الله ﷺ قاعد، فقال: امصص بظر اللات. أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد: قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها، قال. ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه. والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسوله الله ﷺ في الحديد. قال فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: أكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس ... فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وإلا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم) (١).
فلقد عاد عروة بن مسعود بعد هذه الجولة داعية لمحمد ﷺ على غير وعي منه بدل أن يحمس الناس على حربه لقد هزمت قريش وهزم عروة أمام صلابة الصف المسلم الذي أبدى من ضروب الطاعة والانضباط والالتزام ما أذهل عروة وهزمه في أعماقه لقد بالغ المسلمون في إظهار الطاعة أمام العدو الغادر ما لم يفعلوه من قبل، وجيش هذا طبيعته وهذه نفسيته. يجابه به قوى الأرض لا قريش وحدها أو قريش ومعها ثقيف والأحابيش، حتى الهادىء الوديع الحليم أبو بكر ينقلب أمام عدو الله ليثا يزأر، ويتهكم بأسلوب فج من عروة سيد ثقيف وعقله حين أراد أن يفتن الصف بتخويفه من قوة قريش ويضرب القيادة بالقاعدة فيثني عزيمة محمد عن الحرب لتفرق أصحابه عنه فكان لا بد أن يسمع ما يكره بأسلوب ما عهد عن أبي بكر قط ﵁. وكلام غير عفيف يجعل عروة في جحره لا يتعداه وكان الرد الثاني أعنف وأشد من المغيرة بن شعبة فلئن اعتدت قريش بعروة الثقفي معها فالبطل الثقفي المغيرة هو سيف محمد صلوات الله عليه ولا يفل الحديد إلا الحديد إن عظمة النبوة السياسية التي لا تدانيها عظمة هي في حسن استعمال اللين في محله والعنف في محله .. لقد ارتد كيد قريش في نحرها، وهزمت نفسيا أمام محمد صلوات الله عليه وصحبه وجنده وراحت تعالج أمرها بعد خطبة ابن مسعود فيها من باب المفاوضة لا من باب التهديد والمواجهة وصار الصف المسلم القادم إلى العمرة بألف وخمسمائة أقوى بألف مرة من صف قريش وثقيف والأحابيش الذي تزعزع وهدد بعضه بالسلاح.
إنه درس عظيم للحركة الإسلامية، درس للقيادة التي تتقن فن التعامل مع العدو فتحطم أعصابه، وتهز نفسه من الأعماق وتتعامل مع الخصوم كل حسب طبيعته ونفسيته.
стр. 457
ودرس إلى القاعدة كي تفقه معنى الالتزام والانضباط خاصة أمام العدو وعلى أرضه فتكون كلها سهما واحدا ويدا واحدة وقلبا واحدا في مواجهة العدو.
رابعا: وكانت المحاولة الرابعة من قريش في إيجاد ثغرة في الصف المسلم , من خلال عملية فدائية كلف بها حوالي خمسين من قريش علهم ينالوا بعضا من أصحابه أسرا أو قتلا فيجزع المسلمون ويحاولون إيقاع الرعب فيه. فماذا كانت النتيجة؟!
أخذوا جميعا أسرى بيد المسلمين حيث ظفر بهم محمد بن مسلمة قائد حرس المسلمين. وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم ورموا بالنبل والحجارة. فرماهم المسلمون وأسروا منهم اثني عشر فارسا.
وكانت هذه العمليات المرتجلة من قريش صدمة عنيفة أخرى لهم. وكانت مع آراء الوفود كفيلة بأن توقع الوهن في صف العدو.
وترى كم يسر الجنود المسلمون حين يرون بين ظهرانيهم خمسين رجلا واثني عشر فارسا أسرى بيدهم.
خامسا: وكانت محاولا عرض العضلات الأخيرة والتهديد بالسلاح من قريش هي من خلال خيلهم التي كان على رأسها خالد بن الوليد.
ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى المسلمين فصف خيله فيما بينهم وبين القبلة.
فقدم رسول الله ﷺ عباد بن بشر في خيله. فقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر فأذن بلال وأقام، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه مستقبل القبلة وهم خلفه، يركع بهم ويسجد ثم قاموا فكانوا على ما كانوا عليه من التعبئة. فقال خالد بن الوليد. قد كانوا على غرة. لو كنا حملنا عليهم أصبنا منهم. ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم , فنزل جبريل ﵇ بين الظهر والعصر بهذه الآية ﴿وإذا كنت فيهم ..﴾ فحانت العصر فصلوا صلاة الخوف (١).
يقول خالد ﵁: فعلمت أن الرجل ممنوع.
لقد غزي قائد فرسان قريش في أعماقه، وأيس من النصر. فمن الذي أعلم محمدا بما بيته من غدر؟ لقد عرف خالد بن الوليد أنه أعجز من أن ينال شيئا من محمد. وأضيف هذا الرصيد من الوهن إلى الرصيد السابق فأسقط في يد قريش. وعرفت أن لا جدوى من المواجهة ففكرت في المصالحة.
стр. 458
وها هما الصورتان متقابلتان صورة الصف المسلم الملتحم القوي المصمم على الثبات، وصورة الصف المتناقض في الرأي والمهزوم نفسيا في أعماقه من هؤلاء المئات القلائل.
سادسا: وكانت الصورة المقابلة التي لا بد أن يقوم بها رسول الله ﷺ هو أن يبعث بسفير من عنده يسمع مباشرة من قريش وينقل لهم وجهة نظره حتى لا تلتبس الأمور فكان. (وبعث رسول الله ﷺ إلى قريش خراش بن أمية على جمل لرسول الله (س) ليبلغ أشرافهم أنه إنما جاء معتمرا. فعقر الجمل عكرمة بن أبي جهل وأرادوا قتله فمنعه من هناك من قومه فرجع فأراد النبي ﷺ أن يبعث عمر بن الخطاب ﵁ فخاف على نفسه، وأشار بعثمان ﵁. فبعثه ليخبرهم: إنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، ومعنا الهدي ننحره وننصرف فأبوا على عثمان أن يدخل عليهم رسول الله ﷺ ، ورحب به أبان بن سعيد بن العاص وأجاره، وحمله من بلده إلى مكة وهو يقول، أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزة الحرم، فبلغ عثمان من بمكة ما جاء فيه، فقالوا جميعا: لا يدخل علينا محمد عنوة أبدا .. وبلغ النبي ﷺ بعد إقامة عثمان بمكة ثلاثا أنه قتل، وقتل معه عشرة رجال مسلمون قد دخلوا مكة بإذن رسول الله ﷺ ليروا أهاليهم .. وأم رسول الله ﷺ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية جميعا، فجلس في رحالهم وقد بلغه قتل عثمان ﵁، ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكو. فما بقي لهم متاع إلا وطئوه ثم لبسوا السلاح وهو معهم قليل. وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها، وشدت سكينا في وسطها وكان رسول الله ﷺ يبايع الناس وعمر بن الخطاب ﵁ آخذ بيده فبايعهم على ألا يفروا، وقيل بايعهم على الموت .. فبايعوه إلا الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعير .. وبعثت قريش إلى عبد الله بن أبي بن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل فقال له ابنه: يا أبت أذكرك الله أن تفضحنا في كل موطن، تطوف ولم يطف رسول الله ﷺ فأبى حينئذ وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله فبلغ رسول الله كلامه فسر به) (١).
الحرب بين الفريقين قائمة، وخراش بن أمية الخزاعي يقابل بديل بن ورقاء الخزاعي فخزاعة مسلمهم ومشركهم عليه نصح لرسول الله ﷺ وهي مع قريش كذلك. ومن أجل هذا وجد من يمنعه من قومه عندما تعرض للقتل.
وكانت الشخصية الثانية المرشحة للسفارة هي عمر بن الخطاب ﵁، ولعل ما نزل بخراش من جهة وحقد قريش على عمر ﵁ من جهة ثانية وكون شوكة بني عدي في مكة ضعيفة كل هذه العوامل حدت بعمر ﵁ أن يبسط عذره بين يدي قائده
стр. 459
لأن سفارته لن تحقق الهدفا المطلوب منها ومن أجل ذلك قال:
يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي. وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان. وقبل رأي ابن الخطاب دون تردد. فليس هو محل تهمة أو ظنة. لكن لكل أمر رجاله.
وعثمان للسفارة خير من عمر، مع العلم أن السفارة في الجاهلية كانت عند بني عدي، غير أن مكة اليوم يتقاسم النفوذ فيها بنو مخزوم وبنو أمية، ومن أجل ذلك وجد عثمان ﵁ من يحميه حتى يؤدي رسالة رسول الله ﷺ ، وكان لعثمان كذلك مهمة سرية أخرى هي الاتصال بالمؤمنين في مكة ودعوتهم إلى الصبر والثبات حتى يأذن الله تعالى بالفتح من عنده. ولما فرغ من تأدية رسالته عرضوا عليه أن يطوف بالبيت. فأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله.
وكان هذا درسا بليغا في الالتزام حتى ولو كان طواف الكعبة الذي يحلم به المسلم منذ سنين خلت، لكنه لم ينفذ أمرا حتى يرجع إلى قيادته فيسألها. وامتنع عن الطواف قبل طواف النبي ﵊.
وحين يلتزم الجندي بأمر قائده عند الأعداء رغم الإحراجات الكثيرة من عشيرته. فهذا يعني أن الولاء لن يكون إلا لله ورسوله. لكن هذا الولاء لم يمنع من قبول حماية أبان بن العاص أحد قادة بني أمية، وما أحوجنا إلى أن نفرق بين القضيتين. لأن الأولى لا علاقة لها بطبيعة المهمة، وتتم المهمة بدونها أما الثانية فهي صلب مهمة عثمان ﵁. فلم يجد حرجا أو إثما بقبول إجارة أبان بن سعيد.
وننتقل إلى المعسكر الإسلامي وقد بلغه إشاعة مقتل عثمان ﵁. وكان لهذه الإشاعة وقع البارود المتفجر فيه. فمضى رسول الله ﷺ إلى أعز معقل من معاقل الأنصار إلى منازل بني مازن بن النجار، وأخبرهم بأمر البيعة.
(فأقبل الناس عليه حتى تداكوا فما بقى متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل ..).
يقول ابن إسحاق: (فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت .. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر).
وإنه لمن أغرب ما روى التاريخ من ولاء والتزام ونصرة. لقد خرج القوم للعمرة، وألحوا على رسول الله ﷺ أن يحملوا السلاح. فرفض ذلك وقال: لست أحمل السلاح إنما خرجت معتمرا. وساهم في هذا الرأي قادة المهاجرين والأنصار. ومع ذلك فها هو يدعوهم إلى المواجهة
стр. 460
والموت فيتزاحمون إلى البيعة حتى لا يبقى متاع إلا وطئوه.
