← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ألا إن عينى انفذت دمعها سكبا ... نبكي على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا ... وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا فما أن جنينا في قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطىء التربا لكنه يناشد قومه أن يكفوا عن حرب أبناء قومهم: فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدا لكما لا تبعثوا بينكم حربا ولا تصبحوا من بعد ود وإلفة ... أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا ألم تعلموا ما كان من حرب داحس ... وجيش أبي يسكوم إذ ملأوا الشعبا ثم يدعو بعدها للثأر من الخزرج: فوالله لا تنفك نفسي حزينة ... تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا (١) وراحت العرب التي عرفت أخبار بدر من الشعر ترقب الجولة القادمة بين المسلمين وقريش. وحتفت كلها تخاف سطوة محمد ﷺ . ولا ننسى كذلك أن مقتل كعب بن الأشرف كان درسا قاسيا للذين يريدون نصرة قريش في مواقفهم وأشعارهم. في أحد والمحنة سنة واحدة فقط بين الغزوتين، وقد دالت الدولة على المسلمين، وثأر المشركون منهم. فبحت أصواتهم في الفخر بالنصر، والتغني بالأمجاد. سقنا كنانة من أطراف ذي يمن ... عرض البلاد على ما كان يزجيها نحن الفوارس يوم الجر من أحد ... هابت معد فقلنا نحن نأتيها ثمت رحنا كأنا عارض برد ... وقام هام بني النجار يبكيها كأن هامهم عند الوغى خلق ... من قيض ربد نفته عن أداحيها لكن لدى المسلمين فخر كذلك في أحد حيث قتلوا حملة اللواء واحدا بعد الآخر. شددنا بحول الله والنصر شدة ... عليكم وأطراف الأسنة شرع

стр. 352

عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر ... بذكر لواء فهو في الحمد أسرع فخانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا ... ابى الله إلا أمره وهو أصنع لكن قتلى المسلمين كثر، خاصة من الكرام الصيد من الخزرج والأوس. كم قتلنا من كريم سيد ... ماجد الجدين مقدام بطل ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها ... واستمر القتل في عبد الأشل فقتلنا الضعف من أشرافهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل فيرد حسان ﵁ أن أحدا كانت جولتين لا جولة أحد: ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحيانا دول نضع الأسياف في أكتافكم ... حيث نهوي عللا بعد نهل إذ ترلون على أعقابكم ... هربا في الشعب أشباه الرسل إذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الجبل ولا ينسى كعب بن مالك ﵁ وهو يرثي حمزة بن عبد المطلب، والشهداء معه أن يتحدث عن نعيم الجنة التي أعدها الله للشهداء. وأشياع أحمد إذ شايعوا ... على الحق ذي النور والمنهج فما برحوا يضربون الكماة ... ويمضون في القسطل المرهج كذلك حتى دعاهم مليك ... إلى جنة دوحة المولج فكلهم مات حر البلاء ... على ملة الله لم يحرج أولئك لا من ثوى، منكم ... من النار في الدرك المرتج. وهذه ميزة هذه العقيدة، فالشاعر الجاهلي، تأكل المرارة قلبه وهو يبكي صرعاه، أما الشاعر المسلم فيرى في الشهادة دعوة زفت إلى الشهيد من المليك تعالى للنزل عنده. وحين يصر الشاعر الجاهلي على النيل من الخزرج والأوس. ثم يعرج على المهاجرين.

стр. 353

فغادرن قتلى الأوس عاصبة بهم ... ضباع وطير يعتضين وقوع وجمع بني النجار في كل تلعة ... بأبدانهم من وقعهن نجيع ولولا علو الشعب غادرن أحمدا ... ولكن علاء السمهري شروع كما غادرت في الكر حمزة ثاويا ... وفي صدره ماضي الشباة وقوع لا يدعه الشاعر المسلم دون أن يذكره بصبر الأوس والخزرج تحث راية محمد ﷺ : فقد صابرت فيهم بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع وحامى بنو النجار فيه وصابروا ... وما كان منهم في اللقاء جزوع وهؤلاء الذين تنالون منهم هم سادتكم في القوم، محمد وحمزة وعلي وغيرهم: أولئك قوم سادة في فروعكم ... وفي كل قوم سادة وفروع بهن تعز الله حتى يعزنا ... وإن كان أمر يا سخين فظيع فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع فإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذي يقضي الأمور سريع وقتلاكم في النار أفضل رزقهم ... حميم معا في جوفها وضريع وهذا هو محور المنافسة في نهاية المعركة، فأبو سفيان يصرخ، أعل هبل، فيأتيه الجواب: الله أعلى وأجل. ويعيد أبو سفيان فخره: لنا العزى ولا عزى لكم. فيرتد عليه فخره: الله مولانا ولا مولى لكم، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، غير أن هندا لم ترو ظمأها في أحد، ولم تشتف ثأرها حتى حين بقرت بطن حمزة عن الكبد. رجعت وفي نفسي بلابل جمة ... وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي من أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بني هاشم منهم ومن أهل يثرب ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن ... كما كنت أرجو في مسيري ومركابي (١)

стр. 354

وتتالت المحن على المسلمين، فأخذت سرية الرجيع منهم مأخذا أليما. لكن أبيات خبيب مضت مثلا سائرا على الثبات على المبدأ: لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأني في وثاق بمصيع وقد خيروني الكفر، والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع فوالله ما أرجو إذا مت مسلما ... علي أي جنب كان في الله مصرع فلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إني إلى الله مرجع وما كان لمثل خبيب أن لا يرثى وقد اغتالته قريش وصلبته على الجذع: ما بال عينك لا ترقا مدامعها ... سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق على خبيب فتى الفتيان قد علموا ... لا فاشل حين تلقاه ولا نزق فاذهب خبيب جزاك الله طيبة ... وجنة الخلد عند الحور في الرفق وبين الهجاء للغادرين، والرثاء للشهداء. كان حسان يخوض حربه فمن أقذع ما قال حسان بالغادرين: إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له ... فأت الرجيع فسل عن دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم ... فالكلب والقرد والإنسان مثلان لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم ... وكان ذا شرف فيهم وذا شان (١) أما الشهداء فقد نظمهم في سلك واحد: صلى الإله على الذين تتابعوا ... يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا رأس السرية مرثد وأميرهم ... ابن البكير إمامهم وخبيب وابن لطارق وابن وثنة منهم ... وافاه ثم حمامة المكتوب والعاصم المقتول عند رجيعهم ... كسب المعالي إنه لكسوب منع المقادة أن ينالوا ظهره ... حتى يجالد إنه لنجيب (٣) ومع اشتعال غزوة بني النضير، عادت حرب الشعر فاشتعلت من

стр. 355

جديد، وفي هذه المعركة لا بد من دحض افتراءات اليهود أنهم على الحق، وأنهم أهل الكتاب الأول: لقد خزيت بغدرتها الحبور ... كذاك الدهر ذو صرف يدور وقد أوتوا معا فهما وعلما ... وجاءهم من الله النذير فقالوا ما أتيت بأمر صدق ... وأنت بمنكر منا جدير فلما أشربوا عذرا وكفرا ... وحادبهم عن الحق النفور فغودر منهم كعب صريعا ... فذلت بعد مصرعه النضير فتلك بنو النضير بدار سوء ... أبارهم بما اجترموا المبير لكن اليهود وقد غلبهم الحقد الدفين لم يجدوا ما يردون به على المسلمين غير التغني بأمجاد قريش وأحد: قتلتم سيد الأحبار كعبا ... وقدما كان يأمن من يجير فإن نسلم لكم نترك رجالا ... بكعب حولهم طير تدور كما لاقيتم من بأس صخر ... بأحد حيث ليس لكم نصير وطالما أن ملة الكفر واحدة، فحن على بني النضير عباس بن مرداس أخو بني سليم: فبك بنى هارون واذكر فعالهم ... وقتلهم للجوع إذ كنت مجدبا سراع إلى العليا، كرام لدى الوغى ... يقال لباغي الخير أهلا ومرحبا وكان الرد عنيفا عليه في تخليه عن أرومته العربية: فهلا إلى قوم ملوك مدحتهم ... تبنوا من العز المؤثل منصبا أولئك أحرى من يهود بمدحة ... تراهم وفيهم غزة المجد ترتبا (١) والعرب لا تزال ترمق الموعد الجديد بين محمد وقومه بدر الآخرة. فلم يدع المسلمون تخاذل أبي سفيان عن حضورها يمر دون هجاء وسُبة: وعدنا أبا سفيان بدرا فلم تجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا

стр. 356

تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا وحاول أبو سفيان أن يعتذر لكن السبة لحقته، فقد فر من المواجهة. الخندق وآثاره بين العرب لقد كانت قبائل العرب واقفة على الحياد بين الفريقين. تنتظر لمن الغلبة حتى تنضم إليه، ولا شك أن الدوي الضخم الذي رافق تحرك الأحزاب، كان له خطر كبير على الوجود الإسلامي، لكن فشل الهجوم كذلك، أيأس العرب من إمكان القضاء على هذا الدين الجديد، وحاول كلا الفريقين في الإذاعة الطائرة أن يفت من طافة الآخر، ضرار بن الخطاب الفهري يفخر بالحصار، والتجمع الضخم الذي غزوا به محمدا ويصمهم بالفرار من المواجهة: فأحجرناهم شهرا كريتا ... وكنا فوقهم كالقاهرينا نراوحهم ونغدو كل يوم ... عليهم في السلاح مدججينا فلولا خندق كانوا لديه ... لدمرنا عليهم أجمعينا ولكن حال دونهم وكانوا ... به من خوفنا متعوذينا وكان مقتل سعد بن معاذ أكبر هدف تحقق عندهم في الحصار، كما كان الحمزة في أحد: فإن نرحل فإنا قد تركنا ... لدى أبياتكم سعدا رهينا إذا جن الظلام سمعت نوقى ... على سعد يرجعن الحنينا ثم يهدد ويتوعد بالغزو ثانية فيقول: وسوف نزوركم عما قريب ... كما زرناكم متوازرينا بجمع من كنانة غير عزل ... كأسد الغاب قد حمت العرينا فيحول كعب بن مالك الخندق إلى عرين الأسد: بباب الخندقين كأن أسدا ... شوابكهن يحمين العرينا

стр. 357

وهو رد نفس المقولة أن جمعهم أسد غاب تحمي العرين. وأما مقتل سعد ﵁، فالجنة مثواه، ولن يضيره غيظهم وحقدهم: فإما تقتلوا سعدا سفاها ... فإن الله خير القادرينا سيدخله جنانا طيبات ... تكون مقامة للصالحينا لكن العار الذي جلل قريشا وغطفان هو فشل هجومها، وعودتها بالخزي والخيبة. كما قد ردكم فلا شريدا ... بغيظكم خزايا خائبينا خزايا لم تنالوا ثم خيرا ... وكدتم أن تكونوا دامرينا بريح عاصف هبت عليكم ... فكنتم تحتها متكمهينا لكن الكارثة الكبرى التي حلت بالمشركين تعادل مقتل سعد رضي الله عند المسلمين هي مقتل عمرو بن عبد ود العامري، فارس قريش الأول: فهو عند مسافع بن عبد مناف الجمحي: عمرو بن عبد كان أول فارس ... جزع المذاد وكان فارس بليل سمح الخلائق ماجد ذو مرة ... يبغي القتال بشكة لم ينكل ولقد علمتم حين ولوا عنكم ... أن ابن عبد فيهم لم يعجل ومع ذلك فيضطر ذليلا للاعتراف ببطولة علي بن أبي طالب ﵁ وهو الذي صرعه: تسل النزال علي فارس غالب ... بجنوب سلع ليته لم ينزل فاذهب علي فما ظفرت بمثله ... فخرا ولا لاقيت مثل المعضل نفسي الفداء لفارس من غالب ... لاقى حمام الموت لم يتحلحل والعار الآخر الذي جللهم هو فرار الفوارس من حوله: عمرو بن عبد والجياد يقودها ... خيل تقاد له وخيل تنعل أجلت فوارسه وغادر رهطه ... ركنا عظيما كان فيها أول وهبيرة المسلوب ولى هاربا ... عند القتال مخافة أن يقتلوا

стр. 358

وضرار كان البأس منه محضرا ... ولى كما ولى اللئيم الأعزل مما اضطر هبيرة بن أبي وهب أن يدفع العار عن نفسه، ويرثي عمرا صاحبه: لعمري ما وليت ظهري محمدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل ولكنني قلبت أمري فلم أجد ... لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي فلا تبعدن يا عمر وحيا وهالكا ... وحق لحسن المدح مثلك من مثلي ولا يجد مندوحة بالرغم عنه من الثناء على البطل المغوار علي: فعنك علي لا أرى مثل موقف ... وقفت على نجد المقدم كالفحل فما ظفرت كفاك فخرا بمثله ... أمنت به ما عشت من زلة النعل أما بنو قريظة والذل الذي حاق بهم فلا بد أن تتحدث عنه الإذاعة الطائرة كذلك وتربطه بسعد بن معاذ ﵁ الذي حكم عليهم بحكم الله من فوق سبع سموات قبل أن يفضي إلى ربه: لقد سجمت من دمع عيني عبرة ... وحق لعيني أن تفيض على سعد قتيل ثوى في معرك فحفت به ... عيون ذواري الدمع دائمة الوجد على ملة الرحمن وارث جنة ... مع الشهداء وفدها أكرم الوفد فأنت الذي يا سعد أبت بمشهد ... كريم وأثواب المكارم والمجد بحكمك في حيي قريظة بالذي ... قضى الله فيهم ما قضيت على عمد فوافق حكم الله حكمك فيهم ... ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى ... شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد فنعم مصير الصادقين إذا دعوا ... إلى الله يوما للوجاهة والقصد بينما كان اليهود يجترون آلامهم بمقتل سراتهم وساداتهم. فلقد قضى رجال بني قريظة جميعا جزاء غدرهم وخيانتهم. لقد وجدنا الحرب الإعلامية للمسلمين تواكب تماما الحرب العسكرية، وكانت هي التي تمثل لسان الناطق الرسمي بنتائج الحرب والمعارك عند العرب. فمن ديوان الأشعار يتعرف العرب على الأحداث. ولم يكن هذا

стр. 359

الأمر كذلك بالنسبة للمسلمين. إذ كان القرآن الكريم بالنسبة لهم هو مصدر التلقي والحكم على الأحداث، ولم يكونوا يعيرون التفاتا فيما بينهم للشعر بعد أنصار الوحي هو موطن التربية بالنسبة لهم. لقد كان الشعر للرد على العدو الذي لا يؤمن بالقرآن الكريم. واستطاع الشعراء المسلمون أن يخوضوا معارك الشعر كلها دون حرج أو تلجلج من أي ميدان. تكلموا بقيم العرب، وطرحوا مفاهيم الإسلام من خلال الشعر، ولم يتركوا مثلبة عربية يطعن منها الأعداء إلا وردوها عليهم. وما أحوج الحركة الإسلامية اليوم التي تخوض معركتها العسكرية أن تعطي الجانب الإعلامي حقه، وطبيعة الحرب العالمية اليوم حرب إعلامية. فالمعسكران يبتعدان ما استطاعا عن الصدام والمواجهة العسكرية. لكن حربهم المستمرة اليومية تنطلق من وسائل الإعلام. وإن ثقة الناس بإعلام الحركة يعني ثقة الناس بها، فهم يحكمون على الحركة الجهادية من خلال إذاعتها ومجلاتها ونشراتها. وإذا كان الشعر وحده أيام الرسالة الأولى هو الوسيلة الإعلامية الأكبر إن لم تكن الأوحد فوضعنا اليوم يختلف كثيرا عن سالفه. إن وسائل الإعلام اليوم تسد الأفق، ولا يأخذ الشعر إلا حيزا محدودا جدا منها. فهناك الموعظة والخطبة والمقالة والأقصوصة والقصة والتعليق السياسي، والتحليل الأخباري والمادة الأخبارية، والأناشيد الحماسية، كل هذه ذات أثر خطير في الواقع الإعلامي. إضافة إلى وسائل البث الإعلامي، من إذاعة وتلفاز وجريدة ومجلة وكتاب وتسجيل سمعي وبصري. كلها غدت تتحكم في قلوب البشر وعقولهم وتفكيرهم، وتوجه قناعاتهم وتبني عقائدهم. إن المعركة من الخطورة والدقة والأهمية ما يجعل الحكم على نجاح المعركة من خلال نجاح إعلامها والثقة به والتعامل معه، وأملنا كبير أن توجه الحركة الإسلامية طاقاتها لتكوين الاختصاصيين المبدعين في هذا الفن،

