← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٣ - وبعد أن يرتفع بقلويهم الوجلة - ويجردهم من ذواتهم وأشخاصهم، يعود بهم بعد هذا التطواف العنيف ليقول لهم في آخر السورة. إنكم أننم المؤمنون حقا، وبالذات. ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾. ٤ - الملائكة عاجزة عن تحقيق النصر، وهي مفتقرة إلى معية الله سبحانه، والذي يحقق النصر، هو رب العالمين وحده. ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم ..﴾ فالملائكة تحتاج إلى تثبيت من الله سبحانه. ٥ - الله تعالى هو الذي يدير المعركة بجنده من البشر والملائكة ضد المحادين لله ورسوله. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾. ٦ - كانت المعالجة من الضخامة على قدر ضخامة النصر، وإلا لاستخفهم النصر حين طاروا فيه، فكما قال الأنصاري سلمة بن سلامة ﵁ حين رأى المسلمين الذين لم يشهدوا المعركة يهنؤون الظافرين: ما الذي تهنؤوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن. فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا ابن أخى أولئك الملأ.

стр. 422

هذا بيان للناس ١ - اهتداؤنا بالبيان يعني أننا مؤمنون. ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾. ٢ - المؤمنون هم الأعلون، وتلك أولى فقرات البيان: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾. ٣ - لا عبرة بالخسائر المادية: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ..﴾. ٤ - المحنة ضرورة، لماذا؟ أ - ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾. ب - ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾. حـ - ﴿والله لا يحب الظالمين﴾. فلو أحبهم الله لاتخذ منهم شهداء. إنها محنة الحب للمؤمنين الصادقين. د - ﴿ليمحص الله الذين آمنوا﴾. هـ - ﴿ويمحق الكافرين﴾. فلا بد أن يتميز المحبون المخلصون من الأدعياء، وشتان شتان، بين التمحيص وبين المحق والإبادة. ٥ - لا جنة بلا جهاد: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾. ٦ - بين الحقيقة والادعاء: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾. ٧ - الارتباط بالرسالة لا بشخص الرسول: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾. ٨ - النصر ثواب الدنيا، والمغفرة ثواب الآخرة: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين﴾. ٩ - الرباني لا يعرف الوهن والضعف: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين﴾.

стр. 423

١٠ - غاية الرباني المغفرة فالثبات فالنصر: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة والله يحب المحسنين﴾. ١١ - الخسارة بطاعة الكافرين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾. ١٢ - الله خير الناصرين، وخير من كل أهل الأرض ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين﴾. ١٣ - الرعب من الله يلقى على الكافرين: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين﴾. ١٤ - النصر تم: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ..﴾. ١٥ - أسباب فقدان النصر: الفشل والتنازع في الأمر وحب الدنيا: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ..﴾. ١٦ - الابتلاء عفو وفضل: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ ولولا عفو الله لانتهى المسلمون، ولأبيدوا. لكن عين الله ترعاهم حتى في الابتلاء والعقوبة. فالمؤمن يفشل، والمؤمن يعصي، والمؤمن يحب الدنيا، فإن عوقب فيها فذلك فضل من الله كبير. ١٧ - لا حزن على عقوبة الخطيئة: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾. ١٨ - الصامدون كوفئوا بالأمن النفسي: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ..﴾ ثم فزعوا من نومهم وكأنهم لم يصبهم من قبل نكبة.

стр. 424

١٩ - المؤمن الضعيف يتزلزل: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. ٢٠ - المعركة تكشف مستويات الإيمان ﴿... وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾. ٢١ - الخطيئة تورث الفرار: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾. فلقد كان التولي نتيجة استدراج من الشيطان، ونتيجة خطأ أو معصية أورثت وهنا في القلب، وضعفا في الإيمان. أدى إلى التولي يوم الزحف، ومن فضل الله عليهم أنه عفا عنهم. وكفاهم من العقوبة الجزع النفسي والندم الداخلي العميق. ٢٢ - الأخوة بين الكافرين والمنافقين: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾. فالحسرة تأكل قلب المنافق من الخوف، وتأكل قلبه جزعا من الموت، ويثاقل إلى الحياة، بل يهيم في حبها، وترتعد فرائصه من الموت. ٢٣ - المغفرة ولقاء الله: ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾. وشتان ما بين من يرى الموت حسرة على ملذاته، وحرقا لفؤاده على شهواته، وبين من يراه زغرودة النصر وربيع الأماني بالمغفرة والرحمة ولقاء الله من المؤمنين). ٢٤ - حدود الرسالة: رحمة ولين، عفو واستغفار وشورى، عزيمة وتوكل: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على

стр. 425

الله إن الله يحب المتوكلين﴾. وكما يقول الشهيد سيد قطب ﵀: (ثم يجيىء الأمر الإلهي بالشورى بعد المعركة كذلك تثبيتا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة - إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته، وإن الأخطاء في مزاولته مهما بلغت من الجسامة لا تبرر إلغاءه .. كما أن المزاولة العملية للمبادىء تتجلى في تصرف الرسول ﷺ عندما رفض أن يعود إلى الشورى بعد العزم، واعتبار هذا ترددا وأرجحة وذلك صيانة لمبدأ الشورى، ومن أن يصبح المؤمنون وسيلة للأرجحة أو الشلل الحركي). ٢٥ - لا نصر إلا من الله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. ونحن أمام شيئين: إما أن نكون كافرين فنبحث عن غير الله، وإما أن نكون مؤمنين. فيجب أن نعتقد اعتقادا جازما أن الذي ينصر هو الله، وأن الذي يخذل هو الله ولا قبل لأحد بحرب الله ولا طاقة. ٢٦ - ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾: فالقائد لا بد أن يكون القدوة لجنده، فكيف إذا كان نبيا القائد الذي يتعب ليستريح جنده، ويفتقر ليغنوا، ويحرم نفسه ليعطيهم، ويجهد ليسعدوا فما يمكن للرسول القدوة أن يغل. إنما يمكن للملأ، للقادة المترفين، لطغاة الأرض ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾. ٢٧ - نعم ليسوا سواء: ﴿أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون﴾. ٢٨ - من الظلمات إلى النور: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. إنها منة الرسالة من الله تعالى لخلقه، وكم الفرق شاسع، وكم النقلة بعيدة بين الضياع في التيه والانبثاق من القرآن). ٢٩ - عودة إلى المعركة. فلماذا المصيبة؟ لماذا الانتكاسة؟. إنها من النفس، إنها من الأعماق، إن الضعف في الداخل، ليس من السلاح، وليس

стр. 426

من تكالب الأعداء. إنها من النفس، ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾. ٣٠ - المصيبة للتميز والتطهير: إنها بإذن الله، وعلمه وإرادته، لا بد من تميز الصف، لا بد من كشف المؤمن من المنافق، لا بد من تطهير الصف الداخلي، لا بد من صدق التعاقد مع الله. ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبمهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾. كيف يمكن أن يكون هؤلاء المتخاذلون الخائرون المنافقون مثل من قدموا دمهم وحياتهم ولحمهم دون رسول الله، ولو تم النصر وانتهت المعركة في الجولة الأولى لبقي كثير من النوعيات الخائرة المتخاذلة التي همت أن تفشل في جانب الادعاء والتبجح. ٣١ - أما مقام الشهداء فيا له من مقام: (لقي رسول الله ﷺ جابر بن عبد الله فقال: يا جابر ألا أحدثك عن أبيك؟ - قلت: بلى يا رسول الله. قال: إن الله لم يكلم أحدا شفاها وكلم أباك فقال: تمن يا عبدي. فقال: يا رب أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل ثانية في سبيلك. فقال الله له: أما هذه فقد سبق القول مني أنهم إليها لا يرجعون. تمن غير ذلك. فقال: يا رب أخبر إذن إخواننا الذين في الدنيا أننا أحياء في الجنة نأكل ونتنعم حتى لا ينكلوا عن الجهاد (١)، ولا يتخلفوا عن رسول الله. فأنزل الله : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم

стр. 427

ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (١)﴾. ٣٢ - تحدي الطاغوت: وبالرغم من الجراحات التي أثقلت جند الله، كان الجيش يخرج مع إطلالة الفجر لملاحقة المشركين ومطاردتهم. نستمع إلى مشاعر الجيش وآلامه على لسان أحد جنوده الذي يقول: شهدت أحدا مع رسول ﷺ أنا وأخ لي. فرجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو. قلت لأخي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها. وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحا. فكان أخي إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى له المسلمون (٢). أما بيان الله تعالى عن الحملة فكان: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾. ٣٣ - حسبنا الله ونعم الوكيل: أبو سفيان تحتقن روحه في حلقه يوم عاد مع جيشه دون أن يستأصل شأفة المسلمين، وقلبه يخفق رعبا من أن يلحق به جيش محمد. فحاول تحقيق نصر مزعوم بأن قال لوفد بني عبد القيس: (إذا وافيتموه - أي رسول الله - فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم). فجاءت شهادة الله تعالى بجنده المؤمنين: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾. ٣٤ - الفئة المسلمة صفوة الله من خلفه: وقد تكون مثخنة بالجراح، وقد تكون عبقة بالآلام، وقد تكون مثقلة بالتضحيات، ولكنها تبقى صفوة