لقد أصبح الصف الإسلامي من القوة والتلاحم بحيث نكاد نقول أن النفاق قد انتهى منه.
وحين نذكر أن المنافقين كانوا بضعة عشر في غزوة الأحزاب، فها نحن لا نجد وجودا لهم في الحديبية.
إن الصورة الواقعية في عالم الأسباب تقول أن لا يستجيب للبيعة على الموت والمواجهة إلا أفراد قلائل. لأن القوم لم يخرجوا للقتال، وقائدهم أكد لهم أن خروجه للعمرة، ولم يعدوا سلاحا لذلك، وما نعلمه عن عالم الأحزاب اليوم في مثل هذه الحالة أن يغتال القائد ويحاكم بتهمة توريط الجيش في الهلاك. أما أن يسارع الجيش كله للبيعة ويتزاحم عليها. فهذا يعني أن النفاق في هذه المرحلة قد ولى كأمس الدابر، وأن ينفرد رجل واحد من هذا الجيش فيختبىء بظل بطن ناقته ولا يبايع، وأن يكون عبد الله بن أبي من بين المبايعين. فهذا يعني أن الجيش الإسلامي قد تجاوز أزمته. وأجهز على عناصر الضعف فيه.
ونذكر مع هذا الالتزام العجيب النسوة الأربع اللاتي شاركن الحملة. فقد شاركن في البيعة كذلك، وكأني بأم عمارة ﵂، وقد التمع بعينيها بريق أحد بعد أن تسلحت بعمود البيت وشدت السكين على وسطها وجددت بيعتها كما بايعت يوم العقبة. لتكون مع الصف المسلم المقاتل وهؤلاء النسوة القليلات هن اللاتي شددن نظر عروة بن مسعود، وكان مما قاله لقريش: (رأيت نسيبات معه. إن كن ليسلمنه أبدا على حال) (١).
ولم يفكر جندي واحد من هذا الصف القوي أن يعتب على قائده ﵊ الذي يطلب منه الآن البيعة على الموت، وقد جاء به إلى العمرة ومنعه أن يهيء سلاحه.
ومن قوة هذا الالتزام كذلك أن نجد عبد الله بن أبي الذي جاءه وفد خاص من قريش يدعونه ليدخل مكة ويطوف بالحرم، وكان بإمكان ابن أبي أن يهتبل الفرصة. ويطوف بالكعبة في عز حراب قريش. لكن ظل ابنه عبد الله والموقف الرهيب الذي وقفه منه يوم المريسيع ووضع السيف على عنقه آنذاك عاد فارتسم أمامه. وابنه يذكره بالله فما كان من زعيم النفاق إلا أن رضخ لهذا الجو العام، وأحنى رأسه للعاصفة وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله.
وهذا درس عظيم للجماعة المسلمة تتعلم منه أصول الانضباط والسمع والطاعة للقيادة.
وكانت البيعة هي محك الرجال فلم يتخلف منهم أحد بل سارع النساء إليها كذلك.
стр. 461
والنقطة الأخيرة في هذا المجال وهي التي نتوجه بها لقيادة الحركة الإسلامية أن تستوعبها بعد درس القاعدة هي أهمية الجندي المسلم عند قيادته.
لقد قرر رسول الله ﷺ أن يشن حربا على قريش مع من بايعوه على الموت ثأرا لجندي واحد من جنوده هو عثمان بن عفان عندما أشيع أنه قتل.
والجندي الذي يرى هذا الاهتمام من قيادته به، وهذه الكرامة والخطوة له عندها، لا ضير أن يفتدي هذه القيادة بروحه ودمه ووجوده وأعز ما لديه في هذا الوجود. ولا ضير إذن أن تغير القيادة موقفا مصيريا ثأرا لجندي من جنودها بعد أن علمها هذا الدرس رسول الله ﵊.
سابعا: ونحن نعرض للصف الداخلي القوي لا بد أن نعرض للصلح نفسه كما تعرضه كتب السير.
(فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ﵁. فقال: يا رسول الله: ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول الله ﷺ : بلى. فقال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله: أنا غبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني. فذهب عمر إلى أبي بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر ألسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! فال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله. وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله. ولقي عمر من القضية أمرا كبيرا، وجعل يردد على رسول الله ﷺ الكلام وهو يقول: أنا رسول الله ولن يضيعني، ويردد ذلك فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول! تعوذ بالله من الشيطان واتهم رأيك! فجعل يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم حينا وكان المسلمون يكرهون الصلح، لأنهم خرجوا ولا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله ﷺ أنه حلق رأسه وأنه دخل البيت فأخذ مفتاح الكعبة وعرف مع المعرفين، فلما رأوا الصلح داخلهم في ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون ..
(وبينا الناس قد اصطلحوا والكتاب لم يكتب. أقبل أبو جندل بن سهيل .. وقد أفلت يرسف في القيد متوشح السيف .. ففرح المسلمون به وتلقوه حين هبط من الجبل فسلموا عليه وآووه فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلابيبه فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرا إلى ما بهم وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. فقال حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قوما قط أشد حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض! أما إني أقول لك لا نأخذ من محمد نصفا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة! فقال مكرز: وأنا أرى
стр. 462
ذلك وقال سهيل بن عمرو: هذا أول من قاضيتك عليه رده! فقال رسول ﷺ إنا لم نقض الكتاب بعد فقال سهيل: والله لا أكاتبك على شيء حتى ترده إلي فرده عليه، وكلمه أن يتركه، لأبى سهيل وضرب وجهه بغصن من شوك فقال رسول الله ﷺ . هبه لي، أو أجره من العذاب. فقال: والله لا أفعل، فقال مكرز وحويطب: يا محمد نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطا فأجاراه فكف عنه أبوه ثم رفع رسول الله ﷺ صوته فقال: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا. إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك عهدا وإنا لا نغدر وعاد عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله. فقال: يا رسول الله: ألست برسول الله: قال، بلى! قال: ألسنا على الحق؟ قال: بلى! قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى! قال: فلم نعط الدنية في ديننا؟ فقال: إني رسول الله ولن أعصيه، ولن يضيعني. فانطلق إلى أبو بكر ﵁ فقال له مثل ذلك. فأجابه بنحو ما أجاب به رسول الله ثم قال: ودع عنك ما ترى يا عمر فوثب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه وسهيل يدفعه وعمر يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب! وإنما هو رجل، ومعك السيف. (يحرضه على قتل أبيه) وجعل يقول: يا أبا جندل: إن الرجل يقتل أباه في الله! والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله فرجل برجل، فقال له أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله عن قتله وقتل غيره، قال أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني! وقال عمر ورجال معه: يا رسول الله: ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف مع المعرفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! فقال: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا فقال ﷺ : أما إنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة وأعرف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر فقال: أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار؟ أنسيتم يوم كذا؟ أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله. يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه.
(فلما حضرت الدواة والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة دعا رسول الله ﷺ أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك علي، أو عثمان بن عفان، فأمر عليا فكتب فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل، لا أعرف الرحمن. اكتب ما نكتب: باسمك اللهم فضاق المسلمون بذلك وقالوا: هو الرحمن. والله لا نكتب إلا الرحمن. قال سهيل إذن لا أقاضيه على شيء، فقال رسول الله ﷺ : اكتب باسمك اللهم. هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ فضج المسلمون ضجة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات وقام رجال يقولون: لا نكتب إلا محمد رسول الله! وأخذ أسيد بن حضير وسعد بن عبادة رضي
стр. 463
الله عنهما بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول الله، وإلا فالسيف بيننا علام نعط الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله يخفضهم ويومىء إليهم بيده: اسكتوا وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون، ويقول لمكرز: ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء فقال رسول الله ﷺ : أنا محمد بن عبد الله فاكتب ...).
(فلما فرغ رسول الله ﷺ من الكتاب، وانطلق سهيل وأصحابه قال:
قوموا فانحروا واحلقوا وحلوا فلم يجبه أحد إلى ذلك. فرددها ثلاث مرات فلم يفعلوا فدخل على أم سلمة ﵂ وهو شديد الغضب. فاضطجع، فقالت: ما لك يا رسول الله؟ مرارا وهو لا يجيبها. ثم قال: عجبا يا أم سلمة! إني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارا فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك وهم يسمعون كلامي، وينظرون في وجهي. فقالت: يا رسول الله انطلق أنت إلى هديك فانحره فإنهم سيقتدون بك. فاضطبع بثوبه وخرج فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعا صوته بسم الله والله أكبر ونحر فتواثب المسلمون إلى الهدي، وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على بعض وأشرك ﷺ بين أصحابه في الهدي .. فلما فرغ رسول الله ﷺ من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء فيها الحلاق فحلق رأسه ثم أخرج رأسه من قبته وهو يقول: رحم الله المحلقين. قيل يا رسول الله، والمقصرين! قال: رحم الله المحلقين! ثلاثا ثم قال: والمقصرين) (١).
هذا العرض المسهب يعطينا صورة بينة عن طبيعة هذا الصف العظيم بكل شعابه ومشاعره فنحن أمام وضع جديد كل الجدة، وقد انتقل من النقيض إلى النقيض. وبعد أن ارتفعت موجة المد الشعوري الحماسي إلى أقصاه بالبيعة على الموت، وبعد ذلك التزاحم والتلاحم، نجد الآن صورة معاكسة تتجه إلى المصالحة في شروط تبدو ظاهر الأمر مجحفة بحق المسلمين أيما إجحاف وأضخم هذه الشروط وأثقلها على أعصاب المسلمين هي أن يرجعوا هذا العام عن مكة خاصة وهم على أعتاب مكة وقلوبهم تتلظى شوقا للمسجد الحرام. وها نحن نرى عمر بن الخطاب يفقد أعصابه، ولم يجرؤ أحد على إبداء هذا الانفعال غير عمر بن الحطاب.
إن عمر ﵁ الذي لم تحمل أعصابه في أول لحظة من لحظات إسلامه التخفي في دار الأرقم. واستأذن رسول الله بنفس الصيغة التي يتحدث بها اليوم (ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ ففيم التخفي إذن)؟ وها هو يقول الآن. فلم نعط الدنية في ديننا. وراح عمر يتنقل بين رسول الله ﷺ وأبي بكر وأبي عبيدة ﵃. والجواب يأتيه أن الوحي قد أمر بذلك.
стр. 464
والضغط الثاني على أعصاب المسلمين كان من خلال رؤيا رسول الله ﷺ أنه دخل الكعبة وأخذ مفتاحها وعرف مع المعرفين وهم يعلمون أن رؤيا الأنبياء حق.