стр. 360

ويملكوا مقود الفكر والعاطفة، ليحققوا القاعدة الأساس التي يقوم عليها صرح البناء الجهادي. فيكون كما قال : ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (١)﴾. إنها مواصفات واضحة للكلمة الطيبة. إنها من الأصالة والصدق ضاربة جذورها في الأرض، فلا يزعزعها كل بهرج الدنيا وزخرفها. وهي من جهة ثانية منتشرة في كل صقع، وطالت فروعها الباسقة حتى عمت الأرض وامتدت للسماء. وهيمن جهة ثالثة مثمرة ترعاها عناية الله، تحقق أهدافها التي قامت من أجلها. كاملة، ويكون ثمرها مذاقا لكل قارىء أو راء أو سامع. وفقدان أي من هذه المواصفات الثلاثة يعني أننا لم نصل بعد إلى الكلمة الطيبة التي نريد. السمة العشرون ازدياد العدد والعدة لقد كانت أول سرية أرسلها رسول الله ﷺ على رأس سبعة أشهر من مقدمه المدينة هي سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر يعترضون عيرا لقريش قد جاءت من الشام تريد مكة فيها أبو جهل في ثلاثمائة راكب. وكان عدد أفراد هذه السرية ثلاثين راكبا، كلهم من المهاجرين. وحين ينظر المرء إلى خطوات الجهاد الأولى التي ابتدأت بثلاثين راكبا ويلاحظ أنها ارتفعت وخلال خمس سنوات إلى ثلاثة آلاف جندي في غزوة الخندق، يلاحظ مدى التقدم الضخم الذي أحرزه الجيش الإسلامى في المدينة. وملاحظة أخرى كذلك من حيث العدة. فالخيل من أهم عناصر الحرب على الإطلاق، والخيل معقود في نواصيها

стр. 361

الخير إلى يوم القيامة كما يقول ﵊. فإذا أعدنا إلى الذاكرة غزوة بدر وأنه لم يكن لدى المسلمين فيها إلا فرسان. ثم نذكر أن خيل المسلمين في الخندق بلغت مئتي فرس، تبين مدى التقدم العسكري الضخم في هذا المجال. حتى الإبل في بدر كان كل ثلاثة من المسلمين يتعقبون بعيرا. أي كان عند المسلمين حوالي سبعين من الإبل، يكفي أن نذكر أن غنائمهم من بدر وحدها كانت مائة وخمسين بعيرا. أما السلاح فحدث ولا حرج. كان سلاحهم في بدر السيوف في الخرق. فلننظر إلى بعض الغنائم التي حصل عليها المسلمون من أعدائهم في هذا المجال. كانت غنائم بني قينقاع من السلاح: ثلاث قسي، وثلاثة سيوف وثلاثة رماح ودرعين ووجدوا في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة. ولم تكن غنائم بنى فينقاع لتذكر في هذا المجال لأنهم مضوا بسلاحهم. وكان اليهود يمثلون ترسانة أسلحة عندهم ويقومون بصنعها. وعندما حاول بنو النضير أن يخرجوا بأسلحتهم منعهم رسول الله ﷺ إلا بتسليم سلاحهم وكما يقول النص: (ثم نزلت يهود على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة (أي السلاح (١)). (وقبض رسول الله ﷺ الأموال والحلفة فوجد خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا (٢)). أما غنائم بني قريظة فكانت كالتالي: (وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوجد فيها ألف وخمسمائة وثلاثمائة درع وألفا رمح، وألف وخسمائة ترس وجحفة .. (٣). وبذلك غدا للمسلمين قوة ضخمة من السلاح والرجال وتحولت معظم قوة العدو من اليهود إلى المسلمين. إضافة إلى ما كانوا يبتاعونه من الأسواق. فكانت كل أنواع السلاح متوفرة عندهم. صحيح أن المسلمين ما خاضوا معركة مع عدوهم إلا كانوا أقل من عدوهم عددا وعدة، وكانوا بإيمانهم وثباتهم أقوى من خصومهم، لكن هذا

стр. 362

التطور في العدد والعدة، يعني أن مقومات الدولة أصبحت أكبر، وأن إمكانية القضاء عليهم أصبح ميؤوسا منها. فقد كان أبو جهل يقول عندهم في بدر، إنهم أكلة جزور يقلل من عددهم وقيمتهم. غير أن الصورة اختلفت اليوم، وازدادوا عشرة أضعاف ما كانوا عليه. وواجب الحركة الإسلامية حين تقرر خوض معركة مع العدو، أن تكون على مستوى الأحداث وتهيء من السلاح والرجال ما يؤهلها لخوض هذه المعركة إضافة إلى الجانب الإيماني الذي لا يملكه غير المؤمنين سلاحا متميزا في المعارك. السمة الحادية والعشرون الجهد البشري في البذل فليس المهم الأرقام الحسابية في الحرب، لا بد من النوعية الجيدة وكما يقول القرآن الكريم. ﴿... إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة بغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف بغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (١)﴾. فهذا يعني أن المؤمن القوي بعشر أضعافه من الكفار، وأن المؤمن الضعيف بضعفين والأمر في تفاوته بقدر المدى الإيماني عند المسلم، وهذا التفاوت هو الذي يجعلنا ننظر إلى المستويات العليا من التضحية والبذل حتى لا نتصور أن النصر جاء بدون هذه التضحيات، ولكن يكون لها في هذه الفقرة أكثر من التنسيق والعرض لتكون هذه النماذج حية في أذهاننا وقلوبنا. أ - من بطولات بدر: ١ - (بعثت قريش عمير بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين فلما لم ير لهم مددا ولا كمينا رجع فقال: القوم ثلاثمائة إن زادوا زادوا قليلا، معهم سبعون بعيرا وفرسان ثم قال: يا معشر قريش، ألبلايا تحمل المنايا، نواضح

стр. 363

يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، ألا ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منكم رجلا. فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فما خير في العيش بعد ذلك، فروا رأيكم (١)). ٢ - يقول ﵊ للمسلمين في بدر: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، فقال عمير بن الحمام بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: إنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (٢). وكذلك سأله عوف بن الحارث. ما يضحك الرب من عبده! قال: غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل (٣). ٣ - قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (٤) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. قال: فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه. فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، واجهضني القتال عنه. فلقد قاتلت عامة يومي هذا وأنا أسحبها خلفي. فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق (٥).

стр. 364

٤ - وفي الصحيح أن الزبير لقي عبيدة بن سعد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته فطعنه في عينه فمات، فوضع رجله على الحربة ثم غطى وكان الجهد أن نزعها وقد انثنى طرفها. فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها (١). ٥ - لما تزاحف الناس قال الأسود بن عبد الأسود المخزومي، حين دنا من الحوض: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه. فشد حتى دنا منه. فاستقبله حمزة بن عبد المطلب فضرب فأطن قدمه. فزحف الأسود حتى وقع في الحوض، فهدمه برجله الصحيحة وشرب منه وحمزة يتبعه فضربه في الحوض فقتله. فدنا بعضهم من بعض وخرج عتبة وشيبة والوليد ودعوا إلى المبارزة. فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار فتيان وهم معاذ ومعوذ وعوف بنو عفراء، ويقال ثالثهم عبد الله بن رواحة. فاستحيا رسول الله ﷺ وكره أن يكون أول قتال في الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم وقال لهم خيرا. ثم نادى منادي المشركين: أخرج إلينا الأكفاء من قومنا. فقال ﷺ : يا بني هاشم، قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله، فقام علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فمشوا إليهم، وكان علي ﵁ معلما بصوفة بيضاء فقال عتبة لابنه قم يا وليد فقام فقتله علي. ثم قام عتبة فقتله حمزة ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة فضربه شيبة فقطع ساقه. فكر حمزة وعلي فقتلا شيبة واحتملا عبيدة إلى الصف. فنزلت هذه الآية: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ الحج - ١٩ (٢)). ب - بطولات من أحد: ٦ - كان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري. وكان من أشجع فرسان قريش، يسميه المسلمون كبش الكتيبة.

