالوا منا مثلها حتى تستلموا الركن (٣)). فالجيش المحطم، والوجه الجريح، والعدو الطاغي، والشهداء السبعون، ومع ذلك يؤكد لجيشه العظيم أن المسلمين لن تنالهم مثل هذه المحنة حتى يستلموا الركن، وهذا يعني أن النصر قادم لا محالة له بإذن الله، والنصر لهذه العصبة بالذات التي تدخل مكة وتستلم ركن الكعبة المشرفة. وهذا موقفه ﵊ يوم المحنة الكبرى، يوم الخندق. فقد روى البخاري عن جابر ﵁ قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر - ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذوقا - فأخذ النبي ﷺ المعول، فضرب فعاد كئيبا أهيل أو أهيم) (٤)، أي صار رملا لا يتماسك وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة. ثم ضرب الثانية فقطع آخر. فقال: الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن. ثم

стр. 335

ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر. فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني (١). لقد بشر ﵊ بذلك، والمسلمون يكادون يهلكون جوعا فلم يذوقوا منذ ثلاثة أيام ذواقا، والعدو مصبحهم وممسيهم، وتتناسب البشائر مع مراحل المعركة. فالبشارة الأولى في أول لقاء مع العدو، منصبة على مصرع كبار قادته، وانتصار في معركة على وشك أن تقع. والبشارة الثانية بعد خسارة ضخمة في معركة مع هذا العدو، تؤكد أن النصر سيكون على هذا العدو في نهاية المطاف، مهما امتدت المعارك، فستعود الكعبة للمسلمين وينتهي الوجود الوثني في جزيرة العرب. والبشارة الثالثة قريب هجوم يود استئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم. بأن النصر سيتجاوز حدود معركة قائمة. وسيتجاوز حدود أرض العرب، وعدو محدد بل سيشمل الأرض كلها حيث يقبع العدو في الشام وفارس واليمن. في الشمال والشرق والجنوب. وستدين الأرض كلها لله. السمة الثامنة عشرة عمليات الاغتيال وأثرها في بث الرعب في صفوف العدو عاد المسلمون من بدر، ولا يزال بعض المتحدين للإسلام يجاهرون في عدائه (وكانت عصماء بنت مروان تحث يزيد بن زيد الخطمي، وكانت تؤذي رسول الله ﷺ وتعيب الإسلام، وتحرض على النبي ﷺ وقالت شعرا، فنذر عمير بن عدي بن الخطمي، لئن رد رسول الله ﷺ من بدر إلى المدينة ليقتلنها. فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر جاءها عمير ليلا حتى دخل عليها بيتها، ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها، وأتى فصلى الصبح مع

стр. 336

النبي ﷺ ، فلما انصرف نظر إليه وقال: أقتلت ابنة مروان؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير، فقال: هل علي شيء من شأنها يا رسول الله؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان. فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله ﷺ . وقال لأصحابه إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي، فقال عمر بن الخطاب ﵁: انظروا إلى هذا الأعمى الذي تشرى في طاعة الله تعالى فقال: لا تقل الأعمى ولكنه البصير .. فلما رجع عمير وجد بنيها في جماعة يدفنونها فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ قال؟ نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم. فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة، فمدح حسان عمير بن عدي، وكان قتل عصماء لخمس بقين من رمضان مرجع النبي ﷺ من بدر على رأس تسعة عشر شهرا (١). إنها امرأة واستطاعت بكيدها للإسلام أن تحول بينه وبين بني خطمة، وخوف المؤمنين فيهم من سلاطة لسانها جعلهم يخفون إسلامهم، فكان شعرها كلسع النار على ظهر المؤمنين، وتحرك الإيمان في قلب عمير، الذي رأى من تبجحها وسفاهتها في غيبة رسول الله ﷺ في بدر ما جعله ينذر قتلها إن عاد ﵊. أقدم على قتلها بحمية إيمانية عجيبة، ودون أن يستأذن قيادته، وصلى الصبح مع رسول الله ﷺ في المدينة، وفي قلبه بعض الخوف من أن يكون قد أساء بقتلها فطمأنه ﵊، وأثنى عليه بقوله: (إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي). ولا عجب أن يدهش عمر في إيمانه فيشير إليه عمر أمام الناس أنه الذي يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والذي أذهل عمر أنه أعمى وتمكن من البحث عن هذه الحية الرقطاء فقتلها في بيتها. فصحح له ﵊ قوله: إنه البصير. ولم يكن عمير في قتله هذا بعد إجازة رسول الله ﷺ له يخشى أحدا في هذه الأرض، لم يجمجم ولم يتلعثم حين