والضغط الثالث على أعصاب المسلمين كان من خلال بروز أبي جندل على الساحة وهو يصرخ يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني. وأبوه يضربه بغصن الشوك. والمسلمون عليهم أن لا يحركوا ساكنا أمام هذا التحدي لمشاعرهم أمام نص المعاهدة.
والضغط الرابع على أعصاب المسلمين حين رفض سهل بن عمرو أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم ولم لا تثور الدماء في العروق؟ وتشتعل الحرب الضروس للحفاظ على الرحمن الرحيم؟ ولم كانت هذه الحروب في السنوات التي خلت؟ إلا لإعلان الرحمن الرحيم في الأرض؟
والضغط الخامس على أعصاب المسلمين كان حين كتب اسم رسول الله ﷺ على الصحيفة. ورفض سهيل بن عمرو اسم رسول الله، وأعلن عن إلغاء المعاهدة لو ذكر. والضغط السادس على أعصاب المسلمين كان من بنود المعاهدة المجحفة في ظاهر الأمر.
حيث أن عليهم أن يعودوا عن مكة هذا العام. وأنه جاء من أهل مكة مسلما رده رسول الله ﷺ ، ومن جاء من المسلمين إلى مكة مشركا لم يرده المشركون.
هذه الضغوط جميعا جعلت المسلمين في حالة نفسية صعبة لا يعلم مداها إلا الله، خاصة وهم يتحولون من المد الشعوري العالي بالبيعة على الموت. ونصر الله المقترب بدخول مكة والذي لا يشكون فيه طالما أن رسول الله قد حدثهم عنه.
حتى أن وفدا منهم كما مر لم يتمالك أن ذكر رسول الله ﷺ برؤياه، وكان على رأس هذا الوفد عمر ﵁ الذي لم يفقد أعصابه كما فقدها اليوم، فأجابهم ﵊: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال: عمر. لا فقال ﷺ ، أما إنكم ستدخلونه. وآخذ مفتاح الكعبة. وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة. وأعرف مع المعرفين.
والدرس الذي نود أن تدركه القاعدة من هذه الأمور جميعا هو أنه ليس بإمكان القيادة دائما أن تعطي المبررات لتصرفاتها وأوامرها. والمطلوب من جنود الدعوة أن تكون ثقتهم بقيادتهم أكبر من ثقتهم بآرائهم وقناعاتهم. وليس بإمكان القيادة أن تفشي أسرار تصرفاتها للمستويات العامة. وحق جنود الدعوة هو إبداء الرأي والمشورة وبذل النصيحة وعليهم من طرف آخر السمع والطاعة فيما يحبون ويكرهون وفي العسر واليسر وفي المنشط والمكره.
وما برز من صحابة النبي ﷺ يعطي صورة واضحة عن هذا التصرف فرغم أن عمر ﵁ فقد أعصابه. وأكثر من التساؤل لكنه لم يقم بأي تصرف أو مخالفة تحول دون تنفيذ أوامر
стр. 465
قائده ﵊، ولم يكن أصلا يبيح لنفسه أكثر من إبداء الرأي قبل أن يسمع قول النبي ﵊.
ولا شك أنه كان متوتر الأعصاب من هذه المعاهدة، وتمنى في قرارة نفسه لو فشل الصلح، وانفض القوم بدونه لكن ما كان له أن يتصرف أي تصرف يحقق هذا لغرض، وحين عرض على أبي جندل أن يقتل أباه وسأله أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله ﷺ أن أقتل أحدا. فأجابه أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني.
وكلمته التي كررها مرارا هي التذكير بالبنود المجحفة كما ظهر له من خلال قوله: قلم نعط الدنية في ديننا.
وإذا وقفنا عند تصرف الصحابة أثناء كتابة الصحيفة عند الحديث عن البسملة. والرسالة نلاحظ أن رسول الله ﷺ ترك لهم إبداء الرأي قبل أن يعلن رأيه فأظهروا احتجاجهم وأعلنوا رفضهم. وأمسكوا بيد الكاتب لكن إشارة واحدة منه ﷺ كانت كفيلة بالصمت التام والقبول.
ولهذه القضية أثران اثنان:
الأول إشعار قريش قوة المسلمين واندفاعهم واستعدادهم للمواجهة والحراب فليست المعاهدة عن ضعف أو تخاذل من الصف.
الثاني: إشعار العدو كذلك مدى السمع والطاعة في هذا الصف المسلم الذي يتراجع عن رأيه أمام رأي رسول الله ﷺ أو قوله.
ولا بد من بروز هذين المعنين أمام العدو ليعرف حقيقة هؤلاء الجنود، وقوة شكيمتهم. فلا تسول له نفسه نقض العهد.
إن السمع والطاعة في المكره والمعسر هو أعظم أثرا منه في حالة المنشط واليسر، والذي يلتزم في المكره والعسر لا شك أنه ملتزم عندما يتجاوب الأمر مع حبه وقناعته واستعداده، وهو المعنى الحقيقي للسمع والطاعة.
والدرس الذي نود أن نتوجه به إلى القيادات الإسلامية والمسؤولين في الحركة هو أن يرحموا أعصاب جنودهم حين لا يسطيعون تفسير الأوامر لهم.
ففي صلح الحديبية. وقائدهم رسول الله ﷺ الموحى إليه من عند الله ومع ذلك لم
стр. 466
تحتمل أعصابهم هذه الضغوط وانتهى الأمر بهم أن توقفوا عن تلبية نداء الرسول ﵊ لهم بالإحلال.
انفض القوم، ووقعت المعاهدة، وانتهى الأمر, الذي أصبح حقيقة واقعة, فلا دخول للحرم اليوم ولا حرب ولا مواجهة.
ولعلنا نقول أن الموقف الأخير، هو الموقف الوحيد الذي يصدر فيه أمر نبوي ولا ينفذ للتو.
ومن أجل ذلك كان هم النبي ﷺ عظيما على جنده الذين يهلكون إن خالفوا أمره ورفضوا تنفيذ توجيهاته.
ونؤكد أنه لا يوجد في الأرض قيادة معصومة أو قيادة يوحى إليها وبالتالي فعلى القيادة أن تعذر الصف حين يتلكأ في أمر هو عكس قناعته. أو يتباطأ في تنفيذ قرار يناقض هواه. فإذا كان مجتمع الصحابة الذي هو خير مجتمعات الأرض لم يتمكن من الطاعة التامة بنفس الاندفاع السابق وقائده رسول الله ﷺ فلا غرابة أن يظهر مثل هذا التصرف في أي صف مسلم قيادته منه تخطىء وتصيب.
كما نشير كذلك في موطن اسفادة قيادة الحركة الإسلامية من هذا الدرس إلى أهمية القدوة العملية من القيادة.
إن الأمر النظري حين لا تكون القيادة أسرع الناس لتنفيذه لن تستجيب القاعدة له ولقد أدركت أم سلمة ﵂ هذا المعنى حين ذكرت لرسول الله ﷺ ضرورة الإحلال والحلق منه. واستجاب ﵊ لاستشارة أم المؤمنين وخرج دون أن يتكلم بشيء فنحر بدنه، وتسارع المسلمون للنحر، وحلق رأسه وتسارع المسلمون للحلق.
فلم يعد لديهم عذر في احتمال تغير الرأي.
إن القيادة التي تريد طاعة جنودها لا بد أن تكون أسرع الناس في تنفيذ ما تأمر به أما إذا كان واقعها يخالف أوامرها فقد تستجيب القواعد مرة أو مرتين لكنها سترفض الأوامر في المرة الثالثة وتتخلى عن قيادتها وتدير لها ظهرها غير عابئة بالأمر. وتكون المسؤولية في مثل هذه الظروف على القيادة نفسها لا على الجنود.
لقد شهدت الحركة الإسلامية في إحدى فصائلها صورة شبيهة بهذه الصورة حين استنفرت جنودها لمواجهة الطاغية. وسارع الشباب من أقصى الأرض ملبين النداء. وإذا بهم يشهدون انصرافا عن المعركة في ظاهر الأمر إلى حلف سياسي مع خصوم تاريخيين لهذه الحركة. وانسحب هذا التراجع الظاهري على الصف الداخلي فزلزل الصف وبقيت الحركة تعاني منه شهورا طوالا
стр. 467
وسنين كذلك ولما تمح آثاره بعد.
والحقيقة أن الانضباط في كف اليد عن المعركة هو أصعب بكثير من التوجيه والدفع للمعركة فنفسية الجندي المسلم هي نفسية شجاعة ترغب في مصارعة العدو وحربه لتحقيق موعود الله. وحين تأتي الأوامر إليه بكف اليد يحس أن الأمر كبت وخنق له فيتذمر وكثيرا ما تفقد الحركة الإسلامية النصر في معاركها حين لا تملك السيطرة على جنودها، وتحدد هي موعد المعركة ويلتزم شبابها بوضع اليد على الزناد فترة طويلة دون إطلاق.
نحن بحاجة أن نعيش هذه السيرة المطهرة جنودا وقيادات ونعرف من خلالها الذي يجب علينا فنؤديه والذي يحق لنا فنطالب به.
وإذا كان تاريخ الدعوة لم يشهد اندفاعا أعظم من الاندفاع نحو بيعة الرضوان. فهو كذلك لم يشهد تلكؤا وتأزما كما شهد يوم صلح الحديبية.
ولم يترك الله تعالى هذا الصف المسلم في قلقه بعد أن أدى امتحانه العسير العسير. واستجاب لأوامر نبيه. بل جاء القرآن بعد ذلك ليهدىء النفوس الثائرة ويشرح أبعاد المعاهدة. ويؤكد للصف المسلم أنها كانت الفتح المبين في تاريخ الدعوة بل كانت بداية عهد جديد فتحت أمامه آفاق وآفاق، وكان نقلة هائلة للدعوة غيرت مجرى التاريخ وبقي الصف القوي الملتزم هو العدة الحقيقية للاستفادة من هذه الظروف.
وندع الحديث عن هذا الصف المسلم القوي للشهيد سيد قطب ﵀ في الظلال ومن خلال حديثه عن سورة الفتح.
(هذا الدرس كله حديث عن المؤمنين، وحديث مع المؤمنين مع تللك المجموعة الفريدة السعيدة التي بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. والله حاضر البيعة وشاهدها وموثقها ويده فوق أيديهم فيها. تلك المجموعة التي سمعت الله تعالى يقول عنها لرسوله ﷺ : ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾، وسمعت رسول الله ﷺ يقول لها: (أنتم اليوم خير أهل الأرض (١)) حديث عنها من الله إلى رسوله ﷺ ، وحديث معها من الله يبشرها بما أعد لها من مغانم كثيرة وفتوح، وما أحاطها من رعاية وعناية في هذه المرحلة. وفيما سيتلوها، وفيما قدر لها من نصر موصول بسنته التي لا ينالها التبديل أبدا.
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة
стр. 468
عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكميا﴾.
وإني لأحاول اليوم من وراء ألف وأربعمائة عام أن استثرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كله ذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم، إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين. أحاول أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة وضميره المكنون وهو يتجاوب جميعه بالقول الإلهي الكريم عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود وأحاول أن أستشعر شيئا من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بذاتهم أنهم هم بأشخاصهم وأعيانهم يقول الله عنهم لقد رضي عنهم ويحدد المكان الذي كانوا فيه والهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضا إذ يبايعونك تحت الشجر، يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق على لسان ربه العظيم الجليل.
يالله! كيف تلقوا - أولئك السعداء - تلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الإلهي التبليغ الذي يشير إلى كل أحد في ذات نفسه ويقول له: أنت، أنت بذاتك. يبلغك الله لقد رضي عنك وأنت تبايع تحت الشجرة إذ علم ما في نفسك فأنزل السكينة عليك.
إن الواحد منا ليقرأ ويسمع: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ فيسعد يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلا في هذا العموم؟ ويقرأ ويسمع: ﴿إن الله مع الصابرين﴾ فيطمئن، ويقول في نفسه ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟ وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون واحدا واحدا أن الله يقصده بعينه وبذاته. لقد رضي عنه إذ علم ما في نفسه ورضي عما في نفسه. يالله! إنه أمر مهول ...).
***
стр. 469
السمة الخامسة:
الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام
شهدنا في السمة الماضية الصف القوي. وها نحن نشهد الآن عظمة القيادة النبوية من خلال صلح الحديبية.
(... فلما جاء سهيل بن عمرو، قال رسول الله ﷺ : سهل أمرهم! فقال سهيل يا محمد إن هذا الذي كان - من حبس أصحابك وما كان من قتال من قاتلك - لم يكن من رأي ذوي رأينا بل كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائتا. فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة، والذين أسرت آخر مرة. قال: إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي. قال: أنصفتنا. فبعث سهيل ومن معه إلى قريش فبعثوا بمن كان عندهم، وهم عثمان وعشرة من المهاجرين وأرسل رسول الله ﷺ أصحابهم الذين أسروا وكان ﷺ يبايع الناس تحت شجرة خضراء، وقد نادى عمر ﵁، إن روح القدس قد نزل على الرسول وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فلما رأى سهيل بن عمرو ومن معه ورأت عيون قريش سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتد رعبهم وخوفهم وأسرعوا إلى القضية ولما جاء عثمان ﵁ بايع تحت الشجرة وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال رسول الله ﷺ إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. فأنا أبايع له. فضرب بيمينه شماله ..
(ورجع سهيل وحويطب ومكرز فأخبروا قريشا بما رأوا من سرعة المسلمين إلى التنعيم فأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع رسول الله ﷺ ويعود من قابل (١) فيقيم ثلاثا فلما أجمعوا على ذلك أعادوا سهيلا وصاحبيه ليقرر هذا. فلما رآه النبي ﷺ قال: أراد القوم الصلح وكلم رسول الله فأطالا الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات. وكان ﷺ يومئذ جالسا متربعا وعباد بن بشر وسلمة بن أسلم مقنعان بالحديد قائمان على رأسه فلما رفع سهيل صوته. قالا: اخفض من صوتك عند رسول الله! وسهيل بارك على ركبتيه رافع صوته والمسلمون حول رسول الله ﷺ جلوس ..).
(... فلما حضرت الدواة والصحيفة - بعد طول الكلام والمراجعة - دعا رسول الله ﷺ أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل لا يكتب إلا ابن عمك علي أو عثمان بن عفان فأمر عليا فكتب فقال: اكتب ...).
стр. 470
(باسمك اللهم، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال (١) ولا إغلال (٢)، وان بيننا عيبة (٣) مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل. وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل. وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه. وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا من قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في للقرب).
شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص وكتب علي صدر الكتاب.
قال سهيل: يكون عندي، وقال رسول الله ﷺ بل عندي ثم كتب له نسخة وأخذ رسول الله ﷺ الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. ووثب من هناك من خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده ونحن على من وراءنا من قومنا. ووثب بنو بكر فقالوا: ندخل مع قريش في عهدها وعقدها، ونحن على من وراءنا من قومنا ..
(ثم أذن رسول الله ﷺ بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاؤوا وهم صائفون (٤) فنزل ونزلوا معه فشربوا من ماء السماء. وقام ﷺ فخطبهم فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان وذهب واحد معرضا فقال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم خبر الثلاثة قالوا: بلى يا رسول الله قال: أما واحد فاستحيا فاسنحيا الله منه، وأما الآخر فتاب فتاب الله عليه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.
عمر بن الخطاب ﵁ يسير مع رسول الله ﷺ فسأله فلم يجبه. ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال: ثكلتك أمك يا عمر! بدرت رسول الله ثلاثا، كل ذلك لا يجيبك! وحرك بعيره حتى تقدم الناس، وخشي أن يكون نزل فيه قرآن فأخذه ما قرب وما بعد لمراجعته بالحديبية، وكراهته القضية. وبينما هو يسير مهموما متقدما على الناس، إذا منادي رسول الله ﷺ ينادي: يا عمر بن الخطاب! فوقع في نفسه ما الله به أعلم ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فسلم. فرد ﵇ وهو مسرور ثم قال: أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. فإذا هو يقرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ..﴾ فأنزل الله في ذلك سورة الفتح فركض الناس وهم يقولون: أنزل على رسول الله! حتى توافوا عنده وهو يقرؤها ويقال: لما نزل بها جبريل قال:
стр. 471
(نهنئك يا رسول الله! فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون ...) (١).
لقد كان اتجاه رسول الله ﷺ إلى المصالحة منذ اللحظة التي بركت فيها ناقته فقال الناس: خلأت (٢) القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها).
والظاهر من الوحي نزل على رسول الله ﷺ بالصلح مع العدو. لأن رسول الله ﷺ لم يستشر كما تشير النصوص أحدا في هذا الأمر، واكتفى بإعلان هذا لاتجاه بعد بروك الناقة وفي ذلك إشارة دقيقة: حبسها حابس الفيل عن مكة. وهذا يعني أن احتمال الرجوع عن مكة وارد.
ومع وصول سهيل بن عمرو الذي تفاءل به ﵊ قائلا: سهل أمرهم.
وانتهاء المفاوضات الأولى بتبادل الأسرى بين الفريقين. لكن وصول هذا الوفد والبيعة على أشدها كان المهماز الأخير في اتجاه قريش إلى الصلح، وكان هدفها الأول: ألا تتحطم سمعتها العسكرية، وتمرغ كرامتها بالتراب نتيجة دخول الرسول ﷺ مكة عنوة، أما بقية البنود فقابلة للأخذ والرد.
وبين رغبتين جامحتين: رغبة لقريش أن لا يدخل عليهم مكة هذا العام أبدا. ورغبة المسلمين أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت الحرام، ورجوعهم هو هزيمة عسكرية لهم.
بين هاتين الرغبتين الجامحتين كان النبي ﷺ يوازن بآفاق أبعد وآماد أرحب. وهل من هزيمة أوعظم من قبول قريش المصالحة وبعثه وفد بذلك. قريش قبل عام واحد تحاصر المسلمين مع من جيشت من العرب. وتأتيهم من فوقهم ومن أسفل منهم وهي اليوم تبعث وفدا للمصالحة مع المسلمين على مشارف مكة.
إنه نصر ساحق ولا شك والنصر الآخر هو أن تقف مكة على الحياد وتقف الحرب في جزيرة العرب وتفتح أبواب الجزيرة أمام المد الإسلامي. إنه نصر ساحق ولا شك.
وأن يعود المسلمون في العام القادم ويدخلوا مكة باعتراف رسمي وحماية رسمية دون أن يتعرض لهم أحد بسوء. إنه نصر ماحق ولا شك.
стр. 472
وأن تفتح قريش صفحة جديدة مع المسلمين وتعترف بكيانهم ودولتهم، ويسود الأمن والود بين الفريقين. ويفتح باب الحوار الجديد مع قادة مكة من موقع القوة. إنه نصر ساحق ولا شك.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية: ماذا يعني إصرار المسلمين على دخول مكة عنوة.
إن أول معانيه، أن يكون الحقد والثأر هو الذي يطبع نفوس أهل مكة جميعا. وهذا يسد إلى فترة غير قليلة باب الدخول في الإسلام أو التفكير به.
وما كان رسول الله ﷺ يغيب عن قلبه أبدا رغبته في إسلام أهل مكة. وهذه خسارة فادحة. وأن تقع معركة غير متكافئة يسقط فيها مئات الشهداء من المسلمين لدخول مكة. وهم قرة عينه وخيرة جنده، فهذه خسارة فادحة ثانية.
وأمام هذه التوازنات جميعا وبتسديد الوحي. كان رسول الله ﷺ ماض في خطته، لا يراوده فيها أدنى شك نلحظ ذلك من خلال إجابته الواضحة الصارمة لعمر بن الخطاب: (أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني). والملاحظ أن رسول الله ﷺ لم يفصح عما في نفسه إلا مضطرا وذلك أمام إلحاح المسلمين على دخول مكة. فأعاد لهم شريط الأحداث، لينتقلوا منه ومعه إلى النصر الجديد القادم.
(أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، أنسيتم يوم كذا، أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله، يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا).
وعودة إلى نصوص المعاهدة، نلحظ من خلالها أول اعتراف رسمي من قريش بدولة الإسلام. إنه اعتراف بالدولة وليس اعترافا بالرسالة ومن أجل هذا ناقشوا كثيرا بـ (الرحمن الرحيم) وبـ (رسول الله) ولكنا الخطوة الأولى على الطريق وإيقاف الحرب عشر سنين تهيء لرسول الله ﷺ وللمسلمين مجالا رحبا للانطلاق بالإسلام إلى العرب كل العرب دون مقاومة أومواجهة من أحد. فقد كانت العرب تنتظر مصير الحرب بين الفريقين. واقفة على الحياد ولا يجرؤ أي تجمع عربي على الانضمام لأحد الفريقين خوفا من غلبة الفريق الآخر، وإن كانت بعض القبائل العربية ظاهرت قريشا على رسول الله ﷺ لكن تلك المظاهرة كانت منطلقة من الثقة المطلقة بقوة قريش. أما بعد الأحزاب، وبعد فشل الهعجوم الضخم، إنتهت التحالفات العربية في المنطقة ضد الإسلام، وأيس الناس من إمكانية القضاء على الإسلام ورسول الإسلام.
стр. 473
٣ - وأهم بند من بنود المعاهدة إنتهاء عنصر الخوف في الأرض العربية فمن أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدعا دخل فيه لقد فتحت آفاق الدعوة على مصراعيها دون وجل أو خوف من أحد، وهذا ما كان يريده رسول الله ﷺ منذ بداية الحملة.
(إنا لم نأت إلى قتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه وقريش قوم قد أضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس -والناس أكثر منهم - فإن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا وقد جموا والله لأجهدن على أمري هذا إلى ان تنفرد سالفتي، أو ينفذ الله أمره) (١).
٤ - والبندان الأخيران اللذان أثارا حفيظة المسلمين يجد الناظر لهما لأول وهلة أنهما مجحفان بحق المسلمين. لكن النظرة الأبعد. تؤكد أنها لمصلحة المسلمين. وأول هذين البندين:
((وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه)).
ولا شك أن هذا البند فيه -في ظاهر الأمر- تخل عن المستضعفين المؤمنين في مكة غير أن ما ذكره القرآن حولهم يؤكد أن تأجيل المعركة مع قريش وتأخيرها هو لصالح هؤلاء المستضعفين في مكة.
﴿ولولا رجال مؤمون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ...﴾ (٢).
لأن الحرب لو اندلعت لتعرض المستضعفون في مكة للإبادة بينما قامت هذه المعاهدة بتحقيق نصر معنوي لهم أهم ما فيه العهد مع دولتهم بالموادعة.
ومع أن الإجحاف الجزئي من خلال هذا النص قد أثر قليلا على أعصاب المسلمين لكنه ما لبث أن تعدل بعد أقل من شهرين. وذلك بعد خروج أبي بصير ومن معه من المسلمين إلى ذي المروة بالساحل.
وثاني هذين البندين: (وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه)
ورسول الله ﷺ مطمئن إلى المؤمنين عنده وكما قال لصحبه:
(ومن جاءهم منا فلا رده الله).
стр. 474
إذ ماذا يجدى وجود عملاء لقريش في الصف المسلم أو منافقين يكيدون للإسلام؟
٥ - ورجع رسول الله ﷺ عن مكة في ظاهره فشل لحملة الحديبية وفي حقيقته اعتراف رسمي بحق المسلمين بدخول مكة في العام القادم.
وكم الفرق بين نصر جزئي لن يصل له المسلمون دون مئات الشهداء والقتل من الفريقين.
وبين دخول رسمي لمكة من المسلمين بإقرار المشركين.
وليس بعد قول الله تعالى قول. فلقد سمى الحديبية - جل شأنه - فتحا مبينا. فقال عز من قائل:
﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ (١).
واقتضت هذه الآيات، تهنئة أهل السماء على لسان جبريل ﵇، وتهنئة أهل الأرض وعلى رأسهم عمر بن الخطاب ﵁. وقد استدعاه رسول الله ﷺ من بين المسلمين جميعا. ليتلو عليه آيات الله، ويسكب الطمأنينة والسكينة والأمن في قلبه.
﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليا حكيما) (٢).
يقول أبو بكر ﵁:
(ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبية. ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه. والعباد يعجلون، والله لا يعجل كعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.
لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الودع قائما عند المنحر يقرب إلى رسول الله ﷺ بدنه. ورسول الله ينحرها بيده! ودعا الحلاق فحلق رأسه فأنظر إلى سهيل يلقط من شعره ﷺ وأراه يصعه على عينيه! وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم! وإباءه أن يكتب أن محمدا رسول الله! فحمدت الله الذي هداه للإسلام. فصلوات الله وبركاته على نبي الرحمة الذي هدانا به. وأنقذنا به من الهلكة) (٣).
والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تراجع رصيدها على ضوء هذه السمة وأن لا تشغلها
стр. 475
النزوات والانفعالات الجزئية عن الخطة العامة التي تجعل الهدف العام يضحى من أجله بالمنفعة القريبة العاجلة.
إن الانتقال بالدعوة إلى المجال السياسي بحيث تثبت وجودها فيه. بجانب الجهد العسكري الذي تبذله هو الذي يمكن لهذه الدعوة في الأرض. وإن الدعوة حين تسد في وجهها السبل، وتوضع في عجلاتها العصي، وينزل الاضطهاد بها من كل صوب، لا تجد أمامها محيصا من اللجوء إلى القوة حتى تضرب جذورها في الأرض. لكن هذه القوة هي الوسيلة الناجعة للعودة إلى الحوار الفكري والمجال السياسي مع الخصوم. وتستطيع أن تحقق بترانق ذينك الجانبين معظم أهدافها. أما التخل عن واحد منهما فهو خلل كبير تصاب به الدعوة.
لقد رأينا الحركات الإسلامية حين تعتمد على الحرية الديمقراطية دون سند لها من قوة. ولو وصلت إلى بعض المواقع، لكنها سرعان ما تخسرها لأن الباطل لا يرضى لها الغلبة وهو قادر على إزاحتها. وتجارب الحركة الإسلامية من خلال منح وزارة أو إعطاء قطاع من القطاعات حرية محدودة سرعان ما ينهار ذلك العطاء، وتجتث تلك الثمرات. كما أن اعتماد القوة وحدها ونسيان هدف الدعوة الرئيسي واعتماد التحرك السياسي. سرعان ما يفصم بينها وبين الناس ويوسع الهوة التي لا تردم بعد ذلك.
أما أن يكون الجانب الجهادي بجوار التحرك السياسي. وكلاهما يخدمان دعوة الإسلام هو الطريق الطبيعي لتحقيق نصر الله.
يقول الزهري ﵀ عن فتح الحديبية:
(فما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر) (١).
قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين بعشرة آلاف.
ومن الآلاف العشرة يوم الأحزاب، إلى الألاف العشرة يوم فتح مكة يظهر حقيقة هذا الفتح المبين.
ولا شك أن رسول الله ﷺ استثمر هذا الفتح أعظم استثمار.
стр. 476
والمؤمنون المجاهدون بحاجة إلى أن يستثمروا المواقع التي يربحونها أعظم استثمار.
وها نحن نشهد في السمات التالية آثار هذا الاعتراف ونتائج هذا الفتح بحيث قلب الموازين كلها لصالح الإسلام والمسلمين.
﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخل المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) (١).
стр. 477
السمة السادسة: حرب المستضعفين
لقد بقي القلق يساور المسلمين على المستضعفين في مكة. ومنظر أبي جندل بن سهيل ﵁ فتت أكبادهم. غير أن قدوم أبي بصير ﵁ قلب الموازين كلها لصالحهم وصالح دولة الإسلام الجديدة. ولنشهد مفهوم العهود الدولية. ومفهوم حرب العصابات من خلال هذه السمة:
(فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد، وكان ممن حبس بمكة. فلما قدم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عوف، والأخنس بن شريق [إلى رسول الله كتابا مع خنيس بن جابر من بني عامر وخرج معه مولى له يقال له كوثر وفي كتابهما ذكر الصلح، وأن يرد عليهم أبا بصير، فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام فقرأ أبي بن كعب الكتاب على رسول الله ﷺ فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه وأشهدنا بيننا وبينك من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا. فأمر رسول الله ﷺ أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما، فقال: يا رسول الله: أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني! فقال: يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت. ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا. فقال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين! قال: إنطلق يا أبا بصير فإن الله سيجعل لك مخرجا] (١) فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم قال: أريته أنظر إليه؟ قال: انظر إن شئت، قال: فاستله أبو بصير، ثم علا به حق قتله، وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله ﷺ طالعا، قال: إن هذا الرجل قد رأى فزعا، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال: ويحك ما لك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طبع أبو بصير متوشحا بالسيف حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدى الله عذك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي. قال رسولالله ﷺ ويل أمه محش (٢) حرب لو كان معه رجال) (٣) [وقدم سلب العامري ورحله وسيفه ليخمسه رسول الله ﷺ . فقال: إني إذا خمسته رأوا أني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه. ولكن شأنك بسلب صاحبك. ثم قال لكوثر: ترجع به إلى أصحابك؟ فقال: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان: فقال ﷺ
стр. 478
لأبي بصير: إذهب حيث شئت] (١).
فخرج حتى أتى العيص فنزل منه ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام وعندما خرج لم يكن معه إلا كف تمر فأكله ثلاثة أيام، وأصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالساحل فأكلها. وبلغ المسلمين ال>ين حبسوا بمكة خبره فتسللوا إليه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي كتب إليهم يقول رسول الله ﷺ لأبي بصير: ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال وأخبرهم أنه بالساحل فاجتمع عند أبي بصير قريب من سبعين مسلما فكانوا بالعيص. وضيقوا على قريش، فلا يظفروق بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عير إلا اقتطعوها ومر بهم ركب يريدون الشام معهم ثمانون بعيرا فأخذوا ذلك وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين دينارا، وكانوا قد أمروا عليهم أبا بصير. فكان يصلي بهم، ويقرئهم ويجمعهم، وهم له سامعون مطيعون. فغاظ قريشا صنيع أبي بصير وشق عليهم وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير إليه ومن معه: فلا حاجة لنا بهم. فكتب ﷺ إلى أبي بصير أن يقدم بأصحابه معه فجاءه الكتاب وهو يموت. فجعل يقرأه ومات وهو في يده فدفنوه. وأقبل أصحابه إلى المدينة وهم سبعون ..).
(وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قد أسلمت بمكة، فكانت تخرج إلى بادية أهلها فتقيم أياما بناحية التنعيم ثم ترجع حتى أجمعت على المسير مهاجرة. فخرجت كأنها تريد البادية على عادتها فوجدت رجلا من خزاعة فأعلمته بإسلامها، فأركبها بعيره حتى أقدمها المدينة بعد ثمان ليال. فدخلت على أم سلمة ﵂ وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة وتخوفت أن يردها رسول الله ﷺ . فلما دخل على أم سلمة أعلمته فرحب بأم كلثوم وسهل فذكرت له هجرتها وأنها تخاف أن يردها فأنزل الله فيها آية الممتحنة .. فكان رسول الله ﷺ يرد من جاءه من الرجال ولا يرد من جاءه من النساء. وقدم أخواها من غد قدومها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط فقالا: يا محمد ف لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه. فقال: قد نقض ذلك. فانصرنا إلى مكة فأخبروا قريشا فلم يبعثوا أحدا ورضوا بأن تحبس النساء) (٢).
إننا نشهد مبادىء حرب العصابات من خلال حادثة ابي بصير ﵁.
فلا بد لمن يفكر بهذه الحرب أن يكون ذا إرادة قوية وعزيمة فولاذية وتفكير أبي بصير بالهروب من سجن قريش، وتنفيذ ذلك والهجرة إلى المدينة يعني أنه يملك التصميم على المقاومة إنها النفسية الحية التي ترفض الذل وتأبى الهوان، وهذه هي نقطة الانطلاق الأولى في أية مقاومة مسلحة للطغاة في الأرض.
стр. 479
٢ - وكان من الممكن أن ينتهي أبو بصير ﵁ لو اكتفى بنزوحه إلى المدينة وعودته إلى مكة مع صاحبيه اللذين جاءا لاستلامه غير أن هذه الإرادة برزت في الالحاح على قيادته أن لا يعود إلى الذل، وكان جواب النبي ﷺ :
إنه لا يحل في ديننا الغدر، فاصبر واحتسب فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا.
وها هو يتلقى مبادىء ثلاثة من قيادة الدعوة:
المبدأ الأول: الوفاء بالعهود والمواثيق ولو مع المشركين المجرمين المعتدين.
المبدأ الثاني: إن مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد، ولهذا الأمر كان هذا الشرط المجحف.
المبدأ الثالث: الثقة بالله وبموعوده أنه لا بد من فرج ومخرج بعون الله.
ولكنه لم يكن يدري أنه هو صاحب الفرج والمخرج، إذ أعده الله تعالى لذلك.
٣ - ولعل إيحاءات إخوته في المدينة كانت أن لا يدع سبيلا للمقاومة إلا ويسلكها، ومن أجل ذلك بيت في نفسه أمرا وهو القضاء على هذين الصاحبين اللذين جاءا لإعادته إلى ربقة الذل والعبودية، وإعادته إلى قريش يفتنونه في دينه، ونفذ ما عزم عليه في حيلة بارعة توصل بها إلى سيف العامري وقتله به، ولحق بمولاه إلى المدينة.
٤ - وكانت الخطوة الثالثة من التصميم عندما جاء إلى رسول الله ﷺ قائلا له: وفت ذمتك يا رسول الله، وأدى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، ويعبث بي أو أكذب بالحق.
وكانت هذه القوة الفية من أبي بصير منطلقا للتوجيه إلى الحرب الواسعة من خلال تخطيط محكم ومدد بالرجال بدلا أن تكون مبادرة فردية أو نزوة طارئة.
وحتى تبرؤ الذمة تماما قال ﵊ لكوثر المولى الذي نجا: ترجع به إلى أصحابك فقال: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان فقال ﷺ لأبي بصير: اذهب حيث شئت.
لا بد من اختيار المكان، واختيار الرجال، والتخطيط لحرب طويلة الأمد، لكن المدينة ليست هي الأرض المناسبة لهذه الحرب. فالمدينة ملتزمة بمواثيق دولية مع مكة. ولا بد من اختيار أرض مناسبة لهذه الحرب والرجال ليسوا من المدينة. الرجال هم من رعايا مكة نفسها والمكان لا بد أن يقض مضجع مكة. فكان ذا المروة بالساحل.
ومن تمام الوفاء بالعهود والمواثيق الدولية من رسول الله ﷺ أنه رفض تخميس سلب العاري لأن هذا يعني الإعتراف بشرعية انتمائه للمدينة وهذا الانتماء غير شرعي. فلا بد من
стр. 480
البحث عن أرض أخرى، ورجال آخرين، ومضى أبو بصير بهذا الخط العام الذي رسمه له رسول الله ﵊.
٥ - ومضى ﵁ بكف تمر أكله خلال ثلاثة أيام، والثائر الحقيقي لا بد أن يوطن نفسه على الجوع والعري والفاقة. وأن يتجلد على القسوة والشدة والمحنة. ثم لجأ بعد انتهاء كف التمر إلى حيتان البحر. ورجل الثورة بحاجة إلى أن ينمي الامكانات الذاية للثورة لا أن يكون اعتماده على المعونات الخارجية، لأن هذه المعونات من المحتمل أن تنضب في كل لحظة، أو تنقطع وبالتالي يهلك بذلك.
٦ - لقد كان أبو بصير بحق قائد ثورة، ومبادىء الثورة تبيح المواجهة المباشرة وغير المباشرة.
وما احتال به على العامري لقتله وأخذ سيفه. خط إسلامي أصيل حين يجمع العدو على القضاء على الحركة الإسلامية وذلك بأن تلجأ إلى التعمية والتغرير بالخصم لقتله وأخذ سلاحه.
والثورة الإسلامية حين تنطلق. تستطيع أن تتبع الأساليب المناسبة الناجعة مع أزلام الطغاة وزبانيتهم. لأنهم يعلمون الجريمة التي يساهمون بها.
٧ - والثورة الإسلامية التي شهدنا أبا بصر على رأسها، تعذر الدول المرتبطة بمواثيق ومعاهدات. ولا تحرجها حين تتحرك على أرضها وتتقيد تقيدا تاما بمبادىء هذه الدولة وقوانينها.
لقد رأينا أبا بصير وارتباطه بالإسلام ارتباط عقيدة، وارتباطه برسول الله ﷺ ارتباط عقيدة وإيمان، ومع ذلك لم يحرج رسول الله ﷺ بالتحرك على أرضه أو طلب المدد منه وقد تعلم هذا الدرس حين رفض رسول الله ﷺ حتى أن يخمس له سلبه.
وما أحوج الثورة الإسلامية إلى أن تدرك هذه المعاني وخاصة عندما لا يكون ارتباطها ارتباط عقيدة مع الدولة التي تتحرك في أرضها.
كما أن على شباب الحركة الإسلامية أن يدركوا الظروف الصعبة التي تمر بها قيادتهم، وتضطر إلى التخلي عن معونتهم ومددهم لمصلحة الدولة ذاتها. فلقد وقع ﵊ ميثاقا من صلب نصوصه عدم حماية الثوار المسلمين ومددهم وإعادتهم وتسليمهم للدولة العدو لو جاؤوا إليه.
٨ - وكان الرصيد الحقيقي للثورة هم رجال مكة المسلمون المستضعفون الذين انضموا إلى أبي بصير واحدا تلو الآخر حتى بلغ عددهم سبعين رجلا من المجاهدين والدرس الذي تستفيده
стр. 481
الثورة الإسلامية من هذا الحديث هو أن الرصيد الحقيقي للثورة هو من أبناء البلد الثائر. هذا هو الرصيد الحقيقي. ومن أجل ذلك لم ينضم لجيش الثورة رجل واحد من المسلمين في المدينة. لأنه جندي نظامي في دولة رسمية. أما المستضعفون المسلمون في مكة فقد انضموا إلى أبي بصير عن بكرة أبيهم وكانوا هم أصحاب القضية وأبناؤها الأصليين والثورة التي تقوم وتعتمد في رصيدها على الرديف من الدول الأخرى لن يكتب لها النجاح.
٩ - واختيار المكان المناسب للثورة ذو أهمية قصوى في نجاحها فعصب قريش هو التجارة وتجارتها إلى الشام هي المحور الأول. ولم يرتفع الاختناق عنها إلا بعد صلح الحديبية. فإذا بها تقاجأ من جديد بعودة الإرهاب إلى الطريق، والقافلة إثر القافلة يباد رجالها وتمضي أموالها. فالموقع الاستراتيجي المناسب الذي يمكن الثورة من قطع شريان الحياة عن أعدائها هو اللذي يجعل هذا العدو يلين ويرصخ أما إذا لم يشعر العدو أنه مهدد بحياته ووجوده وأمنه فسوف يسحق هذه الثورة ويبيدها عن آخر رجل فيها.
وكل ثورة لا تجد منطلقا تنطلق منه إلى حدود العدو ستنتهي في النهاية إلى لاجئين سياسيين يعيشون على موائد الآخرين. وكل ما من شأنه أن يقصم ظهر العدو ويفل مقاومته هو من حق الثائرين سيان كان أهدافا مدنية أو عسكرية وهدف الثورة هو رفع الظلم والاضطهاد عن المستضعفين. ولن يتراجع الطغاة عن طغيانهم ما لم يصابوا بأرواحهم وحياتهم وأموالهم وأمنهم، عندئذ يسقط في يدهم ويشعرون أنه قد أحيط بهم فيستسلمون.
١٠ - وليس هدف الثورة الإرهاب والفتك للإرهاب والفتك، إن هدفها هو رفع الظلم والاضطهاد عن المسحوقين الملاحقين بعقائدهم وفكرهم ومقدساتهم وحين يتحقق الهدف تنتهي الثورة ومن أجل ذلك عندما اسفحل أمر الثوار المسلمين في الساحل. وعرفت مكة أنها على وشك الاختناق، وأن جبهة جديدة فتحت عليها تقض مضجعها وأمنها راحت إلى رسول الله ﷺ تتفاوض معه وترجوه وتسترحمه أن ينهي هذه الثورة ويضم هؤلاء المسلمين إلى جيشه النظامي. فيسري عليهم ما يسري على جيشه بالتزام الهدنة والصلح.
(وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم إلا أادخل إليه أبا بصير ومن معه. وتحقق هدف الثوة وانضم الثوار إلى دولة الإسلام، وهم سبعون من المجاهدين الذين تزيلوا من صفوف العدو وتميزوا).
ولا بد أن نلاحظ حدود الثورة وطاقتها وإمكاناتها. فلم يكن هدف ثورة أبي بصير. هو
стр. 482
إسقاط نظام مكة والسيطرة عليه بمقدار ما كان هدفه هو ضم قوات المستضعفين إلى قيادتهم في المدينة. وحققت الثورة أهدافها، وقائدها على فراش الموت. وكتاب رسول الله ﷺ بيده أن يقدم بأصحابه معه. فمات قرير العين بتحقيق موعود الله تعالى له بالنصر والشهادة.
لكننا نرى تصرفا آخر قامت به أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أعدى أعداء الله. لا يقل بطولة عن أبي بصير إذا روعيت النسبة بين طاقات الرجال والنساء.
فأم كلثوم ﵂ وقد خالطت بشاشة الإسلام قلبها وهي في بؤرة العداوة للمسلمين، خططت وغافلت أهلها حتى استطاعت أن تجد رجلا من خزاعة فسافرت معه مهاجرة إلى المدينة.
ويبدو فقهها ﵂ في جانبين:
الجانب الأول: في التخطيط للهجرة حتى تخلص من جحيم أهلها ونار عداوتهم للإسلام.
الجانب الثاني: بحسن اختيارها لمن تنتقل معه فهي تعلم من بنود المعاهدة أن خزاعة هم حلفاء محمد ﷺ بعد الحديبية ومن أجل ذلك انتظرت حتى لقيت الرجل الحليف لمحمد وانطلقت معه.
ويبدو فقهها ﵂ كذلك حين نزلت عند أم سلمة ﵂، فهي تعلم من بنود المعاهدة أن على رسول الله ﷺ أن يعيد من يأتيه مسلما من المدينة. فاختبأت عندها، وكانت الأقدار العجيبة، أن تنزل عند المهاجرة الأولى أم سلمة ﵂، والتي قامت بالمغامرة نفسها قبل ست سنين أو سبع وفي الطريق نفسه، وحيدة فارة بدينها من مكة إلى زوجها في المدينة. والتقت المهاجرتان في بيت واحد. وفي بيت رسول الله ﷺ ، وأعلم ﵊ بالأمر فرحب بأم كلثوم. وجاء أمر الله تعالى أن لا تعود إلى مكة.