стр. 365

خرج وهو راكب على جمل، يدعو إلى المبارزة فأحجم عنه الناس لفرط شجاعته. ولكن تقدم إليه الزبير، ولم يمهله بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه، وذبحه بسيفه ورأى النبي ﷺ هذا الصراع الرائع. فكبر وكبر معه المسلمون وأثنى على الزبير وقال في حقه: إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير (١). ٧ - تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء بعد قتل قائدهم طلحة بن أبي طلحة، فحمله أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة، وتقدم للقتال وهو يقول: إن على أهل اللواء حقا ... أن تخضب الصعدة أو تندقا فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضربه على عاتقه بترت يده مع كتفه، حتى وصلت إلى سرته، فبانت رئته. ثم رفع اللواء أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فأدلع لسانه ومات لحينه. وقيل: بل خرج أبو سعد يدعو إلى البراز فتقدم إليه علي بن أبي طالب فاختلفا ضربتين، فضربه علي فقتله. ثم رفع اللواء مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم فقتله. فحمل اللواء بعده أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة. فانقض عليه الزبير ابن العوام وقاتله حتى قتله، ثم حمل اللواء أخوهما الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة فطعنه طلحة بن عبيد الله طعنة قضت على حياته. وقيل: بل رماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم ففضى عليه. هؤلاء ستة نفر من بيت واحد بيت أبي طلحة عبد الله بن عثمان بن عبد الدار قتلوا جميعا حول لواء المشركين، ثم حمله من بني عبد الدار أرطأة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب، وقيل: حمزة بن عبد المطلب، ثم حمله شريح بن قازط فقتله قزمان .. ثم حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري فقتله فزمان أيضا، ثم حمله ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري فقتله قزمان أيضا.

стр. 366

فهؤلاء عشرة من بني عبد الدار من حملة اللواء أبيدوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد يحمل اللواء. فتقدم غلام لهم حبشي اسمه صواب فحمل اللواء وأبدى من صنوف الشجاعة والثباث ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله فقد قاتل حتى قطعت يداه، فبرك على اللواء بصدره وعنقه، لئلا يسقط حتى قتل وهو يقول: اللهم أعزرت؟ يعني هل أعزرت. وبعد أن قتل هذا الغلام - صواب - سقط اللواء على الأرض، ولم يبق أحد يحمله، فبقي ساقطا (١). قال الزبير بن العوام: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت - أي في نفسي -: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله. فآتاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع؟. فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول (٢) ... أضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، كان في المشركين لا يدع لنا جريحا إلا زفف عليه. فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، فضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. قال الزبير: فقلت: الله ورسوله أعلم. قال ابن إسحاق: وقال أبو دجانة سماك بن خرشة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة (٣).

стр. 367

٩ - يقول وحشي بن حرب: كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عمي أحمد بعمي فأنت عتيق. قال: فخرجت مع الناس - وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطىء بها شيئا - فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هدا ما يقوم له شيء. فوالله إني لأتهيأ له أريده فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال له هلم إلي يا ابن مقطعة البظور - وكانت أمه ختانة - قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه (١). قال: وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته - أحشائه - حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب، وتركه وإياها حتى مات (٢). ١٠ - مر أنس بن النضر بقوم وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ قال أنس: واها لريح الجنة يا سعد إني أجده دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم (٣). ١١ - روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه - أي القرشيين: ما أنصفنا أصحابنا (٤).

стр. 368

حتى كان آخرهم زياد أو عمارة بن السكن فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله ﷺ أدنوه مني. فأدنوه منه فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ (١). ١٢ - روى النسائي عن جابر قال: فأدرك المشركون رسول الله ﷺ فقال: من للقوم فقالط طلحة: أنا. ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال: حس، فقال النبي ﷺ لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون قال: ثم رد الله المشركين. ووقع عند الحاكم في الأكليل أنه جرح يوم أحد تسعا وثلاثين أو خمسا وثلاثين وشلت إصبعه أي السبابة والتي تليها (١). وروى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي ﷺ . فكنت أول من فاء إلى النبي ﷺ . فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي. فلم ألبث أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كالطير، حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي ﷺ ، فإذا طلحة بين يديه صريعا. فقال النبي ﷺ : دونكم أخاكم فقد أوجب (٢). ١٣ - وكان علي بن أبي طالب يذب عن رسول الله ﷺ من ناحية وأبو دجانة .. من ناحية، وسعد بن أبي وقاص يذب طائفة، وانفرد علي بفرقة فيها عكرمة بن أبي جهل فدخل وسطهم بالسيف، فضرب به وقد اشتملوا عليه حتى أمضى إلى آخرهم، ثم كر فيهم ثانيا حتى رجع من حيث جاء. وكان الحباب بن المنذر يحوش المشركين كما تحاش الغنم، واشتملوا عليه حتى قيل قد قتل، ثم برز والسيف في يده، وافترقوا عنه، وجعل يحمل على فرقة منهم وإنهم ليهربون منه، وكان يومئذ معلما بعصابة خضراء (٣).

стр. 369

١٤ - وكان شماس بن عثمان لا يرمي رسود الله ﷺ ببصره يمينا وشمالا إلا رآه في ذلك الوجه يذب بسيفه حتى غشي رسول الله ﷺ ، فترس بنفسه دونه حتى قتل ﵀ فذلك قول رسول الله ﷺ : ما وجدت لشماس شبها إلا الحنة (١). ١٥ - ومر مالك بن الدخشم على خارجة بن زيد وهو قاعد، في حشوته ثلاثة عشر جرحا، كلها قد خلصت إلى مقتل، فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل! فقال خارجة. فإن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت، لقد بلغ محمد، فقاتل عن دينك، ومر على سعد بن الربيع وبه اثنا عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل، فقال: علمت أن محمدا قد قتل! فقال سعد: أشهد أن محمدا قد بلغ رسالة ربه. فقاتل عن دينك فإن الله حي لا يموت (٢). ١٦ - وأقبل ثابت بن الدحداحة والمسلمون أوزاع قد سقط في أيديهم فصاح: يا معشر الأنصارا إلي إلي أنا ثابت بن الدحداحة. إن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فإن الله مظهركم وناصركم. فنهض إليه نفر من الأنصار فحمل بهم على كتيبة فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فقتله وقتل من كان معه من الأنصار ﵃ (٣). ١٧ - وقال عبد الله بن جحش: يا رسول الله! إن هولاء القوم قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت الله فقلت: اللهم إني أقسم عليك أن نلقى العدو غدا فيقتلونني ويبقرونني ويمثلون بي، فألقاك مقتولا قد صنع هذا بي. فتقول: فيم صنع بك هذا؟ فأقول فيك؟ وأنا أسالك أخرى: أن تلي تركتي من بعدي. فقال: نعم. فخرج حتى قتل ومثل به، ودفن هو وحمزة ﵄ في قبر واحد (٤).