стр. 428

الله من خلقه ولو تبجح الكفر وتمرد، فهذه في ميزان الله خواء. فالمواساة إذن من الله يوم تطبق الأرض على المؤمنين فيقول الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإبمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب اليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾. ٣٥ - ليميز الخبيث من الطيب. هذه سنة الله تعالى مع جنده المؤمنين، وهذه خلاصة المحنة وهذه زبدة الدرس التربوي الخالد المستمر على مر العصور. ﴿وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾. وما كانت محنة أحد إلا تطبيقا عمليا لهذا الدرس ولهذه السنة، السنة الثابتة المستمرة على مر العصور ابتدأت ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾. وانتهت: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب (١)﴾. مع سورة بني النضير كان لهذه السورة صدى طيب عظيم في نفوس المسلمين، فهي أول نصر تحقق بعد المحن المتتابعة: أحد والرجيع وبئر معونة. والغيظ من اليهود وقد بلغ ذروته حيث أنهم أظهروا الشماتة للمسلمين بعد محنتهم، وأظهروا العداوة، وحاولوا اغتيال الرسول ﷺ . فكانت شفاء للصدور المؤمنة، وبلسما للجراح الراعفة، وفضيحة للمنافقين المتواطئين مع اليهود، وذلك في معالم واضحة:

стр. 429

١ - الله تعالى أخرج اليهود من حصونهم: - فلم يكن يتصور المؤمنون أنهم قادرون على إخراجهم وإذا بالنصر المؤزر يتحقق بأن البيوت تخرب بأيدي المؤنين، وبأيدي اليهود أنفسهم، وهذه سنة الله تعالى في دحر المشاقين والمصادير له. ﴿وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (١)﴾. ٢ - واستغل اليهود حادثة قطع نخيلهم، وراحوا يتحدثون عن الفساد فيه، ومحمد ينهي عن الفساد. وكاد الأمر يلتس على بعض المؤمنين. فنفى الله تعالى الحرج عنهم، ثم أكد لهم بعد ذلك أن النصر الذي تحقق لم يتحقق بجهد المؤمنين، إنما تحقق بقذف الرعب في قلوب الكافرين. ومن أجل هذا كان الفيء كله لرسول الله ﷺ ، مع ربط هذه الأمور جميعا بالعبودية لله وطاعة رسوله ﴿... وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (٢)﴾. ٣ - ولئن حرم المؤمنون الفيء: فلم يحرموا الثناء من رب العباد، المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، إنما بقي الفيء للفقراء المؤمنين. ولعل هذه الصورة تعطينا الحكمة من هذا الثناء على هذا الجيل الفريد: لما غنم رسول الله ﷺ بني النضير بعث ثابت بن قيس فدعا الأنصار كلها - الأوس والخزرج - فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم، وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال: إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، لإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول

стр. 430

الله بل نقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادته الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : اللهم ارحم الأنصار واأبناء الأنصار، وقسم ما أفاء الله عليه على المهاجرين دون الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق وكان سيفا له ذكر (١). ٤٠ - ثم كانت فضيحة المنافقين، وكشف خيانتهم وتواطئهم مع بني النضير على حرب المسلمين، وكشف جبنهم وكدرهم، إنهم أحقر من أن يواجهوا المسلمين وجها لوجه، وإن اليهود مثل المنافقين لا يقابلون المسلمين إلا وهم خلف حصوضهم ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ (٢). ٥ - ثم تأتي الفقرة الأخيرة من السورة عقيدة خالصة، وتسبيحا وتنزيها لله تعالى رب السموات والأرض، مع تذكير المؤمنين بحسن الإبانة، ودعوة المنافقين إلى التوبة. إنها آيات تبني عقيدة وتصورا، كما تبني نفوسا صادقة ممحضة الولاء له. مع آيات الأحزاب في سورة الأحزاب ١ - لئن كانت المعركة قد استمر الحصار فيها للمسلمين بضعا وعشرين ليلة. فشتان ما بين الحصارين لقد انتهى حصار اليهود باستسلامهم وجلائهم أذلاء صاغرين عن المدينة. مخلفين وراءهم بيوتهم وأرضهم غنيمة للمؤمنين. بينما انتهى حصار قريش وغطفان لرسول الله ﷺ وللمؤمنين بالفشل الذريع لقريش وغطفان، ولخص القرآن الكريم المعركة كلها بآية واحدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾.

стр. 431

٢ - ومع ذكر النعمة فلا بد من استعادة ذلك الجو الصعب، والظرف الدقيق، والحظر الداهم الذي نزل بالمسلمين. وكيف وصلوا إلى حالة قريبة من اليأس ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾. ٣ - ثم التميز المطلوب بعد كل محنة، وفضيحة المنافقين وحصرهم، وفرارهم من المعركة بحجة أن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا﴾. ٤ - ثم الثناء العطر على المؤمنين بثباتهم على الحق وإخلاصهم لله. ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾. ٥ - ثم فضل الله تعالى على المؤمنين، من مرحلة ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ أقول من هذه المرحلة إلى مرحلة: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا كفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا (١)﴾. لقد كانت آياث سورة الأحزاب. تشيع الجو النفسي الجديد، بارتفاع المحنة، وكشف الغمة، وتضع معالم المرحلة القادمة من النصر المؤزر الذي افتتح بالقضاء على يهود بني قريظة فضاء تاما، ووراثة أرضهم وديارهم وأموالهم، وشتان ما بين حصار وحصار. حصار بني قريظة الذي انتهى ﴿فريقا تقتلون وتأسرون فريقا﴾ وحصار المؤمنين الذي انتهى، ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ..﴾.

стр. 432

لقد انتهت مرحلة الدفاع، وابتدأت مرحلة الهجوم،. مرحلة انتشار الإسلام في الأرض. وانسياح هذا الدين في الوجود: (الآن نغزوهم ولا يغزونا). وما أحوجنا إلى فقه سمات كل مرحلة لنكون على بينة منها، ونحن نشق طريقنا الجديد لإقامة دولة الإسلام في الأرض، ونعرف موطن القدوة والأسوة. وتتمثل السمات نفسها لكل مرحلة. دون أن نعسف الطريق، ونتعجل الخطى، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وإلى معالم المرحلة الجديدة وسماتها. في الجزء القادم إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 433

الفهرس الموضوع .................................................... الصفحة الجزء الأول .................................................. ٥ بين يدي البحث .............................................. ٧ ماذا نعني بالمنهج الحركي .................................... ١٥ المرحلة الأولى: سرية الدعوة وسرية التنظيم .................... ١٧ ١ - الدعوة سرا ............................................... ١٩ ٢ - قيام الدعوة على الاصطفاء ............................... ٢١ ٣ - العمل من خلال ثقافة الداعية ومركزه ..................... ٢٢ ٤ - الدعوة عامة ............................................. ٢٤ ٥ - دور المرأة في المرحلة السرية ............................. ٢٧ ٦ - الصلاة .................................................. ٢٧ ٧ - معرفة قريش بخبر الدعوة ................................ ٢٨ ٩ - المعايشة بين المسلمين وغيرهم ........................... ٣٠ ٩ - التركيز على بناء العقيدة ................................. ٣٠ ١٠ - الجهر بالدعوة بعد بناء النواة الصلبة .................... ٣١ المرحلة الثانية: جهرية الدعوة وسرية التنظيم ................... ٣٧ ١ - دعوة الأقربين ........................................... ٤١ ٢ - الإعراض عن المشركين ................................. ٤٣ ٣ - معالم الدعوة الجديدة ..................................... ٤٤

стр. 434

٤ - الدعوة عامة ....................................................................... ٤٦ ٥ - سرية التنظيم ...................................................................... ٤٨ ٦ - القرآن مصدر التلقي ............................................................... ٥٠ ٧ - اللقاء المنظم المستمر .............................................................. ٥١ ٨ - الصلاة خفية في الشعاب ........................................................... ٥١ ٩ - التركيز على الجانب الروحي ....................................................... ٥٣ ١٠ - الدفاع عن النفس عند الضرورة ................................................... ٥٦ ١١ - تحمل الأذى والاضطهاد في سبيل الله ............................................ ٥٨ ١٢ - السماح للضعفاء في إظهار تغيير دينهم .......................................... ٦٠ ١٣ - محاولة إنقاذ المستضعفين بكل الوسائل الممكنة ................................... ٦٠ ١٤ - الطريق الثانية للحماية عن طريق الهجرة .......................................... ٦٣ ١٥ - البحث عن مكان آمن للدعوة وقاعدة جديدة للانطلاق .............................. ٦٦ ١٦ - الاستفادة من قوانين المجتمع المشرك (الحماية والجوار) ............................ ٦٨ ١٧ - المحاولات السلبية من العدو في المواجهة .......................................... ٧٤ ١٨ - المحاولات الإيجابية في الحرب .................................................... ٧٦ ١٩ - الجهرية الثانية، إسلام حمزة، إسلام عمر ........................................... ٧٨ ٢٠ - إعلان التحدي ودور الشخصيات القيادية فيه ....................................... ٨٥ ٢١ - ملاحقة العدو لتجمعات المسلمين وإحباط المسلمين لهذه الملاحقة .................... ٨٩ ٢٢ - عبقرية الوفد الإسلامي في حوار الملوك ............................................ ٩٤ ٢٣ - لا مساومة على العقيدة ............................................................ ٩٧ ٢٤ - إثارة الحرب في صف حلفاء المسلمين ............................................. ٩٨ ٢٥ - المفاوضات المباشرة بين رسول الله ﷺ وقريش .................................. ١٠١ ٢٦ - تحييد بعض الشخصيات والبطون ................................................. ١٠٧ ٢٧ - التجمع القبلي لحماية القيادة ....................................................... ١١٠ ٢٨ - الحصار الاقتصادي والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة وحلفائها ....................... ١١٣ ٢٩ - التفجرات الجاهلية تحطم الحصار والمقاطعة ....................................... ١١٨

