← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إنها كلمة حق أريد بها باطل يريدون أن يتنصلوا من المسؤولية، ويتحرروا من التطبيق العملي للإسلام تحث هذا الستار. حقا إنه رسول الله. وحقا إنه القدوة والأسوة: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (١). وإذا كنا نعالج في هذه السمة الجانب البشري عند رسول الله ﷺ وجهده في حرب عدوه، وتخطيطه في الانتصار عليه، فستكون السمة التالية، مكان الحديث عن المعجزات الإلهية التي رافقت هذه الدعوة، وحققت نصر الله بهذه الفئة المؤمنة. وبذلك نقتدي في الجانب البشري حتى ننال العون الإلهي، والكرامة الربانية التي تعطى لأولياء الله تعالى. كما تعطى المعجزات للأنبياء والرسل المصطفين منه سبحانه. أ - قوة المخابرات النبوية لو وقفنا أمام السرايا والبعوث والغزوات في هذه المرحلة لأذهلتنا قوة المخابرات النبوية بصورة يكاد التاريخ لا يشهد لها مثيلا وذلك من خلال التقرير التالي: ١ - كانت أول سرية بعثها الرسول ﷺ في المدينة لحمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر لأنه قد بلغه أن عيرا لقريش تمر من هناك، وذلك على رأس سبعة أشهر. ٢ - ثم كانت سرية عبيدة بن الحارث ليفاجىء المشركين على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ وكان على رأسهم أبو سفيان بن حرب أو عكرمة في مئتين منهم. ٣ - ثم كانت سرية سعد بن أبي وقاص على رأس تسعة أشهر تعترض عيرا لقريش عند الحجفة قريبا من خم ففاتتهم. بينما لم تفت المسلمون العير في السريتين السابقتين.

стр. 387

٤ - ثم غزا رسول الله ﷺ وذان (وهو جبل بين مكة والمدينة على رأس أحد عشر شهر يعترض عيرا لقريش. ٥ - ثم كانت غزوة بواط على رأس ثلاثة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش. ٦ - ثم غزا غزوة العشيرة على رأس ستة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش حين أبدأت إلى الشام. وهذه العير هي التي خرج في طلبها لما عادت وكانت وقعة بدر. ٧ - ثم كانت سرية عبد الله بن جحش ﵁ إلى بطن نخلة (وهو بستان ابن عامر الذي بقرب مكة) في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. فوجد عيرا لقريش فيها عمرو بن الحضرمي واستاقوا العير، وكانت محملة خمرا وأدما وزبيبا وقدموا بها على النبي ﷺ . ٨ - ثم كانت غزوة بدر الكبرى. وهي في الأصل لاعتراض عير قريش وهي قادمة من الشام وشاءت إرادة الله تعالى أن تفوت القافلة، وتكون ذات الشوكة للمسلمين (١). فهذه النماذج الثمانية صورة حية ليقظة عيون النبي ﷺ التي ترصد تحركات العدو في المنطقة، بل كانت مخابراته تنقل إليه لحظة الخروج من مكة، ولحظة القفول من الشام. ٩ - وخرج رسول الله ﷺ بنفسه مع بعض أصحابه يتعرف على أخبار قريش والقافلة (فلقي سفيان الضمري ففال رسول الله ﷺ من الرجل؟ فقال: بل من أنتم؟ قال رسول الله ﷺ : فأخبرنا ونخبرك، قال: وذاك بذاك، قال النبي ﷺ ، نعم، قال: سلوا عما شئتم، فقال رسول الله ﷺ فأخبرنا عن قريش، فقال: بلغني أنهم خرجوا في يوم كذا وكذا من مكة فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم اليوم بمكان كذا وكذا (أو فإنهم بجنب هذا

стр. 388

الوادي). قال رسول الله ﷺ : فأخبرنا عن محمد وأصحابه، قال: خبرت أنهم خرجوا من يثرب يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم بجانب هذا الوادي، قال الضمري: فمن أنتم؟ قال النبي ﷺ : نحن من ماء، وأشار بيده نحو العراق، فقال: ما من ماء! أمن ماء العراق؟. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى أصحابه، ولا يعلم واحد من الفريقين بمنزل صاحبه، بينهم قوز من رمل. (١) ومضى فلقيه بسبس وعدي بن أبي الزعباء فأخبراه خبر العير، ونزل النبي ﷺ أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو ﵃ يتحسسون (٢) على الماء، وأشار لهم إلى ظريب (٣)، وقال أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب (٤) الذي يلي الظرب. فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم، فأفلت عامتهم وفيهم عجير، فجاء قريشا فقال: يا آل غالب، هذا ابن أبي كبشة وأصحابه قد أخذوا سقاءكم، فماج العسكر وكرهوا ذلك، والسماء تمطر عليهم، وأخذ تلك الليلة أبو يسار، غلام عبيدة بن سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية بن خلف، فأتي بهم النبي ﷺ وهو يصلي فقالوا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهم فضربوهم، فقالوا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، فأمسكوا عنهم. فسلم رسول الله ﷺ وقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، ثم أقبل عليهم يسألهم، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا، وأعلموه بمن خرج من مكة، فقال ﷺ : القوم بين الألف والتسعمائة، قال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها (٥).

стр. 389

فها هي المخابرات النبوية في بدر تكشف موقع العدو، وعدده وعدته قبل الدخول في المعركة والحوادث المذكورة بإيحاءاتها غنية عن أي تعليق. ١٠ - ثم كانت غزوة قرارة الكدر وذلك إنه بلغه أن بقرارة الكدر جمعا من غطفان وسليم، فأخذ عليهم الطريق فلم يجد أحدا، فأرسل في أعلى الوادي نفرا من أصحابه، واستقبلهم في بطن الوادي فوجد رعاء فيها غلام يقال له يسار. فسألهم فأخبره يسار أن الناس ارتفعوا إلى المياه، فانصرف وقد ظفر بالنعم يريد المدينة (١). ١١ - أما غزوة أحد فقد كتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ من مكة كتابا مع رجل من بني غفار يخبره بذلك، فقدم عليه وهو بقباء فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا، ونزل رسول الله ﷺ على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس فقال: والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير، وقد أرجفت اليهود (٢) والمنافقون وشاع الخبر. وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر وقد فارقوا قريشا من ذي طوى، فأخبر النبي ﷺ وانصرفوا ... وبعث رسول الله ﷺ أنسا ومؤنسا ابني فضالة ليلة الخميس عينيين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى النبي ﷺ فأخبراه، ونزل المشركون ظاهر المدينة يوم الأربعاء، فرعت إبلهم آثار الحرث والزرع يوم الخميس ويوم الجمعة حتى لم يتركوا خضراء، وبعث رسول الله ﷺ الحباب بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم وعاد وقد حزر عددهم وما معهم، فقال ﷺ : لا تذكروا من شأنهم حرفا، حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم بك أجول وبك أصول (٣).