стр. 370

١٨ - ثم أخذ ﷺ قوسه، فما زال يرامي القوم، وأبو طلحة يستره مترسا عنه، حتى تحطمت القوس. وكان أبو طلحة قد نثر كنانته - وفيها خمسون سهما - بين يدي النبي ﷺ ، وكان راميا وكان صيتا، فقال ﷺ : صوت أبي طلحة في الجيش خير من أربعين رجلا، فلم يزل يرمي بها ورسول الله ﷺ من خلفه بين رأسه ومنكبه ينظر إلى مواقع النبل حتى فنيت نبله وهو يقول: نحري دون نحرك جعلني الله فداك فإن كان ﷺ ليأخذ العود من الأرض فيقول: ارم أبا طلحة! فيرمي بها سهما جيدا (١). من بطولات الرجيع والخندق ١٩ - ورماهم عاصم حتى فنيت نبله، ثم طاعنهم حتى كسر رمحه، ثم كسر غمد سيفه، وقاتل حتى قتل، فبعث الله عليه الدبر (٢) فحمته. فلم يدن منه أحد إلا لدغت وجهه؟ ثم بعث الله في الليل سيلا فاحتمله فذهب به فلم يقدروا عليه. وذلك أنه كان قد نذر ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، وكانوا يريدون أن يجزوا رأسه ليذهبوا به إلى سلافة بنت سعد لتشرب في قفة قحفه الخمر، فإنها نذرت إن أمكنها الله منه أن تفعل ذلك من أجل أنه قتل لها ابنتين في يوم واحد (٣). ٢٠ - ثم أخرجوه (أي خبيب بن عدي) في الحديد إلى التنعيم ومعه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة، ومعه زيد بن الدثنة، فصلى خبيب ركعتين أتمهما من غير أن يطول بينهما - وكان أول من سن الركعتين عند القتل - ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. ثم أوثقوه رباطا وقالوا: ارجع عن الإسلام ونخلي سبيلك. فقال: لا إله إلا الله ﷺ والله ما أحب أني رجعت عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعا! قالوا: فتحب أن محمدا الآن في مكانك وأنت جالس في بيتك؟ فقال:

стр. 371

والله ما أحب أن يشاك محمد شوكة وإني جالس في بيتي؟ فجعلوا يقولون: يا خبيب ارجع!! فيقول: لا أرجع أبدا. قالوا: أما واللات والعزى لئن لم تفعل لنقتلنك. قال: إن قتلي في الله لقليل، فجعلوا وجهه من حيث جاء فقال: ما صرفكم وجهي عن القبلة؟ ثم قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، اللهم ليس ها هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلغه أنت عني السلام. فقال رسول الله ﷺ - وهو جالس مع أصحابه وقد أخذته غمية -: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ثم قال: هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام. ثم حضروا أبناء من قتل ببدر - وهم أربعون غلاما - فأعطوا كل غلام رمحا فطعنوه برماحهم فاضطرب على الخشبة، وقد رفعوه عليها، وانفلت فصار وجهه إلى الكعبة فقال: الحمد لله، فطعنه أبو سروعة حتى أخرجها من ظهره فمكث ساعة يوحد ويشهد أن محمدا رسول الله ثم مات ﵁، وتولى قتل زيد نسطاس (١). ٢١ - ثم أجمع رؤساء المشركين أن يغدو جميعا، وجاؤوا يريدون مضيقا يقحمون خيلهم إلى النبي ﷺ ، حتى أتوا مكانا ضيقا أغفله المسلمون، فلم تدخله خيولهم، وعبره عكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله المخزومي، وضرار بن الخطاب الفهري وهبيرة بن أبي وهب، وعمرو بن عبد ود، قام سائرهم وراء الخندق فدعا عمرو إلى البراز .. فلم يكن أسرع من أن قتله علي، فولى أصحابه الأدبار، وسقط نوفل بن عبد الله بن عبد الله عن فرسه بالحجارة حتى قتل. ومر عمر بن الخطاب والزبير في أثر القوم فناوشوهم ساعة، وسقطت درع هبيرة بن أبي وهب فأخذها الزبير ﵁. ثم وافى المشركون سحرا، وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هوي من الليل، وما يقدر رسول الله ولا أحد من المسلمين أن يزولوا عن موضعهم، وما قدر رسول الله ﷺ على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله ﷺ ما صلينا! فيقول: ولا أنا والله صليت! حتى كشف الله المشركين؟ ورجع كل من الفريقين إلى منزله،

стр. 372

وقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق، فكرت خيل للمشركين يطلبون كرة عليها خالد بن الوليد - فناوشهم ساعة، فزرق وحشي الطفيل بن النعمان بمزراقه فقتله كما قتل حمزة ﵁ بأحد. فلما صار رسول الله ﷺ إلى قبته أمر بلالا فأذن وأقام للظهر وأقام لكل صلاة إقامة فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها .. وقال يومئذ رسول الله ﷺ : شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا (١). ٢٢ - كان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه. فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب، فقال له: يا عمرو، إنك كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه: قال له: أجل؟ قال له علي: إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله، وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك؟ قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا بن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي ﵁، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت عن الخندق هاربة. قال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك: نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصواب فصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزني أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب (٢) وهكذا وجدنا أن الجهد البشري في البذل قد أدى دوره تماما في الحرب، ولم يبخل المسلمون بأرواحهم ودمائهم وقودا للمعارك، حتى هيأ الله تعالى لهم نصره الذي جعله حقا عليه للمؤمنين.

стр. 373

السمة الثانية والعشرون دور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها أين كانت المرأة المسلمة في هذه الأحداث؟ لقد كانت جزءا لا يتجزأ منها، ساهمت في صنعها تربية للجيل المسلم أولا، ثم رعاية للزوج المسلم ثانيا، ودفعا له إلى الجهاد والبذل، ثم صبرا واحتسابا عند المصيبة ثالثا، ثم حضورا للمعركة تسقي الظمأى وتداوي الجرحى رابعا، ثم حملا للسلاح جهادا للعدو حين الضرورة أخيرا، ولا يتسع المقام لأكثر من نماذج توضح هذه الأدوار كلها لتكون نبراسا للمرأة المسلمة اليوم وهي تحمل رسالة الإسلام بجانب الرجل. أ - في التطبيق العملي للإسلام: كان المسجد للرجال والنساء، فلقد كانت الصفوف الأولى للرجال، والصفوف الأخيرة للنساء. ولم يكن المسجد دار عبادة فقط، بل كان الجامعة العلمية العليا التي يتلقى المسلمون علومهم منها وعلى رأس هذه الجامعة رسول الله ﷺ ، ومن أجل هذا كان الحرص المستمر من النساء على شهود الخير وجماعة المسلمين. وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يعقد لهن درسا خاصا يعلمهن ويعظهن ويذكرهن. ولو كان المسجد للعبادة فقط، لأمكن استغناء كثير من النساء عن الحضور إليه إذ الإسلام جعل صلاة المرأة في بيتها خيرا من صلاتها في المسجد النبوي، لكن تلقي العلم من منبعه النبوي الموحى إليه لم يكن ليتاح للمرأة المسلمة إلا في المسجد. وكما كان المسجد دار عبادة ودار علم، فلقد كانت الأحداث تصنع فيه، وتقرر فيه. ولهذا كانت المرأة المسلمة تعيش هذه الأحداث يوما بيوم وساعة بساعة، لم تكن أبدا معزولة عنها، بل كانت تحياها بمشاعرها وأعصابها وفكرها، وتذلل بذلك للرجل المسلم كثيرا من الخطوات التي يود أن يخطوها في بيته لإقناعها بما يريد. وهذه هي المشكلة التي تعانيها المرأة المسلمة اليوم، إنها تعيش بعيدا عن مصنع النور، وبؤرة الإشعاع، وليس كل رجل قادرا

стр. 374

على صهر المرأة في هذه الأحداث وجعلها تتفاعل معها، المرأة تعيش اهتماماتها أكثر مما تعيش إسلامها. وهذا لا يعني أنا لا نملك النماذج الإسلامية الرائعة للمرأة المسلمة اليوم. لكنها نماذج فردية، وليست سمة عامة لنسائنا اليوم. وفي اعتقادي أن أكبر خطوة عملية تمت بالمرأة المسلمة على طريق الإسلام هو نقل عواطفها ومشاعرها وذوقها من الجاهلية إلى الإسلام في مجال الغناء، وذلك ببروز ظاهرة الأشرطة الإسلامية التي ملأت البيوت، ونسخت الفن الجاهلي الهابط الذي كانت تعيشه المرأة نهارها كله، وهي تغير أبرة المذياع من أغنية ماجنة إلى أخرى خليعة، وتحفظ نسوتنا هذه الأغاني جميعا. وتشهد بها أفراحها وتبني من خلالها ذوقها وعاطفتها بل أفكارها كذلك ومن التطبيق العملي كذلك موقفها وهي تتلقى وحي الله تعالى، نشهد ذلك من خلال روايات عائشة ﵂ الثلاث. ١ - يرحم الله نساء المهاجرات الأول. لما أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن مروطهن فاختمرن (١). ٢ - عن صفية بنت شيبة عن عائشة: لما نزلت هذه الآية، ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها (٢). ٣ - عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة ﵂ إن لنساء قريش فضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: ﴿وليضربن بخمرهن على جيويهن﴾. انقلب رجالهن إليهن يتلو عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان (٣).

