واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص (١) ﵁. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا - فقلت: إني رسول رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة قلت: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ ، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا. فسألني أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: وكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب. قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال، ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بل. قال: فبأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد ﷺ قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين، فاختاره لنفسه، ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع قال: أنظر ما تقول يا عمرو؟ قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم. وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا، وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه. لو كان أخى يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد ﷺ ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ذنبا. قلت: إن أسلم ملكه رسول الله على قومه. فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله ﷺ في الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. قال: يا عمرو وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ فقلت: نعم. فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون لهذا، قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه. فأخذ أعوانه بضبعي فقال دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني أجلس. فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه وقرأ حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قرآنه، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم من هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه
стр. 492
الخرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته تواطئك الخيل وتبيد خضراءك. فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال قال: دعني يومي هذا، وارجع إلي غدا.
فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ها هنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالا ليس كقتال من لاقى، قلت: أنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبي ﷺ وخليا بينه وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكان لي عونا على من خالفني.
وسياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيرا عن كتب بقية الملوك والأغلب أنه كان بعد الفتح.
وبهذه الكتب كان النبي ﷺ قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر ولكن شغل فكرة هؤلاء الكافرين وعرف لديهم باسمه ودينه ..
إن الرسائل المذكورة تفصح عن نفسها ولا تحتاج إلى تعليق .. فهذه الحركة العالية نقلت الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العالمي. وهزت عروش ملوك، وأدخلت ملوكا في الإسلام، ووجهت بعض الملوك إلى الحرب، وما كان هذا الأمر ليتم قبل صلح الحديبية. حيث أصبحت الدولة الإسلامية هي الدولة الأقوى في جزيرة العرب بلا منازع. وإنهاء الحرب الطاحنة كان إيذانا بالتفرغ إلى الدعوة وتبليغها للناس كافة، والإشارة التي لا بد منها في هذا الصدد هي أن رأيا قد يرد بخطورة هذه الرسائل على الدولة الإسلامية الفتية، التي توجه الأنظار نحوها، وخصوصا إلى كسرى وقيصر. وقد جرى ذلك في تخوم الشام ولدى كسرى الفرس الذي مزق الرسالة واستدعى محمدا. حيا أو ميتا. وهل بإمكان المدينة أن تواجه دول الأرض؟
ولا بد من إيضاح هذه النقطة بأن تبليغ الدعوة في الوقت المناسب وحي رباني والله تعالى هو الذي يتكفل بحماية دينه. فحين كانت المدينة عاجزة عن مواجهة دولة الفرس الكبرى هيأ الله تعالى لحماية نبيه ودعوته انقلابا عاليا على كسرى. أدى هذا الانقلاب لمقتل الحاكم الطاغية وتراجع ابنه عن موقف أبيه من محمد ﷺ كما يقول نص الكتاب (انظر الرجل الذي كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري). وكان من طرف آخر فتحا جديدا بإسلام باذان عامل الفرس على اليمن ودخول أهل اليمن في الإسلام.
وقد اشترك في هذا الخطر على الدولة الإسلامية الحارث بن أبي شمر الغساني الذي هدد
стр. 493
بغزو المدينة، ومن أجل ذلك كانت الاستعدادات العسكرية مرافقة للتحرك السياسي فكانت سرية مؤتة والصدام مع الروم فلا بد من تحمل تبعات الرسالة وكان تحرك سرية مؤتة ثأرا للرسول الذي قتل على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني.
بينما اشترك في موقف المراوغة والمهادنة قيصر الروم ومقوقس مصر، والذي حال بينهما وبين الإسلام هو خوفهما على ملكهما وجزعهما من الرعية أن تثور عليهم، ولعل ما نقله أبو سفيان ﵁ عن لقاء قيصر يعطي صورة واضحة وصادقة عن تصديق قيصر لرسول الله وكيف نخرت الرهبان بعد ذلك وهددوه لو أسلم بحربه.
ودخل الإسلام نجاشي الحبشة وحاكم البحرين وملك عمان.
وراوغ صاحب اليمامة وأراد أن يشترك في الغنيمة والرسالة فأهلكه الله تعالى بعد ذلك.
ولعل من أهم آثار الكتب غزو أبي سفيان من داخله وقد ساقه قدر الله إلى بلاط قيصر ليسمع رأيه بمحمد صلوات الله وسلامه عليه وقرع أذنه قول قيصر: (فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه).
والأشد من هذا على أبي سفيان قول قيصر (فإن كان ما تقوله حقا فسيملك موضع قدمي هاتين) وأبو سفيان يدري أنه قال الحق كل الحق رغم أنفه. وكان يحسب أن تهوينه من شأن محمد وأتباعه سوف يدفع قيصر للاستهانة بخصمه. لكنه يفاجأ بأن هذا التهوين زاد قناعة قيصر بنبوة محمد. وكان الغزو الداخلي لأبي سفيان حيث اعترف بذلك قائلا: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أن تخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام). إن التحرك السياسي الذي تقوم به الحركة الإسلامية يجب أن يهدف أول ما يهدف إلى تبليغ دعوة الله إلى حكام الأرض وملوكهم. ولو كلفت هذه الدعوة الحركة الإسلامية عنتا وحرجا إن من الخيانة لدعوة الله وشريعته أن تبارك الحركة الإسلامية أنظمة الكفر أو توحي إليهم أن أنظمتهم هي الإسلام بعينه، وأن شريعة الله تبارك طغيانهم وظلمهم وحكمهم بغير ما أنزل الله. وهذه الرسائل التي بين أيدينا تعلمنا طريقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالسباب والتحدي. ولا بد أن نوضح الخط الفاصل بين قضيتين:
القضية الأولى: أسلوب التعامل مع الحاكمين، وحسن اختيار الكلمة المناسبة، والضرب على الأوتار النفسية لهم، والاستفادة من الواقع العملي.
القضية الثانية: خلط الحق بالباطل. ومداهنتهم على كفرهم، ومباركة طغيانهم وطمس
стр. 494
معالم الإسلام. والتزلف لهؤلاء الحكام بجعل الإسلام وشريعة الله أداة لتقرير ظلمهم، وعدم القدرة على التفريق بين هاتين النقطتين. يمزق الصف المسلم، ويفجره.
فلقد رأينا هذه الرسائل تخاطب الملوك بألقابهم. ولكنها لا تقدمهم أبدا على رسول الله وهذه القضية البسيطة هي التي فجرت غيظ كسرى (عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي) فلم يكن حرجا أن نجد في نص الكتاب: عظيم فارس وعظيم القبط، والنجاشي، وعظيم الروم ونلاحظ كذلك في قضية الدعوة أن فكرة الوحدانية والرساله لا بد من أن تكون واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض حتى إذا أدى الأمر إلى التحديد حتى لا تطمس معانيها فلا بد من ذلك. حيث يكون الأمر جليا في رفض عبادة الأوثان لمن يعبد الأوثان. ورفض عبادة الصليب لمن يعبد الصليب.
غير أن هذا الإيضاح الجلي للشهادتين. كان يرافقه كثيرا الحديث عن المبادىء الإسلامية الخلقية من الصدق والعفاف والصلة وغير هذه الأمور التي يلتقي عليها الناس. ونلاحظ كذلك أن رسول الله ﷺ كان يضرب على الأوتار النفسية التي يخشاها الحاكمون، فكانت رسله تطمئن هؤلاء الحاكمين على ملكهم، وأنه سيحفظ لهم إذا دخلوا في الإسلام، حتى أولئك الذين عادوا الإسلام وحاربوه، لم يكن الغيظ أو الحقد لغير هذه السياسة بل كان إكرامهم هو الأساس بعد دخولهم بالإسلام أو حتى بعد انقطاعهم عن حربه.
لقد كانت هذه الرسائل منعطفا كبيرا وخطيرا في تاريخ الإسلام. وسمة عظيمة من سماته. حيث ربطت المسلمين بالعالم كله، بين تأييد أو بيعة أو مواجهة وكانت ثمرة عظيمة من ثمار الفتح المبين الذي حدثنا الله تعالى عنه والانتقال من الحرب الضروس على الأرض المحلية إلى تجاوب ملوك الأرض مع الإسلام هو نقلة واسعة بعيدة المدى هائلة الآفاق. وجاءت في وقتها المناسب بعد أن أعلنت قريش هدنتها لعشر سنين لتتيح لدولة الإسلام أن تأخذ أبعادها وجذورها في الأرض كالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
***
стр. 495
السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر
وتتضح هذه السمة من خلال التوجيه النبوي لجمع هذه القوى:
وقدم أهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر فيهم جعفر بن أبي طالب وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، في جماعة من الأشعريين يزيدون على سبعين وذكر ابن سعد عن الواقدي بسنده، إنهم لما سمعوا خبر هجرة رسول ﷺ إلى المدينة، ورجع معهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نفر، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا. فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضميري، فأسلم، وكتب إليه أيضا أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان - وكانت فيمن هاجر إلى الحبشة - فزوجه إياها. وكتب إليه أيضا أن يبعث بمن بقي عنده من أصحابه ويحملهم. فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية فأرسوا بساحل بولا وهو الجار، ثم ساروا حتى قدموا المدينة، فوجدوا رسول الله بخيبر فأتوه فقال ﷺ : ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ثم ضمه وقبل ما بين عينيه، وهم المسلمون أن يدخلوا جعفرا ومن قدم معه في سهماتهم ففعلوا، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة والطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابهم، ونفر من الأشعريين، فكلم رسول الله ﷺ أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة فقالوا: نعم يا رسول الله) (١).
لقد مرت الهجرة إلى الحبشة بمراحل ثلاث:
الهجرة الأولى: وكانت في السنة الخامسة. وعدد المهاجرين قليل. وعادوا في السنة السابعة عندما تناهى إلى أسماعهم خبر إسلام أهل مكة، وكان خبرا غير صحيح.
الهجرة الثانية: وبلغ عدد المسلمين فيها ثمانين ما بين رجل وامرأة. وهو تجمع في عدده قريب من تجمع المسلمين في مكة، وكما ذكر ابن سعد إنه قرابة ثلث هذا التجمع قد غادر الحبشة عقب الهجرة، وحضر منهم بضعة وعشرون غزوة بدر.