стр. 337

سأله بنوها عن القاتل، أكد لهم أنه قتلها، وسيقتلهم جميعا لو قالوا مثل قولها، وتحداهم: ﴿ئكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾. وكان لهذا الموقف الصلب من الأثر والقوة أكبر من مقتل ابنة مروان. فلا بد أن يغدو الكفر صاغرا ذليلا أمام المؤمنين. وأنقذ رقاب إخوانه جميعا من الأذى، وصارت العزة لهم، والذل والصغار لمن خالف أمرهم، وظهر الإسلام في بني خطمة، وفي الطريقة نفسها، وللأهداف ذاتها تم مقتل أبي عفك اليهودي بعد شهر واحد من مقتل عصماء بنت مروان. (وكان شيخا من بني عمرو بن عوف وقد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يحرض على عداوة النبي ﷺ ، ولم يدخل في الإسلام، وقال شعرا، فنذر سالم بن عمير الأنصاري - أحد البكائين من بني النجار ليقتلنه أو يموت دونه، وطلب له غرة، حتى كانت ليلة صائفة - ونام أبو عفك بالفناء في بني عمرو بن عوف فأقبل سالم فوضع السيف على كبده فقتله، والذي يربط بين الحادثتين أنهما تمتا بدون إذن من القيادة، وأقرتهما القيادة النبوية بعد ذلك وهذا يعني أن من يستحق القتل في حربه المسعورة ضد الإسلام، وليس هو مجال شبهة في هذا العداء، وأقدم شاب على قتله، في الحرب المعلنة بين دولة الإسلام ودولته أو هو فهو نصر للإسلام يظهر الغيب، فزعماء الطاغوت اليوم الذين أشعلوا الحرب على المسلمين قتلوا رجالهم، ولم يستحيوا نسماءهم. بل تجاوزوا فرعون الذي طغى، هؤلاء يتقرب إلى الله تعالى بدمائهم. وما فعله شباب الإسلام في الحاكم الذي تحدى المسلمين في الأرض فصالح عدوهم اليهود في يوم عيدهم. حين قتلوا هذا الطاغية إنما غسلوا عار المسلمين جميعا في أرض الكنانة، بل في كل مكان من الأرض الإسلامية ونصروا الله تعالى ورسوله بالغيب وشروا أنفسهم لله كما قال عمر ﵁. ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد﴾. ح - مقتل كعب بن الأشرف: مر عام كامل بعد بدر، وأجلي بنو قينقاع عن المدينة. وكعب بن الأشرف لا يزال مشهرا لسانه في أعراض المسلمين ومنشبا سهامه في

стр. 338

نحورهم، وازداد جرأة وحقدا وتحديا بعد جلاء بني قينقاع عن المدينة. فقال رسول الله ﷺ : من لي بابن الأشرف فقد آذاني. فقال محمد بن مسلمة: أنا به يا رسول الله، وأنا أقتله، قال: فافعل وأمره بمشاورة سعد بن معاذ. فاجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر. فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله فأذن لنا فلنقل، قال: قولوا. فأتاه أبو نائلة وهو في نادي قومه - وكان هو ومحمد بن مسلمة أخويه من الرضاعة - فتحدثا وتناشدا الأشعار حتى قام القوم فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء. حاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وتقطعت السبل عنا حتى جهدت الأنفس، وضاع العيال؟ فقال كعب: قد كنت أحدثك بهذا أن الأمر سيصير إليه، قال أبو نائلة: ومعي رجال من أصحابي على مثل رأي، وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما وتمرا، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة. واكتم عنا ما حدثتك من ذكر محمد؟ قال: لا أذكر منه حرفا، لكن أصدقني، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني، فماذا ترهنونني؟ قال: الحلقة (١). فرضي. وقام أبو نائلة من عنده على ميعاد، فأتى أصحابه فأجمعوا أن يأتوه إذا أمسى لميعاده، وأخبروا النبي ﷺ ، فمشى معهم ووجههم من البقيع وقال: امضوا على بركة الله وعونه، وذلك بعد أن صلوا العشاء في ليلة مقمرة مثل النهار. فأتوا ابن الأشرف فهتف به أبو نائلة - وكان حديث عهد بعرس، فوثب ونزل من حصنه إليهم. فجعلوا يتحادثون ساعة، ثم مشوا قبل شرج العجوز (٢) ليتحادثوا بقية ليلتهم؟ فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب وقال: ما أطيب عطرك هذا!! ثم مشى ساعة وعاد لمثلها وأخذ بقرون رأسه فضربه الجماعة بأسيافهم، ووضع محمد بن مسلمة مغولا (٣) معه في سرة كعب حتى انتهى إلى عانته. فصاح صيحة أسمعت جميع أطام اليهود فأشعلوا

стр. 339

نيرانهم، واحتز الجماعة رأس كعب واحتملوه، وأتوا رسول الله ﷺ - وقد قام يصلي ليلته بالبقيع - فلما بلغوه كبروا. فكبر رسول الله ﷺ ثم قال؟ أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله. ورموا برأس كعب بين يديه، فحمد الله على قتله وتفل على جرح الحارث بن أوس. وكان قد جرح ببعض سيوف أصحابه فبرأ من وقته وأصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف فقال: (١) من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فخافت اليهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطقوا (٢). د - مقتل ابن سنينة: وكان ابن سنينة من يهود بني حارثة حليفا لحويصة بن مسعود. فعدا أخوه محيصة بن مسعود على ابن سنينة فقتله، فجعل أخوه حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله أقتلته!! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله، فقال محيصة: والله لو أمرني بقتلك الذي أمرني لقتلتك. قال: أوالله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم، والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. فجاءت يهود إلى النبي ﷺ يشكون ذلك، فقال: إنه لو فر كما فر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف. ودعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه فكتبوا بينهم وبينه كتابا. وحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف (١). أما الحادثتان الجديدتان وقد وقعتا في وقت متقارب قبيل غزوة أحد، هما اغتيال كعب بن الأشرف وابن سنينة كما نرى، ويجمع بينهما تقارب الوقت أولا، وأنهما كانتا بإذن من القيادة ثانيا - وإن اختلفت طبيعة الإذن والتكليف - وبسبب واحد هو الموقف العدائي من الإسلام والمسلمين وشخص رسول الله ﷺ . ولعل ضخامة جريمة كعب بن الأشرف كانت أكبر من جريمة ابن سنينة. فلقد مضى كعب إلى مكة، والتقى بزعماء قريش، ورثا أصحاب