ونلاحظ من هذه المغامرة الجريئة أمورا تحتاجها الحركة الإسلامية حين تكون في مرحلة الثورة فالأصل أن لا تسافر المرأة إلا مع محرم. وها نحن نجد أم كلثوم ﵂ تسافر مسيرة ثمان ليال بدون محرم لأن محارمها أعداء الله. ولأن وجودها في محضنها الطبيعي بعيدا عن محارمها وتحت ظل دولة الإسلام هو الأصل.
وليس الأخ المسلم فقط هو الذي يؤمن على عرض المرأة المسلمة. بل كذلك الحليف المشرك
стр. 483
ولو رافقها في سفر طويل. لأن هذه الضرورة تقدر بقدرها والحركة الإسلامية وقيادتها لها الولاية على كل امرأة مسلمة تقع في براثن العدو ولو كان هذا العدو أباها أو أخاها أو زوجها لقد قرر الإسلام هذا المبدأ في هذا الظرف، واعتبر رابطة الإسلام فوق رابطة الزوجية وذلك في قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلوف لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله. يحكم بينكم والله عليم حكيم، وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ (١).
وكان رسول الله ﷺ على استعداد أن ينقض الاتفاق كله بأمر الله لحماية المرأة المسلمة المهاجرة.
وما أروع هذا المعنى أن تفقهه المرأة المسلمة.
فقيادة الإسلام على إستعداد أن تشن حربا كاملة وتخسر أضخم الامتيازات لحماية إمرأة مسلمة مهاجرة مجاهدة.
ومما كتبه عروة بن الزبير ﵁ للزهري حول هذه الآية. ما يزيد المعنى وضوحا وجلاء قال: إن رسول الله ﷺ كان صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد إليهم من جاء بغير إذن وليه. فلما هاجر النساء إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام. فعرفوا أنما جئن رغبة في الإسلام وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم. إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم. ذلكم حكم الله يجكم بينكم والله عليم حكيم. فأمسك رسول الله النساء ورد الرجال وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن. وأن يردوا عليهم مثل الذي يردونه عليهم إن هم فعلوا. ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقا. وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.
لقد انتهت رابطة الزوجية بين المسلم والكافرة وبين المسلمة والكافر، وأصبحت العلاقة
стр. 484
علاقة عقيدة فحسب لكن هذا لا يلغي الحقوق المالية بين الطرفين، ويمكن استيفاؤها بين الدولتين.
وهكذا نلحظ طبيعة الظروف التي تضطر الحركة الإسلامية أحيانا أن تتخلى عن بعض البنود وطبيعة الظروف التي تضطر المرأة المسلمة أحيانا أن تتخلى عن بعض الأحكام الجزئية تلافيا لخطر أكبر مثل قضية السفر مع محرم ومثل قضية الهرب من الزوج الكافر والأولياء الكافرين إلى أرض الإسلام والمسلمين.
***
стр. 485
السمة السابعة:
الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء
في أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام.
ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له: إنهم لا يقبلون إلا وعليه خاتم، فاتخذ النبي ﷺ خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله سطر، هكذا، محمد رسول الله.
واختار من أصحابه رسلا لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك وقد جزم العلامة المنصور فوري أن النبي ﷺ أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام. وفيما يلي نصوص هذه الكتب وبعض ما تمخضت عنه.
١ - الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة:
وهذا النجاشي اسمه أصحمة بن الأبجر، كتب إليه النبي ﷺ مع عمرو بن أمية الضمري في آخر سنة ست أو في المحرم سنة سبع من الهجرة وقد ذكر الطبري نص الكتاب ولكن النظر الدقيق في ذلك النص، يفيد أنه ليس بنص الكتاب الذي كتبه ﷺ بعد الحديبية، بل لعله نص كتاب بعثه مع جعفر حين خرج هو وأصحابه مهاجرين إلى الحبشة في العهد المكي، فقد ورد في آخر الكتاب ذكر هؤلاء المهاجرين بهذا اللفظ (وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر).
وروى البيهقي عن ابن إسحاق نص كتاب كتبه النبي ﷺ إلى النجاشي وهو هذا: هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله أسلم تسلم، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون، فإن أبيت فإن عليك إثم النصارى من قومك.
ولما بلغ عمرو بن أمية الضمري كتاب النيي ﷺ إلى النجاشي أخذه النجاشي، ووضعه على عينه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وكتب إلى النبي ﷺ بذلك، وهاك نصه:
стр. 486
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وركاته الله الذي لا إله إلا هو أما بعد:
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك، وأصحابك فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين.
وكان النبي ﷺ قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفرا ومن معه من مهاجري الحبشة، فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدم بهم على النبي ﷺ وهو بخيبر، توفي النجاشي هذا في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك ونعاه النبي ﷺ يوم وفاته وصلى عليه صلاة الغائب، ولما مات وتخلف على عرشه ملك آخركب إليه النبي ﷺ كتابا آخر ولا ندري هل أسلم أم لا؟
٢ - الكتاب إلى المقوقس ملك مصر:
وكتب النبي إلى جريح بن متى الملقب بالمقوقس ملك مصر والاسكندرية: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾.
واختار لحمل هذا الكتاب حاطب بن أبي بلتعة، فلما دخل حاطب على المقوقس قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.
فقال المقوقس: إن لنا دينا لن ندعه لما هو خير منه.
فقال حاطب: ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فقط ما سواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعبسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الانجيل، فكل نبي أدرك قوما فهم أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي
стр. 487
ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به.
فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب ووجدته معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر.
وأخذ كتاب النبي ﷺ ، فجعله في حق من عاج، وختم عليه ودفع به إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله ﷺ :
(بسم الله الرحمن الرحيم) لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك.
ولم يزد على هذا ولم يسلم، والجاريتان مارية، وسيرين، والبغلة دلدل بقيت إلى زمن معاوية، واتخذ النبي ﷺ مارية سرية له، وهي التي ولدت له إبراهيم، وأما سيرين فأعطاها لحسان بن ثابت الأنصاري.
٣ - الكتاب إلى كسرى ملك فارس:
وكتب النبي ﷺ إلى كسرى ملك فارس:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
واختار لحمل هذا الكتاب عبد الله بن حذافة السهمي، فدفعه السهمي إلى عظيم البحرين، ولا ندري هل بعث عظيم البحرين رجلا من رجالاته، أم بعث عبد الله السهمي، وأيا ما كان فلما قرىء الكتاب على كسرى مزقه، وقال في غطرسة: عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي. ولما بلغ ذلك رسول الله قال: مزق الله ملكه، وقد كان كما قال. فقد كتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن: إبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به فاختار باذان رجلين ممن عنده وبعثهما بكتاب إلى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف معه إلى كسرى. فلما قدما المدينة، وقابلا النبي ﷺ قال أحدهما: إن شاهنشاه (ملك الملوك) كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وبعثي إليك لتنطلق معي وقال قولا تهديديا فأمرهما النبي ﷺ أن يلاقياه غدا.
стр. 488
وفي ذلك الوقت كانت قد قامت ثورة كبيرة ضد كسرى من داخل بيته بعد أن لاقت جتوده هزيمة منكرة أمام جنود قيصر، فقد قام شيرويه بن كسرى على أبيه فقتله وأخذ الملك لنفسه، وكان ذلك في ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع وعلم رسول الله ﷺ الخبر من الوحي. فلما غدا عليه أخبرهما بذلك. فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر أفنكتب هذا عنك. ونخبره الملك. قال: نعم اخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك، وملكتك على قومك من الأبناء فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر.
وبعد قليل جاء كتاب بقتل شيرويه لأبيه وقال له شيرويه في كتابه: انطر الرجل الذي كان كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري.
وكان ذلك سببا في إسلام باذان ومن معه من أهل فارس باليمن.
٤ - الكتاب إلى قيصر ملك الروم:
وروى البخاري ضمن حديث طويل نص الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى ملك الروم هرقل وهو هذا:
(بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإنما عليك اثم الأريسيين (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).
واختار لحمل الكتاب دحية بن خليفة الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وقد روى البخاري عن ابن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش. فأتوه وهم بإيلياء. فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفان فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال، أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه فوالله لولا الحياء من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه.
ثم قال: أول ما سألني عنه أنه قال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: هو فينا دو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل صعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه. قلت
стр. 489
:لا قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها-قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة - قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجان: قل له:
سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها. وسألتك هل قال أحد منكم قبله. فذكرت أن لا. قلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجد يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك. فذكرت أن لا فقلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، قال: فقلت لأصحابه حين أخرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
٥ - الكتاب إلى المنذر بن ساوى:
وكتب النبي ﷺ إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام وبعث إليه العلاء بن الحضرمي بذلك الكتاب، فكتب المنذر إلى رسول الله (): أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك. فكتب إليه رسول الله ﷺ : (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإني أذكرك الله فإنه من ينصح لنفسه وإنه من يطيع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد
стр. 490
نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية).
٦ - الكتاب إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة:
وكتب النبي ﷺ إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، واجعل لك ما تحت يديك).
واختار لحمل هذا الكتاب سليط بن عمرو العامري، فلما قدم سليط على هوذة بهذا الكتاب مختوما أنزله وحياه وقرأ عليه الكتاب فرد عليه ردا دون رد وكتب إلى النبى ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك، وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبي ﷺ فأخبره، وقرأ النبي ﷺ كتابه فقال: لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد، وباد ما في يديه، فلما انصرف رسول الله ﷺ من الفتح جاءه جبريل ﵇ بأن هوذة مات، فقال النبي ﷺ : أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبىء يقتل بعدي، فقال قائل: يا رسول الله من يقتله؟ فقال: أنت وأصحابك، فكان ذلك:
٧ - الكتاب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق:
كتب إليه النبي ﷺ : (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن به وصدق وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك).
واختار لحمل هذا الكتاب شجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة، ولما أبلغه الكتاب قال:
من ينزع ملكي مني؟ أنا سائر إليه، ولم يسلم.
٨ - الكتاب إلى ملك عمان:
وكتب النبي ﷺ كتابا إلى ملك عمان جيفر وأخيه عبدا بني الجلندي، ونصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبدا بني الجلندي سلام على من اتبع الهدى، أما بعد. فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله ﷺ إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل، وخيل تحل بساحتكم وتظهر نبوتي على ملككما).
стр. 491
واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص (١) ﵁. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا - فقلت: إني رسول رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة قلت: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ ، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا. فسألني أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: وكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب. قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال، ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بل. قال: فبأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد ﷺ قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين، فاختاره لنفسه، ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع قال: أنظر ما تقول يا عمرو؟ قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم. وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا، وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه. لو كان أخى يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد ﷺ ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ذنبا. قلت: إن أسلم ملكه رسول الله على قومه. فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله ﷺ في الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. قال: يا عمرو وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ فقلت: نعم. فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون لهذا، قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه. فأخذ أعوانه بضبعي فقال دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني أجلس. فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه وقرأ حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قرآنه، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم من هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه
стр. 492
الخرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته تواطئك الخيل وتبيد خضراءك. فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال قال: دعني يومي هذا، وارجع إلي غدا.
فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ها هنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالا ليس كقتال من لاقى، قلت: أنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبي ﷺ وخليا بينه وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكان لي عونا على من خالفني.
وسياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيرا عن كتب بقية الملوك والأغلب أنه كان بعد الفتح.
وبهذه الكتب كان النبي ﷺ قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر ولكن شغل فكرة هؤلاء الكافرين وعرف لديهم باسمه ودينه ..
إن الرسائل المذكورة تفصح عن نفسها ولا تحتاج إلى تعليق .. فهذه الحركة العالية نقلت الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العالمي. وهزت عروش ملوك، وأدخلت ملوكا في الإسلام، ووجهت بعض الملوك إلى الحرب، وما كان هذا الأمر ليتم قبل صلح الحديبية. حيث أصبحت الدولة الإسلامية هي الدولة الأقوى في جزيرة العرب بلا منازع. وإنهاء الحرب الطاحنة كان إيذانا بالتفرغ إلى الدعوة وتبليغها للناس كافة، والإشارة التي لا بد منها في هذا الصدد هي أن رأيا قد يرد بخطورة هذه الرسائل على الدولة الإسلامية الفتية، التي توجه الأنظار نحوها، وخصوصا إلى كسرى وقيصر. وقد جرى ذلك في تخوم الشام ولدى كسرى الفرس الذي مزق الرسالة واستدعى محمدا. حيا أو ميتا. وهل بإمكان المدينة أن تواجه دول الأرض؟
ولا بد من إيضاح هذه النقطة بأن تبليغ الدعوة في الوقت المناسب وحي رباني والله تعالى هو الذي يتكفل بحماية دينه. فحين كانت المدينة عاجزة عن مواجهة دولة الفرس الكبرى هيأ الله تعالى لحماية نبيه ودعوته انقلابا عاليا على كسرى. أدى هذا الانقلاب لمقتل الحاكم الطاغية وتراجع ابنه عن موقف أبيه من محمد ﷺ كما يقول نص الكتاب (انظر الرجل الذي كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري). وكان من طرف آخر فتحا جديدا بإسلام باذان عامل الفرس على اليمن ودخول أهل اليمن في الإسلام.
وقد اشترك في هذا الخطر على الدولة الإسلامية الحارث بن أبي شمر الغساني الذي هدد
стр. 493
بغزو المدينة، ومن أجل ذلك كانت الاستعدادات العسكرية مرافقة للتحرك السياسي فكانت سرية مؤتة والصدام مع الروم فلا بد من تحمل تبعات الرسالة وكان تحرك سرية مؤتة ثأرا للرسول الذي قتل على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني.
بينما اشترك في موقف المراوغة والمهادنة قيصر الروم ومقوقس مصر، والذي حال بينهما وبين الإسلام هو خوفهما على ملكهما وجزعهما من الرعية أن تثور عليهم، ولعل ما نقله أبو سفيان ﵁ عن لقاء قيصر يعطي صورة واضحة وصادقة عن تصديق قيصر لرسول الله وكيف نخرت الرهبان بعد ذلك وهددوه لو أسلم بحربه.
ودخل الإسلام نجاشي الحبشة وحاكم البحرين وملك عمان.
وراوغ صاحب اليمامة وأراد أن يشترك في الغنيمة والرسالة فأهلكه الله تعالى بعد ذلك.
ولعل من أهم آثار الكتب غزو أبي سفيان من داخله وقد ساقه قدر الله إلى بلاط قيصر ليسمع رأيه بمحمد صلوات الله وسلامه عليه وقرع أذنه قول قيصر: (فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه).
والأشد من هذا على أبي سفيان قول قيصر (فإن كان ما تقوله حقا فسيملك موضع قدمي هاتين) وأبو سفيان يدري أنه قال الحق كل الحق رغم أنفه. وكان يحسب أن تهوينه من شأن محمد وأتباعه سوف يدفع قيصر للاستهانة بخصمه. لكنه يفاجأ بأن هذا التهوين زاد قناعة قيصر بنبوة محمد. وكان الغزو الداخلي لأبي سفيان حيث اعترف بذلك قائلا: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أن تخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام). إن التحرك السياسي الذي تقوم به الحركة الإسلامية يجب أن يهدف أول ما يهدف إلى تبليغ دعوة الله إلى حكام الأرض وملوكهم. ولو كلفت هذه الدعوة الحركة الإسلامية عنتا وحرجا إن من الخيانة لدعوة الله وشريعته أن تبارك الحركة الإسلامية أنظمة الكفر أو توحي إليهم أن أنظمتهم هي الإسلام بعينه، وأن شريعة الله تبارك طغيانهم وظلمهم وحكمهم بغير ما أنزل الله. وهذه الرسائل التي بين أيدينا تعلمنا طريقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالسباب والتحدي. ولا بد أن نوضح الخط الفاصل بين قضيتين:
القضية الأولى: أسلوب التعامل مع الحاكمين، وحسن اختيار الكلمة المناسبة، والضرب على الأوتار النفسية لهم، والاستفادة من الواقع العملي.
القضية الثانية: خلط الحق بالباطل. ومداهنتهم على كفرهم، ومباركة طغيانهم وطمس
стр. 494
معالم الإسلام. والتزلف لهؤلاء الحكام بجعل الإسلام وشريعة الله أداة لتقرير ظلمهم، وعدم القدرة على التفريق بين هاتين النقطتين. يمزق الصف المسلم، ويفجره.
فلقد رأينا هذه الرسائل تخاطب الملوك بألقابهم. ولكنها لا تقدمهم أبدا على رسول الله وهذه القضية البسيطة هي التي فجرت غيظ كسرى (عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي) فلم يكن حرجا أن نجد في نص الكتاب: عظيم فارس وعظيم القبط، والنجاشي، وعظيم الروم ونلاحظ كذلك في قضية الدعوة أن فكرة الوحدانية والرساله لا بد من أن تكون واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض حتى إذا أدى الأمر إلى التحديد حتى لا تطمس معانيها فلا بد من ذلك. حيث يكون الأمر جليا في رفض عبادة الأوثان لمن يعبد الأوثان. ورفض عبادة الصليب لمن يعبد الصليب.
غير أن هذا الإيضاح الجلي للشهادتين. كان يرافقه كثيرا الحديث عن المبادىء الإسلامية الخلقية من الصدق والعفاف والصلة وغير هذه الأمور التي يلتقي عليها الناس. ونلاحظ كذلك أن رسول الله ﷺ كان يضرب على الأوتار النفسية التي يخشاها الحاكمون، فكانت رسله تطمئن هؤلاء الحاكمين على ملكهم، وأنه سيحفظ لهم إذا دخلوا في الإسلام، حتى أولئك الذين عادوا الإسلام وحاربوه، لم يكن الغيظ أو الحقد لغير هذه السياسة بل كان إكرامهم هو الأساس بعد دخولهم بالإسلام أو حتى بعد انقطاعهم عن حربه.
لقد كانت هذه الرسائل منعطفا كبيرا وخطيرا في تاريخ الإسلام. وسمة عظيمة من سماته. حيث ربطت المسلمين بالعالم كله، بين تأييد أو بيعة أو مواجهة وكانت ثمرة عظيمة من ثمار الفتح المبين الذي حدثنا الله تعالى عنه والانتقال من الحرب الضروس على الأرض المحلية إلى تجاوب ملوك الأرض مع الإسلام هو نقلة واسعة بعيدة المدى هائلة الآفاق. وجاءت في وقتها المناسب بعد أن أعلنت قريش هدنتها لعشر سنين لتتيح لدولة الإسلام أن تأخذ أبعادها وجذورها في الأرض كالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
***
стр. 495
السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر
وتتضح هذه السمة من خلال التوجيه النبوي لجمع هذه القوى:
وقدم أهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر فيهم جعفر بن أبي طالب وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، في جماعة من الأشعريين يزيدون على سبعين وذكر ابن سعد عن الواقدي بسنده، إنهم لما سمعوا خبر هجرة رسول ﷺ إلى المدينة، ورجع معهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نفر، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا. فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضميري، فأسلم، وكتب إليه أيضا أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان - وكانت فيمن هاجر إلى الحبشة - فزوجه إياها. وكتب إليه أيضا أن يبعث بمن بقي عنده من أصحابه ويحملهم. فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية فأرسوا بساحل بولا وهو الجار، ثم ساروا حتى قدموا المدينة، فوجدوا رسول الله بخيبر فأتوه فقال ﷺ : ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ثم ضمه وقبل ما بين عينيه، وهم المسلمون أن يدخلوا جعفرا ومن قدم معه في سهماتهم ففعلوا، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة والطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابهم، ونفر من الأشعريين، فكلم رسول الله ﷺ أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة فقالوا: نعم يا رسول الله) (١).
لقد مرت الهجرة إلى الحبشة بمراحل ثلاث:
الهجرة الأولى: وكانت في السنة الخامسة. وعدد المهاجرين قليل. وعادوا في السنة السابعة عندما تناهى إلى أسماعهم خبر إسلام أهل مكة، وكان خبرا غير صحيح.
الهجرة الثانية: وبلغ عدد المسلمين فيها ثمانين ما بين رجل وامرأة. وهو تجمع في عدده قريب من تجمع المسلمين في مكة، وكما ذكر ابن سعد إنه قرابة ثلث هذا التجمع قد غادر الحبشة عقب الهجرة، وحضر منهم بضعة وعشرون غزوة بدر.
العودة الأخيرة: وكانت بدعوة رسمية من رسول الله ﷺ عن طريق النجاشي. ولا شك أن جعفرا ﵁ لا يغيب عن ذهن رسول الله ﷺ ومدى الحاجة الماسة إليه في المعارك الضارية مع قريش. ومع ذلك لم يستدعه النبي وصحبه مع حرصه ﵊ أن يكون أقرباؤه هم وقود المعارك، والذادة عن حمى الإسلام.