العودة الأخيرة: وكانت بدعوة رسمية من رسول الله ﷺ عن طريق النجاشي. ولا شك أن جعفرا ﵁ لا يغيب عن ذهن رسول الله ﷺ ومدى الحاجة الماسة إليه في المعارك الضارية مع قريش. ومع ذلك لم يستدعه النبي وصحبه مع حرصه ﵊ أن يكون أقرباؤه هم وقود المعارك، والذادة عن حمى الإسلام.
стр. 496
ولقد كان لمصرع حمزة ﵁ في أحد أعظم الأثر على رسول الله ﷺ وقال عنه: لن أصاب بمثلك أبدا، وقال: ما وقفت موقفا قط أغيظ لي من هذا. وبقي من أقاربه الأدنين علي ﵁، وعندما برز لعمرو بن عبدود في الخندق يروى أنه قال ﵊: رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، ويؤكد حرص الرسول ﷺ على أن يكون أهله معه في المعركة. ما رأيناه في مؤتة إذ أنه في أقل من أشهر كان جعفر على رأس المجاهدين في مؤتة وأحد الأمراء الثلاثة.
وحاجة رسول الله ﷺ إلى المجاهدين من صحبه وأهله المهاجرين كانت حاجة ماسة ومع ذلك لم يستدعهم وتفسير ذلك والله أعلم - يعود إلى حرص النبي ﷺ على إبقاء مراكز احتياطية للدعوة يمكن الانتقال إليها لو فقدت المدينة، وكان احتمال تعرض المدينة لهجوم مباغت كاسح قائما في كل لحظة. ومن أجل هذا بقي الأشعريون في اليمن، والدوسيون في دوس ومهاجروا الحبشة في الحبشة، والغفاريون في غفار بقي هؤلاء جميعا قوى احتياطية لمتابعة المعركة فيما لو فقد موقع من هذه المواقع.
ولا شك أن الحبشة هي موقع غير استراتيجي للمواجهة وبين الأبعدين الغرباء لكنها بصفتها مركزا آمنا وملجأ للدعوة هي من خير المواقع لذلك. خاصة وأن النجاشي ملكها قد أسلم سرا وبايع رسول الله ﷺ .
أما بعد صلح الحديبية، فقد اختلف الأمر، وزال الخطر عن المدينة، وأمن الناس، وأتاحت الهدنة للمحيط العربي والعالمي أن يفقه الإسلام في هذه المرحلة استدعى رسول الله ﷺ رصيده الاحتياطي. إذ لم يعد بحاجة إليه في اليمن أو الحبشة. بل صار بحاجة ماسة إليه ليشارك في الجبهات الجديدة المفتوحة خارج جزيرة العرب، ومع غير العرب من الروم والفرس.
وهذا درس مهم يحسن أن تقف أمامه الحركة الإسلامية طويلا، وهي تخوض حروبها مع الطغاة أن لا تكون قوتها جميعا في موقع واحد .. فإذا ضرب هذا الموقع انتهت - لا سمح الله - بل لا بد لها أن تبحث عن أكثر من مكان آمن، وأكثر من قاعدة احتياطية. فإذا تغيرت الظروف الصعبة وكشفت المحنة وصارت المواقع كلها آمنة ومراكز للدعوة تستطيع عندئذ أن تنهي بعض المراكز. أو تستقطب القوى حول المركز الرئيسي الذي يرفد كل المراكز الثانوية والتمكن في الأرض هو الذي يتيح المجال لمثل هذه الخطوة.
يقول الشهيد سيد ﵀:
ومن ثم كان بحث الرسول ﷺ عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة، وتكفل لها الحرية، ويتاح لها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في
стр. 497
مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة ... وهذا في تقديري كان هو السبب الأهم والأول للهجرة.
ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب، لتكون قاعدة الدولة الجديدة عدة اتجاهات سبقها الاتجاه إلى الحبشة، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند الى قرائن قوية. فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا إنما هاجر رجال ذوو عصبيات لهم من عصبيتهم في بيئة قبلية، ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين منهم جعفر بن أبي طالب وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي ﷺ -ومنهم الزبير بن العوام- وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة المخزومي وعثمان بن عفان الأموي .. وغيرهم، وهاجرت نساء كذلك من أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا، وربما كان من وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة من قريش وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم، مرارا من الجاهلية تاركين وراءهم كل وشائج القربى، في بيئة قبلية
تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم الجاهلية وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها. ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة، وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة. ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه كما ورد في روايات صحيحة) (١).
ويؤيد ما ذهب إليه سيد ﵀ إنه مجرد ظهور القاعدة الأمنة والعاصمة الجديدة غادر حوالي ثلث المهاجرين إلى المدينة وبقيت الأكثرية منهم هناك حفاظا على هذه القاعدة بأمر رسول الله ﷺ . إلى أن زال الخطر، وأمن الناس، وقويت شوكة المسلمين بحيث أصبحت مستعصية على الإبادة كما يقول ﵊: الآن نغزوهم ولا يغزونا أمكن عندها استدعاء الجالية الإسلامية في الحبشة لتمارس دورها الفعال في الجهاد في العارك القادمة.
وحري بنا أن نقتفي أثر هذا الهدي النبوي، ونتعلم ونحن نواجه هذا المجتمع. أن نرعى هذا الجانب، ولا نضع البيض في سلة واحدة كما يقول المثل فينتهي الوجود الحركي والعياذ بالله.
стр. 498
السمة التاسعة:
إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر
كان مما وعد الله تعالى به المؤمنين في سورة الفتح، قوله :
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم وأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما﴾ (١).
وسنأخذ تلخيص المباركفوري عن الغزوة فهو من أشمل ما كتب عنها وأوفاه:
(كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ستين أو ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة.
سبب الغزوة: ولما اطمأن رسول الله ﷺ من أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة وأمن منه أمنا باتا بعد الهدنة أراد أن يحاسب الجناحين الباقين - اليهود وقبائل نجد - حتى يتم الأمن والسلام، ويسوذ الهدوء في المنطقة، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه.
ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر، ومركز الاستفزازات العسكرية ومعدن التحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا.
أما كون خيبر بهذه الصفة، فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالات بالمنافنين - الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي - وبغطفان وأعراب البادية - الجناح الثالث من الأحزاب - وكانوا هم أنفسهم يهيؤون للقتال فألقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متواصلة حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي ﷺ وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متوالية وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين، مثل سلام بن أبي الحقيق، وأسير بن رزام، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك وإنما أبطأوا بالقيام بهذا الواجب لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم - وهي قريش - كانت مجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين، واقترب لهم يوم الحساب.
الخروج إلى خيبر: قال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم: ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر .. فلما أراد رسول الله الخروج إلى خيبر. أعلن أنه لا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب
стр. 499
الشجرة وهم ألف وأربعمائة ... وقد قام المنافقون يعملون لليهود فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر، إن محمدا قصد قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم. ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عزل لا سلاح معهم إلا قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا على المسلمين.
الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر: بات المسملون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبا من خيبر، وإلا تشعر بهم اليهود، وكان النبي. ﷺ إذا أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم فلما رأوا الجيش قالوا: محمد، والله محمد والخميس ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي ﷺ ، الله أكبر خربت خيبر -الله أكبر خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (١) ..
التهيؤ للقتال وحصون خيبر: ولما كانت ليلة الدخول قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح غدوا على رسول الله ﷺ : كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب. فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه، فبصق رسول الله في عينيه ودعا له فبرىء، كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (٢).
وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين:
شطر فيها خمسة حصون:
١ - حصن ناعم،
٢ - حصن الصعب بن معاذ،
٣ - حصن قلعة الزبير،
٤ - حصن أبي،
٥ - حصن النزار.
والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها النطاة، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى الشق.
أما الشطر الثاني ويعرف بالكتيبة ففيه ثلاثة حصون فقط
١ - حصن القموص (وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير)
٢ - حصن الوطيح
٣ - حصن السلالم.
وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال.
стр. 500
بدء المعركة وفتح حصن ناعم: وأول حصن هاجمه المسلمون من هذه الحصون الثمانية هو حصن ناعم، وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاسراتيجي وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف.
خرج علي بن أبي طالب ﵁ بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى الإسلام فرفضوا هذه الدعوة وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة، قال سلمة بن الأكوع، فلما آتينا خيبر خرج ملكهم يخطر بسيفه يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز له عمي عامر فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر وذهب عامر يسفل له وكان سيفه قصيرا فتناول به ساق اليهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه، وقال فيه النبي ﷺ : إنه لأجرين وجمع بين إصبعيه .. (١)
ويبدو أن مرحب دعا بعد ذلك إلى المبراز مرة أخرى وجعل يرتجز بقوله:
قد علمت خيبر أني مرحب- فبرز له علي بن أبي طالب قال سلمة بن الأكوع: فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (٢).
ولما دنا علي ﵁ من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن وقال: من أنت، قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى.
ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني؟ قال: بل ابنك يقتله، فقتله الزبير.
стр. 501
ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه عدد من سراة اليهود انهارت لأجله مقاومة اليهود وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أياما لاقى المسلمون فيه مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم.
فتح حصن الصعب بن معاذ:
وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري. ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث دعا رسول الله ﷺ لفتح هذا الحصن دعوة خاصة، وروى ابن إسحاق: أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه. فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا. فغدا الناس ففتح الله حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه) (١).
ولما ندب النبي ﷺ المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات.
ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق كان رجال من الجيش قد ذبحوا الحمير، ونصبوا القدور على النيران فلما علم رسول الله ﷺ بذلك نهى عن لحوم الحمر الأنسية.
فتح قلعة الزبير: وبعد فتح حصن ناعم والصعب، تحول اليهود من كل حصون النطاة إلى قلعة الزبير وهو حصن منيع في رأس تلة، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه. ففرض عليه رسول الله ﷺ الحصار، وأقام محاصرا ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا إن لهم شرابا وعيونا تحت الأرض تخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك (٢) فقطع ماءهم عليهم فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله ﷺ .