стр. 340

القليب في بدر منهم، وأعلن حلفه الصريح معهم، وراح يرد على شعراء المسلمين في الهجاء ويعلن تعاطفه الصريح القلبي والعلني معهم، ومشكلة كعب بن الأشرف وابن سنينة أنهما من يهود يثرب، أي من القبائل العربية نفسها الأوس والخزرج فهما يعيشان بين ظهرانيهم، ورغم أن العهد بين رسول الله ﷺ وبينهم على التحالف والتناصر إلا أن هؤلاء الزعماء اتخذوا موقفا عدائيا من المسلمين، وتناسوا صحيفة العهد معهم. وراح كعب بن الأشرف يشبب بنساء المسلمين. وهو متمنع في حصنه. فكان أن انتدب رسول الله ﷺ المسلمين لقتله. فتطوع محمد بن مسلمة، واختار أربعة من الفدائيين يشاركونه في عملية الاغتيال. من بينهم أبو نائلة أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة. وهذا يعني أن أقدر الناس على تنفيذ عمليات الاغتيال، أبعدهم عن الشك فيه، ومن يمت بقرابة أو صلة رحم أو صداقة من هذا المجرم، وهذا السبب نفسه هو الذي مكن محيصة ابن مسعود ﵁ من قتل ابن سنينة. لأن ابن سنينة حليف أخيه حويصة فهو يتردد دائما عليه. وإنها لمسؤولية ضخمة لأولئك الإخوة المنبثين في صفوف العدو حيث يأمن العدو جانبهم للقرابة أو موقع الوظيفة وهم أقدر من غيرهم آلاف المرات على الثأر من أولئك الطغاة. كما نلاحظ صورة جديدة في هذه العملية لم نشهدها من قبل، وهي صورة الخديعة التي تقتضي الكذب واختلاق الحوادث لتحقيق الهدف، لأن العملية من العسير جدا أن تتم بغير هذه الصورة، ولن يسلم كعب نفسه بسهولة وهو يعرف خطورة عدائه للعصبة المسلمة وسيكون دائما في حذر شديد من الغيلة. فكان لا بد من التحايل عليه، واقتضى هذا التحايل النيل من شخص رسول الله ﷺ ومن الإسلام ليركن الطاغية إليهم، وهو درس جديد نفقهه كذلك، إن اتخاذ مظاهر الكفر، وإعلان الكفر، والنيل من الإسلام والمسلمين لتحقيق مثل هذه المهمة أمر لا حرج فيه. حيث قد تم بإذن رسول الله ﷺ . وإذا كان اغتيال عصماء بنت مروان قد تم بالوضوح الإسلامي الكامل والتحدي الإيماني السافر لها ولبنيها ولقومها: ﴿فكيدوني جميعا

стр. 341

ثم لا تنظرون (١)﴾. فليس بالإمكان أن يتم هذا الأمر وللعدو حصونه وقوته وشراسته، ولكن هذا الأمر لا يتم بدون إذن في الأصل حين يرتبط المسلم بقيادته. إننا نلاحظ كثيرا من ضعاف النفوس ينافقون للطلغاة والكفرة ويعايشونهم خوفا من بطشهم، وهذا أمر نهىى الإسلام عنه، واعتبره ركونا للكفار ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (٢)﴾ الفرق واضح تماما بين هذا النوع من الركون والمسارعة في الكفار، وبين من يفعل هذا الأمر بمهمة من قيادته المسلمة أو إذن منها على الأقل، أو تصميم على تنفيذ مهمة اغتيال أو تجسس لصالح المسلمين حين يعجز عن الصلة بالقيادة والتنسيق معها، ولقد استطاع أبو نائلة ﵁ أن يجعل الثقة بينه وبين كعب في الأوج حين نال من محمد ﷺ وشهر به. وهؤلاء أحب الناس إلى قلوب الطغاة، وهم الذين يرتدون عن دينهم سخطة له وتشهيرا به. وكانت الخطة من الدقة والإحكام بحيث لا يوجد فيها ثغرة واحدة. فهدف هذه المجموعة الفدائية أن تكون بكامل سلاحها، ولو جاءت هكذا لشراء البر والتمر لكانت موطن شك وألقي القبض عليها. غير أن أحكام الخطة بأن هذه المجموعة جاءت بسلاحها تسلمه لكعب بن الأشرف رهينة للبر والتمر، فهو أمر مقبول ومستساغ. بل سال لعاب كعب له. أن يحصل على سلاح خمسة من المسلمين يضمه إلى مخازن سلاحه التي عنده ويلهيهم بالتمر والبر. إن أقوى ما يكون في الخطة هي أن تبدو ساذجا مغفلا مع خصمك، وتظهر له انخداعك به حتى يتابع خطته. ولا نزال نذكر موقف تلك الأخت المسلمة التي قبضت عليها المخابرات وهي تحمل وثائق للقيادة، ومن خلال وثيقة السفر التي تحملها تم التأكد من علاقتها مع الحركة، واستعملت معها أساليب التهديد العجيبة، ونقلت إلى