стр. 390

١٢ - أما عن الخندق: كانت خزاعة عندما خرجت من مكة: أتى ركبهم رسول الله ﷺ - في أربع ليال - حتى أخبروه، فندب الناس وأخبرهم خبر عددهم. نكتفي بهذا القدر من النماذج لنؤكد هذا المعنى الكبير، من أن رسول الله ﷺ كان أشد ما يكون حذرا ويقظة وتعرفا على أخبار عدوه مع الإشارة إلى أن الأخبار التي كانت تأتي إليه لم يكن أي خبر منها غير صادق بغض النظر عن تحقيق الهدف من الغزوة أو عدم تحقيقه ولا نذكر في هذه المرحلة أن المسلمين غزوا بشكل مفاجىء إلا مرتين: الأولى: عندما أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة قبل بدر. الثانية: عندما نزل أبو سفيان سرا مع عدد من المشركين على سلام بن مكشم اليهودي. وعرف منه أخبار الرسول ﵊. ووجد رجلا من الأنصار في حرث فقتله وأجيره، وحرق بيتين بالغريض، وحرق حرثا لهم وذهب. ولقد ظهرت خطورة هذه القضية تماما مع تجربة الحركة الإسلامية مع أعدائها. فضعف المخابرات لديها أمكن أن تشتعل المعركة دون علم القيادة، مما نشأ عنه أكبر محنة للحركة راح ضحيتها عشرات الألوف نتيجة المعلومات الخاطئة التي وصلت للإخوة المجاهدين في الداخل. ولعل ما شهدناه من عظمة المخابرات النبوية يدفعنا إلى أن نعطي هذا الموضوع حقه، ونوفيه أهميته. لأن الحركة الإسلامية، حين تفقد قوة المخابرات والأمن لديها إنما تفقد شريانها الرئيسي الذي تعيش منه، وحين لا تكون المعلومات صادقة وأمينة من عيونها. فإنما تنحر نفسها بيدها. إنه درس قاس ولا شك، ولكنه التمحيص والعقوبة والابتلاء. ب - الغزو لمن يريد الغزو وهي قضية ذات صلة وثيقة بالفقرة الأولى، بأن تفاجىء العدو فتضربه

стр. 391

وهو يعد لضربك، وقد تم هذا الأمر في التخطيط النبوي مرات عديدة نذكر منها: ١ - كانت غزوة ذي أمر بنجد، بعد بدر. وذلك إنه بلغه أن جمعا من بني ثعلبة من عطفان وبني محارب قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطرافه ﷺ جمعهم دعثور بن محارب، فأصاب رسول الله ﷺ رجلا منهم بذي القصة، وسار معهم يدلهم على عورات القوم حتى أهبطهم من كثيب فهربت الأعراب فوق الجبال. ٢ - وغزوة بني سليم بالفرع لم تكن إلا لفض تجمع منهم كان يريد غزو المدينة. ٣ - وغزوة ذات الرقاع بعد أحد كانت بناء على إخبارية جاءت إلى المدينة تقول أن بني أنمار بن بغيض وبني سعد بن ثعلبة قد جمعوا لحرب المسلمين فخرج رسول الله ﷺ في أربعمائة ثم قدم محالهم وقد ذهبوا إلى رؤوس الجبال. ٤ - أما سرية أبي سلمة فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ - وباغت أبو سلمة بني أسد في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم فتشتتوا في الأمر. ٥ - وما مقتل خالد بن سفيان الهذلي إلا لأن الاستخبارات قد نقلت إلى رسول الله ﷺ إنه يحشد الجموع لحرب المسلمين فأرسل النبي ﷺ عبد الله ابن أنيس ليقضي عليه، علما بأن خالدا كان يجمع الجموع قرب مكة. وبذلك حطم رسول الله ﷺ كل قوة تفكر مجرد تفكير في غزو المدينة، وألقى الرعب في قلوب المجاورين لهذه القوى، دون أن يؤخذ على غرة من أحد. ويوفر على نفسه كثيرا من الخسائر المادية والمعنوية، التي كانت ستقع لو تماهل شيئا طفيفا في تحري حركات العدو، أو ضرب تجمعاته. إن على الحركة الإسلامية اليوم اقتداء برسول الله ﷺ أن تكون على خبرة عميقة بطبيعة

стр. 392

أعدائها، وطبيعة تحركاتهم وتخطيطهم، وأن تبث عيونها في صفوفهم بحيث لا يفوتها شاردة ولا واردة من اتجاههم ومخططاتهم، وأن تواجه هذه المخططات قبل التنفيذ، وتضربها وهي في دور الإعداد لتكون قادرة على الصمود والاستمرار. إنه الجهد البشري المطلوب في عالم الأسباب، ونود أن يتعرف شباب الدعوة على هذا المعنى تماما. صحيح أن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، ولكن الله تعالى لا يرضى لدعوته أن تكون تجمعا من المتواكلين، وتشرذما من القاعدين، وأن تعمل الحركات المعادية لدنياها ولالتحام صفها خيرا مما تفعله الحركة الإسلامية في ذلك. والصف المؤمن المتراص الموحد اليقظ، المبادر الدؤوب هو الذي تتحقق فيه مواصفات النصر، من الله ، أما أن نتخاذل عن كل شيء، ثم نقول: لماذا لا ينصرنا الله؟. ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ (١). ص - العهود مع الجوار وهو من جملة التخطيط النبوي القيادي، أن يقيم رسول الله ﷺ معاهدات حسن جوار وتحالف مع القبائل المجاورة بحيث يوحد الجبهة المقاتلة، ولم تنقض هذه المعاهدات إلا على النادر، وفي الأحوال التي يشعر فيها المعاهدون بضعف شوكة النبي ﷺ وقد استوفيت هذه الفقرة الحديث من قبل في بداية العهد المدني. د - مهاجمة طريق العراق. ولم يكتف ﵊ بقطع طريق قوافل قريش من المدينة. بل راحث القوات الإسلامية تطارد قريش وقوافلها في الطرق الثانية الطويلة التي اختارتها قريش هربا من ملاحقة محمد ﷺ لها. فقد (كانت سرية زيد بن حارثة إلى القردة، وهي أول سرية خرج فيها

стр. 393

زيد أميرا يريد صفوان بن أمية وقد نكب عن الطريق وسلك على جهة العراق يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش - خوفا من رسول الله ﷺ أن يعترضها، فقدم نعيم بن مسعود الأشجعي على كنانة بن أبي الحقيق في بني النضير فشرب معه، ومعهم سليط بن النعمان يشرب، ولم تكن الخمر حرمت، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الأموال، فخرج (سليط) من ساعته وأخبر النبى ﷺ ، فأرسل زيد بن حارثة في مائة راكب، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم. فقدموا بالعير فخمسها رسول الله ﷺ فبلغ الخمس عشرين ألف درهم وقسم ما بقي على أهل السرية، وكان فيمن أسر فرات ابن حيان فأسلم (١)). هـ - ثبات أحد وتحويل الهزيمة إلى نصر وندع هذا الوصف للمباركفوري على صورة مقتطفات سريعة، وإيضاحات أخرى يقتضيها الموقف: خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش: وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية (خلو الجبل من الرماة) فاستدار بسرعة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي. فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه ثم انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة عرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت إمرأة منهم - وهي عمرة بنت علقمة الحارثية - فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب، فالتف حوله المشركون ولاثوا به، وتنادى بعضهم بعضا، حتى اجتمعوا على المسلمين وثبتوا للقتال، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف ووقعوا بين شقي الرحى. موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق: وكان رسول الله ﷺ حينئذ في مفرزة صغيرة - تسعة نفر من أصحابه - في مؤخرة المسلمين، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة،

стр. 394

فكان أمامه طريقان، إما أن ينجو، - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون، ويترك جيشه المطرق إلى مصيره المقدور، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد. وهنالك تجلت عبقرية الرسول الله ﷺ الفذة، وشجاعته المنقطعة النظير فقد رفع صوته ينادي أصحابه: عباد الله، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون. ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرا بنفسه في هذا الظرف الدقيق. وفعلا فقد علم به المشركون فخلصوا إليه قبل أن يصل إليه المسلمون. تبدد المسلمين في الموقف: أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم، فلم تكن تهمها إلا أنفسها، فقد أخذت طريق الفرار، وتركت ساحة القتال، وهي لا تدري ماذا وراءها؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها، وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس العسكران، فلم يتميزوا فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض. روى البخاري عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس، أي عباد الله أخراكم - أي احترزوا من ورائكم - فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قالت: فوالله ما احتجزوا عنه حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله. وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد، وعمتها الفوضى، وتاه منها الكثيرون، لا يدرون أين يتوجهون، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحا يصيح: إن محمدا قد قتل، فطارت بقية صوابهم، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها. فتوقف من توقف منهم عن القتال، وألقى بأسلحته مستكينا، وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي - رأس المنافقين - ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان ...

стр. 395

احتدام القتال حول رسول الله ﷺ : وبينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق، تطحن بين شقي الرحى المشركين، كان العراك محتدما حول رسول الله ﷺ . وقد ذكرنا أن المشركين لما بدأوا عمل التطويق لم يكن مع رسول الله ﷺ إلا تسعة نفر، فلما نادى المسلمين: هلم إلي، أنا رسول الله سمع صوته المشركون وعرفوه فكروا إليه وهاجموه، ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفافي والبسالة والبطولة. روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه (أي القرشيين) ما أنصفنا أصحابنا. وكان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السكن، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط. أحرج ساعة في حياة الرسول ﷺ : وبعد سقوط ابن السكن بقي الرسول ﷺ في القرشيين فقط. ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال: (لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص.) وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة النبي ﷺ وفرصة ذهبية بالنسبة للمشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة. فقد ركزوا حملتهم على النبى ﷺ وطمعوا في القضاء عليه ... ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول الله ﷺ إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله قاما ببطولة نادرة، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير حتى لم يتركا - وهما اثنان فحسب - سبيلا إلى نجاح المشركين في هدفهم، وكانا من أمهر رماة العرب فتناضلا حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول الله ﷺ . فأما سعد بن أبي وقاص، فقد نثل له رسول الله ﷺ كنانته وقال: إرم سعد فداك أبي وأمي.

стр. 396

ويدل على مدى كفاءته أن النبي ﷺ لم يجمع أبويه لأحد غير سعد. وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى النسائي عن جابر قصة تجمع المشركين حول رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، قال جابر: فأدرك المشركون رسول الله ﷺ فقال من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، ثم ذكر جابر تقدم الأنصار وقتلهم واحدا بعد واحد بنحو ما ذكرنا من رواية مسلم فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة، قال جابر: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حسن، فقال النبي ﷺ لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، قال: ثم رد الله المشركين، ووقع عند الحاكم في الإكليل أنه جرح يوم أحد تسعا وثلاثين أو خمسا وثلاثين، وشلت إصبعه، أي السبابة والتي تليها. وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. وروى الترمذي أن النبي ﷺ قال فيه يومئذ: (من ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله). وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة. وقال فيه أبو بكر أيضا: يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت ... لك الجنان وبوئت المها العينا وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل الله نصره بالغيب ففي الصحيحين عن سعد، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان معه (١) عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد، وفي رواية يعني جبريل وميكائيل. بداية تجمع الصحابة حول رسول الله ﷺ : وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته ﷺ - الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال - لم يكادوا يرون تطور الموقف أو يسمعون صوته ﷺ حتى أسرعوا إليه لئلا يصل إليه شيء يكرهونه .. إلا أنهم وصلوا

стр. 397

وقد لقي رسول الله ﷺ ما لقي من الجراحات. وستة من الأنصار قد قتلوا، والسابع قد أثبتته الجراحات .. فقد روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي ﷺ . فكنت أول من فاء إلى النبي ﷺ ، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه، يحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي ﷺ . فإذا طلحة بين يديه صريعا، فقال النبي ﷺ دونكم أخاكم فقد أوجب. وقد رمي النبي ﷺ في وجنته حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي ﷺ فقال أبو عبيدة: نشدتك الله يا أبا بكر إلا تركتني، قال: فأخذ بفيه فجعل ينضضه كراهة أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استل السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر فقال أبو عبيدة: نشدتك الله يا أبا بكر إلا تركتني، قال فأخذه فجعل ينضضه حتى استله، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله ﷺ : دونكم أخاكم فقد أوجب، قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة. وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي ﷺ عصابة من أبطال المسلمين منهم أبو دجانة، ومصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وسهل ابن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية وزوجها وولداها) وقتادة بن النعمان وعمر بن الخطاب، وحاطب ابن أبي بلتعة، وسهل بن حنيف، وأبو طلحة. تضاعف ضغط المشركين: كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين، حتى سقط رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فجحشت ركبته وأخذ علي بيده. واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، وقال نافع بن جبير سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله - وسطها كل ذلك يصرف

стр. 398

عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع. المتعاقدون على قتل رسول الله ﷺ : وكان أربعة من قريش قد تعاقدوا وتعاهدوا على قتل رسول الله ﷺ وعرفهم المشركون بذلك، وهم عبد الله بن شهاب الزهري وعتبة بن أبي وقاص (١)، وعمرو بن قميئة، وأبي بن خلف (وزاد بعضهم عبد الله بن حميد بن زهير ..) ورمى عتبة يومئذ رسول الله ﷺ بأربعة أحجار فكسر رباعيته أشظى باطنها اليمنى السفلى. وأقبل ابن قميئة وهو يقول: دلوني على محمد فوالذي يحلف به لئن رأيته لأقتلنه، فعلاه بالسيف، ورماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل السيف، وكان عليه درعان. فوقع ﷺ في الحفرة التي أمامه على جنبه فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف، فقد وقع لها ﷺ وانتهض، وطلحة يحمله من ورائه، وعلي آخذ بيده حتى استوى قائما. ورمى ابن قميئة بسهم فأصاب مصعب بن عمير ﵁ فقتله، فقال ﷺ ما له، أقمأه الله (٢)؟ ورجع عدو الله إلى قومه فأخبرهم أنه قتل رسول الله. فعمد (بعد المعركة في مكة) إلى شاة يحتلبها فنطحته بقرونها وهو معتقلها فقتلته فوجد ميتا بين الجبال. وأقبل عبد الله بن حميد بن زهير حين رأى رسول الله على تلك الحال، يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول: أنا ابن زهير! دلوني على محمد. فوالله لأقتلنه أو أموتن دونه. فقال له أبو دجانة: هلم إلى من يقي نفس محمد بنفسه. وضرب فرسه عرقبها ثم علاه بالسيف فقتله ورسول الله ﷺ ينظر إليه ويقول، اللهم ارض عن أبي خرشة كما أنا عنه راضى.

стр. 399

وأقبل يومئد أبي بن خلف يركض فرسه فجعل يصيح بأعلى صوته، يا محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ﷺ ما كنت صانعا حين يغشاك، فقد جاءك! وإن شئت عطف عليه بعضنا، فأبى ﷺ ، ودنا أبي، فتناول النبي ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ويقال الزبير بن العوام، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير فتطاير عنه أصحابه - ولم يكن أحد يشبه رسول الله ﷺ إذا جد الجد - ثم أخذ الحربة فطعنه بها في عنقه وهو على فرسه فجعل يخور كما يخور الثور، ويقول له أصحابه: أبا عامرا والله ما بك من بأس، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره! فيقول: لا واللات والعزى، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون أليس قال لأقتلنك (١). وقال عبد الله بن عمر مات أبي بن خلف ببطن رابغ. وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص - الذي كسر الرباعية الشريفة - فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه. إشاعة مقتل النبي ﷺ وأثره على المعركة: ولم يمض هذا الصياح دقائق حتى شاع خبر مقتل النبي ﷺ في المشركين والمسلمين. وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع رسول الله ﷺ وانهارت معنوياتهم، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد، وعمتها الفوضى والاضطراب إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين. الرسول ﷺ يواصل المعركة وينقذ الموقف: ولما قتل مصعب أعطى رسول الله ﷺ اللواء علي بن أبي طالب فقاتل قتالا شديدا، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة يقاتلون ويدافعون. وحينئد استطاع رسول الله ﷺ أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق،

стр. 400

فأقبل إليهم، فعرفه كعب بن مالك - وكان أول من عرفه - فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إليه أن أصمت - وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون - إلا أن هذا الصوت - بلغ إلى آذان المسلمين، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله ثلاثين رجلا من الصحابة. وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله ﷺ في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم، لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام. تقدم عثمان بن عبد الله بن المغيرة - أحد فرسان المشركين - إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: لا نجوت إن نجا، وقام رسول الله ﷺ لمواجهته، إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر، فنازله الحارث بن الصمة فضربه على رجله فأقعده، ثم ذفف عليه وأخذ سلاحه، والتحق برسول الله ﷺ . وعطف عبد الله بن جابر - فارس آخر من فرسان مكة - على الحارث ابن الصمة، فضرب بالسيف على عاتقه فجرحه حتى حمله المسلمون. ولكن انقض أبو دجانة - البطل المغامر ذو العصابة الحمراء - على عبد الله بن جابر فضربه بالسيف ضربة أطارت رأسه. وأثناء هذا القتال المرير، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله كما تحدث عنه القرآن. قال أبو طلحة: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه. وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة - في انسحاب منظم - إلى شعب الجبل وشق لبقية الجيش طريقا إلى هذا المقام المأمون، فتلاحق به في الجبل، وفشلت عبقرية خالد أمام عبقرية الرسول ﷺ . طلحة ينهض بالنبي ﷺ : وفي أثناء انسحاب رسول الله ﷺ إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل، فنهض إليها ليعلوها، فلم يستطع، لأنه كان قد بدن وظاهر بين الدرعين وقد أصابه جرح شديد. فجلس تحته

стр. 401

طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها وقال: أوجب طلحة، أي: الجنة. آخر هجوم قام به المشركون: ولما تمكن رسول الله ﷺ من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين. قال ابن إسحاق: بينا رسول الله ﷺ في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل، يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد - فقال رسول الله ﷺ ، اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. وفي مغازي الأموي أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله ﷺ لسعد: أجنبهم - يقول: أرددهم - فقال: كيف، أجنبهم وحدي؟ فقال: ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم أخدت سهمي أعرفه فرميت به آخر، فقتلته ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك فجعلته في كنانتي. فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه. شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة وحديثه مع عمر: ولما تكامل تهيؤ المشركين للانصراف، أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى أفيكم محمد؟ فلم يجييبوه، قال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه. - وكان النبي ﷺ منعهم من الإجابة - ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء. وقد أبقى الله ما يسوءك فقال: قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم قال: أعل هبل. فقال النبي ﷺ : ألا تجيبونه؟ فقالوا: فما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ : ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: أنعمت فقال، يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فأجابه عمر، وقال: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. ثم قال أبو

стр. 402

سفيان: هلم إلي يا عمر، فقال ﷺ : أئته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله ﷺ يا عمر أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا. وإنه ليستمع كلامك الآن. قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر. التثبت من موقف المشركين: ثم بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فقال: أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟. فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة. والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل. حالة الطوارىء في المدينة: بات المسلمون في المدينة - ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ بعد الرجوع من معركة أحد - وهم في حالة الطوارىء، باتوا - وقد أنهكهم التعب، ونال منهم أي منال - يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله ﷺ خاصة إذ كانت تتلاحقهم الشبهات من كل جانب. غزوة حمراء الأسد: وبات الرسول ﷺ وهو يفكر في الموقف، فقد يخاف أن المشركين إن فكروا في أنفسهم في أنهم لم يستفيدوا شيئا من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال، فلا بد أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي. قال أهل المغازي ما حاصله: إن النبي ﷺ نادى في الناس وندبهم إلى السير إلى لقاء العدو - وذلك صباح الغد من معركة أحد - أي يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ - وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك! قال: لا، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف المزيد، وقالوا: سمعا وطاعة واستأذنه جابر بن عبد الله، وقال: يا رسول الله، إني أحب أن لا نشهد مشهدا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأذن لي، أسير معك، فأذن له. وسار رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية

стр. 403

أميال من المدينة فعسكروا هناك. وهناك أقبل معبد بن معبد الخزاعي إلى رسول الله ﷺ فأسلم - ويقال: بل كان على شركه، فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولودنا أن الله عافاك، فأمره رسول الله ﷺ وسلم أن يلحق أبا سفيان فيخذله. ولم يكن ما خافه رسول الله ﷺ من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إلا حقا، فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي معهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم. ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحيا ممن لم يكن يقدر قوة الفريقين ومعنوياتهم تقديرا صحيحا، ولذلك خالفهم زعيم مسؤول (صفوان بن أمية) قائلا: يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج .. فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. إلا أن هذا الرأي رفض أمام رأي الأغلبية الساحقة وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة. ولكنه قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي، ولم يكن يعرف أبو سفيان بإسلامه؟ فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال معبد - وقد شهد عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة - محمد، قد خرج يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال أبو سفيان: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - أو حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل فإني لك ناصح. وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي، وأخذه الفزع والرعب، فلم ير العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة. بيد أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي، لعله ينجح في كف هذا

стр. 404

الجيش من مواصلة المطاردة. وطبعا فهو ينجح في الاجتناب عن لقائه، فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة. وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟ قالوا: نعم. قال: فأبلغوا محمدا أنا أجمعنا الكرة، لنستأصله ونستأصل أصحابه. فمر الركب برسول الله ﷺ وهم بحمراء الأسد فأخبرهم بالذي قاله أبو سفيان وقالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشموهم، فزادهم - أي زاد المسلمين قولهم: ذلك - إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾. أقام رسول الله ﷺ بحمراء الأسد - بعد مقدمه يوم الأحد - الإثنين والثلاثاء والأربعاء - ٩/ ١٠/ ١١ شوال سنة ٣ هـ ثم رجع إلى المدينة (١). ز - الثبات يوم الخندق، ومحاولة تفتيت الصف: ١ - فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم: أيبرز من المدينة، أم يكون فيها ويخندق عليها؟ أم يكون قريبا والجبل وراءهم؟ فاختلفوا. وكان سلمان الفارسي يرى رأي رسول الله ﷺ يهم بالمقام في المدينة ويريد أن يتركهم حتى يردوا. ثم يحاربهم على المدينة وفي طرقها - فأشار بالخندق فأعجبهم ذلك، وذكروا يوم أحد فأحبوا الثبات في المدينة، وأمرهم رسول الله ﷺ بالجد، ووعدهم النصر إن هم صبروا واتقوا وأمرهم بالطاعة، وركب فرسا له - ومعه عدة من المهاجرين والأنصار - فارتاد موضعا ينزله، وجعل سلعا خلف ظهره، وعمل في حفر الخندق لينشطهم. ٢ - فبينا رسول الله ﷺ في قبته - والمسلمون على خندقهم يتناوبونه، معهم بضع وثلاثون فرسا، والفرسان يطوفون على الخندق - إذ جاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله: بلغني أن بني قريظة

стр. 405

قد نقضت العهد وحاربت. فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وبعث الزبير بن العوام ﵁ إليهم لينظر، فعاد بأنهم يصلحون حصونهم، ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم؟ فقال ﷺ : إن لكل نبي حواريا. إن! حواري الزببر، ثم بعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير لينظروا ما بلغه عن بني قريظة وأوصاهم - إن كان حقا - أن يلحنوا (أي يلغزوا) لئلا يفت في أعضاد المسلمين ويورث وهنا، فوجدوهم مجاهرين بالعداوة والغدر فتسابوا ونال اليهود من رسول الله ﷺ ، فسبهم سعد بن معاذ وانصرفوا عنهم، فقال رسول الله ﷺ : ما وراءكم؟ قالوا: غضل والقارة. (يعنون كدرهم بأصحاب الرجيع). فكبر ﷺ وقال: أبشروا بنصر الله وعونه. ٣ - وأقام ﷺ وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة حتى اشتد الكرب ... وأرسل إلى عينية بن حصن، والحارث بن عوف - وهما رئيسا غطفان - أن يجعل لهما ثلث ثمار المدينة ويرجعان بمن معهما فطلبا نصف الثمر فأبى عليهم إلا الثلث، فرضيا، وجاءا في عشرة من قومهما حتى تقارب الأمر ... فدعا رسول الله ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فقالا: إن كان هذا أمرا من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به ولك فيه هوى فسمع وطاعة. وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف. فقال رسول الله ﷺ : إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم (أو فأحببت أن أخفف عنكم). فقالا: يا رسول الله، والله إن كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد، ما طمعوا بهذا منا قط: إن يأخذوا تمرة واحدة إلا بشراء أو قرى! فحين أتانا الله بك، وأكرمنا بك، وهدانا بك، نعطي الدنية! لا نعطيهم أبدا إلا السيف. فقال ﷺ : شق الكتاب، فشقه سعد، فقام عيينة والحارث. فقال ﷺ : ارجعوا، بيننا السيف، رافعا صوته. وكان نعيم بن مسعود صديقا لبني قريظة. فقذف الله في قلبه الإسلام، فأتى رسول الله ﷺ ليلا فأسلم، فأمر أن يخذل الناس،

стр. 406

وأذن له أن يقول. نقاط علامة ثلاث - كما رأينا - في غزوة الخندق حولت مجرى المعركة كاملا: فحفر الخندق أحبط الهجوم كله، وحصر خسائر المسلمين في ستة قتلى فقط. والثبات عند خبر بني قريظة والتكبير والبشارة بالنصر رفع المعنويات للجيش، وأي قائد غير رسول الله ما كان أمامه إلا إعلان الاستسلام، في الوقت الذي خطر الخبر على أركان جيشه فقط. لولا تسريب الخبر عن طريق اليهود للمنافقين (١). وبقي الفكر البشري يجهد ويدأب، فاتجه إلى تحطيم الحصار عن طريق شق صف العدو بإعطائه ثلث ثمار المدينة، ثم التراجع عن الفكرة عند استعداد الجيش للتضحية. ولكن شق صف العدو بقي هدفا في حد ذاته وضعه رسول الله ﷺ بين يدي نعيم. حتى تحقق الهدف وحطم الحصار. وانجلى الموقف عن نصر مؤزر للمسلمين. السمة الرابعة والعشرون النصر الإلهي في قلب المحن بعدما رأينا الجهد البشري في البذل رجالا ونساء، والجهد البشري في البناء والتخطيط، ووجدنا أنه المدى الأقصى الذي يملكه البشر في عالمهم. يصبح من المناسب جدا أن نتحدث عن سمة النصر الإلهي في قلب المحن، والعون الرباني في خضم المعارك، فالله تعالى لا يفعل بعذاب عباده شيئا، والله تعالى وعد بنصر جنده وعباده الصالحين. ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا .. (٢)﴾. ﴿ولقد

стр. 407

سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون (١)﴾. ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ (٢). ولنلحظ تحقيق هذه الإرادة الربانية في نصر هذا الدين من خلال النماذج التالية: أ - في بدر: الجيش الإسلامي الخارج للقاء العير تفرض عليه المعركة فرضا بإرادة ربانية أن تكون له ذات الشوكة. وحين أبدى استعداده للموت في سبيل الله، جاءه المدد الرباني أرسالا. ١ - الملائكة: (وأما رسول الله ﷺ فكان منذ رجوعه بعد تعديله الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، حتى إذا حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب بشدة، واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها قال: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا. وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك أود أن الله منجز ما وعدك). وأغفى رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع (أي الغبار) وفي رواية ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ : أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بزمام فرسه يقود على ثناياه النقع .. (٣)). ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين .. (٤)﴾.

стр. 408

المطر والنعاس: وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، وبعث الله السماء فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنع من السير، وأصاب قريشا من ذلك ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه، وإنما بينهم قوز من رمل، وكان مجيء المطر نعمة وقوة للمؤمنين، وبلاء ونقمة على المشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم فناموا حتى أن أحدهم تكون ذقنه بين ثدييه وما يشعر حتى يقع على جنبه، واحتلم رفاعة بن رافع بن مالك حتى اغتسل آخر الليل. وبعث رسول الله ﷺ عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود ﵄ فأطافا بالقوم، ثم رجعا فأخبراه أن القوم مذعورون، وأن السماح تسح عليهم (١)). ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (٢)﴾. الملائكة تقاتل وتثبت: (.. وزادهم نشاطا وحدة أن رأوا رسول الله ﷺ يثب في الدرع ويقول في حزم وصراحة (سيهزم الجمع ويولون الدبر) فقاتل المسلمون أشد القتال، ونصرتهم الملائكة، ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها، وقال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. قال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب، أسيرا فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق وما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم (٣)﴾.

стр. 409

(فبينما هو جالس (أي أبو لهب) إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطب قد قدم فقال أبو لهب: هلم إلي فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكنافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا. وايم الله مع ذلك ما لمت القوم، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء (١)) ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (٢)﴾. القلة والكثرة: ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (٣)﴾. سيف عكاشة: وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن. فأعطاه النبي جذلا. من حطب: فقال: دونك هذا فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلا، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل أيام أبي بكر، قتله طليحة الأسدي شهيدا (٤)). من المعجزات في أحد النعاس: وأثناء هذا القتال المرير، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله كما تحدث عنه القرآن. قال أبو طلحة: (كنت فيمن تغشاه النعاس

стр. 410

يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه (١)). روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحث جحفته من النعاس. ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم .. (٢)﴾. عين قتادة: وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فجاء رسول الله ﷺ فأخذها وردها فعادت كما كانت ولم تضرب عليه بعدها وكان يقول بعدما أسن: هي أقوى عيني! وكانت أحسنهما (٣)). حنظلة غسيل الملائكة: وخرج حنظلة بن أبي عامر إلى رسول الله ﷺ وهو يسوي الصفوف بأحد، فلما انكشف المشركون ضرب فرس أبي سفيان بن حرب فوقع على الأرض وصاح وحنظلة يريد ذبحه. فأدركه الأسود بن شعوب فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه - ومشى حنظلة إليه في الرمح وقد أثبته ثم ضربه الثانية فقتله؟ ونجا أبو سفيان فقال رسول الله ﷺ : إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة. قال أبو أسيد الساعدي: فذهبنا إليه، فإذا رأسه يقطر ماء. فلما أخبر النبي ﷺ بذلك أرسل إلى امرأته فسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب (٤)). حماية رسول الله ﷺ : في الصحيحين عن سعد قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد، وفي رواية يعني جبريل وميكائيل (٥).

стр. 411

وقال نافع بن جبير سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه، ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، فخرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك (١). سهم سعد: وفي مغازي الأموي أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله ﷺ لسعد: أجنبهم - يقول: أرددهم - فقال: كيف أجنبهم وحدي؟. فقال ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر، فقتلته، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه (٢). من المعجزات في الخندق في حفر الخندق: (إنا يوم خندق نحفر فعرضت علينا كدية شديدة فجاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر - ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقا - فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب، فعاد كثيبا أهيل أو أهيم (أي صار رملا لا يتماسك (٣)). وقال البراء: لما كنا يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول. فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاء وأخذ المعول فقال:

стр. 412

بسم الله ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام. والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء مكاني (١). جوع رسول الله ﷺ والمسلمين: كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتت الأكباد. قال أنس: كان أهل الخندق يؤتوون بملء كفي من شعير. فيصنع لهم بإهالة سخنة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي لشعة في الحلق ولها ريح) (٢). وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين (٣). إطعام الله تعالى المسلمين ببركة رسول الله ﷺ : وبهذه المناسبة وقع في حفر الخندق آيات من أعلام النبوة، رأى جابر بن عبد الله رسول الله ﷺ يحفر، ورآه خميصا فأتى امرأته فأخبرها ما رأى من خمص رسول الله ﷺ فقالت: والله ما عندنا شيء إلا هذه الشاة ومد من شعير، قال: فاطحني واصلحي. فطبخوا بعضها، وشووا بعضها، وخبزوا الشعير، ثم أتى جابر رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد صنعت لك طعاما فأت أنت ومن أحببت من أصحابك. فشبك ﷺ أصابعه بين أصابع جابر. ثم قال: أجيبوا جابرا يدعوكم. فاقبلوا معه، فقال جابر في نفسه: والله إنها الفضيحة! وأتى المرأة فأخبرها فقالت: أنت دعوتهم أم هو؟ فقال: بل هو دعاهم! قالت: دعهم، فهو أعلم، وأقبل رسول الله ﷺ وأمر أصحابه، وكانوا فرقا عشرة عشرة. ثم قال لجابر: اغرفوا وغطوا البرمة، وأخرجوا من التنور الخبز ثم غطوه ففعلوا، وجعلوا يغرفون ويغطون البرمة ثم يفتحونها فما يرونها نقصت

стр. 413

شيئا؟ ويخرجون الخبز من التنور ويغطونه فما يرونه ينقص شيئا. فأكلوا حتى شبعوا وأكل جابر وأهله (١). (وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغدى أبوه وخاله، فمرت برسول الله ﷺ فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه. وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه يسقط من أطراف الثوب (٢). إسلام تميم بن مسعود وخطته الناجحة (٣) -: ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي. فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم؟ قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن أرادوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم دخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأبديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، إنه قد بلغني أمر قد رأيت

стр. 414

علي حقا أن أبلغكموه، نصحا لكم فاكتموا عني، فقالوا: نفعل؟ قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه، إنا قد ندمنا على ما فعلنا؟ فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من رقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى حتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه؟ فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين

стр. 415

الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم (١). الريح التي بعثها الله على الأحزاب والجنود التي لم يرها المؤمنون: وبعث الله عليهم الريح في ليالي شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله وصحبتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد؟ قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخى، والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلى رسول ﷺ هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله ﷺ ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني؟ فقال: يا حذيفة، إذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان.

стр. 416

ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع (١) والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل؟ ثم قام إلى حمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ وأن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط (٢) لبعض نسائه، مراجل. فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش. فانشمروا راجعين إلى بلادهم. ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة، والمسلمون ووضعنا السلاح (٣). السمة الخامسة والعشرون التربية الإلهية للنفوس عقب المعارك لقد كانت التربية الإلهية في الحقيقة مستمرة لا تنقطع أبدا في الحضر والسفر، في الجهاد والإقامة، في الغزو وفي المرابطة. كان القرآن يتنزل ليبني هذه الأمة ويصنعها على عين الله سبحانه، وكان النبي ﷺ أمام المربين، يعالج هذه النفوس البشرية حتى تستوي على منهج الله. وهو الخط الذي لم ينقطع أبدا خلال حياة الرسول ﷺ .. وحيث أنه من الصعب التفصيل بكل معالم هذه التربية خلال هذه المرحلة، فيكفي أن نقف مع كتاب الله تعالى، وهو يعالج هذه النفوس

стр. 417

البشرية بعد كل معركة، فيأتي البيان مختلفا في أحيان كثيرة عن العرض البشري للمعركة. بدر وسورة الأنفال ونترك للشهيد سيد قطب ﵀ أن يقدم لنا معالم هذا البيان الرباني بعد المعركة: في هذه الغزوة .. نزلت سورة الأنفال .. نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة وتعرض وراءها فعل القدرة المدبرة لكشف عن قدر الله وتدبيره في وقائع الغزوة، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله، وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة، وبأسلوب القرآن المعجز ... إن هنالك حادثا بعينه في الغزوة يلقي ضوءا على خط سيرها. ذلك هو ما رواه ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه عن بواء (يقول: على السواء). هذا الحادث يلقي ضوءا على افتتاح السورة، وعلى خط سيرها كذلك: لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الوقعة التي جعلها الله فرقانا في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة! ولقد أراد الله سبحانه أن يعلمهم، وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أمورا عظاما .. أراد أن يعلمهم ابتداء أن أمر هذه الوقعة أكبر كثيرا من أمر الغنائم التي يختلفون عليها فسمى يومها يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان. وأراد أن يعلمهم أن هذا الأمر العظيم إنما ثم بتدبير الله وقدره، في كل خطوة وفي كل حركة ليقضي من ورائه أمرا يريده، فلم يكن لهم في هذا النصر وما وراءه من عظائم الأمور يد ولا تدبير، وسواء غنائمه الصغيرة وآثاره الكبيرة، فكلها من فعل الله وتدبيره، إنما أبلاهم فيه بلاء حسنا من فضله!

стр. 418

وأراد أن يريهم مدى الفرق بين ما أرادوه هم لأنفسهم من الظفر بالعير؛ وما أراده الله لهم وللبشرية كلها من ورائهم من إفلات العير، ولقاء النفير، ليروا على مد البصر مدى ما بين إرادتهم بأنفسهم وإرادة الله بهم من فرق كبير! ولأن المعركة - كل معركة يخوضها المؤمنون - من صنع الله وتدبيره، بقيادته وتوجيهه، بعونه ومدده. بفعله وقدره. له وفي سبيله. تكرر الدعوة في السورة إلى الثبات فيها، والمضي معها، والاستعداد لها، والاطمئنان إلى تولي الله فيها، والحذر من المعوقات عنها من فتنة الأموال والأولاد، والاستمساك بآدابها، وعدم الخروج لها بطرا ورثاء الناس، ويؤمر رسول الله ﷺ بتحريض المؤمنين عليها. وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها، ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إليها، فلا تبقى الأوامر معبقة في الفراغ إنما ترتكز على ذلك الأصل الواضح الثابت العميق. ويبرز في سياق السورة بصفة خاصة - إلى جانب خط العقيدة - خط آخر هو خط الجهاد وبيان قيمته الإيمانية والحركية، وتجريده كذلك من كل شائبة شخصية، وإعطائه مبرراته الذاتية العليا التي ينطلق بها المجاهدون في ثقة وطمأنينة واستعلاء إلى آخر الزمان. وأخيرا فإن السورة تنظم ارتباطات الجماعة المسلمة على أساس العقيدة كما أسلفنا، وبيان الأحكام التي تتعامل بها مع غيرها من الجماعات الأخرى في الحرب والسلم - إلى هذه الفترة التي نزلت فيها السورة - وأحكام الغنائم والمعاهدات وتضع خطوطا أصيلة في تنظيم تلك الروابط وهذه الأحكام. هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسة .. فإذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر وفي التعقيب عليها، فإننا ندرك من هذا طرفا من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة، وإعدادها لقيادة البشرية، وجانبا من نظرة

стр. 419

هذا الدين إلى حقيقة ما يجري في الأرض وفي حياة البشر مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة. لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين. فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة ... ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية، لقد كانوا إنما خرجوا ليقطعوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم. فأراد الله للعصبة المؤمنة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة .. أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة، ومكروا مكرهم لقتل رسول الله ﷺ بعدما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى ... لقد أراد الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل، وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي، ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني .. وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم، وتدبر رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر. كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر، وعوامل الهزيمة، تتلقاها مباشرة من مدربها ووليها، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها. وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة؟ وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة. كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب، والغنائم والأسرى، والمعاهدات والمواثيق، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة، كلها مصوغة في أسلوب التوجيه المربي، الذي ينشىء التصور الاعتقادي، ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني، وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها. ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها .. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها، كأن قارىء القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا.

стр. 420

واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول ﷺ وحياة أصحابه في مكة، وهم قلة مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس. ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة، وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله ﷺ وبعدها وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه (١). وإن كان الشهيد سيد قد قدم لنا وصفا حيا عن السورة فسأكتفي بعرض هذه الخطرات من خلال السورة الكريمة ومن وحيها: ١ - لكل أمة نشيد، ونشيدنا نحن الأمة المسلمة سورة الأنفال، فلقد تجاوزت هذه السورة الزمان والمكان، وصارت نشيد المسلمين قبل أية معركة يخوضونها، يتلوها الجيش المسلم كله بصوت واحد. يجأر فيها بالدعاء إلى الله، أن ينزل نصره المؤزر كما أنزل في بدر، وتعلن كتائب الإيمان قبل خوضها المعركة براءتها هن حولها وقوتها وضعفها وعجزها وإيوائها إلى الركن الشديد إلى الله رب العالمين ﴿فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون﴾. ٢ - لقد افتتحت السورة الكريمة بعتاب لصفوة الله من خلقه. لخير أهل الأرض، للذين قال الله تعالى فيهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وبلغ العتاب من الشدة والعنف ما جعلهم يخافون على إيمانهم. ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾.

стр. 421

٣ - وبعد أن يرتفع بقلويهم الوجلة - ويجردهم من ذواتهم وأشخاصهم، يعود بهم بعد هذا التطواف العنيف ليقول لهم في آخر السورة. إنكم أننم المؤمنون حقا، وبالذات. ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾. ٤ - الملائكة عاجزة عن تحقيق النصر، وهي مفتقرة إلى معية الله سبحانه، والذي يحقق النصر، هو رب العالمين وحده. ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم ..﴾ فالملائكة تحتاج إلى تثبيت من الله سبحانه. ٥ - الله تعالى هو الذي يدير المعركة بجنده من البشر والملائكة ضد المحادين لله ورسوله. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾. ٦ - كانت المعالجة من الضخامة على قدر ضخامة النصر، وإلا لاستخفهم النصر حين طاروا فيه، فكما قال الأنصاري سلمة بن سلامة ﵁ حين رأى المسلمين الذين لم يشهدوا المعركة يهنؤون الظافرين: ما الذي تهنؤوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن. فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا ابن أخى أولئك الملأ.

стр. 422

هذا بيان للناس ١ - اهتداؤنا بالبيان يعني أننا مؤمنون. ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾. ٢ - المؤمنون هم الأعلون، وتلك أولى فقرات البيان: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾. ٣ - لا عبرة بالخسائر المادية: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ..﴾. ٤ - المحنة ضرورة، لماذا؟ أ - ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾. ب - ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾. حـ - ﴿والله لا يحب الظالمين﴾. فلو أحبهم الله لاتخذ منهم شهداء. إنها محنة الحب للمؤمنين الصادقين. د - ﴿ليمحص الله الذين آمنوا﴾. هـ - ﴿ويمحق الكافرين﴾. فلا بد أن يتميز المحبون المخلصون من الأدعياء، وشتان شتان، بين التمحيص وبين المحق والإبادة. ٥ - لا جنة بلا جهاد: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾. ٦ - بين الحقيقة والادعاء: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾. ٧ - الارتباط بالرسالة لا بشخص الرسول: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾. ٨ - النصر ثواب الدنيا، والمغفرة ثواب الآخرة: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين﴾. ٩ - الرباني لا يعرف الوهن والضعف: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين﴾.

стр. 423

١٠ - غاية الرباني المغفرة فالثبات فالنصر: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة والله يحب المحسنين﴾. ١١ - الخسارة بطاعة الكافرين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾. ١٢ - الله خير الناصرين، وخير من كل أهل الأرض ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين﴾. ١٣ - الرعب من الله يلقى على الكافرين: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين﴾. ١٤ - النصر تم: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ..﴾. ١٥ - أسباب فقدان النصر: الفشل والتنازع في الأمر وحب الدنيا: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ..﴾. ١٦ - الابتلاء عفو وفضل: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ ولولا عفو الله لانتهى المسلمون، ولأبيدوا. لكن عين الله ترعاهم حتى في الابتلاء والعقوبة. فالمؤمن يفشل، والمؤمن يعصي، والمؤمن يحب الدنيا، فإن عوقب فيها فذلك فضل من الله كبير. ١٧ - لا حزن على عقوبة الخطيئة: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾. ١٨ - الصامدون كوفئوا بالأمن النفسي: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ..﴾ ثم فزعوا من نومهم وكأنهم لم يصبهم من قبل نكبة.

стр. 424

١٩ - المؤمن الضعيف يتزلزل: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. ٢٠ - المعركة تكشف مستويات الإيمان ﴿... وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾. ٢١ - الخطيئة تورث الفرار: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾. فلقد كان التولي نتيجة استدراج من الشيطان، ونتيجة خطأ أو معصية أورثت وهنا في القلب، وضعفا في الإيمان. أدى إلى التولي يوم الزحف، ومن فضل الله عليهم أنه عفا عنهم. وكفاهم من العقوبة الجزع النفسي والندم الداخلي العميق. ٢٢ - الأخوة بين الكافرين والمنافقين: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾. فالحسرة تأكل قلب المنافق من الخوف، وتأكل قلبه جزعا من الموت، ويثاقل إلى الحياة، بل يهيم في حبها، وترتعد فرائصه من الموت. ٢٣ - المغفرة ولقاء الله: ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾. وشتان ما بين من يرى الموت حسرة على ملذاته، وحرقا لفؤاده على شهواته، وبين من يراه زغرودة النصر وربيع الأماني بالمغفرة والرحمة ولقاء الله من المؤمنين). ٢٤ - حدود الرسالة: رحمة ولين، عفو واستغفار وشورى، عزيمة وتوكل: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على

стр. 425

الله إن الله يحب المتوكلين﴾. وكما يقول الشهيد سيد قطب ﵀: (ثم يجيىء الأمر الإلهي بالشورى بعد المعركة كذلك تثبيتا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة - إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته، وإن الأخطاء في مزاولته مهما بلغت من الجسامة لا تبرر إلغاءه .. كما أن المزاولة العملية للمبادىء تتجلى في تصرف الرسول ﷺ عندما رفض أن يعود إلى الشورى بعد العزم، واعتبار هذا ترددا وأرجحة وذلك صيانة لمبدأ الشورى، ومن أن يصبح المؤمنون وسيلة للأرجحة أو الشلل الحركي). ٢٥ - لا نصر إلا من الله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. ونحن أمام شيئين: إما أن نكون كافرين فنبحث عن غير الله، وإما أن نكون مؤمنين. فيجب أن نعتقد اعتقادا جازما أن الذي ينصر هو الله، وأن الذي يخذل هو الله ولا قبل لأحد بحرب الله ولا طاقة. ٢٦ - ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾: فالقائد لا بد أن يكون القدوة لجنده، فكيف إذا كان نبيا القائد الذي يتعب ليستريح جنده، ويفتقر ليغنوا، ويحرم نفسه ليعطيهم، ويجهد ليسعدوا فما يمكن للرسول القدوة أن يغل. إنما يمكن للملأ، للقادة المترفين، لطغاة الأرض ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾. ٢٧ - نعم ليسوا سواء: ﴿أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون﴾. ٢٨ - من الظلمات إلى النور: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. إنها منة الرسالة من الله تعالى لخلقه، وكم الفرق شاسع، وكم النقلة بعيدة بين الضياع في التيه والانبثاق من القرآن). ٢٩ - عودة إلى المعركة. فلماذا المصيبة؟ لماذا الانتكاسة؟. إنها من النفس، إنها من الأعماق، إن الضعف في الداخل، ليس من السلاح، وليس
следующие страницы →