стр. 502
فتح قلعة أبي: وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيها، وفرض المسلمون عليهم الحصار وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر يطلب المبارزة، وقد قتلهما أبطال المسلمين، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء. وقد أسرع أبو دجانه بعد قتله إلى اقتحام القلعة واقتحم معه الجيش الإسلامي وجرى قتال مرير ساعة دخول الحصن. ثم تسلل اليهود من القلعة وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن من الشطر الأول.
فتح حصن النزار: كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على ثقة بأن المسلمين لا يسطيعون اقتحام هذه القلعة وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع السابقة، وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار، وصاروا يضغطون عليهم بعنف ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلا للاقتحام فيه، أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين أمر النبي ﷺ بنصب آلات المنجنيق ويبدو أن المسلمين قذفوا بها القذائف فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى. بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم. وبعد فتح هذا الحصن المنيع، تم فتح الشطر الأول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشق وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذا الحصن وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر.
فتح الشطر الثاني من خيبر: ولما فتح ناحية النطاة والشق تحول رسول الله ﷺ إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم حصن أبي الحقيق من بني النضير، وجاءهم كل فل كان انهزم من النطاة والشق وتحصن هؤلاء أشد التحصن.
واختلف أهل المغازي هل جرى هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا؟ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص. بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجرى هناك مفاوضات للاستسلام أما الواقدي فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال. وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال، ومهما كان فلما أتى رسول الله ﷺ إلى هذه الناحية -الكتيبة-فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يوما واليهود لا يخرجون من حصونهم
стр. 503
حتى هم رسول الله ﷺ أن ينصب عليهم المنجنيق فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله ﷺ الصلح.
المفاوضة: وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله ﷺ : انزل أكلمك؟ قال: نعم فنزل، وصالح على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله ﷺ وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء - أي الذهب والفضة- والكراع والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان، فقال رسول الله ﷺ : وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا فصالحوه على ذلك وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين وبذلك تم فتح خيبر.
قتل ابن أبي الحقيق لنقض العهد: وعلى رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالا كثيرا غيبا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير.
قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع. وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه. فجحد أن يكون يعرف مكانه. فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيته يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم فأمر بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي منه فأبى أن يؤديه، فدفعه الى الزبير، وقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن سلمة فضرب عنقه بمحمود بن سلمة (١).
قسمة الغنائم: وأراد رسول الله ﷺ أن يجلي اليهود عن خيبر فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون يقومون عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله ﷺ أن يقرهم، وكان عبد الله بن رواحة يخرصها (٢) عليهم، وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهما وجمع كل سهم مائة سهم فكان ثلاثة آلاف وستمائة سهم فكان لرسول الله ﷺ والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم لرسول الله ﷺ سهم كسهم أحد المسلمين وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة سهم، سهم لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس. لكل فرس سهمان فقسمت على ألف وثمانمائة سهم فصار
стр. 504
للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد.
قتلى الفريقين في معارك خيبر: وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلا، أربعة من قريش وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلا.
فدك: ولما بلغ رسول الله ﷺ إلى خيبر، بعث محيصة بن مسعود إلى يهود فدك ليدعوهم إلى الإسلام فأبطأوا عليه فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم. فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما صالح عليه أهل خيبر فقبل ذلك منهم. فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة لأنه لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.
وادي القرى: ولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادي القرى وكان بها جماعة من يهود وانضاف إليهم جماعة من العرب. فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي وهم على تعبئة. فقتل مدعم عبد لرسول الله ﷺ . فقال الناس هنيئا له الجنة. فقال النبي ﷺ كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لتشتعل عليه نارا ..
ثم عبأ رسول الله ﷺ أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا وبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز له علي بن أبي طالب ﵁ فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام. وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا. وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام. وقسم على أصحابه ما أصاب بها وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها (١) كما عامل أهل خيبر.
تيماء:
ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فدك ووادي القرى لم يبد أي مقاومة ضد المسلمين بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح فقبل ذلك منهم رسول الله ﷺ
стр. 505
وأقاموا بأموالهم (١). وكتب لهم بذلك كتابا وهاك نصه: هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا إن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء الليل مد، والنهار رشد، وكتب خالد بن سعيد.
العود إلى المدينة:
ثم أخذ رسول الله في العودة إلى المدينة وفي مرجعه ذلك سار ليلة، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق وقال لبلال: اكلأ لنا الليل فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد ﷺ حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله ﷺ ، ثم خرج من ذلك الوادي، وتقدم صلى الفجر بالناس، وقيل: إن هذه القصة في غير هذا السفر (٢).
وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر يبدو أن رجوع النبي ﷺ كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة ٧ هـ) (٣).
أمر الأسود الراعي في حديث خيبر:
قال ابن إسحاق:
وكان من حديث الأسود الراعي فيما بلغني: أنه أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له، كان فيها أجيرا لرجل من يهود فقال: يا رسول الله: اعرض علي الإسلام، فعرضه عليه، فأسلم- وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه، فلما أسلم قال: يا رسول الله، إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها فإنها ستريع إلى ربها - أو كما قال- فقام الأسود فأخذ حفتة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها، حتى دخلت الحصن ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط فأتى به رسول الله ﷺ ، فوضع خلفه، وسجي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين. قال ابن إسحاق:
وأخبرني عبد الله بن أبي نجيح أنه ذكر له: أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت له زوجتاه من الحور العين عليه تتفضان التراب عن وجهه، وتقولان: ترب الله وجه من تربك، وقتل من
стр. 506
قتلك.
أمر الحجاج بن علاط السلمي:
قال ابن إسحاق:
ولما فتحت خيبر كلم رسول الله ﷺ الحجاج بن علاط السلمي ثم البهتري، فقال: يا رسول الله، إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة- وكانت عنده له منها معرض بن الحجاج - مال متفرق في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله، فأذن له قال. إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول قال: قل الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء (١) رجالا من قريش يتسمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله ﷺ ، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أبا قرية الحجاز، ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط، قال: ولم يكونوا علموا بإسلامي، عنده والله الخبر - أخبرنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود، وريف الحجاز، قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم، قال: فالتبطوا (٢) بجنب ناقني يقولون: إيه يا حجاج، قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا وأسر محمد أسرا. وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم ممن كان أصاب من رجالهم، قال: فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل (٣) محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك.
قال: فقاموا فجمعوا مالي كله كأحث (٤) جمع سمعت به قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي. وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار؟ قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب، وجاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال: يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟ قال، فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم. قلت: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء. فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتى أفرغ. حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس، فقلت: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني
стр. 507
أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال: افعل قلت: فإني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حيي - ولقد افتتح خيبر، وانتثل (١) ما فيها وصارت له ولأصحابه، فقال: ما تقول يا حجاج؟ قلت: إي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي، فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: حتى إذا كان اليوم الثاني لبس العباس حلة له وتخلق (٢) وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة، قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، قال، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك (٣).
خرص ابن رواحة ثم جبار على أهل خيبر:
قال ابن إسحاق: فكان رسول الله ﷺ كما حدثني عبد الله بن أبي بكر يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم فإذا قالوا: تعديت علينا قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا، فتقول يهود بهذا قامت السموات والأرض. وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا، ثم أصيب بمؤته يرحمه الله فكان جبار بن صخر أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة فأقات يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم حتى عدوا في عهد رسول الله ﷺ على عبد الله بن سهل أخي بن حارثة فاتهمهم رسول الله ﷺ والمسلمون عليه.
إجلاء اليهود عن خيبر أيام عمر: قال ابن إسحاق: وسألت ابن شهاب الزهري كيف كان إعطاء رسول الله ﷺ يهود خيبر نخلهم، حين أعطاهم النخل على خرجها، أبت ذلك لهم حتى قبض، أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك، فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت خيبر مما أفاء الله على رسول الله ﷺ ، وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله ﷺ ، فقال إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم؛ وأقركم ما أقركم الله، فقبلوا فكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها، ويعدل عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه ﷺ ، أقرها أبو بكر
стр. 508
رضي الله تعالى عنه، بعد رسول الله ﷺ بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله حتى توفي، ثم أقرها عمر ﵁ صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله ﷺ قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود، فقال: إن الله قد أذن في جلائكم، قد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله ﷺ من اليهود فليأتني به، أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ من اليهود فليتجهز للجلاء فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ منهم (١).
من شهد خيبر من النساء: وشهد خيبر عشرون امرأة منهن أم المؤمنين أم سلمة، وصفية بنت عبد المطلب، وأم أيمن وسلمى أمراة أبي رافع مولاة النبي ﷺ وامرأة عاصم بن عدي وأم عمارة وأم منيع وكعيبة بنت سعد، وأم مطاع الأسلمية، وأم سليم بنت ملحان، وأم الضحاك بنت مسعود، وهند بنت عمرو بن حرام، وأم عامر الأشهلية، وأم عطية الأنصارية، وأم سليط. وأمية بنت قيس الغفارية (٢).
لم يمض على موعود الله لجند الحديبية أكثر من شهرين بالفتح القريب والمغانم الكثيرة حتى كانت حصون خيبر بما تحوي من خيرات بين يدي المسلمين، وشاء قدر الله أن لا يشارك مع أهل الحديبية أحد معهم في خيبر، اللهم إلا بعض النساء، والوفود القادمة من اليمن والحبشة.
ولقد بلغ من جهد المسلمين وجوعهم وفاقتهم في هذه المعركة أن ذبحوا الحمر الأهلية، ونصبوا القدور على النيران، وجاء منادي رسول الله ﷺ : إن رسول الله ينهاكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية.
(قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عمرو بن ضمرة عن عبد الله بن أبي سليط عن أبيه قال: أتانا نهي رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأنسية. والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها) (٣).