стр. 342

مركز مخابرات العاصمة وراح يحقق معها شخصيتان كبيرتان من قادة المخابرات وضباطهم الكبار. واستمر التحقيق معها ساعات طويلة، اقنعتهم فيه أنها ستتعامل معهم لصالحهم ضد الجماعة المسلمة. فاحتفوا بها أيما احتفاء ونقلوها إلى أرقى فنادق العاصمة، وأعطوها دفعة دسمة من المال، وأركبوها في السيارة معززة مكرمة إلى القيادة. فإحكام الخطة الذي يزيل الشبهة عنصر أساسي من نجاح المهمة، ومن أجل هذا راح كعب مع المجموعة الفدائية يتمشى دون حرج وهم مدججون بسلاحهم. كما أن أداة الفتك لا بد أن تكون متطورة متناسبة مع طبيعة المهمة، فالمغول الذي استعمله محمد بن مسلمة كان ضروريا للتأكد من مقتل الطاغية، والابتعاد بكعب عن حصنه أمر ضروري جدا حتى لا يقبض عليهم عند الحصن، والمحاولة الأولى من أبي نائلة ليشم عطر كعب الطيب ضرورية كذلك حيث يحكم القبض عليه في المرة الثانية دون أن يفلت منه، ودون أن تتحرك الريبة في قلبه لو وجدهم محيطين به أثناء الاندفاع في الحديث. لقد أثبت الإخوة المجاهدون في الوقت الحاضر كفاءة عالية جدا في اغتيال شخصيات العدو وطغاته وذلك على هدى هذه المجموعة الفدائية. لدرجة أن هذه العمليات استمرت قرابة ثلاث سنوات وعجزت الدولة بمخابراتها وسلطانها أن تتعرف على هوية المنفذين، وكانت تحسبهم من حركة قومية غير الحركة الإسلامية. وأخيرا نلحظ الأثر العظيم لهذا الاغتيال، فلقد قضي على التحرك المعادي للمسلمين في عقر دارهم، وخفتت الأصوات الإعلامية المعادية، وكتب اليهود كتابا وميثاقا بذلك يعلنون تراجعهم عن هذا العداء السافر، ودخل الرعب في قلب العدو لدرجة أنه لم يجرؤ أحد قادتهم على الخروج وحده. وكانت الصورة التي أعلنها محيصة بن مسعود لأخيه أنه على استعداد أن يضرب عنقه لو أمره رسول الله بذلك إيذانا بتعرف العدو على الاستبسال المنقطع النظير لدى هؤلاء المجاهدين، وأن دينهم أقوى من كل شيء في

стр. 343

حياتهم. وهم على استعداد للإطاحة بآبائهم وإخوانهم وأولادهم في سبيل هذا الدين. لقد حقق الاغتيال هدفه، حين أحكمت خطته، ونفذت تمام التنفيذ، ومهمتنا نحن اليوم أن نتقن هذا الفن، ونحكمه. ولا مانع من الاعتراف بالحقيقة. إن هذا الموضوع حين ابتذل من الحركة الإسلامية، وغدا ينصب على الناس العاديين، من المخبرين، وقد يقع أحيانا على متهمين لا مجرمين، فقد قيمته، وولد جوا من التململ والضيق من الناس المحايدين. فلا بد أن تكون عمليات الاغتيال هادفة محققة لعنصر بث الرعب في صفوف المجرمين وكفهم عن التمادي في حرب المسلمين. هـ - مقتل سفيان بن خالد الهندلي بعد أحد: (كان قد بلغ رسول الله ﷺ أن سفيان بن خالد نزل عرنة وما حولها في ناس فجمع لحربه. وضوى إليه بشر كثير من أفناء العرب. فبعث عبد الله بن أنيس وحده ليقتله وقال له: انتسب إلى خزاعة. فقال عبد الله بن أنيس: يا رسول الله ﷺ أنعته لي حتى أعرفه قال: إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان، وآية ما بينك وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته، وأذن له أن يقول ما بدا له، وكان ابن أنيس لا يهاب الرجال فأخذ سيفه وخرج حتى إذا كان ببطن عرنة لقي سفيان يمشي وراءه الأحابيش فهابه، وعرفه بالنعت الذي نعت له رسول الله ﷺ . وقد دخل وقت العصر فصلى وهو يمشي يومىء إيماء برأسه. فلما دنا منه قال: من الرجل؟ قال: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. ومشى معه يحادثه وينشده، وقال: عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث فارق الآباء وسفه أحلامهم! فقال سفيان: لم يلق محمد أحدا يشبهني! حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه فقال: هلم يا أخا خزاعة. فدنا منه وجلس عنده حتى نام الناس، فقتله وأخذ رأسه واختفى في غار والخيل تطلبه من كل وجه. ثم سار الليل وتوارى في النهار إلى أن قدم المدينة ورسول الله ﷺ في المسجد فقال: أفلح الوجه! قال: أفلح وجهك يا رسول الله! ووضع الرأس