стр. 435

٣٠ - دور المرأة في هذه المرحلة جهادا ودعوة وسرية .................................. ١٢١ ٣١ - المقاومة السلمية ............................................................... ١٢٣ ٣٢ - الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى .................... ١٢٥ ٣٣ - عدم التنازل عن جزئية واحدة من أجل الحماية .................................. ١٢٧ المرحلة الثالثة: مرحلة قيام الدولة ...................................................... ١٣١ ١ - طلب المنعة خارج مكة .......................................................... ١٣٣ ٢ - طلب الإجارة من العدو في مكة .................................................. ١٣٧ ٣ - طلب المنعة والحماية لتبليغ الدعوة من القبائل .................................... ١٤٠ ٤ - فشل المساومات ................................................................. ١٤٨ ٥ - توجيه الأنظار لمركز الانطلاق .................................................. ١٥٢ ٦ - البيعة الأولى وقيمها الجديدة ..................................................... ١٥٦ ٧ - الإذن بالقتال .................................................................... ١٥٩ ٨ - التهيئة لمباحثاث قيام الدولة ..................................................... ١٦٢ ٩ - البيان السياسي (البيعة) ......................................................... ١٦٥ ١٠ - توثيق البيان وإقراره ............................................................ ١٦٩ ١١ - تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب ........................................... ١٧٣ ١٢ - القيادة تحدد المعركة ........................................................... ١٧٥ ١٣ - القيادة تحدد ميلاد الدولة الإسلامية ............................................. ١٧٨ ١٤ - ابتداء الحرب الإعلامية بين الدولتين .......................................... ١٨٢ ١٥ - اختيار الأرض وسرية التجمع فيها والهجرة إليها ................................ ١٨٤ ١٦ - اجتماع العدو للقضاء على القيادة ............................................ ١٨٦ ١٧ - عبقرية التخطيط البشري في الهجرة ............................................ ١٨٨ ١٨ - قاعدة جديدة تنضم إلى الإسلام .............................................. ١٩٩ ١٩ - أول إعلان رسمي لشعائر العبادة ............................................... ٢٠٠ ٢٠ - نجاح الخطة ووصول القائد الأعلى إلى مركز القيادة ........................... ٢٠٢

стр. 436

الجزء الثاني: .................................................................... ٢٠٥ المرحلة الأولى: مرحلة تأسيس الدولة وتنتهي بغزوة الخندق ........................ ٢٠٧ (مواصفات المرحلة الأولى) ١ - الهدنة مع الأعداء ما عدا قريشا وحلفاءها .................................... ٢٠٩ ٢ - بناء القاعدة الصلبة ......................................................... ٢١٢ ٣ - إعلان إسلامية الدولة ....................................................... ٢١٥ ٤ - لا خيار من المعركة ........................................................ ٢١٧ ٥ - التجمع الوثني في المدينة ................................................... ٢١٩ ٦ - تفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية .................................... ٢٢١ ٧ - محاولة تفتيت الصف الإسلامي ............................................. ٢٢٥ ٨ - العدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته ......................................... ٢٢٨ ٩ - الخطر على القيادة .......................................................... ٢٢٩ ١٠ - حالة الحرب، وتجمع القوى كلها ضد المسلمين .............................. ٢٣١ ١١ - إعلان الحرب على العدو ................................................... ٢٣٢ ١٢ - التميز الإسلامي قبيل المواجهة .............................................. ٢٣٣ ١٣ - المواجهة الحاسمة في بدر والفرقان فيها ...................................... ٢٣٨ ١٤ - معسكر المنافقين بروزه وخطره وتحجيمه ...................................... ٢٤٧ ١٥ - الوجود اليهودي في المدينة وإنهاؤه ........................................... ٢٨١ ١٦ - ليل المحنة الطويل وخطره .................................................. ٣١٥ ١٧ - تباشير النصر في قلب المحنة .............................................. ٣٤٣ ١٨ - عمليات الاغتيال وأثرها في بث الرعب في صفوف العدو .................... ٣٤٥ ١٩ - الحرب الاعلامية ودورها في المعركة ........................................ ٣٥٨ ٢٠ - ازدياد العدد والعدة .......................................................... ٣٧٠ ٢١ - الجهد البشري في البذل .................................................... ٣٧٢ ٢٢ - دور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها .................................... ٣٨٣ ٢٣ - عبقرية التخطيط القيادي ................................................... ٣٩٤ ٢٤ - النصر الإلهي في قلب المحن .............................................. ٤١٦ ٢٥ - التربية الإلهية للنفوس عقب المعارك ........................................ ٤٢٦

стр. 437

رقم الإيداع بدار الكتاب: ١٩٨٥/ ٢٨٩٧

стр. 438

منير محمد الغضبان المنهج الحركي للسيرة النبوية القسم الثالث مكتبة المنار

стр. 439

المنهج الحركى للسيرة النبوية القسم الثالث

стр. 440

كافة حقوق الطبع محفوظة مكتبة المنار الأردن - الزرقاء

стр. 441

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 442

تمهيد المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة الخط العام الذي ينتظم هذه المرحلة هو الخط السياسي. لكن ضمن إطار القوة المكافئة. فتعاظم قوة المسلمين، وتحولهم إلى شوكة مرهوبة الجانب أتاح لقائد الدعوة محمد ﷺ الفرصة لعرض أفكاره وهيأ النفوس للاستماع لها إذ أن الناس قلما يصغون إلى غير القوي. وكما نشهد اليوم الحرب الدعائية بين الدولتين القويتين في العالم إذ تتقاسمان مناطق النفوذ، وأن هذه الدول قلما تضطر لاستعمال قوتها العسكرية إلا تحت ضغط الظروف الطارئة. نجد تلك الصورة في ذلك الوقت. صحيح أن غزوة الخندق لم تحقق نصرا قويا للمسلمين. لكنها أكدت في الوقت ذاته أن المسلمين قوة لا تقهر، وفشل أضخم هجوم عربي على المدينة. يعني أن الكفة بدأت بالرجحان لصالح المسلمين. وجعل هذا الأمر عند المشركين يأسا قاتلا من إمكانية الانتصار على محمد صلوات الله وسلامه عليه. وكان رسول الله ﷺ حريصا كل الحرص على أن يعمق هذا المعنى في صفوف المشركين. فراح يطاردهم في أعماق أرضهم، وهو ينفذ القول الذي أعلنه: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) وسنعرض للسمات المحددة لهذه المرحلة بالتفصيل: السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين ولعل عرض المقريزي لغزوة بني لحيان يوضح هذه السمة حيث كانت غزوة تحمل طابع حرب الأعصاب أكثر مما تحمل طابع الحرب النظامية .. فلقد كانت قوة المسلمين فيها لا تعدو مائتي رجل معهم عشرون فارسا. وكانت المهمة بث الرعب في صفوف العدو، والثأر لأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه الذين غدر بهم بنو لحيان وقتلوهم، وكان هذا الأمر قبل سنتين من هذا الموعد. أما الهدف الأول فقد تحقق حين فر بنو لحيان وتمنعوا في رؤوس الجبال ولم يجرؤوا على المواجهة ولكن لهذا الهدف آمادا أبعد وأعمق.