وإنها لتجربة قاسية ولا شك، وفريدة كذلك أن المسلمين قد عض الجوع بنابهم وليس لديهم ما يأكلون حتى التمر لا يجدونه، وهم مكلفون بخوض حرب طاحنة مع اليهود وليسوا مسترخين نائمين في المعسكر، وذبحوا الحمر وطهوها، وسال لعابهم عليهم، والقدور تفور باللحم الطازج ثم يأتي الأمر النبوي بالنهي عن أكل لحموم الحمر، فما يترددون لحظة واحدة، أو
стр. 509
يشكلون استعصاء مسلحا، أو يشكلون فرارا من الجيش والمعركة أو يتموا هذه الوجبة وينتهوا بعد ذلك، أو ينهشوا بنهشة واحدة تقيم أودهم لم يفعلوا ذلك كله، إنما كفؤوا القدور باللحم، واسجابوا لأمر الله ورسوله. وهو درس حي ولا شك في الالتزام والانضباط بالأوامر بالعسر واليسر والمنشط والمكره. وأن يكون الجندي المسلم خارجا من سلطان بطنه، وهو على أشد ما يكون من الجوع، وهو مكلف بخوض معركة، هو مستوى رفيع جدا، حين نرقى إليه نرقى معه إلى مستوى نصر الله.
وكان بالإمكان أن ينهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية قبل ذبحها، أو بعد ذبحها، وقبل العناء بطهيها وجمع الحطب ونفخ النار تحتها، لكن حتى تكون التجربة في أعمق أبعادها شاءت إرادة الله تعالى أن يكون النهي والقدور تغلي بلحوم الحمر، حتى يكشف الالتزام في أصعب أحواله، والذي يلتزم في هذا الظرف قادر على الالتزام بما هو أدنى منه.
وشيء آخر لا يقل صعوبة ومرارة عنه. هذا الشيء هو حفظ الفرج عن الحرام. فلقد مضى المسلمون لخيبر، والمتعة حلال لهم، ولم يشهد المسلمون بعدا عن نسائهم كما شهدوه في خيبر. لقد استمرت المعركة شهرين قاسيين. فكان لا بد من تلبية داعي الجنس الحلال من خلال الاستمتاع المؤقت بالنساء. وكان النهي عن نكاح المتعة كذلك في هذه المناسبة. ولم يكن النهي وهم بجوار نسائهم في المدينة، ولم يكن النهي مجرد وصولهم إلى خيبر لقد كان النهي في أصعب مظانه، في قلب المعركة، وبعد الغياب الطويل عن الزوجات. وحيث الإمكانات المتاحة للمتعة. ولم يكن النهي منصبا فقط عن نكاح المتعة في علاج حفظ الفرج والانضباط فيه. بل كان من أمور عدة يحدثنا عنها رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁ وقد قام خطيبا في المسلمين بعد أن افتتح قرية من قرى المغرب فقال:
(يا أيها الناس إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقوله فينا يوم خيبر قام فينا رسول الله ﷺ فقال: لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني إتيان الحبالى من السبايا - ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها. ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه) (١).
إنها أمور تمس ثلاث شهوات هي من أعمق ما تحمله النفس البشرية من شهوات.
стр. 510
شهوة الجوع التي يتشدق الماديون فيها، حتى ليبيحوا من أجلها الأعراض والسرقة.
وشهوة الجنس التي يعتبرها الماديون جزءا من تركيب الإنسان وحاجة عضوية فيه وشهوة التملك التي يستعبد الناس ويسبذلون من أجلها. ويأتي الأمر النبوي، وهذه الشهوات على أشد ما تكون يقظة وحاجة وشدة بالامتناع عنها، فستجيب الصف المسلم كله، دون أن تسجل مخالفة إلا مخالفة واحدة سنعرض لها فيما بعد.
ولئن حملت الحديبية إنسانا واحدا تباطأ عن البيعة على الموت. فلقد شهدت خيبر من أهل الحديبية مخالفة لا تكاد تذكر في هذه الأمور. وذلك من خلال ربط هذه الأمور فقط بالإيمان بالله واليوم الآخر.
وأمام هذا الصبر على الجوع، والصبر على الجنس في سبيل الله، والصبر على الغنائم حتى توزع وبعد هذه التجربة القاسية الفريدة. كان عطاء الله تعالى وفيض رحمته أكبر من كل التوقعات وشهدنا دعاء رسول الله ﷺ للأسلميين الذين جاؤوا يشكون لرسول الله ﷺ جوعهم وفاقتهم وكان الدعاء الخالد:
اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا، فغدا الناس، ففتح الله حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه.
ويحدثنا المقريزي عن بعض هذه الغنائم فيقول: (واقتحم المسلمون الحصن يقتلون ويأسرون فوجدوا فيه من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك كثيرا. فنادى منادي رسول الله ﷺ كلوا واعلفوا ولا تحتملوا (يعني لا تخرجوا به إلى بلادكم) فأخذوا من ذلك الحصن طعامهم وعلف دوابهم ولم يمنع أحد من شيء ولم يخمس ووجدوا بزا في عشرن عكيما (١) محزومة من متاع اليمن، ووجدوا خوابي سكر، فأمر بالسكر (٢) فكسر في خوابيه (٣)، ووجدوا آنية عن نحاس وفخار كانت يهود تأكل فيها وتشرب فقال ﵇: اغسلوها واطبخوا وكلوا فيها واشربوا وأخرجوا منها غنما وبقرا وحمرا، وآلة الحرب، ومنجنيفا ودبابات، وعدة، وخمسمائة قطيفة ...) (٤).
وهذا هو الصف الذي كتب الله تعالى له النصر في خيبر بالتزامه وانضباطه في القليل والكبير، ونحن بحاجة لهذا الصف الذي يلتزم بالأوامر من منطلق الإيمان قبل التزامه من منظلق
стр. 511
الخوف والسلطة.
٢ - أما الحديث عن المخالفات فهو عجيب حقا. نستمع إلى النماذج التي حدثت في هذه الغزوة: (وشرب الخمر رجل من المسلمين يقال له: عبد الله الحمار. فخفقه رسول الله بنعليه، وأمر من حضروه فخفقوه بنعالهم، ولعنه عمر بن الخطاب ﵁، فقال ﷺ : فإنه يحب الله ورسوله، ثم راح عبد الله كأنه أحدهم فجلس معهم) (١).
(ونادى منادي رسول الله ﷺ : أدوا الخياط (٢) والمخيط (٣) فإن الغلول عار وشنار ونار يوم القيامة. فعصب فروة رأسه بعصابة ليستظل بها من الشمس فقال رسول الله ﷺ عصابة من نار عصبت بها رأسك فطرحها .. وتوفي رجل من أشجع فلم يصل عليه وقال: إن صاحبكم غل (٤) في سبيل الله، فوجد في متاعه خرز لا يساوي درهمين (٥)).
نذكر هذه الهنات ونذكر معها مثلا آخر مما وقع بين يدي المسلمين وكانوا قادرين على الغلول فيه:
(قال ابن وهب: قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: من أرض خيبر وهي أربعون ألف عذق فوجد خمسمائة قوس عربية، ومائة درع، وأربعمائة سيف، وألف رمح) (٦).
وفي مكان آخر: وصالح كنانة بن أبي الحقيق رسول الله ﷺ على أهل الكتيبة فأمن الرجال والذرية، ودفعوا إليه الأموال والذهب والفضة والحلقة والثياب إلا ثوبا على إنسان بعد ما حصرهم أربعة عشر يوما (٧).
في هذه الغنائم الكثيرة المثقلة من المال والمتاع والسلاح والطعام، وجد من أخذ خرزا لا يساوي درهمين، ومن عصب رأسه بعصابة. وكان الجزاء الصارم أن قيل لصاحب العصابة عصابة من نار تعصب بها رأسك (٨). ولم يصل على الثاني لهذا الغلول.
стр. 512
أمر لا يعرفه تاريخ الأمم والحروب في الدنيا إلا لدى الصف المسلم.
ومخالفة ثالثة أن يوجد بين الألف والأربعمائة إنسان، رجل لم يملك نفسه أمام خوابي الخمر وهي تكسر؛ فشرب الخمر في لحظة ضعف، وكانت العقوبة الصارمة أن خفقه رسول الله ﷺ بنعليه، وخفقه المسلمون بنعالهم، فتلقى العقوبة بصدر رحب، ولم يمض ليبيت ليلا اغتيال رسول الله ﷺ وصحبه لهذه الإهانة بل أنهى العقوبة وراح يمزح ويضحك مع المسلمين، بل رفض رسول الله ﷺ لعنه، وقال عنه، وهو يتلقى عقوبة المعصية: إنه يحب الله ورسوله.
فليست مهمة العقوبة أن تسلخ الجندي من الصف، وتحوله إلى حاقد موتور. بل مهمتها تطهيره من الذنب ليغدو أهلا للجندية في هذا الصف المسلم، واللعن يرفض، لأنه عقوبة فوق العقوبة. بل الثناء عليه ليبقى بقلبه الحي المؤمن لاصقا بالصف ملتحما فيه.
وما أحرج صفنا وجنودنا إلى هذه المستويات حيث يتقبل الأخ المسلم العقوبة بصدر رحب. وحيث يفقه إخوانه فلسفة العقوبة لا لطرده وتحطيم نفسيته، بل لتطهيره وضمه جنديا في الصف بريئا من الذنب.
هذا هو الصف المسلم الذي انتصر بخيبر على اليهود. ويكفي هذا الوصف. لنتعرف على الصف العربي الذي لا يزال يحارب اليهود ثلث قرن ويتلقى الهزائم المكررة:
نذكر ذلك الصف في خيبر. حيث يخفق شارب الخمر بالنعال. والصف العربي الذي قال عنه مدير مخابرات العدو، سوف أهزم العرب بما يحرمه عليهم دين محمد، بالخمر والنساء.
وفعلا هزم الصف بالمعصية، إذ كان الطيارون ليلة الخامس من حزيران في عربدة مع الخمر والنساء وعلى رأسهم العقداء والألوية والفريق الأول قائد سلاح الطيران وذلك حتى الفجر.
وبهذه المقارنات ندرك من ذلك الجيش، ومن هذا الجيش، وفيه الغنى عن أي تعليق.
٣ - وبقيت مخالفة أرجأتها للمقارنة مع صورة مقابلة. نلحظ من تلك المقارنة كيف يكون الحكم على الأشخاص لأن صف الحركة الإسلامية يستهجن وجود نوعيات انتهازية فيه:
(قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد بن سالم عن أبي هريرة قال: فلما انصرفنا مع رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادي القرى ونزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله الله ﷺ غلام له، أهداه له رفاعة بن زيد، فوالله إنه ليضع رحل رسول الله ﷺ إذ أتاه سهم غرب (١) فأصابه فقتله. فقلنا هنيئا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ : كلا والذي نفس محمد بيده إن
стр. 513
شملته (١) الآن لتحترق عليه في النار، كان غلها من فيء للمسلمين يوم خيبر. فسمعها رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فأتاه فقال: يا رسول الله: أصبت شراكين لنعلين لي، قال فقال: يقد لك مثلهما في النار) (٢).