стр. 344

بين يديه، وأخبره الخبر، فدفع إليه عصا وقال: تخصر بهذه في الجنة، فإن المتخصرين في الجنة قليل. وكانت عنده حتى أدرجت في أكفانه بعد موته (١). أما عملية الاغتيال هذه التي قام بها عبد الله بن أنيس وحده. فقد أنهت معركة، وقضت على عدو. وكان لا بد هنا ولما تجف الدماء بعد من أحد. والتحرك بجيش جديد للمدينة، يعني خطرا كبيرا ولا تزال الجراحات تنزف من الجيش المؤمن، واستطاع عبد الله وحده بعون الله أن ينفذ مهمته كاملة، واختباؤه في غار حتى يهدأ الطلب. ومسيره في الليل وكمونه في النهار، يدل على عبقرية تخطيطه اقتداء بهدي قائده محمد ﷺ يوم الهجرة. وبطن عرنة هو قرب مكة بين عرفات ومزدلفة. وهذا يعني أن المهمة قرب مكة. فهي ذات أثر معنوي ضخم أن تصل قوة محمد إلى حدود مكة. وهو يقض مضاجع قريش بذلك. إن حسن اختيار الأشخاص للمهمات شيء مهم جدا. فابن أنيس وحده أمه يمضي إلى بطن عرنة ويقتل قائد جيش العدو في خبائه. ويختفي في أرضه، بعد أن يحتز رأسه ويعود به إلى المدينة. إنها لبطولة خارقة ولا شك. تذكرنا ببعض العمليات الفدائية التي قام بها الشباب المجاهدون بالشام. إذ كان أخ واحد في سيارته الملغومة يمضي فيفجر أكبر تجمعات العدو دون أن يعثر له على أثر ويقضي على أكبر شخصياته. و- مقتل أبي رافع بعد الخندق: (كان مما صنع الله به لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين، لا تضع الأوس شيئا فيه عن رسول الله ﷺ غناة إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون: بهذه فضلا علينا عند رسول الله ﷺ وفي الإسلام. قال: فلا تنتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك. ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ ، قالت الخزرج: والله لا تذهبون

стр. 345

بها فضلا علينا أبدا، قال: فتذاكروا من رجل لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا سلام بن أبي الحقيق، وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله فأذن لهم. فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث ابن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم. فخرجوا وأمر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة). قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: (اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب. قال عبد الله بن عتيك: فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق (١) على ود (٢) قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له. فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل قلت: إن القوم لو نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنيت شيئا. وصاح فخرجت من البيت ثم دخلت اإليه، فقلت: وما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنثه ولم أقتله. ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب. فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك صاح الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز.

стр. 346

فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجاء فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثثه. فقال أبسط رجلك. فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها (١). نموذج فذ فريد مثل عبد الله بن أنيس الذي كان أحد الخمسة الفدائيين اليوم ابن عتيك. ولئن كان ابن أنيس قد قتل سفيان في خبائه، فابن عتيك قد اقتحم على سلام بن أبي الحقيق حصنه، واغتاله في فراشه، وهو أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه عبقرية الاغتيال، في فراشه وبين أهله، وتصبح مفاتيح الحصن والبيت بيده، وهو في خيبر، في قلب حصون العدو، حيث أمضى المسلمون فيما بعد قرابة شهر وهم يفتحون هذه الحصون. وتذكر بعض الروايات أن أم عبد الله بن عتيك كانت في خيبر وهي التي هيأت له ولسريته الدخول إلى حصونها، ولا يبعد ذلك غير أن رواية البخاري لم تذكر ذلك. والجرأة العجيبة التي أدى ابن عتيك تحير اللب وتذهل العقل، لقد غامر أولا بإغلاق الأبواب. وحسب أسوأ الاحتمالات أن يصل العدو إليه، لكنه لن يمكن أهل خيبر من الوصول إليه قبل أن يصل إلى عدو الله أبي رافع فيجهز عليه، ثم غامر ثانيا فاختبأ، وأصبح الخطر جاثما حوله لأنه لم يحقق هدفه بعد، وتقدم نفسه يسأل أبا رافع عن الصوت ليتأكد من مكانه فيه. ثم غامر ثالثا. بأن كمن حتى تأكد من مقتل أبي رافع، علما بأن ساقه قد كسرت، فنسي ساقه من أجل تحقيق مهمته، ثم مضى إلى رفاقه، فغادروا خيبر متجهين إلى المدينة. ولم يتخل عن مهمته حتى أنفذ السيف في بطنه إلى أن خرج من ظهره. إنها أمثولة خالدة نضعها بين يدي المجاهدين نموذجا حيا لتنفيذ المهمات الموكلة إليه. وتطالعنا كذلك صورة التنافس الكبير بين الحيين العظيمين في القضاء على أعداء الله، وهو تنافس محبب يحسن أن يتحرك بين المجاهدين حرصا على مرضاة الله، ويتسابقون في القضاء على خصوم الإسلام وهم