стр. 375

فهكذا كانت المرأة المسلمة تتعامل مع نصوص الكتاب والسنة، وهكذا كانت تحضر الصلاة في المسجد، وتلبي داعي الله. ب - في تربية الجيل المسلم: لقد كانت الأمهات اللاتي دخلن في الإسلام، ومن خلال تعايشهن مع الأحداث. خير عون ودافع لأبنائهن. ومن هذه النماذج: ١ - عن عبد الله بن زيد قال: جرحت يومئذ جرحا في عضدي اليسرى (يوم أحد)، وضربني رجل كأنه الرفل (النخلة الطويلة) ولم يعرج علي ومضى عني، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول الله ﷺ : أعصب جرحك، فتقبل أمي إلي، ومعها عصائب في حقويها قد أعدتها للجراح، فربطت جرحي، والنبي واقف ينظر إلي، ثم قالت: انهض يا بني فضارب القوم!! فجعل النبي ﷺ يقول: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة!! ٢ - قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن؛ فقالت عائشة، وذلك قبل أن يفرض علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقفصة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقد (١) بها ويقول: لبث قليلا يشهد الهيجا جمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل قال: فقالت له أمه: الحق، أي بني، فقد والله أخرت، قالت عائشة: فقلت لها يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه (٢). حـ - في رعاية الزوج والولد وخرج عمرو بن الجموح وهو أعرج وهو يقول: اللهم لا تردني إلى أهلي!! فقتل شهيدا، واستشهد ابنه خلاد بن عمرو، وعبد الله بن عمرو بن

стр. 376

حرام أبو جابر بن عبد الله فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام - زوجة عمرو بن الجموح - على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقيتها عائشة (١) ﵂ وقد خرجت في نسوة تستروح الخبر، ولم يضرب الحجاب يومئذ فقالت لها: عندك الخبر، فما وراءك؟ قالت: أما رسول الله فصالح، وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ الله من المؤمنين شهداء .. قالت عائشة: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابني خلاد وزوجي عمرو بن الجموح؟ قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها. ثم قالت: حل (٢) - تزجر بعيرها - فبرك، فقالت عائشة: لما عليه. قالت: ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك. وزجرته فقام، فوجهته راجعة إلى أحد، فأسرعت إلى النبي ﷺ فأخبرته بذلك فقال: فإن الجمل مأمور، هل قال شيئا؟ قالت: إن عمرا لما وجه إلى أحد قال: اللهم لا تردني إلى أهلي خزيان وارزقني الشهادة! فقال رسول الله ﷺ : فلذلك الجمل لا يمضي؟ إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره: منهم عمرو بن الجموح. يا هند! ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن، ثم مكث ﷺ حتى قبرهم. ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنة، عمرو بن الجموح وابنك خلاد وأخوك عبد الله. قالت! قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني معهم وقال سفيان بن عبد الله: كان أبي أول قتيل من المسلمين يوم أحد قتله سفيان بن عبد شمس فصلى عليه رسول الله ﷺ قبل الهزيمة (٣). د - في الصبر والاحتساب عند المصيبة: ١ - جاءت أم حارثة إلى رسول الله ﷺ : فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك ليرين الله ما أصنع

стр. 377

قال: ويحك يا أم حارثة. إنها ليست جنة، إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى. ٢ - مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار، وقد أصيب أخوها وزوجها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (١) (٢). ٣ - قال ابن إسحاق: وقد أقبلت فيما بلغني، صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (أي حمزة). وكان أخاها لأبيها - وأمها، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمة إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن وأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك؟ قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن (٣). ٤ - ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نعي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت؟ فقال رسول الله ﷺ : إن زوج المرأة منها لبمكان! لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها عند زوجها (٤). ٥ - أقبل (رسول الله ﷺ ) حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم فقال: لكن حمزة لا بواكي له! فخرج النساء ينظرن إلى سلامته.

стр. 378

فقالت أم عامر الأشهلية: كل مصيبة بعدك جلل، وجاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله ﷺ ، وقد وقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان الفرس فقال سعد: يا رسول الله ﷺ أمي! فقال، مرحبا بها. فدنت حتى تأملت رسول الله ﷺ وقالت: أما إذا رأيتك سالما فقد أشوت (١) المصيبة. فعزاها رسول الله ﷺ بعمرو بن معاذ ابنها ثم قال: يا أم سعد! أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعا - وهم اثنا عشر رجلا - وقد شفعوا في أهليهم؟ قالت: رضينا برسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: ادع يا رسول الله لمن خلفوا، قال: اللهم أذهب حزن قلوبهم وأجبر مصيبتهم وأحسن الخلف على من خلفوا، ثم قال: يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية وليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان: اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقر في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني، فنادى فيهم سعد: عزمة من رسول الله ألا يتبع رسول الله ﷺ جريح من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح، فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحا ومضى سعد مع رسول الله ﷺ حتى جاء بيته فما نزل عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن معاذ وسعد بن عبادة حتى دخل بيته. فلما أذن بلال بصلاة المغرب خرج على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين فصلى ثم عاد إلى بيته. ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله ﷺ ، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النار يتكمدون (٢) بها من الجراح، وأذن بلال ﵁ حين غاب الشفق، فلم يخرج رسول الله ﷺ ، فجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصلاة، يا رسول الله، فهب ﷺ

стр. 379

من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته من حين دخل. وسمع البكاء فقاد: ما هذا؟ فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة فقال: رضي الله عنكن وعن أولادكن وأمر أن ترد النساء إلى أولادهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن، وصلى رسول الله ﷺ العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه في المسجد يحرسونه فرقا من قريش أن تكر، ويقال إن معاذ بن جبل ﵁ جاء بنساء بني سلمة، وجاء عبد الله بن رواحة ﵁ بنساء الحارث بن الخزرج فقال ﷺ : ما أردت هذا، ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي (١). ٥ - مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا التي أحدثه، فجاءت فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم الهم أن يمنعوهم؟ قال: لا قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان فقال رسول الله ﷺ ، بارك الله في ليلتكما قال: فحملت. قال: وكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، وكان رسول الله ﷺ إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا. فدنوا من المدينة فضربها المخاض. فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله ﷺ . قال يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله ﷺ إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى، تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد الطلق فانطلقنا وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما. فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله ﷺ . فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ (٢) ... فحنكه وسماه عبد الله.

стр. 380

وفي رواية للبخاري. فقال رجل من الأنصار. فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود. هـ - حضور المعارك للتطبيب والسقاية: ١ - روى البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: لقد رأيت عائشة وأم سليم وابنهما المشمرتان تنقزان القرب على متونهما، تفرغان الماء في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم. ٢ - وذكر الطبراني أنه لما انصرف المشركون. خرج نساء الصحابة لتقديم العون لهم فكانت فاطمة فيمن خرج. فلما لقيت النبي ﷺ اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم. فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق الجرح فاستمسك الدم (١). ٣ - وعن أم عطية قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات. فكنت أصنع لهم طعامهم، وأخلفهم في رحالهم، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى (٢). ٤ - قال محمد بن عمر: وقد حضرت أم أيمن أحدا. كانت تسقي الماء وتداوي الجرحى. وجاء في الكامل لابن الأثير: أن أم أيمن كانت تسقي الجرحى في الجيش فرماها حبان ابن العرقة بسهم فوقعت وانكشفت فأغرق عدو الله في الضحك، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل له، وقال: ارم به، فرمى به، فوقع السهم في نحر حبان المشرك، فوقع مستلقيا حتى تكشف، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: استقاد لها سعد أجاب الله دعوته (٣). ٥ - وخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء ماء - وكن قد جئن أربع عشرة

стр. 381

امرأة منهن فاطمة ﵍، يحملن الطعام على ظهورهن، ويسقين الجرحى ويداوينهم، ومنهن أم سليم بنت ملحان، وعائشة أم المؤمنين ﵂ تحملان على ظهورها القرب، ومنهن حمنة بنت جحش وكانت تسقي العطشى، وتداوي الجرحى، ومنهن أم أيمن تسقي الجرحى. و- المرأة المسلمة مقاتلة: وهو دور غير طبيعي، والأصل من المرأة ألا تقاتل إلا حين الضرورة، وحين تغشى أرض المسلمين من العدو، ولم تكن أحد إلا صورة من هذه الصور. وكانت بطلتها أم عمارة. ١ - قالت أم عمارة: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال رسول الله ﷺ هذا ضارب ابنك. قالت: فاعترض له، فأضرب ساقه، فبرك. قالت: فرأيت رسول الله ﷺ يتبسم حتى رأيت نواجذه، وقال: استقدت (ثأرت) يا أم عمارة. ثم أقبلنا نعله بالسلاح حتى أتينا على نفسه فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي ظفرك، وأقر عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك (١). ٢ - قالت أم عمارة: قد رأيتني وقد انكشف الناس عن رسول الله ﷺ فما بقي إلا في نفير ما يتمون عشرة، وأنا وابناي وزوجي بين يديه ندب عنه والناس يمرون به منهزمين، ورآني لا ترس معي. فرأى رجلا موليا معه ترس فقال لصاحب الترس: الق ترسك إلى من يقاتل. فألقى ترسه فأخذته، فجعلت أتترس به عن رسول الله ﷺ ، فيقبل رجل على فرس فضربني، وتترست له، فلم يصنع سيفه شيئا وولى وأضرب عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي ﷺ يصيح يا ابن أم عمارة، أمك، قالت: فعاونني عليه حتى أوردته شعوب (٢)). ٣ - وفي رواية عن أم سعيد بنت سعد بن الربيع تقول: دخلت عليها فقلت: حدثيني خبرك يوم أحد. قالت: خرجت أول النهار إلى أحد وأنا أنظر

стр. 382

ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء. فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فجعلت أباشر القتال، وأذب عن رسول الله بالسيف وأرمي بالقوص حتى خلصت إلي الجراح. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا غور أجوف، فقلت: يا أم عمارة من أصابك هذا؟ قالت: أقبل إلي ابن قميئة. وقد ولى الناس عن رسول الله ﷺ وهو يصيح دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فاعترض له مصعب بن عمير، وناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. ٤ - كان ضمرة بن سعيد المازني يحدث عن جدته، وكانت قد شهدت أحدا تسقي الماء، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان، وكان يراها يومئد تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا. وكانت تقول (جدة ضمرة): إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها، وكان أعظم جراحها، فداوته سنة. ثم نادى منادي رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، فشدت عليها بثيابها فما استطاعت من نزف الدم! ولقد مكثنا ليلتنا نكمد الجراح حتى أصبحنا. فلما رجع رسول الله ﷺ من الحمراء، ما وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها فرجع إليه يخبره بسلامتها. فسر بذلك النبي ﷺ (١). ٥ - وقال أبو رافع - مولى رسول الله ﷺ -: كنت غلاما للعباس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل وأسلمت. وكان العباس يكتم إسلامه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، وكنت رجلا ضعيفا أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى

стр. 383

ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال له أبو لهب: هلم إلي، فعندك لعمري الخبر، قال فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا. وايم الله مع ذلك ما لمت القوم، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا. فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فعلت في رأسه شجة منكرة. وقالت: استضعفته إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليالي حتى رماه الله بالعدسة فقتله. وهي قرحة تتشاءم بها العرب فتركه بنوه، وبقي ثلاثة أيام لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة في تركه حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه (١). ٦ - قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصببان. قالت صفية. فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله () وأصحابه فأنزل إليه فأقتله؟ قال: يغفر لك الله يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده

стр. 384

شيئا، احتجزت (١) ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته. قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل؟ قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب (٢)) (٣). ز - في الدعوة إلى الله: (أخبرنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابث أن أم سليم قالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد، إنما هو شجرة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى. قالت: أما تستحي تسجد لخشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قالت فهل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأزوجك نفسي لا أريد منك صداقا غيره؟ قال لها: دعيني حتى أنظر. قالت، فذهب فنظر ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قالت: يا أنس قم فزوج أبا طلحة (٤)) - وكان قد جاءها خاطبا. فما كان لها مهر إلا إسلامه. السمة الثالثة والعشرون عبقرية التخطيط القيادي إننا ونحن نستعمل هذا التعبير عن العبقرية، لا يغيب عن ذهننا أننا أمام رسول رب العالمين الموحى إليه. ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى

стр. 385

إلي ..﴾ (١). وإنه مسدد من ربه. ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي ..﴾ (٢). لكننا في الوقت نفسه نعتقد أن محمدا رسول الله هو سيد ولد آدم وهو خير البشر. فإذا كان في البشر عباقرة فهو سيدهم بلا منازع. ولقد استعمل رسول الله ﷺ هذا اللفظ بحق عمر ﵁: (فلم أر عبقريا يفري فرية حتى ضرب الناس بعطن ..) (٣). ولا بد من الإشارة إلى أننا نخطىء بحق رسول الله ﷺ كثيرا يوم نقدمه للناس على أنه آلة تلق من الله تعالى فقط. والله تعالى يختار خير خلقه لأداء رسالته ويكون عندهم من الذكاء والحلم والعبقرية ما لا يوجد عن غيرهم، أو يفوقهم على الأقل. ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ (٤). كما أننا لا بد أن نوضح فكرة مهمة حين نتحدث عن جانب من هذه الجوانب. مثل هذا الموضوع، هذه الفكرة هي جانب القدوة البشرية، وهو الذي يستطيع البشر أن يقتدوا به. أما جانب الوحي، فقد انتهى مع النبي ﵊، ومن أجل هذا اختار الله تعالى لرسالته بشرا يمكن أن يقتدى به، ولم يختر ملكا. ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا﴾ (٥). فكثيرا ما يفاجأ الدعاة مع الناس إذا ذكروا لهم شيئا عن رسول الله ﷺ أن يقول هؤلاء الناس: هذا رسول الله، ونحن لسنا رسلا،

стр. 386

إنها كلمة حق أريد بها باطل يريدون أن يتنصلوا من المسؤولية، ويتحرروا من التطبيق العملي للإسلام تحث هذا الستار. حقا إنه رسول الله. وحقا إنه القدوة والأسوة: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (١). وإذا كنا نعالج في هذه السمة الجانب البشري عند رسول الله ﷺ وجهده في حرب عدوه، وتخطيطه في الانتصار عليه، فستكون السمة التالية، مكان الحديث عن المعجزات الإلهية التي رافقت هذه الدعوة، وحققت نصر الله بهذه الفئة المؤمنة. وبذلك نقتدي في الجانب البشري حتى ننال العون الإلهي، والكرامة الربانية التي تعطى لأولياء الله تعالى. كما تعطى المعجزات للأنبياء والرسل المصطفين منه سبحانه. أ - قوة المخابرات النبوية لو وقفنا أمام السرايا والبعوث والغزوات في هذه المرحلة لأذهلتنا قوة المخابرات النبوية بصورة يكاد التاريخ لا يشهد لها مثيلا وذلك من خلال التقرير التالي: ١ - كانت أول سرية بعثها الرسول ﷺ في المدينة لحمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر لأنه قد بلغه أن عيرا لقريش تمر من هناك، وذلك على رأس سبعة أشهر. ٢ - ثم كانت سرية عبيدة بن الحارث ليفاجىء المشركين على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ وكان على رأسهم أبو سفيان بن حرب أو عكرمة في مئتين منهم. ٣ - ثم كانت سرية سعد بن أبي وقاص على رأس تسعة أشهر تعترض عيرا لقريش عند الحجفة قريبا من خم ففاتتهم. بينما لم تفت المسلمون العير في السريتين السابقتين.