стр. 443

يقول عليه الصلا والسلام: (لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة (١)) وتحرك بقوته لعسفان، ولم يكتف بهذا الأمر بل أقدم على خطوة أشد خطورة، فبعث أبا بكر ﵁ إلى كراع الغميم التي تبعد عن مكة أميالا عدة في عشرة فوارس. وكان الهدف واضحا من هذا التحدي كما تقول رواية الواقدي: (إن هذا يبلغ قريشا فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم. وكان خبيب بن عدي يومئذ في أيديهم. فخافوا أن يكون جاء ليخلصه (٢). وإن كان الهدف الثاني لم يتحقق، من حيث الأخذ بالثأر المادي من بني لحيان. لكن الخوف الذي لزم بني لحيان، جعلهم يشعرون بخطورة المسلمين في المنطقة. ولم يكن إختيار أبي بكر بهذه الفوارس العشرة ليمضي إلى كراع الغميم، اختيارا عشوائيا. بل كان مرتبطا بالهدف ارتباطا وثيقا. فأبو بكر المهاجر ابن مكة. يعرف القاصي والداني في الأرض الحجازية. وليس نكرة عند أهل كراع الغميم. بل هو الصاحب الأول لمحمد رسول الله. ويكفي أن نذكر أن بين الخندف التي كان المسلمون فيها محاصرون. وبين بني لحيان التي تحول المؤمنون فيها إلى مهاجمين أقل من خمسة أشهر. وهذا يعني التنفيذ العملي للكلمة الخالدة: (الآن نغزوهم ولا يغزونا). وهذه دروس عميقة للحركة الإسلامية. فالقيادة حين تعلن هدفا أو موقفا، أو تعد بعملية معينة. وتتلكأ في التنفيذ تفقد ثقة قواعدها بها، وتزلزل طبيعة العلاقة بين طرفي الجماعة المسلمة. فالتجسيد العملي للكلمة هو الذي يكسب احترام العدو والصديق. صحيح أن هذه الغزوة لم تحمل في ثناياها أنباء انتصارات عسكرية حاسمة. لكنها أصابت كبد العدو، وبثت الذعر في قلبه، وغزته في عقر داره ومن جهة ثانية، رفعت معنويات الجيش المسلم، وأعادت إليه الثقة في نفسه بعد الحرب الطاحنة في غزوة الخندق. وانتصار المسلمين في بني قريظة. رغم رفعه المعنويات الضخمة للمسلمين. لكنه لم ينه عقدة التفوق القرشي عندهم، وكانت هذه الغزوة كفيلة بمحو هذه العقدة. ودرس آخر تحتاجه الحركة الإسلامية اليوم، هو أن رسول الله ﷺ رافق الحملة إلى عسفان، التي تبعد أميالا عن مكة. وهو الهدف الأول من العدو، وكان بإمكانه ﵊ أن يبعث في هذه الغزوة مئات بل ألوفا من أصحابه. لكنه مع ذلك آثر أن يرافق الحملة بنفسه، لرفع معنويات أصحابه كذلك، ودفع بأعز القادة عنده إلى كراع

стр. 444

الغميم ليؤكد ضرورة الالتحام العملي بين قيادة الأمة ورعيتها. وفكرة أن لا تذهب دماء المسلمين هدرا فكرة إسلامية أصيلة. فتحرك رسول الله ﷺ إلى بني لحيان للثأر لأصحاب الرجيع، وذلك بعد مرور سنتين على اغتيالهم والغدر بهم يعني درسا ثالثا للحركة الإسلامية، أن الثأر من الطغاة فيما يقتفرون من جرائم. هو الذي يردع هؤلاء الطغاة ويسقط الأمر في أيديهم. إن طبيعة الحرب لا تقبل التضحيات فقط، ولا تقبل الخسارة من جانب واحد فقط. بل لا بد أن يشعر الجندي المسلم بقيمته عند قيادته، وكرامة دمه عند جماعته. فهناك من يثأر له، وهناك من يدافع عنه، أما أن يحس الجندي المسلم أنه مدفوع به للذبح والتضحية، وقيادته في حصن حصين من العدو، فلا يمكن أن يتابع الطريق مهما ارتفع المستوى الإيماني عنده. وأخيرا فحاجة الحركة الإسلامية إلى الهجوم على العدو بعد المحنة هي خط أصيل في طبيعة المعركة مع العدو كي يستعيد الجيش ثقته بنفسه. لقد رأينا رسول الله ﷺ يلاحق قريشا بعد أحد بثلاثة أيام في حمراء الأسد وها هو يصل إلى مشارف مكة بعد الخندق بأربعة أشعر. كي يبقى الجيش على تحفزه وترقبه واقتناعه بقدرته الحربية وكفاءته القتالية كذلك. وحري بنا أن نفقه هذه الدروس، ونتعلم من خلالها أسباب أزمة الثقة التي تسود أحيانا الصف المسلم بين قيادته وقاعدته، وحين نهتدي بهداها نجد أن هذه الأزمة تذوب وتتلاشى بمثل هذا الالتحام وهذه التضحيات. السمة الثانية: حديث الإفك واخترت هذا العنوان، على طبيعته، لأصل بهذا المصطلح الخاص إلى النص العام الذي لا بد أن يشعر به أبناء الصف المسلم وخطورة أخذهم بالإشاعة دون تثبت وكيف أن الإشاعة كفيلة بتحطيم هذا الصف كله. إنه وإن تجسد باتهام الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂. لكنه صورة قد تتكرر في كل جيل وتضع النيل من القيادة هدفا رئيسيا لا بد من تحطيمه، وحين تعجز القوة المادية عن النيل من القيادة فليس أمام العدو إلا الحرب المعنوية على هذه القيادة وتحطيمها من خلال هذه الحرب ولذلك لن نتناول حادثة الإفك كحدث تاريخي بتفصيلاته ودروسه. ولكننا سنتناوله من خلال حرب الإشاعة التي يبثها العديو المنبث في الصف ضد القيادة.

стр. 445

وأهم ما في هذا الحدث هو أن مصدر الفرية - على ما يبدو - هم المنافقون تحت راية زعيمهم عبد الله بن أبي، وحين يتحصن الصف من الفرية. وتبقى في صافوف المنافقين فلا خطر منهم ولا هم لكن عندما تنتقل إلى داخل الصف المسلم فتسرى فيه سريان النار في الهشيم عندئذ يبدو خطرهم الكبير. والنص القرآني حين تحدث عن هذه الحادثة. كان يخاطب الصف المسلم أكثر مما يخاطب صف المنافقين. ويحمل على المؤمنين الصادقين الذين تأثروا بهذه الفرية، واستجابوا للحديث في الظنة دون بينة والنقاط المحددة التي نعرض لها في هذا الحديث المؤتفك هي ما يلي: أولا: البعد عن مظان التهمة واجب أساسي على الصف المسلم، وعليه أن يعلم - وخاصة القيادة - أنه هدف لأنظار العدو والصديق، فيتجنب ما استطاع البعد عن موطن الريبة. ثانيا: عدم الأخذ بالإشاعة كما يقول القرآن الكريم: ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأوالئك عند الله هم الكاذبون﴾ (١) وأي خبر غير موثق بالنسبة للفرد المسلم هو مرفوض عنده، وليعلم هذا الأخ أن رواية الإشاعة، وتناقل الخبر غير الموثق تحيله إلى أخ كاذب .. وهذا حكم القرآن في أمثال هؤلاء. هم الكاذبون عند الله، ولو لم يفتر الكذب. لو كان نقله صدقا محصنا عمن سمع منه فهو عند الله تعالى من الكاذبين. ثالثا: ليبق الميزان الحساس في الحكم على الإشاعة هو الميزان الذاتي. فلا بد من ثقة الأخ بإخوانه ثقته بنفسه، وقد أقر القرآن الكريم هذا الميزان وأثنى عليه وذلك بمناسبة الحديث الذي جرى بين أبي أيوب الأنصاري وزوجة أم أيوب ﵄ إذ قالت لزوجها: (أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب قالت: لا والله ما كنت لأفعله. فقال: فعائشة والله خير منك) (٢) ونتمنى لكل أخ وهو يثير الإشاعة بحق أخيه أو قيادته أن يحسب على أقل تقدير أن أخاه أو مسؤوله ليس أقل حرصا على دينه منه، وليس أقل دينا وورعا منه. ولو نفذ هذا الميزان الذاتي. لانهارت الإشاعة وانهار الإفك من جذوره. رابعا: أن لا يتدخل الهوى إطلاقا في قضية النقل للإشاعة والمساهمة فيها وصورتان متنافرتان لاتباع الهوى في الإفك، وللتبرؤ منه والصورتان هما لأختين مسلمتين شقيقتين الأولى: هي زينب بنت جحش ﵂، والثانية: لأختها حمنة