стр. 347

يحاربون هذه الدعوة. وسيان كانت هذه المنافسة من خلال المجموعات أو البلدان أو الأحياء. فهي تنتهي في حرب الطغاة وإبادة رؤوس الكفر. وتطالعنا كذلك، الآثار الضخمة لهذه العملية التي أشعلت الرعب في صفوف اليهود في خيبر وعرفوا أن يد المسلمين تطالهم في مضاجعهم، وتجتثهم من بين أحضان نسائهم وتجتالهم من منيع حصونهم. إن حرب الرعب حرب إسلامية يحدثنا رسول الله ﷺ عنها بقوله: نصرت بالرعب مسيرة شهر (١)، ويوم نخسر هذه الحرب نخسرها عقوبة كذلك، كما حدثنا رسول الله ﷺ ، ولينزعن من قلوب أعدائكم المهابة منكم (٢). فحين نخلص في الغاية، ونحسن التخطيط في الوسيلة، تنفتح أمامنا مغاليق العدو، ويصبح منالا سهلا وهدفا حيويا بمتناول اليد، وحين تختل الغاية، وتختل الوسيلة، فيصبح هذا السلاح بيد العدو. لقد رأينا عبد الله بن عتيك ﵁ يقوم بكل هذه العمليات الضخمة جهدا جسديا، وجهدا عبقريا مفكرا، وينال أكبر رأس من رؤوس الطغاة. ومع ذلك يأتي ليقول لإخوانه: النجاء فقد قتل الله أبا رافع. ولم يقل لهم: النجاء. فقد قتلت أبا رافع. إن عظمة العبودية لله عنده أن لا ينسب القتل إليه مع أنه هو الذي خطط ونفذ وتأكد من نجاح مهمته، وأصيبت رجله. نحن بحاجة لمثل هذه النفسيات التي تخلص الغاية له، وتحسن الوسيلة وتحكمها وتهيء لها وسائلها ليتاح لنا النصر على أعدائنا، ولا حرج عندئذ في التنافس في الجهاد في سبيل الله، فلم يبحث الخزرج عن رجل عادي يقتلونه نفاسة للأوس، بل بحثوا عن رأس من رؤوس الطغاة على مستوى كعب بن الأشرف، ونود أن لا يدفعنا التنافس إلى هم الفنك فقط، بل لا بد من البحث عن طاغية جبار عنيد يكافىء الجهد المبذول لذلك.

стр. 348

فالتوفيق الإلهي يوم يتم في مثل هذه الأمور المعقدة لا يتم جزافا، إنما يتم ضمن سنن جارية سنها الله تعالى لتوفيقه، ويوم نجد ضخامة في الجهود المبذولة وفشلا كبيرا في التنفيذ، فإن هذا يعني أن خللا ضخما كذلك قد وقع في نياتنا، وفي إخلاصنا وفي قلوبنا ففاتنا الهدف. ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (١)﴾. ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (٢)﴾. السمة التاسعة عشرة الحرب الإعلامية ودورها في المعركة كانت بوادر الحرب الإعلامية قد ابتدأت منذ الهجرة، غير أن ملامحها بدأت تتضح رويدا رويدا في بعض السرايا قبيل بدر، لكنها انفجرت انفجارا ضخما بعد بدر. لأن الجانب الإعلامي للقبائل المجاورة كان هدفا مهما من أهداف الفريقين، ويظهر أن الأشعار سرعان ما تطير بها الركبان بين يثرب ومكة. فيأتي الرد من الطرف الآخر. لكن عند النصر تكثر أشعار الفريق المنتصر بينما تكثر المراثي عند الفريق الثاني. لقد دخل رسول الله ﷺ المعركة بأسلحة غير متكافئة في العدد والعدة، أما في مجال الشعر فلم يكن الأمر كذلك، فإضافة إلى المقلين من الصحابة الذين يكتفون بقطعة أو قطعتين كان هناك الشعراء المتخصصون حسان بن ثابت على رأسهم ﵁، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وكان أشدهم على الكفار حسان.

стр. 349

في بدر كانت المعاني التي انصب عليها شعر بدر كله تتناول من قبل المسلمين قتلى القليب، السراة من قريش. وقلما يوجد شاعر لم يتناول هذا الجانب، ثم يربط الشعراء هذه الهزيمة النكراء بالبغي والطغيان من قريش، وأن جزاء هذا البغي النار في الآخرة والخزي والذل في الدنيا. وتعير الذين لاذوا بالفرار، والذين وقعوا في ذل الأسر، وتشمت بالنائحين والنائحات على قتلاهم. ثم تحمل دعوة لقريش أن ترعوي عن غيها وتفيء إلى الله ورسوله، كما يتوضح الفخر الكبير بالنصر المؤزر الذي ناله المسلمون تحت راية محمد ﷺ ومدد جبريل والملائكة معه. هذا في الجانب الإسلامي. ومن نماذجه قول كعب ﵁: فلما لقيناهم وكل مجاهد ... لأصحابه مستبسل النفس صابر وقد عريت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر بهن أبدنا جمعهم فتبدوا ... وكان يلاقي الحين من هو فاجر فكب أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرته وهو عاثر وشيبة والتيمي غادرن في الوغى ... وما منهم اإلا بزي العرش كافر فأمسوا وقود النار في مستقرها ... وكل كفور في جهنم صائر وقول حسان ﵁: طحنتهم والله ينفذ أمره ... حرب بثب سعيرها بضرام لولا الإله وجريها لتركنه ... جزر السباع ودسنه بحوام من بين مأسور يشد وثاقه ... صقر إذا لاقى الأسنة حامي ومجدل لا يستجيب لدعوة ... حتى تزول شوامخ الإعلام ولم ينس أن يعير الحارث بن هشام لفراره: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام (١)