نضع هذا الغلام الذي رآه الناس من أهل الجنة وهو يعيش في الصف المسلم منذ فترة غير قليلة، ثم أصبح من خواص رسول الله ﷺ وخدمه مع الغلام الآخر، الأسود الراعي الذي قص لنا ابن إسحاق خبره حين قال: يا رسول الله: اعرض علي الإسلام فعرضه عليه، فأسلم وكان رسول الله لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام، ويعرضه عليه، فلما أسلم قال يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها. فقام الأسود، فأخذ حفنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به رسول الله ﷺ فوضع خلفه، وسجي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا: يا رسول الله: لم أعرضت عنه، فقال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين) (٣).
صورتان متقابلتان عجيبتان لغلامين في الصف المسلم، ونهايتان أغرب وأعجعب.
غلام رسول الله ﷺ ويقتل بين يديه، ويهنأ بالجنة على ظاهر الأمر وغلام يهودي لم يصل لله صلاة قط، ويقتل على باب الحصن الذي خرج منه. والشملة التي غلها غلام رسول الله ﷺ وهي خيانة كانت كفيلة أن تشتعل عليه في النار، ويحرم من الجنة، ولم يشفع له خدمته لرسول الله، وماضيه السابق في الصف المسلم، وأمانة الغلام اليهودي تحولت كرامة له بحفنة من حصباء في وجه الغنم يقول لها: فوالله لا أصحبك أبدا، ويدخل في الاسلام طاهرا من يهوديته ومن ذنوبه بهذه الأمانة العظيمة. وما هي إلا ساعة حتى يغدو الغلام اليهودي قتيلا. فتتدلى له زوجتاه من الحور العين تحفانه إلى الجنة.
يا شباب دعوة الإسلام:
ليكن هذا الدرس حيا في نفوسكم، فالخطيئة الصغيرة تؤدي إلى النار ولو كانت شملة من غنيمة لا يؤبه لها. ولا يشفع معها قدم في الدعوة أو ماض في الجهاد أو موقع في التنظيم.
والاستقامة على المنهح ولو كانت من أعدى أعدائكم لحظة واحدة كفيلة بالشهادة في سبيل
стр. 514
الله لا يحول دونها حرب عنيفة للإسلام، أو تحتاج إلى رصيد من الطاعة والعبادة. بل النية الصادقة والتصميم على الاسقامة تكفي في ميزان الله لدخول الجنة.
ودعوا عنكم المظاهر فالله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم.
وآن لقيادة الحركة الإسلامية أن لا تغالي في الحكم على الأشخاص وخاصة أبناءها من خلال القدم التنظيمي فترفع هذا الجندي إلى المستوى الأعلى عندها بغض النظر عن سلوكه وتربيته.
وآن لشباب الحركة الإسلامية أن لا يغالوا في المكابرة بمن يأتيهم صادقا إلى الصف فيحرموه من كل ثقة لأنه لم يمر عليه قدم تنظيمي في الجماعة.
فقد يكون ذلك الأخ النقيب من أهل النار، وقد يكون هذا الجندي الجديد الذي لا تزال آثار حربه للإسلام بادية عليه من أهل الجنة.
ولتأخذ التربية الحقة دورها في الصف المسلم وليكفكف الشباب المسلم من غلوائه. في قضية الثقة بالمنتبين الجدد إلى الصف وليبق في ذهنهم ..
غلام رسول الله ﷺ وخيانته التي أودت به إلى النار.
والغلام اليهودي الذي لم يسجد لله سجدة وأمانته التي افتتح بها إسلامه فقادته إلى الجنة وليكفكف الشباب المسلم من غلوائه كذلك فيستبيح كل صور الغنيمة من العدو إذا ارتبطت بلوثة مع الإسلام وشباب الإسلام.
٤ - وحين نتناول هذه السمة بمظاهرها العامة سمة إنهاء الوجود اليهودي من جزيرة العرب وقد عرضنا للصف المسلم وأمانته بينما استحق الصف اليهودي أن تحق عليه لعنة الله وغضبه بعد أن خان الأمانة لا يغيب عن البال غدر كنانة بن أبي الحقيق والذي خان رسول الله وأخفى ما لديه من ثروة مع أنه هدد بالقتل إن أخفى شيئا من ذلك ثم قتل عقوبة له على غدره. لا ننسى أن الصف الداخلي لليهود قد تمزق ومضى بعض أفراده ليدل المسلمين على ثغرات الحصون وثرواتها. وما كان ذلك ليقع لولا أن هؤلاء اليهود قد كفروا بقياداتهم فراحوا يتطوعون بإعطاء الأسرار للجيش المسلم دون مقابل بل ساهم بعضهم بكشف خيانة كنانة بن أبي الحقيق حين رآه يتردد على خربة له وقد أخفى فيها ثروة يهود. ونلحظ معه كذلك المحاولات الإجرامية للاعتداء على المسلمين ونقض العهود حين يتاح لهم ذلك حيث قتلوا عبد الله بن سهل حين أمنوا إخفاء الجريمة وحاولوا اغتيال رسول الله ﷺ بوضع السم في الشاة التي أهدوها لرسول الله ومات على إثرها بشر من البراء بن معرور ﵁ واستحقوا هذه الهزيمة.
وحين يكون الصف المسلم يمثل هذه الواصفات فستقع عليه العقوبة ويحال بينه وبين
стр. 515
النصر.
٥ - لكن هذه الأمور على مستوى الصف لا تعفي الصف من تقديم التضحيات المناسبة واللازمة فلقد عانى المسلمون من الجهد في هذه المعركة ما لم يعانوه في معركة سابقة فالخندق أطول معاركهم استمرت عشرين يوما أو تزيد، وهم في بيوتهم وبلدهم وحصونهم، بينما نراهم هنا، ولا يملكون من الطعام حتى التمر، وهم في أشد الحاجة يصبرون قرابة شهرين على الحرب. فلم تتم نهاية اليهود بهذه السهولة، ولقد دافع اليهود دفاع المستميت عن وجودهم وحصونهم، وقاتلوا وصبروا، لكن المؤمنين كانوا أصبر الفريقين، وأشجع الفريقين وما بذله أبطال المسلمين من بسالة وبذل في النفس والنفيس، فاق تصورات العدو، وكان البذل مشتركا من الفريقين المهاجرين والأنصار.
فعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعمر بن الخطاب في المبارزات الفردية وكذلك الحباب بن المنذر ومحمد بن سلمة وأبو دجانة سماك بن خرشة حطم كل البطولات الفردية عند اليهود الذين كانوا يحسبون كل بطل من أبطالهم بألف رجل.
والقتال العام الذي كان يستمر أياما. فيضطر اليهود للانسحاب والتراجع، وقد شارك فيه الجيش كله بلا إستثناء يعني أن الحركة لم يبخل المسلمون عنها بشيء من أرواحهم ودمائهم وهي أطول معركة عجم فيها عودهم، واختبر فيها صبرهم فكانوا على مستوى المعركة.
٦ - وتبدو ضراوة المعركة وضخامتها حين نتصور المعركة مع المتحصنين في القلاع والحصون من اليهود. وكما وصف القرآن اليهود ﴿لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) (١).
وكل هذه الحصون والقلاع لم تفل من عزيمة المسلمين، ولم توهن من مقاومتهم. وهذه طبيعة اليهود اليوم كذلك فمن وراء دباباتهم ومتاريسهم وتحصيناتهم يقاتلون المسلمين اليوم لكن مسلمي اليوم سرعان ما انكشفوا أمام تلك التحصينات وكم أبيد من الألوية العربية في الحروب أمام حصون اليهود.
وحين نقارن بين حرب الخامس من حزيران وبين فتح خيبر. فليست مقارنة عرضية. بل هي مقارنة حقيقية. فلقد أعلن موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي بعد أن احتل القدس واكتسح بجيشه الأرض العربية في سورية والأردن ومصر. قال وقد مس ثرى القدس: هذه بخيبر.
لقد لقي اليهود قبل خمسة عشر قرنا تلك الهزيمة النكراء التي أنهت الوجود اليهودي في جزيرة العرب ولم تنهه لعقد أو عقدين من الزمان أو لقرن أو لقرنين من الزمان. إنما أنهته لخمسة
стр. 516
عشر قرنا من الزمان لم يقم بعدها لليهود قائمة، ولم يرتفع لهم علم ولم تخفق لهم راية. إلى أن كان منتصف هذا القرن وقامت دولة إسرائيل فوق ربا فلسطين، ولم يغب عن ذهن اليهود مرارة خيبر وقد تجرعوا الذل والهوان فيها، وبقي الجيل بعد الجيل يرويها، ويؤرث سلفهم الحقد لخلفهم ويذكره بالثأر من رسول الله ﷺ . حتى كانت معركة الخامس من حزيران. حيث سلمت الجولان غنيمة باردة لليهود من الخائن العربي الأكبر. رغم الحصون الضخمة التي فيها، والتي كانت كفيلة أن تقاوم اليهود بعدة جنود قلائل أشهرا طوالا، سلمت بدون قتال، على الجهة السورية، وانهارت تحصينات الجولان التي كان يقال عنها - خط ماجينو- لا بالشجاعة اليهودية ولكن بالخيانة العربية.
لقد كان النصر الإسلامي في خيبر من القوة والضخامة بحيث أنهى الوجود العسكري لليهود. خلال هذه القرون الطوال. وفي غفلة من الزمن، وفي غياب لجند الإسلام عن الأرض وفي غياب لخلافة الإسلام وحكم الإسلام برز الوجود اليهودي من جديد.