стр. 446

بنت جحش فقد أورد المقريزي عن زينب هذا الحوار بينها وبين رسول الله ﷺ : قالت: (حاشى سمعي وبصري، ما علمت عليها إلا خيرا. والله ما أكلمها وإني لمهاجرتها وما كنت أقول إلا الحق) (١). وأن تستطيع ضرة أن تكتم هواها فلا تمضي في الإشاعة يدل على المستوى العظيم الذي بلغته هذه المرأة المسلمة والأفق العالي الذي ارتقت عليه. وهذا ما دعا عائشة ﵂ أن تبرىء ساحة زينب من ولوغها في هذه الفرية. تقول ﵂، (ما كان أحد يساميني عند رسول الله ﷺ إلا زينب بنت جحش) فقد وضعتها في موقعها الصحيح من طبيعة المنافسة مع عائشة ﵄، لكنها مع ذلك لم تجد حرجا من الثناء عليها في هذا الموقف فقالت: (أما زينب فقد عصمها الله بدينها فلم تقل شيئا). أما الموقف الثاني، فهو موقف أختها حمنة, التي انطلقت في الإشاعة تنقلها من بيت إلى بيت، ولا شيء يقف في وجهها، وذلك ثأرا لأختها زينب. تقول عائشة ﵂: (أما أختها حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها فهلكت). ولا نتمالك من الإعجاب العظيم بعائشة ﵂، إذ استطاعت أن تفصل بين الموقفين للأختين الشقيقتين. ولم تحمل زينب شيئا من وزر أختها حمنة. خامسا: موقف المفترى عليه، هو أثقل الأدوار وأضخمها في حديث الإفك. والمنهج الذي يجب أن يسود في هذا الصدد هو أن لا يقابل الافتراء بافتراء آخر ولا تقابل الإشاعة المؤتفكة بإشاعة أخرى. وأن يتمالك الأخ المفترى عليه فلا يطلق لسانه في أعراض الآخرين ولو اعتدي عليه حتى تتم براءته وتبرئته. هو موقف أصيل ندعو إليه هذا الأخ في هذا المجال. ونلحط موطن القدوة من العناصر الثلاثة الذين نيل من عرضهم في حديث الإفك. أولهم: محمد رسول الله ﷺ ، وهو سيد الأمة والبشرية. وهو الحاكم والقائد، وبيده السلطة، وبإشارة واحدة منه يمكنه أن ينهي حياة الوالغين في عرضه ; ومع ذلك لم يملك في هذا الأمر بعد أن استشار كبار أصحابه إلا أن يخطب في المسلمين قائلا على المنبر بعد أن حمد الله وأثى عليه أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهل ويقولون عليهم

стр. 447

غير الحق والله ما علمت منهم إلا خيرا. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي)). وعندما وقعت الأزمة بين الفريقين الأوس والخزرج لم يكن ليملك ﵊ إلا أن يكون حكما بينهما رغم أن أحد الفريقين يدافع عن الوالغين في عرض عائشة ﵂ والآخر يهاحمهم ومع ذلك، فقد أرضى الفريقين ولم يتحيز لأحدهما لأنه لا يملك البينة ليرد بها على الفريق المتهم، وحتى عندما تجاوز صنوان ﵁ في ثورته لنفسه وضرب حسان بن ثابت على اتهامه لم يسنده رسول الله ﷺ من الخلف ويشجعه على تجاوزه قبل صدور البينة مع أنه يبرىء أحب الناس إليه عائشة ﵂، وقد حضر حسان وصفوان عند رسول الله ﷺ ولنستمع إلى تلك المحاكمة الهادئة للجنديين المتجاوزين! (قال صفوان بن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله ﷺ لحسان: أحسن يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك قال: هي لك يا رسول الله. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم: أن رسول الله ﷺ أعطاه عوضا عنها. . . وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان) (١). وهكذا كلفت ضربة صفوان لحسان أرضا وجارية وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت بعد عفوه عن صفوان بن المعطل، وكان هذا العطاء لمن ينشد الشعر في اتهام زوجته ويمضي في الإشاعة دون توقف. وثانيهم: هو أبو بكر ﵁ وزوجه أم رومان وقد نزل بهم من البلاء ما لم ينزل بمسلم وأقصى ما قالته أم عائشة التي تعرض عرضها للثلم والإهانة: أي بنية خفضي عليك الشأن. فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. ولم يتمالك أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن يقول: (ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر. والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد الله، فيقال لنا في الإسلام!!). وثالثهم: عائشة ﵂ التي لم تنته عن البكاء حتى ظنت أن البكاء سيصدع كبدها.

стр. 448

وحين ووجهت بالأمر من رسول الله ﷺ يسألها عن الحديث فقالت: (إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم فصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم الله أني منه بريئة لتصدقنني. وإني والله ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون). إنها مواقف لا يحمل التاريخ لها مثيلا من أطهر أهل الأرض يوصمون بشرفهم وعرضهم. ومع ذلك فلم يخرج أحد منهم عن طورره، ولا أطلق لسانه في عرض أحد، وضبط كل واحد منهم أعصابه، وأما الذي خرج عن طوره فهو صفوان بن المعطل ﵁، وضرب حسان بالسيف وكاد الأمر أن يستفحل لولا أن عالجه رسول الله ﵊. إنه أدب الإسلام العظيم مع الذين يرددون الإشاعة ويسيرون في الإفك قبل أن تعرف أنها إفك أوإشاعة. سادسا: والموقف الأخير الذي نستخلصه من حديث الإفك هو عقوبة المفترين اللاغطين المثيرين للفتنة. فلا يكفي أن تثبت براءة المتهم، ولا يكفي أن تدفع القيادة عنها قالة السوء وانتهى الأمر. بل لا بد في الصف المسلم من العقوبة الصارمة مع من يثير الإشاعة ويسعى في نشرها بعد التثبت منها. وما تعانيه الحركة الإسلامية اليوم هو إهمال ملاحقة مثير الإشاعة وناقل الإفك، وبذلك لا تنتهي الجماعة من فتنة إلا وتقع في أخرى. ويكفي أن نعلم أن حكم الإسلام كان في هؤلاء الثلاثة الذين ساروا في الإفك، مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، أن أقيم عليهم حد القذف ثمانين جلدة، وإن كانت بعض الروايات تشير إلى أن هذا الحد طبق فيما بعد ولم ينفذ عليهم لأنهم خاضوا في التهمة قبل نزول الحدود. والحديث عن هذه السمة يأتي في هذه المرحلة لأن تاريخ الدعوة لم يشهد مثيلا لها من قبل وفي الصف المسلم بالذات وطبيعة المرحلة إذن هي أن الإشاعة تسري حين يضعف البناء الداخلي ويستجيب لها. لكن عندما تنشغل الأمة بالجهاد والمواجهة. فقلما تستطيع الإشاعة أن تفعل فعلها في النفوس. السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة في هذه المرحلة تم زواج رسول الله ﷺ من خمس نساء هن: زينب بنت جحش، أم حبيبة بنت أبي سفيان، جويرية بنت الحارث، صفية بنت حيي، ميمونة بنت الحارث، ﵅ جميعا.

стр. 449

وحين نقارن بين زواج هذه المرحلة وسابقتها، نلاحظ فرقا واضحا في الاتجاه يحدد ملامح المرحلة نفسها ونستطيع القول إن سمة الزواج في المرحلة السابقة ينصب على بناء وتمتين الصف الداخلي، بينما تظهر سمة الزواج في هذه المرحلة من خلال العمل على كسب الصف الخارجي وجعله معبرا لنشر الدعوة في الأرض العربية. ولنقف لحظات سريعة عند كل واحدة منهن: أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، وقد عقد عليها رسول الله ﷺ وهي في أرض الحبشة وأكرم غربتها في سبيل الله بعد ردة زوجها عبيد الله بن جحش، وكونها ابنة زعيم قريش ذات دلالة ضخمة على تقريب القلوب وتأليفها من هذا القائد الكبير. ولقد رأينا أثر هذا الزواج قريب فتح مكة حيث جاء أبو سفيان ونزل ضيفا على رسول الله ﷺ وفي بيت ابنته ولا يزال على شركه، وموقفه من الدعوة. ولا نشك أن موقف ابنته منه من خلال فراش رسول الله ﷺ ورغم أنه جرحه في أعماقه. لكن كان له أكبر الأثر الخفي في أن يعيد النظر في مواقفه وعدائه للدعوة. وأن يفقه من خلاله عظمة هذا الدين وعظمة رجاله ونسائه. لقد طوت فراش رسول الله ﷺ عن أبي سفيان فقال لها: (يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ . وأنت رجل نجس على شركك، فقال: والله لقد أصابك بعدي شر) (١). وللتعرف على أثر هذا الزواج في نفس أبي سفيان نلاحظ أنه بعد إسلامه يعرض ابنته الثانية على رسول الله ﷺ للزواج منها، فيعتذر رسول الله أنه لا يحل له ذلك. زينب بنت جحش، وهي زوجة مولاه زيد، ﵁ وقد هاب رسول الله ﷺ هذا الزواج هيبة عظيمة تحدث عنها القرآن بقوله جل وعلا: (.. وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ..) (٢) لكن الأمر الرباني جاءه بذلك ليحطم العادة المستأصلة في المجتمع عادة التبني من خلال الواقع العملي بعد القرار النظري ولتعلم الدنيا ذلك كما يقول القرآن الكريم. ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ..﴾ (٣) وإن كان هذا الزواج يحتمل صفة البناء الداخلي فهو يحمل كذلك صفة البناء الخارجي إذ أن زينب ﵂ هي أول امرأة غير قرشية يتزوجها ﵊ فهي من بني أسد وإن كانت ابنة عمته.

стр. 450

جويرية بنت الحارث: وهي ابنة سيد بني المصطلق، وكان زواجها سببا في فداء أهلها وقبيلتها من الأسر، ثم سببا في إسلام قومها، ونستمع إلى أثر هذا الزواج عند ابن إسحاق ﵀: قال ... وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ، وأرسلوا ما بأيديهم. قالت: (أي عائشة: فلقد اعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق , فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها) (١). صفية بنت حيي: وهي ابنة حيي بن أخطب أكبر أعداء الإسلام وقد قتل في بني قريظة لكن الزواج من صفية فيما بعد كان له آفاق أبعد وأعمق. إذ أنه ربط أهل الكتاب برابطة المصاهرة وعندما كانت عائشة ﵂ تعير صفية بأنها من سلالة يهود كان رسول الله ﷺ يغضب ويقاطعها ويقول لصفية قولي لها أن أبي موسى وعمي هارون. وهذا العمل الاجتماعي الضخم يعني كثيرا في مفهوم الدعوة. ويعني أن التعايش بين المسلمين وبين أهل الكتاب قائم. ولو أدى إلى نكاح نسائهم. فالمرأة حين تعيش الإسلام سوف يصفو قلبها بعد وتدخل في الإسلام كما يتآلف قلب طائفتها في هذا المجتمع. وعلى غرار هذا المستوى كان زواج رسول الله من مارية القبطية والتي ربط زواجها بأمة كاملة إذ قال: (استوصوا بالقبط خيرا فإن لي فيهم نسبا وصهرا). وقد أثرت هذه الدعوة فيما بعد وحدت بأهل مصر أن يدخلوا في دين الله أفواجا حين رأوا حسن معاملة المسلمين لهم تنفيذا لوصية رسول الله ﵊. وكان من حكمة الله تعالى في هذا الأمر أن رسول الله ﷺ لم يرزق ولدا بعد خديخة إلا من مارية ﵂. وكان ولده إبراهيم قد استأثر بحب النبي ﷺ . أكبر استئثار ولم يتمالك ﵊ من القول بعد وفاته: (إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون). وتدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون).

стр. 451

ميمونة بنت الحارث الهلالية: وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ . وقد حرص ﵊ أن يستثمر هذا الزواج في تقريب قلوب قريش بعد عمرة القضاء إذ قال لهم عندما جاؤوا لإيذانه بالخروج من مكة: (وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعت طعاما؟ فقالا: لا حاجة لنا في طعامك أخرج عنا: ننشدك الله والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا) (١). وهذه السمة ذات دلالة واضحة على الاتجاه العام في تأليف قلوب الخصوم وتقريبهم للإسلام وأن الجهاد السياسي قد يكون من وسائله الناجعة الزواج والمصاهرة من الخصوم. وما أحوج شباب الإسلام إلى هذا الفقه السياسي والأفق الواسع في فهم طبيعة هذا الدين إن الشباب المسلم كثيرا ما يتحمس في قضية التميز والمفاصلة. حتى يتحجر على نفسه، وينغلق على ذاته، ويجعل سدا منيعا على أفراده، فلا يدخل في الصف الإسلامي أحد ولا يحرص على دخولهم في الأصل، وتسيطر عليه فكرة الحرب والكراهة لأعداء الله، وفكرة الإذلال والإهانة لهم، وينسى أنه داعية قبل كل شيء وأن هدفه الأخير كذلك أن يدخل الناس في دين الله أفواجا وبالتالي فلا بد أن يدرك الداعية أن هداية هؤلاء الخصوم ودخولهم في الإسلام هو الهدف الأول، وليس ذبحهم والقضاء عليهم، وأن تآلف كبار الخصوم وربح قلوبهم هو ربح لقلوب أتباعهم جميعا ونتمنى أن يفرق الأخ بين أساليب التأليف والتحبيب بالإسلام وبين أساليب المداهنة في دين الله والتنازل عن الإسلام في سبيل ذلك. وشيء آخر ما أحوج دعاة الإسلام إليه. فالزواج نفسه قد مسخ عن مفهومه الأول واقترب في الواقع العملي وفي صفوف شباب الإسلام من الزواج الكهنوتي النصراني، حيث أن التعدد قد أصبح نشازا في الصف الإسلامي، وأصبح غريبا غربة اقتراف المنكر. وقادة الدعوة هم المثل المقتدى به في هذه الدعوة فلا بد أن يكونوا نماذج حية في تطبيق هذا الفهم النبوي في جعل الزواج والتعدد وسيلة من وسائل بناء الدعوة وتقريب القلوب والالتحام مع الخصوم والأصدقاء وما رأيناه من إقدام رسول الله ﷺ على الزواج من زينب وتحطيم عادة التبني من خلال الزواج بمطلقة متبناه وما تحمله من مواجهة المجتمع الجاهلي الذي يحرم هذا الزواج حتى يزيل الحرج عمليا عن المؤمنين في الإقدام على هذا الزواج هو دفع للدعاة الكبار أن يتأسوا برسول الله ﷺ وينقلوا قضية الزواج من مفهومها المحدود حيث البحث عن الجمال والبكر والسن الصغير للارتقاء بها إلى الأفق الواسع الذي يشيع المودة والرحمة

стр. 452

بين أبناء الأمة جميعا ورفع مستوى المرأة الثيب وزوجات الشهداء إلى المستوى الكريم اللائق بهن أنهن محط أنظار القيادة ولسن من المحرومات اللواتي انصرف النظر عنهن فقط لأنهن ثيبات. إنها مسؤولية جسيمة يضطلع بها الدعاة وأخص بالذكر القيادات لوضع الزواج في وظيفته الاجتماعية العامة وجعل الكفاءة حقيقة من خلال الدين والخلق لا من خلال الجمال والحسب والبكارة ومن خلال مصلحة الإسلام العليا لا من خلال الرغبة الجنسية المحدودة. والنظر إلى الزواج على أنه وسيلة هامة من وسائل الدعوة لا على أنه معيق من معيقاتها ولا بد أن تتدرب الأخوات المسلمات كذلك على هذه المعاني ويلجمن أهواءهن وأنانيتهن وغيرتهن وأمام مصلحة الإسلام وعقيدة الإسلام ومصلحة أخواتهن اللاتي لم يكن لهن من ذنب إلا أن فقدن أزواجهن في سبيل الله. السمة الرابعة: الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية لئن كانت غزوة بني لحيان إرهاصا لابتداء المرحلة الجديدة. فلقد كانت عمرة الحديبية هي التنفيذ العملي البين لقوله ﵊ (الآن نغزوهم ولا يغزونا) ولكن هذا الغزو لم يكن غزوا عسكريا بحتا. بل كان غزوا سلميا يهدف العمرة إلى البيت الحرام لكن لا يغيب عن ذهن رسول الله ﷺ أبعاد هذه العمرة. وأنه قد يلقى مقاومة مسلحة. غير أن التحرك السياسي في الاتجاه الجيديد كان لا بد منه (وقد استنفر الأعراب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا - أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت-. فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس على حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له .. وكان جابر بن عبد الله يقول كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة ..) (١). ولن نستطيع دراسة صلح الحديبية من كل جوانبه. لكننا سنعالج هذا الجانب في هذه السمة ونرجىء الحديث عن الفتح المبين في السمة التالية.

стр. 453

أما مظاهر هذا الصف القوي الموحد فقد بدت على الصور التالية: أولا: إن مجرد استجابة المهاجرين والأنصار للنفير هو دليل حي على مدى الطاعة والالتزام والانضباط في هذا الصف، فبعد أقل من سنة على غزوة الأحزاب كان هذا التحرك بهذا العدد الضئيل ألف وخمسمائة فلا ينسى المسلمون أن الأحزاب غزوهم بعشرة آلاف مقاتل. فكيف يتحرك هذا الجمع الضئيل من المئات إلى مشارف مكة. ولا شك أن الدافع الإيماني القوي هو الذي حدا بالمسلمين إلى الإستجابة. إذ أن رسول الله ﷺ قص عليهم رؤياه أنه دخل البيت وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت، وعرف مع المعرفين (١)، وإنها لجرأة متناهية أن يغامر المسلمون بألف وخمسمائة رجل يتجهون بهم إلى مكة التي تعلن الحرب عليهم. ثانيا: وكانت حرب الأعصاب الأولى التي تلقاها هذا الصف المسلم بعسفان حيث لقيه بشر بن سفيان قائلا له: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل (٢) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال ﵊ يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (٣)، (٤). وعندما يسمع جيش هذا الوصف لتحرك قريش بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها لمواجهة محمد ﷺ لا بد أن يصيبه الذعر ويتخلخل من الرعب وتنتشر به الفوضى وصراع الآراء لكن جيش النبوة الملتزم بقيادته قد تجاوز هذه المرحلة والضعفاء المخذولون المتخاذلون ولو كانوا موجودين في داخل الجيش هم أجبن من أن يرفعوا عقيرتهم بالمخالفة أو يظهروا هلعهم وجبنهم ويدعوا إلى الإستسلام أو الفرار. فأي قوة في الصف تعدل هذه القوة؟ لكن الجانب الآخر من القضية هو الجانب السياسي. فهذه أول مرة يعلن فيها رسول الله ﷺ رغبته في تجنب الحرب مع قريش ودعوتها إلى المهادنة، وذلك صمن خط