стр. 350

بينما نجد الجانب الجاهلي ينصب على الرثاء. فهذا الحارث يرثي أبا جهل: ألا يالهف نفسي بعد عمرو ... وهل يغني التلهف من قتيل وهند بنت عتبة التي كانت تفاخر بمصيبتها العرب: أعيني جودا بدمع سرب ... على خير خندق لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة ... بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم ... يعلونه بعدما قد عطب كما يهاجمون المسلمين بتخليهم عن عشيرتهم، وتعاونهم مع الغرباء ضد قومهم: أصيبوا كراما لم يبيعوا عشيرة ... بقوم سواهم نازحي الدار والأصل كما أصبحت غسان فيكم بطانة ... لكم بدلا منا فيا لك من فعل عقوقا وإثما بينا وقطيعة ... يرى جؤركم فيها ذوو الرأي والعقل ولا ينسون التهديد بالثأر من المسلمين، وخاصة الخزرج والأوس: فإن تك قتلى غودرت من رجالنا ... فإما رجال بعدهم سنغادر ووسط بني النجار سوف نكرها ... لها بالقنا والدارعين زوافر فنترك صرعى تعصب الطير حولهم ... وليس لهم إلا الأماني ناصر وما يتمالك الشاعر الجاهلي أمام عصبيته أن يعيد النصر إلى المهاجرين من قريش، فيثني عليهم عصبية وحمية. فإن تطفروا في يوم بدر فإنما ... بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر وبالنفر الأخيار هم أولياؤه ... يحامون في اللأواء والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم ... ويدعى علي وسط من أنت ذاكر ويدعى أبو حفص وعثمان منهم ... وسعد إذا ما كان في الحرب حاضر أولئك لا من نتجت من ديارها ... بنو الأوس والنجار حين تفاخر وتظهر المتناقظات كذلك لدى طالب بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، فهو يعتز بمحمد ولا يخفي هواه معه، ثم يبكي أصحاب القليب من قريش من جهة ثانية.

стр. 351

ألا إن عينى انفذت دمعها سكبا ... نبكي على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا ... وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا فما أن جنينا في قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطىء التربا لكنه يناشد قومه أن يكفوا عن حرب أبناء قومهم: فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدا لكما لا تبعثوا بينكم حربا ولا تصبحوا من بعد ود وإلفة ... أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا ألم تعلموا ما كان من حرب داحس ... وجيش أبي يسكوم إذ ملأوا الشعبا ثم يدعو بعدها للثأر من الخزرج: فوالله لا تنفك نفسي حزينة ... تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا (١) وراحت العرب التي عرفت أخبار بدر من الشعر ترقب الجولة القادمة بين المسلمين وقريش. وحتفت كلها تخاف سطوة محمد ﷺ . ولا ننسى كذلك أن مقتل كعب بن الأشرف كان درسا قاسيا للذين يريدون نصرة قريش في مواقفهم وأشعارهم. في أحد والمحنة سنة واحدة فقط بين الغزوتين، وقد دالت الدولة على المسلمين، وثأر المشركون منهم. فبحت أصواتهم في الفخر بالنصر، والتغني بالأمجاد. سقنا كنانة من أطراف ذي يمن ... عرض البلاد على ما كان يزجيها نحن الفوارس يوم الجر من أحد ... هابت معد فقلنا نحن نأتيها ثمت رحنا كأنا عارض برد ... وقام هام بني النجار يبكيها كأن هامهم عند الوغى خلق ... من قيض ربد نفته عن أداحيها لكن لدى المسلمين فخر كذلك في أحد حيث قتلوا حملة اللواء واحدا بعد الآخر. شددنا بحول الله والنصر شدة ... عليكم وأطراف الأسنة شرع

стр. 352

عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر ... بذكر لواء فهو في الحمد أسرع فخانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا ... ابى الله إلا أمره وهو أصنع لكن قتلى المسلمين كثر، خاصة من الكرام الصيد من الخزرج والأوس. كم قتلنا من كريم سيد ... ماجد الجدين مقدام بطل ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها ... واستمر القتل في عبد الأشل فقتلنا الضعف من أشرافهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل فيرد حسان ﵁ أن أحدا كانت جولتين لا جولة أحد: ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحيانا دول نضع الأسياف في أكتافكم ... حيث نهوي عللا بعد نهل إذ ترلون على أعقابكم ... هربا في الشعب أشباه الرسل إذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الجبل ولا ينسى كعب بن مالك ﵁ وهو يرثي حمزة بن عبد المطلب، والشهداء معه أن يتحدث عن نعيم الجنة التي أعدها الله للشهداء. وأشياع أحمد إذ شايعوا ... على الحق ذي النور والمنهج فما برحوا يضربون الكماة ... ويمضون في القسطل المرهج كذلك حتى دعاهم مليك ... إلى جنة دوحة المولج فكلهم مات حر البلاء ... على ملة الله لم يحرج أولئك لا من ثوى، منكم ... من النار في الدرك المرتج. وهذه ميزة هذه العقيدة، فالشاعر الجاهلي، تأكل المرارة قلبه وهو يبكي صرعاه، أما الشاعر المسلم فيرى في الشهادة دعوة زفت إلى الشهيد من المليك تعالى للنزل عنده. وحين يصر الشاعر الجاهلي على النيل من الخزرج والأوس. ثم يعرج على المهاجرين.

стр. 353

فغادرن قتلى الأوس عاصبة بهم ... ضباع وطير يعتضين وقوع وجمع بني النجار في كل تلعة ... بأبدانهم من وقعهن نجيع ولولا علو الشعب غادرن أحمدا ... ولكن علاء السمهري شروع كما غادرت في الكر حمزة ثاويا ... وفي صدره ماضي الشباة وقوع لا يدعه الشاعر المسلم دون أن يذكره بصبر الأوس والخزرج تحث راية محمد ﷺ : فقد صابرت فيهم بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع وحامى بنو النجار فيه وصابروا ... وما كان منهم في اللقاء جزوع وهؤلاء الذين تنالون منهم هم سادتكم في القوم، محمد وحمزة وعلي وغيرهم: أولئك قوم سادة في فروعكم ... وفي كل قوم سادة وفروع بهن تعز الله حتى يعزنا ... وإن كان أمر يا سخين فظيع فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع فإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذي يقضي الأمور سريع وقتلاكم في النار أفضل رزقهم ... حميم معا في جوفها وضريع وهذا هو محور المنافسة في نهاية المعركة، فأبو سفيان يصرخ، أعل هبل، فيأتيه الجواب: الله أعلى وأجل. ويعيد أبو سفيان فخره: لنا العزى ولا عزى لكم. فيرتد عليه فخره: الله مولانا ولا مولى لكم، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، غير أن هندا لم ترو ظمأها في أحد، ولم تشتف ثأرها حتى حين بقرت بطن حمزة عن الكبد. رجعت وفي نفسي بلابل جمة ... وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي من أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بني هاشم منهم ومن أهل يثرب ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن ... كما كنت أرجو في مسيري ومركابي (١)

стр. 354

وتتالت المحن على المسلمين، فأخذت سرية الرجيع منهم مأخذا أليما. لكن أبيات خبيب مضت مثلا سائرا على الثبات على المبدأ: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأني في وثاق بمصيع وقد خيروني الكفر، والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع فوالله ما أرجو إذا مت مسلما ... علي أي جنب كان في الله مصرع فلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إني إلى الله مرجع وما كان لمثل خبيب أن لا يرثى وقد اغتالته قريش وصلبته على الجذع: ما بال عينك لا ترقا مدامعها ... سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق على خبيب فتى الفتيان قد علموا ... لا فاشل حين تلقاه ولا نزق فاذهب خبيب جزاك الله طيبة ... وجنة الخلد عند الحور في الرفق وبين الهجاء للغادرين، والرثاء للشهداء. كان حسان يخوض حربه فمن أقذع ما قال حسان بالغادرين: إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له ... فأت الرجيع فسل عن دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم ... فالكلب والقرد والإنسان مثلان لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم ... وكان ذا شرف فيهم وذا شان (١) أما الشهداء فقد نظمهم في سلك واحد: صلى الإله على الذين تتابعوا ... يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا رأس السرية مرثد وأميرهم ... ابن البكير إمامهم وخبيب وابن لطارق وابن وثنة منهم ... وافاه ثم حمامة المكتوب والعاصم المقتول عند رجيعهم ... كسب المعالي إنه لكسوب منع المقادة أن ينالوا ظهره ... حتى يجالد إنه لنجيب (٣) ومع اشتعال غزوة بني النضير، عادت حرب الشعر فاشتعلت من

стр. 355

جديد، وفي هذه المعركة لا بد من دحض افتراءات اليهود أنهم على الحق، وأنهم أهل الكتاب الأول: لقد خزيت بغدرتها الحبور ... كذاك الدهر ذو صرف يدور وقد أوتوا معا فهما وعلما ... وجاءهم من الله النذير فقالوا ما أتيت بأمر صدق ... وأنت بمنكر منا جدير فلما أشربوا عذرا وكفرا ... وحادبهم عن الحق النفور فغودر منهم كعب صريعا ... فذلت بعد مصرعه النضير فتلك بنو النضير بدار سوء ... أبارهم بما اجترموا المبير لكن اليهود وقد غلبهم الحقد الدفين لم يجدوا ما يردون به على المسلمين غير التغني بأمجاد قريش وأحد: قتلتم سيد الأحبار كعبا ... وقدما كان يأمن من يجير فإن نسلم لكم نترك رجالا ... بكعب حولهم طير تدور كما لاقيتم من بأس صخر ... بأحد حيث ليس لكم نصير وطالما أن ملة الكفر واحدة، فحن على بني النضير عباس بن مرداس أخو بني سليم: فبك بنى هارون واذكر فعالهم ... وقتلهم للجوع إذ كنت مجدبا سراع إلى العليا، كرام لدى الوغى ... يقال لباغي الخير أهلا ومرحبا وكان الرد عنيفا عليه في تخليه عن أرومته العربية: فهلا إلى قوم ملوك مدحتهم ... تبنوا من العز المؤثل منصبا أولئك أحرى من يهود بمدحة ... تراهم وفيهم غزة المجد ترتبا (١) والعرب لا تزال ترمق الموعد الجديد بين محمد وقومه بدر الآخرة. فلم يدع المسلمون تخاذل أبي سفيان عن حضورها يمر دون هجاء وسُبة: وعدنا أبا سفيان بدرا فلم تجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا
следующие страницы →