٧ - وحين نعالح ذلك الواقع ندرس من خلاله الصيغة التي انتهى يهود إليها أن يكونوا خولا عند المسلمين وأجراء فيخدموا الأرض ولهم نصف الثمر وللمسلمين النصف، ولقد كانت القيادة النبوية من العظمة ما جعلها فوق أحقاد اليهود، وجعل التعامل معمهم بصفتهم بشرا ومدنيين غير مقاتلين بحيث لا يستغل جهدهم، ولو كانوا أعداء الله ورسوله، ولا تستنزف طاقاتهم عبيدا كالعبيد، بل أمكن إيجاد جو من التعايش معهم. بحيث يشتغلون بأرض المسلمين ولهم نصف الثمر. والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى فقه هذا المعنى. فمن أجل الجهاد رفض رسول الله ﷺ أن ينكب الجيش المقاتل الثائر على الزراعة، فيفقد جاهزيته ويفقد عسكريته، ويفقد جنديته، كما علمهم القرآن الكريم.
﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (١).
وليست التهلكة إلا الإنشغال بالزرع والضرع عن المعركة فلا بد أن توجه كل الطاقات للمعركة أما الأرض فلن تلهي عنها ولن تشغل عنها، واليوم والحركة الإسلامية تعد نفسها لمواجهة شاملة لا بد لها أن تجند كل طاقاتها للمعركة. فالإسلام لم يقبل هذا الموقف بعد النصر المؤزر المبين. فكيف تقبله الحركة الإسلامية وهي تخوض معركة وجودها أو لا وجودها في الساحة.
ومع ذلك. فقد استفاد رسول الله ﷺ من الخبرة الزراعية المختصة، ولو كانت من اليهود لتلبي هذا القطاع وتؤمن حاجته ومضى العام الأول والثاني ورسول الله ﷺ والمسلمون ماضون في حربهم، وتنقل لهم ثروات أرضهم فهل يستطيع المسلمون اليوم أن يعيدوا اليهود إلى الأرض
стр. 517
وتكون لهم القيادة والسيادة من جديد؟
٨ - وإذا كان أمر التعامل مع اليهود وهم أذلة فإن هذا لا يعني في المفهوم الإسلامي بخسهم حقهم ولوكانوا مستضعفين أو مضطرين للعمل مع النبي ﷺ وصحبه وتذكر كتب السيرة عن ذلك الخرص الوحيد الذي قام به عبد الله بن رواحة ﵁ لعام واحد وهو يوزع الثمر مناصفة بين اليهود والمسلمين قالوا له: ما نراك عدلت. فيجيب ﵁: يا إخوة القردة والخنازير، والله ما أحد على ظهر الأرض أبغض إلي منكم وما يدفعني بغضي لكم أن أنقصكم تمرة واحدة. ووالله ما أحد على ظهر الأرض أحب الي من محمد ﷺ ، وما يدفعني حبي له أن أزيده تمرة واحدة. إن شئتم هذه أو شئتم هذه، ويشير ﵁ إلى الحصتين أمامه. أو كما روى ابن إسحاق: (قالوا له: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم، أو شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والأرض) (١).
وإذن فمفهرم دولة الإسلام وحكم الإسلام الذي نرقبه ونسعى له، ونقاتل من أجله هو في تحقيق هذا العدل بين العدو والصديق والقريب والخصم وهو أكبر ميزان على تحقيق شريعة الله في الأرض أن يأمن العدو قبل الصديق، والخصم قبل الأخ، ولا يطمع شريف في ظلم، ولا ييأس ضعيف من عدل وأن يطمئن المسالم الآمن على ماله وعرضه وعقيدته وأرضه واليهود الذين عاشوا في ظل هذا الإسلام العظيم، نعموا بهذا الأمن، وطردتهم دول الأرض وآوتهم دولة الخلافة الإسلامية فكان جزاؤها أن هدموا هذه الخلافة إنهم يعلمون أن عدل محمد ﷺ لن يستطيعوه هم على أنفسهم، ومن أجل ذلك قالوا: بهذا العدل قامت السموات والأرض، وأن يتعامل عبد الله بن رواحة وهو المبغض الألد لهم بنفس الصيغة التي يتعامل فيها مع حبيبه ﵊.
إنه ما لم تقتنع قاعدة الحركة الإسلامية بأن قيادتها على الجادة، وأنها تحقق العدل في صفوفها وتؤثر الحق على العاطفة في تعاملها، فلن تخطو خطوة واحدة خارج صفها في تحقيق الهدف الذي ترنو إليه وعندما يطمئن الصف المسلم إلى أن قيادته رائدها العدل دائما وأنه لن يضيع حق لفرد من أفراده فيه. فحينئذ تستطيع أن تكون داعية لهذا المعنى في صفوف الخصوم، ولا بد أن يتربى الصف كذلك على قبول هذا العدل والرصوخ له، ولو كان على حسابه ومن مصلحته.
فالقضية ذات طرفين متوازنين الطرف الأول: طرف القيادة الصارمة العادلة التي لا تأخذها في الله لومة لائم، وتكون قوامة بالقسط شاهدة لله ولو على نفسها أو الوالدين والأقربين. وطرف القاعدة التي لا تعتبر الإسلام مغنما ومكسبا، وحقا متسلطا على رقاب العباد بل تعطي من ذاتها ونفسها ما يعين القيادة على تطبيق هذه العدالة وأن تخضع للحق ولا تستجيب للنزوة الطارئة
стр. 518
أو الهوى الجموح.
٩ - والمعنى الآخر الذي نلحظه من خلال خيبر هو إخراج اليهود من جزيرة العرب إذ لم يكن نقضا للعهد كما يحلو للمغرضين أن يسموه، بل كان جزءا من الاتفاق الأول حين عرض اليهود على رسول الله ﷺ أن يعملوا مع المسلمين في الأرض فكان جوابه ﵊ (فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله أن يقرهم) وعند ابن إسحاق: (وأقركم ما أقركم الله).
وعندما أصبحت المصلحة بإجلائهم عن خيبر، وتأكد لأمير المؤمنين ﵁ هذا المعنى ووصية النبي ﷺ ألا يجتمع بجزيرة العرب دينان، أمر بإجلائهم إلا من كان معه عهد من رسول الله ﷺ خاص به بالبقاء.
وتبقى دوما مصلحة المسلمين العليا وأمنهم، أهم من مصلحتهم العادية في زرعهم وضرعهم، ويضحى بكل شيء حفاظا على هذه المصلحة علما بأن المسلمين قد اكتسبوا الخبرة المطلوبة في الأرض. وصاروا قادرين على الانتاج ولديهم السعة للعمل في الزراعة بعد التمكين الكبير لهم فاستغني عن هذه الطاقات كما تستغني كل دولة وحركة عن خدمات وخبرات من هم خارج صفها عندما تمتلك هذه الخبرات أو تستغني عنها وتعتمد الاكتفاء الذاتي في تسيير دولتها.
١٠ - ويبرز المعنى الأخير في خيبر من خلال السبر العام لنفسيه قريش حين جاءها الحجاج بن علاط السلمي، ولم تعط فرحتها لأحد بهزيمة محمد وأسره، لكنها فوجئت بالصاعقة على رأسها حين عرفت أن الحجاج عبث بها حتى أخذ حقه وماله ورحل عنهم.
والذي يعنينا من هذا الدرس جانبان:
الجانب الأول: في التيقظ من المهادنين، والتعرف على حقيقة نفسياتهم وإمكانية نكثهم للعهد إن أتيح لهم ذلك وعلى الحركة الإسلامية أن تقدم الاختبارات المتتالية للتعرف على نفسية الحلفاء والمسالمين.
الجانب الثاني: حق الجندي المعترف على شركه أن يصل إلى حقه عن طريق التضليل بالصف المشترك وإلا لحرم هذا الحق لإسلامه وطالما أن الأخ لم يعلن التزامه في الصف الإسلامي فالمجتمع الجاهلي يحمل وزر تصرفه لا المجتمع الإسلامي فالحجاج في ظاهر الأمر مشرك وأعطي المال على ضوء شركه واستعمل المخادعة للوصول إلى حقه لكنه لم يقدم على هذا الأمر إلا بعد استئذان قيادته.
وحري بشباب الحركة الإسلامية خاصة السريين منهم الذين يحسبون في الأصل جواز مثل هذه التصرفات ألا تتم إلا من خلال الإذن من القيادة الشرعية التي تحدد حدود هذه التصرفات
стр. 519
والاجتهاد الفردي مرفوض ولو كان صوابا محضا واستئذان القيادة الشرعية ولو كان خطأ محضا من حيث السلوك فهو صواب محض من حيث التنظيم.
١١ - ومن المعاني الواضحة في خيبر والتي لم تغب في كل لحظاتها الدعوة إلى الله تعالى فما من مواجهة بين اليهود والمسلمين إلا والتوجيهات النبوية تؤكد على ضرورة الدعوة إلى الله قبل المواجهة.
(فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم) (١).
فإذن ليست الدعوة إلى الله في حالة السلم فقط، ومقابل المعركة، إن المسلم وهو في قلب المعركة داع إلى الله تعالى قبل أن يكون مقاتلا. والبطل العظيم علي ﵁ يحمل الراية بشهادة رسول رب العالمين. يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله تعالى على يديه، ومع ذلك فالدعوة إلى الله تعالى هي الأصل، والهداية خير من القتل.
وهداية امرىء واحد خير من حمر النعم، فليدرك هذا الأمر شباب الحركة الإسلامية أن قضية الدعوة إلى الله يجب أن ترافق المسلم في كل لحظة من لحظات حياته قبل المعركة وخلالها وبعدها وأن يصبح تقييم القيادة والحركة من خلال المعركة ونسيان الأصل الذي قامت عليه الجماعة هو انحراف في الفهم الإسلامي ولا شك. ولئن كانت هذه المرحلة بعد صلح الحديبية هي مرحلة الانطلاق السياسية والدعوية وكانت معركة خيبر ظاهرة خاصة في قلب هذه الأحداث لكنها بقيت تحمل طابع الدعوة إلى الله مع اليهود الذين حاربوا هذه الدعوة منذ مهدها وحاربوا سيد الدعاة محمد ﷺ منذ ولادته.