стр. 387

٤ - ثم غزا رسول الله ﷺ وذان (وهو جبل بين مكة والمدينة على رأس أحد عشر شهر يعترض عيرا لقريش. ٥ - ثم كانت غزوة بواط على رأس ثلاثة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش. ٦ - ثم غزا غزوة العشيرة على رأس ستة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش حين أبدأت إلى الشام. وهذه العير هي التي خرج في طلبها لما عادت وكانت وقعة بدر. ٧ - ثم كانت سرية عبد الله بن جحش ﵁ إلى بطن نخلة (وهو بستان ابن عامر الذي بقرب مكة) في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. فوجد عيرا لقريش فيها عمرو بن الحضرمي واستاقوا العير، وكانت محملة خمرا وأدما وزبيبا وقدموا بها على النبي ﷺ . ٨ - ثم كانت غزوة بدر الكبرى. وهي في الأصل لاعتراض عير قريش وهي قادمة من الشام وشاءت إرادة الله تعالى أن تفوت القافلة، وتكون ذات الشوكة للمسلمين (١). فهذه النماذج الثمانية صورة حية ليقظة عيون النبي ﷺ التي ترصد تحركات العدو في المنطقة، بل كانت مخابراته تنقل إليه لحظة الخروج من مكة، ولحظة القفول من الشام. ٩ - وخرج رسول الله ﷺ بنفسه مع بعض أصحابه يتعرف على أخبار قريش والقافلة (فلقي سفيان الضمري ففال رسول الله ﷺ من الرجل؟ فقال: بل من أنتم؟ قال رسول الله ﷺ : فأخبرنا ونخبرك، قال: وذاك بذاك، قال النبي ﷺ ، نعم، قال: سلوا عما شئتم، فقال رسول الله ﷺ فأخبرنا عن قريش، فقال: بلغني أنهم خرجوا في يوم كذا وكذا من مكة فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم اليوم بمكان كذا وكذا (أو فإنهم بجنب هذا

стр. 388

الوادي). قال رسول الله ﷺ : فأخبرنا عن محمد وأصحابه، قال: خبرت أنهم خرجوا من يثرب يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم بجانب هذا الوادي، قال الضمري: فمن أنتم؟ قال النبي ﷺ : نحن من ماء، وأشار بيده نحو العراق، فقال: ما من ماء! أمن ماء العراق؟. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى أصحابه، ولا يعلم واحد من الفريقين بمنزل صاحبه، بينهم قوز من رمل. (١) ومضى فلقيه بسبس وعدي بن أبي الزعباء فأخبراه خبر العير، ونزل النبي ﷺ أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو ﵃ يتحسسون (٢) على الماء، وأشار لهم إلى ظريب (٣)، وقال أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب (٤) الذي يلي الظرب. فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم، فأفلت عامتهم وفيهم عجير، فجاء قريشا فقال: يا آل غالب، هذا ابن أبي كبشة وأصحابه قد أخذوا سقاءكم، فماج العسكر وكرهوا ذلك، والسماء تمطر عليهم، وأخذ تلك الليلة أبو يسار، غلام عبيدة بن سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية بن خلف، فأتي بهم النبي ﷺ وهو يصلي فقالوا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهم فضربوهم، فقالوا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، فأمسكوا عنهم. فسلم رسول الله ﷺ وقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، ثم أقبل عليهم يسألهم، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا، وأعلموه بمن خرج من مكة، فقال ﷺ : القوم بين الألف والتسعمائة، قال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها (٥).

стр. 389

فها هي المخابرات النبوية في بدر تكشف موقع العدو، وعدده وعدته قبل الدخول في المعركة والحوادث المذكورة بإيحاءاتها غنية عن أي تعليق. ١٠ - ثم كانت غزوة قرارة الكدر وذلك إنه بلغه أن بقرارة الكدر جمعا من غطفان وسليم، فأخذ عليهم الطريق فلم يجد أحدا، فأرسل في أعلى الوادي نفرا من أصحابه، واستقبلهم في بطن الوادي فوجد رعاء فيها غلام يقال له يسار. فسألهم فأخبره يسار أن الناس ارتفعوا إلى المياه، فانصرف وقد ظفر بالنعم يريد المدينة (١). ١١ - أما غزوة أحد فقد كتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ من مكة كتابا مع رجل من بني غفار يخبره بذلك، فقدم عليه وهو بقباء فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا، ونزل رسول الله ﷺ على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس فقال: والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير، وقد أرجفت اليهود (٢) والمنافقون وشاع الخبر. وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر وقد فارقوا قريشا من ذي طوى، فأخبر النبي ﷺ وانصرفوا ... وبعث رسول الله ﷺ أنسا ومؤنسا ابني فضالة ليلة الخميس عينيين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى النبي ﷺ فأخبراه، ونزل المشركون ظاهر المدينة يوم الأربعاء، فرعت إبلهم آثار الحرث والزرع يوم الخميس ويوم الجمعة حتى لم يتركوا خضراء، وبعث رسول الله ﷺ الحباب بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم وعاد وقد حزر عددهم وما معهم، فقال ﷺ : لا تذكروا من شأنهم حرفا، حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم بك أجول وبك أصول (٣).

стр. 390

١٢ - أما عن الخندق: كانت خزاعة عندما خرجت من مكة: أتى ركبهم رسول الله ﷺ - في أربع ليال - حتى أخبروه، فندب الناس وأخبرهم خبر عددهم. نكتفي بهذا القدر من النماذج لنؤكد هذا المعنى الكبير، من أن رسول الله ﷺ كان أشد ما يكون حذرا ويقظة وتعرفا على أخبار عدوه مع الإشارة إلى أن الأخبار التي كانت تأتي إليه لم يكن أي خبر منها غير صادق بغض النظر عن تحقيق الهدف من الغزوة أو عدم تحقيقه ولا نذكر في هذه المرحلة أن المسلمين غزوا بشكل مفاجىء إلا مرتين: الأولى: عندما أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة قبل بدر. الثانية: عندما نزل أبو سفيان سرا مع عدد من المشركين على سلام بن مكشم اليهودي. وعرف منه أخبار الرسول ﵊. ووجد رجلا من الأنصار في حرث فقتله وأجيره، وحرق بيتين بالغريض، وحرق حرثا لهم وذهب. ولقد ظهرت خطورة هذه القضية تماما مع تجربة الحركة الإسلامية مع أعدائها. فضعف المخابرات لديها أمكن أن تشتعل المعركة دون علم القيادة، مما نشأ عنه أكبر محنة للحركة راح ضحيتها عشرات الألوف نتيجة المعلومات الخاطئة التي وصلت للإخوة المجاهدين في الداخل. ولعل ما شهدناه من عظمة المخابرات النبوية يدفعنا إلى أن نعطي هذا الموضوع حقه، ونوفيه أهميته. لأن الحركة الإسلامية، حين تفقد قوة المخابرات والأمن لديها إنما تفقد شريانها الرئيسي الذي تعيش منه، وحين لا تكون المعلومات صادقة وأمينة من عيونها. فإنما تنحر نفسها بيدها. إنه درس قاس ولا شك، ولكنه التمحيص والعقوبة والابتلاء. ب - الغزو لمن يريد الغزو وهي قضية ذات صلة وثيقة بالفقرة الأولى، بأن تفاجىء العدو فتضربه
следующие страницы →