стр. 454

واضح متميز أن يقفوا على الحياد بينه وبين العرب، ولم يكتف ﵊ بذلك، إنما أوضح أبعاد هذا الموقف بأنه لصالح قريش سواء انتصر محمد ﵊ أم لم ينتصر. وفي هذا كبح لجماح التهور القرشي من الاستمرار في المعركة. وفتح لآفاق الدعوة أن تخطو الطريق الذي سدته قريش من كل جانب. إنه السلام القائم على مصلحة قريش ذاتها قبل أن يكون مصلحة المسلمين. إلا أن هذا الكلام يعني من طرف آخر خفي أن وهنا قد حل بالمسلمين فراحوا يبحثون عن الحل السلمي للابتعاد عن المواجهة فكان لا بد من اسماعهم منطق القوة الذي يفهمون فيه. وهو: (فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) إنه المنطق المتوازن الذي لا يريد الحرب للحرب إنما لإظهار هذا الدين وإعلانه وهو جاهز لأن يتفهم وجهة نطر الخصم، غير أن هذا المنطق لا يعني خللا في القوة أو وهنا في الصف ونحن نرى الصف القوي هنا كذلك بعد إعلان النبي ﷺ عن استعداده لخوض المعركة دون أن يعترض جندي واحد على ذلك، في الوقت الذي خرج الجيش فيه للعمرة لا للقتال. ثالثا: والتحام الصف الإسلامي مع قيادته يبدو جليا كذلك في أثناء عرض عضلات قريش من قادة وفودها وذلك على أربعة نمانج. النموذج الأول: وهو بديل بن ورقاء الخزاعي. وهو أقرب ما يكون لمحمد ﷺ لما بين خزاعة ومحمد من ود. واعتبرت قريش أن هذا الرجل كفيل بأن يثني محمدا عن عزمه على دخول مكة. فأخبرهم ﵊ أنه لا يريد حربا. وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما له واسرع بديل ليقول لقريش: إن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا لهذا البيت. فقالت قريش لهم: وإن كان جاء لا يريد قتالا. فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب. النموذج الثاني: مكرز بن حفص حيث حدد ﵊ طبيعته. قائلا: هذا رجل غادر وقال له مثل ما قال لبديل. وكان الأمر حتى الآن طبيعيا لا يثير حفيظة هذا الجيش القوي.

стр. 455

النموذج الثالث: وقصدت به قريشا أن تعلم محمدا أن قريشا ليست وحدها في المعركة، بل معها القبائل المجاورة لمكة. فالحليس بن علقمة سيد الأحابيش (١). ولم تفت هذه القضية رسول الله ﷺ . فقال للمسلمين: إن هذا من قوم يتألهون (٢) فابعثوا في وجهه الهدي حتى يراه، فلما رأى الهدي. رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى. فقال لهم ذلك. فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. وغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفاكم، ولا على هذا عاقدناكم، لتخلن بين محمد وما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. والدلالة في هذا النموذج صارخة على العبقرية العظيمة للنبوة حين صرف سيد الأحابيش وقد تبنى رأيه بالعمرة دون أن يلقاه، وكاد صف مكة الداخل أن يتفجر وتقع المواجهة بين الأحابيش وقريش لولا أن تداركت قريش الأمر وأصلحته مع الرجل، ومع ذلك فقد أصبح في صف مكة تيار قوي، أعلن عن رأيه بضرورة السماح لمحمد ﷺ بالاعتمار، وهدد بالسلاح ما لم يتم تنفيذ ذلك، وقد تم هذا الأمر حتى دون لقاء بين رسول الله ﷺ وسيد الأحابيش. بحسن اختيار الأسلوب المناسب الذي يفهم به هذا الرجل، وهو بعث الهدي في وجهه. النموذج الرابع: وقصدت به قريشا حربا نفسية كذلك لمحمد وأصحابه لتعلمه أن ثقيفا مع قريش حليفة في هذه المواجهة. فبعثت بأذكى وأدهى ما عندها ليفت في أعضاد أصحاب محمد ﷺ ، وكان تخطيط قريش أن مجرد رؤية عروة بن مسعود زعيم ثقيف يأتي ممثلا لقريش في هذه المفاوضات كفيل بأن يزلزل هذا الصف المتين. فكيف إذا استعمل خبثه ودهاءه. ولننظر إلى هذه الحرب السياسية من المنتصر فيها في نهاية المطاف. (خرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد: أجمعت أوشاب (٣) الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك (٤) لتفضها (٥) بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول

стр. 456

الله ﷺ قاعد، فقال: امصص بظر اللات. أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد: قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها، قال. ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه. والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسوله الله ﷺ في الحديد. قال فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: أكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس ... فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وإلا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم) (١). فلقد عاد عروة بن مسعود بعد هذه الجولة داعية لمحمد ﷺ على غير وعي منه بدل أن يحمس الناس على حربه لقد هزمت قريش وهزم عروة أمام صلابة الصف المسلم الذي أبدى من ضروب الطاعة والانضباط والالتزام ما أذهل عروة وهزمه في أعماقه لقد بالغ المسلمون في إظهار الطاعة أمام العدو الغادر ما لم يفعلوه من قبل، وجيش هذا طبيعته وهذه نفسيته. يجابه به قوى الأرض لا قريش وحدها أو قريش ومعها ثقيف والأحابيش، حتى الهادىء الوديع الحليم أبو بكر ينقلب أمام عدو الله ليثا يزأر، ويتهكم بأسلوب فج من عروة سيد ثقيف وعقله حين أراد أن يفتن الصف بتخويفه من قوة قريش ويضرب القيادة بالقاعدة فيثني عزيمة محمد عن الحرب لتفرق أصحابه عنه فكان لا بد أن يسمع ما يكره بأسلوب ما عهد عن أبي بكر قط ﵁. وكلام غير عفيف يجعل عروة في جحره لا يتعداه وكان الرد الثاني أعنف وأشد من المغيرة بن شعبة فلئن اعتدت قريش بعروة الثقفي معها فالبطل الثقفي المغيرة هو سيف محمد صلوات الله عليه ولا يفل الحديد إلا الحديد إن عظمة النبوة السياسية التي لا تدانيها عظمة هي في حسن استعمال اللين في محله والعنف في محله .. لقد ارتد كيد قريش في نحرها، وهزمت نفسيا أمام محمد صلوات الله عليه وصحبه وجنده وراحت تعالج أمرها بعد خطبة ابن مسعود فيها من باب المفاوضة لا من باب التهديد والمواجهة وصار الصف المسلم القادم إلى العمرة بألف وخمسمائة أقوى بألف مرة من صف قريش وثقيف والأحابيش الذي تزعزع وهدد بعضه بالسلاح. إنه درس عظيم للحركة الإسلامية، درس للقيادة التي تتقن فن التعامل مع العدو فتحطم أعصابه، وتهز نفسه من الأعماق وتتعامل مع الخصوم كل حسب طبيعته ونفسيته.

стр. 457

ودرس إلى القاعدة كي تفقه معنى الالتزام والانضباط خاصة أمام العدو وعلى أرضه فتكون كلها سهما واحدا ويدا واحدة وقلبا واحدا في مواجهة العدو. رابعا: وكانت المحاولة الرابعة من قريش في إيجاد ثغرة في الصف المسلم , من خلال عملية فدائية كلف بها حوالي خمسين من قريش علهم ينالوا بعضا من أصحابه أسرا أو قتلا فيجزع المسلمون ويحاولون إيقاع الرعب فيه. فماذا كانت النتيجة؟! أخذوا جميعا أسرى بيد المسلمين حيث ظفر بهم محمد بن مسلمة قائد حرس المسلمين. وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم ورموا بالنبل والحجارة. فرماهم المسلمون وأسروا منهم اثني عشر فارسا. وكانت هذه العمليات المرتجلة من قريش صدمة عنيفة أخرى لهم. وكانت مع آراء الوفود كفيلة بأن توقع الوهن في صف العدو. وترى كم يسر الجنود المسلمون حين يرون بين ظهرانيهم خمسين رجلا واثني عشر فارسا أسرى بيدهم. خامسا: وكانت محاولا عرض العضلات الأخيرة والتهديد بالسلاح من قريش هي من خلال خيلهم التي كان على رأسها خالد بن الوليد. ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى المسلمين فصف خيله فيما بينهم وبين القبلة. فقدم رسول الله ﷺ عباد بن بشر في خيله. فقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر فأذن بلال وأقام، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه مستقبل القبلة وهم خلفه، يركع بهم ويسجد ثم قاموا فكانوا على ما كانوا عليه من التعبئة. فقال خالد بن الوليد. قد كانوا على غرة. لو كنا حملنا عليهم أصبنا منهم. ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم , فنزل جبريل ﵇ بين الظهر والعصر بهذه الآية ﴿وإذا كنت فيهم ..﴾ فحانت العصر فصلوا صلاة الخوف (١). يقول خالد ﵁: فعلمت أن الرجل ممنوع. لقد غزي قائد فرسان قريش في أعماقه، وأيس من النصر. فمن الذي أعلم محمدا بما بيته من غدر؟ لقد عرف خالد بن الوليد أنه أعجز من أن ينال شيئا من محمد. وأضيف هذا الرصيد من الوهن إلى الرصيد السابق فأسقط في يد قريش. وعرفت أن لا جدوى من المواجهة ففكرت في المصالحة.

стр. 458

وها هما الصورتان متقابلتان صورة الصف المسلم الملتحم القوي المصمم على الثبات، وصورة الصف المتناقض في الرأي والمهزوم نفسيا في أعماقه من هؤلاء المئات القلائل. سادسا: وكانت الصورة المقابلة التي لا بد أن يقوم بها رسول الله ﷺ هو أن يبعث بسفير من عنده يسمع مباشرة من قريش وينقل لهم وجهة نظره حتى لا تلتبس الأمور فكان. (وبعث رسول الله ﷺ إلى قريش خراش بن أمية على جمل لرسول الله (س) ليبلغ أشرافهم أنه إنما جاء معتمرا. فعقر الجمل عكرمة بن أبي جهل وأرادوا قتله فمنعه من هناك من قومه فرجع فأراد النبي ﷺ أن يبعث عمر بن الخطاب ﵁ فخاف على نفسه، وأشار بعثمان ﵁. فبعثه ليخبرهم: إنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، ومعنا الهدي ننحره وننصرف فأبوا على عثمان أن يدخل عليهم رسول الله ﷺ ، ورحب به أبان بن سعيد بن العاص وأجاره، وحمله من بلده إلى مكة وهو يقول، أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزة الحرم، فبلغ عثمان من بمكة ما جاء فيه، فقالوا جميعا: لا يدخل علينا محمد عنوة أبدا .. وبلغ النبي ﷺ بعد إقامة عثمان بمكة ثلاثا أنه قتل، وقتل معه عشرة رجال مسلمون قد دخلوا مكة بإذن رسول الله ﷺ ليروا أهاليهم .. وأم رسول الله ﷺ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية جميعا، فجلس في رحالهم وقد بلغه قتل عثمان ﵁، ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكو. فما بقي لهم متاع إلا وطئوه ثم لبسوا السلاح وهو معهم قليل. وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها، وشدت سكينا في وسطها وكان رسول الله ﷺ يبايع الناس وعمر بن الخطاب ﵁ آخذ بيده فبايعهم على ألا يفروا، وقيل بايعهم على الموت .. فبايعوه إلا الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعير .. وبعثت قريش إلى عبد الله بن أبي بن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل فقال له ابنه: يا أبت أذكرك الله أن تفضحنا في كل موطن، تطوف ولم يطف رسول الله ﷺ فأبى حينئذ وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله فبلغ رسول الله كلامه فسر به) (١). الحرب بين الفريقين قائمة، وخراش بن أمية الخزاعي يقابل بديل بن ورقاء الخزاعي فخزاعة مسلمهم ومشركهم عليه نصح لرسول الله ﷺ وهي مع قريش كذلك. ومن أجل هذا وجد من يمنعه من قومه عندما تعرض للقتل. وكانت الشخصية الثانية المرشحة للسفارة هي عمر بن الخطاب ﵁، ولعل ما نزل بخراش من جهة وحقد قريش على عمر ﵁ من جهة ثانية وكون شوكة بني عدي في مكة ضعيفة كل هذه العوامل حدت بعمر ﵁ أن يبسط عذره بين يدي قائده

стр. 459

لأن سفارته لن تحقق الهدفا المطلوب منها ومن أجل ذلك قال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي. وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان. وقبل رأي ابن الخطاب دون تردد. فليس هو محل تهمة أو ظنة. لكن لكل أمر رجاله. وعثمان للسفارة خير من عمر، مع العلم أن السفارة في الجاهلية كانت عند بني عدي، غير أن مكة اليوم يتقاسم النفوذ فيها بنو مخزوم وبنو أمية، ومن أجل ذلك وجد عثمان ﵁ من يحميه حتى يؤدي رسالة رسول الله ﷺ ، وكان لعثمان كذلك مهمة سرية أخرى هي الاتصال بالمؤمنين في مكة ودعوتهم إلى الصبر والثبات حتى يأذن الله تعالى بالفتح من عنده. ولما فرغ من تأدية رسالته عرضوا عليه أن يطوف بالبيت. فأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله. وكان هذا درسا بليغا في الالتزام حتى ولو كان طواف الكعبة الذي يحلم به المسلم منذ سنين خلت، لكنه لم ينفذ أمرا حتى يرجع إلى قيادته فيسألها. وامتنع عن الطواف قبل طواف النبي ﵊. وحين يلتزم الجندي بأمر قائده عند الأعداء رغم الإحراجات الكثيرة من عشيرته. فهذا يعني أن الولاء لن يكون إلا لله ورسوله. لكن هذا الولاء لم يمنع من قبول حماية أبان بن العاص أحد قادة بني أمية، وما أحوجنا إلى أن نفرق بين القضيتين. لأن الأولى لا علاقة لها بطبيعة المهمة، وتتم المهمة بدونها أما الثانية فهي صلب مهمة عثمان ﵁. فلم يجد حرجا أو إثما بقبول إجارة أبان بن سعيد. وننتقل إلى المعسكر الإسلامي وقد بلغه إشاعة مقتل عثمان ﵁. وكان لهذه الإشاعة وقع البارود المتفجر فيه. فمضى رسول الله ﷺ إلى أعز معقل من معاقل الأنصار إلى منازل بني مازن بن النجار، وأخبرهم بأمر البيعة. (فأقبل الناس عليه حتى تداكوا فما بقى متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل ..). يقول ابن إسحاق: (فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت .. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر). وإنه لمن أغرب ما روى التاريخ من ولاء والتزام ونصرة. لقد خرج القوم للعمرة، وألحوا على رسول الله ﷺ أن يحملوا السلاح. فرفض ذلك وقال: لست أحمل السلاح إنما خرجت معتمرا. وساهم في هذا الرأي قادة المهاجرين والأنصار. ومع ذلك فها هو يدعوهم إلى المواجهة

стр. 460

والموت فيتزاحمون إلى البيعة حتى لا يبقى متاع إلا وطئوه. لقد أصبح الصف الإسلامي من القوة والتلاحم بحيث نكاد نقول أن النفاق قد انتهى منه. وحين نذكر أن المنافقين كانوا بضعة عشر في غزوة الأحزاب، فها نحن لا نجد وجودا لهم في الحديبية. إن الصورة الواقعية في عالم الأسباب تقول أن لا يستجيب للبيعة على الموت والمواجهة إلا أفراد قلائل. لأن القوم لم يخرجوا للقتال، وقائدهم أكد لهم أن خروجه للعمرة، ولم يعدوا سلاحا لذلك، وما نعلمه عن عالم الأحزاب اليوم في مثل هذه الحالة أن يغتال القائد ويحاكم بتهمة توريط الجيش في الهلاك. أما أن يسارع الجيش كله للبيعة ويتزاحم عليها. فهذا يعني أن النفاق في هذه المرحلة قد ولى كأمس الدابر، وأن ينفرد رجل واحد من هذا الجيش فيختبىء بظل بطن ناقته ولا يبايع، وأن يكون عبد الله بن أبي من بين المبايعين. فهذا يعني أن الجيش الإسلامي قد تجاوز أزمته. وأجهز على عناصر الضعف فيه. ونذكر مع هذا الالتزام العجيب النسوة الأربع اللاتي شاركن الحملة. فقد شاركن في البيعة كذلك، وكأني بأم عمارة ﵂، وقد التمع بعينيها بريق أحد بعد أن تسلحت بعمود البيت وشدت السكين على وسطها وجددت بيعتها كما بايعت يوم العقبة. لتكون مع الصف المسلم المقاتل وهؤلاء النسوة القليلات هن اللاتي شددن نظر عروة بن مسعود، وكان مما قاله لقريش: (رأيت نسيبات معه. إن كن ليسلمنه أبدا على حال) (١). ولم يفكر جندي واحد من هذا الصف القوي أن يعتب على قائده ﵊ الذي يطلب منه الآن البيعة على الموت، وقد جاء به إلى العمرة ومنعه أن يهيء سلاحه. ومن قوة هذا الالتزام كذلك أن نجد عبد الله بن أبي الذي جاءه وفد خاص من قريش يدعونه ليدخل مكة ويطوف بالحرم، وكان بإمكان ابن أبي أن يهتبل الفرصة. ويطوف بالكعبة في عز حراب قريش. لكن ظل ابنه عبد الله والموقف الرهيب الذي وقفه منه يوم المريسيع ووضع السيف على عنقه آنذاك عاد فارتسم أمامه. وابنه يذكره بالله فما كان من زعيم النفاق إلا أن رضخ لهذا الجو العام، وأحنى رأسه للعاصفة وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله. وهذا درس عظيم للجماعة المسلمة تتعلم منه أصول الانضباط والسمع والطاعة للقيادة. وكانت البيعة هي محك الرجال فلم يتخلف منهم أحد بل سارع النساء إليها كذلك.
следующие страницы →