١٢ - ولا ننسى في النهاية دور المرأة المسلمة وقد شاركت في خيبر في أكبر تجمع نسوي بلغ عدده عشرين امرأة، ورضخ رسول الله ﷺ لهن من الفيء وتبقى هذه الذكرى حتى لا ننسى دور المرأة المسلمة في الصف الإسلامي بجوار الرجل. فإذا كان لها دور في المعركة فمن باب أولى أن يكون لها الدور في الدعوة إلى الله. والمرأة نهبة لدعاة الشر في الأرض يريدون لها أن تهدم فتهدم الأسرة معها. وبالتالي يهدم المجتمع كله. ولعل القلادة التي أهداها النبي ﷺ للفتاة الغفارية تعدل كثيرا من غلوائنا ونحن نتعامل مع النساء وذلك كما روى ابن إسحاق عن امرأة من بني غفار قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا وهو يسير إلى خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال:
стр. 520
على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية حدثة، فأردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فوالله لنزل رسول الله ﷺ إلى الصبح وأناخ ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها قالت فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم قال: ما لك لعلك نفست، قالت قلت: نعم قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من دم ثم عودي لمركبك، فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء هذه القلادة التي ترين في عنفي فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا) (٢).
...
стр. 521
السمة العاشرة:
قيادات العدو تنضم إلى الإسلام
إسلام عمرو بن العاص: قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي، عن حبيب بن أبي أوس الثقفي قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه قال:
لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق. جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت أمرا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد. وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي قلت: فاجعوا له ما نهديه له. وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه.
فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك، رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحا بصديقي، أهديت إلي من بلادك شيئا؟ قلت: نعم. أيها الملك قد أهديت إليك أدما كثيرا، قال: ثم قربته إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه تد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله! قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي (١) ....
стр. 522
إسلام خالد بن الوليد (قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضرني رشدي فقلت قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد ﷺ فليس في موطن أشهده إلا انصرف، وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان. فقمت بإزائه، وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا. وكانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا، وقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح، قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين أذهب إلى النجاشي! فقد اتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية. فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي، فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء فتغيبت ولم أشهد دخوله وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي في عمرة القضاء فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك، وقال: أين خالد. فقلت يأتي الله به فقال مثله يجهل الإسلام؟ ولو جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة.
قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرني سؤال رسول الله ﷺ عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة. فخرجت في بلاد خضراء واسعة فقلت: إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر، فقال: مخرجك الذي هداك الله للإسلام والضيق الذي كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه إنما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم فلو قدمنا على محمد واتبعناه، فإن شرف محمد لنا شرف؟ فأبى أشد الإباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدأ. فافترقنا، وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية فقال لي مثل ما قال صفوان، قلت فاكتم عني. قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة. فقلت: إن هذا لي صديق. فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت
стр. 523
: إنما نحن بمنزلة ثعلب في حجر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي، فأسرع الإجابة، وقلت له: إني غدوت اليوم. وأنا أريد أن أغدو وهذه راحلتي بفج مناخة، قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه، فأدلجنا سحرا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها قال: مرحبا بالقوم فقلنا وبك. قال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام، واتباع محمد ﷺ قال: وذاك الذي أقدمني فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله ﷺ فسر بنا فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيني أخي: فقال: أسرع فإن رسول الله ﷺ قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يبتسم حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: تعال. ثم قال: الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير. قلت: يا رسول الله: إني قد رأيت ما كنت أشهد عليك من المواطن معاندا للحق، فادعو الله أن يغفرها لي، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام يجب ما كان قبله. قلت: يا رسول الله على ذلك قال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ ، قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان قال: والله ما كان رسول الله ﷺ يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه (١)).
كانت غزوة خيبر قد انتهت وحطمت ما بقي في نفسية مكة من مقاومة. فقد سقط حليف ضخم لها في المنطقة، كانت تأمل أن ينهي على محمد إن فاتها هي ذلك. وحتى غطفان، فقد قام محمد ﷺ بغزوات لها في عقر دارها، خلال هذه المرحلة، وكان عمرو بن العاص بعيد النظرة، حين حكم بعد الخندق بانتهاء قريش كقوة عسكرية بعد أن جيشت الجيوش وقادت عشرة آلاف مقاتل لتستأصل شأفة محمد في المدينة، ورجعت تجرجر أذيال الخيبة. فقد انتهى عمرو بن العاص ﵁ كقائد حربي في مكة منذ الخندق، كما حدثنا عن ذلك، وصمم أن يغادر مكة إلى الحبشة لاجئا سياسيا يعيش عند صديقه النجاشي، تاركا الأمور في أعنتها حيث لا جدوى من المقاومة.
وكان الغزو النفسي لخالد ﵁ إبان صلح الحديبية حين صلى رسول صلاة الحوف في الوقت الذي هم فيه خالد بغزوه وأقسم أن الرجل ممنوع. وتلقى عمرو بن العاص هزيمته الأخيرة بين يدي النجاشي حيث تمنى لو أن الأرض ابتلعته فرقا من النجاشي. ورواية الواقدي تقول إن النجاشي لم يضرب أنفه إنما ضرب أنف عمرو وتناثر الدم
стр. 524
منه. وكانت تلك الهزة الوجدانية التي لامست عمرو فهزته من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه. ولم تنته إلا ببيعة عمرو للنجاشي على الإسلام في ذات اللحظة التي كان يود أن يضرب عنق عمرو بن أمية الضمري لو سلمه النجاشي إليه فلقد كانت الهزة من العمق والضخامة بحيث كسرت أثقال الجاهلية وأغلالها وفتحت عينيه على الإسلام. وكانت الضربة العنيفة هي التي أعادته إلى رشده، وقرر أن يرحل من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
بينما كانت الهزة الضخمة التي زلزلت كيان خالد بن الوليد ﵁ تلك الرسالة الصغيرة المعدودة الكلمات. وقد غيرت كل مخططات حياته. فلقد غادر خالد مكة والغيظ والحقد يأكل قلبه أن يدخل محمد مكة. بعد سبع سنوات من المقاومة دون أن يقف في وجهه أحد بل بإقرار قريش واعترافها ولا شيء على القائد العسكري أشد مرارة من الهزيمة. وأن يرى بأم عينيه خصمه مظفرا منتصرا، ومن أجل ذلك غادر مكة عند دخول رسول الله ﷺ لها، بل فكر أكثر من ذلك بأن يفعل ما فعله عمرو وصحبه. أن يمضي إلى النجاشي أو كسرى أو قيصر. غير أنه وجد الذل واحدا وليس له من الصداقة عند النجاشي ما لصاحبه عمرو وسيكون نكرة في أي مكان يمضي إليه حتى ولولم يكن نكرة مجهولة. فأي معنى أن يضع إمكاناته وعبقريته لينصر فرسا على روم أو روما على فرس. ومن أجل هذا ضاقت الدنيا في عينيه، وهو يعرف في أعماقه أن موقعه الحقيقي في مكة.
وجاءت هذه الرسالة. لتعيد تركيبه من جديد. فلقد قدم مكة وخف الضغط على أعصابه أن محمدا ﷺ قد غادر مكة. ولم يكن غصة في حلقة أن يراه وهو يطوف حرول الكعبة ويستلم الركن. ويرى من حوله أتباعه من كل مكان يسرحون ويمرحون في بلده. وكانت رسالة أخيه عند والدته. وفض الرسالة، ولم يأبه في بادىء الأمر إلى دعوة أخيه له للإسلام فهو لا يقيم هذا الوزن لرأي أخيه وطالما ساهم في حبسه ومنعه عن المسير إلى المدينة لكن الذي شده، وشد نظره أن يكون محمد رسول الله قد مال عنه: وكاد يلتهم الكلمة التهاما ليرى طبيعة السؤال ويرى دوافعه رأي محمد فيه، وعلى الغالب أنه لم يخطر على باله دافعا للسؤال عنه من محمد ﷺ إلا الرغبة في إذلاله وإشعاره بالهزيمة والاستخفاف بهؤلاء المعاندين، لكن المفاجأة الضخمة التي هزت أعماقه هي هذه الكلمات العادية في الصحيفة الهائلة في التأثير والمعنى. (فقلت: يأت الله به. قال: مثله جهل الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين لكان خيرا له ولقدمناه على غيره).
فإذن ليس هو أمام قائد متعجرف أذل كبرياءه أو حتى غاضب ثأر لحروب ضخمة سابقة أو حتى عاتب لائم على مواقف معاندة مكابرة، ليس أمام هذا كله. إنه أمام إنسان لا مثيل له في البشر. إنه أمام رسول الله ﷺ ، وأعاد القراءة الثانية وما يكاد يصدق عقله، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين لكان خيرا له ولقد مناه على غيره، إذن فقد وجد ضالته، ورأى موقعه، تحت
стр. 525
راية محمد ﷺ وفي الموقع المناسب والمركز الملائم. إذن ففيم يقف؟ وماذا ينتظر؟
لقد حققت هذه الكلمات القلائل تلك النقلة الهائلة لخالد بن الوليد ﵁ من الجاهلية إلى الإسلام. وكانت في ضخامة تأثيرها أشد بكثير من لطمة النجاشي. فلقد بقي عمرو ابن العاص ﵁ شهورا طوالا قبل أن يعزم عزمته الأخيرة على المسير إلى المدينة أما خالد بن الوليد، فقد كان التحول الضخم عنده ليهيء متاعه دون توان ويمضي إلى محمد ﷺ ، وإن كان له من شبه في الأثر ففى تلك الضربة العمرية لختنه سعيد بن زيد ولأخته وفي تلاوته لصدر سورة طه تلك الكلمات مست أعماق عمر ومضى إلى دار الأرقم مؤمنا منيبا بعد أن غدا قاتلا. وهذه الكلمات اليوم حولت خالد بن الوليد من حاقد ناقم إلى مؤمن ملتزم.
ولم تستطع معارك عشرين عاما وحوار عشرين عاما أن يفعل فعله في خالد بن الوليد ﵁ كما فعلت تلك الكلمات في أعماق خالد، وهو يرى الأرض قد ضاقت عليه ويبحث عن الموقع الذي يضع قدميه فيه. فجاءته الرسالة لتقول له: تعال: هذا هو موقعك. وحلت أكبر عقدة نفسية عنده.
ومضى ليستلقي قليلا فيرى الرؤيا التي تتناسب وهذا الوضع النفسي الجديد الذي خرج من صحراء قاحلة مجدبة إلى أرض خضراء ممرعة.
والدعاة إلى الله اليوم بحاجة إلى وقفة طويلة مع هاتين القضيتين. قضية إسلام خالد، وإسلام عمرو فأعماق الحادثتين أكبر من الحدث الآني وهو دعوة ملحة لهؤلاء الدعاة أن يتعاملوا مع نفوس الناس. وأخص بالذكر الخصوم وقيادات الخصوم، ليحولوا تلك النفوس إلى الإسلام.
وليكن أعظم أهدافهم هو جعل طاقات وعبقريات هؤلاء الخصوم تنصب في معين الإسلام وتذود عنه. تماما كما قال ﵊ (ولو كان جعل جده ونكايته مع المسلمين ..) وليكن لدى الدعاة من سعة الصدر أن يقولوا لخصومهم ما قاله ﵊ لأكبر أعداء الإسلام ذات يوم لخالد بن الوليد (ولقدمناه على غيره).
أن تنتصر الحركة الإسلامية في معركة حربية. فتجندل بعض القيادات قتل ويلوذ بعض القواد بالفرار ثم يتأجج الحقد والرغبة في الثأر في معركة جديدة شيء عظيم لكن الأعظم منه بلا شك أن تنتصر الحركة الإسلامية في معركة النفوس الكبرى وفي حلبة الصراع العظمى بين الجاهلية والإسلام فتفتح هذه القيادات صدورها للإسلام وتنضوي تحت لوائه هو النصر الأكبر ولا شك. ومن أجل ذلك كان الفتح المبين في الحديبية. حيث أزيح السيف من الطريق، وفتحت معركة العقيدة وسرعان ما انتصرت العقيدة في النفوس، ومن أجل ذلك كان نصر الله والفتح ليس في هزيمة الجيش المكي الهزيمة المنكرة وعدد القتل والجرحى فيه. إنما كان في دخول الناس في
стр. 526
دين الله أفواجا ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾.
النصر الحقيقي هو أن تدخل قادة العدو في الإسلام لا أن تهزمهم في معركة من معارك الإسلام. ويبقى هذا الهدف هو الأعلى.
نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.
لكن فن الدعوة لا بد أن يلامس تلك النفوس لمسا حادا، وينفذ إلى أعماقها نفوذا حكيما بحيث يكون هو المصير للمدعو ولا مصير غيره هو الحل ولا حل غيره.
أما إذا شعر العدو أو الخصم أن الإسلام هو الذي يذل، ويحطم مصالحه. فسيبقى في إطار العداء لله على الدوام.
ومن إسلام خالد إلى خطواته في الدعوة بعد لحظات إلى رفاق دربه صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وعثمان بن طلحة.
وحين شرح الله صدر خالد للإسلام صار على التو داعية إلى الله وتذكر أحب الناس إليه هؤلاء الثلاثة وراح يعرض عليهم الإسلام فطووا عنه كشحا، فلم تنلهم هزة خالد، ولم يشرح الله صدورهم بعد غير أن إقدامه على دعوتهم ليعطي دلالة واصحة على صخامة هذه الهزة فلقد كان بإمكانه أن يكتم خبره ويمضي وحده إذا كان هذا الإيمان ذاتيا من جهة، وباردا من جهة ثانية، لكن حرارته وصدقه، هما اللذان دفعاه إلى عرض هذا الدين على رفاق الدرب معه بل أصبح يدرك ببصيرة المؤمن، أن عناد هؤلاء الرفاق مرتبط بنزعات جاهلية عميقة ولما يمر عليه في الإسلام ساعات بعد. إذ أن مقتل آبائهم وإخوانهم هو الذي يعمي بصرهم عن الحقيقة ولن يدرك الحقيقة موتور ثائر إنما يدركها مخلص. بعيد عن الهوى والغرض.
ولعلنا قبل أن ننتقل مع القادة الثلاثة إلى المدينة نستمع لعمرو ﵁ ينقل لنا طرفا من الحديث من خلال رواية البيهقي عن الواقدي:
(... فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فأبتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك. قال فاستحيا، وقال يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟ قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي، عرف هذا الحق العرب والعجم
стр. 527
وتخالف أنت .. ثم دعا بطست، فغسل عني الدم وكساني ثيابا وكانت ثيابي قد إمتلأت بالدم فألقيتها ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك. وقالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة. وقلت أعود إليه. فقالوا: الرأي ما رأيت. قال ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن. فأجد سفينة قد شحنت تدفع قال: فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة، وخرجت من السفينة ومعي نفقة: فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران ثم مضيت حتى إذا كنت بالهوة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، فنظرت فإذا خالد بن الوليد: قال: قلت: أين تريد؟ قال: محمدا. دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: أنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة فلما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: أعطت مكة المقادة بعد هذين وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولى إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله ﷺ بقدومنا فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفبع طرفي حياء منه فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر فقال إن الإسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها قال: فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أن أسلمنا. ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك المنزلة وكان عمر على خالد كالعاتب.
ولقد عرضنا هذه الرواية الثانية التي تعطي إيضاحات أكثر على إسلام عمرو ﵁. وتلقي أضواء على طبيعة شخصيته. فعمرو داهية العراب وقد بايع النجاشي على الإسلام لم يكن من سمته ولا من طبعه أن يطرح ما في نفسه على صحبه كما فعل خالد ﵁. بل كتم الأمر عنهم وأوهمهم بكسوة النجاشي أنه لا يزال على عهده واستحيا طلب رسول محمد ﷺ لهذه الهدية، واتنسل عن صحبه يبحث عن سفينة تقوده إلى يثرب.
وتبرز طبيعة شخصيته ثانيا حين التقى مع خالد ولم يظهر مقدمه للإسلام حتى اطمأن إلى خالد أنه ماض إلى المدينة ليسلم. فشخصيته التي تقوم على أساس الحذر والحيطة المناسبتين لطبيعة الداهية تقتضي منه هذه المواقف.
والملاحظ أن عرض عمرو ﵁ لإسلامه وإسلام خالد بين يدي الرسول ﷺ لا
стр. 528
يختلف في المضمون لكن نرى في بعض الجزئيات إشارات لمعنى ضخم في طبيعة الدعاة فخالد ﵁ يرى ابتسام رسول الله ﷺ له منذ لقياه. وأنه ينظر به وعمرو ﵁ يرى تهلل وجه رسول الله ﷺ منذ أن رآهما.
وخالد يقول: إن رسول الله ﷺ لم يعدل به أحد إذا حز به أمر، وعمرو ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ لم يعدل بهما أحد إذا حز به أمر وهذه الإشارات تدل على عظمة هذا النبي سيد ولد آدم. فكل صحابي كان يشعر أنه أحب الناس إلى رسول الله ﷺ وأنه موطن ثقته. وحده من دون الناس، وهكذا كان عمرو وخالد يشعران أنهما قد احتلا الموقع المناسب وأن كفاءتهما العسكرية والسياسة لم تذهب هدرا أو عبثا. بل كان لهما محل القيادة والريادة بين المسلمين رغم حداثة دخولهما في الإسلام.
ويبقى المعنى الأعمق والأشمل بإسلام هذه القيادات وأثر هذا الإسلام على المعسكر المكي الذي بدأ ينهار إثر هذه الضربة القاضية حتى أبو سفيان القائد العام شهد بأم عينه عند هرقل ما قاله قيصر في حق النبي ﷺ وكانت بداية الغزو النفسي له. لقد أهدت مكة إلى المعسكر الإسلامي ثلاثة أبطال من أبطالها وكل بطل ركن في عشيرته فخالد سيد بني مخزوم وعمرو سيد بني سهم، وعثمان سيد بني عبد الدار وصدق فيهم قول رسول اللهق ﷺ لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها، فهم قرة عين مكة، وقادتها الكبار ينضمون إلى معسكر النبوة.
ولإسلام عثمان بن طلحة أثر فوق هذه الآثار جميعا هو أن مفتاح الكعبة معه، فبنو عبد الدار عندهم حجابة الكعبة، وعثمان بن طلحة قد انتهت إليه هذه المأثرة. وهذا الأمر يهد قريشا هدا فهي تفاخر العرب بالبيت الحرام وأنها حاميته والذائدة عنه فإذا كان حامل مفتاح الكعبة قد غدا جنديا في جيش محمد ﷺ فلقد انتهت ادعاءاتها في الحامية وصار عثمان بن طلحة المسلم صاحب الحجابة هو المسؤول أمام العرب عن حجابة الكعبة ورعاية البيت الحرام كما أن بني هاشم قد انتهت عندهم السقاية والرفادة وليس موقف العباس بتأييده المطلق الواضح لمحمد ﷺ بخاف عن أحد، وقد رأينا نموذجا من هذا التأييد المطلق في خيبر، حيث لبس حلته وتخلق بطيب، ومضى يطوف حول الكبة ابتهاجا بنصر ابن أخيه محمد ﵊.
وتبدو صورة هذه المعاني في وقتنا الحاضر حين ينضم الى الحركة الإسلامية من كان يمثل موقعا مهما في المجتمع الجاهلي، كأن يكون سفيرا أو وزيرا أو ضابطا قائدا فكم يكون لمثل هذا الانضمام من أثر على قوة الحركة الإسلامية، وضربة نجلاء في صميم المجتمع الآخر. وحق لهذا العرض أن يكون سمة واضحة في هذه المرحلة من تاريخ الدعوة.
стр. 529
السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال:
بعث رسول الله ﷺ بعثة إلى مؤته في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فتجهز الناس ثم تهيؤوا للخروج. وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع من أمراء رسول الله ﷺ بكى. فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾. فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا
ثم إن القوم تهيؤوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخبر نافلة ... الله يعلم أني ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر (١)
وشيعهم رسول الله ﷺ إلى ثنية الوداع، ثم وقف وهم حوله وقال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر الله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث. فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم. ادعهم إلى الدخول في الإسلام فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم. فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
стр. 530
وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم؛ وستجدون آخرين في رؤوسهم مفاحص (١) فاقلعوها بالسيوف. لا تقتلن إمرأة ولا صغيرا ولا كبيرا فانيا، ولا تغرقن نخلا ولا تقلعن شجرا ولا تهدموا بيتا (٢).
قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال:
خلف السلام على امرىء ودعته ... في النخل خير مشجع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا معان فبلع الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم. وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة يقال له مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره. فنمضي له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد صدق والله ابن رواحة، فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في حبسهم ذلك شعرا. ثم مضى الناس. حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة. وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك. ثم التقى الناس واقتتلوا. فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط (٣) في رماح القوم. ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه (٤) القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول